النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
سُورَةُ الأَنْفَّا (٢٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
(حديث آخر): قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حيوة، أخبرني أبو هانئ أنه
سمع أبا عبد الرحمن الحبلي، أنه سمع عبد الله بن عمرو أنه سمع رسول الله وسلم يقول: ((إن
قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفها كيف شاء)» ثم قال
رسول الله وَلجر: ((اللَّهم مصرف القلوب صرِّف قلوبنا إلى طاعتك)) انفرد بإخراجه مسلم عن
البخاري فرواه مع النسائي من حديث حيوة بن شريح المصري به (١).
﴿وَأَنَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْكُمْ خَاصَةٌ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ
.
٢٥
يُحذِّر تعالى عباده المؤمنين فتنة - أي: اختباراً ومحنة - يعُّ بها المسيء وغيره لا يخص بها
أهل المعاصي ولا من باشر الذنب بل يعمهما حيث لم تدفع وترفع، كما قال الإمام أحمد:
حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا شداد بن سعيد، حدثنا غيلان بن جرير، عن مطرّف
قال: قلنا للزبير: يا أبا عبد الله ما جاء بكم؟ ضيعتم الخليفة الذي قتل ثم جئتم تطلبون بدمه؟
◌ّ: ﴿وَأَتَّقُواْ
فقال الزبير رضيه: إنا قرأنا على عهد رسول الله وَليل وأبي بكر وعمر وعثمان
فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَضَةٌ﴾ لم نكن نحسب أنَّا أهلها حتى وقعت مِنَّا حيث
وقعت(٢)، وقد رواه البزار من حديث مطرّف عن الزبير وقال: لا نعرف مطرّفاً روى عن الزبير
غير هذا الحديث(٣)، وقد روى النسائي من حديث جرير بن حازم، عن الحسن، عن الزبير
نحو هذا (٤).
وقد روى ابن جرير حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن
قال: قال الزبير: لقد خوفنا بها يعني: قوله تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ
خَاصَةٌ﴾ ونحن مع رسول الله وسل﴿ وما ظننًا أنَّا خصصنا بها خاصة، وكذا رواه حميد، عن
(٥)
لته(٥).
الحسن، عن الزبير
وقال داود بن أبي هند، عن الحسن في هذه الآية قال: نزلت في علي وعثمان وطلحة
(٦)
والزبير ﴾ (٦).
وقال سفيان الثوري، عن الصلت بن دينار، عن [عقبة بن صهبان](٧): سمعت الزبير يقول:
= وهذا إسناد ضعيف لضعف شهر وهو ابن حوشب.
(١) المسند ١٦٨/٢ وصحيح مسلم، القدر، باب تصريف الله تعالى القلوب (ح ٢٦٥٤).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣١/٣ ح ١٤١٤)، قال محققوه: إسناده جيد. اهـ. وصححه أحمد
شاكر برقم ١٤١٤ أيضاً، وأخرجه الضياء المقدسي من طريق الإمام أحمد به (المختارة ٦٦/٣ ح ٨٧٢
وحسن سنده محققه).
(٣) أخرجه البزار من طريق الحجاج بن نصير عن شداد به (المسند ح٩٧٦)، وما قاله البزار فإن فيه نظر فقد
رواه عن الزبير الحسن البصري وعقبة بن صبهان كما سيأتي في الروايات التالية.
(٤) السنن الكبرى (ح١١٢٠٦).
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ويشهد له سابقه في المسند.
(٦) أخرجما الطبري وحكمهما كسابقهما.
(٧) كذا في (عم) و(حم) و(مح) وفي الأصل صُحفت إلى: ((عقبة بن ضبيان)).

١٨٢
• سُورَةُ الأَفََِّ (٢٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000000000
لقد قرأت هذه الآية زماناً وما أرانا من أهلها، فإذا نحن المعنيون بها ﴿وَأَتَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَ
الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَضَةٌ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾﴾(١) وقد روي من غير وجه عن
الزبير بن العوام.
وقال السدي: نزلت في أهل بدر خاصَّة فأصابتهم يوم الجمل فاقتتلوا(٢).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَثَّقُواْ فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ
مِنكُمْ خَاصَةٌ﴾ يعني: أصحاب النبي ◌ِِّ خاصَّة. وقال في رواية له عن ابن عباس في تفسير هذه
الآية: أمر الله المؤمنين أن لا يقرُّوا المنكر بين ظهرانيهم فيعمُّهم الله بالعذاب(٣)، وهذا تفسير
حسن جداً، ولهذا قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَأَثَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَضَةٌ﴾
هي أيضاً لكم(٤)، وكذا قال الضحّاك ويزيد بن أبي حبيب، وغير واحد.
وقال ابن مسعود: ما منكم من أحد إلا وهو مشتمل على فتنة إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا أَمْوَلُكُمْ
وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَهُ﴾ [التغابن: ١٥] فأيكم استعاذ فليستعذ بالله من مضلات الفتن(٥) رواه ابن جرير.
والقول بأن هذا التحذير يعمُّ الصحابة وغيرهم وإن كان الخطاب معهم هو الصحيح، ويدل
عليه الأحاديث الواردة في التحذير من الفتن، ولذلك كتاب مستقل يوضح فيه إن شاء الله تعالى
كما فعله الأئمة وأفردوه بالتصنيف، ومن أخصِّ ما يذكر لههنا ما رواه الإمام أحمد حيث قال:
حدثنا أحمد بن الحجاج، أخبرنا عبد الله - يعني: ابن المبارك -، أنبأنا سيف بن أبي سليمان،
سمعت عَدي بن عَدي الكندي يقول: حدثني مولى لنا أنه سمع جدي يعني: عدي بن عميرة
يقول: سمعت رسول الله وَيهو يقول: ((إن الله وَ لا يعذُّب العامَّة بعمل الخاصَّة حتى يروا المنكر
بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذَّب الله الخاصَّة
والعامَّة))(٦) فيه رجل مبهم، ولم يخرجوه في الكتب الستة، ولا واحد منهم، والله أعلم.
(حديث آخر): قال الإمام أحمد: حدثنا سليمان الهاشمي، حدثنا إسماعيل - يعني: ابن
جعفر -، أخبرني عمرو بن أبي عمرو، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأشهل، عن حذيفة بن
اليمان أن رسول الله وَل﴿ قال: ((والذي نفسي بيده لتأمرنَّ بالمعروف ولتنهنَّ عن المنكر أو
ليوشكنَّ الله أن يبعث عليكم عقاباً من عنده ثم لتدعنَّه فلا يستجيب لكم))(٧)، ورواه عن أبي سعيد
(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق الثوري به، وسنده ضعيف لأن الصلت بن دينار متروك كما في
((التقریب)).
(٢) أخرجه الطبري مرسلاً وفي سنده السدي فيه تشيع.
(٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٥) أخرجه الطبري من طريق القاسم عن ابن مسعود بنحوه.
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٩٢/٤) وسنده ضعيف لإبهام شيخ عدي بن عدي الكندي، وله
شاهد أخرجه الطبراني من حديث العرس بن عميرة قال عنه الهيثمي: رجاله ثقات (المجمع ٢٦٧/٧) كما
يشهد له الأحاديث التالية.
(٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٣٢/٣٨ ح ٢٣٣٠١)، قال محققوه: حسن لغيره . اهـ. أي
بشواهده.

١٨٣
• سُوَرَّةُ الأَنْفَِّكَ (٢٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
عن إسماعيل بن جعفر(١) وقال: ((أو ليبعثنَّ الله عليكم قوماً ثم تدعونه فلا يستجيب لكم)).
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن نمير قال: حدثنا رزين بن حبيب الجهني، حدثني أبو
الرقاد قال: خرجت مع مولاي فدفعت إلى حذيفة وهو يقول: إن كان الرجل ليتكلم بالكلمة على
عهد رسول الله ◌َ﴿ فيصير منافقاً، وإني لأسمعها من أحدكم في المقعد الواحد أربع مرات،
لتأمرنَّ بالمعروف ولتنهنَّ عن المنكر ولتحاضنَّ على الخير أو ليسحتنَّكم الله جميعاً بعذاب أو
ليؤمرنَّ عليكم شراركم، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم(٢).
(حديث آخر): قال الإمام أحمد أيضاً: حدثني يحيى بن سعيد، عن زكريا، حدثنا عامر قال:
سمعت النعمان بن بشير له يخطب يقول: وأومأ بأصبعيه إلى أذنيه سمعت رسول الله وَليه
يقول: مثل القائم على حدود الله والواقع فيها والمداهن فيها كمثل قوم ركبوا سفينة فأصاب
بعضهم أسفلها وأوعرها وشرها، وأصاب بعضهم أعلاها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا
الماء مرُّوا على من فوقهم فآذوهم فقالوا: لو خرقنا في نصيبنا خرقاً فاستقينا منه ولم نؤذ من
فوقنا، فإن تركوهم وأمرهم هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعاً(٣)، انفرد بإخراجه
البخاري دون مسلم فرواه في الشركة والشهادات، والترمذي في الفتن من غير وجه عن سليمان بن
مهران الأعمش، عن عامر بن شراحيل الشعبي به (٤).
(حديث آخر): قال الإمام أحمد: حدثنا حسين، حدثنا خلف بن خليفة، عن ليث، عن
علقمة بن مرثد، عن المعرور بن سويد، عن أمّ سلمة زوج النبي وَّر قالت: سمعت رسول الله وَليه
يقول: ((إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمَّهم الله بعذاب من عنده)) فقلت: يا رسول الله أما فيهم
أناس صالحون قال: ((بلى)). قالت: فكيف يصنع أولئك؟ قال: ((يصيبهم ما أصاب الناس ثم
يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان))(٥) .
(حديث آخر): قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج بن محمد، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق،
عن المنذر بن جرير، عن أبيه قال: قال رسول الله وَله: ((ما من قوم يعملون بالمعاصي وفيهم
رجل أعزُّ منهم وأمنع لا يغيره إلا عمَّهم الله بعقاب أو أصابهم العقاب)) ورواه أبو داود، عن
مسدِّد، عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق به (٦).
(١) كذا في الأصل، وفي المسند أورده الإمام أحمد عن أبي سعيد حدثنا سليمان بن بلال ... (المسند ٣٨/
٣٥٢ ح ٢٣٣٢٧)، وهو الصواب كما في أطراف المسند للحافظ ابن حجر ٢٦٣/٢.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٩٠/٥)، وفي سنده أبو الرقاد سكت عنه ابن أبي حاتم
والبخاري وقال الهيثمي: لم أعرفه (المجمع ٢٩٧/١٠).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٦٩/٤) وسنده صحيح كما يلي.
(٤) صحيح البخاري، الشركة، باب هل يقرع في القسمة والاستهام فيه؟ (ح٢٤٩٣)، وسنن الترمذي، أبواب
الفتن (ح ٢١٧٣).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢١٦/٤٤ ح٢٦٥٩٦)، وضعفه محققوه بسبب ليث بن أبي سليم،
لكنه يتقوى بالشواهد وقد ذكر الهيثمي بعضها، وقال: رواه أحمد بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح
(المجمع ٢٦٨/٧)، ولد شاهد من حديث عائشة الآتي بعد حديثين.
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٦١/٤)، وأخرجه أبو داود بنحوه (السنن، الملاحم، باب الأمر =

١٨٤
• سُورَةُ الْأَفَّالِ (٢٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت أبا إسحاق یحدث عن
عبيد الله بن جرير، عن أبيه أن رسول الله وَ ل﴿ قال: ((ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعزّ
وأكثر ممن يعملون ثم لم يغيروه إلا عمَّهم الله بعقاب))(١)، ثم رواه أيضاً عن وكيع عن إسرائيل،
وعن عبد الرزاق، عن معمر، وعن أسود، عن شريك ويونس كلَّهم عن أبي إسحاق السبيعي به
وأخرجه ابن ماجه، عن علي بن محمد، عن وكيع به (٢).
وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، حدثنا جامع بن أبي راشد، عن منذر، عن الحسن بن
محمد، عن امرأته، عن عائشة تبلغ به النبي و سلم: ((إذا ظهر السوء في الأرض أنزل الله بأهل
الأرض بأسه)) فقلت: وفيهم أهل طاعة الله؟ قال: ((نعم ثم يصيرون إلى رحمة الله))(٣).
2- ﴿وَأَذْكُرُوْ إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِ الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطّفَكُمُ النَّاسُ فَشَاوَنَكُمْ وَأَتَّدَكُمْ
يِنَصْرِهِ، وَرَزَقَّكُم مِّنَ الطَِّبَتِ لَعَلَكُمْ تَشْكُرُونَ
يُنبِّه تعالى عباده المؤمنين على نعمه عليهم، وإحسانه إليهم، حيث كانوا قليلين فكثَّرهم،
ومستضعفين خائفين فقواهم ونصرهم، وفقراء عالة فرزقهم من الطيبات واستشكرهم، فأطاعوه
وامتثلوا جميع ما أمرهم. وهذا كان حال المؤمنين حال مقامهم بمكة قليلين مستخفين مضطهدين
يخافون أن يتخطفهم الناس من سائر بلاد الله من مشرك ومجوسي ورومي، كلهم أعداء لهم
لقلتهم وعدم قوتهم، فلم يزل ذلك دأبهم حتى أذن الله لهم في الهجرة إلى المدينة، فآواهم إليها
وقيَّض لهم أهلها آووا ونصروا يوم بدر وغيره، وواسوا بأموالهم وبذلوا مهجهم في طاعة الله
وطاعة رسوله وَآلآد .
قال قتادة بن دعامة السدوسي تَخَُّ في قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُواْ إِذْ أَنْتُمْ قَلِلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِى
اْأَرْضِ﴾، قال: كان هذا الحيُّ من العرب أذلَّ الناس ذلاً، وأشقاه عيشاً، وأجوعه بطوناً، وأعراه
جلوداً، وأبيَّنه ضلالاً، من عاش منهم عاش شقياً، ومن مات منهم ردي في النار يؤكلون ولا
يأكلون، والله ما نعلم قبيلاً من حاضر أهل الأرض يومئذٍ كانوا أشرَّ منزلاً منهم حتى جاء الله
بالإسلام، فمكّن به البلاد، ووسّع به في الرزق، وجعلهم به ملوكاً على رقاب الناس، وبالإسلام
أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا الله على نعمه، فإن ربّكم منعم يحب الشكر، وأهلُ الشكر في مزيد
من الله(٤).
والنهي ح٤٣٣٩) وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٣٦٤٦).
=
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥٥٨/٣١ ح ١٩٢٣٠) وحسنه محققوه.
(٢) السنن، الفتن، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (ح٤٠٠٩).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٦١/٤٠ ح٢٤١٣٣)، وضعفه محققوه الإبهام المرأة التي روى
عنها الحسن بن محمد، وأخرجه الحاكم من طريق سفيان به وسكت عنه هو والذهبي (المستدرك ٥٢٣/٤)
ويشهد له حديث ابن عمر أخرجه الإمام أحمد بسند صحيح عنه: ((إذا أراد الله تعالى بقوم عذاباً، أصاب
العذاب من كان فيهم ثم بعثو على أعمالهم))، (المسند ح٤٩٨٥)، ويشهد له حديث أم سلمة المتقدم قبل
حديثين .
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.

١٨٥
• سُورَةُ الأَفََِّ (٢٧، ٢٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وَأَعْلَمُوْاْ أَنَّمَا
٣
﴿ ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَّخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَنَتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
[قال عبد الله بن أبي قتادة](١) والزهري: أنزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر حين بعثه
رسول الله صل﴿ إلى بني قريظة لينزلوا على حكم رسول الله والتر، فاستشاروه في ذلك، فأشار عليهم
بذلك وأشار بيده إلى حلقه، أي إنه الذبح، ثم فَطِن أبو لبابة، ورأى أنه قد خان الله ورسوله،
فحلف لا يذوق ذواقاً حتى يموت أو يتوب الله عليه، وانطلق إلى مسجد المدينة فربط نفسه في
سارية منه، فمكث كذلك تسعة أيام حتى كان يخرُّ مغشيّاً عليه من الجهد حتى أنزل الله توبته على
رسوله، فجاء الناس يبشرونه بتوبة الله عليه، وأرادوا أن يحلُّوه من السارية، فحلف لا يحلُّه منها
إلا رسول الله وَّه بيده، فحلَّه، فقال: يا رسول الله: إني كنت نذرت أن أنخلع من مالي صدقة،
فقال: ((يجزيك الثلث أن تصدَّق به))(٢).
وقال ابن جرير: حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا يونس بن الحارث الطائفي، حدثنا
محمد بن عبيد الله بن عون الثقفي، عن المغيرة بن شعبة قال: نزلت هذه الآية في قتل
عثمان رَّهِ: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَّخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ الآية(٣).
وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا القاسم بن بشر بن معروف، حدثنا شبابة بن سوار، حدثنا
محمد بن المحرم(٤) قال: لقيت عطاء بن أبي رباح فحدثني قال: حدثني جابر بن عبد الله أن أبا
سفيان خرج من مكة فأتى جبريل رسول الله وسلم فقال: إن أبا سفيان بمكان كذا وكذا، فقال
رسول الله وَلحجر: ((إن أبا سفيان في موضع كذا وكذا فاخرجوا إليه واكتموا)) فكتب رجل من
المنافقين إليه إن محمداً يريدكم فخذوا حذركم فأنزل الله وَت: ﴿لَا تَخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ
أَمَنَتِكُمْ﴾ الآية(٥)، هذا حديث غريب جداً، وفي سنده وسياقه نظر.
وفي الصحيحين قصة حاطب بن أبي بلتعة أنه كتب إلى قريش يعلمهم بقصد رسول الله وَلت
إياهم عام الفتح، فأطلع الله رسولَه على ذلك، فبعث في إثر الكتاب فاسترجعه واستحضر حاطباً
فأقرَّ بما صنع، فقام عمر بن الخطاب فقال يا رسول الله: ألا أضرب عنقه، فإنه قد خان الله
ورسوله والمؤمنين؟ فقال: ((دعه فإنه قد شهد بدراً، وما يدريك لعلّ الله اطلع على أهل بدر
فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم))(٦).
(١) كذا في (عم) و(مح)، وفي الأصل صحفت إلى عبد الرزاق، وعبد الله بن أبي قتادة الأنصاري تابعي ثقة.
(٢) قول عبد الله بن أبي قتادة أخرجه سعيد بن منصور (التفسير ح٩٨٧)، والطبري وابن أبي حاتم من طريق
سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد عن عبد الله مختصراً، وسنده صحيح لكنه مرسل، ومرسل
الزهري أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو ابن داود ضعيف.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف يونس بن الحارث (التقريب ص٦١٣).
(٤) محمد بن المحرم ترجم له البخاري وقال: منكر الحديث (التاريخ الكبير ١٤٢/١).
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه مع الخلاف في السند، وضعفه الحافظ ابن كثير سنداً ومتناً، وفي سنده محمد
المحرم منكر الحديث كما تقدم عن البخاري.
(٦) تقدم تخريجه في تفسير الآية (٩) من هذه السورة الكريمة.

١٨٦
• سُورَةُ الأَفَّاِ (٢٧، ٢٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قلت: والصحيح أن الآية عامة، وإن صحّ أنها وردت على سبب خاص، فالأخذ بعموم اللفظ
لا بخصوص السبب عند الجماهير من العلماء. والخيانة تعمُّ الذنوب الصغار والكبار اللازمة
والمتعدية. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿وَتَخُونُواْ أَمَنَتِكُمْ﴾ الأمانة، الأعمال التي
ائتمن الله عليها العباد، يعني الفريضة. يقول: ﴿لَا تَّخُونُواْ﴾ لا تنقصوها (١). وقال في رواية: ﴿لَا
تَّخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾، يقول بترك سنته وارتكاب معصيته (٢).
وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير في هذه الآية،
أي لا تظهروا له من الحق ما يرضى به منكم، ثم تخالفوه في السرِّ إلى غيره، فإن ذلك هلاك
الأماناتكم، وخيانة لأنفسكم(٣).
وقال السدي: إذا خانوا الله والرسول فقد خانوا أماناتهم، وقال أيضاً: كانوا يسمعون من
النبي ◌َّ﴿ الحديث فيفشونه حتى يبلغ المشركين(٤).
وقال عبد الرحمن بن زيد: نهاكم أن تخونوا الله والرَّسول كما صنع المنافقون(٥).
وقوله: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ أي: اختبار وامتحان منه لكم إذ أعطاكموها
ليعلم أتشكرونه عليها وتطيعونه فيها أو تشتغلون بها عنه وتعتاضون بها منه كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَآ
أَمَوَّلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾﴾ [التغابن] وقال: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيَرِ فِتْنَةٌ﴾
[الأنبياء: ٣٥]. وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا نُلْهِكُمْ أَقَّوَلُكُمْ وَلَ أَوَلَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ
يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ ﴾﴾ [المنافقون]. وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ مِنْ
أَزْوَحِكُمْ وَأَوَدِكُمْ عَدُوَّ لَّكُمْ فَأَحْذَرُوهُمْ﴾ الآية [التغابن: ١٤].
وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أي: ثوابه وعطاؤه وجناته خير لكم من الأموال
والأولاد، فإنه قد يوجد منهم عدو، وأكثرهم لا يغني عنك شيئاً، والله سبحانه هو المتصرف
المالك للدنيا والآخرة ولديه الثواب الجزيل يوم القيامة.
وفي الأثر يقول الله تعالى: يا ابن آدم، اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن
فِتُّك فاتك كل شيء، وأنا أحبُّ إليك من كل شيء.
وفي الصحيح عن رسول الله وسلم أنه قال: ((ثلاث من كُنَّ فيه، وجد حلاوة الإيمان: من
كان الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، ومن كان يحبُّ المرء لا يحبُّه إلا الله، ومن كان أن يلقى
في النَّار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه))(٦)، بل حبُّ رسول الله وَّر مقدَّم
على الأولاد والأموال والنفوس، كما ثبت في الصحيح أنه رَير قال: ((والذي نفسي بيده لا يؤمن
(١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.
(٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن إسحاق به.
(٤) أخرجه الطبري بسنده عن السدي مرسلاً.
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن.
(٦) صحيح البخاري، الإيمان، باب حلاوة الإيمان (ح١٦) وصحيح مسلم، الإيمان، باب بيان خصال من
اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان (ح ٦٧).

١٨٧
سُورَةُ الأَفَّا (٣٠،٢٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000 000000000000000000000000000000000
أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وأهله وماله والناس أجمعين))(١).
- ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ
٠
٢٩
وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
قال ابن عباس والسدي ومجاهد وعكرمة والضحاك وقتادة ومقاتل بن حيان وغير واحد:
﴿فَرْقَانًا﴾ مخرجاً (٢)، زاد مجاهد في الدنيا والآخرة(٣)، وفي رواية عن ابن عباس: ﴿فُرْقَانًا﴾
نجاة (٤)، وفي رواية عنه نصراً.
وقال محمد بن إسحاق: ﴿فُرْقَانًا﴾ أي: فصلاً بين الحق والباطل(٥). وهذا التفسير من ابن
إسحاق أعمُّ مما تقدم وهو يستلزم ذلك كلّه، فإنَّ من اتقى الله بفعل أوامره وترك زواجره وفّقَ
لمعرفة الحق من الباطل، فكان ذلك سبب نصره ونجاته ومخرجه من أمور الدنيا وسعادته يوم
القيامة وتكفير ذنوبه وهو محوها، وغفرها سترها عن الناس وسبباً لنيل ثواب الله الجزيل كقوله
تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ، يُؤْتِّكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ، وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ
بِهِ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
(٣٨) ﴾ [الحديد] .
﴾ ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُقْبِتُوَكَ أَوْ يَقْتُلُوَ أَوْ يُخْرِجُوَةٍ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ
الْمَكِرِينَ فِيّا
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: ﴿ليُشْتُوكَ﴾ ليقيدوك(٦).
وقال عطاء وابن زيد: ليحبسوك(٧).
وقال السدي: الإثبات هو الحبس والوثاق(٨). وهذا يشمل ما قاله هؤلاء وهؤلاء وهو مجمع
الأقوال، وهو الغالب من صنيع من أراد غيره بسوء.
وقال سُنيد عن حجاج، عن ابن جريج: قال عطاء: سمعت عُبيد بن عمير يقول: لما ائتمروا
(١) صحيح البخاري، الإيمان، باب وجوب محبة رسول الله وَلير (ح١٤ - ١٥)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب
حب رسول الله ◌َ﴾ (ح٦٩).
(٢) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند إلا قول ابن عباس فأخرجه بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه،
وأما قول مجاهد والسدي وقتادة فأخرجه الطبري بأسانيد ثابتة عنهم.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير.
(٦) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه بلفظ: ((ليوثقوك)). وقول قتادة
أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه بلفظ: أوثقوه وثاقاً بالوثاق، وقول مجاهد أخرجه الطبري
بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عنه بلفظ: ليوثقوك.
(٧) قول عطاء أخرجه الطبري بسند ضعيف عن عطاء بلفظ: ((يسجنوك))، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند
صحيح من طريق عبد الله بن وهب، بلفظ: ((اسجنوه)).
(٨) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.

١٨٨
• سُورَةُ الأَنْفَّاكَ (٣٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
بالنبي ◌َّ ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه. قال له عمُّه أبو طالب: هل تدري ما ائتمروا بك؟ قال:
(يريدون أن يسحروني أو يقتلوني أو يخرجوني)). فقال: من أخبرك بهذا؟ قال: ((ربي)) قال: نِعم
الربُّ ربُّك استوص به خيراً. قال: ((أنا أستوصي به، بل هو يستوصي بي))(١).
وقال أبو جعفر بن جرير: حدثني محمد بن إسماعيل المصري المعروف بالوساوسي، أخبرنا
عبد المجيد بن أبي داود، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عُبيد بن عمير، عن المطّلب بن أبي
وداعة أن أبا طالب قال لرسول الله وَله: ما يأتمر بك قومك؟ قال: ((يريدون أن يسحروني أو
يقتلوني أو يخرجوني)). فقال: من أخبرك بهذا؟ قال: ((ربِّي)). قال: نِعم الربُّ ربُّك فاستوص به
خيراً. قال: ((أنا أستوصي به، بل هو يستوصي بي)). قال: فنزلت: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ
◌ِيُقْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ الآية(٢). وذِكرُ أبي طالب في هذا غريب جداً، بل منكر، لأن
هذه الآية مدنية، ثم إن هذه القصة واجتماع قريش على هذا الائتمار والمشاورة على الإثبات أو
النفي أو القتل إنما كان ليلة الهجرة سواء، وكان ذلك بعد موت أبي طالب بنحو من ثلاث سنين
لما تمكَّنوا منه واجترؤوا عليه بسبب موت عمِّه أبي طالب الذي كان يحوطه وينصره ويقوم
بأعبائه، والدليل على صحة ما قلنا ما روى الإمام محمد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي
عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: وحدثني الكلبي، عن باذان مولى أم
هانئ، عن ابن عباس أن نفراً من قريش من أشراف كل قبيلة اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة (٣)،
فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رأوه قالوا له: من أنت؟ قال: شيخ من أهل نجد،
سمعت أنكم اجتمعتم فأردت أن أحضركم ولن يعدمكم(٤) رأيي ونصحي. قالوا: أجل، ادخل،
فدخل معهم، فقال: انظروا في شأن هذا الرجل، والله ليوشكنَّ أن يواثبكم في أمركم بأمره.
فقال قائل منهم: احبسوه في وثاق، ثم تربصوا به ريب المنون(٥) حتى يهلك كما هلك من
كان قبله من الشعراء زهير(٦) والنابغة(٧) إنما هو كأحدهم. قال: فصرخ عدو الله الشيخ النجدي
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف سُنيد واستغرب الحافظ ابن كثير ذكر أبي طالب.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده عبد المجيد بن أبي رواد صدوق يخطئ، لكنه توبع فأخرجه ابن أبي
حاتم من طريق هشام بن يوسف عن ابن جريج، وسنده صحيح لكنه مرسل، وقد استغرب ابن كثير ذكر أبي
طالب، وأجاب على ذلك الأستاذ أحمد شاكر بأن الآية مكية حسب ما رواه الطبري عن ابن جريج، ولكن
الإسناد لم يصح إلى ابن جريج. قال الحافظ ابن حجر: اتفقوا على أن الأنفال مدنية، لكن قيل إن قوله
تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [الأنفال: ٣٠] الآية نزلت بمكة ثم نزلت سورة الأنفال بالمدينة، وهذا
غريب جداً (فتح الباري ٦٥٧/٨) وقال البقاعي عن سورة الأنفال: مدنية إجماعاً نزلت في بدر (مصاعد
النظر ١٤٤/٢) وبهذا فإن قول الحافظ ابن كثير هو الراجح.
(٣) دار الندوة: هي دار قصي بن كلاب، سميت بذلك لأنهم كانوا يندون فيها أي: يجتمعون للمشاورة وهي
أول دار بُنيت بمكة (معجم البلدان ٤٢٣/٢).
(٤) أي لا يعدوکم ويخطئکم (لسان العرب باب ع د م).
(٥) أي الموت.
(٦) زهير هو ابن أبي سُلمى ربيعة بن رباح المزني من كبار الشعراء (طبقات فحول الشعراء ص٥١).
(٧) النابغة: هو زياد بن معاوية بن ضباب الذبياني، وكان أحسن شعراء العرب ديباجة (طبقات فحول الشعراء
ص٥١).

١٨٩
• سُورَةُ الْأَنفَّا (٣٠)
فقال: والله ما هذا لكم برأي والله ليخرجنَّه ربُّه من محبسه إلى أصحابه فليوشكنَّ أن يثبوا عليه
حتى يأخذوه من أيديكم فيمنعوه منكم، فما آمن عليكم أن يخرجوكم من بلادكم، قالوا: صدق
الشيخ فانظروا في غير هذا. قال قائل منهم: أخرجوه من بين أظهركم فتستريحوا منه فإنه إذا
خرج لن يضركم ما صنع وأين وقع إذا غاب عنكم أذاه واسترحتم وكان أمره في غيركم. فقال
الشيخ النجدي: والله ما هذا لكم برأي ألم تروا حلاوة قوله وطلاقة لسانه وأخذ القلوب ما تسمع
من حديثه؟ والله لئن فعلتم ثم استعرض العرب ليجتمعنَّ عليه ثم ليأتينَّ إليكم حتى يخرجكم من
بلادكم ويقتل أشرافكم. قالوا: صدق والله، فانظروا رأياً غير هذا.
قال: فقال أبو جهل - لعنه الله -: والله لأشيرنَّ عليكم برأي ما أراكم [أبصرتموه](١) بعد ما
رأى غيره. قالوا: وما هو؟ قال: نأخذ من كلِّ قبيلة غلاماً شاباً وسيطا(٢) نهداً (٣)، ثم يعطى كلُّ
غلام منهم سيفاً صارماً(٤)، ثم يضربونه ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرَّق دمه في القبائل كلِّها،
فما أظن هذا الحيَّ من بني هاشم يقوون على حرب قريش كلِّها. فإنهم إذا رأوا ذلك، قبلوا
العقل(٥) واسترحنا وقطعنا عنا أذاه. قال: فقال الشيخ النجدي: هذا والله الرأي، القول ما قال
الفتى، لا أرى غيره. قال: فتفرقوا على ذلك وهم مجمعون له.
فأتى جبريل النبي ◌َّير فأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه، وأخبره بمكر القوم
فلم يبت رسول الله وَ﴿ل في بيته تلك الليلة، وأذن الله له عند ذلك بالخروج، وأنزل الله عليه بعد
قدومه المدينة الأنفال يذكر نعمه عليه وبلاءه عنده ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُقْبِتُوَكَ أَوْ يَقْتُلُوَ أَوْ
يُخْرِجُوَةٌ وَيَمَكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ (٣)﴾ وأنزل في قولهم: تربصوا به ريب المنون
حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء، ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نََّبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ
٣٠
[الطور] فكان ذلك اليوم يسمى يوم الزَّحمة للذي اجتمعوا عليه من الرأي(٦).
وعن السدي نحو هذا السياق وأنزل الله في إرادتهم إخراجه قوله تعالى: ﴿وَإِن كَادُواْ
لَيَسْتَفِزُونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذَا لَا يَلْبَثُونَ خِلَفَكَ إِلَّا قَلِيلًا (4﴾ [الإسراء] وكذا روى
العوفي عن ابن عباس، وروي عن مجاهد وعروة بن الزبير وموسى بن عقبة وقتادة ومقسم(٧)
وغير واحد نحو ذلك.
وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق فأقام رسول الله وهو ينتظر أمر الله حتى إذا اجتمعت
قريش فمكرت به وأرادوا به ما أرادوا أتاه جبريلعليّلها، فأمره أن لا يبيت في مكانه الذي كان
يبيت فيه، فدعا رسول الله وَّه عليَّ بن أبي طالب فأمره أن يبيت على فراشه ويتسجَّى ببُرد له
أخضر، ففعل ثم خرج رسول الله وَ ◌ّر على القوم وهم على بابه، وخرج معه بحفنة من تراب
(١) كذا في (عم) و(حم) و(مح) وفي الأصل صُحفت إلى: ((تضرمونه)).
(٢) وسيطاً أي الشريف الحسيب (النهاية ١٨٤/٥).
(٣) النهد: أي القوي الضخم (النهاية ١٣٥/٥).
(٥) أي الدية.
(٤) أي قاطعاً.
(٦) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وفيه سندان أولهما: صحيح، والثاني ضعيف ولا يمكن تصحيحه
لأن القصة ملفقة، ولكن يتقوى بالمراسيل التي تليه. وهذا الأثر ورد في سيرة ابن هشام ١/ ٤٨٠ - ٤٨١.
(٧) هذه الروايات أخرجها الطبري وابن أبي حاتم وهي تقوي بعضها بعضاً.

١٩٠
سُورَةُ الأَنْفَّالِ (٣٣،٣١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000000000
وَاُلْقُرْءَانِ
فجعل يذرها على رؤوسهم، وأخذ الله بأبصارهم عن نبيه محمد وَله وهو يقرأ: ﴿يسّ (4)
اْحَكِيمِ ﴾﴾ إلى قوله: ﴿فَأَغْشَيْنَهُمْ فَهُمْ لَا يُصِرُونَ﴾ [يس: ١ -٩].
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: روي عن عكرمة ما يؤكد هذا(١)، وقد روى ابن حبان في
صحيحه والحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن
عباس، قال: دخلت فاطمة على رسول الله وَّ وهي تبكي فقال: ((ما يبكيك يا بُنِيَّة؟» قالت: يا أبتِ
وما لي لا أبكي وهؤلاء الملأ من قريش في الحجر يتعاهدون باللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى
لو قد رأوك لقاموا إليك فيقتلونك، وليس منهم إلا من قد عرف نصيبه من دمك، فقال: ((يا بُنيّة
ائتني بوضوء)) فتوضأ رسول الله وَّ﴾، ثم خرج إلى المسجد فلما رأوه قالوا: ها هو ذا فطأطأوا
رؤوسهم وسقطت رقابهم بين أيديهم، فلم يرفعوا أبصارهم فتناول رسول الله وَ لو قبضة من تراب
فحصبهم بها وقال: ((شاهت الوجوه)) فما أصاب رجلاً منهم حصاة من حصياته إلا قتل يوم بدر
كافراً، ثم قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ولا أعرف له عِلَّة(٢).
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، أخبرني عثمان الجزري، عن مقسم مولى
ابن عباس أخبره ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ﴾ الآية قال: تشاورت قريش ليلة بمكة فقال
بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق يريدون النبيَّ وَّر، وقال بعضهم: بل اقتلوه، وقال بعضهم: بل
أخرجوه. فأطلَع اللهُ نبيَّه ◌َّهَ على ذلك، فبات عليُّ رَبُّه على فراش رسول الله وَّ، وخرج
النبي ◌َ ◌ّ حتى لحق بالغار وبات المشركون يحرسون علياً يحسبونه النبي وَ ر، فلما أصبحوا ثاروا
إليه، فلما رأوا علياً ردَّ الله تعالى مكرهم فقالوا: أين صاحبك هذا؟ قال: لا أدري، فاقتصوا
أثره، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم فصعدوا في الجبل فمرُّوا بالغار فرأوا على بابه نسج
العنكبوت فقالوا: لو دخل هُهنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليال(٣).
وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير في قوله:
﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ﴾ أي: فمكرت بهم بكيدي المتين حتى خلصتك منهم(٤).
﴿وَإِذَا ثُثْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَاْ إِنْ هَذَآ إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ
وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندَِكَ فَأَمَطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ آَثْتِنَا بِعَذَابٍ
وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمَّ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
أَلِيمٍ
٣٣
يخبر تعالى عن كفر قريش وعتوهم وتمردهم وعنادهم ودعواهم الباطل عند سماع آياته إذا تتلى
عليهم أنهم يقولون: ﴿قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾، وهذا منهم قول بلا فعل وإلا فقد
(١) ذكره في دلائل النبوة (٤٦٩/٢ - ٤٧٠).
(٢) موارد الظمآن في زوائد صحيح ابن حبان (ح١٦٩١) والمستدرك ١٥٧/٣.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح٣٢٥١) وحسن سنده الحافظ ابن كثير وقال: وهو أجود ما روي
في قصة نسج العنكبوت على فم الغار (البداية والنهاية ١٨١/٣)، وحسن سنده أيضاً الحافظ ابن حجر (فتح
الباري ٢٣٦/٧).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن إسحاق به.

١٩١
• سُورَةُ الأَفَّالِ (٣١، ٣٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
تُحدَّوا غير ما مرَّة أن يأتوا بسورة من مثله، فلا يجدون إلى ذلك سبيلاً، وإنما هذا القول منهم يغرون.
به أنفسهم ومن تبعهم على باطلهم، وقد قيل: إن القائل لذلك هو: النضر بن الحارث لعنه الله كما قد
نصّ على ذلك سعيد بن جبير والسدي وابن جريج(١) وغيرهم، فإنه - لعنه الله - کان قد ذهب إلى بلاد
فارس وتعلَّم من أخبار ملوكهم رستم واسفنديار، ولما قدم وجد رسول الله وَ الر قد بعثه الله وهو يتلو
على الناس القرآن، فكان عليه الصلاة والسلام إذا قام من مجلس جلس فيه النضر، فحدثهم من أخبار
أولئك ثم يقول: بالله أينا أحسن قصصاً أنا أو محمد؟ ولهذا لما أمكن الله تعالى منه يوم بدر ووقع في
الأسارى أمر رسول الله و ﴿ أن تضرب رقبته صبراً بين يديه ففعل ذلك، ولله الحمد. وكان الذي أسره
المقداد بن الأسود پہ کما قال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا
شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال: قتل النبي وَّه يوم بدر صبراً عقبة بن أبي معيط وطعيمة بن
عدي والنضر بن الحارث، وكان المقداد أسر النضر، فلما أمر بقتله قال المقداد: يا رسول الله
أسيري، فقال رسول الله و له إنه كان يقول في كتاب الله رَك ما يقول، فأمر رسول الله وَله بقتله، فقال
المقداد: يا رسول الله أسيري فقال رسول الله وَتليفون: ((اللهم أغن المقداد من فضلك))، فقال المقداد:
هذا الذي أردت، قال: وفيه أنزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا
مِثْلَ هَذَأْ إِنْ هَذَآ إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾﴾(٢) وكذا رواه هشيم، عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية،
عن سعيد بن جبير أنه قال: المُطعِم بن عدي(٣) بدل طعيمة، وهو غلط لأن المطعم بن عدي لم يكن
حياً يوم بدر، ولهذا قال رسول الله وَ * يومئذٍ: لو كان المطعم بن عدي حياً ثم سألني في هؤلاء النتنى
لوهبتهم له (٤)، يعني الأسارى لأنه كان قد أجار رسول الله وَلير يوم رجع من الطائف.
ومعنى: ﴿أَسَطِيرُ الْأَوَِّينَ﴾ وهو جمع أسطورة أي: كتبهم اقتبسها فهو يتعلم منها ويتلوها على
الناس، وهذا هو الكذب البحت كما أخبر الله عنهم في الآية الأخرى: ﴿وَقَالُواْ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ
اُكْتَتَبَهَا فَهِىَ ثُعْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾ قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ اَلِزَ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ إِنَّهُ
كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾﴾ [الفرقان] أي: لمن تاب إليه وأناب فإنه يتقبل منه ويصفح عنه، وقوله:
﴿وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ أَثْتِنَا
بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾﴾ هذا من كثرة جهلهم وشدة تكذيبهم وعنادهم وعتوهم، وهذا مما عيبوا به
وكان الأولى لهم أن يقولوا: اللَّهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا له ووفقنا لاتباعه،
ولكن استفتحوا على أنفسهم واستعجلوا العذاب، وتقديم العقوبة كقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ
بِالْعَذَابِ وَلَوَلَا أَجَلٌ مُسَنَّى لََّ هُمُ الْعَذَابُّ وَلَيَأْنِيَهُ بَغْنَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾﴾ [العنكبوت] ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل
(١) قول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي بشر جعفر عنه، وقول السدي أخرجه الطبري
بسند حسن من طريق أسباط عنه، وهذان مرسلان يقوي أحدهما الآخر، وقول ابن جريج أخرجه الطبري
بسند ضعيف ويتقوى بالمرسلين السابقين.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ورجاله ثقات لكنه مرسل.
(٣) أخرجه الطبري عن يعقوب عن هشيم به، رجاله ثقات لكنه مرسل.
(٤) أخرجه البخاري من حديث جبير بن مطعم ظه (الصحيح، فرض الخمس، باب ما منَّ النبي ◌َّ على
الأسارى من غير الخمس ح٣١٣٩).

١٩٢
• سُورَةُ الأَفَّارِ (٣١، ٣٣)
أَنَاَ قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ ﴿4﴾ [صَ] وقوله: ﴿سَأَلَ سَآَبِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعْمِ ﴿﴿ لِّلْكَفِينَ لَيْسَ لَهُمُ دَافِعٌ
مِّنَ اللَّهِ ذِى الْمَعَارِجِ ﴾﴾ [المعارج] وكذلك قال الجهلة من الأمم السالفة كما قال قوم شعيب له:
﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفَا مِّنَ السَّمَاءِ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ (٣)﴾ [الشعراء] وقال هؤلاء: ﴿اَللَّهُمَّ إِن
كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ أَثْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ قال شعبة
عن عبد الحميد صاحب الزيادي، عن أنس بن مالك قال: هو أبو جهل بن هشام قال: ﴿اَللَّهُمَّ
إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةٌ مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ آَثْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ فنزلت:
(®) رواه البخاري
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمَّ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
عن أحمد ومحمد بن النضر كلاهما عن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة به (١)، وأحمد
هذا هو: أحمد بن النضر بن عبد الوهاب قاله الحاكم أبو أحمد والحاكم أبو عبد الله
النيسابوري، الله أعلم.
وقال الأعمش، عن رجل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن
كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ أَثْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (®)﴾ قال
هو: النضر بن الحارث بن كلدة قال: فأنزل الله: ﴿سَأَلَ سَآَبِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ﴾ لِلْكَفِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ
﴾ [المعارج](٢) وكذا قال مجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والسدي: إنه النضر بن الحارث(٣)
زاد عطاء فقال الله تعالى: ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (4)﴾ [ص] وقال: ﴿وَلَقَدْ
جِئْتُمُونَا فُزَدَىْ كَمَا خَلَقْنَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤] وقال: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ﴾ لِلْكَفِرِينَ﴾
[المعارج] قال عطاء: ولقد أنزل الله فيه بضع عشرة آية من كتاب الله فيك(٤).
وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن إبراهيم، حدثنا الحسن بن أحمد بن الليث، حدثنا أبو
غسان، حدثنا أبو تميلة، حدثنا الحسين، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: رأيت عمرو بن العاص
واقفاً يوم أُحد على فرس وهو يقول: اللَّهم إن كان ما يقول محمد حقاً فاخسف بي
(٥)
ويفرسي(٥).
(١) صحيح البخاري، التفسير، سورة الأنفال، باب قوله: ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ أُلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ﴾
[الأنفال: ٣٢] (ح ٤٦٤٨)، وقد ثبت أيضاً أنها نزلت في النضر بن الحارث كما سيأتي قال الحافظ ابن
حجر: ولا ينافي ذلك ما في الصحيح لاحتمال أن يكونا قالاه (فتح الباري ٣٠٩/٨).
(٢) في سنده إبهام شيخ الأعمش، وقد صرح باسمه النسائي فأخرجه من طريق الأعمش عن المنهال بن عمرو
عن سعيد بن جبير عن ابن عباس بدون ذكر آية الأنفال (السنن الكبرى، التفسير، باب سورة المعارج
ح ١١٦٢٠)، وفي سنده المنهال بن عمرو وهو صدوق ربما وهم (التقريب ص٥٤٧). ويتقوى بالآثار
التالية، فسنده حسن. وأخرجه الحاكم من طريق الأعمش وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٥٠٢).
(٣) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه أنه قول النضر بن الحارث والطبري
بسند صحيح من طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن
السدي بنحو قول ابن عباس، وهذه المراسيل يقوي بعضها بعضاً، أما قول عطاء فكما يلي.
(٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف جداً من طريق طلحة بن عمرو عن عطاء، وطلحة بن عمرو متروك (التقريب
ص٢٨٣).
(٥) في سنده إبهام ابن بريدة لأن بعض أبنائه لم يسمع من بريدة.

١٩٣
سُورَةُ الأَفَّا (٣٣،٣١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال قتادة في قوله: ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَ مِنْ عِندِكَ﴾ الآية، قال: قال
ذلك سفهة هذه الأمة وجهلتها فعاد الله بعائدته ورحمته على سفهة هذه الأمة وجهلتها(١).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمَّ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو حذيفة موسى بن مسعود، حدثنا عكرمة بن عمار، عن
أبي زميل سماك الحنفي، عن ابن عباس قال: كان المشركون يطوفون بالبيت ويقولون: لبيك
اللّهم لبيك، لبيك لا شريك لك، فيقول النبي وَ له: قد، قد، ويقولون: اللَّهم لبيك، لبيك لا
شريك لك إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك. ويقولون: غفرانك غفرانك فأنزل الله: ﴿وَمَا
كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمَّ﴾ الآية قال ابن عباس: كان فيهم أمانان: النبي ◌َّر والاستغفار
فذهب النبيِ وَّر وبقي الاستغفار(٢).
وقال ابن جرير: حدثني الحارث، حدثني عبد العزيز، حدثنا أبو معشر، عن يزيد بن رومان
ومحمد بن قيس قالا: قالت قريش بعضها لبعض: محمد أكرمه الله من بيننا. ﴿اَللَّهُمَّ إِن كَانَ
هَذَا هُوَ اُلْحَقَ مِنْ عِندِكَ﴾ الآية فلما أمسوا ندموا على ما قالوا، فقالوا: غفرانك اللَّهم. فأنزل الله:
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾(٣) [الأنفال: ٣٤].
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِهِمْ﴾ يقول: ما
كان الله ليعذب قوماً وأنبياؤهم بين أظهرهم حتى يخرجهم ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ
يَسْتَغْفِرُونَ﴾ يقول: ومنهم مَن قد سبق له من الله الدخول في الإيمان وهو الاستغفار يستغفرون
يعني: يصلُّون. يعني بهذا أهل مكة (٤). وروي عن مجاهد وعكرمة وعطية العوفي وسعيد بن جبير
والسدي نحو ذلك(٥) .
وقال الضحاك وأبو مالك: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ يعني: المؤمنين الذين
كانوا بمكة (٦) .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الغفار بن داود، حدثنا النضر بن عربي قال: قال
ابن عباس: إن الله جعل في هذه الأمة أمانين لا يزالون معصومين مجارين من قوارع العذاب ما
داما بين أظهرهم، فأمان قبضه الله إليه وأمان بقي فيكم، قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ
فِيِهِمّ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
وقال أبو صالح عبد الغفار: حدثني بعض أصحابنا أن النضر بن عدي حدثه هذا الحديث،
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح أخرجه مسلم من طريق عكرمة به (الصحيح، الحج باب
التلبية وصفتها (ح ١١٨٥).
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب الإرسال.
(٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به مقطعاً.
(٥) هذه الأقوال أخرجها الطبري وابن أبي حاتم بأسانيد ثابتة.
(٦) قول الضحاك أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن نبيط عنه. وقول أبي مالك أخرجه
الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضاً.

١٩٤
سُورَةُ الْأَنفَّا (٣٤، ٣٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
عن مجاهد، عن ابن عباس(١). وروى ابن مردويه، عن أبي موسى الأشعري نحواً من هذا(٢).
وكذا روي عن قتادة وأبي العلاء النحوي المقرى(٣).
وقال الترمذي: حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا ابن نمير، عن إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر،
عن عبَّاد بن يوسف، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه قال: قال رسول الله وَله: ((أنزل الله
عليَّ أمانين لأُمتي ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمَّ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة))(٤)، ويشهد لهذا ما رواه الإمام أحمد في
مسنده والحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث، عن دراج،
عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد أن رسول الله وَ ﴿ قال: ((إن الشيطان قال: وعزتك يا ربِّ لا أبرح
أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم. فقال الربُّ: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما
استغفروني". ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه(٥).
وقال الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا رشدين - هو: ابن سعد -، حدثني
معاوية بن سعيد التُجيبي، عمن حدثه، عن فضالة بن عبيد، عن النبي ولو أنه قال: ((العبد آمن
من عذاب الله ما استغفر الله (ملك))(٦).
2] ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءُ إِنْ
وَمَا كَانَ صَلَائُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَآءُ
أَوْلِيَآؤُهُ إِلَّا الْمُنَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
وَنَصْدِيَةٌ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ
يخبر تعالى أنهم أهل لأن يعذبهم، ولكن لم يوقع ذلك بهم البركة مقام الرسول وَله بين
أظهرهم، ولهذا لما خرج من بين أظهرهم أوقع الله بهم بأسه يوم بدر، فقتل صناديدهم وأسر
سراتهم، وأرشدهم تعالى إلى الاستغفار من الذنوب التي هم متلبسون بها من الشرك والفساد.
وقال قتادة والسدي وغيرهما: لم يكن القوم يستغفرون، ولو كانوا يستغفرون لما عذبوا (٧).
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٢) أخرجه الترمذي من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر عن عباد بن يوسف عن أبي بردة عن أبي موسى
الأشعري مرفوعاً، (السنن، التفسير، باب ومن سورة الأنفال ح ٣٠٨٢) وسنده ضعيف لضعف إسماعيل بن
إبراهيم، ويشهد له سابقه وما تقدم في صحيح مسلم.
(٣) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول أبي العلاء أخرجه الطبري من
طريق عامر أبي الخطاب الثوري ويتقوى بما سبق.
(٤) تقدم تخريجه في الرواية قبل السابقة.
(٥) المسند ٢٩/٣ والمستدرك ٢٦١/٤، وسنده ضعيف لأن رواية دراج عن أبي الهيثم ضعيفة، ولكن يشهد له
ما تقدم في صحيح مسلم من حديث ابن عباس.
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٢٠) وسنده ضعيف لضعف رشدين بن سعد، وإبهام شيخ
معاوية بن سعيد، ويشهد له ما تقدم من حديث ابن عباس في صحيح مسلم وغيره.
(٧) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وقول السدي أخرجه
الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.

١٩٥
سُؤَدَّةُ الأَفَّالَ (٣٤، ٣٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
واختاره ابن جرير، فلولا ما كان بين أظهرهم من المستضعفين من المؤمنين المستغفرين لوقع بهم
البأس الذي لا يرد، ولكن دفع عنهم بسبب أولئك، كما قال تعالى في يوم الحديبية: ﴿هُمُ
الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ وَالْهَدْىَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَةٌ مُّؤْمِنَتٌ
لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَثُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَزَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَيُدْخِلَ اَللَّهُ فِى رَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ لَوْ تَزَيَُّواْ لَعَذَّبْنَا
الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٥)﴾ [الفتح].
قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن ابن أبزى
قال: كان النبي وَله بمكة فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمَّ﴾ [الأنفال: ٣٣]، قال:
فخرج النبي ◌َّ إلى المدينة فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣]،
قال: وكان أولئك البقيَّة من المسلمين الذين بقوا فيها مستضعفين، يعني: بمكة ﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾ فلما
خرجوا أنزل الله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُواْ
أَوْلِيَآءُ؟﴾، قال: فأذن الله في فتح مكة فهو العذاب الذي وعدهم(١). وروي عن ابن عباس وأبي
مالك والضحاك وغير واحد نحو هذا(٢).
وقد قيل: إن هذه الآية ناسخة لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، على أن
يكون المراد صدور الاستغفار منهم أنفسهم.
قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسين بن واقد، عن يزيد
النحوي، عن عكرمة والحسن البصري قالا: قال في الأنفال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ
فِيِهِمَّ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾﴾، فنسختها الآية التي تليها ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ
اللَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُتُمْ تَكْفُرُونَ﴾، فقوتلوا بمكة فأصابهم فيها الجوع
والضر(٣)، وكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث أبي تميلة يحيى بن واضح(٤).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن
جريج وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ ثم
استثنى أهل الشرك فقال: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وقوله:
﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَآءُ، إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا
الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣)﴾ أي: وكيف لا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد
الحرام(٥)؟ أي: الذي بمكة يصدون المؤمنين الذين هم أهله عن الصلاة فيه والطواف به، ولهذا
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإرسال ابن أبزى.
(٢) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عنه، وقول الضحّاك أخرجه الطبري بسند
ضعيف فيه سفيان بن وكيع، وقول أبي مالك أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضاً.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وفي آخره بلفظ: ((الجوع والحصر))، وفي سنده ابن حميد، وهو محمد بن حميد
الرازي ضعيف وقد توبع فأخرجه ابن أبي حاتم من طريق أحمد بن إسماعيل بن أبي ضرار عن أبي تميلة
يحيى بن واضح به، وسنده حسن وهذان المرسلان يقوي أحدهما الآخر.
(٤) كما في السند السابق.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف، ومعناه صحيح.

١٩٦
• سُوَدَّةُ الأَفَّالِكَ (٣٤، ٣٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000 000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
قال: ﴿وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَآءٌَ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّ الْمُتَّقُونَ﴾ أي: هم ليسوا أهل المسجد الحرام وإنما
أهله النبي ◌َّ﴿ وأصحابه كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُواْ مَسَجِدَ اللَّهِ شَهِدِينَ عَ
أَنْفُسِهِم بِالْكُفِّ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ وَفِ النَّارِ هُمْ خَلِدُونَ ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ الَّهِ مَنْ ءَامَنَ
بِالَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَانَى الزَّكَوَةَ وَلَّ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَىّ أُوْلَكَ أَنْ يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ
: [التوبة]، وقال تعالى: ﴿وَصَدُّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرًا بِهِ، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ، مِنْهُ أَكْبُرُ
عِندَ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٢١٧].
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية: حدثنا سليمان بن أحمد - هو
الطبراني -، حدثنا جعفر بن إلياس بن صدقة المصري، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا نوح بن أبي
مريم، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أنس بن مالك ظبه قال: سئل رسول الله وَل من
أولياؤك؟ قال: ((كل تقي)). وتلا رسول الله وَله: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾(١).
وقال الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو بكر الشافعي، حدثنا إسحاق بن الحسن، حدثنا أبو
حذيفة، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن خثيم، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، عن
جده قال: جمع رسول الله صل﴿ قريشاً فقال: ((هل فيكم من غيركم؟)) فقالوا: فينا ابن أختنا وفينا
حليفنا وفينا مولانا فقال: ((حليفنا منا وابن أختنا منا ومولانا منا إن أوليائي منكم المتقون)). ثم
قال هذا صحيح ولم يخرجاه(٢).
وقال عروة والسدي ومحمد بن إسحاق في قوله تعالى: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ قال: هم
.(٣)
(٣).
محمد ﴾ وأصحابه
وقال مجاهد: هم المجاهدون من كانوا وحيث كانوا (٤).
ثم ذكر تعالى ما كانوا يعتمدونه عند المسجد الحرام، وما كانوا يعاملونه به، فقال: ﴿وَمَا
كَانَ صَلَائُهُمْ عِندَ أَلْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءُ وَتَصْدِيَةٌ﴾، قال عبد الله بن عمر وابن عباس ومجاهد
وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو رجاء العطاردي ومحمد بن كعب القرظي وحجر بن عنبس
ونبيط بن شريط وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هو الصفير(٥). وزاد مجاهد، وكانوا
(١) سنده ضعيف جداً بسبب نوح بن أبي مريم: كان يضع الحديث كما في التقريب، وفيه انقطاع بين يحيى
وأنس وأخرجه البيهقي من طريق أبي هرمز عن أنس ثم قال: نافع السلمي أبو هرمز بصري كذبه ابن معين
(السنن الكبرى ١٥٢/٢).
(٢) أخرجه الحاكم بسنده ومتنه وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٢٨/٢)، وفي سنده إسماعيل بن عبيد بن
رفاعة مقبول (التقريب ص١٠٩)، وأخرجه الإمام أحمد من طريق سفيان به (المسند ٣٢٧/٣١ ح ١٨٩٩٤).
(٣) قول عروة وابن إسحاق أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن إسحاق عن محمد بن جعفر بن
الزبير عن عروة، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بدون ذكر: هم
المجاهدون.
(٥) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند إلا قول ابن عمر فأخرجه بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن
عمر، ويشهد له بقية الآثار فقد صح عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة وعبد الرحمن بن
زيد وذلك فيما رواه الطبري عنهم.

١٩٧
• سُوْدَةُ الأَنْفَّالَ (٣٤، ٣٥)
(١)
يدخلون أصابعهم في أفواههم
.
وقال السدي: المكاء الصفير على نحو طير أبيض يقال له: (المكّاء) ويكون بأرض الحجاز
﴿وَتَصْدِيَةٌ﴾(٢).
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو خلاد سليمان بن خلاد، حدثنا يونس بن محمد المؤدب، حدثنا
يعقوب - يعني ابن عبد الله الأشعري -، حدثنا جعفر بن المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن
عباس في قوله: ﴿وَمَا كَانَ صَلَائُهُمْ عِندَ ◌ٌلْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءُ وَنَصْدِيَةٌ﴾ قال: كانت قريش تطوف
بالكعبة عراة تُصفِّر وتصفق. والمكاء: الصَّفير، وإنما شبهوا بصفير الطير ﴿وَتَصْدِيَةً﴾
التصفيق(٣)، وهكذا روي عن علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس، وكذا روي عن ابن
عمر ومجاهد ومحمد بن كعب وأبي سلمة بن عبد الرحمن والضحاك وقتادة وعطية العوفي
وحُجرْ بن عَنبس، وابن أبزى نحو هذا (٤).
قال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا أبو عامر، حدثنا قُرَّة، عن عطية، عن ابن عمر في
قوله: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاءُهُمْ عِندَ أَلْبَيْتِ إِلَّ مُكَاءُ وَتَصْدِيَةٌ﴾ قال قُرَّة: وحكى لنا عطية فعل ابن
عمر فصفر ابن عمر وأمال خده وصفق بيديه(٥) .
وعن ابن عمر أيضاً أنه قال: إنهم كانوا يضعون خدودهم على الأرض ويصفقون ويصفرون
رواه ابن أبي حاتم في تفسيره بسنده عنه(٦).
وقال عكرمة: كانوا يطوفون بالبيت على الشمال(٧)، قال مجاهد: وإنما كانوا يصنعون ذلك
ليخلطوا بذلك على النبيِّي وَلقوله صلاته(٨).
وقال الزهري: يستهزئون بالمؤمنين (١
وعن سعيد بن جبير وعبد الرحمن بن زيد ﴿ وَتَصْدِيَةٌ﴾ قال: صدهم الناس عن
سبيل الله من(١٠).
قوله: ﴿فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُتُمْ تَكْفُرُونَ﴾، قال: الضحاك وابن جريج ومحمد بن إسحاق:
هو ما أصابهم يوم بدر من القتل والسبي (١١)، واختاره ابن جرير ولم يحكِ غيره.
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وسنده حسن.
(٤) هذه الأقوال تتمة لما سبق قبل ثلاث روايات.
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده أيضاً عطية العوفي.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم وفي سنده أيضاً عطية العوفي.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن أخي الزهري عن الزهري.
(١٠) قول سعيد بن جبير أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف جداً من طريق طلحة بن عمرو عنه لأن طلحة
متروك، وقول عبد الرحمن أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أصبغ بن الفرج عنه.
(١١) قول الضحاك أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن نبيط عنه، وقول ابن جريج وابن إسحاق
أخرجه الطبري بسندين ضعيفين عنهما .

١٩٨
• سُورَةُ الأَنْفَّالِكَ (٣٦، ٣٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن
مجاهد قال: عذاب أهل الإقرار بالسيف، وعذاب أهل التكذيب بالصيحة والزلزلة(١).
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَقْوَلَهُمْ لِيَصُدُواْ عَن سَبِيلِ اللَّهَّ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ
حَسْرَةٌ ثُمَّ يُغْلَبُونَبُ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ﴿ لِيَمِيزَ اَللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ
اُلْخَيْثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِى جَهَنَّمَ أُوْلَكَ هُمُ الْخَسِرُونَ
قال محمد بن إسحاق: حدثني الزهري ومحمد بن يحيى بن حبان وعاصم بن عمر بن قتادة
والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ قالوا: لما أصيبت قريش يوم بدر ورجع
فلُّهم (٢) إلى مكة، ورجع أبو سفيان بعيره مشى عبد الله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل
وصفوان بن أمية في رجال من قريش أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر، فكلموا أبا سفيان بن
حرب ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة، فقالوا: يا معشر قريش إن محمداً قد
وتركم(٣) وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه لعلَّنا أن ندرك منه ثأراً بمن أصيب منا
ففعلوا، قال: ففيهم كما ذكر عن ابن عباس أنزل الله وَيَت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنْفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ
لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ مُخْتَرُونَ﴾(٤)، وكذا روي عن مجاهد
وسعيد بن جبير والحكم بن عُتيبة وقتادة والسدي وابن أبزى: أنها نزلت في أبي سفيان ونفقته
الأموال في أحد لقتال رسول الله وَاليوم(٥).
وقال الضحاك: نزلت في أهل بدر(٦). وعلى كل تقدير فهي عامة، وإن كان سبب نزولها
خاصاً فقد أخبر تعالى أن الكفار ينفقون أموالهم ليصدوا عن اتباع طريق الحق، فسيفعلون ذلك
ثم تذهب أموالهم ﴿ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ أي ندامة حيث لم تجد شيئاً لأنهم أرادوا إطفاء
نور الله، وظهور كلمتهم على كلمة الحق، والله متمُّ نوره ولو كره الكافرون وناصر دينه ومعلن
كلمته ومظهر دينه على كل دين، فهذا الخزي لهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار، فمن
عاش منهم رأى بعينه وسمع بأذنه ما يسوءه، ومن قتل منهم أو مات فإلى الخزي الأبدي
والعذاب السرمدي، ولهذا قال: ﴿فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَُ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى
جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيْبِ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله:
﴿لِيَمِيزَ اَللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيْبٍ﴾ فيميز أهل السعادة من أهل الشقاء(٧).
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٢) أي المنهزمون.
(٣) أي أدرك فيكم مكروهاً بالقتل.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن إسحاق به، ولكنه مرسل وهذه المراسيل وما يتلوها من
مراسيل أخرى يقوي بعضها بعضاً.
(٥) أخرجه الطبري عن مجاهد وقتادة والسدي بأسانيد ثابتة.
(٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري، ويشهد له ما سبق من الآثار.
(٧) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.

١٩٩
• سُورَةُ الأَفَّالَ (٣٨، ٤٠)
وقال السدي: يميز المؤمن من الكافر(١)، وهذا يحتمل أن يكون هذا التمييز في الآخرة
كقوله: ﴿ُمَّ تَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَّكُواْ مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرْكَاؤُكُمْ فَزَلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ الآية [يونس: ٢٨]، وقوله: ﴿وَيَوْمَ
تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَنَفَرَّقُونَ ﴾﴾ [الروم]، وقال في الآية الأخرى: ﴿يَوْمَيِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣]
وقال تعالى: ﴿وَآَمْتَدُواْ الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (®﴾ [يس] ويحتمل أن يكون هذا التمييز في الدنيا بما
يظهر من أعمالهم للمؤمنين، وتكون اللّام معللة لما جعل الله للكافرين من مال ينفقونه في الصدِّ
عن سبيل الله أي: إنما أقدرناهم على ذلك ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ أي: من يطيعه بقتال
أعدائه الكافرين، أو يعصيه بالنكول عن ذلك كقوله: ﴿وَمَّا أَصَبَّكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَإِذْنِ اٌلَّهِ وَلِيَعْلَمَ
وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْ قَنِتِلُواْ فِى سَبِيلِ الَّهِ أَوِ أَدْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا
الْمُؤْمِنِينَ
لَّأَتَّبَعْنَكُمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٦٦ - ١٦٧] وقال تعالى: ﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ
حَتَّى يَمِيزَ الْخَيْثَ مِنَ الطَّيِّبٍ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ الآية [آل عمران: ١٧٩]، وقال تعالى: ﴿أَمْ
حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُواْ مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّبِينَ (٣)﴾ [آل عمران] ونظيرتها
في براءة أيضاً، فمعنى الآية على هذا: إنما ابتليناكم بالكفار يقاتلونكم وأقدرناهم على إنفاق
الأموال وبذلها في ذلك ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيْبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ, عَلَى بَعْضِ فَيَرْكُمَهُ﴾
أي: يجمعه كله وهو جمع الشيء بعضه على بعض كما قال تعالى في السحاب ﴿ثُمَّ يَجْعَلُمُ زَكَامًا﴾
[النور: ١٤٣] أي: متراكماً متراكباً ﴿فَيَجْعَلَهُ فِى جَهَتُّمَ أُوْلَبِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ أي: هؤلاء هم
الخاسرون في الدنيا والآخرة.
- ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ
،وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُُّ لِلَّهِ فَإِنِ أَنْتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا
الْأَوَّلِينَ
٤٠٠
وَإِن تَوَلَّوْ فَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَوْلَئِكُمّ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (
يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ للَّ
يقول تعالى لنبيه محمد رَالله: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُوا﴾ أي: عمَّا هم فيه من الكفر
والمشاقة والعناد، ويدخلوا في الإسلام والطاعة والإنابة يغفر لهم ما قد سلف أي من كفرهم،
وذنوبهم وخطاياهم كما جاء في الصحيح من حديث أبي وائل عن ابن مسعود عظ ته أن
رسول الله وسلم قال: ((من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في
الإسلام أخذ بالأول والآخر)) (٢)، وفي الصحيح أيضاً أن رسول الله وَ ◌ّر قال: ((الإسلام يجبُّ ما
قبله والتوبة تجبُّ ما كان قبلها))(٣) .
وقوله: ﴿وَإِن يَعُودُوا﴾ أي: يستمروا على ما هم فيه ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: فقد
(١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٢) صحيح البخاري، كتاب استتابة المرتدين، باب إثم من أشرك بالله (ح٦٩٢١) وصحيح مسلم الإيمان، باب
هل يؤاخذ بأعمال الجاهلية؟ (ح١٢٠).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسند عن عمرو بن العاص مرفوعاً بلفظ: ((إن الإسلام يجبُّ ما كان قبله، وإن الهجرة
تجبُّ ما كان قبلها))، (المسند ٣٤٩/٢٩ ح١٧٨١٣) قال محققوه: الشطر الأول منه حسن، وأخرج مسلم
في صحيحه من حديث عمر: ((أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله))، (الصحيح، الإيمان، باب كون
الإسلام يهدم ما قبله ح١٢١).

٢٠٠
• سُورَةُ الأَفََِّ (٣٨، ٤٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
مضت سنتنا في الأولين أنهم إذا كذبوا واستمروا على عنادهم أنَّا نعاجلهم بالعذاب والعقوبة.
قال مجاهد في قوله: ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ اُلْأَوَّلِينَ﴾: أي في قريش يوم بدر وغيرها من
الأمم(١).
وقال السدي ومحمد بن إسحاق: أي يوم بدر(٢).
وقوله تعالى: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَقَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الذِينُ كُلُّمُ لِلَّهِ﴾ قال البخاري:
حدثنا الحسن بن عبد العزيز، حدثنا عبد الله بن يحيى، حدثنا حيوة بن شريح، عن بكر بن
عمرو، عن بكير، عن نافع، عن ابن عمر أن رجلاً جاء فقال: يا أبا عبد الرحمن ألا تصنع ما
ذكر الله في كتابه ﴿وَإِن ◌َاِفَنَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ﴾ الآية [الحجرات: ٩] فما يمنعك أن لا تقاتل
كما ذكر الله في كتابه؟ فقال: يا بن أخي أُعيَّر بهذه الآية، ولا أقاتل أحبُّ إليَّ من أن أُعيَّر بالآية
التي يقول الله ري: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] إلى آخر الآية قال: فإن الله
تعالى يقول: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَقَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ قال ابن عمر: قد فعلنا على عهد رسول الله وَّل
إذ كان الإسلام قليلاً، وكان الرجل يُفتن في دينه إما أن يقتلوه وإما أن يوثقوه حتى كثُر الإسلام
فلم تكن فتنة، فلمَّا رأى أنه لا يوافقه فيما يريد قال: فما قولكم في علي وعثمان؟ قال ابن عمر:
أما قولي في علي وعثمان، أما عثمان فكان الله قد عفا عنه وكرهتم أن يعفو الله عنه، وأما علي
فابن عمِّ رسول الله وَسير وختنه وأشار بيده وهذه ابنته أو بنته حيث ترون(٣).
وحدثنا أحمد بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا بيان، أن ابن وبرة حدثه قال: حدثني سعيد بن
جبير قال: خرج علينا أو إلينا ابن عمر ظها فقال: كيف ترى في قتال الفتنة؟ فقال: وهل تدري
ما الفتنة؟ كان محمد * يقاتل المشركين وكان الدخول عليهم فتنة، وليس بقتالكم على
الملك(٤).
هذا كله سياق البخاري رحمه الله تعالى وقال عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أنه أتاه
رجلان في فتنة ابن الزبير فقالا: إن الناس قد صنعوا ما ترى وأنت ابن عمر بن الخطاب، وأنت
صاحب رسول الله وَ﴿ فما يمنعك أن تخرج؟ قال: يمنعني أن الله حرَّم عليَّ دم أخي المسلم.
قالوا: أو لم يقل الله: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَقَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُُّ لِلّهِ﴾؟ قال: قد
قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين كلَّه لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين
لغير الله. وكذا روى حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أيوب بن عبد الله اللخمي، قال:
كنت عند عبد الله بن عمر ﴿ها، فأتاه رجل فقال: إن الله يقول: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ
وَيَكُونَ الِينُ كُلُّمُ لِلَّهِ﴾، قال: قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٢) قول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول ابن إسحاق أخرجه الطبري من طريق
سلمة بن الفضل.
(٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه، (الصحيح، تفسير سورة الأنفال، باب قوله تعالى: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَتَّ لَا تَكُونَ
فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٣٩] (ح ٤٦٥٠).
(٤) كسابقه (ح ٤٦٥١).