النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
• سُودَةُ الأَْافِ (١٧٥ ، ١٧٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
هلاكهم، إن الله يبغض الزنا وإنهم إن وقعوا في الزنا هلكوا ورجوت أن يهلكهم الله، فأخرجوا
النساء تستقبلهم فإنهم قوم مسافرون فعسى أن يزنوا فيهلكوا قال: ففعلوا فأخرجوا النساء تستقبلهم
قال: وكان للملك ابنة فذكر من عظمها ما الله أعلم به فقال: فقال أبوها أو بلعام: لا تمكني نفسك
إلا من موسى، قال: ووقعوا في الزنا قال: فأتاها رأس سبط من أسباط بني إسرائيل فأرادها على
نفسه، فقالت: ما أنا بممكّنة نفسي إلا من موسى: قال: فقال: إن منزلتي كذا وكذا وإن من حالي
كذا وكذا، فأرسلت إلى أبيها تستأمره قال: فقال لها: فأمكنيه، قال: ويأتيهما رجل من بني هارون
ومعه الرمح فيطعنهما. قال: وأيده الله بقوة فانتظمهما جميعاً ورفعهما على رمحه فرآهما الناس - أو
كما حدث - قال: وسلّط الله عليهم الطاعون فمات منهم سبعون ألفاً. قال أبو المعتمر: فحدثني
سيار أن بلعاماً ركب حمارة له حتى أتى العلولي أو قال طريقاً من العلولي جعل يضربها ولا تتقدم
وقامت عليه فقالت: علام تضربني؟ أما ترى هذا الذي بين يديك؟ فإذا الشيطان بين يديه قال: فنزل
وسجد له قال الله تعالى: ﴿وَآَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِىّ ءَاتَيْنَهُ ءَايَدِنَا فَأَنْسَلَخَ مِنْهَا﴾ - إلى قوله - ﴿لَعَلَّهُمْ
يَتَفَكَّرُونَ﴾ قال: فحدثني بهذا سيار ولا أدري لعله قد دخل فيه شيء من حديث غيره(١).
(قلت): هو بلعام ويقال: بلعم بن باعوراء ويقال: ابن أبر، ويقال: ابن باعور بن شهتوم بن
قوشتم بن ماب بن لوط بن هاران، ويقال: ابن حران بن آزر، وكان يسكن قرية من قرى البلقاء.
قال ابن عساكر: وهو الذي كان يعرف اسم الله الأعظم فانسلخ من دينه له ذكر في القرآن ثم
أورد من قصته نحواً مما ذكرناه هاهنا أورده عن وهب وغيره والله أعلم.
وقال محمد بن إسحاق بن يسار: عن سالم أبي النضر أنه حدث أن موسى ظلّلا لما نزل في
أرض بني كنعان من أرض الشام، أتى قوم بلعام إليه فقالوا له: هذا موسى بن عمران في بني
إسرائيل قد جاء يخرجنا من بلادنا ويقتلنا ويحلّها بني إسرائيل، وإنّا قومك وليس لنا منزل وأنت
رجل مجاب الدعوة، فاخرج فادع الله عليهم، قال: ويلكم نبي الله معه الملائكة والمؤمنون كيف
أذهب أدعو عليهم وأنا أعلم من الله ما أعلم؟ قالوا له: ما لنا من منزل فلم يزالوا به يرققونه
ويتضرعون إليه حتى فتنوه فافتتن، فركب حمارة له متوجهاً إلى الجبل الذي يطلعه على عسكر بني
إسرائيل وهو جبل حُسبان، فلما سار عليها غير كثير ربضت به فنزل عنها فضربها حتى إذا أزلقها
قامت فركبها، فلم تسر به كثيراً حتى ربضت به فضربها حتى إذا أزلقها أذن لها فكلمته حجة عليه
فقالت: ويحك يا بلعم أين تذهب؟ أما ترى الملائكة أمامي تردّني عن وجهي هذا؟ تذهب إلى
نبي الله والمؤمنين لتدعو عليهم، فلم ينزع عنها يضربها فخلّى الله سبيلها حين فعل بها ذلك،
فانطلقت به حتى إذا أشرفت به على رأس حسبان على عسكر موسى وبني إسرائيل جعل يدعو
عليهم ولا يدعو عليهم بشر إلا صرف الله لسانه إلى قومه، ولا يدعو لقومه بخير إلا صرف لسانه
إلى بني إسرائيل، فقال له قومه: أتدري يا بلعم ما تصنع؟ إنما تدعو لهم وتدعو علينا، قال:
فهذا ما لا أملك، هذا شيء قد غلب الله عليه، قال: واندلع لسانه فوقع على صدره فقال لهم:
(١) أخرجه الطبري بسنده ونحو متنه، والرواية فيها ضعف كما صرح في آخره أبو المعتمر: ولا أدري لعله قد
دخل فيه شيء من حديث غيره. اهـ. وعلى كل حال فإن الرواية إسرائيلية لا تستحق الذكر إلا على سبيل
التحذير.

١٢٢
سُورَةُ الأَغَراف (١٧٥، ١٧٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قد ذهبت مني الآن الدنيا والآخرة ولم يبق إلا المكر والحيلة، فسأمكر لكم وأحتال، جَمِلّوا
النساء وأعطوهن السلع ثم أرسلوهن إلى العسكر يبعنها فيه، ومروهنّ فلا تمنع امرأة نفسها من
رجل أرادها، فإنهم إن زنى رجل منهم واحد كفيتموهم، ففعلوا فلما دخلت النساء العسكر مرّت
امرأة من الكنعانيين اسمها كسبى - ابنة صور رأس أمته - برجل من عظماء بني إسرائيل وهو
زمري بن شلوم رأس سبط شمعون بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ظلّا، فلما رآها أعجبته،
فقام فأخذ بيدها وأتى بها موسى وقال: إني أظنك ستقول هذا حرام عليك؟ قال: أجل هي حرام
عليك لا تقربها، قال: فوالله لا أطيعك في هذا، فدخل بها قبّته فوقع عليها وأرسل الله رَبَ
الطاعون في بني إسرائيل، وكان فنحاص بن العيزار بن هارون صاحب أمر موسى وكان غائباً
حين صنع زمري بن شلوم ما صنع، فجاء والطاعون يجوس فيهم، فأخبر الخبر فأخذ حربته
وكانت من حديد كلها، ثم دخل القبة وهما متضاجعان فانتظمهما بحربته ثم خرج بهما رافعهما
إلى السماء، والحربة قد أخذها بذراعه واعتمد بمرفقه على خاصرته، وأسند الحربة إلى لحييه
و- كان بِكْرِ العيزار-، وجعل يقول: اللّهم هكذا نفعل بمن يعصيك ورفع الطاعون، فحسب من
هلك من بني إسرائيل في الطاعون فيما بين أن أصاب زمري المرأة إلى أن قتله فنحاص، فوجدوه
قد هلك منهم سبعون ألفاً، والمقلل لهم يقول عشرون ألفاً في ساعة من النهار، فمن هنالك
تعطي بنو إسرائيل ولد فنحاص من كل ذبيحة ذبحوها الرقبة والذراع واللحى والبكر من كل
أموالهم وأَنفسها، لأنه كان بكر أبيه العيزار، ففي بلعام بن باعوراء أنزل الله: ﴿وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ
الَّذِىّ ءَاتَيْنَهُ ءَايَنِنَا فَأَنْسَلَخَ مِنْهَا﴾ إلى قوله: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾(١).
وقوله تعالى: ﴿فَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثَّ﴾ اختلف
المفسرون في معناه، فعلى سياق ابن إسحاق عن سالم أبي النضر أن بلعاماً اندلع لسانه على
صدره، فتشبيهه بالكلب في لهيئه في كلتا حالتيه إن زجر وإن ترك ظاهر.
وقيل: معناه فصار مثله في ضلاله واستمراره فيه وعدم انتفاعه إلى الإيمان وعدم الدعاء
كالكلب في لهيئه في حالتيه إن حملت عليه وإن تركته هو يلهث في الحالين، فكذلك هذا لا
ينتفع بالموعظة والدعوة إلى الإيمان ولا عدمه كما قال تعالى: ﴿سَوَآءُ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ
لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] ﴿أُسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾
[التوبة: ٨٠] ونحو ذلك.
وقيل: معناه: أن قلب الكافر والمنافق والضال ضعيف فارغ من الهدى فهو كثير الوجيب،
فعبر عن هذا بهذا نقل نحوه عن الحسن البصري وغيره (٢)
وقوله تعالى: ﴿فَأَقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ يقول تعالى لنبيه محمد بَّ: ﴿فَأَقْصُصِ
اُلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ﴾ أي: لعل بني إسرائيل العالمين بحال بلعام وما جرى له في إضلال الله إياه
وإبعاده من رحمته، بسبب أنه استعمل نعمة الله عليه في تعليمه الاسم الأعظم الذي إذا سُئل به
(١) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به نحوه، وفيه عنعنة ابن إسحاق، والرواية من أهل الكتاب.
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق قتادة عن الحسن.

١٢٣
• سُوَّرَةُ الْأَّغْرَافِ (١٧٨، ١٧٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أعطى، وإذا دُعي به أجاب في غير طاعة ربه، بل دعا به على حزب الرحمن وشعب الإيمان،
أتباع عبده ورسوله في ذلك الزمان، كليم الله موسى بن عمران علَّلا، ولهذا قال: ﴿لَعَلَّهُمْ
يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: فيحذروا أن يكونوا مثله، فإن الله قد أعطاهم علماً وميّزهم على من عداهم من
الأعراب، وجعل بأيديهم صفة محمد وَّله يعرفونها كما يعرفون أبناءهم، فهم أحق الناس
وأولاهم باتباعه ومناصرته ومؤازرته كما أخبرتهم أنبياؤهم بذلك وأمرتهم به، ولهذا من خالف
منهم ما في كتابه وكتمه فلم يعلم به العباد أحل الله به ذلاً في الدنيا موصولاً بذل الآخرة.
وقوله: ﴿سََّ مَثَلً اٌلْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِتَايَئِنَا﴾ يقول تعالى: ساء مثلاً مثل القوم الذين كذبوا
بآياتنا أي ساء مثلهم أن شبهوا بالكلاب التي لا همة لها إلا في تحصيل أكلة أو شهوة، فمن
خرج عن حيز العلم والهدى وأقبل على شهوة نفسه واتبع هواه صار شبيهاً بالكلب وبئس المثل
مثله، ولهذا ثبت في الصحيح أن رسول الله بصير قال: ((ليس لنا مثل السوء، العائد في هبته
كالكلب يعود في قيئه))(١) .
وقوله: ﴿ وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ أي: ما ظلمهم الله ولكن هم ظلموا أنفسهم بإعراضهم عن اتباع
الهدى، وطاعة المولى، إلى الرّكون إلى دار البلى، والإقبال على التحصيل اللّذات وموافقة الهوى.
﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِىّ وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ
يقول تعالى: من هداه الله فإنه لا مضلَّ له، ومن أضله فقد خاب وخسر وضل لا محالة، فإنه
تعالى ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولهذا جاء في حديث ابن مسعود: ((إن الحمد لله نحمده
ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا
مضلَّ له ومن يضلل الله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن
محمداً عبده ورسوله)) الحديث بتمامه رواه الإمام أحمد وأهل السنن وغيرهم(٢).
﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنّ وَالْإِنِسِّ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَهُمْ أَعْيُنُ لَّا يُبْصِرُونَ
بِهَا وَهُمْ ءَاذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَاْ أُوْلَكَ كَالْأَنْعَمِ بَلَّ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَفِلُونَ
يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ﴾ أي: خلقنا وجعلنا لجهنم ﴿كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِّ﴾ أي:
هيأناهم لها وبعمل أهلها يعملون، فإنه تعالى لما أراد أن يخلق الخلق علم ما هم عاملون قبل
كونهم، فكتب ذلك عنده في كتاب قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، كما ورد
في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله وَ ◌ّه قال: ((إن الله قدر مقادير الخلق قبل أن
يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء))(٣).
(١) صحيح البخاري، الهبة، باب لا يحلّ لأحد أن يرجع في هبته (ح ٢٦٢٢).
(٢) أخرجه أبو داود، السنن، الصلاة، باب الرجل يخطب على قوس (ح ١٠٩٧)، والترمذي في سننه، النكاح،
باب خطبة النكاح (ح١١٠٥)، وحسنه وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٨٨٢)، وأخرجه
النسائي في سننه، النكاح، باب ما يستحب من الكلام عند النكاح ٨٩/٦، وسنن ابن ماجه، النكاح، باب
خطبة النكاح (ح ١٨٩٢)، والإمام أحمد في (المسند ٢٦٢/٦ - ٢٦٣ ح ٣٧٢٠) وصححه محققوه.
(٣) صحيح مسلم، القدر، باب حِحاج آدم وموسى،لِالشَّا (ح ٢٦٥٣).

١٢٤
• سُورَةُ الأَشْرَافِ (١٨٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
بخيريا أنها
وفي صحيح مسلم أيضاً: من حديث عائشة بنت طلحة عن خالتها عائشة أم المؤمنين
قالت: دُعي النبي ◌َ﴿ إلى جنازة صبيّ من الأنصار فقلت: يا رسول الله طوبى له عصفور من
عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه، فقال رسول الله وَله: ((أو غير ذلك يا عائشة، إن الله
خلق الجنة وخلق لها أهلاً وهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلاً وهم في أصلاب
آبائهم))(١)، وفي الصحيحن من حديث ابن مسعود: («ثم يبعث الله إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات:
فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد))(٢) وتقدم أن الله لما استخرج ذرية آدم من صلبه
وجعلهم فريقين أصحاب اليمين وأصحاب الشمال قال: ((هؤلاء للجنة ولا أبالي، وهؤلاء للنار
ولا أبالي))(٣) والأحاديث في هذا كثيرة ومسألة القدر كبيرة ليس هذا موضع بسطها.
وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَاذَاٌ لَّا يَسْبَعُونَ بِهَاْ﴾ يعني:
ليس ينتفعون بشيء من هذه الجوارح التي جعلها الله سبباً للهداية، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ
سَمْعًا وَأَبْصَرًّا وَأَفْئِدَةً فَمَآ أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَّ أَبْصَدُهُمْ وَلَّ أَفْئِدَتُهُم مِّن شَىْءٍ إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بَايَتِ
اللّهِ﴾ الآية [الأحقاف: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿مُّمُ بَكْم عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴾﴾ [البقرة] هذا في حق
المنافقين. وقال في حق الكافرين: ﴿صُّ بُكْمَّ عُمْىٌّ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١] ولم يكونوا صماً
ولا بكماً ولا عمياً إلا عن الهدى، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمِّ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ
لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُعْرِضُونَ (٣)﴾ [الأنفال] وقال: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِى فِ الصُّدُورِ﴾
[الحج: ٤٦] وقال: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُمْ شَيْطَنَّا فَهُوَ لَهُ فَرِينٌ (١٤) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ
﴾ [الزخرف].
السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَهُم ◌ُهْتَدُونَ
وقوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ كَالْأَنْغَمِ﴾ أي: هؤلاء الذين لا يسمعون الحق ولا يعونه ولا يبصرون
الهدى، كالأنعام السارحة التي لا تنتفع بهذه الحواس منها إلا في الذي يقيتها في ظاهر الحياة
الدنيا، كقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءُ وَنِدَاً﴾ [البقرة:
١٧١] أي: ومثلهم في حال دعائهم إلى الإيمان كمثل الأنعام إذا دعاها راعيها لا تسمع إلا
صوته، ولا تفقه ما يقول. ولهذا قال في هؤلاء ﴿بَلَّ هُمْ أَضَلُّ﴾ أي: من الدوابِّ لأنها قد
تستجيب مع ذلك لراعيها إذا أنسَ بها، وإن لم تفقه كلامه بخلاف هؤلاء، ولأنها تفعل ما خلقت
له إما بطبعها وإما بتسخيرها، بخلاف الكافر فإنه إنما خلق ليعبد الله ويوحده فكفر بالله وأشرك
به، ولهذا من أطاع الله من البشر كان أشرف من مثله من الملائكة في معاده، ومن كفر به من
البشر كانت الدوابُّ أتمَّ منه، ولهذا قال تعالى: ﴿أُوْلَكَ كَالْأَنْعَِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَفِلُونَ﴾ .
] ﴿وَلِلَّهِ آلْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُذِْدُونَ فِيَّ أَسْمَنْبِهِّ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
عن أبي هريرة ظبه قال: قال رسول الله وَ له: ((إن لله تسعاً وتسعين اسماً مائة إلا واحداً، من
أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر)) أخرجاه في الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة
(١) صحيح مسلم، القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة (ح ٢٦٦٢).
(٢) صحيح البخاري، بدء الخلق، باب ذكر الملائكة (ح٣٢٠٨)، وصحيح مسلم، القدر، الحديث الأول (٢٦٤٣).
(٣) تقدم في تفسير الآية ١٧٢ من هذه السورة الكريمة.

١٢٥
سِوَرَةِ الأَغْرَافِ (١٨٠)
10000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
عن أبي الزناد عن الأعرج عنه(١)، ورواه البخاري عن أبي اليمان عن شعيب بن أبي حمزة عن
أبي الزناد به(٢)، وأخرجه الترمذي في جامعه عن الجوزجاني عن صفوان بن صالح، عن الوليد بن
مسلم، عن شعيب فذكر بسنده مثله، وزاد بعد قوله: ((يحب الوتر: هو الله الذي لا إله إلا هو
الرحمن الرحيم، الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبّار، المتكبّر الخالق البارئ
المصوّر الغفّار، القهار الوهاب الرزّاق الفتّاح العليم القابض الباسط، الخافض الرافع المعزّ
المذل السميع البصير، الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم العظيم الغفور، الشكور العلي الكبير
الحفيظ المقيت الحسيب الجليل الكريم، الرقيب المجيب الواسع الحكيم، الودود المجيد الباعث
الشهيد الحق، الوكيل القويّ المتين الوليّ الحميد المحصيّ المبدّئ المعيد، المحيّي المميت،
الحيّ القيّوم الواجد الماجد الواحد الأحد، الفرد الصمد، القادر المقتدر المقدم المؤخر الأول
الآخر، الظاهر الباطن الوالي المتعالي، البر التواب المنتقم العفو الرؤوف، مالك الملك ذو
الجلال والإكرام المقسط الجامع الغني المغني، المانع الضّار النافع، النور الهادي البديع الباقي
الوارث الرشيد الصبور)) ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب(٣). وقد روي من غير وجه عن أبي
هريرة، ولا نعلم في كثير من الروايات ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث، ورواه ابن حبان في
.
صحيحه من طريق صفوان به (٤)
وقد رواه ابن ماجه في سننه من طريق آخر عن موسى بن عقبة عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعاً
فسرد الأسماء كنحو مما تقدم بزيادة ونقصان(٥)، والذي عوّل عليه جماعة من الحفاظ أن سرد
الأسماء في هذا الحديث مُدرج فيه، وإنما ذلك كما رواه الوليد بن مسلم وعبد الملك بن محمد
الصنعاني عن زهير بن محمد أنه بلغه عن غير واحد من أهل العلم أنهم قالوا ذلك، أي أنهم جمعوها
من القرآن. كما روي عن جعفر بن محمد وسفيان بن عيينة وأبي زيد اللغوي(٦)، والله أعلم.
ثم ليعلم أن الأسماء الحسنى غير منحصرة في تسعة وتسعين بدليل ما رواه الإمام أحمد في
مسنده عن يزيد بن هارون، عن فضيل بن مرزوق، عن أبي سلمة الجهني، عن القاسم بن
عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود رضيته، عن رسول الله وَّر أنه قال: ((ما أصاب
(١) صحيح البخاري، الدعوات، باب الله مائة اسم غير واحدة (ح٦٤١٠)، وصحيح مسلم، الذكر والدعاء،
باب في أسماء الله تعالى (ح ٢٦٧٧).
(٢) صحيح البخاري، الشروط، باب المكاتب وما لا يحل من الشروط التي تخالف كتاب الله (ح٢٧٣٦).
(٣) السنن، الدعوات، باب رقم ٨٣ (ح٣٥٠٧)، وقد حرر ابن كثير الحكم على هذه الرواية بأن سرد هذه
الأسماء مدرج من الرواة وليس عن النبي ◌َّيه، وقرر أنها ليست منحصرة في التسعة والتسعين كما سيأتي.
(٤) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (ح ٨٠٨).
(٥) سنن ابن ماجه، الدعاء، باب أسماء الله ربك: (ح ٣٨٦١)، وضعفه البوصيري لضعف عبد الملك بن محمد
الصنعاني إذ يرويه عن زهير بن محمد التميمي عن موسى بن عقبة به.
(٦) قال الحافظ ابن حجر: وروينا في ((فوائد تمام)) من طريق أبي طاهر بن السرح عن حبان بن نافع عن
سفيان بن عيينة الحديث يعني حديث: ((إن لله تسعة وتسعين اسماً)) فوعدنا سفيان أن يخرجها لنا من القرآن
فأبطأ، فآتينا أبا زيد فأخرجها لنا فعرضناها على سفيان فنظر فيها أربع مرات وقال: نعم هي هذه ...
(الفتح ٢١٧/١١).

١٢٦
سُوْرَةُ الأَغَرَافِ (١٨١)
000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 0 0 0
أحداً قط همّ ولا حزن فقال: اللَّهم إن عبدك ابن أَمتك، ناصيتي بيدك ماضٍ فيَّ حكمك، عدل
فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من
خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري،
وجلاء حزني، وذهاب همّي، إلا أذهب الله حزنه وهمه وأبدل مكانه فرحاً)) فقيل يا رسول الله:
أفلا نتعلمها؟ فقال: ((بلى ينبغي لكل من سمعها أن يتعلمها)) (١) وقد أخرجه الإمام أبو حاتم بن
حبان البستي في صحيحه بمثله(٢).
وذكر الفقيه الإمام أبو بكر بن العربي أحد أئمة المالكية في كتابه (الأحوذي في شرح
الترمذي)»(٣) أن بعضهم جمع من الكتاب والسنة من أسماء الله ألف اسم، فالله أعلم.
وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلِْدُونَ فِىّ أَسْمٍَّ﴾ قال: إلحاد
الملحدين أن دَعوا اللّات في أسماء الله (٤).
وقال ابن جريج، عن مجاهد: ﴿وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلِْدُونَ فِى أَسْمَئِهِّ﴾ قال اشتقّوا اللات من الله،
والعزى من العزيز(٥).
وقال قتادة: ﴿يُلْحِدُونَ﴾ يشركون في أسمائه(٦).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الإلحاد: التكذيب(٧).
وأصل الإلحاد في كلام العرب: العدول عن القصد، والميل والجور والانحراف، ومنه الّحد
في القبر لانحرافه إلى جهة القبلة عن سمت الحفر(٨).
﴿وَمِمَنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ، يَعْدِلُونَ
يقول تعالى: ﴿وَمِمَنْ خَلَقْنَآَ﴾ أي: بعض الأمم ﴿أُنَّةٌ﴾ قائمة بالحق قولاً وعملاً ﴿يَهْدُونَ
بِالْحَقِّ﴾ يقولونه ويدعون إليه ﴿وَبِهِ، يَعْدِلُونَ﴾ يعملون ويقضون.
وقد جاء في الآثار أن المراد بهذه الأمة المذكورة في الآية هي هذه الأمة المحمدية، قال سعيد
عن قتادة في تفسير هذه الآية: بلغني أن النبي وَ ل وكان يقول إذا قرأ هذه الآية: ((هذه لكم، وقد
﴾ [الأعراف]»(٩).
أعطى القوم بين أيديكم مثلها ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَىّ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ، يَعْدِلُونَ
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٤٦/٦ ح٣٧١٢)، وضعفه محققوه اعتماداً على تضعيف
الدار قطني في العلل ٢٠١/٥.
(٢) موارد الظمآن بزوائد ابن حبان (ح ٢٣٧٢).
(٣) وهو كتاب: عارضة الأحوذي في شرح سنن الترمذي.
(٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.
(٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج به وهو لم يسمع مجاهد.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.
(٧) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.
(٨) ذكره الطبري بنحوه.
(٩) أخرجه الطبري من طريق سعيد به، وسنده ضعيف للإرسال.

١٢٧
• سُورَةُ الأَغَافِ (١٨٢، ١٨٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال أبو جعفر الرزاي: عن الربيع بن أنس في قوله تعالى: ﴿وَمِمَنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِاَلْحَقِّ وَبِهِ،
يَعْدِلُونَ ﴾﴾ قال: قال رسول الله وَله: ((إن من أمتي قوماً على الحق حتى ينزل عيسى ابن
مریم متى ما نزل)) (١).
وفي الصحيحين عن معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله وَلجر: ((لا تزال طائفة من أُمتي
ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة)»(٢) وفي رواية: ((حتى
يأتي أمر الله وهم على ذلك)) وفي رواية: (وهم بالشام).
وَأُمْلِى لَهُمَّ إِنَّ كَيّدِى مَِّينُ
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِحَايَئِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ
(ب)) ومعناه: أنه يفتح لهم
يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بَِايَئِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ
أبواب الرزق ووجوه المعاش في الدنيا حتى يغتروا بما هم فيه ويعتقدوا أنهم على شيء، كما
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِرُواْ بِهِ، فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّىَ إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَهُم
بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُبْلِسُونَ ﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ [الأنعام] ولهذا قال
تعالى: ﴿وَأُمَلِيِ لَهُمْ ﴾ أي: وسأملي لهم، أي أطول لهم ما هم فيه، ﴿إِنَّ كَيْدِى مَتِينُ﴾ أي: قوي
شدید .
﴿أَوَلَمْ يَنَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن ◌ِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينُ
ME
يقول تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنَفَّكَّرُواْ﴾ هؤلاء المكذبون بآياتنا ﴿مَا بِصَاحِبِهِم﴾ يعني: محمداً نَّهِ ﴿مِّن
جِنَّةٍ﴾ أي: ليس به جنون، بل هو رسول الله حقاً، دعا إلى حق ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي:
ظاهر لمن كان له لب وقلب يعقل به ويعي به، كما قال تعالى: ﴿وَمَا صَاِبُكُم بِمَجْنُونٍ
[التكوير] وقال تعالى: ﴿﴿ قُلْ إِنَّمَا أَعِطُكُمْ بِوَحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَِّ مَثْنَى وَفُرَدَى ثُمَّ تَنَفَكَّرُواْ مَا
[سبأ] يقول: إنما أطلب منكم
٠
بِصَاحِبِكُ مِّن جِنَّ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيِرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ
أن تقوموا قياماً خالصاً لله ليس فيه تعصب ولا عناد ﴿مَثْنَى وَفُرَدَى﴾ أي: مجتمعين ومتفرقين،
﴿ثُمَّ نَفَكَّرُواْ﴾ في هذا الذي جاءكم بالرسالة من الله أبه جنون أم لا، فإنكم إذا فعلتم ذلك بان
لكم وظهر أنه رسول الله حقاً وصدقاً .
وقال قتادة بن دعامة: ذُكر لنا أن نبي الله وَّ﴿ كان على الصفا فدعا قريشاً، فجعل يُفخِّذهم
فخذاً فخذاً يا بني فلان، يا بني فلان فحذَّرهم بأس الله ووقائع الله، فقال قائلهم: إِن صاحبكم
هذا لمجنون بات يصوت إلى الصباح أو حتى أصبح، فأنزل الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنَفَّكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم
مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِيُّ (َ)﴾(٣).
(١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي جعفر الرازي به وسنده ضعيف كسابقه.
(٢) صحيح البخاري، المناقب، باب ٢٨ (ح٣٦٤١) وصحيح مسلم، الإمارة، باب قوله وَّيقول: ((لا تزال طائفة
من أمتي ... )) (ح ١٠٣٧).
(٣) أخرجه الطبري من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة، وسنده ضعيف بسبب إرسال قتادة.

١٢٨
• سُوَرَّةُ الأَغَافِ (١٨٥، ١٨٧)
﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِ مَلَكُوتِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ أَقْذَبَ
أَجَلُهُمَّ قِبِأَتِ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ
يقول تعالى: أو لم ينظر هؤلاء المكذبون بآياتنا في ملك الله وسلطانه في السموات والأرض،
وفيما خلق من شيء فيهما؟ فيتدبروا ذلك ويعتبروا به، ويعلموا أن ذلك لمن لا نظير له ولا
شبيه، ومن فعل من لا ينبغي أن تكون العبادة والدين الخالص إلا له فيؤمنوا به ويصدقوا رسوله،
ويُنيبوا إلى طاعته، ويخلعوا الأنداد والأوثان، ويحذروا أن تكون آجالهم قد اقتربت فيهلكوا على
كفرهم ويصيروا إلى عذاب الله وأليم عقابه.
وقوله: ﴿فَأَتِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ يقول: فبأي تخويف وتحذير وترهيب بعد تحذير محمد وَّل
وترهيبه، الذي أتاهم به من عند الله في آي كتابه يصدقون إن لم يصدقوا بهذا الحديث الذي
جاءهم به محمد من عند الله مات؟
وقد روى الإمام أحمد: عن حسن بن موسى وعفّان بن مسلم وعبد الصمد بن عبد الوارث،
كلهم عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن أبي الصلت، عن أبي هريرة قال:
قال رسول الله وَله: ((رأيت ليلة أسري بي كذا، فلما انتهينا إلى السماء السابعة فنظرت فوقي فإذا
أنا برعد وبرق وصواعق، وأتيت على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيّات ترى من خارج بطونهم،
قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا، فلما نزلت إلى السماء الدنيا فنظرت إلى
أسفل مني، فإذا أنا برهج ودخان وأصوات فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هؤلاء الشياطين
يحومون على أعين بني آدم أن لا يتفكروا في ملكوت السموات والأرض ولولا ذلك لرأوا
العجائب))(١). علي بن زيد بن جدعان له منكرات.
ثم قال تعالى:
﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِىَ لَهُّ وَيَذَرُهُمْ فِ مُغْيَنِمْ يَعْمَعُونَ
يقول تعالى: من كتب عليه الضلالة فإنه لا يهديه أحد، ولو نظر لنفسه فيما نظر فإنه لا يجزي
عنه شيئاً ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اَللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١] وكما قال تعالى:
﴿قُلِ أَنْظُرُواْ مَاذَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَمَا تُغْنِ الْآَيَثُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ (4)﴾ [يونس].
﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيََّنَ مُهْسَنَهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّ لَا يُحَلِهَا لِوَقِهَا إِلَّا هُوْ نَقُلَتْ فِ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِّ لَا تَأْتِيَكُمْ إِلَّ بَغْنَةٌ يَسْئَلُونَكَ كَنَّكَ حَفِىُّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
يقول تعالى: ﴿يَسْثَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾ كما قال تعالى: ﴿يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾ [الأحزاب:
٦٣] قيل: نزلت في قريش(٢)، وقيل: في نفر من اليهود(٣)، والأول أشبه لأن الآية مكية،
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٥٣/٢)، وسنده ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان.
(٢) أخرجه الطبري بسند حسن عن قتادة لكنه مرسل، ورجحه الحافظ ابن كثير، أما الطبري فاحتمل الوجهين.
(٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن إسحاق قال حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت عن =

١٢٩
• سُوَرَّةُ الَّغَافِ (١٨٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وكانوا يسألون عن وقت الساعة استبعاداً لوقوعها وتكذيباً بوجودها، كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ
﴾ [يس] وقال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا
مَتَ هَذَا اٌلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَّ إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِ السَّاعَةِ لَفِىِ ضَلَلٍ بَعِيدٍ
[الشورى].
وقوله: ﴿أَيََّنَ مُرْسَلَهًا﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: منتهاها(١). أي: متى محطّها؟
وأيّان آخر مدة الدنيا؟ الذي هو أول وقت الساعة ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّ لَا يُحِيَهَا لِوَقِهَاً إِلَّا هُّؤْ﴾
أمر تعالى رسوله ﴿ إذا سئل عن وقت الساعة أن يردّ علمها إلى الله تعالى، فإنه هو الذي يجلّيها
لوقتها أي يعلم جليّة أمرها ومتى يكون على التحديد، لا يعلم ذلك إلا هو تعالى، ولهذا قال:
﴿تَقُلَتْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ .
قال عبد الرزاق: عن معمر، عن قتادة في قوله: ﴿ثَقُلَتْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ قال: ثقل علمها
على أهل السموات والأرض أنهم لا يعلمون، قال معمر: قال الحسن: إذا جاءت ثقُلت على
أهل السموات والأرض، يقول: كُبُرت عليهم (٢).
وقال الضحاك: عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ثَقُلَتْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ قال: ليس شيء من
الخلق إلا يصيبه من ضرر يوم القيامة (٣).
وقال ابن جريج: ﴿ثَقُلَتْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ قال: إذا جاءت انشقت السماء وانتثرت النجوم،
وكُورت الشمس، وسُيرت الجبال، وكان ما قال الله رم، فذلك ثقلها(٤)، واختار ابن جرير كَذَتُهُ
أن المراد: ثقل علم وقتها على أهل السموات والأرض كما قال قتادة، وهو كما قالاه كقوله
تعالى: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْنَةٌ﴾ ولا ينفي ذلك ثقل مجيئها على أهل السموات والأرض، والله أعلم.
وقال السدي: ﴿تَقُلَتْ فِ السََّوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ يقول: خَفيت في السموات والأرض، فلا يعلم
قيامها حين تقوم ملك مقرب ولا نبي مرسل ﴿لَا تَأْتِكُمْ إِلَّا بَغْلَةُ﴾ يبغتهم قيامها تأتيهم على
غفلة(٥) .
وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿لَا تَأْتِّكُمْ إِلَّا بَعْنَةٌ﴾: قضى الله أنها ﴿لَا تَأْتِكُمْ إِلَّ بَةُ﴾ قال:
وذُكر لنا أن نبي الله كان يقول: ((إن الساعة تهيج بالناس، والرجل يصلح حوضه، والرجل يسقي
ماشيته، والرجل يقيم سلعته في السوق ويخفض ميزانه ويرفعه))(٦).
وقال البخاري: حدثنا أبو اليمان، أنبأنا شعيب، أنبأنا أبو الزناد، عن عبد الرحمن، عن أبي
هريرة أن رسول الله وَ﴾ قال: ((لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها
سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس بنحوه إذ ذكر أسماء النفر من اليهود.
(٢) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.
(٣) سنده ضعيف لأن الضحاك لم يلق ابن عباس.
(٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو ابن داود ضعيف.
(٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد وهو ابن أبي عروبة، أما الحديث المرفوع فهو ضعيف لأنه
مرسل.

١٣٠
• سُورَةُ الَّشَرافظ (١٨٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها
خيراً، ولتقومنّ الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما، فلا يتبايعانه ولا يطويانه. ولتقومنّ
الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومنّ الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي
فيه، ولتقومنّ الساعة والرجل قد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها))(١) .
وقال مسلم في صحيحه: حدثني زهير بن حرب، حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن
الأعرج، عن أبي هريرة يبلغ به، قال: تقوم الساعة والرجل يحلب لقحته، فما يصل الإناء إلى
فيه حتى تقوم الساعة والرجلان يتبايعان الثوب فما يتبايعانه حتى تقوم الساعة، والرجل يلوط
حوضه فما يصدر حتى تقوم(٢).
وقوله: ﴿يَسْتَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىُّ عَنْهًا﴾ اختلف المفسرون في معناه:
فقيل: معناه كما قال العوفي، عن ابن عباس: ﴿يَسْئَلُونَكَ كَنَّكَ حَفِىٌّ عَنَبًاً﴾ يقول: كأن بينك
وبينهم مودة كأنك صديق لهم، قال ابن عباس: لما سأل الناس النبي وَله عن الساعة سألوه
سؤال قوم كأنهم يرون أن محمداً حفي بهم، فأوحى الله إليه إنما علمها عنده استأثر به، فلم
يطلع الله عليها ملكاً مقرباً ولا رسولاً (٣).
وقال قتادة: قالت قريش لمحمد ◌َّله: إن بيننا وبينك قرابة فأسرّ إلينا متى الساعة؟ فقال الله رحمات:
﴿يَسْتَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىُّ عَنّاً﴾(٤). وكذا روي عن مجاهد وعكرمة وأبي مالك والسدي(٥)، وهذا
قول.
والصحيح عن مجاهد من رواية ابن أبي نجيح وغيره ﴿يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىُّ عَنْهًا﴾ قال:
استحفيت عنها السؤال حتى علمت وقتها(٦)، وكذا قال الضحاك عن ابن عباس: ﴿يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ
حَفِيُّ عَنْبًا﴾ يقول: كأنك عالم بها لست تعلمها ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ﴾(٧) .
وقال [معمر](٨)، عن بعضهم: ﴿كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنَبً﴾ كأنك عالم بها(٩).
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَبًاً﴾ كأنك بها عالم وقد أخفى الله علمها
على خلقه، وقرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآية [لقمان: ٣٤](١٠)، وهذا القول أرجح في
(١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، الرقاق، باب رقم ٤٠ ح ٦٥٠٦).
(٢) صحيح مسلم، الفتن، باب قرب الساعة (ح٢٩٥٤).
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.
(٤) أخرجه الطبري بسند مرسل عن قتادة، ويتقوى بالآثار التالية.
(٥) قول مجاهد سيأتي في الذي يليه، وقول عكرمة أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر، وقول أبي
مالك أخرجه الطبري بسند حسن، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٦) أخرجه الطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وسنده صحيح.
(٧) سنده ضعيف لأن الضحاك لم يلق ابن عباس.
(٨) كذا في (حم) و(مح) و(عم) وفي الأصل صحفت إلى: ((يعمر)).
(٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق محمد بن ثور عن معمر.
(١٠) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن.

١٣١
• سُوَّرَةُ الأََّافِ (١٨٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
المقام من الأول، والله أعلم، ولهذا قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ .
ولهذا لما جاء جبريل عليّ في صورة أعرابي ليعلّم الناس أمر دينهم، فجلس من رسول الله وَله
مجلس السائل المسترشد، وسأله وَّ ر عن الإسلام، ثم عن الإيمان، ثم عن الإحسان، ثم قال:
فمتى الساعة؟ قال له رسول الله وَتليفون: ((ما المسؤول عنها بأعلم من السائل)) أي: لست أعلم بها
منك ولا أحد بها من أحد، ثم قرأ النبي وَلّهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآية(١) [لقمان: ٣٤].
وفي رواية فسأله عن أشراط الساعة، فبيّن له أشراط الساعة، ثم قال: ((في خمس لا يعلمهن
إلا الله)) وقرأ هذه الآية، وفي هذا كلّه يقول له بعد كل جواب: صدقت، ولهذا عجب الصحابة
من هذا السائل يسأله ويصدقه، ثم لما انصرف قال رسول الله يقول: ((هذا جبريل أتاكم يعلمكم
دينكم)) وفي رواية قال: ((وما أتاني في صورة إلا عرفته فيها إلا صورته هذه))(٢) وقد ذكرت هذا
الحديث بطرقه وألفاظه من الصحاح والحسان والمسانيد في أول شرح البخاري، ولله الحمد
والمنة.
ولما سأله ذلك الأعرابي وناداه بصوت جهوري فقال: يا محمد، قال له رسول الله وَلاته :
(هاؤم)) على نحو من صوته، قال: يا محمد متى الساعة؟ فقال له رسول الله وَليون: ((ويحك إن
الساعة آتية فما أعددت لها))؟ قال: ما أعددت لها كثير صلاة ولا صيام، ولكني أحب الله
ورسوله، فقال له رسول الله ◌َّ: ((المرء مع من أحب))، فما فرح المسلمون بشيء فرحهم بهذا
الحديث(٣)، وهذا له طرق متعددة في الصحيحين وغيرهما عن جماعة من الصحابة عن
رسول الله (* أنه قال: المرء مع من أحب)) وهي متواترة عند كثير من الحفاظ المتقنين، ففيه
أنه علَّ* كان إذا سئل عن هذا الذي لا يحتاجون إلى علمه أرشدهم إلى ما هو الأهم في حقهم،
وهو الاستعداد لوقوع ذلك والتهيؤ له قبل نزوله وإن لم يعرفوا تعيين وقته. ولهذا قال مسلم في
صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا: حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه،
عن عائشة يا، قالت: كانت الأعراب إذا قدموا على رسول الله وسير سألوه عن الساعة: متى
الساعة؟ فينظر إلى أحدث إنسان منهم فيقول: ((إن يعش هذا لم يدركه الهرم حتى قامت عليكم
ساعتكم)) يعني بذلك موتهم الذي يفضي بهم إلى الحصول في برزخ الدار الآخرة (٤).
ثم قال مسلم: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يونس بن محمد، عن حماد بن سلمة،
عن ثابت، عن أنس أن رجلاً سأل رسول الله وَّله عن الساعة، فقال رسول الله وَله: ((إن يعش
هذا الغلام فعسى أن لا يدركه الهرم حتى تقوم الساعة)) انفرد به مسلم(٥) .
(١) صحيح البخاري، الإيمان، باب سؤال جبريل النبي وَ ﴿ عن الإيمان (ح٥٠)، وصحيح مسلم، الإيمان،
باب بيان الإيمان والإسلام ... (ح٥).
(٢) أخرجه الإمام أحمد من حديث ابن عمر ظًا (المسند ٤٣٩/١ - ٤٤٠ ح ٣٧٤) وصحح سنده محققوه.
(٣) صحيح البخاري، فضائل الصحابة، باب مناقب عمر ظه (ح٣٦٨٨) وصحيح مسلم، البر والصلة، باب
المرء مع من أحب (ح٢٦٣٩).
(٤) صحيح مسلم، الفتن، باب قرب الساعة (ح٢٩٥٢).
(٥) صحيح مسلم، الفتن، باب قرب الساعة (ح٢٩٥٣).

١٣٢
سُوَدَّةُ الأَغَرَافِ (١٨٧)
وحدثني حجاج بن الشاعر، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا سعيد بن
أبي هلال المصري، عن أنس بن مالك ربه أن رجلاً سأل النبي وَّل قال: متى الساعة؟ فسكت
رسول الله وقدر هنيهة، ثم نظر إلى غلام بين يديه من أزدشنوءة فقال: ((إن عُمِّر هذا لم يدركه الهرم
حتى تقوم الساعة)) قال أنس: ذلك الغلام من أترابي(١).
وقال: حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا همام، حدثنا قتادة، عن أنس
قال: مرّ غلام للمغيرة بن شعبة وكان من أترابي فقال النبي ◌َّ: ((إن يؤخر هذا لم يدركه الهرم
حتى تقوم الساعة))(٢). ورواه البخاري في كتاب الأدب من صحيحه عن عمرو بن عاصم، عن
همام بن يحيى، عن قتادة، عن أنس، أن رجلاً من أهل البادية قال: يا رسول الله متى الساعة؟
فذكر الحديث، وفي آخره: فمرّ غلام للمغيرة بن شعبة وذكره (٣)، وهذا الإطلاق في هذه
الروايات محمول على التقیید بساعتکم في حديث عائشة پتا .
وقال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله وَلقه
يقول قبل أن يموت بشهر: «تسألوني عن الساعة، وإنما علمها عند الله، وأقسم بالله ما على ظهر
الأرض اليوم من نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة)). رواه مسلم (٤).
وفي الصحيحين عن ابن عمر مثله، قال ابن عمر: وإنما أراد رسول الله وَطّ انخرام ذلك
القرن(٥).
وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، أنبأنا العوام، عن جبلة بن سحيم، عن مؤثر بن [عفازة](٦)
عن ابن مسعود ظُه عن النبي وَّم قال: ((لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى، فتذاكروا
أمر الساعة قال: فردوا أمرهم إلى إبراهيم علا، فقال: لا علم لي بها، فردّوا أمرهم إلى موسى
فقال: لا علم لي بها فردوا أمرهم إلى عيسى فقال عيسى: أما وجبتها فلا يعلم بها أحد
إلا الله ◌َ، وفيما عهد إلي ربي 35 أن الدجال خارج. قال: ومعي قضيبان، فإذا رآني ذاب
كما يذوب الرصاص، قال: فيهلكه الله من إذا رآني حتى إن الشجر والحجر يقول: يا مسلم إن
تحتي كافراً فتعال فاقتله، قال: فيهلكهم الله ومن ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم، قال:
فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، فيطأون بلادهم لا يأتون على شيء
إلا أهلكوه ولا يمرون على ماء إلا شربوه: قال: ثم يرجع الناس إلي فيشكونهم فأدعو الله رَات
عليهم فيهلكهم ويميتهم حتى تجوى الأرض من نتن ريحهم أي تنتن، قال: فينزل الله رَك المطر
فيجترف أجسادهم حتى يقذفهم في البحر.
قال الإمام أحمد: قال يزيد بن هارون: ثم تنسف الجبال وتُمد الأرض مدَّ الأديم، ثم رجع
(١) (٢) أخرجهما الإمام مسلم، الصحيح، الفتن، باب قرب الساعة (ح٢٩٥٣/ ١٣٧ وح ١٣٨/٢٩٥٣).
(٣) صحيح البخاري، الأدب، باب ما جاء في قول الرجل: ويلك (ح ٦١٦٧).
(٤) صحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب قوله ويقول: ((لا تأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسه اليوم))
(ح٢٥٣٨).
(٥) صحيح البخاري، العلم، باب السمر في العلم (ح١١٦) وصحيح مسلم، الباب السابق (ح ٢٥٣٧).
(٦) كذا في (عم) و(حم) و(مح) ومسند أحمد، وفي الأصل صحفت إلى: ((عثمان)).

١٣٣
سُورَةُ الأَشَرَافِ (١٨٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
إلى حديث هشيم، قال: ففيما عهد إليَّ ربي رَك أن ذلك إذا كان كذلك، فإن الساعة كالحامل
المتمم لا يدري أهلها متى تفاجئهم بولادتها ليلاً أو نهاراً(١).
ورواه ابن ماجه عن بندار عن يزيد بن هارون عن العوام بن حوشب بسنده نحوه، فهؤلاء أكابر
أولي العزم من المرسلين ليس عندهم علم بوقت الساعة على التعيين، وإنما ردّوا الأمر إلى
عيسى ظلّها، فتكلم على أشراطها لأنه ينزل في آخر هذه الأمة منفذاً لأحكام رسول الله وخلفه ويقتل
المسيح الدجال، ويجعل الله هلاك يأجوج ومأجوج ببركة دعائه، فأخبر بما أعلمه الله تعالى به.
وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن أبي بكير، حدثنا عبيد بن إياد بن لَقيط، قال: سمعت أبي
يذكر عن حذيفة قال: سئل رسول الله ◌َ﴿ عن الساعة، فقال: ((علمها عند ربي رَكَ لا يجلّيها
لوقتها إلا هو، ولكن سأخبركم بمشاريطها وما يكون بين يديها، إن بين يديها فتنة وهرجاً)) قالوا:
يا رسول الله الفتنة قد عرفناها فما الهرج؟ قال: ((بلسان الحبشة القتل)) قال: ((ويلقى بين الناس
التناكر، فلا يكاد أحد يعرف أحداً))(٢) لم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة من هذا الوجه.
وقال وكيع: حدثنا ابن أبي خالد، عن طارق بن شهاب قال: كان رسول الله وَ#* لا يزال
يذكر من شأن الساعة حتى نزلت: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّنَ مُرْسَهًا﴾ الآية، ورواه النسائي من
حديث عيسى بن يونس عن إسماعيل بن أبي خالد به(٣)، وهذا إسناد جيد قوي.
فهذا النبي الأمي سيد الرسل وخاتمهم محمد صلوات الله عليه وسلامه نبي الرحمة ونبي التوبة
ونبي الملحمة والعاقب والمقفِّي والحاشر الذي تحشر الناس على قدميه، مع قوله فيما ثبت عنه
في الصحيح من حديث أنس وسهل بن سعد ◌ًا: ((بعثت أنا والساعة كهاتين)) وقرن بين أصبعيه
السبابة والتي تليها (٤)، ومع هذا كله قد أمره الله أن يردّ علم وقت الساعة إليه إذا سئل عنها،
فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ .
] ﴿قُل لََّ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلَا ضَرَّا إِلَّا مَا شَآءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاُسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ
وَمَا مَسَّفِىَ السُّوَّةِ إِنْ أَنَاْ إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
أمره الله تعالى أن يفوض الأمور إليه، وأن يخبر عن نفسه أنه لا يعلم الغيب المستقبل ولا
(١) تقدم تخريجه وتحسينه في تفسير سورة النساء آية ١٥٩ ضمن ذكر الأحاديث الواردة في نزول عيسى بن مريم
إلى الأرض من السماء. وقد ضعفه محققو المسند ٢٠/٦ (ح٣٥٥٦)، لأنهم جعلوا مؤثر بن عفازة
مجهولاً، وقد ردّ على مثل هذه المقالة الإمام الحاكم كما فَصِّل هناك.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٣٥/٣٨ ح ٢٣٣٠٦)، وصحح سنده محققوه لغيره بالشواهد لأن
إياد بن لَقيط لم يسمع حذيفة.
(٣) أخرجه الطبري من طريق وكيع به، وأخرجه النسائي من طريق عيسى بن يونس عن ابن أبي خالد به (السنن
الكبرى ح ١١٦٤٥)، وله شاهد أخرجه الحاكم من حديث عائشة رضينا وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك
٥١٣/٢)، ولهذا قال عنه الحافظ ابن كثير: إسناد جيد قوي.
(٤) حديث أنس أخرجه البخاري، الصحيح، الرقاق، باب قول النبي وَّر: بعثت أنا والساعة كهاتين
(ح٦٥٠٤)، ومسلم، الصحيح، الفتن، باب قرب الساعة (ح٢٩٥١)، وحديث سهل أخرجه البخاري،
الصحيح الباب السابق (ح٦٥٠٣)، ومسلم، الصحيح، الباب السابق (ح ٢٩٥٠).

١٣٤
• سُوَّةُ الْأََّرَافِ (١٨٩، ١٩٠)
اطلاع له على شيء من ذلك إلا بما أطلعه الله عليه، كما قال تعالى: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىَ
غَيِّبِهِ: أَحَدًّا ® إِلَّا مَنِ أَرْتَضَى مِن رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، رَصَدًا (٣)﴾ [الجن].
وقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ .
قال عبد الرزاق: عن الثوري، عن منصور، عن مجاهد: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَأَسْتَكْثَتُ مِنَ
الْخَيْرِ﴾ قال: لو كنت أعلم متى أموت لعملت عملاً صالحاً (١). وكذا روى ابن أبي نجيح عن
مجاهد(٢)، وقال مثله ابن جريج(٣)، وفيه نظر لأن عمل رسول الله * كان ديمة(٤)، وفي رواية:
كان إذا عمل عملاً أثبته(٥)، فجميع عمله كان على منوال واحد كأنه ينظر إلى الله ◌َ في جميع
أحواله، اللّهم إلا أن يكون المراد أن يرشد غيره إلى الاستعداد لذلك، والله أعلم. والأحسن في
هذا ما رواه الضحاك عن ابن عباس: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَأَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ أي: من المال(٦).
وفي رواية: لعلمت إذا اشتريت شيئاً ما أربح فيه، فلا أبيع شيئاً إلا ربحت فيه ﴿وَمَا مَسَّنِىَ
السُّوَهُ﴾ ولا يصيبني الفقر(٧).
وقال ابن جرير: وقال آخرون: معنى ذلك لو كنت أعلم الغيب لأعددت للسنة المجدبة من
المخصبة ولوقت الغلاء من الرخص، فاستعددت له من الرخص(٨).
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿وَمَا مَسَّفِىَ السُّوءُ﴾ قال: لاجتنبت ما يكون من الشرّ قبل
أن يكون واتقيته(٩) .
ثم أخبر أنه إنما هو نذير وبشير، أي نذير من العذاب وبشير للمؤمنين بالجنات، كما قال
تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَهُ بِلِسَانِكَ لِتُّبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ، قَوْمًا لََّّا ﴾﴾ [مريم].
﴿ هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسِ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَفَشَّنَهَا حَمَلَتْ
فَلَمَّاً
حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ، فَلَّا أَنْقَلَتَ دَعَوَا ◌َللَّهَ رَبَّهُمَا لَإِنْ ءَاتَيْتَنَا صَلِحًا لَّتَكُونَنَّ مِنَ الشَِّكِينَ
ءَاتَمُهُمَا صَلِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَّكَ فِيمَآ ءَاتَنُهُمَاً فَتَعَلَى اللّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
ينبّه تعالى على أنه خلق جميع الناس من آدم ظلّ *. وأنه خلق منه زوجته حواء ثم انتشر الناس
منهما، كما قال تعالى: ﴿يَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَفْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبد الرزاق به.
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح به.
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف ويشهد له سابقه.
(٤) أخرجه البخاري بسنده عن عائشة كان عمله ديمه (الصحيح، الصوم، باب هل يخص شيئاً من الأيام ؟
ح١٩٨٧)، وأخرجه مسلم (الصحيح، باب فضيلة العمل الدائم ... ح-٧٨٣).
(٥) أخرجه أبو داود بسنده عن عائشة (السنن، الصلاة، باب ما يؤمر من القصد في الصلاة ح ١٣٦٨)، وصححه
الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح١٢١٩).
(٦) (٧) أخرجهما ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق الضحاك به، وهو لم يلق ابن عباس.
(٨) ذكره الطبري بنحوه.
(٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن.

١٣٥
• سُوَرَّةُ الأَّغَراف (١٨٩، ١٩٠)
0000000000000000000000000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 000 000 000000
أَكْرَ مَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَفْسٍ
وَحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ الآية [النساء: ١]، وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ
إِلَيْهًا﴾ أي: ليألفها ويسكن بها، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجًا
لِتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ قَوَدَّةٌ وَرَحْمَةٌ﴾ [الروم: ٢١] فلا ألفة بين روحين أعظم مما بين
الزوجين، ولهذا ذكر تعالى أن الساحر ربما توصل بكيده إلى التفرقة بين المرء وزوجه ﴿فَلَمَّا
تَفَشَّنهَا﴾ أي: وطئها ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ وذلك أول الحمل لا تجد المرأة له ألماً، إنما هي
النطفة ثم العلقة ثم المضغة.
وقوله: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ قال مجاهد: استمرت بحمله(١)، وروي عن الحسن وإبراهيم النخعي
والسدي نحوه(٢).
وقال [عمرو بن](٣) ميمون بن مهران عن أبيه: استخفته(٤). وقال أيوب: سألت الحسن عن
قوله: ﴿فَمَرَّتْ بِّهِ ﴾ قال: لو كنت رجلاً عربياً لعرفت ما هي إنما هي فاستمرّت(٥) به. وقال
قتادة: ﴿فَمَرَّتْ بِّ﴾ استبان حملها(٦).
وقال ابن جرير: معناه استمرت بالماء قامت به وقعدت(٧).
وقال العوفي عن ابن عباس: استمرت به فشكّت أحملت أم لا؟(٨) ﴿فَلَمَآ أَثْقَلَت﴾ أي: صارت
ذات ثقل بحملها. وقال السدي: كبر الولد في بطنها(٩) ﴿دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَبِنْ ءَاتَيْتَنَا صَلِحًا﴾ أي:
بشراً سوياً، كما قال الضحاك عن ابن عباس: أشفقا أن يكون بهيمة (١٠)، وكذلك قال أبو
البَخْتَرِي وأبو مالك: أشفقا أن لا يكون إنساناً (١١).
وقال الحسن البصري: لئن آتيتنا غلاماً ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الشََّكِنَ ﴿٨) فَلَّآ ءَاتَنُهُمَا صَلِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَّكَآءَ
فِيمَآ ءَاتَنُهُمَأَ فَتَعَلَى اَللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣)﴾ (١٢). ذكر المفسرون لههنا آثاراً وأحاديث سأوردها وأبين
ما فيها، ثم نتبع ذلك ببيان الصحيح في ذلك إن شاء الله وبه الثقة.
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٢) قول الحسن أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من
طريق أسباط عنه.
(٣) ما بين معقوفين زيادة من تفسير ابن أبي حاتم، إذ تفرد به ابن أبي حاتم بذلك، وذكره السيوطي ونسبه إلى
ابن أبي حاتم فقط.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عمرو بن ميمون بن مهران عن أبيه.
(٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن الحسن.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.
(٧) ذكره الطبري بلفظه.
(٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.
(٩) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(١٠) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق الضحاك به، لأنه لم يلق ابن عباس.
(١١) ذكرهما ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول أبي البختري أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر.
(١٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن الحسن.

١٣٦
سُورَةُ الأَغَرَافِ (١٨٩، ١٩٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا عبد الصمد، حدثنا عمر بن إبراهيم، حدثنا قتادة، عن
الحسن، عن سمرة، عن النبي - 98 قال: ((لما ولدت حواء طاف بها إبليس، وكان لا يعيش لها
ولد، فقال: سميه عبد الحارث فإنه يعيش، فسمته عبد الحارث فعاش، وكان ذلك من وحي
الشيطان وأمره))(١). وهكذا رواه ابن جرير، عن محمد بن بشار بندار، عن عبد الصمد بن
عبد الوارث به، ورواه الترمذي في تفسير هذه الآية، عن محمد بن المثنى، عن عبد الصمد به،
وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عمر بن إبراهيم، ورواه بعضهم عن
عبد الصمد ولم يرفعه. ورواه الحاكم في مستدركه من حديث عبد الصمد مرفوعاً، ثم قال: هذا
حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. ورواه الإمام أبو محمد بن أبي حاتم في تفسيره عن أبي
زرعة الرازي، عن هلال بن فياض، عن عمر بن إبراهيم به مرفوعاً (٢).
وكذا رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره من حديث شاذ بن فياض، عن عمر بن
إبراهيم مرفوعاً، قلت: وشاذ هو هلال، وشاذ لقبه، والغرض أن هذا الحديث معلول من ثلاثة
أوجه :
(أحدها): أن عمر بن إبراهيم هذا هو البصري وقد وثقه ابن معين، ولكن قال أبو حاتم
الرازي: لا يحتج به، ولكن رواه ابن مردويه من حديث المعتمر، عن أبيه، عن الحسن، عن
سمرة مرفوعاً (٣)، فالله أعلم.
(الثاني): أنه قد روي من قول سمرة نفسه ليس مرفوعاً، كما قال ابن جرير: حدثنا ابن
عبد الأعلى، حدثنا المعتمر، عن أبيه، [حدثنا بكر بن عبد الله بن سليمان التيمي] (٤) عن أبي
العلاء بن الشخير، عن سمرة بن جندب قال: سمى آدم ابنه: عبد الحارث(٥).
(الثالث): أن الحسن نفسه فسّر الآية بغير هذا، فلو كان هذا عنده عن سمرة مرفوعاً لما عدل عنه.
قال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا سهل بن يوسف، عن عمرو، عن الحسن: ﴿جَعَلَاً لَهُ
شُرَّكَ فِيمَآ ءَاتَنهُمَا﴾ قال: كان هذا في بعض أهل الملل ولم يكن بآدم(٦).
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٠٥/٣٣ ح٢٠١١٧)، وضعفه محققوه لضعف رواية عمر بن
إبراهيم عن قتادة. اهـ.
وقال الذهبي: حديث منكر (ميزان الاعتدال ت٦٠٤٢)، وقد سرد علله الحافظ ابن كثير كما سيأتي.
تنبيه: الضمير في قوله تعالى: ﴿جَعَلَا﴾ يعود إلى المشركين من ذرية آدم وحواء. وهذه الآية من قبيل
الموصول لفظاً المقطوع معنى (ينظر الاتقان في علوم القرآن النوع التاسع والعشرون ١١٨/١).
(٢) تفسير الطبري وسنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الأعراف (ح٣٠٧٧) والمستدرك ٥٤٥/٢.
(٣) وفيه أيضاً الحسن وسماعه لهذا الحديث عن سمرة لم يثبت.
(٤) ما بين معقوفين كذا في النسخ الخطية وأراه مقحماً فإن النسخ المحققة والمطبوعة من تفسير الطبري لا
يوجد فيها هذا الاسم، وكذلك فإن والد معتمر هو سليمان بن طرخان يروي مباشرة عن أبي العلاء بن
الشخير ويروي عنه ابنه كما في (تهذيب التهذيب ٢٠١/٤).
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه ولكن بدون ذكر بكر بن عبد الله بن سليمان التيمي.
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصحح سنده الحافظ ابن كثير، مع أن فيه ابن وكيع وهو سفيان فيه مقال
ولعله قواه بالذي يليه، لأن الذي يليه صحيح السند.

١٣٧
، سُورَةُ الأَغَافَ (١٨٩، ١٩٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وحدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر قال: قال الحسن: عنى بها
ذرية آدم ومن أشرك منهم بعده يعني: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَّكَآءَ فِيمَآ ءَاتَنهُمَاأَ﴾(١).
وحدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: كان الحسن يقول: هم اليهود،
والنصارى رزقهم الله أولاداً فهودوا ونصروا(٢). وهذه أسانيد صحيحة عن الحسن رضيُبه أنه فسّر
الآية بذلك، وهو من أحسن التفاسير وأولى ما حملت عليه الآية، ولو كان هذا الحديث عنده
محفوظاً عن رسول الله و * لما عدل عنه هو ولا غيره ولا سيما مع تقواه لله وورعه، فهذا يدلك
على أنه موقوف على الصحابي، ويحتمل أنه تلقاه من بعض أهل الكتاب من آمن منهم مثل كعب
أو وهب بن منبه وغيرهما، كما سيأتي بيانه إن شاء الله إلا أننا برئنا من عهدة المرفوع، والله أعلم.
فأما الآثار فقال محمد بن إسحاق بن يسار: عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن
عباس قال: كانت حواء تلد لآدم عليه أولاداً، فيعبدهم الله ويسميهم عبد الله وعبيد الله ونحو
ذلك، فيصيبهم الموت، فأتاهما إبليس فقال: إنكما لو سميتماه بغير الذي تسميانه به لعاش،
قال: فولدت له رجلاً فسماه عبد الحارث، ففيه أنزل الله يقول الله: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسِ
وَحِدَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَّكَةَ فِيمَآ ءَاتَنُهُمَاً﴾ إلى آخر الآية(٣).
وقال العوفي، عن ابن عباس قوله في آدم: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسِ وَحِدَةٍ﴾ - إلى قوله -:
﴿فَمَرَّتْ بِّ﴾ شكت أحملت أم لا؟ ﴿فَلَّا أَنْقَلَتَ دَّعَوَ اللَّهَ رَّهُمَا لَبِنْ ءَاتَيْتَنَا صَلِحًا لَّتَكُونَنَّ مِنَ
الشَّكِينَ﴾ فأتاهما الشيطان، فقال: هل تدريان ما يولد لكم؟ أم هل تدريان ما يكون أبهيمة أم
لا؟ وزين لهما الباطل، إنه غوي مبين، وقد كانت قبل ذلك ولدت ولدين فماتا، فقال لهما
الشيطان: إنكما إن لم تسمياه بي لم يخرج سوياً ومات كما مات الأول، فسميا ولدهما
عبد الحارث، فذلك قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّآ ءَاتَنُهُمَا صَِحًا جَعَلَا لَهُمْ شُرَّكَةَ فِيمَآ ءَاتَنُهُمَاً﴾ الآية(٤).
وقال عبد الله بن المبارك، عن شريك، عن خصيف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في
قوله: ﴿فَلَمَّ ءَاتَنُهُمَا صَلِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَّكَ فِيمَآ ءَاتَنُهُمَاً﴾ قال: قال الله تعالى: ﴿هُوَ اَلَّذِى خَلَقَكُم مِّن
نَّفْسِ وَحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَاً فَلَمَّا تَغَشَنُهَا﴾ آدم ﴿حَمَلَتْ﴾ فأتاهما إبليس لعنه الله
فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة لتطيعاني أو لأجعلنّ له قرني إيل فيخرج من
بطنك فيشقه، ولأفعلنّ ولأفعلنّ يخوفهما، فسمياه عبد الحارث فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتاً، ثم
حملت الثانية فأتاهما أيضاً فقال: أنا صاحبكما الذي فعلت ما فعلت لتفعلنّ أو لأفعلنّ يخوفهما
فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتاً، ثم حملت الثالثة فأتاهما أيضاً فذكر لهما فأدركهما حبُّ الولد فسمياه
عبد الحارث، فذلك قوله تعالى: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَّكَاةَ فِيمَآ ءَاتَنْهُمَأَ﴾ رواه ابن أبي حاتم(٥).
وقد تلقى هذا الأثر عن ابن عباس من أصحابه كمجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة، ومن الطبقة
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٣) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وسنده ضعيف لأن ابن إسحاق مدلس ولم يصرح بالسماع،
وداود بن الحصين ثقه إلا في عكرمة.
(٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن المبارك به، وسنده ضعيف لأن كلاً من شريك وخصيف فيهما مقال.

١٣٨
سُورَةُ الأَغَافِ (١٩١، ١٩٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الثانية قتادة والسدي وغير واحد من السلف وجماعة من الخلف، ومن المفسرين من المتأخرين
جماعات لا يحصون كثرة، وكأنه - والله أعلم - أصله مأخوذ من أهل الكتاب، فإن ابن عباس
رواه عن أُبي بن كعب، كما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الجماهر، حدثنا سعيد
- يعني: ابن بشير -، عن عقبة، عن قتادة، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب قال:
لما حملت حواء أتاها الشيطان فقال لها: أتطيعيني ويسلم لك ولدك، سميه عبد الحارث، فلم
تفعل، فولد فمات، ثم حملت فقال لها مثل ذلك فلم تفعل، ثم حملت الثالثة فجاءها فقال: إن
تطيعيني يسلم وإلا فإنه يكون بهيمة، فهيّهما فأطاعا(١).
وهذه الآثار يظهر عليها - والله أعلم - أنها من آثار أهل الكتاب، وقد صحّ الحديث عن
رسول الله ولو أنه قال: ((إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم))(٢)، ثم أخبارهم على
ثلاثة أقسام، فمنها ما علمنا صحته بما دل عليه الدليل من كتاب الله أو سنة رسوله، ومنها ما علمنا
كذبه بما دل على خلافه من الكتاب والسنة أيضاً، ومنها ما هو مسكوت عنه فهو المأذون في روايته
بقوله : ((حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج))(٣) وهو الذي لا يصدق ولا يكذب لقوله: ((فلا
تصدقوهم ولا تكذبوهم)) وهذا الأثر هو من القسم الثاني أو الثالث فيه نظر، فأما من حدث به من
صحابي أو تابعي فإنه يراه من القسم الثالث، وأما نحن فعلى مذهب الحسن البصري تَخّْتُهُ في هذا،
وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء، وإنما المراد من ذلك المشركون من ذريته، [فذكر آدم
وحواء أولاً كالتوطئة لما بعدهما من الوالدين وهو كالاستطراد من ذكر الشخص إلى الجنس،
كقوله: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَا السَّمَةَ الذُّنَا بِمَصَطِيحَ﴾ الآية [الملك: ٥]، ومعلوم أن المصابيح وهي النجوم التي
زينت بها السماء ليست هي التي يرمى بها، وإنما هذا استطراد من شخص المصابيح إلى جنسها،
لهذا نظائر كثيرة في القرآن، والله أعلم] (٤).
ولهذا قال الله: ﴿فَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ثم قال:
﴿أَيْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٨) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَّ أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (٢) وَإِن
﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ
تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَآءُ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُوُهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَمِتُونَ
عِبَادُ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُمْ صَدِقِينَ ﴿ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَاْ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ
يَبْطِشُونَ بِهَاْ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يَبْصِرُونَ بِهَاْ أَمْ لَهُمْ ءَذَاتٌ يَسْمَعُونَ بِهِاْ قُلِ ادْعُواْ شُرَّكَءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا نُظِرُونِ
وَاُلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ، لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ
١) إِنَّ وَلِقِىَ اَللّهُ الَّذِى نَزَّلَ الْكِنَبِّ وَهُوَ يَتَوَلَى الصَّلِينَ
١٩٥
١٩٨
وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (٢) وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُواْ وَتَرَنَّهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ
هذا إنكار من الله على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره من الأنداد والأصنام والأوثان، وهي
مخلوقة لله مربوبة مصنوعة، لا تملك شيئاً من الأمر ولا تضرّ ولا تنفع، ولا تبصر ولا تنتصر
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف سعيد بن بشير.
(٢) تقدم تخريجه في تفسر سورة البقرة آية ١٣٦.
(٣) أخرجه البخاري من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص (الصحيح، الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل
ح ٣٤٦١).
(٤) ما بين معقوفين زيادة من (عم) و(مح).

١٣٩
• سُوْدَّةُ الأَغَافِ (١٩١، ١٩٨)
العابديها، بل هي جماد لا تتحرك ولا تسمع ولا تبصر، وعابدوها أكمل منها بسمعهم وبصرهم
وبطشهم، ولهذا قال: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٣)﴾ أي: أتشركون به من المعبودات ما
لا يخلق شيئاً ولا يستطيع ذلك، كقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُواْ لَهُّ إِنَّ الَّذِينَ
تَّدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوْ ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُواْ لَهِّ وَإِن يَسْلُهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ
الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٣َ مَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِيَةٍ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزُ ﴾﴾ [الحج] أخبر تعالى أن
آلهتهم لو اجتمعوا كلهم ما استطاعوا خلق ذبابة، بل لو سلبتهم الذبابة شيئاً من حقير المطاعم
وطارت، لما استطاعوا إنقاذه منها، فمن هذه صفته وحاله كيف يعبد ليرزق ويستنصر؟ ولهذا قال
تعالى: ﴿لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ أي: بل هم مخلوقون مصنوعون كما قال الخليل: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا
ج﴾ [الصافات].
نَنْحِتُونَ (9) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ
ثم قال تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾ أي: لعابديهم ﴿وَلَّ أَنْفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ يعني: ولا
لأنفسهم ينصرون ممن أرادهم بسوء، كما كان الخليل عليه الصلاة والسلام يكسر أصنام قومه
(٩)﴾ [الصافات] وقال
﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبَا بِالْيَمِينِ
ويهينها غاية الإهانة كما أخبر تعالى عنه في قوله:
تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَذًا إِلَّا كَبِيرًا لَُّمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ ﴾﴾ [الأنبياء] وكما كان معاذ بن
عمرو بن الجموح ومعاذ بن جبل ها، وكانا شابّين قد أسلما لما قدم رسول الله وَطير المدينة،
فكانا يعدوان في الليل على أصنام المشركين يكسرانها ويتلفانها ويتخذانها حطباً للأرامل ليعتبر
قومهما بذلك ويرتؤوا لأنفسهم، فكان لعمرو بن الجموح - وكان سيداً في قومه - صنم يعبده
ويطيّبه، فكانا يجيئان في الليل فينكسّانه على رأسه ويلطخّانه بالعذرة، فيجيء عمرو بن الجموح
فيرى ما صنع به، فيغسله ويطيّبه ويضع عنده سيفاً ويقول له: انتصر، ثم يعودان لمثل ذلك،
ويعود إلى صنيعه أيضاً، حتى أخذاه مرّة فقرناه مع جرو كلب ميّت، ودلّياه في حبل في بئر
هناك، فلما جاء عمرو بن الجموح ورأى ذلك نظر فعلم أن ما كان عليه من الدين باطل، وقال:
تاللّه لو كنت إلهاً مُستدن لم تكُ والكلب جميعاً في قرن(١)
ثم أسلم فحسن إسلامه، وقتل يوم أُحد شهيداً رضي الله عنه(٢) وأرضاه وجعل جنّة الفردوس
مأواه.
وقوله: ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَِّعُوكُمْ﴾ الآية، يعني: أن هذه الأصنام لا تسمع دعاء من
دعاها، وسواء لديها من دعاها ومن دحاها، كما قال إبراهيم: ﴿يَأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ
وَلَا يُغْنِى عَنَكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢]. ثم ذكر تعالى أنها عبيد مثل عابديها أي مخلوقات مثلهم، بل
الأناس أكمل منها لأنها تسمع وتبصر وتبطش، وتلك لا تفعل شيئاً من ذلك.
وقوله: ﴿قُلِ آَدْعُواْ شُرَّكَّكُمْ﴾ الآية، أي: استنصروا بها علي فلا تؤخروني طرفة عين، واجهدوا
جهدكم ﴿إِنَّ وَلِقِىَ اَللَّهُ الَّذِىِ نَزَّلَ الْكِنَبِّ وَهُوَ يَوَلَّى الصَّلِينَ ﴾ أي: الله حسبي وكافني، وهو
(١) هذه القصة والرجز رواها ابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام ٦/ ٣٥٤، وذكرها ابن الأثير عن ابن إسحاق
(أسد الغابة ٢٠٧/٤).
(٢) ينظر الإصابة لابن حجر ٧ / ٩٤ - ٩٥.

١٤٠
• سُوَدَّةُ الأَغَافِ (١٩٩، ٢٠٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
نصيري وعليه مُتّكلي وإليه ألجأ، وهو ولييّ في الدنيا والآخرة، وهو وليّ كل صالح بعدي، وهذا
كما قال هودلعلَّ* لما قال له قومه: ﴿إِن نَّقُولُ إِلَّ اعْتَرَكَ بَعْضُ ءَالِهَتِّنَا بِسُوءُ قَالَ إِنَّ أُشْهِدُ اللَّهَ وَأَشْهَدُوّا
أَنِ بَرِىٌّ مِّمَا تُشْرِكُونَ (@ مِن دُونِ، فَكِيدُونِى جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُظِرُونِ ﴿ إِ تَوَكَلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبٍِّ وَرَبِّكُمْ مَّا مِن
دَآبَةٍ إِلَّ هُوَ ءَاخِذُ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِ عَلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٧)﴾ [هود] وكقول الخليل: ﴿قَالَ أَفَّهَيْتُم مَّا
كُمْ تَعْبُدُونَ ﴿ أَنْتُمْ وَمَابَاؤُكُمُ الْأَقْدَعُونَ ﴿٨ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيَّ إِلَّا رَبَّ الْعَلَمِينَ * الَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ يَدِينِ
(٧)) الآيات [الشعراء]، وكقوله لأبيه وقومه: ﴿إِنَّنِى بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِى فَطَرَبِ فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ
وَجَعَلَهَا كَلِمَةٌ بَافِيَّةٌ فِى عَقِبِهِ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (﴾﴾ [الزخرف].
W
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ إلى آخر الآية، مؤكد لما تقدم إلا أنه بصيغة الخطاب وذلك
بصيغة الغيبة، ولهذا قال: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَّ أَنْفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾، وقوله: ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى
الْمُدَى لَا يَسْمَعُواْ وَتَرَنَّهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُصِرُونَ (٣٨)﴾ كقوله تعالى: ﴿إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُواْ دُعَلَكُرُ
وَلَوْ سَمِعُواْ مَا أَسْتَجَابُوْ لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾﴾ [فاطر].
وقوله: ﴿وَتَرَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُصِرُونَ﴾ إنما قال: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ أي: يقابلونك بعيون
مصورة كأنها ناظرة وهي جماد، ولهذا عاملهم معاملة من يعقل لأنها على صورة مصورة
كالإنسان وتراهم ينظرون إليك، فعبّر عنها بضمير من يعقل.
وقال السدي: المراد بهذا المشركون(١)، وروي عن مجاهد نحوه(٢)، والأول أولى، وهو
اختيار ابن جرير، وقاله قتادة(٣).
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَنِ نَزْعٌ فَأَسْتَعِذْ
] ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُرْ بِلْعُرْفِ وَأَعْرِضِ عَنِ الْجَهِلِينَ
◌ِلَّهِ إِنَّهُ سَمِيعُ عَلِيمُ (®)﴾.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ يعني: خذ ما عفي لك من أموالهم
وما أتوك به من شيء فخذه، وكان هذا قبل أن تنزل براءة بفرائض الصدقات وتفصيلها وما انتهت
إليه الصدقات(٤)، وقاله السدي(٥).
وقال الضحاك، عن ابن عباس: ﴿خُذِ اٌلْعَفْوَ﴾ أنفق الفضل(٦).
وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ قال: الفضل.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾: أمره الله بالعفو والصفح عن
المشركين عشر سنين، ثم أمره بالغلظة عليهم(٧)، واختار هذا القول ابن جرير. وقال: غير واحد
(١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٣) لم أجده مروياً عن قتادة.
(٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.
(٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق الضحاك به، لأن الضحاك لم يلق ابن عباس.
(٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن.