النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
• سُوَرَّةُ الأََّافِ (١٩٩، ٢٠٠)
عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ قال: من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تجسس(١).
وقال هشام بن عروة، عن أبيه: أمر الله رسول الله ﴿ أن يأخذ العفو من أخلاق الناس(٢)،
وفي رواية قال: خذ ما عفي لك من أخلاقهم.
وفي صحيح البخاري، عن هشام، عن أبيه عروة، عن أخيه عبد الله بن الزبير قال: إنما أنزل
﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ من أخلاق الناس(٣).
وفي رواية عن أبيه، عن ابن عمر(٤)، وفي رواية عن هشام، عن أبيه، عن عائشة أنهما قالا
مثل ذلك(٥)، والله أعلم.
وفي رواية سعيد بن منصور، عن أبي معاوية، عن هشام، عن وهب بن كيسان، عن ابن
الزبير: خذ العفو، قال: من أخلاق الناس، والله لآخذنّه منهم ما صحبتهم(٦). وهذا أشهر
الأقوال، ويشهد له ما رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم جميعاً: حدثنا يونس، حدثنا سفيان هو:
ابن عيينة، عن أُمَيّ قال: لما أنزل الله رَُّ على نبيه وَّ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ
اَلْجَهِلِينَ ﴾ قال رسول الله وَلجر: ((ما هذا يا جبريل؟)) قال: إن الله أمرك أن تعفو عمّن
ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك(٧)، وقد رواه ابن أبي حاتم أيضاً عن أبي يزيد
القراطيسي كتابة، عن أصبغ بن الفرج عن سفيان [عن](٨) أُمَيّ، عن الشعبي نحوه (٩)، وهذا
مرسل على كل حال، وقد روي له شواهد من وجوه أخر، وقد روي مرفوعاً عن جابر(١٠)
وقيس بن سعد بن عبادة عن النبى وعَاء(١١) أسندهما ابن مردويه.
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا معاذ بن رفاعة، حدثني علي بن يزيد، عن القاسم عن
أبي أمامة الباهلي، عن عقبة بن عامر الله قال: لقيت رسول الله وَ﴾ فابتدأته، فأخذت بيده فقلت: يا
رسول الله أخبرني بفواضل الأعمال، فقال: ((يا عقبة صِلْ من قطعك، وأعط من حرمك، وأعرض
عمّن ظلمك))(١٢) وروى الترمذي نحوه من طريق عبيد الله بن زُحر عن علي بن يزيد به. وقال: حسن.
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٢) أخرجه البخاري من طريق هشام به (الصحيح، التفسير، باب ((خذ العفو وأمر بالعرف ... )) ح ٤٦٤٤).
(٣) أخرجه البخاري من طريق هشام به بلفظ: ((ما أنزل الله إلا في أخلاق الناس)) (المصدر السابق ح ٤٦٤٣).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم والحاكم (المستدرك ١٢٤/١) كلاهما من طريق عروة عن ابن عمر وصححه الحاكم
ووافقه الذهبي.
(٥) أخرجه ابن مردويه بسند ضعيف (ينظر فتح الباري ٣٠٥/٨) ويتقوى بما سبق.
(٦) أخرجه سعيد بن منصور (ينظر فتح الباري ٣٠٥/٨) ويشهد له ما سبق في رواية البخاري.
(٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسنده وسنته، وسنده صحيح إلى أميّ لكنه معضل فإن أُميّ تابع تابعي.
(٨) كذا في (عم) و(حم) و(مح) وفي الأصل صُحفت إلى: ((بن)).
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، ورجاله ثقات لكنه مرسل.
(١٠) أخرجه ابن مردويه من طريق عبد العزيز بن عبد الله الماجشون عن محمد بن المنكدر عن جابر بنحو رواية
أُميّ. (ينظر تخريج الزيلعي على الكشاف ل ٢٢١)، وحسنه العراقي (ينظر اتحاف السادة المتقين ٣١٨/٧).
(١١) قال العراقي: رواه ابن مردويه في تفسيره من حديث جابر وقيس بن عبادة بن الصامت وأنس بأسانيد حسان
(المصدر السابق).
(١٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٤٨/٤)، وسنده ضعيف لضعف علي بن يزيد وشيخه القاسم كما
قرر الحافظ ابن كثير.

١٤٢
• سُوَرَّةُ الَّغَافِ (٢٠٠،١٩٩)
قلت: ولكن علي بن يزيد وشيخه القاسم أبو عبد الرحمن فيهما ضعف.
(19)﴾ العرف: المعروف،
وقال البخاري: قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُنْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضِ عَنِ الْجَهِلِينَ
حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب عن الزهري، أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن ابن
ـُّ قال: قدم عيينة بن حصن بن حذيفة، فنزل على ابن أخيه الحرُّ بن قيس، وكان من
عباس
النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولاً كانوا أو شباباً،
فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه، قال: سأستأذن
لك عليه، قال ابن عباس: فاستأذن الحرُّ لعيينة فأذن له عمر، فلما دخل عليه قال: هي يا ابن
الخطاب فوالله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى همّ أن يوقع به، فقال
له الحرُّ، يا أمير المؤمنين إن الله تعالى قال لنبيه وَ له: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُرُ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِنَ
وإن هذا من الجاهلين، واللهِ ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقّافاً عند
كتاب الله من(١)، وانفرد بإخراجه البخاري.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى - قراءة -، أخبرنا ابن وهب، أخبرني
مالك بن أنس، عن عبد الله بن نافع، أن سالم بن عبد الله بن عمر مرَّ على عير لأهل الشام
وفيها جرس، فقال: إن هذا منهي عنه، فقالوا: نحن أعلم بهذا منك، إنما يكره الجلجل الكبير،
فأما مثل هذا فلا بأس به، فسكت سالم وقال: ﴿وَأَعْرِضِ عَنِ الْجَهِنَ﴾(٢).
وقول البخاري: العرف: المعروف، نصّ عليه عروة بن الزبير والسدي وقتادة وابن جريج
وغير واحد.
وحكى ابن جرير أنه يقال: أوليته معروفاً وعارفاً وعارفة، كلّ ذلك بمعنى المعروف، قال:
وقد أمر الله نبيه و ﴿ أن يأمر عباده بالمعروف، ويدخل في ذلك جميع الطاعات وبالإعراض عن
الجاهلين، وذلك وإن كان أمراً لنبيه وَ ل فإنه تأديب لخلقه باحتمال من ظلمهم واعتدى عليهم لا
بالإعراض عمَّن جهل الحق الواجب من حق الله، ولا بالصفح عمَّن كفر بالله وجهل وحدانيته
وهو للمسلمين حرب(٤).
وقال سعيد بن أبي عروبة: عن قتادة في قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُنْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضِ عَنِ الْجَهِلِينَ
١٩٩
قال: هذه أخلاق أمر الله بها نبيه وَل ليه ودلَّه عليها(٥)، وقد أخذ بعض الحكماء هذا المعنى
فسبكه في بيتين فيهما جناس، فقال:
أُمرت وأعرض عن الجاهلين
خذ العفو وأمر بعرف كما
فمستحسن من ذوي الجاه لين
ولِن في الكلام لكلّ الأنام
وقال بعض العلماء: الناس رجلان، فرجل محسن فخذ ما عفا لك من إحسانه، ولا تكلّفه
فوق طاقته ولا ما يحرجه، وإما مسيء فمره بالمعروف، فإن تمادى على ضلاله واستعصى
(١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه وما قبله (الصحيح، التفسير الباب نفسه (ح ٤٦٤٢).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده عبد الله بن نافع: ضعيف كما في التقريب.
(٤) ذكره الطبري بلفظه تقربياً .
(٣) أخرجه الطبري بأسانيد ثابتة عنهم.
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد به.

١٤٣
سُودَةُ الأَشَاف (١٩٩، ٢٠٠)
·
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
عليك واستمر في جهله فأعرض عنه، فلعل ذلك أن يردّ كيده، كما قال تعالى: ﴿أَدْفَعْ بِالَّتِى هِىَ
◌َنَ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّـ
أَحْسَنُ السَّيِّئَةُ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ﴿﴿ وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَتِ الشَّيَاطِينِ
﴾ [المؤمنون] وقال تعالى: ﴿وَلَا شَّتَوِى الْحَسَنَةُ وَلَ السَِّئَةُ أَدْفَعْ بِأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ
أَنْ يَحْضُرُونِ (٣)
فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَوَّةٌ كَنَّهُ وَإِىُّ حَمِيمٌ ﴿ وَمَا يُلَقَّنِهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَفَِّهَا إِلَّا ذُو حَظٍ
[فصلت] [أي
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَنِ نَزْعٌ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَُّ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
عَظِيمٍ
هذه الوصية](١) وقال في هذه السورة الكريمة أيضاً ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَنِ نَزْعٌ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ
إِنَّهُ سَمِيعُ عَلِيمُ ﴾﴾ فهذه الآيات الثلاث في الأعراف والمؤمنون وحم السجدة لا رابع لهنّ،
فإنه تعالى، يرشد فيهن إلى معاملة العاصي من الإنس بالمعروف بالتي هي أحسن فإن ذلك
يكفّه عمّا هو فيه من التمرد بإذنه تعالى، ولهذا قال: ﴿فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَوَةٌ كَأَنَُّ وَلِيُّ
حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤] ثم يرشد تعالى إلى الاستعاذة به من شيطان الجان، فإن لا يكفّه عنك
الإحسان وإنما يريد هلاكك ودمارك بالكلية، فإنه عدو مبين لك ولأبيك من قبلك.
وقال ابن جرير في تفسير قوله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَنِ نَزْعٌ﴾: وإما يغضبنّك من الشيطان
غضب يصدك عن الإعراض عن الجاهل ويحملك على مجازاته ﴿فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ ﴾ يقول: فاستجر
بالله من نزغه ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سميع لجهل الجاهل عليك والاستعاذة به من نزغه، ولغير ذلك
من كلام خلقه لا يخفى عليه منه شيء عليم بما يذهب عنك نزغ الشيطان وغير ذلك من أمور
(٢)
خلقه(٢).
١٩٩)
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لما نزل ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُرْ بِلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِلِينَ
قال: يا ربِّ كيف بالغضب؟، فأنزل الله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَنِ نَزْعٌ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعُ
عَلیهُ
قلت: وقد تقدم فى أول الاستعاذة حديث الرجلين اللذين تسابًا بحضرة النبي وَّ فغضب
أحدهما حتى جعل أنفه يتمرغ غضباً، فقال رسول الله وقالفيه: ((إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه
ما يجد، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)) فقيل له: فقال: ما بي من جنون (٤).
وأصل النزغ الفساد إما بالغضب أو غيره، قال الله تعالى: ﴿وَقُل لِّعِبَادِى يَقُولُواْ الَّتِى هِىَ أَحْسَنُّ إِنَّ
الشَّيْطَانَ يَنْزَعُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥٣] والعياذ: الالتجاء والاستناد والاستجارة من الشرّ، وأما الملاذ
ففي طلب الخير، كما قال أبو الطّيب المتنبي في شعره:
ومن أعوذ به مما أحاذره
يا من ألوذُ به فيما أو ملّه
ولا يهيضون عظماً أنت جابره
لا يجبر الناس عظماً أنت كاسره
(٥)
وقد قدمنا أحاديث الاستعاذة في أول التفسير بما أغنى عن إعادته لههنا .
(١) ما بين معقوفين زيادة من (عم).
(٢) ذكره الطبري بلفظه وأطول.
(٣) أخرجه الطبري بسند رجاله ثقات عن عبد الرحمن لكنه معضل لأن عبد الرحمن تابع تابعي.
(٤) تقدم تخريجه في تفسير الاستعاذة.
(٥) ديوان المتنبي ٢٧٢/٢.

١٤٤
• سُورَةُ الأَغَافِ (٢٠١، ٢٠٢)
] ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَتَّقَوْاْ إِذَا مَتَهُمْ طَهِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ
يَمُدُّونَهُمْ فِ اٌلْفَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ
وَإِخْوَنُهُمْ
٢٠١
يخبر تعالى عن المتقين من عباده الذين أطاعوه فيما أمر، وتركوا ما عنه زجر أنهم ﴿إِذَا
مَسَهُمْ﴾ أي: أصابهم طيف. وقرأ الآخرون طائف(١)، وقد جاء فيه حديث وهما قراءتان
مشهورتان، فقيل بمعنى واحد، وقيل: بينهما فرق، ومنهم من فسّر ذلك بالغضب، ومنهم من
فسّره بمسّ الشيطان بالصرع ونحوه، ومنهم من فسّره بالهمّ بالذنب، ومنهم من فسّره بإصابة
الذنب.
وقوله: ﴿تَذَكَّرُواْ﴾ أي: عقاب الله وجزيل ثوابه ووعده، ووعيده، فتابوا وأنابوا واستعاذوا
بالله ورجعوا إليه من قريب ﴿فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ أي: قد استقاموا وصحوا مما كانوا فيه.
وقد أورد الحافظ أبو بكر بن مردويه هاهنا حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي
هريرة به قال: جاءت امرأة إلى النبي وّل وبها طيف(٢) فقالت: يا رسول الله ادع الله أن
يشفيني، فقال: ((إن شئت دعوت الله فشفاك، وإن شئت فاصبري ولا حساب عليك)) فقالت: بل
أصبر ولا حساب عليّ (٣)، ورواه غير واحد من أهل السنن وعندهم قالت: يا رسول الله إني
أصرع وأتكشف، فادع الله أن يشفيني، فقال: ((إن شئت دعوت الله أن يشفيك، وإن شئت صبرت
ولك الجنة)) فقالت: بل أصبر ولي الجنة، ولكن ادع الله أن لا أتكشف، فدعا لها فكانت لا
تتكشف(٤). وأخرجه الحاكم من مستدركه، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.
وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة عمرو بن جامع من تاريخه أن شاباً كان يتعبد في
المسجد، فهويته امرأة فدعته إلى نفسها، فما زالت به حتى كاد يدخل معها المنزل، فذكر هذه
الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَثَّقَوْاْ إِذَا مَتَهُمْ طَيِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُبْصِرُونَ ﴾﴾ فخرّ مغشياً
عليه، ثم أفاق فأعادها، فمات، فجاء عمر فعزّى فيه أباه، وكان قد دفن ليلاً فذهب فصلّى على
قبره بمن معه، ثم ناداه عمر فقال: يا فتى ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جََّانِ (@)﴾ [الرحمن] فأجابه الفتى
من داخل القبر: يا عمر قد أعطانيهما ربي ◌ّك في الجنّة مرتين(٥).
وقوله تعالى: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ﴾ أي: وأخوان الشياطين من الإنس كقوله: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِنَ
كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِّ﴾ [الإسراء: ٢٧] وهم أتباعهم والمستمعون لهم، القابلون لأوامرهم يمدّونهم
في الغيّ أي: تساعدهم الشياطين على المعاصي وتسهلها عليهم وتحسّنها لهم.
(١) وكلا القرائتين متواترة.
(٢) أصل الطيف الجنون ثم استعمل في الغضب ومسّ الشيطان ووسوسته (النهاية ٥٣٩/٣).
(٣) أخرجه ابن حبان (الإحسان ح٢٩٠٩) والحاكم كلاهما من طريق محمد بن عمرو به وصححه الحاكم
ووافقه الذهبي (المستدرك ٢١٨/٤)، وحسنه الهيثمي بعد عزوه إلى البزار (المجمع ٣١٠/٢).
(٤) أخرجه الشيخان من حديث ابن عباس ◌ًا (صحيح البخاري، المرضى، باب فضل من يصرع من الريح
ح٥٦٥٢)، وصحيح مسلم، البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض (ح٢٥٧٦).
(٥) مختصر تاريخ دمشق لابن منظور ١٩/ ١٩٠.

١٤٥
• سُوَدَّةُ الْأَّغَرَافِ (٢٠٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال ابن كثير: المدّ الزيادة (١). يعني: يزيدونهم في الغيّ يعني الجهل والسّفه ﴿ثُمَّ لَا
يُقْصِرُونَ﴾ قيل: معناه: إن الشياطين تمدّ الإنس لا تقصر في أعمالهم بذلك، كما قال علي بن
أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِىِ اَلْفَيْ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (*)﴾ الآية، قال:
لا الإنس يقصّرون عما يعملون، ولا الشياطين تمسك عنهم (٢).
وقيل: معناه كما رواه العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿يَمُدُّونَهُمْ فِىِ الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾
قال: هم الجن يوحون إلى أوليائهم من الإنس ثم لا يقصرون، يقول: لا يسأمون(٣)، وكذا قال
السدي وغيره يعني: أن الشياطين يمدون أولياءهم من الإنس ولا تسأم من إمدادهم في الشر(٤)،
لأن ذلك طبيعة لهم وسجية ﴿لَا يُقْصِرُونَ﴾ لا تفتر فيه ولا تبطل عنه، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّاً
أَرْسَلْنَا الشَّيَطِينَ عَلَى الْكَفِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزَّا (٨٣)﴾ [مريم] قال ابن عباس وغيره: تزعجهم إلى المعاصي
إزعاجاً(٥).
] ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بَِايَةٍ قَالُواْ لَوْلًا أَجْتَبَيْنَهَاَ قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَّ مِن زَبِىُّ هَذَا بَصَابِرُ مِن
رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿قَالُواْ لَوْلَا أَجْتَبَيْتَهَأَ﴾ يقول: لولا
تلقيتها. وقال مرة أخرى: لولا أحدثتها فأنشأتها(٦).
وقال ابن جرير، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد في قوله: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم ◌ِثَايَةٍ قَالُواْ لَوْلًا
اجْتَبَيْتَهَا﴾ قال: لولا اقتضيتها، قالوا: تخرجها عن نفسك(٧)، وكذا قال قتادة والسدي
وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم(٨)، واختاره ابن جرير.
وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿لَوْلَا أَجْتَبَيْنَهَأَ﴾ يقول: تلقيتها من الله تعالى(٩).
وقال الضحاك: ﴿لَوْلَا أَجْتَبَيْنَهَا﴾ يقول: لولا أخذتها أنت فجئت بها من السماء(١٠).
ومعنى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم ◌َِايَةٍ﴾ أي: معجزة وخارق، كقوله تعالى: ﴿إِن نَّشَأْ تُنْزِّلْ عَلَيْهِم
مِّنَ السَّمَاءِ مَايَةً فَظَلَّتْ أَعْنَفُهُمْ لَمَا خَضِعِينَ ﴾﴾ [الشعراء] يقولون للرسول ◌َّ: ألا تجهد نفسك في
طلب الآيات من الله حتى نراها ونؤمن بها، قال الله تعالى له: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَّ مِنْ
(١) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج عن عبد الله بن كثير، وفي سنده الحسين، وهو ابن داود ضعيف.
ومعناه اللغوي صحيح.
(٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.
(٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي بمعناه.
(٥) سيأتي تخريجه في سورة مريم آية ٨٣.
(٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.
(٧) أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو ابن داود ضعيف ويشهد له سابقه.
(٨) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند
حسن من طريق أسباط عنه.
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بالرواية الأولى عن ابن عباس.
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.

١٤٦
• سُوَرَّةُ الأَغَافِ (٢٠٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
نَّبِيَّ﴾ أي: أنا لا أتقدم إليه تعالى في شيء، وإنما أتّبع ما أمرني به فأمتثل ما يوحيه إلي، فإن
بعث آية قبلتها وإن منعها لم أسأله ابتداء إياها إلا أن يأذن لي في ذلك، فإنه حكيم عليم، ثم
أرشدهم إلى أن هذا القرآن هو أعظم المعجزات وأبين الدلالات وأصدق الحجج والبيّنات،
فقال: ﴿هَذَا بَصَابِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدَى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمِ يُؤْمِنُونَ﴾ .
] ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
لما ذكر تعالى أن القرآن بصائر للناس وهدى ورحمة، أمر تعالى بالإنصات عند تلاوته إعظاماً
له واحتراماً، لا كما كان «یتعمده)» كفار قريش المشركون في قولهم: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوّأ
فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦]، ولكن يتأكد ذلك من الصلاة المكتوبة إذا جهر الإمام بالقراءة، كما رواه
مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري رضيالله قال: قال رسول الله وَعليه: ((إنما جعل
الإمام ليؤتمّ به فإذا كبّر فكبّروا، وإذا قرأ فأنصتوا))(١). وكذا رواه أهل السنن من حديث أبي
هريرة أيضاً، وصححه مسلم بن الحجاج أيضاً، ولم يخرجه في كتابه، وقال إبراهيم بن مسلم
الهجري، عن أبي عياض، عن أبي هريرة قال: كانوا يتكلمون في الصلاة، فلما نزلت هذه
الآية: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ﴾ والآية الأخرى، أمروا بالإنصات(٢).
قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن المسيب بن رافع
قال ابن مسعود: كنّا يسلّم بعضنا على بعض في الصلاة، فجاء القرآن: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ
فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
وقال أيضاً: حدثنا أبو كريب، حدثنا المحاربي، عن داود بن أبي هند، عن يُسير بن جابر
قال: صلّى ابن مسعود فسمع ناساً يقرؤون مع الإمام، فلما انصرف قال: أما آن لكم أن تفهموا،
أما آن لكم أن تعقلوا ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُوْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾ كما أمركم الله(٣).
قال: وحدثني أبو السائب، حدثنا حفص، عن أشعث، عن الزهري قال: نزلت هذه الآية في فتى من
الأنصار كان رسول الله وَّ﴿ كلّما قرأ شيئاً قرأه، فنزلت: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾ (٤).
وقد روى الإمام أحمد وأهل السنن من حديث الزهري عن [أبي أُكَيمة](6) الليثي عن أبي
هريرة أن رسول الله ﴿ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال: ((هل قرأ أحد منكم معي
آنفاً؟)) قال رجل: نعم يا رسول الله، قال: ((إني أقول ما لي أنازع القرآن)) قال: فانتهى الناس عن
(١) صحيح مسلم، الصلاة، باب التشهد في الصلاة (ح ٤٠٤).
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق إبراهيم بن مسلم الهجري به، وسنده ضعيف لضعف إبراهيم ولكنه
يتقوى بالمتابعة إذ رواه ابن أبي شيبة من طريق البختري عن أبي عياض به (المصنف، الصلوات في قوله تعالى:
﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] ٤٧٨/٢) ويشهد له ما يلي عن ابن مسعود
(٣) أخرجه الطبري الروايتين سنداً ومتناً، والرواية الأولى فيها انقطاع بين المسيب وابن مسعود والرواية الثانية
فيها انقطاع بين داود ويسير ولكن ابن أبي حاتم أخرجه بسند صحيح متصل من طريق داود بن أبي هند عن
أبي نضرة، وهو المنذر بن مالك: ثقة، عن يسير به.
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإرسال الزهري.
(٥) كذا في (عم) و(حم) و(مح) وترجمته في التقريب، وفي الأصل صُحف إلى: ((ابن أكتمة)).
٨

١٤٧
• سُوَرَّةُ الْأَغَافِ (٢٠٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
القراءة مع رسول الله وسلم فيما جهر فيه بالقراءة من الصلاة حين سمعوا ذلك من رسول الله وَل﴾ (١).
وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وصححه أبو حاتم الرازي (٢).
وقال عبد الله بن المبارك، عن يونس، عن الزهري: قال: لا يقرأ من وراء الإمام فيما يجهر
به الإمام، تكفيهم قراءة الإمام وإن لم يسمعهم صوته، ولكنهم يقرأون فيما لا يجهر به سراً في
أنفسهم، ولا يصلح لأحد خلفه أن يقرأ معه فيما يجهر به سراً ولا علانية، فإن الله تعالى قال:
﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (َ﴾﴾(٣).
قلت: هذا مذهب طائفة من العلماء أن المأموم لا يجب عليه في الصلاة الجهرية قراءة فيما
جهر فيه الإمام لا الفاتحة ولا غيرها، وهو أحد قوليّ الشافعية، وهو القديم كمذهب مالك
ورواية عن أحمد بن حنبل، لما ذكرناه من الأدلة المتقدمة، وقال في الجديد: يقرأ الفاتحة فقط
في سكتات الإمام، وهو قول طائفة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم.
وقال أبو حنيفة وأحمد بن حنبل: لا يجب على المأموم قراءة أصلاً في السرية ولا الجهرية
بما ورد في الحديث: ((من كان له إمام فقراءته قراءة له)) وهذا الحديث رواه الإمام أحمد في
مسنده عن جابر مرفوعاً، وهو في موطأ مالك عن وهب بن كيسان عن جابر موقوفاً (٤)، وهذا
أصح وهذه المسألة مبسوطة في غير هذا الموضع، وقد أفرد لها الإمام أبو عبد الله البخاري
مصنفاً على حدة(٥)، واختار وجوب القراءة خلف الإمام في السرية والجهرية أيضاً، والله أعلم.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في الآية قوله: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ
وَأَنْصِتُوا﴾ يعني: في الصلاة المفروضة(٦)، وكذا روي عن عبد الله بن المغفل(٧).
وقال ابن جرير: حدثنا حميد بن مسعدة، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا الجريري، عن
طلحة بن عبيد الله بن كريز قال: رأيت عُبيد بن عمير وعطاء بن أبي رباح يتحدثان، والقاصّ
يقصّ، فقلت: ألا تستمعان إلى الذكر وتستوجبان الموعود؟ قال: فنظرا إليّ ثم أقبلا على
حديثهما، قال: فأعدت فنظرا إليّ وأقبلا على حديثهما، قال: فأعدت الثالثة قال: فنظرا إليّ
فقالا: إنما ذلك في الصلاة ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾(٨) وكذا قال سفيان الثوري،
عن أبي هشام إسماعيل بن كثير، عن مجاهد في قوله: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٢٢/١٣ - ٢٢٣ ح٧٨١٩)، وصححه محققوه، وأخرجه أبو داود
في سننه، الصلاة، باب من كره القراءة بفاتحة الكتاب إذا جهر الإمام (ح٨٢٦) والترمذي وحسنه في سننه،
الصلاة، باب ما جاء في ترك القراءة خلف الإمام إذا جهر الإمام بالقراءة (ح٣١٢)، والنسائي في ((سننه))
الإفتتاح، باب ترك القراءة خلف الإمام إذا جهر ٢/ ١٤٠، وابن ماجه في سننه، إقامة الصلاة، باب إذا قرأ
الإمام فانصتوا (ح ٨٤٨) وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٦٩٠).
(٢) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (ح ١٨٤٣).
(٣) سنده صحيح إلى الزهري.
(٤) تقدم تخريجه في مطلع تفسير سورة الفاتحة.
(٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.
(٥) وقد طبع عدة طبعات.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أبي المقدام، - وهو ثابت بن هرمز الكوفي -، عن عبد الله بن
المغفل.
(٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.

١٤٨
• سُورَةُ الأَغَافِ (٢٠٥، ٢٠٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال: فى الصلاة (١)، وكذا رواه غير غير واحد عن مجاهد.
وقال عبد الرزاق، عن الثوري، عن ليث، عن مجاهد قال: لا بأس إذا قرأ الرجل في غير
الصلاة أن يتكلم(٢). وكذا قال سعيد بن جبير والضحاك وإبراهيم النخعي وقتادة والشعبي
والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إن المراد بذلك في الصلاة (٣) .
وقال شعبة، عن منصور: سمعت إبراهيم بن أبي حمزة يحدث أنه سمع مجاهداً يقول في هذه
الآية: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾ قال: في الصلاة والخطبة يوم الجمعة(٤)، وكذا
روى ابن جريج عن عطاء مثله(٥).
وقال هشيم، عن الربيع بن صبيح، عن الحسن قال: في الصلاة وعند الذكر(٦).
وقال ابن المبارك، عن بقية: سمعت ثابت بن عجلان يقول: سمعت سعيد بن جبير يقول في
قوله: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾ قال: الإنصات يوم الأضحى ويوم الفطر ويوم
الجمعة وفيما يجهر به الإمام من الصلاة (٧). وهذا اختيار ابن جرير أن المراد من ذلك الإنصات
في الصلاة وفي الخطبة، كما جاء في الأحاديث من الأمر بالإنصات خلف الإمام وحال الخطبة.
وقال عبد الرزاق، عن الثوري، عن ليث، عن مجاهد أنه كره إذا مرّ الإمام بآية خوف أو بآية
رحمة أن يقول أحد من خلفه شيئاً، قال: السكوت(٨).
وقال مبارك بن فضالة، عن الحسن: إذا جلست إلى القرآن فأنصت له(٩).
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا عبَّاد بن ميسرة، عن الحسن، عن
أبي هريرة ◌ُه أن رسول الله صلفي قال: ((من استمع إلى آية من كتاب الله كُتبت له حسنة مضاعفة،
ومن تلاها كانت له نوراً يوم القيامة)) (١٠). تفرد به الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
- ﴿وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ فِ نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةُ وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَاَلْأَصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ
اُلْفَفِلِينَ (٣٥) إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ﴾
يأمر تعالى بذكره أول النهار وآخره كثيراً، كما أمر بعبادته في هذين الوقتين في قوله: ﴿وَسَبِّخْ
يَحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩] وقد كان هذا قبل أن تفرض الصلوات الخمس
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٣) قول سعيد بن جبير وقتادة والسدي وعبد الرحمن أخرجه الطبري بأسانيد ثابتة.
(٤) أخرجه الطبري من طريق شعبة به وأخرجه من طرق أخرى يقوي بعضها بعضاً عن مجاهد.
(٥) أخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء، وسنده صحيح.
(٦) أخرجه الطبري من طريق هشیم به، وسنده حسن.
(٧) أخرجه الطبري من طريق ابن المبارك به، وسنده حسن.
(٨) أخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به، وسنده حسن.
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق مبارك بن فضالة به، وسنده حسن.
(١٠) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٩١/١٤ - ١٩٢ ح٨٤٩٤)، وضعف سنده محققوه لضعف عباد،
والحسن لم يسمع من أبي هريرة.

١٤٩
سُورَةُ الأَغراف (٢٠٥، ٢٠٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ليلة الإسراء، وهذه الآية مكية. وقال لههنا: بالغدو، وهو أول النهار، والآصال: جمع أصيل
كما أن الأيمان جمع يمين، وأما قوله: ﴿تَضَرُّعًا وَخِفَةٌ﴾ أي: اذكر ربك في نفسك رغبة ورهبة
وبالقول لا جهراً، ولهذا قال: ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ اُلْقَوّلِ﴾ وهكذا يستحب أن يكون الذكر لا
يكون نداءً وجهراً بليغاً، ولهذا لما سألوا رسول الله وسلم فقالوا: أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد
فنناديه؟ فأنزل الله وَى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾
[البقرة: ١٨٦](١).
وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رؤيته قال: رفع الناس أصواتهم بالدعاء في بعض
الأسفار، فقال لهم النبي وَلجر: (يا أيها الناس اربِعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا
غائباً إن الذي تدعونه سميع قريب أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته))(٢).
وقد يكون المراد من هذه الآية كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَّجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ ◌ِهَا وَأَبْتَغِ بَيْنَ
ذَلِكَ سَبِيلًا ﴾ [الإسراء] فإن المشركين كانوا إذا سمعوا القرآن سبّوه وسبّوا من أنزله وسبّوا من
جاء به، فأمره الله تعالى أن لا يجهر به لئلا ينال منه المشركون ولا يخافت به عن أصحابه فلا
يسمعهم، وليتخذ سبيلاً بين الجهر والإسرار، وكذا قال في هذه الآية الكريمة: ﴿وَدُونَ أَلْجَهْرِ مِنَ
اُلْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَاَلْأَصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ اُلْفَفِلِينَ﴾ .
وقد زعم ابن جرير وقبله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم(٣) أن المراد بها أمر السامع للقرآن في
حال استماعه بالذكر على هذه الصفة. وهذا بعيد منافٍ للإنصات المأمور به، ثم إن المراد بذلك
في الصلاة كما تقدم أو في الصلاة والخطبة، ومعلوم أن الإنصات إذ ذاك أفضل من الذكر
باللسان، سواء كان سراً أو جهراً، فهذا الذي قالاه لم يتابعا عليه، بل المراد الحضّ على كثرة
الذكر من العباد بالغدو والآصال، لئلا يكونوا من الغافلين، ولهذا مدح الملائكة الذين يسبّحون
الليل والنهار لا يفترون، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ الآية، وإنما ذكرهم
بهذا ليقتدى بهم في كثرة طاعتهم وعبادتهم، ولهذا شرع لنا السجود لههنا لما ذكر
سجودهم لله ، كما جاء في الحديث: ((ألا تصفّون كما تصفّ الملائكة عند ربها يتمّون
الصفوف الأول فالأول، ويتراصون في الصف))(٤) وهذه أول سجدة في القرآن مما يشرع لتاليها
ومستمعها السجود بالإجماع، وقد ورد في حديث رواه ابن ماجه عن أبي الدرداء عن النبي وقدله
أنه عدّها في سجدات القرآن(٥) .
آخر تفسير سورة الأعراف، ولله الحمد والمنّة.
(١) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٨٦.
(٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٨٦.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بلفظ: ((لا يجهر بذلك)).
(٤) صحيح مسلم، الصلاة، باب الأمر بالسكون في الصلاة (ح ٤٣٠).
(٥) سنن ابن ماجه، إقامة الصلاة، باب عدد سجود القرآن (ح١٠٥٦)، وضعفه البوصيري بسبب وجود عثمان بن
فائد وهو ضعيف (مصباح الزجاجة ٣٥٣/١).

١٥٠
• سُؤَدَّةُ الأَنْفَِّ (١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
POD
سُورَةُ الأَفَّاك
وهي مدنية
آياتها سبعون وست آيات. كلماتها ألف كلمة وستمائة كلمة وإحدى وثلاثون كلمة. حروفها
خمسة آلاف ومائتان وأربعة وتسعون حرفاً، والله أعلم.
بير هه الرحمن الرحيم
- ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِّ فَأَتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ
.
كُنتُم مُؤْمِنِینَ
وَرَسُولَهُ إِن
قال البخاري: قال ابن عباس: الأنفال المغانم، حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا سعيد بن
سليمان، أخبرنا هشيم، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس ◌ًا: سورة
الأنفال؟ قال: نزلت في بدر(١).
أما ما علَّقه عن ابن عباس فكذلك رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس أنه قال: الأنفال الغنائم،
كانت لرسول الله و ﴿ خالصة ليس لأحد منها شيء(٢). وكذا قال مجاهد وعكرمة وعطاء والضحاك
وقتادة وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد: أنها الغنائم(٣) .
وقال الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس أنه قال: الأنفال الغنائم(٤).
قال فيها لبيد (٥):
وبإذن الله ريتى وعجل
إن تقوى ربنا خير نفل
وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني مالك بن أنس، عن ابن شهاب،
عن القاسم بن محمد قال: سمعت رجلاً يسأل ابن عباس عن الأنفال، فقال ابن عباس .
الفرس من النفل والسلب من النفل. ثم عاد لمسألته فقال ابن عباس ذلك أيضاً ثم قال الرجل:
(١) أخرج البخاري المعلق والموصول بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير باب قوله: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ... ﴾
[الأنفال] ح٤٦٤٥).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.
(٣) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول مجاهد وعطاء، وهو ابن أبي رباح، وقتادة وعبد الرحمن بن
زيد أخرجه الطبري بأسانيد صحيحة إليهم، وقول عطاء الخراساني أخرجه في تفسيره بتحقيقي.
(٤) سنده ضعيف لضعف الكلبي وأبي صالح ويتقوى بما سبق.
(٥) وهو الصحابي الجليل الشاعر لبيد بن ربيعة ربه، والبيت ورد في ديوانه ١١/٢ ومجاز القرآن ٢٤٠/١
وتفسير الطبري.

١٥١
• سُورَةُ الْأَفَّاَِ (١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الأنفال التي قال الله في كتابه ما هي؟ قال القاسم فلم يزل يسأله حتى كاد يحرجه، فقال ابن
عباس: أتدرون ما مثل هذا؟ مثل صبيغ(١) الذي ضربه عمر بن الخطاب(٢).
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن القاسم بن محمد قال: قال ابن عباس: كان
عمر بن الخطاب ◌ُه: إذا سئل عن شيء قال لا آمرك ولا أنهاك. ثم قال ابن عباس: والله ما بعث الله
نبيه *** إلا زاجراً آمراً محللاً محرماً. قال القاسم: فسلّط على ابن عباس رجل فسأله عن الأنفال،
فقال ابن عباس: كان الرجل يُنفَّل فرس الرجل وسلاحه، فأعاد عليه الرجل فقال له مثل ذلك، ثم عاد
عليه حتى أغضبه، فقال ابن عباس: أتدرون ما مثل هذا؟ مثل صبيغ الذي ضربه عمر بن الخطاب حتى
سالت الدماء على عقبيه أو على رجليه، فقال الرجل: أما أنت فقد انتقم الله لعمر منك(٣). وهذا
إسناد صحيح إلى ابن عباس، أنه فسر النفل بما ينفِّه الإمام لبعض الأشخاص من سلب أو نحوه بعد
قسم أصل المغنم وهو المتبادر إلى فهم كثير من الفقهاء من لفظ النفل، والله أعلم.
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: إنهم سألوا رسول الله وَ ر عن الخُمس بعد الأربعة من
الأخماس، فنزلت ﴿يَسَْلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾(٤) .
وقال ابن مسعود ومسروق: لا نفل يوم الزَّحف، إنما النفل قبل التقاء الصفوف، رواه ابن أبي
حاتم عنهما (٥).
وقال ابن المبارك وغير واحد، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح في
الآية ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ قال: يسألونك فيما شذَّ من المشركين إلى المسلمين في غير قتال، من
دابة أو عبد أو أمة أو متاع فهو نفل للنبي ولم يصنع به ما يشاء(٦). وهذا يقتضي أنه فسر الأنفال
بالفيء وهو: ما أُخذ من الكفار من غير قتال.
قال ابن جرير: وقال آخرون: هي أنفال السرايا، حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا
علي بن صالح بن حُيّ، قال: بلغني في قوله تعالى: ﴿يَسَْلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ قال السرايا(٧) .
ومعنى هذا ما ينفله الإمام لبعض السرايا زيادة على قسمهم مع بقية الجيش. وقد صرح بذلك
(٨)
الشعبي (٨).
(١) هو صبيغ بن عسل ذكر قصته الحافظ ابن حجر (الإصابة ١٩٨/٢).
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الإمام مالك به (الموطأ ٣٦٣/٢) وسنده صحيح.
(٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح وصححه الحافظ ابن كثير.
(٤) أخرجه الطبري من طريق ابن أبي نجيح به، وسنده ضعيف للإرسال.
(٥) قول ابن مسعود أخرجه ابن أبي حاتم وابن أبي شيبة من طريق جابر بن يزيد الجعفي عن القاسم بن
عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه عن ابن مسعود (المصنف، الجهاد، باب في النفل ح١٥١٢٨)
وسنده ضعيف لضعف جابر ويتقوى بقول مسروق فقد أخرجه ابن زنجويه بسند صحيح من طريق القاسم بن
عبد الرحمن عن مسروق (الأموال ٦٦٨/١ رقم ١١٦٢).
(٦) أخرجه الطبري والطحاوي (شرح معاني الآثار ٢٧٨/٣) كلاهما من طريق ابن المبارك به وسنده صحيح.
(٧) أخرجه الطبري معلقاً وبسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق صالح بن حُيّ.

١٥٢
• سُورَةُ الأَفَِّ (١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
واختار ابن جرير أنها زيادة على القسم، ويشهد لذلك ما ورد في سبب نزول الآية وهو ما
رواه الإمام أحمد، حيث قال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا أبو إسحاق الشيباني، عن محمد بن
عبيد الله الثقفي، عن سعد بن أبي وقاص قال: لما كان يوم بدر وقتل أخي عمير قتلتُ سعيد بن
العاص وأخذت سيفه، وكان يُسمى ذا الكَتيفة(١)، فأتيت به النبي ◌َّ فقال؛ ((اذهب فاطرحه في
القبض)) قال: فرجعت وبي ما لا يعلمه إلا الله، من قتل أخي وأخذ سلبي، قال: فما جاوزت
إلا يسيراً حتى نزلت سورة الأنفال، فقال لي رسول الله وَلاير: ((اذهب فخذ سلبك))(٢).
وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا أسود بن عامر، أخبرنا أبو بكر، عن عاصم بن أبي النجود،
عن مصعب بن سعد، عن سعد بن مالك، قال: قلت يا رسول الله قد شفاني الله اليوم من
المشركين، فهب لي هذا السَّيف، فقال: ((إن هذا السَّيف لا لك ولا لي، ضعه)) قال: فوضعته،
ثم رجعت فقلت: عسى أن يعطي هذا السَّيف من لا يبلي بلائي، قال: فإذا رجل يدعوني من
ورائي قال: قلت: قد أنزل الله فيّ شيئاً؟ قال: كنت سألتني السيف وليس هو لي، وإنه قد وهب
لي، فهو لك. قال: وأنزل الله هذه الآية ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾(٣). ورواه
أبو داود والترمذي والنسائي من طرق عن أبي بكر بن عياش به، وقال الترمذي: حسن
صحيح (٤).
وهكذا رواه أبو داود الطيالسي، أخبرنا شعبة أخبرنا سماك بن حرب قال: سمعت مصعب بن
سعد يحدث عن سعد، قال: نزلت فيّ أربع آيات، أصبت سيفاً يوم بدر فأتيت النبي صل ﴿ فقلت
نفلنيه، فقال: ((ضعه من حيث أخذته)) مرتين، ثم عاودته فقال النبي ◌َّر: ((ضعه من حيث أخذته))
فنزلت هذه الآية ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ (٥) الآية وتمام الحديث، في نزول ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَنَ بِوَلِدَيِّ
حُسْئًا﴾ [العنكبوت: ٨]، وقوله تعالى: ﴿إِنََّا الْخَتُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] وآية الوصية، وقد رواه
مسلم في صحيحه من حديث شعبة به (٦).
وقال محمد بن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن بعض بني ساعدة قال: سمعت أبا
أسيد مالك بن ربيعة يقول: أصبت سيف ابن عائذ يوم بدر، وكان السيف يدعى بالمرزبان، فلما
أمر رسول الله ﴿ الناس أن يردّوا ما في أيديهم من النفل، أقبلت به فألقيته في النفل، وكان
رسول الله ﴿ لا يمنع شيئاً يسأله، فرآه الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، فسأله رسول الله وقلقه
فأعطاه إياه(٧) ورواه ابن جرير من وجه آخر.
(١) أي السيف العريض.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٢٩/٣ ح١٥٥٦)، قال محققوه: حسن لغيره. اهـ. ويتقوى
بلا حقه.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (١١٧/٣ ح ١٥٣٨) وحسنه محققوه.
(٤) سنن أبي داود، الجهاد، باب في النفل (ح ٢٧٤٠)، وسنن الترمذي تفسير القرآن، باب ومن سورة الأنفال
(ح٣٠٧٩)، والسنن الكبرى، التفسير (ح٢١٦).
(٥) أخرجه الطيالسي بسنده ومتنه (المسند ٢٨/١ ح٢٠٨).
(٦) صحيح مسلم، الجهاد، باب الأنفال (ح ١٧٤٨/٣٤).
(٧) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وسنده ضعيف لإبهام شيخ عبد الله بن أبي بكر.

١٥٣
• سُورَةُ الأَنَفََِّ (١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
(سبب آخر في نزول الآية):
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الرحمن، عن سليمان بن
موسى، عن مكحول، عن أبي أمامة قال: سألت عبادة عن الأنفال فقال: فينا أصحاب بدر،
نزلت حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا فانتزعه الله من أيدينا وجعله إلى رسول الله وَله
فقسمه رسول الله وَّ بين المسلمين، عن بواء يقول: عن سواء (١).
وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا أبو معاوية بن عمرو، أخبرنا أبو إسحاق، عن عبد الرحمن بن
الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، عن سليمان بن موسى، عن أبي سلام، عن أبي
أمامة، عن عبادة بن الصامت، قال: خرجنا مع رسول الله و ﴿ فشهدت معه بدراً، فالتقى الناس،
فهزم الله تعالى العدو، فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون، وأقبلت طائفة على العسكر
يحوزونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله وَ ل﴿ لا يصيب العدو منه غِرَّة(٢)، حتى إذا كان
الليل وفاء الناس بعضهم إلى بعض، قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها فليس لأحد فيها
نصيب، وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم بأحق به منا، نحن منعنا عنه العدو
وهزمناهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله وَله: خفنا أن يصيب العدو منه غرَّة فاشتغلنا به،
فنزلت ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِّ فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ فقسمها
رسول الله وَ﴿ بين المسلمين وكان رسول الله ﴿ إذا أغار في أرض العدو نفَّل الرُّبع، فإذا أقبل
راجعاً نفَّل الثلث، وكان يكره الأنفال(٣).
ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن الحارث به نحوه،
قال الترمذي: هذا حديث حسن، ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه، من حديث
عبد الرحمن بن الحارث، وقال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه(٤).
وروى أبو داود والنسائي وابن جرير وابن مردويه واللفظ له، وابن حبان والحاكم من طرق عن
داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله وَّه: ((من
صنع كذا وكذا فله كذا وكذا)) فتسارع في ذلك شُبَّان القوم وبقي الشيوخ تحت الرايات، فلما
كانت المغانم جاؤوا يطلبون الذي جعل لهم، فقال الشيوخ: لا تستأثروا علينا فإنا كنا رِدً لكم
لو انكشفتم لفئتم إلينا. فتنازعوا فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ: إِن كُنْتُمْ مُؤْمِينَ﴾(٥).
(١) أخرجه الإمام أحمد من طريق محمد بن سلمة عن ابن إسحاق، ومن طريق يعقوب عن أبيه عن ابن إسحاق
به وفي آخر كل طريق بلفظ: ((على السواء)) (المسند ٤١٠/٣٧ ح ٢٢٧٤٧ و٤١٤/٣٧ ح ٢٢٧٥٣) وقال
محققوه: حسن لغيره.
(٢) أي غفلة.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده نحوه (المسند ٤٢١/٣٧ ح ٢٢٧٦٢)، قال محققوه: حسن لغيره.
(٤) سنن الترمذي، السير، باب في النفل (ح١٥٦١) مختصراً وحسنه، وسنن ابن ماجه، الجهاد، باب في النفل
(ح ٢٨٥٢)، موارد الظمآن (ح١٦٩٣ والمستدرك ١٣٦/٢)، وصححه ووافقه الذهبي.
(٥) أخرجه أبو داود، السنن، الجهاد، باب في النفل (ح ٢٧٣٧)، والنسائي في السنن الكبرى، التفسير =

١٥٤
• سُورَةُ الْأَنفَّاِ (١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال الثوري، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: لما كان يوم بدر قال
رسول الله قال: ((من قتل قتيلاً فله كذا وكذا، ومن أتى أسيراً فله كذا وكذا)). فجاء أبو اليسر
بأسيرين فقال: يا رسول الله صلى الله عليك، أنت وعدتنا، فقام سعد بن عبادة فقال: يا
رسول الله، إنك لو أعطيت هؤلاء لم يبق لأصحابك شيء، وإنه لم يمنعنا من هذا زهادة في
الأجر، ولا جبن عن العدو، وإنما قمنا هذا المقام محافظة عليك مخافة أن يأتوك من ورائك،
فتشاجروا ونزل القرآن ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، قال: ونزل القرآن ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا
غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ مُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] إلى آخر الآية (١).
وقال الإمام أبو عبيد الله القاسم بن سلام تَخَّتُهُ في كتاب ((الأموال الشرعية وبيان جهاتها
ومصارفها)»: أما الأنفال فهي المغانم وكل نيل ناله المسلمون من أموال أهل الحرب، فكانت
الأنفال الأولى لرسول الله وَ﴿، يقول الله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنَفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِّ﴾ ،
فقسمها يوم بدر على ما أراه الله من غير أن يخمِّسها على ما ذكرناه في حديث سعد، ثم نزلت
بعد ذلك آية الخمس فنسخت الأولى(٢).
قلت: هكذا روى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس سواء(٣)، وبه قال مجاهد وعكرمة
والسدي(٤).
وقال ابن زيد: ليست منسوخة بل هي محكمة (٥) .
قال أبو عبيد: وفي ذلك آثار، والأنفال أصلها جماع الغنائم، إلا أن الخمس منها مخصوص
لأهله على ما نزل به الكتاب وجرت به السنة، ومعنى الأنفال في كلام العرب كل إحسان فعله
فاعل تفضلاً، من غير أن يجب ذلك عليه، فذلك النفل الذي أحلَّه الله للمؤمنين من أموال
عدوهم، وإنما هو شيء خصَّهم الله به تطولاً منه عليهم بعد أن كانت الغنائم محرَّمة على الأمم
قبلهم، فنفلَّها الله تعالى هذه الأمة، فهذا أصل النفل(٦).
قلت: شاهد هذا ما في الصحيحين عن جابر ظه، أن رسول الله وَ لقال قال: ((أُعطيت خمساً
لم يعطهنَّ أحد قبلي - فذكر الحديث إلى أن قال : - وأُحلَّت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي)).
وذكر تمام الحديث(٧) .
ثم قال أبو عبيد: ولهذا سمى ما جعل الإمام للمقاتلة نفلاً، وهو تفضيله بعض الجيش على
= (ح٢١٧)، وتفسير الطبري وتفسير ابن مردويه (كما في تغليق التعليق ٢١٥/٤، فقد ذكره بسنده كاملاً)
وموارد الظمآن (ح١٧٤٣)، والمستدرك ١٣١/٢ وصححه ووافقه الذهبي.
(١) أخرجه عبد الرزاق عن الثوري به وسنده ضعيف جداً لأن الكلبي قد صرح أن كل ما رواه عن أبي صالح
عن ابن عباس فهو كذب.
(٢) الأموال ص٤٢٦.
(٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.
(٤) قول مجاهد وعكرمة أخرجه الطبري بسندين صحيحين عنهما، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من
طريق أسباط عنه، وهذه المراسيل يقوي بعضها بعضاً ويشهد لها ما سبق.
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بمعناه.
(٦) الأموال ص٤٣١.
(٧) تقدم تخريجه في تفسير سورة النساء آية ٤٣.

١٥٥
• سُورَةُ الأَنْفَّاِ (١)
بعض بشيء سوى سهامهم يفعل ذلك بهم على قدر الغناء عن الإسلام والنكاية في العدو، وفي
النفل الذي ينفِّله الإمام سنن أربع لكل واحدة منهن موضع غير موضع الأخرى:
(فإحداهن): في النفل لا خمس فيه وذلك السلب.
(والثانية): النفل الذي يكون من الغنيمة بعد إخراج الخمس وهو أن يوجِّه الإمام السرايا في
أرض الحرب، فتأتي بالغنائم، فيكون للسرية مما جاءت به الربع أو الثلث بعد الخمس.
(والثالثة): في النفل من الخمس نفسه، وهو أن تحاز الغنيمة كلها، ثم تخمس فإذا صار
الخُمس في يدي الإمام، نفل منه على قدر ما يرى.
(والرابعة): في النفل في جملة الغنيمة قبل أن يخمِّس منها شيء، وهو أن يعطي الأدلاء
ورعاة الماشية والسوّاق لها. وفي كل ذلك اختلاف.
قال الربيع: قال الشافعي: الأنفال أن لا يخرج من رأس الغنيمة قبل الخُمس شيء غير
السلب.
قال أبو عبيد: والوجه الثاني من النفل هو شيء زيدوه غير الذي كان لهم وذلك من خُمس
النبي وَل، فإن له خُمس الخُمس من كل غنيمة، فينبغي للإمام أن يجتهد، فإذا كثر العدو
واشتدَّت شوكتهم وقلَّ من بإزائه من المسلمين، نفَّل منه اتباعاً لسنة رسول الله وَّ وإذا لم يكن
ذلك لم ينفل.
(والوجه الثالث): من النفل إذا بعث الإمام سرية أو جيشاً فقال لهم قبل اللِّقاء من غنم شيئاً،
فهو له، بعد الخمس فهو لهم على ما شرط الإمام، لأنهم على ذلك غزوا وبه رضوا (١)، انتهى
کلا مه .
وفيما تقدم من كلامه وهو قوله: إن غنائم بدر لم تُخمَّس نظر. ويردُّ عليه حديث علي بن أبي
طالب، في شارفيه (٢) اللذين حصلا له من الخمس يوم بدر، وقد بينّت ذلك في كتاب السيرة (٣)
بياناً شافياً، ولله الحمد والمنة.
وقوله تعالى: ﴿فَأَتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ أي : اتقوا الله في أموركم وأصلحوا فيما
بينكم ولا تظالموا ولا تخاصموا ولا تشاجروا فما آتاكم الله من الهدى والعلم خير مما تختصمون
بسببه ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: في قسمه بينكم على ما أراده الله، فإنه إنما يقسمه كما أمره الله
من العدل والإنصاف.
وقال ابن عباس: هذا تحريج من الله ورسوله أن يتقوا ويصلحوا ذات بينهم(٤). وكذا قال
مجاهد(٥)، وقال السدي: ﴿فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ أي: لا تستبوا.
ولنذكر ههنا حديثاً أورده الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي نَّتُهُ، في مسنده
(١) الأموال ص ٤٣١.
(٢) الشارف: الناقة المُسنَّة.
(٣) ينظر السيرة النبوية لابن كثير ٢٦٦/٢ وقد وردت القصة في الصحاح.
(٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق مجاهد عن ابن عباس.
(٥) أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر.

١٥٦
سُورَةُ الْأَنفََِّ (٢، ٤)
00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000001
فإنه قال: حدثنا مجاهد بن موسى، حدثنا عبد الله بن بكر، حدثنا عبَّاد بن شيبة [الحبطي](١)،
عن سعيد بن أنس، عن أنس ظُّه قال: بينا رسول الله و ﴿ جالس إذا رأيناه ضحك حتى بدت
ثناياه، فقال عمر: ما أضحكك يا رسول الله بأبي أنت وأمي؟ فقال: ((رجلان من أُمتي جئيا بين
يديّ ربِّ العزة تبارك وتعالى، فقال أحدهما: يا ربِّ خذ لي مظلمتي من أخي. فقال الله تعالى؛
أعط أخاك مظلمته، قال: يا ربِّ لم يبق من حسناتي شيء قال: ربِّ فليحمل عني من أوزاري)).
قال: ففاضت عينا رسول الله وَلقر بالبكاء ثم قال: ((إن ذلك ليوم عظيم يوم يحتاج الناس إلى من
يتحمل عنهم من أوزارهم، فقال الله تعالى للطالب: ارفع بصرك وانظر في الجنان فرفع رأسه
فقال: يا ربِّ أرى مدائن من فضة وقصوراً من ذهب مكللة باللؤلؤ، لأي نبي هذا؟ لأي صديق
هذا؟ لأي شهيد هذا؟ قال: هذا لمن أعطى ثمنه، قال: ربِّ ومن يملك ثمنه؟ قال أنت تملكه،
قال: ماذا يا ربّ؟ قال: تعفو عن أخيك، قال: يا ربِّ، فإني قد عفوت عنه، قال الله تعالى:
خذ بيد أخيك، فادخلا الجنة)). ثم قال رسول الله وَلاير: ((فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم، فإن الله
تعالى يصلح بين المؤمنين يوم القيامة)) (٢).
] ﴿إِنَّمَا أَلْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا قُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى
رَبِّهِمْ يَتَوَُّونَ ﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُنْفِقُونَ ﴿ أُوْلَتِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقَّأْ لَهُمْ
دَرَجَتُ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾﴾.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ
قُلُوبُهُمْ﴾. قال: المنافقون لا يدخل قلوبهم شيء من ذكر الله عند أداء فرائضه. ولا يؤمنون بشيء
من آيات الله ولا يتوكلون ولا يصلون إذا غابوا ولا يؤدون زكاة أموالهم، فأخبر الله تعالى أنهم
ليسوا بمؤمنين، ثم وصف الله المؤمنين فقال: ﴿إِنَّمَا أَلْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾
فأدوا فرائضه ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ يقول زادتهم تصديقاً ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَلُونَ﴾
يقول: لا يرجون غيره(٣).
وقال مجاهد: ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فَرَقت(٤). أي: فزعت وخافت، وكذا قال السدي(٥) وغير
واحد، وهذه صفة المؤمن حق الإيمان الذي إذا ذكر الله وجل قلبه أي: خاف منه، ففعل أوامره
وترك زواجره، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَحِشَةً أَوْ ظَلَمُوْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَأَسْتَغْفَرُواْ
لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٣٥)﴾ [آل عمران]،
(١) كذا في (عم) ومسند أبي يعلم وفي الأصل و(مح) صحفت إلى: ((الحنظلي)).
(٢) سنده ضعيف جداً أخرجه الحاكم من طريق عبد الله بن بكر السهمي به وصححه، وتعقبه الذهبي فقال:
عباد بن شيبة الحبطي عن سعيد، والأول ضعيف، وشيخه لا يُعرف (المستدرك ٥٧٦/٤)، وضعف سنده
ابن حبان (المجروحين ١٧١/٢)، وقال البخاري: سعيد بن أنس عن أنس عن النبي ◌َ 98ّ في المظالم لا
يُتابع عليه. (التاريخ الكبير ٤٥٩/٣).
(٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.

١٥٧
• سُورَةُ الْأَنفَّاِلَ (٢، ٤)
00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0000
﴾ [النازعات]
وكقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَوَّ ﴿ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى
ولهذا قال سفيان الثوري: سمعت السدي يقول في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَلْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ
وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. قال: هو الرجل يريد أن يظلم أو قال يهم بمعصية فيقال له: اتقِّ الله فيجلّ قلبه(١).
وقال الثوري أيضاً عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن شهر بن حوشب [عن أبي الدرداء](٢)
في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ قال: الوجل في القلب كاحتراق
السعفة، أما تجد له قشعريرة؟ قال: بلى. قالت: إذا وجدت ذلك فادع الله عند ذلك، فإن الدعاء
يذهب ذلك(٣) .
وقوله: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، كقوله: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّنْ يَقُولُ
أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهٍِ إِيمَنَّأْ فَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَنَّا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (13)﴾ [التوبة].
وقد استدلَّ البخاري وغيره من الأئمة بهذه الآية وأشباهها على زيادة الإيمان وتفاضله في
القلوب، كما هو مذهب جمهور الأُمة، بل قد حكى الإجماع عليه غير واحد من الأئمة
كالشافعي وأحمد بن حنبل وأبي عبيد، كما بينا ذلك مستقصى في أول شرح البخاري، ولله
الحمد والمنة.
﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَّلُونَ﴾ أي: لا يرجون سواه ولا يقصدون إلا إياه ولا يلوذون إلا بجنابه، ولا
يطلبون الحوائج إلا منه، ولا يرغبون إلا إليه، ويعلمون أنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن،
وأنه المتصرف في الملك، وحده لا شريك له ولا معقب لحكمه وهو سريع الحساب، ولهذا قال
سعيد بن جبير: التوكل على الله جماع الإيمان (٤).
وقوله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَمِمَّا رَزَقْتَهُمْ يُنفِقُونَ ﴾﴾ ينبه تعالى بذلك على أعمالهم بعدما
ذكر اعتقادهم وهذه الأعمال تشمل أنواع الخير كلها، وهو إقامة الصلاة وهو حق الله تعالى.
وقال قتادة: إقامة الصلاة المحافظة على مواقيتها ووضوئها وركوعها وسجودها(٥).
وقال مقاتل بن حيان: إقامتها المحافظة على مواقيتها وإسباغ الطهور فيها وتمام ركوعها
وسجودها وتلاوة القرآن فيها والتشهد والصلاة على النبي وَلقر هذا إقامتها (٦). والإنفاق مما
رزقهم الله يشمل إخراج الزكاة وسائر الحقوق للعباد من واجب ومستحب. والخلق كلهم عيال الله
فأحبهم إلى الله أنفعهم لخلقه.
قال قتادة في قوله: ﴿وَمِنَّا رَزَقْتَهُمْ يُفِقُونَ﴾، فأنفقوا مما رزقكم الله فإنما هذه الأموال عواري
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن المبارك عن الثوري به.
(٢) كذا في (عم) و(حم) و(مح) وتفسير الطبري وفي الأصل: ((عن أم الدرداء)).
(٣) أخرجه الطبري من طريق الثوري به. وسنده منقطع لأن شهراً لم يسمع من أبي الدرداء (جامع التحصيل
ص ٢٤٠).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح من طريق محمد بن فضيل عن أبي سنان ضرار بن مرة عن سعيد بن جبير
(المصنف ٥٣٨/١٣ رقم ١٧١٩١).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان.

١٥٨
• سُورَةُ الأَنْفَّاِكَ (٢، ٤)
0010000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 8 0 0 0 00 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
وودائع عندك يا ابن آدم أوشكت أن تفارقها(١).
وقوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ أي: المتصفون بهذه الصفات هم المؤمنون حق الإيمان.
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا أبو كريب،
حدثنا [زيد](٢) بن الحباب، حدثنا ابن لهيعة، عن خالد بن يزيد السكسكي، عن سعيد بن أبي
هلال، عن محمد بن أبي الجهم، عن الحارث بن مالك الأنصاري، أنه مرَّ برسول الله فقال له:
(كيف أصبحت يا حارث؟)) قال: أصبحت مؤمناً حقًّاً، قال: ((انظر ما تقول، فإن لكل شيء
حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟)) فقال: عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري، وكأني
أنظر إلى عرش ربّي بارزاً، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار
يتضاغون فيها. فقال: ((يا حارث عرفت فالزم)) ثلاثاً(٣).
وقال عمرو بن مرة في قوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّاً﴾: إنما أنزل القرآن بلسان العرب
كقولك فلان سيد حقاً، وفي القوم سادة. وفلان تاجر حقاً، وفي القوم تجَّار. وفلان شاعر حقّاً،
وفي القوم شعراء(٤).
وقوله: ﴿لَّْ دَرَجَتُ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ أي: منازل ومقامات ودرجات في الجنات كما قال تعالى:
﴿هُمْ دَرَجَتُ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيْرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٣)﴾ [آل عمران] ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ أي: يغفر لهم السيئات
ويشكر لهم الحسنات.
وقال الضحّاك في قوله: ﴿لَّمْ دَرَجَتُ عِندَ رَبِّهِمْ﴾: أهل الجنة بعضهم فوق بعض، فيرى الذي
هو فوق فضله على الذي هو أسفل منه، ولا يرى الذي هو أسفل منه أنه فضل عليه أحد(٥)،
ولهذا جاء في الصحيحين أن رسول الله وسلم قال: ((إن أهل عليين ليراهم من أسفل منهم كما
ترون الكوكب الغابر في أفق من آفاق السماء)). قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا ينالها
غيرهم فقال: ((بلى والّذي نفسي بيده، لرجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين))(٦). وفي الحديث
الآخر الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث عطية، عن أبي سعيد قال: قال
رسول الله ويقول: ((إن أهل الجنة ليتراءون أهل الدرجات العلى كما تراءون الكوكب الغابر في أفق
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٢) كذا في (عم) و(مح) والمعجم الكبير للطبراني وفي الأصل صحف إلى: ((يزيد)).
(٣) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٢٦٦/٣) قال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه ابن لهيعة، وفيه من
يحتاج إلى الكشف عنه (المجمع ٥٧/١)، وأخرجه البزار من طريق يوسف بن عطية عن ثابت عن أنس
بنحوه ثم قال: تفرد به يوسف وهو لين الحديث. قال الحافظ ابن حجر: وله شاهد من حديث حارثة نفسه
في المعجم الكبير، ولكنه قال: عن الحارث بن مالك، وفي إسناده ابن لهيعة، وله طرق ذكرتها في ترجمة
الحارث بن مالك من كتابي الصحابة (مختصر زوائد مسند البزار ٧٦/١ ح٢٣)، ويقصد بكتاب الصحابة:
الإصابة.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أبي سنان سعيد بن سنان عن عمرو بن مرة.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سلمة بن نبيط عن الضحاك.
(٦) صحيح البخاري، بدء الخلق، باب صفة الجنة (ح٣٢٥٦)، وصحيح مسلم، الجنة، باب إحلال الرضوان
على أهل الجنة (ح٢٨٣١).

١٥٩
• سُورَةُ الأَفَّا (٨،٥)
السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما))(١).
] ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِأَلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ اُلْمُؤْمِنِينَ لَكَرِهُونَ (@ يُجَدِلُونَكَ فِ الْحَقِّ
بَعْدَمَا نَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَافُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ﴿ وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّيِفَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ
وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ، وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَفِرِينَ
لِيُحِقَ الْحَقَّ وَبُطِلَ اُلْبَطِلَ وَلَوْ كَرِهَ اٌلْمُجْرِمُونَ
٧
قال الإمام أبو جعفر الطبري: اختلف المفسرون في السبب الجالب لهذه الكاف في قوله: ﴿كَمَآ
أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾، فقال بعضهم: شُبِّه به في الصلاح للمؤمنين اتقاؤهم ربهم، وإصلاحهم ذات بينهم
وطاعتهم الله ورسوله، ثم روى عن عكرمة نحو هذا(٢)، ومعنى هذا: أن الله تعالى يقول كما أنكم
لما اختلفتم في المغانم وتشاححّتم فيها فانتزعها الله منكم وجعلها إلى قسمه، وقسم رسوله وَل
فقسمها على العدل والتسوية، فكان هذا هو المصلحة التامَّة لكم، وكذلك لما كرهتم الخروج إلى
الأعداء من قتال ذات الشوكة، وهم النفير الذين خرجوا لنصر دينهم وإحراز عيرهم، فكان عاقبة
كراهتكم للقتال بأن قدره لكم وجمع به بينكم وبين عدوكم على غير ميعاد رشداً وھدی، ونصراً
وفتحاً، كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرُّهُ لَّكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمّ
وَعَسَى أَنْ تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمُّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٣٦)﴾ [البقرة].
قال ابن جرير: وقال آخرون: معنى ذلك ﴿كَمَّا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِأَلْحَقِّ﴾، على كره من
فريق من المؤمنين كذلك هم كارهون للقتال فهم يجادلونك فيه بعدما تبين لهم(٣). ثم روى عن
مجاهد نحوه أنه قال: ﴿كَمَّا أَخْرَجَكَ رَبِّكَ﴾ قال: كذلك يجادلونك في الحق(٤).
وقال السدي: أنزل الله في خروجه إلى بدر ومجادلتهم إياه، فقال: ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقٌّ
وَإِنَّ فَرِبِقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَرِهُونَ ﴾﴾ لطلب المشركين ﴿يُجَدِلُونَكَ فِ الْحَقِّ بَعْدَمَا نَبَّنَ﴾(٥).
وقال بعضهم: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَفَالِ﴾ [الأنفال: ١] مجادلة كما جادلوك يوم بدر فقالوا: أخرجتنا
للعير ولم تعلمنا قتالاً فنستعد له. قلت: رسول الله وَ﴿ إنما خرج من المدينة طالباً لعير أبي
سفيان التي بلغه خبرها أنها صادرة من الشام فيها أموال جزيلة لقريش فاستنهض رسول الله صل حه
المسلمين من خفَّ منهم فخرج في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، وطلب نحو الساحل من على
طريق بدر، وعلم أبو سفيان بخروج رسول الله وَّ في طلبه، فبعث ضمضم بن عمرو نذيراً إلى
(١) أخرجه الإمام أحمد من طريق عطية به (المسند ٣٠٢/١٧ ح ١١٢٠٦) وضعفه محققوه، وكذا أخرجه أبو
داود، السنن، الحروف والقراءات (ح٣٩٨٧)، والترمذي في سننه، المناقب، باب مناقب أبي بكر الصديق
(ح٣٦٥٨)، وابن ماجه في سننه، المقدمة، باب فضائل أصحاب رسول الله وَّ و (ح٩٦)، وهذا الحديث
يتقوى شقه الأول بما تقدم في الصحيحين، وأما الشق الثاني فيشهد له حديث: أصحابي كالنجوم ...
أورده الألباني في السلسلة الصحيحة، فيكون الحديث حسناً لغيره.
(٢) ذكره الطبري بلفظه، وقول عكرمة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق داود عن عكرمة.
(٣) ذكره الطبري بلفظه.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.

١٦٠
سُورَةُ الأَفَّا (٨،٥)
أهل مكة، فنهضوا في قريب من ألف مقنع ما بين التسعمائة إلى الألف وتيامن أبو سفيان بالعير
إلى سيف البحر، فنجا وجاء النفير فوردوا ماء بدر، وجمع الله بين المسلمين والكافرين على غير
ميعاد لما يريد الله تعالى من إعلاء كلمة المسلمين ونصرهم على عدوهم والتفرقة بين الحق
والباطل كما سيأتي بيانه، والغرض أن رسول الله وَل و لما بلغه خروج النفير أوحى الله إليه يعده
إحدى الطائفتين إما العير وإما النفير، ورغب كثير من المسلمين إلى العير لأنه كسب بلا قتال،
كما قال تعالى: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَ الْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ، وَيَقْطَعَ
دَابِرَ الْكَفِينَ﴾(١).
قال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره: حدثنا سليمان بن أحمد الطبراني، حدثنا بكر بن
سهل، حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم أبي
عمران، حدثه أنه سمع أبا أيوب الأنصاري يقول: قال رسول الله وَّر ونحن بالمدينة: ((إني
أُخبرت عن عير أبي سفيان أنها مقبلة فهل لكم أن نخرج قبل هذه العير لعلَّ الله أن يغنمناها؟»
فقلنا: نعم، فخرج وخرجنا، فلما سرنا يوماً أو يومين، قال لنا: ((ما ترون في قتال القوم فإنهم
قد أخبروا بمخرجكم؟)) فقلنا: لا والله ما لنا طاقة بقتال العدو ولكنَّا أردنا العير، ثم قال: ((ما
ترون في قتال القوم؟)) فقلنا مثل ذلك. فقال المقداد بن عمرو: إذاً لا نقول لك يا رسول الله كما
قال قوم موسى لموسى ﴿فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا إِنَّا هَهُنَا فَعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] قال: فتمنَّينا
معشر الأنصار أن لو قلنا كما قال المقداد أحبّ إلينا من أن يكون لنا مال عظيم، قال: فأنزل الله
على رسوله وَّهِ: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِبِقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَرِهُونَ ﴾﴾(٢). وذكر
تمام الحديث ورواه ابن أبي حاتم من حديث ابن لهيعة بنحوه (٣).
وروى ابن مردويه أيضاً من حديث محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، عن أبيه، عن
جده قال: خرج رسول الله ويله إلى بدر حتى إذا كان بالروحاء خطب الناس فقال: ((كيف ترون؟))
فقال أبو بكر: يا رسول الله بلغنا أنهم بمكان كذا وكذا، قال: ثم خطب الناس فقال: ((كيف
ترون؟» فقال عمر: مثل قول أبي بكر، ثم خطب الناس فقال: ((كيف ترون؟)) فقال سعد بن معاذ
يا رسول الله إيانا تريد؟ فوالذي أكرمك وأنزل عليك الكتاب ما سلكتها قط ولا لي بها علم،
ولئن سرت حتى تأتي برك الغماد من ذي يمن لنسيرنَّ معك، ولا نكون كالذين قالوا لموسى
﴿فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا إِنَّا هَهُنَا فَعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا
معكما مقاتلون، ولعلك أن تكون خرجت لأمر وأحدث الله إليك غيره، فانظر الذي أحدث الله
إليك فامض له، فَصِلْ حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وعادٍ من شئت، وسالم من
شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، فنزل القرآن على قول سعد: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ
(١) هذه القصّة ذكرها ابن هشام في السيرة ٦٠٦/٢ - ٦٠٧ وابن كثير في البداية والنهاية ٢٦٠/٣.
(٢) أخرجه الطبراني عن بكر بن سهل به (المعجم الكبير ٢٠٨/٤ - ٢١١ ح ٤٠٥٦) وحسنه الهيثمي (المجمع
٧٣/٦)، وفي سنده ابن لهيعة ويتقوى برواية الطبري فقد روي من طريق عبد الله بن وهب وابن المبارك عن
ابن لهيعة دون ذكر سبب النزول وسندها حسن.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق زيد بن الحباب عن ابن لهيعة به، وسنده حسن.