النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
• سُورَةُ الَفَّا (٨،٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ اُلْمُؤْمِنِينَ لَكَرِهُونَ ﴾﴾ الآيات(١).
وقال العوفي، عن ابن عباس: لما شاور النبي ◌ّ# في لقاء العدو، وقال له سعد بن عبادة ما
قال وذلك يوم بدر أمر الناس أن يتهيئوا للقتال وأمرهم بالشوكة، فكره ذلك أهل الإيمان
يُجَدِلُونَكَ فِى الْحَقِّ
فأنزل الله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَرِهُونَ
بَعْدَمَا نَبَيَّنَ كَنَّمَا يُسَافُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ﴾﴾(٢).
[وقال مجاهد: ﴿يُجَدِلُونَكَ فِ الْحَقِّ﴾ في القتال.
وقال محمد بن إسحاق: ﴿يُجَدِلُونَكَ فِ الْحَقِّ﴾](٣) أي: كراهية للقاء المشركين، وإنكاراً لمسير
(٤)
قریش حین ذکروا لهم ،
وقال السدي: ﴿يُحَدِلُونَكَ فِى الْحَقِّ بَعْدَمَا نَبَيَّنَ﴾ أي: بعدما تبين لهم أنك لا تفعل إلا ما
أمرك الله به(٥) .
قال ابن جرير: وقال آخرون: عُنى بذلك المشركين، حدثنا يونس أنبأنا ابن وهب قال: قال
ابن زيد في قوله تعالى: ﴿يُحَدِلُونَكَ فِ الْحَقِّ بَعْدَمَا نَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَافُونَ إِلَى أَلْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ﴾﴾
قال: هؤلاء المشركون جادلوه في الحق كأنما يُساقون إلى الموت حين يدعون إلى الإسلام وهم
ينظرون. قال: وليس هذا من صفة الآخرين، هذه صفة مبتدأة لأهل الكفر(٦).
ثم قال ابن جرير: ولا معنى لما قاله، لأن الذي قبل قوله: ﴿يُجَدِلُونَكَ فِ الْحَقِّ﴾ خبر عن أهل
الإيمان والذي يتلوه خبر عنهم. والصواب قول ابن عباس وابن إسحاق: أنه خبر عن
المؤمنين(٧).
وهذا الذي نصره ابن جرير هو الحق وهو الذي يدل عليه سياق الكلام، والله أعلم.
وقال الإمام أحمد كَّتُهُ: حدثنا يحيى بن بكير وعبد الرزاق قالا: حدثنا إسرائيل، عن سماك،
عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قيل لرسول الله وَلفر حين فرغ من بدر: عليك بالعير ليس دونها
شيء، فناداه العباس بن عبد المطلب - قال عبد الرزاق وهو أسير في وثاقه -: إنه لا يصلح لك،
قال ولِمَ؟ قال: لأن الله مت إنما وعدك إحدى الطائفتين، وقد أعطاك الله ما وعدك(٨). إسناد
جید ولم يخرجوه.
(١) سنده حسن بسابقه.
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بسابقه ولاحقه.
(٣) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عم) و(حم) و(مح).
(٤) ورد في سيرة ابن هشام ٣٢٢/٢، وأخرجه الطبري من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق به.
(٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن.
(٧) ذكره الطبري بنحوه مع تقديم وتأخير.
(٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٦٦/٣ ح٢٠٢٢)، وأخرجه الترمذي من طريق إسرائيل به
وحسنه، (السنن، تفسير القرآن، باب ومن سورة الأنفال ح ٣٠٨٠)، وكذا الحاكم وصححه ووافقه الذهبي
(المستدرك ٢٣٥/٢)، وجوده الحافظ ابن كثير.

١٦٢
• سُورَّةُ الأَفََِّ (٨،٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ومعنى قوله تعالى: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ أي: يحبون أن الطائفة التي
لا حدّ لها ولا منعة ولا قتال تكون لهم وهي العير، ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ﴾ أي: هو
يريد أن يجمع بينكم وبين الطائفة التي لها الشوكة والقتال ليظفركم بهم وينصركم عليهم، ويظهر
دينه ويرفع كلمة الإسلام ويجعله غالباً على الأديان، وهو أعلم بعواقب الأمور، وهو الذي
يدبركم بحسن تدبيره، وإن كان العباد يُحبّون خلاف ذلك فيما يظهر لهم كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ
عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرُّهُ لَّكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمٌّ وَعَسَقَ أَنْ تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ
تَكُمُّ﴾ [البقرة: ٢١٦].
وقال محمد بن إسحاق نظُّ: حدثني محمد بن مسلم الزهري، وعاصم بن عمر بن قتادة
وعبد الله بن أبي بكر ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير وغيرهم من علمائنا، عن عبد الله بن
عباس، كل قد حدثني بعض هذا الحديث فاجتمع حديثهم فيما سقت من حديث بدر قالوا: لما
سمع رسول الله وَّر بأبي سفيان مقبلاً من الشام ندب المسلمين إليهم، وقال هذه عير قريش فيها
أموالهم، فاخرجوا إليها لعلَّ الله أن ينفلُّكموها، فانتدب الناس فخفّ بعضهم وثقل بعضهم،
وذلك أنهم لم يظنُّوا أن رسول الله و # يلقى حرباً، وكان أبو سفيان قد استنفر حين دنا من
الحجاز يتجسس الأخبار، ويسأل من لقي من الركبان تخوفاً على أمر الناس، حتى أصاب خبراً
من بعض الركبان أن محمداً قد استنفر أصحابه لك ولعيرك، فحذر عند ذلك فاستأجر ضمضم بن
عمرو الغفاري فبعثه إلى أهل مكة وأمره أن يأتي قريشاً فيستنفرهم إلى أموالهم ويخبرهم أن
محمداً قد عرض لها في أصحابه، فخرج ضمضم بن عمرو سريعاً إلى مكة، وخرج رسول الله وَلايه
في أصحابه، حتى بلغ وادياً يقال له: ذفران، فخرج منه حتى إذا كان ببعضه نزل وأتاه الخبر عن
قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم، فاستشار رسول الله ﴿ الناس وأخبرهم عن قريش، فقام أبو
بكر ظه فقال، فأحسن. ثم قام عمر ◌ُه فقال، فأحسن. ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا
رسول الله امض لما أمرك الله به، فنحن معك والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى:
﴿فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَآ إِنَّا هَهُنَا فَعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا
معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد، - يعني مدينة الحبشة - لجالدنا
معك من دونه حتى تبلغه، فقال له رسول الله وَله، خيراً ودعا له بخير، ثم قال رسول الله يتين:
((أشيروا علي أيها الناس)). وإنما يريد الأنصار، وذلك أنهم كانوا عدد الناس، وذلك أنهم حين
بايعوه بالعقبة، قالوا: يا رسول الله إنا برآء من زمامك حتى تصل إلى دارنا، فإذا وصلت إلينا
فأنت في زمامنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا، وكان رسول الله وَ * يتخوف أن لا تكون
الأنصار ترى عليها نصرته إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى
عدو من بلادهم، فلما قال رسول الله وَ﴿ ذلك قال له سعد بن معاذ: والله لكأنَّك تريدنا يا
رسول الله؟ قال: ((أجل)). فقال: آمنًا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك
على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أمرك الله فوالذي بعثك
بالحق إن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما يتخلف منا رجل واحد وما نكره أن
تلقى بنا عدونا غداً، إنا لصُبر عند الحرب صُدق عند اللقاء، ولعلَّ الله يريك منَّا ما تقرّ به عينك،

١٦٣
سُورَةُ الأَنفَّا (١٠،٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000 000000 000000 000000000000000000000
فسِر بنا على بركة الله، فسُر رسول الله وَله بقول سعد ونشطه ذلك ثم قال: ((سيروا على بركة الله
وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأنِّي الآن أنظر إلى مصارع القوم)) (١) .
وروى العوفي عن ابن عباس نحو هذا(٢)، وكذلك قال السدي وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن
أسلم وغير واحد من علماء السلف والخلف، اختصرنا أقوالهم اكتفاء بسياق محمد بن إسحاق(٣).
﴿ ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَأَسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِى مُمِدُكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَتَبِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴿ وَمَا جَعَلَهُ
اللهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَيِنَّ بِهِ. قُلُوبُكُمَّ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمُ ﴾﴾.
قال الإمام أحمد: حدثنا أبو نوح قُراد، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا سماك الحنفي أبو
زُميل، حدثني ابن عباس، حدثني عمر بن الخطاب ظُه قال: لما كان يوم بدر، نظر النبي وَلـ
إلى أصحابه وهم ثلاثمائة ونيف، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل النبي وَلاقه
القبلة وعليه رداؤه وإزاره، ثم قال: ((اللّهم أنجز لي ما وعدتني، اللّهم إن تهلك هذه العصابة من
أهل الإسلام فلا تُعبد في الأرض أبداً)) قال: فما زال يستغيث ربه ويدعوه حتى سقط رداؤه عن
منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فرده ثم التزمه من ورائه ثم قال: يا نبي الله كفاك مناشدتك
ربك فإنه سينجز لك ما وعدك فأنزل الله ربّ: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَابَ لَكُمْ أَنِى مُمِدُكُم بِأَلْفٍ
مِّنَ الْمَلَبِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴾﴾ فلما كان يومئذٍ التقوا، فهزم الله المشركين فقتل منهم سبعون رجلاً
وأسر منهم سبعون رجلاً، واستشار رسول الله وسلّ م أبا بكر وعمر وعلياً فقال أبو بكر: يا رسول الله
هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية فيكون ما أخذناه منهم قوة لنا
على الكفار، وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضداً فقال رسول الله وَل جر: ((ما ترى يا ابن
الخطاب؟)) قال: قلت: ما أرى ما رأى أبو بكر ولكني أرى أن تمكنِّي من فلان قريب لعمر
فأضرب عنقه، وتمكّن علياً من عقيل فيضرب عنقه، وتمكِّن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه
حتى يعلم الله أن ليس في قلوبنا هوادة للمشركين، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم. فهوي
رسول الله ◌َ﴿ ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلتُ، وأخذ منهم الفداء، فلما كان من الغد قال عمر:
فغدوت إلى النبي ◌ّ﴿ وأبي بكر وهما يبكيان فقلت: ما يبكيك أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء
بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما. قال النبي وَلّ: (للذي عرض عليَّ أصحابك من
أخذهم الفداء لقد عرض عليَّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة)) لشجرة قريبة من النبي وَلاو
وأنزل الله رَّ: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيِّ أَنْ يَكُونَ لَهُ، أَشْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِ اٌلْأَرْضِّ﴾ إلى ﴿لَّوْلَا كِنَبٌ مِّنَ اللَّهِ
سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ [الأنفال: ٦٧ - ٦٨] من الغداء ثم أحل لهم الغنائم. فلما كان يوم أحد
من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء، فقُتل منهم سبعون، وفرَّ أصحاب
(١) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وسنده حسن إذ يشهد له ما سبق وما لحق.
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بما سبق.
(٣) قول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من
طريق ابن أبي عروبة عنه مختصراً وقول عبد الرحمن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه،
مختصراً، وهذه الروايات يقوي بعضها بعضاً وتتقوى بما سبق أيضاً.

١٦٤
• سُورَةُ الأَفَّاكَ (١٠،٩)
00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000001
النبيِ وَّ عن النبي ◌َّلُ وكُسرت رَباعيته، وهشِّمت البيضة على رأسه، وسال الدم على وجهه،
فأنزل الله: ﴿أَوَ لَمَّ أَصَبَتَكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُ مِّثْلَهَا قُلْتُمْ أَنَّ هَذَّا قُلّ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى
كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ (٣٥)﴾ [آل عمران] بأخذكم الفداء(١). ورواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن جرير
وابن مردويه من طرق عن عكرمة بن عمار به وصححه علي بن المديني والترمذي وقالا : لا
يعرف إلا من حديث عكرمة بن عمار اليمامي(٢).
وهكذا روى علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس أن هذه الآية الكريمة قوله: ﴿إِذْ
تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ في دعاء النبي ◌ََّ(٣)، وكذا قال: [زيد بن يُثيع](٤) والسدي وابن جريج.
وقال أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن أبي صالح قال: لما كان يوم بدر جعل
يُبّه فقال: يا رسول الله بعض
النبي وَ﴿ يناشد ربه أشدَّ المناشدة يدعو، فأتاه عمر بن الخطاب
نشدتك فوالله ليفيَنَّ الله لك بما وعدك(٥).
قال البخاري في كتاب المغازي باب قول الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾
إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْمِقَابِ﴾ [البقرة: ٢١١]: حدثنا أبو نعيم، حدثنا إسرائيل، عن مخارق،
عن طارق بن شهاب قال: سمعت ابن مسعود يقول: شهدت من المقداد بن الأسود مشهداً لأن
أكون صاحبه أحبّ إليَّ مما عدل به، أتى النبي وَل وهو يدعو على المشركين فقال: لا نقول كما
قال قوم موسى ﴿فَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا﴾ [المائدة: ٢٤] ولكنَّا نقاتل عن يمينك وعن شمالك
وبين يديك وخلفك، فرأيت النبي وَل﴿ أشرق وجهه وسره(٦).
حدثني محمد بن عبد الله بن حوشب، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا خالد الحذاء، عن عكرمة،
عن ابن عباس قال: قال النبي 8َّ* يوم بدر: ((اللهم أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن شئت لم
تعبد)) فأخذ أبو بكر بيده فقال: حسبك. فخرج وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُونَ الدُّبُرَ
[القمر]. ورواه النسائي عن بندار، عن عبد الوهاب، عن عبد المجيد الثقفي(٨).
وقوله تعالى: ﴿بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَبِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ أي: يردف بعضهم بعضاً كما قال [هارون بن
عنترة](٩)، عن ابن عباس ﴿مُرْدِفِينَ﴾ متتابعين(١٠).
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٤٥/١ - ٣٤٦ ح٢٢١) وحسن سنده محققوه.
(٢) صحيح مسلم، الجهاد، باب كيفية قسمة الغنيمة بين الحاضرين (ح ١٧٦٣) وسنن أبي داود، الجهاد، باب
في فداء الأسير بالمال (ح٢٦٩٠) مختصراً وسنن الترمذي، تفسير القرآن، باب ومن سورة الأنفال
(ح ٣٠٨١) وتفسير الطبري.
(٣) أخرجه الطبري من الطريقين مختصراً، وطريق علي يقوي طريق العوفي.
(٤) كذا في (عم) و(حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل صُحفت إلى: ((يزيد بن تبيع)).
(٥) أخرجه الطبري بأسانيده عن السدي وابن جريج وزيد بن يشيع وأبي صالح، وهذه الأسانيد يقوي بعضها بعضاً.
(٦) و(٧) أخرجهما البخاري بسنديه ومتنيه وكتابه وبابه (ح٣٩٥٢، ٣٩٥٣).
(٨) السنن الكبرى، التفسير (ح ١١٥٥٧).
(٩) كذا في (عم) و(حم) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل صحف إلى: ((هارون بن هبيرة)).
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق هارون بن عنترة عن أبيه عن ابن عباس، وسنده حسن، وقد أخرجه الطبري
من طرق أخرى كما يلي.

١٦٥
• سُورَةُ الأَنْفََِّ (١٠،٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ويحتمل أن المراد ﴿مُرْدِفِينَ﴾ لكم: أي نجدة لكم كما قال العوفي عن ابن عباس:
﴿مُرْدِفِينَ﴾ يقول المدد، كما تقول: ائت الرجل فزده كذا وكذا(١).
وهكذا قال مجاهد وابن كثير القاري وابن زيد: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ ممدين(٢).
وقال أبو كدينة، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿مُعِدُكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَبِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾
قال: وراء كل ملك ملك(٣). وفي رواية بهذا الإسناد ﴿مُرْدِفِينَ﴾ قال: بعضهم على إثر بعض،
وكذا قال أبو ظبيان(٤) والضحّاك وقتادة(٥).
وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري، حدثني
عبد العزيز بن عمران، عن الزمعي، عن أبي الحويرث، عن محمد جبير، عن علي رظُه قال:
نزل جبريل في ألف من الملائكة عن ميمنة النبي وسط ﴿ وفيها أبو بكر، ونزل ميكائيل في ألف من
الملائكة عن ميسرة النبي صل﴿ وأنا في الميسرة (٦). وهذا يقتضي إن صح إسناده أن الألف مردفة
بمثلها ولهذا قرأ بعضهم: ﴿مُرْدَفِينَ﴾ بفتح الدال(٧)، والله أعلم.
والمشهور ما رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: وأمدَّ الله نبيه وَّهِ والمؤمنين بألف
من الملائكة، فكان جبريل في خمسمائة من الملائكة مجنبة (٨)، وميكائيل في خمسمائة مجنبة(٩).
وروى الإمام أبو جعفر بن جرير ومسلم من حديث عكرمة بن عمار، عن أبي زُميل سماك بن
وليد الحنفي، عن ابن عباس، عن عمر الحديث المتقدم، ثم قال أبو زميل: حدثني ابن عباس
قال: بينا رجل من المسلمين يشتدُّ في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه
وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، إذ نظر إلى المشرك أمامه فخرَّ مستلقياً. قال: فنظر إليه،
فإذا هو قد حطّم وشق وجهه كضربة السوط فاخضرَّ ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث ذلك
رسول الله ◌َ﴿ قال: صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة فقتلوا يومئذٍ سبعين وأسروا سبعين(١٠).
وقال البخاري: باب شهود الملائكة بدراً. حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا جرير، عن
يحيى بن سعيد، عن معاذ بن رفاعة بن رافع الزرقي، عن أبيه - وكان أبوه من أهل بدر - قال:
جاء جبريل إلى النبي ◌َّ فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: ((من أفضل المسلمين)) أو كلمة
(١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.
(٢) أخرجه الطبري بأسانيد عنهم يقوي بعضها بعضاً.
(٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق محمد بن الصلت عن أبي كدينة به.
(٤) أخرجه الطبري بسند فيه سفيان بن وكيع، ویشهد له ما سبق.
(٥) قول الضحاك أخرجه الطبري بسند فيه إبهام شيخ الطبري ويشهد له ما سبق، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق
بسند صحيح عن معمر عنه.
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جداً بسبب عبد العزيز بن عمران متروك (التقريب ص٣٥٨).
(٧) القراءة متواترة، ولكن الإسناد السابق لم يصح.
(٨) المجنبة: الكتيبة التي تأخذ إحدى ناحيتي الجيش.
(٩) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.
(١٠) تقدم تخريجه في بداية تفسير هاتين الآيتين.

١٦٦
• سُوَرَّقُ الْأَفَّالِ (١٠،٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
نحوها قال: وكذلك من شهد بدراً من الملائكة(١). انفرد بإخراجه البخاري وقد رواه الطبراني في
المعجم الكبير من حديث رافع بن خديج(٢) وهو خطأ، والصواب رواية البخاري، والله أعلم.
وفي الصحيحين أن رسول الله وَ ﴿ قال لعمر لمّا شاوره في قتل حاطب بن أبي بلتعة: ((إنه قد
شهد بدراً وما يدريك لعلَّ الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)) (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى﴾ الآية، أي وما جعل الله بعث الملائكة وإعلامه
إيّاكم بهم إلا بشرى ﴿وَلِتَطْمَيْنَّ بِهِ، قُلُوبُكُمْ﴾ وإلا فهو تعالى قادر على نصركم على أعدائكم
﴿وَلِتَطْمَيِنَّ بِهِ، قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهَ﴾ أي بدون ذلك ولهذا قال: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ
عِندِ اللَّهِ﴾ كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيْتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ الْرِقَابِ حَّةٍ إِذَا أَنْتَتُوهُمْ فَشُدُّواْ الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّأَ بَعْدُ
وَإِمَّا فِدَآَ حَّى تَضَعَ الْرّبُ أَوْزَارَهَاْ ذَلِكَ وَلَوْ بَءُ اللَّهُ لَأَنَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَّ بَعْضَكُمْ بِبَعْضِّ وَلَّذِينَ قُئِلُواْ فِي سَبِيلِ
وَيُدْسِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾﴾ [محمد] وقال تعالى:
اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَلَهُمْ جَ سَيَهْدِيِمْ وَيُصْلِحُ بَمْ رِ
﴿وَبِّكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءُ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الَّلِينَ
وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَفِرِينَ ﴾﴾ [آل عمران] فهذه حكم شرع الله جهاد الكفار بأيدي
المؤمنين لأجلها، وقد كان تعالى إنما يعاقب الأمم السالفة المكذُّبة للأنبياء بالقوارع التي تعم
تلك الأمم المكذبة كما أهلك قوم نوح بالُوفان، وعاداً الأولى بالدبور، وثمود بالصيّحة، وقوم
لوط بالخسف والقلب وحجارة السجِّيل، وقوم شعيب بيوم الظُّلة، فلما بعث الله تعالى موسى
وأهلك عدوه فرعون وقومه بالغرق في اليمِّ، ثم أنزل على موسى التوراة شرع فيها قتال الكفار
واستمر الحكم في بقية الشرائع بعده على ذلك كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ مِنْ
بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَابِرَ﴾ [القصص: ٤٣] وقتل المؤمنين للكافرين، أشدُّ إهانة
للكافرين، وأشفى لصدور المؤمنين، كما قال تعالى للمؤمنين من هذه الأمة ﴿قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ
بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُوَرَ قَوْمٍ مُؤْمِينٌَ ﴾﴾ [التوبة] ولهذا كان قتل صناديد
قريش بأيدي أعدائهم الذين ينظرون إليهم بأعين ازدرائهم أنكى لهم، وأشفى لصدور حزب
الإيمان، فقتل أبي جهل في معركة القتال وحومة الوغى أشدُّ إهانة له من موته على فراشه بقارعة
أو صاعقة أو نحو ذلك، كما مات أبو لهب لعنه الله بالعدسة (٤) بحيث لم يقربه أحد من أقاربه،
إنما غسلوه بالماء قذفاً من بعيد، ورجموه حتى دفنوه، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ أي:
له العزة ولرسوله وللمؤمنين بهما في الدنيا والآخرة كقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ
﴾ [غافر] ﴿حَكِيمُ﴾ فيما شرعه من قتال الكفار مع
ءَامَنُواْ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ
القدرة على دمارهم وإهلاكهم بحوله وقوته ثيان .
(١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، المغازي، باب شهود الملائكة بدراً ح٣٩٩٢).
(٢) المعجم الكبير ٢٧٧/٤ ح ٤٤١٢.
(٣) صحيح البخاري، الجهاد، باب الجاسوس (ح٣٠٠٧) وصحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب من فضائل
أهل بدر (ح٢٤٩٤).
(٤) العدسة: هي بثرة تخرج في البدن كالطاعون.

١٦٧
• سُورَةُ الأَفَّاِ (١١، ١٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
- ﴿إِذْ يُغَيْشِيَكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيَزِلُ عَلَيْكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ مَآءَ لِيْطَهِّرَّكُمْ بِهِ، وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ
الشَّيْطَنِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِ الْأَقْدَامَ ﴿ إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَئِكَةِ أَنِ مَعَكُمْ فَتَبِتُواْ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ سَأُلِّقِى فِ قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَأَضْرِبُواْ فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَأَضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ
OF
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُواْ اللّهَ وَرَسُولَةٌ وَمَن يُشَافِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْمِقَابِ ﴿ ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ
)﴾.
وَأَنَ لِلْكَفِينَ عَذَابَ النَّارِ (
يذكُّرهم الله تعالى بما أنعم بِه عليهم من إلقائه النعاس عليهم أماناً أمنَّهم به من خوفهم الذي
حصل لهم من كثرة عدوهم وقلّة عددهم، وكذلك فعل تعالى بهم يوم أحد كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ
أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةُ نُّعَاسًا يَغْشَى طَآئِفَةٌ مِنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ﴾ الآية [آل
عمران: ١٥٤]، قال أبو طلحة: كنت ممن أصابه النعاس يوم أحد، ولقد سقط السيف من يدي
مراراً يسقط وآخذه، ويسقط وآخذه، ولقد نظرت إليهم يميدون وهم تحت الحَجَف(١).
وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا زهير، حدثنا ابن مهدي، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن
، قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد ولقد رأيتنا وما
حارثة بن مُضرِّب، عن علي
فينا إلّا نائم، إلا رسول الله وَل﴿ يصلِّي تحت شجرة ويبكي حتى أصبح(٢).
وقال سفيان الثوري، عن عاصم، عن أبي رزين، عن عبد الله بن مسعود ظ ◌ُه أنه قال:
النعاس في القتال أمنة من الله، وفي الصلاة من الشيطان(٣).
وقال قتادة: النعاس في الرأس، والنوم في القلب(٤).
قلت: أما النعاس فقد أصابهم يوم أحد وأمر ذلك مشهور جداً، وأما الآية الشريفة إنما هي
في سياق قصة بدر، وهي دالّة على وقوع ذلك أيضاً وكأن ذلك كائن للمؤمنين عند شدّة البأس
لتكون قلوبهم آمنة مطمئنة بنصر الله، وهذا من فضل الله ورحمته بهم ونعمته عليهم وكما قال
تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُمْرًا ﴾ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾﴾ [الشرح] ولهذا جاء في الصحيح أن
رسول الله (18 لما كان يوم بدر في العريش مع الصدِّيق ◌َظ ◌ُبه وهما يدعوان أخذت رسول الله وَله
سِنة من النوم ثم استيقظ مبتسماً فقال: ((أبشر يا أبا بكر هذا جبريل على ثناياه النقع)) ثم خرج من
باب العريش وهو يتلو قوله تعالى: ﴿سَيُّهْزَمُ لْجَمْعُ وَيُوَلُونَ الذُّبُرَ ﴾﴾(٥) [القمر].
وقوله: ﴿وَيُنَزِلُ عَلَيْكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ مَآءَ﴾. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: نزل
النبي ◌َّر حين سار إلى بدر والمشركون بينهم وبين الماء رملة دعصة، وأصاب المسلمين ضعف
شديد وألقى الشيطان في قلوبهم الغيظ يوسوس بينهم تزعمون أنكم أولياء الله تعالى وفيكم رسوله
(١) رواية أبي طلحة ظه صحيحة تقدم تخريجها في بداية تفسير آية ١٥٤ من سورة آل عمران.
(٢) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٢٤٢/١ ح ٢٨٠)، وأخرجه الإمام أحمد من طريق عبد الرحمن بن
مهدي به (المسند ٢٩٩/٢ ح١٠٢٣) وصحح سنده محققوه ..
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن الثوري به. وسنده حسن.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن بشير عن قتادة، وسعيد بن بشير ضعيف.
(٥) نسبه الحافظ ابن كثير إلى كتاب المغازي للأموي (البداية والنهاية ٢٨٤/٣) وحسنه الألباني في تعليقه على
كتاب فقه السيرة للغزالي ص٢٤٣.

١٦٨
• سُورَةُ الْأَنَفََِّ (١١، ١٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقد غلبكم المشركون على الماء وأنتم تصلُّون مجنبين، فأمطر الله عليهم مطراً شديداً فشرب
المسلمون وتطهّروا، وأذهب الله عنهم رجس الشيطان وثبَّت الرمل حين أصابه المطر، ومشى
الناس عليه والدوابّ فساروا إلى القوم، وأمدَّ الله نبيه وَ ل﴿ والمؤمنين بألف من الملائكة فكان
جبريل في خمسمائة مجنبة، وميكائيل في خمسمائة مجنبة(١).
وكذا قال العوفي، عن ابن عباس: إن المشركين من قريش لما خرجوا لينصروا العير وليقاتلوا
عنها نزلوا على الماء يوم بدر فغلبوا المؤمنين عليه فأصاب المؤمنين الظمأ، فجعلوا يصلُّون
مجنبين محدثين حتى تعاطوا ذلك في صدورهم، فأنزل الله من السماء ماء حتى سال الوادي
فشرب المؤمنون وملؤوا الأسقية وسقوا الركاب واغتسلوا من الجنابة، فجعل الله في ذلك طهوراً
وثبَّت به الأقدام، وذلك أنه كانت بينهم وبين القوم رملة فبعث الله المطر عليها فضربها حتى
اشتدت وثبتت عليها الأقدام(٢).
ونحو ذلك روي عن قتادة والضحاك والسدي(٣)، وقد روي عن سعيد بن المسيب والشعبي
والزهري وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه طشٌّ أصابهم يوم بدر(٤). والمعروف أن رسول الله وَل
لما سار إلى بدر نزل على أدنى ماء هناك أي أول ماء وجده، فتقدم إليه الحُباب بن المنذر فقال:
يا رسول الله هذا المنزل الذي نزلته منزل أنزلك الله إياه فليس لنا أن نجاوزه أو منزل نزلته
للحرب والمكيدة؟ فقال: ((بل منزل نزلته للحرب والمكيدة)) فقال: يا رسول الله إن هذا ليس
بمنزل ولكن سرّ بنا حتى ننزل على أدنى ماء يلي القوم، ونغور ما وراءه من القلب، ونستقي
الحياض فيكون لنا ماء وليس لهم ماء، فسار رسول الله عليه وسلم ففعل كذلك.
وفي مغازي الأموي أن الحُباب لما قال ذلك، نزل ملك من السماء وجبريل جالس عند
رسول الله فقال ذلك الملك: يا محمد إن ربك يقرئك السلام، ويقول لك: إن الرأي ما
أشار به الحُباب بن المنذر، فالتفت رسول الله ◌َ﴿ إلى جبريل ظلَّ فقال: ((هل تعرف هذا»؟ فنظر
إليه فقال: ما كل الملائكة أعرفهم وإنه ملك وليس بشيطان.
وأحسن ما في هذا ما رواه الإمام محمد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي تكَّثُهُ: حدثني
يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير قال: بعث الله السماء وكان الوادي دهساً فأصاب
رسول الله وَيهو وأصحابه ما لَبَّد لهم الأرض، ولم يمنعهم من المسير وأصاب قريشاً ما لم يقدروا
على أن يرحلوا معه(٥).
(١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به ويتقوى بسوابقه ولواحقه.
(٣) قول قتادة أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق سعيد بن بشير عن قتادة، وقول الضحاك أخرجه
الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط وهو
مرسل يتقوى بالمراسيل الثابتة وغيرها من الموصول.
(٤) أخرج بعض هذه الآثار الطبري وابن أبي حاتم وهذه الآثار يقوي بعضها بعضاً، وقد ثبت عن ابن عباس
نحو كما تقدم من وراية ابن أبي طلحة.
(٥) أخرجه ابن إسحاق بسنده ومتنه (السيرة النبوية ٦٢٠/١)، وسنده حسن لكنه مرسل ويتقوى بسوابقه
ولواحقه.

١٦٩
• سُورَةُ الأَفَِّ﴾ (١١، ١٤)
وقال مجاهد: أنزل الله عليهم المطر قبل النعاس فأطفأ بالمطر الغبار وتلبَّدت به الأرض
وطابت نفوسهم وثبتت به أقدامهم(١).
وقال ابن جرير: حدثنا هارون بن إسحاق، حدثنا مصعب بن المقدام، حدثنا إسرائيل، حدثنا
أبو إسحاق، عن حارثة، عن علي رضيبه قال: أصابنا من الليل طشُّ من المطر - يعني الليلة التي
كانت في صبيحتها وقعة بدر - فانطلقنا تحت الشحر والحجف نستظل تحتها من المطر، وبات
رسول الله وَ﴿ وحرضَّ على القتال(٢).
وقوله: ﴿لَيْطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ أي: من حدث أصغر أو أكبر وهو تطهير الظاهر ﴿وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ
الشَّيْطَانِ﴾ أي: من وسوسة أو خاطر سيء وهو تطهير الباطن كما قال تعالى في حق أهل الجنَّة
﴿عَلِيْهُمْ ثِيَابُ سُنُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقِّ وَحُلُواْ أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ٢١] فهذا زينة الظاهر ﴿وَسَقَنْهُمْ رَبُّهُمْ
شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] أي: مطهّراً لما كان من غلِّ أو حسد أو تباغض وهو زينة الباطن
وطهارته ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ أي: بالصبر والإقدام على مجالدة الأعداء وهو شجاعة الباطن
﴿وَيُثَبِّتَ بِ الْأَقْدَامَ﴾ وهو شجاعة الظاهر، والله أعلم.
وقوله: ﴿إِذْ يُوحِى رَبِّكَ إِلَى الْمَلَئِكَةِ أَنِى مَعَكُمْ فَنَبِتُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ وهذه نعمة خفيَّة أظهرها الله
تعالى لهم ليشكروه عليها، وهو أنه تعالى وتقدَّس وتبارك وتمجَّد أوحى إلى الملائكة الذين
أنزلهم لنصر نبيه ودينه وحزبه المؤمنين يوحي إليهم فيما بينه وبينهم أن يثبّتوا الذين آمنوا.
قال ابن إسحاق: وآزروهم(٣). وقال غيره: قاتلوا معهم. وقيل: كثَّروا سوادهم. وقيل: كان
ذلك بأن الملك كان يأتي الرجل من أصحاب النبي و 18 فيقول: سمعت هؤلاء القوم - يعني:
المشركين - يقولون: واللهِ لئن حملوا علينا لننكشفنَّ، فيحدِّث المسلمون بعضهم بعضاً بذلك
فتقوى أنفسهم(٤) حكاه ابن جرير وهذا لفظه بحروفه.
وقوله: ﴿سَأُلِّقِى فِ قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ﴾ أي: ثبّتوا أنتم المؤمنين وقووا أنفسهم على
أعدائهم عن أمري لكم بذلك سألقي الرعب والذلَّة والصغار على من خالف أمري وكذَّب رسولي
﴿ فَأَضْرِبُواْ فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَأَضْرِيُوْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ أي: اضربوا الهام ففلِقوها، واحتزوا الرقاب
فقطّعوها، وقطّعوا الأطراف منهم وهي أيديهم وأرجلهم.
وقد اختلف المفسرون في معنى ﴿فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ فقيل: معناه اضربوا الرؤوس، قاله
عكرمة(٥).
وقيل: معناه: أي على الأعناق وهي: الرقاب، قاله الضحاك وعطية العوفي(٦). ويشهد لهذا
(١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٢) أخرجه الطبري بسنده بنحوه، وصحح سنده الأستاذ أحمد شاكر.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير.
(٤) ذكره الطبري بلفظه.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق يزيد بن سعيد النحوي عن عكرمة.
(٦) قول الضحاك أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك، وقول عطية أخرجه
الطبري بسند حسن من طريق عبد الله بن إدريس عن أبيه عنه.

١٧٠
• سُوَرَّقُ الأَفََِّ (١١، ١٤)
المعنى أن الله تعالى أرشد المؤمنين إلى هذا في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ الْرِقَابِ خَ
إِذَا أَنْخَتُوُهُمْ فَشُدُّواْ الْوَثَاقَ﴾ [محمد: ٤].
وقال وكيع، عن المسعودي، عن القاسم قال: قال النبي ◌ّ: ((إني لم أبعث لأعذِّب
بعذاب الله، إنما بعثت لضرب الرِّقاب وشدِّ الوثاق))(١).
واختار ابن جرير أنها قد تدلُّ على ضرب الرِّقاب وفلق الهام.
قلت: وفي مغازي الأموي أن رسول الله وَ لّ جعل يمرُّ بين القتلى يوم بدر فيقول: ((نفلِّق هاماً))
فيقول أبو بكر :
من رجال أعزَّة علينا وهم كانوا أعقُّ وأظلما(٢)
فيبتدئ رسول الله ﴿ بأول البيت، ويستطعم أبا بكر ظُله إنشاد آخره، لأنه كان لا يحسن
إنشاد الشعر كما قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَهُ الشِّعْرَ وَمَا يَلْبَغِى لَهُ﴾ [يس: ٦٩].
وقال الربيع بن أنس: كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوهم بضرب فوق
الأعناق وعلى البنان مثل سمة النار قد أحرق به (٣).
وقوله: ﴿وَأَضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلّ بَنَانٍ﴾ وقال ابن جرير: معناه واضربوا من عدوكم أيها المؤمنون
كلَّ طرف ومفصل من أطراف أيديهم وأرجلهم، والبنان جمع بنانة كما قال الشاعر (٤):
ألا ليتني قطعت منِّي بنانةً ولاقيتهُ في البيت يقظانَ حاذرا(٥)
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿وَأَضْرِيُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ يعني: بالبنان
الأطراف(٦). وكذا قال الضحاك وابن جريج(٧).
وقال السدي البنان: الأطراف، ويقال كل مفصل.
وقال عكرمة وعطية العوفي والضحاك في رواية أخرى: كل مفصل(٨).
وقال الأوزاعي في قوله تعالى: ﴿وَأَضْرِيُوْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَاٍ﴾ قال: اضرب منه الوجه والعين
وارمه بشهاب من نار فإذا أخذته حرم ذلك كلّه عليك(٩).
وقال العوفي، عن ابن عباس: فذكر قصَّة بدر إلى أن قال: فقال أبو جهل: لا تقتلوهم قتلاً
ولكن خذوهم أخذاً حتى تعرفوهم الذي صنعوا من طعنهم في دينكم، ورغبتهم عن اللّات
(١) أخرجه ابن أبي شيبة بسنده ومتنه، وسنده مرسل (المصنف ٣٩٠/١٢).
(٢) قاله الحصين بن الهمام المري كما في الشعر والشعراء لابن قتيبة ٦٤٨/٢.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع.
(٤) هو العباس بن مرداس السلمي كما في مجاز القرآن ٢٤٢/١.
(٥) ذكره الطبري باختصار.
(٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.
(٧) قول الضحاك وابن جريج أخرجه الطبري بأسانيد ضعيفة ويشهد له سابقه.
(٨) قول عكرمة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق يزيد النحوي عنه وقول عطية العوفي أخرجه ابن أبي حاتم
بسند حسن من طريق عبد الله بن إدريس عن أبيه عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق
جويبر عنه.
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق هقل بن زياد عن الأوزاعي.

١٧١
• سُوَّرَةُ الأَنْفَّاِ (١٥، ١٦)
والعزى، فأوحى الله إلى الملائكة ﴿أَنّ مَعَكُمْ فَبِتُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ سَأُلِّى فِ قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ
الرُّعْبَ فَأَضْرِبُواْ فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَأَضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ الآية، فقتل أبو جهل لعنه الله في تسعة
وستين رجلاً، وأسر عقبة بن أبي معيط فقتل صبراً فوفى ذلك سبعين - يعني قتيلاً _(١). ولهذا قال
تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآَقُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي خالفوهما فساروا في شق، وتركوا الشرع والإيمان به
واتباعه في شق، ومأخوذ أيضاً من شقِّ العصا وهو جعلها فرقتين ﴿وَمَن يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ
اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي: هو الطالب الغالب لمن خالفه وناوأه لا يفوته شيء ولا يقوم لغضبه
شيء، تبارك وتعالى لا إله ولا ربَّ سواه ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَ لِلْكَفِينَ عَذَابَ النَّارِ ﴾﴾ هذا
خطاب للكفار أي: ذوقوا هذا العذاب والنكال في الدنيا، واعلموا أيضاً أن للكافرين عذاب النار
في الآخرة.
- ﴿بَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَغِيْتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفًا فَلَ تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ ﴿ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَيِذٍ
دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِنَالٍ أَوْ مُتَحَيْزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَنُهُ جَهَنَّمٌ وَبِئْسَ
المصیرُ
يقول تعالى متوعداً على الفرار من الزحف بالنار لمن فعل ذلك ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُهُ
الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفًا﴾ أي: تقاربتم منهم ودنوتم إليهم ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ أي: تفرُّوا وتتركوا
أصحابكم ﴿وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ، إِلَّا مُتَحَرِّقًا لِّقِتَالٍ﴾ أي: يفرُّ بين يدي قرنه مكيدة ليريه أنه قد
خاف منه فيتبعه ثم يكرُّ عليه فيقتله، فلا بأس عليه في ذلك نصّ عليه سعيد بن جبير والسدّي(٢).
وقال الضحّاك: أن يتقدم عن أصحابه ليرى غرَّة من العدو فيصيبها ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾
أي: فرَّ من ها هنا إلى فئة أخرى من المسلمين يعاونهم ويعاونونه(٣) فيجوز له ذلك حتى لو كان
في سرية ففرَّ إلى أميره أو الإمام الأعظم دخل في هذه الرخصة.
قال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا زهير، حدثنا يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن
أبي ليلى، عن عبد الله بن عمر ﴿ًّا قال: كنت في سرية من سرايا رسول الله وَّ فحاص الناس
حيصة (٤)، فكنت فيمن حاص، فقلنا كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب؟ ثم قلنا:
لو دخلنا المدينة، فبتنا، ثم قلنا لو عرضنا أنفسنا على رسول الله صل﴿، فإن كانت لنا توبة وإلا
ذهبنا، فأتيناه قبل صلاة الغداة، فخرج فقال: ((من القوم؟)) فقلنا: نحن الفرَّارون فقال: ((لا بل
أنتم العكّارون(٥) أنا فئتكم وأنا فئة المسلمين)) قال: فأتيناه حتى قَبَّلنا يده(٦). وهكذا رواه أبو
(١) سنده ضعيف بسبب ضعف عطية العوفي، ويتقوى بآثار سابقه نصّت على القصة.
(٢) قول سعيد بن جبير أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عنه وقول السدي أخرجه
الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك، ويشهد له سابقاه.
(٤) أي جالوا جولة يطلبون الفرار.
(٥) أي الكرارون إلى الحرب.
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٨٢/٩ ح٥٣٨٤)، وضعف سنده محققوه لضعف يزيد بن أبي
زیاد.

١٧٢
• سُورَةُ الْأَفَّاِ (١٥، ١٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
داود والترمذي وابن ماجه من طرق عن يزيد بن أبي زياد وقال الترمذي: حسن لا نعرفه إلا من
حديث ابن أبي زياد(١). ورواه ابن أبي حاتم من حديث يزيد بن أبي زياد به، وزاد في آخره وقرأ
رسول الله وَ﴿ هذه الآية ﴿أَوْ مُتَحَِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾(٢).
قال أهل العلم: معنى قوله: ((العكَّارون)) أي: العظّافون، وكذلك قال عمر بن الخطاب
في أبي عُبيد(٣) لما قُتل على الجسر بأرض فارس لكثرة الجيش من ناحية المجوس، فقال عمر:
لو تحيَّز إليَّ لكنت له فئة هكذا رواه محمد بن سيرين عن عمر(٤). وفي رواية أبي عثمان النهدي
عن عمر قال: لما قتل أبو عُبيد قال عمر: أيها الناس أنا فئتكم(٥).
وقال مجاهد: قال عمر: أنا فئة كلِّ مسلم (٦).
وقال عبد الملك بن عُمير، عن عمر: أيها الناس لا تغرنَّكم هذه الآية، فإنما كانت يوم بدر،
وأنا فئة لكلِّ مسلم(٧).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا حسان بن عبد الله المصري، حدثنا خلّاد بن سليمان
الحضرمي، حدثنا نافع أنه سأل ابن عمر قلت: إنا قوم لا نثبت عند قتال عدونا، ولا ندري من
الفئة إمامنا أو عسكرنا؟ فقال إن الفئة رسول الله ◌َّ* فقلت: إن الله يقول: ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ
كَفَرُواْ زَحْفًا﴾ الآية، فقال: إنما أنزلت هذه الآية في يوم بدر لا قبلها ولا بعدها (٨).
وقال الضحّاك في قوله: ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾: المتحيّز الفارُّ إلى النبي ◌َّ وأصحابه،
وكذلك من فرَّ اليوم إلى أميره أو أصحابه(٩) فأما إن كان الفرار لا عن سبب من هذه الأسباب
فإنه حرام وكبيرة من الكبائر لما رواه البخاري ومسلم في الصحيحين عن أبي هريرة رُبه قال:
قال رسول الله وَير: ((اجتنبوا السبع الموبقات)) قيل: يا رسول الله وما هنّ؟ قال: ((الشرك بالله
والسحر وقتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف
وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)) (١٠). وله شواهد من وجوه أخر، ولهذا قال تعالى: ﴿فَقَدْ
(١) سنن الترمذي، الجهاد، باب ما جاء في الفرار من الزحف (ح ١٧١٦).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم من الطريق نفسه مع الزيادة، وفيه أيضاً يزيد.
(٣) أبو عبيد هو الصحابي الجليل ابن مسعود الثقفي، وهو صاحب يوم الجسر، المعروف بجسر أبي عبيد الذي
قاتل الفرس وأنكى فيهم، وكان قائد المعركة بعد خالد بن الوليد.
(٤) أخرجه ابن المبارك عن ابن عون عن محمد بن سيرين به (الجهاد ٢٣٣)، وكذا ابن أبي شيبة (المصنف
٥٣٦/١٢)، وفيه محمد بن سيرين لم يسمع عمر ولكنه توبع بواسطة أبي عثمان النهدي كما يلي:
(٥) أخرجه ابن المبارك (الجهاد ٢٣٤)، وابن أبي شيبة (المصنف ٥٣٨/١٢)، وكلاهما من طريق سليمان
التيمي عن أبي عثمان به، وسنده صحيح.
(٦) أخرجه الثوري في تفسيره وابن المبارك (الجهاد ٢٦٢) به، ومجاهد لم يسمع عمر، ويقويه ما سبق.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم، وفي سنده إسماعيل بن إبراهيم البجلي ضعيف ويشهد له ما سبق.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك.
(١٠) صحيح البخاري، الوصايا باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَمَى كُظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠]
(ح ٢٧٦٦)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب الكبائر (ح٨٩).

١٧٣
• سُؤَدَّةُ الْأَفَِّ (١٥، ١٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
بَآءَ﴾ أي: رجع ﴿يِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَنهُ﴾ أي: مصيره ومنقلبه يوم ميعاده ﴿جَهَنَّمِّ رَبِئْسَ
اَلْصِيرُ﴾ .
وقال الإمام أحمد: حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا عبد الله بن عمر الرقي، عن زيد بن أبي
أنيسة، حدثنا جبلة بن سُحيم، عن أبي المثنى العبدي سمعت السدوسي - يعني: ابن الخصاصية
وهو بشير بن معبد - قال: أتيت النبي وَل﴿ الأبايعه فاشترط عليَّ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن
محمداً عبده ورسوله، وأن أقيم الصلاة، وأن أؤدي الزكاة، وأن أحجَّ حجّة الإسلام، وأن أصوم
شهر رمضان، وأن أجاهد في سبيل الله، فقلت: يا رسول الله أما اثنتان فوالله لا أطيقهما:
الجهاد، فإنهم زعموا أنه من ولّى الدبر فقد باء بغضب من الله، فأخاف إن حضرت ذلك خشعت
نفسي وكرهت الموت، والصدقة فوالله ما لي إلا غنيمة وعشر ذَوْدٍ هنّ رِسلُ أهلي وحمولتهم،
فقبض رسول الله وَّر يده ثم قال: ((فلا جهاد ولا صدقة فبم تدخل الجنة إذاً؟» قلت: يا رسول الله
أنا أبايعك فبايعته عليهن كلهنَّ(١)، هذا حديث غريب من هذا الوجه ولم يخرجوه في الكتب
الستة. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة، حدثنا
إسحاق بن إبراهيم أبو النضر، حدثنا يزيد بن ربيعة، حدثنا أبو الأشعث، عن ثوبان مرفوعاً عن
النبي ◌َّير قال: ((ثلاثة لا ينفع معهنَّ عمل: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، والفرار من
الزحف))(٢). وهذا أيضاً حديث غريب جداً.
وقال الطبراني أيضاً: حدثنا العباس بن الفضل الأسفاطي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا
حفص بن عمر الشني، حدثني عمرو بن مرة قال: سمعت بلال بن يسار بن زيد مولى
رسول الله وسلم قال: سمعت أبي يحدث عن جدي قال: قال رسول الله وَله: ((من قال: أستغفر الله
الذي لا إله إلا هو وأتوب إليه غفر له، وإن كان قد فرّ من الزحف))(٣). وهكذا رواه أبو داود
عن موسى بن إسماعيل به وأخرجه الترمذي، عن البخاري، عن موسى بن إسماعيل به وقال:
غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، قلت: ولا يعرف لزيد مولى النبي ◌ُّل عنه سواه.
وقد ذهب ذاهبون إلى أن الفرار إنما كان حراماً على الصحابة لأنه كان فرض عين عليهم،
وقيل: على الأنصار خاصة لأنهم بايعوا على السمع والطاعة في المنشط والمكره. وقيل: المراد
بهذه الآية أهل بدر خاصة يروى هذا عن عمر وابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد وأبي
نضرة ونافع مولى ابن عمر وسعيد بن جبير والحسن البصري وعكرمة وقتادة والضحّاك
وغيرهم(٤)، وحجتهم في هذا أنه لم تكن عصابة لها شوكة يفيئون إليها إلا عصابتهم تلك كما قال
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه ٢٨٤/٣٦ (ح ٢١٩٥٢)، قال الهيثمي: ورجال أحمد موثقون (المجمع ٤٢/١).
(٢) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٩٥/٢)، وضعفه الهيثمي لضعف يزيد بن ربيعة (المجمع ١٠٤/١).
(٣) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٨٩/٥ ح ٤٦٧٠)، وأخرجه أبو داود من طريق موسى بن
إسماعيل به (السنن، الصلاة، باب في الاستغفار ح١٥١٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود
(ح١٣٤٣)، وكذا الترمذي أخرجه من طريق موسى بن إسماعيل به (السنن، الدعوات، باب في دعاء
الضيف ح ٣٥٧٧).
(٤) بعض هذه الأقوال أخرجها الطبري وابن أبي حاتم بأسانيد ثابتة، وقول أبي سعيد أخرجه أبو داود من طريق
أبي نضرة عن أبي سعيد، وهو الخدري، (السنن، الجهاد، باب في التولي يوم الزحف ح ٢٦٤٨)، وصححه =

١٧٤
• سُورَةُ الأَفَّالَ (١٧، ١٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
النبي وَله: ((اللَّهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض))(١). ولهذا قال عبد الله بن المبارك
عن مبارك بن فضالة، عن الحسن في قوله: ﴿وَمَن يُوَلِهِمْ يَوْمَيِذٍ دُبُرَهُ﴾ قال: ذلك يوم بدر فأما
اليوم فإن انحاز إلى فئة أو مصر - أحسبه قال - فلا بأس عليه(٢).
وقال ابن المبارك أيضاً، عن ابن لهيعة، حدثني يزيد بن أبي حبيب قال: أوجب الله تعالى
لمن فرَّ يوم بدر النار قال: ﴿وَمَن يُوَلِهِمْ يَوْمَيِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِنَالٍ أَوْ مُتَحَيْزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ
بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ فلما كان يوم أحد بعد ذلك قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَ الْجَمْعَانِ إِنَّمَا
اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥] ثم كان يوم حنين بعد
ذلك بسبع سنين قال: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِينَ﴾ [التوبة: ٢٥] ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن
يَشَآَةٌ﴾ (٣) [التوبة: ٢٧].
وفي سنن أبي داود والنسائي ومستدرك الحاكم وتفسير ابن جرير وابن مردويه من حديث
داود بن أبي هند عن أبي نضرة، عن أبي سعيد أنه قال في هذه الآية: ﴿وَمَن يُوَلِهِمْ يَوْمَيِذٍ دُبُرَهُ﴾:
إنما أنزلت في أهل بدر(٤)، وهذا كلَّه لا ينفي أن يكون الفرار من الزحف حراماً على غير أهل
بدر، وإن كان سبب نزول الآية فيهم كما دلَّ عليه حديث أبي هريرة المتقدم من أن الفرار من
الزحف من الموبقات(٥) كما هو مذهب الجماهير، والله أعلم.
﴿فَمَ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمَّ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَنَّ وَلِيُسْلِىَ الْمُؤْمِنِينَ
مِنْهُ بَلَآءَ حَسَنَاْ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ ﴾ ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللّهَ مُؤمِنُ كَيْدِ الْكَفِرِينَ
يُبيِّن تعالى أنه خالق أفعال العباد وأنه المحمود على جميع ما صدر منهم من خير، لأنه هو
الذي وفقهم لذلك وأعانهم عليه ولهذا قال: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قََّلَهُمْ﴾ أي: ليس بحولكم
وقوتكم قتلتم أعداءكم مع كثرة عددهم وقّة عددكم. أي: بل هو الذي أظفركم عليهم كما قال:
﴿وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَزِلَّةٌ﴾ الآية [آل عمران: ١٢٣]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِى
مَوَاِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَمَ تُغْنِ عَنَكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ
[التوبة] يعلم تبارك وتعالى أن النصر ليس على كثرة العدد ولا
بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَيْتُمْ مُدْبِرِينَ
بلبس اللأمة والعدد، وإنما النصر من عنده تعالى كما قال تعالى: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَتْ
فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاَللَّهُ مَعَ الصََّبِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩].
ثم قال تعالى لنبيه وسي﴿ أيضاً في شأن القبضة من التراب التي حصب بها وجوه الكافرين يوم
بدر حين خرج من العريش بعد دعائه وتضرعه واستكانته فرماهم بها وقال: ((شاهت الوجوه))(٦)،
= الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٢٣٠٦)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/
٣٢٧) .
(١) أخرجه مسلم من حديث عمر (الصحيح، الجهاد، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر ح ١٧٦٣).
(٢) أخرجه ابن المبارك به (الجهاد ٢٣٢) وسنده حسن لكنه مرسل ويتقوى بما سبق.
(٣) سنده ضعيف لإرسال یزید بن أبي حبيب.
(٥) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.
(٦) سيأتي تخريجه من عدة طرق في تفسير هذه الآية.
(٤) تقدم تخريجه وصحته قبل روايتين.

١٧٥
• سُوَرَّةُ الْأَنفَّا (١٧، ١٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ثم أمر أصحابه أن يصدقوا الحملة إثرها، ففعلوا فأوصل الله تلك الحصباء إلى أعين المشركين
فلم يبق أحد منهم إلا ناله منها ما شغله عن حاله ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ
وَلَكِنَّ اللَّهَ رَىْ﴾ أي: هو الذي بلغ ذلك إليهم وكبتهم بها لا أنت.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: رفع رسول اللّه 18َ يديه يعني: يوم بدر فقال: ((يا ربِّ
إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبداً» فقال له جبريل: خذ قبضة من التراب فارم بها
في وجوههم، فأخذ قبضة من التراب فرمى بها في وجوههم، فما من المشركين أحد إلا أصاب
عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة فولُّوا مدبرين(١).
وقال السدي: قال رسول الله وَّله لعلي ر ◌ُله يوم بدر: ((أعطني حصباً من الأرض)) فناوله
حصباً عليه تراب، فرمى به في وجوه القوم فلم يبقَ مشرك إلا دخل عينيه من ذلك التٍراب شيء،
ثم ردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم، وأنزل الله: ﴿فَمَ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَلَهُمَّ وَمَا رَمَيْنَ
إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَ﴾(٢).
وقال أبو معشر المدني، عن محمد بن قيس ومحمد بن كعب القرظي قالا: لما دنا القوم
بعضهم من بعض أخذ رسول الله و ﴿ قبضة من تراب، فرمى بها في وجوه القوم وقال: ((شاهت
الوجوه)) فدخلت في أعينهم كلُّهم وأقبل أصحاب رسول الله وَ ل﴿ يقتلونهم ويأسرونهم، وكانت
هزيمتهم في رمية رسول الله وَ هُ فأنزل الله: ﴿وَمَا رَمَيْنَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِننَّ اللَّهَ رَمَّ﴾(٣).
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَىْ﴾ قال: هذا يوم
بدر أخذ رسول الله وَ ر ثلاث حصيات فرمى بحصاة ميمنة القوم، وحصاة في ميسرة القوم وحصاة
بين أظهرهم وقال: ((شاهت الوجوه)» فانهزموا (٤). وقد روي في هذه القصة، عن عروة ومجاهد
وعكرمة وقتادة وغير واحد من الأئمة أنه أنزلت في رمية النبي وَلجم يوم بدر(٥) وإن كان قد فعل
ذلك يوم حنين أيضاً.
وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا أحمد بن منصور، حدثنا يعقوب بن محمد، حدثنا
عبد العزيز بن عمران، حدثنا موسى بن يعقوب بن عبد الله بن زمعة، عن يزيد بن عبد الله، عن
أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، عن حكيم بن حزام قال: لما كان يوم بدر سمعنا صوتاً وقع
من السماء كأنه صوت حصاة وقعت في طست، ورمى رسول الله و * تلك الرمية فانهزمنا(٦).
غريب من هذا الوجه.
(١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.
(٢) أخرجه الطبري من طريق أسباط به، وسنده ضعيف للإرسال والسدي فيه تشيع.
(٣) أخرجه الطبري من طريق أبي معشر به، وسنده مرسل وأبو معشر هو السندي فيه ضعف ويتقوى بما يلي.
(٤) أخرجه الطبري من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن سنده مفصل ويتقوى بما يليه.
(٥) قول مجاهد وعكرمة وقتادة أخرجه الطبري بأسانيد صحيحة وهي مراسيل يقوي بعضها بعضاً.
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وضعفه الأستاد أحمد شاكر وأخرجه الطبراني (المعجم الكبير ٢٠٣/٣
ح٣١٢٨) وحسنه الهيثمي (مجمع الزوائد ٧٧/٦).

١٧٦
• سُورَةُ الأَفَّاِ (١٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
ولههنا قولان آخران غريبان جداً :
(أحدهما): قال ابن جرير: حدثني محمد بن عوف الطائي، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا
صفوان بن عمرو، حدثنا عبد الرحمن بن جبير أن رسول الله وَ ل﴿ يوم ابن أبي الحقيق بخيبر دعا
بقوس فأُتيَ بقوس طويلة وقال: ((جيئوني بقوس غيرها))، فجاؤوه بقوس كبداء فرمى النبي ◌ِّ
الحصن، فأقبل السهم يهوي حتى قتل ابن أبي الحقيق وهو في فراشه فأنزل الله ريك: ﴿وَمَا
رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَىْ﴾(١) وهذا غريب وإسناده جيد إلى عبد الرحمن بن جبير بن
نفير، ولعله اشتبه عليه أو أنه أراد أن الآية تعم هذا كله وإلا فسياق الآية في سورة الأنفال في
قصة بدر لا محالة، وهذا مما لا يخفى على أئمة العلم، والله أعلم.
(والثاني): روى ابن جرير أيضاً والحاكم في مستدركه بإسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب
والزهري أنهما قالا: أنزلت في رمية النبي والقر يوم أحد أبي بن خلف بالحربة وهو في لأمته،
فخدشه في ترقوته فجعل يتدأدأ عن فرسه مراراً حتى كانت وفاته بعد أيام قاسى فيها العذاب
الأليم موصولاً بعذاب البرزخ المتصل بعذاب الآخرة (٢)، وهذا القول عن هذين الإمامين غريب
أيضاً جداً، ولعلهما أرادا أن الآية تتناوله بعمومها لا أنها نزلت فيه خاصَّة كما تقدم والله أعلم.
وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير في قوله:
﴿وَلِيُبْلِىَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَآءَ حَسَنًا﴾ أي: ليعرف المؤمنين نعمته عليهم من إظهارهم على عدوهم
مع كثرة عدوهم وقلَّة عددهم ليعرفوا بذلك حقه ويشكروا بذلك نعمته(٣). وهكذا فسره ابن جرير
أيضاً، وفي الحديث: ((وكل بلاء حسن أبلانا))(٤).
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ أي: سميع الدعاء عليم بمن يستحق النصر والغلب، وقوله:
﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُومِنُ كَيْدِ اَلْكَفِرِينَ ﴾﴾ هذه بشارة أخرى مع ما حصل من النصر أنه أعلمهم
تعالى بأنه مضعف كيد الكافرين فيما يستقبل مصغر أمرهم، وأنهم وكلُّ ما لهم في [تبار(٥))
ودمار، ولله الحمد والمنة.
2] ﴿إِن تَسْتَفْئِحُواْ فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحِّ وَإِن تَنَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعَّدٌّ وَلَنْ تُغْفِىَ
عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾﴾
يقول تعالى للكفار: ﴿إِن تَسْتَفْئِحُواْ﴾ أي: تستنصروا وتستقضوا الله وتستحكموه أن يفصل
بينكم وبين أعدائكم المؤمنين فقد جاءكم ما سألتم كما قال محمد بن إسحاق وغيره عن الزهري،
(١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق صفوان به، وسنده مرسل.
(٢) أخرجه الحاكم من طريق سعيد بن المسيب عن أبيه بنحوه وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٢٧/٢).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق محمد بن إسحاق به.
(٤) أخرجه النسائي (السنن الكبرى ح١٠١٣٣)، وابن السني (عمل اليوم والليلة ح٤٦)، والحاكم كلهم من
حديث أبي هريرة مطولاً مرفوعاً وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ٥٤٦/١)، وحسنه سليم
الهلالي في عجالة الراغب المتمني في تخريج كتاب عمل اليوم والليلة ٥٥٥/٢ (ح٤٨٦).
(٥) في الأصل صحفت إلى: ((سال)).

١٧٧
• سُورَةُ الأَفَِّكَ (١٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير أن أبا جهل قال يوم بدر: اللّهم أينا كان أقطع للرحم وآتانا بما لا
يعرف فأحِنْهُ الغداة. وكان ذلك استفتاحاً منه فنزلت: ﴿إِن تَسْتَفْئِحُواْ فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحِّ﴾ إلى
آخر الآية (١).
وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد - يعني: ابن هارون -، أخبرنا محمد بن إسحاق، حدثني
الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة أن أبا جهل قال حين التقى القوم: اللَّهم أقطعنا للرحم وآتانا بما
لا نعرف فأحنه الغداة. فكان المستفتح(٢). وأخرجه النسائي في التفسير من حديث صالح بن
كيسان عن الزهري به(٣)، وكذا رواه الحاكم في مستدركه من طريق الزهري به وقال: صحيح
على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وروي نحو هذا عن ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة
ويزيد بن رومان وغير واحد (٤).
وقال السدي: كان المشركون حين خرجوا من مكة إلى بدر أخذوا بأستار الكعبة فاستنصروا الله
وقالوا: اللَّهم انصر أعلى الجندين وأكرم الفئتين وخير القبيلتين فقال الله: ﴿إِن تَسْتَفْئِحُواْ فَقَدْ
◌َجَآءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ يقول: قد نصرت ما قلتم وهو محمد وَلاَّ(٥).
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هو قوله تعالى إخباراً عنهم: ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ
هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ﴾ الآية (٦) [الأنفال: ٣٢].
وقوله: ﴿وَإِن تَنْتَهُواْ﴾ أي: عما أنتم فيه من الكفر بالله والتكذيب لرسوله ﴿فَهُوَ خَيْرٌ
لَكُمْ﴾ أي: في الدنيا والآخرة، وقوله تعالى: ﴿وَإِن تَعُودُواْ نَعُدّ﴾ كقوله: ﴿وَإِنْ عُدُمْ عُدْناً﴾
[الإسراء: ٨] معناه: وإن عدتم إلى ما كنتم فيه من الكفر والضلالة نعد لكم بمثل هذه
الواقعة .
وقال السدي: ﴿وَإِن تَعُودُواْ﴾ أي: إلى الاستفتاح ﴿نَعُدَّ﴾ أي: إلى الفتح لمحمد بَّهِ والنصر له
وتظفيره على أعدائه(٧). والأول أقوى ﴿وَلَنْ تُغْنِىَ عَنْكُمْ فِشَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ﴾ أي: ولو جمعتم
من الجموع ما عسى أن تجمعوا، فإن من كان الله معه فلا غالب له ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهم
الحزب النبوي والجناب المصطفوي.
(١) سنده حسن كما يلي.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦٥/٣٩ ح٢٣٦٦١)، وحسنه محققوه، وأخرجه الحاكم من طريق
الزهري به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٢٨/٢).
(٣) التفسير (من السنن الكبرى ٥١٨/١ ح٢٢١).
(٤) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند
صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه،
وقول الضحاك ويزيد بن رومان أخرجه الطبري بسندين ضعيفين وهذه المراسيل الأربعة يقوي بعضها بعضاً
وتتقوى بالروايات السابقة.
(٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي لكنه مرسل.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن لكنه معضل ويتقوى بما سبق.
(٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي بنحوه.

١٧٨
سُورَةُ الأَفَّاك (٢٠، ٢٤)
وَلَا تَكُونُواْ
] ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْاْ عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ
﴿﴿ إِنَّ شَرَّ الَّوَآتِ عِندَ اللَّهِ اُلْضُمُ الْبَكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ
كَلَّذِينَ قَالُواْ سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (١َ
وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِهِمْ خَيْرًّا لَّأَسْمَعَهُمّ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَهُمْ نُعْرِضُونَ
٢٢
يأمر تعالى عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله ويزجرهم عن مخالفته والتشبه بالكافرين به
المعاندين له ولهذا قال: ﴿وَلَا تَوَلَّوْ عَنْهُ﴾ أي: تتركوا طاعته وامتثال أوامره وترك زواجره ﴿وَأَنْتُمْ
تَسْمَعُونَ﴾ أي: بعد ما علمتم ما دعاكم إليه ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَذِينَ قَالُواْ سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ
قيل: المراد المشركون واختاره ابن جرير(١).
وقال ابن إسحاق: هم المنافقون فإنهم يظهرون أنهم قد سمعوا واستجابوا وليسوا كذلك(٢)، ثم
أخبر تعالى أن هذا الضرب من بني آدم شرُّ الخلق والخليقة فقال: ﴿إِنَّ شَرَّ اٌلَّوَآتٍ عِندَ اللَّهِ اُلْضُمُ﴾
أي: عن سماع الحق ﴿الْبُكْمُ﴾ عن فهمه ولهذا قال: ﴿ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ فهؤلاء شرُّ البريّة لأن كل
دابَّة مما سواهم مطيعة لله فيما خلقها له، وهؤلاء خلقوا للعبادة فكفروا، ولهذا شبَّههم بالأنعام في
قوله: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءُ وَنِدَاءٌ﴾ [البقرة: ١٧١] الآية، وقال في
الآية الأخرى: ﴿أُوْلَكَ كَالْأَنْعَِ بَلّ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَفِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] وقيل: المراد بهؤلاء
المذكورين نفر من بني عبد الدار من قريش روي عن ابن عباس ومجاهد(٣) واختاره ابن جرير.
وقال محمد بن إسحاق: هم المنافقون(٤). قلت: ولا منافاة بين المشركين والمنافقين في هذا
لأن كلّ منهم مسلوب الفهم الصحيح والقصد إلى العمل الصالح، ثم أخبر تعالى بأنهم لا فهم
لهم صحيح ولا قصد لهم صحيح لو فرض أن لهم فهماً فقال: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اَللَّهُ فِهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمّ﴾
أي: لأفهمهم وتقدير الكلام ولكن لا خير فيهم فلم يفهمهم لأنه يعلم أنه ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ أي:
أفهمهم ﴿لَتَوَلَّواْ﴾ عن ذلك قصداً وعناداً بعد فهمهم ذلك ﴿وَّهُم ◌ُعْرِضُونَ﴾ عنه.
﴿يَُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أُسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْمِيكُمْ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ
(٢٤)
بَيْنَ اُلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ، وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
قال البخاري: ﴿أُسْتَجِيبُواْ﴾ أجيبوا ﴿لِمَا يُحِيكُمْ﴾ لما يصلحكم. حدثني إسحاق، حدثنا
رَوح، حدثنا شعبة، عن خُبيب بن عبد الرحمن قال: سمعت حفص بن عاصم يحدث، عن أبي
سعيد بن المعلَّى به قال: كنت أصلي فمرَّ بي النبيِ وَّر، فدعاني فلم آتّه حتى صليت ثم أتيته
فقال: ((ما منعك أن تأتيني؟ ألم يقل الله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أُسْتَجِيبُواْ لَِّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا
يُحِْيكُمْ﴾، ثم قال: لأعلمنَّك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج))، فذهب رسول الله وعليه
(١) ذكره الطبري بدون سند.
(٢) أخرجه الطبري من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق بنحوه.
(٣) قول ابن عباس أخرجه البخاري (الصحيح، التفسير، سورة الأنفال، باب ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَآتٍ عِندَ اللَّهِ اُلُمُ ... ﴾
ح٤٦٤٦)، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند حسن من طريق، ابن أبي نجيح عنه.
(٤) تكرر قبل ثمانية سطور.

١٧٩
سُورَةُ الأَفََّ (٢٤)
0000000000000000000000
0000000000000000000000000000000000000000000000
ليخرج فذكرت له. وقال معاذ: حدثنا شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن سمع حفص بن عاصم
سمع أبا سعيد رجلاً من أصحاب النبي وَّه بهذا وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ [الفاتحة]
هي السبع المثاني (١). هذا لفظه بحروفه وقد تقدم الكلام على هذا الحديث بذكر طرقه في أول
تفسير الفاتحة.
وقال مجاهد في قوله: ﴿لِمَا يُحِيكُمْ﴾ قال: للحق(٢).
وقال قتادة: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ قال: هو هذا القرآن فيه النجاة والبقاء والحياة(٣).
وقال السدي: ﴿لِمَا يُحِيكُمْ﴾ ففي الإسلام إحياؤهم بعد موتهم بالكفر(٤).
وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ أُسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحِيكُمْ﴾ أي: للحرب التي أعزكم الله تعالى بها بعد
الذل، وقواكم بها بعد الضعف، ومنعكم من عدوكم بعد القهر منهم لكم(٥).
وقوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلِهِ﴾، قال ابن عباس: يحول بين
المؤمن وبين الكفر وبين الكافر وبين الإيمان، رواه الحاكم في مستدركه موقوفاً، وقال صحيح
ولم يخرجاه(٦)، ورواه ابن مردويه من وجه آخر مرفوعاً، ولا يصح لضعف إسناده والموقوف
أصح، وكذا قال مجاهد وسعيد وعكرمة والضحاك وأبو صالح وعطية ومقاتل بن حيان
(٧)
والسدي(٧) .
وفي رواية عن مجاهد في قوله: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ أي: حتى يتركه لا يعقل(٨).
وقال السدي: يحول بين الإنسان وقلبه فلا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلا بإذنه(٩).
وقال قتادة: هو كقوله: ﴿وَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦](١٠).
وقد وردت الأحاديث عن رسول الله وَ له بما يناسب هذه الآية، وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو
معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن أنس بن مالك ظه، قال: كان النبي ◌َّ يكثر أن
يقول: ((يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)). قال: فقلنا: يا رسول الله آمنا بك وبما جئت
به، فهل تخاف علينا؟ قال: ((نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله تعالى يقلبها))(١١)
(١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، تفسير سورة الأنفال، باب ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ
إِذَا دَعَاكُمْ ... ﴾ [الأنفال: ٢٤] ح ٤٦٤٧).
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة بنحوه.
(٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي بنحوه.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن إسحاق به.
(٦) ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٢٨/٢).
(٧) أخرجه عنهم الطبري وابن أبي حاتم بأسانيد ثابتة وبعضها ضعيفة تتقوى بالثابتة.
(٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٩) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(١٠) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.
(١١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٦٠/١٩ ح١٢١٠٧)، قال محققوه: إسناده قوي على شرط مسلم.

١٨٠
• سُورَةُ الَفَّالِ (٢٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وهكذا رواه الترمذي في كتاب القدر من جامعه عن هناد بن السري، عن أبي معاوية محمد بن
خازم الضرير، عن الأعمش، واسمه سليمان بن مهران، عن أبي سفيان واسمه طلحة بن نافع،
عن أنس، ثم قال: حسن، وهكذا روي، عن غير واحد عن الأعمش، ورواه بعضهم عنه، عن
أبي سفيان، عن جابر، عن النبي ◌َّ وحديث أبي سفيان عن أنس أصح(١).
(حديث آخر): وقال الإمام عبد بن حميد في مسنده(٢): حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا
شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن بلال ظه، أن النبي و لو كان يدعو: (يا مقلب
القلوب ثبت قلبي على دينك))(٣). هذا حديث جيد الإسناد إلا أن فيه انقطاعاً. وهو مع ذلك على
شرط أهل السنن ولم يخرجوه.
(حديث آخر): قال الإمام أحمد: حدثنا الوليد بن مسلم قال: سمعت ابن جابر يقول: حدثني
بسر بن عبيد الله الحضرمي أنه سمع أبا إدريس الخولاني يقول: سمعت النواس بن سمعان
الكلابي له يقول: سمعت النبي و ل﴾ يقول: ((ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع
الرحمن ربِّ العالمين إذا شاء أن يقيمه أقامه وإذا شاء أن يُزيغه أزاغه)) وكان يقول: ((يا مقلب
القلوب ثبِّت قلبي على دينك)) قال: ((والميزان بيد الرحمن يخفضه ويرفعه))(٤) وهكذا رواه النسائي
وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر فذكر مثله(٥).
(حديث آخر): قال الإمام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا حماد بن زيد، عن المعلى بن زياد،
عن الحسن أن عائشة قالت: دعوات كان رسول الله به يدعو بها: ((يا مقلب القلوب ثبِّت قلبي
على دينك)) قالت: فقلت: يا رسول الله إنك تكثر أن تدعو بهذا الدعاء فقال: ((إن قلب الآدمي
بين أصبعين من أصابع الله فإذا شاء أزاغه وإذا شاء أقامه))(٦).
(حديث آخر): قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم، حدثنا عبد الحميد، حدثني شهر سمعت أم
سلمة تحدث أن رسول الله وَ لخير كان يكثر في دعائه يقول: ((اللَّهم مقلب القلوب ثبِّت قلبي على
دينك)) قالت: فقلت: يا رسول الله أوَ إِنّ القلوب لتقلَّب؟ قال: ((نعم ما خلق الله من بشر من بني
آدم إلا أن قلبه بين أصبعين من أصابع الله رَ فإن شاء أقامه وإن شاء أزاغه، فنسأل الله ربنا أن
لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب)) قالت: فقلت:
يا رسول الله ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي؟ قال: ((بلى قولي اللَّهم ربِّ النبي محمد اغفر لي
ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات الفتن ما أحييتني)) (٧).
(١) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وحكمه وتعليقه (السنن، القدر، باب ما جاء أن القلوب بين أصبعي الرحمن
ح ٢١٤٠)، وأخرجه الحاكم من طريق أبي سفيان عن جابر وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢٨٨/٢).
(٢) كذا في (عم) و(حم) وفي الأصل: قال الإمام أحمد قال الإمام عبد بن حميد في مسنده.
(٣) أخرجه عبد بن حميد بسنده ومتنه (المنتخب من مسنده عبد بن حميد ح٣٥٩) وفي سنده انقطاع بين ابن أبي
ليلى وبلال طلبه وقد جوده الحافظ ابن كثير بالشواهد السابقة واللاحقة.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٧٨/٢٩ ح ١٧٦٣٠) وصحح سنده محققوه.
(٥) السنن الكبرى (ح٧٧٣٨) وسنن ابن ماجه، المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية (ح١٩٩).
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٩١/٦) وسنده حسن بالشواهد السابقة واللاحقة.
(٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٠٠/٤٤ ح٢٦٥٧٦)، قال محققوه: بعضه صحيح بشواهده، =