النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ • سُورَةُ الأَغَرَافِ (١٥٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 ] ﴿قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَآّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُخْىِ وَيُمِيثٌ فَقَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّ الَّذِى يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَتِهِ، وَأَتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ١٥٨ يقول تعالى لنبيه ورسوله محمد رَله: ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ﴾ وهذا خطاب للأحمر والأسود والعربي والعجمي ﴿إِنِّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ أي: جميعكم وهذا من شرفه وعظمته وَ ﴿ أنه خاتم النبيين وأنه مبعوث إلى الناس كافة كما قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللّهُ شَهِيدٌ بَيْنى وَبَيْنَكُمْ وَأُوْجِىَ إِلَ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَّكُمْ بِهِ، وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ، مِنَ اُلْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧] وقال تعالى: ﴿وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ وَالْأُمِنِّينَ ءَأَسْلَمْثُمَّ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ أَهْتَدَواْ وَإِن تَوَلَّا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَغُ﴾ [آل عمران: ٢٠] والآيات في هذا كثيرة كما أن الأحاديث في هذا أكثر من أن تحصر، وهو معلوم من دين الإسلام ضرورة أنه صلوات الله وسلامه عليه رسول الله إلى الناس كلهم. قال البخاري تَخُّْ في تفسير هذه الآية: حدثنا عبد الله، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن وموسى بن هارون قالا: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا عبد الله بن العلاء بن زبر، حدثني بُشْر بن عبيد الله، حدثني أبو إدريس الخولاني قال: سمعت أبا الدرداء به يقول؛ كانت بين أبي بكر وعمر ظه محاورة فأغضب أبو بكر عمر فانصرف عنه عمر مغضباً، فأتبعه أبو بكر يسأله أن يستغفر له فلم يفعل حتى أغلق بابه في وجهه، فأقبل أبو بكر إلى رسول الله وَله فقال أبو الدرداء ونحن عنده فقال رسول الله وَلجر: ((أما صاحبكم هذا فقد غامر)) أي: غاضب وحاقد. قال: وندم عمر على ما كان منه، فأقبل حتى سلّم وجلس إلى النبي وَّه وقصّ على رسول الله وَّو الخبر. قال أبو الدرداء: فغضب رسول الله وَ﴿ وجعل أبو بكر يقول: والله يا رسول الله لأنا كنت أظلم. فقال رسول الله وسلم: ((هل أنتم تاركو لي صاحبي؟ إني قلت: يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً، فقلتم: كذبت. وقال أبو بكر صدقت)) انفرد به البخاري(١). وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا عبد العزيز بن مسلم، حدثنا يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس مرفوعاً أن رسول الله وَ ل﴿ قال: «أعطيت خمساً لم يعطهنّ نبي قبلي ولا أقوله فخراً بعثت إلى الناس كافة الأحمر والأسود، ونصرت بالرعب مسيرة شهر، وأحلّت لي الغنائم ولم تحلّ لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً وأعطيت الشفاعة فأخّرتها لأمتي يوم القيامة، فهي لمن لا يشرك بالله شيئاً))(٢) إسناد جيد ولم يخرجوه. وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا بكر بن مضر، عن ابن الهاد، عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده أن رسول الله وَ ◌ّ عام غزوة تبوك قام من الليل يصلي فاجتمع (١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿قُلْ يَكَأَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنِ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ... ﴾ [الأعراف: ١٥٨] ح ٤٦٤٠). (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٧٢/٤ ح ٢٧٤٣) وحسنه محققوه بالمتابعة، ولهذا جود سنده الحافظ ابن كثير. ١٠٢ • سُورَةُ الْأَّغراف (١٥٨) وراءه رجال من أصحابه يحرسونه حتى إذا صلى انصرف إليهم فقال لهم: ((لقد أعطيت الليلة خمساً ما أعطيهنّ أحد قبلي أمّا أنا فأرسلت إلى الناس كلِّهم عامّة، وكان من قبلي إنما يرسل إلى قومه، ونصرت على العدو بالرعب ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر لمُلئ مني رعباً وأحلّت لي الغنائم أكلها، وكان من قبلي يعظمون أكلها كانوا يحرقونها، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً أينما أدركتني الصلاة تمسحّت وصلّيت، وكان من قبلي يعظمون ذلك إنما كانوا يصلون في بيعهم وكنائسهم، والخامسة هي ما هي قيل لي: سلّ، فإن كل نبي قد سأل، فأخرّت مسألتي إلى يوم القيامة فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلا الله))(١) إسناد جيد قوي أيضاً ولم يخرجوه. وقال أيضاً: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن أبي موسى الأشعري حظ ◌ُبه عن رسول الله وَلّ قال: ((من سمع بي من أمتي أو يهودي أو نصراني فلم يؤمن بي لم يدخل الجنة)) (٢) وهذا الحديث في صحيح مسلم من وجه آخر عن أبي موسى قال: قال رسول الله وَّر: ((والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار))(٣). وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو يونس - وهو: سليم بن جبير -، عن أبي هريرة، عن رسول الله وَّيقول أنه قال: ((والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني ثم يموت ولا يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار)) (٤) تفرد به أحمد. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى به قال: قال رسول الله وَله: ((أُعطيت خمساً: بُعثت إلى الأحمر والأسود، وجُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأُحلت لي الغنائم ولم تحل لمن كان قبلي، ونُصرت بالرعب مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة وليس من نبي إلا وقد سأل الشفاعة، وإني قد اختبأت شفاعتي ثم جعلتها لمن مات من أُمتي لم يشرك بالله شيئاً))(٥). وهذا أيضاً إسناد صحيح ولم أرهم خرجوه والله أعلم، وله مثله من حديث ابن عمر بسند جيد أيضاً، وهذا الحديث ثابت في الصحيحين أيضاً من حديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله وَّ: ((أُعطيت خمساً لم يطعهنّ أحد من الأنبياء قبلي: نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أُمتي أدركته الصلاة فليصلّ، وأحلّت لي الغنائم ولم تحلّ لأحد قبلي، وأُعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه وبعثت إلى الناس عامة))(٦). (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦٣٩/١١ ح ٧٠٦٨)، وحسن سنده محققوه، وصححه المنذري (الترغيب ٤٣٢/٤). (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٠٥/٣٢ ح ١٩٥٣٦) وقال محققوه: صحيح لغيره. (٣) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة وليس عن أبي موسى الأشعري (الصحيح، الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد * ح ١٥٣). (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٣٥٠)، وأخرجه مسلم من طريق عمرو عن أبي يونس به (المصدر السابق). (٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤١٦/٤)، وصحح سنده الحافظ ابن كثير. (٦) صحيح البخاري، كتاب التيمم (ح٣٣٥) وصحيح مسلم، المساجد (ح٥٢١). ١٠٣ • سُورَةُ الأَغْرَافِ (١٥٩) وقوله: ﴿الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحِىِ وَيُمِتٌ﴾ صفة الله تعالى في قوله ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾ أي: الذي أرسلني هو خالق كل شيء وربه ومليكه الذي بيده الملك والإحياء والإماتة وله الحكم. وقوله: ﴿فَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّ﴾ أخبرهم أنه رسول الله إليهم ثم أمرهم باتباعه والإيمان به ﴿النَّبِّ الْأُمِّيّ﴾ أي: الذي وعدتم به وبشرتم به في الكتب المتقدمة فإنه منعوت بذلك في كتبهم، ولهذا قال ﴿النَّبِيِّ الْأُمِّ﴾ . وقوله: ﴿الَّذِى يُؤْمِبُ بِاللَّهِ وَكَلِمَتِهِ﴾ أي يصدق قوله عمله، وهو يؤمن بما أنزل إليه من ربه ﴿وَأَتَّبِعُوهُ﴾ أي اسلكوا طريقه واقتفوا أثره ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أي إلى الصراط المستقيم . ] ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَىّ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ، يَعْدِلُونَ ٠ ١٥٩٦ يقول تعالى مخبراً عن بني إسرائيل أن منهم طائفة يتبعون الحق ويعدلون به كما قال تعالى: ﴿مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ أُمَّةٌ قَبِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَتِ اَللَّهِ ءَانَآءَ الَّلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣] وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ... ﴾ [آل عمران: ١٩٩] وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَيْتَهُمُ الْكِتَبَ مِن قَبْلِهِ، هُم بِ يُؤْمِنُونَ ﴿﴿ وَإِذَا يُثْلَى عَلَِمْ قَالْوَاْ ءَامَنَا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ تَيِّنََّ إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ، مُسْلِمِينَ ﴿﴿ أُوْلَئِكَ يُؤْتَوّنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ الآية [القصص]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَيِةٍ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِمْ﴾ الآية [البقرة: ١٢١] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُونَ لِلْأَذْقَنِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَنَ رَبِّناً إِن كَانَ وَعْدُ رَيْنَا وَيَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ يَتَكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعً (﴾﴾ [الإسراء]. لَمَفْعُولًا وقد ذكر ابن جرير في تفسیرها خبراً عجيباً فقال: حدثنا القاسم، حدثنا الحسین، حدثنا حجاج، عن ابن جريج قوله: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَىّ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ، يَعْدِلُونَ (3)﴾ قال: بلغني أن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم وكفروا وكانوا اثني عشر سبطاً تبرأ سبط منهم مما صنعوا واعتذروا وسألوا الله مك أن يفرق بينهم وبينهم، ففتح الله لهم نفقاً في الأرض، فساروا فيه حتى خرجوا من وراء الصين فهم هنالك حنفاء مسلمين يستقبلون قبلتنا، قال ابن جريج: قال ابن عباس فذلك قوله: ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِىّ إِسْرَّغِيلَ أَسْكُنُواْ أَلْأَرْضَ فَإِذَا جَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (٣)﴾ [الإسراء] ووعد الآخرة عيسى ابن مريم قال ابن جريج: قال ابن عباس: ساروا في السَّرب سنة ونصفاً(١). وقال ابن عيينة، عن صدقة أبي الهذيل، عن السدي ﴿وَمِن قَوْمٍ مُوسَىّ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ، يَعْدِلُونَ (3)﴾ قال: قوم بينكم وبينهم نهر من شُهْدِ(٢) (٣). (١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف فقد رواه ابن جريج بلاغاً، وفيه أيضاً الحسين، وهو ابن داود: ضعيف . (٢) نهر من شُهد: يعني نهر من عسل، قاله الأستاذ أحمد شاكر في تعليقه على تفسير الطبري. (٣) أخرجه الطبري من طريق ابن عيينة به، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق حامد بن يحيى عن ابن عيينة به بلفظ : = ١٠٤ سُورَةُ الَّغَافِظ (١٦٠، ١٦٣) · 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 - ﴿وَقَطّعْنَهُمُ أَثْنَتَّ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمَّأْ وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ أُسْتَسْقَلَهُ قَوْمُهُ: أَنِ أَضْرِب بِعَصَاكَ الْحَجَرِّ فَأَنْبَجَسَتْ مِنْهُ أَثْنَتَا عَشْرَةً عَيْنَّا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسِ مَشْرَبَهُمُّ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَمَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَرَنََّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِبَتِ مَا رَزَقْنَكُمُّ وَمَا ظَلَمُوْنَا وَلَكِنْ كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿ وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ أَسْكُنُواْ هَذِهِ الْقَرْبَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِظَةٌ وَأَدْخُلُواْ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ أَلَِّى الْبَابَ سُجَدًا تَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيْئَتِكُّ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (® قِيلَ لَهُمْ فَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ تقدم تفسير هذا كله في سورة البقرة (١) وهي مدنية وهذا السياق مكي، ونبهنا على الفرق بين هذا السياق وذاك بما أغنى عن إعادته هنا. ولله الحمد والمنة. ] ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ أَلَتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِ السَّبْتِ إِذْ تَأْتِهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًاْ وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِذَّ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ هذا السياق هو بسط لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْاْ مِنكُمْ فِ السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ فِرَدَةً خَسِينَ (٥)﴾ [البقرة] يقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه ﴿وَسْتَلْهُمْ﴾ أي: واسأل هؤلاء اليهود الذين بحضرتك عن قصة أصحابهم الذين خالفوا أمر الله، ففاجأتهم نقمته على صنيعهم واعتدائهم واحتيالهم في المخالفة وحذر هؤلاء من كتمان صفتك التي يجدونها في كتبهم لئلا يحلّ بهم ما حلّ بإخوانهم وسلفهم، وهذه القرية هي: أيلة وهي على شاطئ بحر القلزم(٢). قال محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ أَلَِّى كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ قال: هي قرية يقال: لها أيلة بين مدين والطور(٣). وكذا قال عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي(٤). وقال عبد الله بن كثير القارئ: سمعنا أنها أيلة(٥). وقيل: هي مدين وهو رواية عن ابن عباس(٦). وقال ابن زيد: هي قرية يقال لها: مقنا بين مدين وعينونى (٧)(٨). بينكم وبينهم نهر من سهل، قال حامد: سهل نهر من رمل يجري، وكذا نقله السيوطي في الدر المنثور عن = ابن أبي حاتم، وفي سنديهما صدقة أبو الهذيل ذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه (الجرح ٤٣٣/٢). (١) سورة البقرة: ٦٠، ٦١. (٢) أي البحر الأحمر، وتقع في شماله. (٣) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وفيه عنعنة بن إسحاق، وداود ثقة إلا في عكرمة، ولكن معناه صحيح، وتشهد له الآثار التالية. (٤) قول قتادة أخرجه الطبري بسندصحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه. (٥) أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو ابن داود ضعيف، ويتقوى بسابقه. (٦) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس، وداود ثقة إلا في عكرمة، ولعله بسببه الخلاف عن ابن عباس فتارة يروي أنها أيلة كما سبق، وهنا إنها مدين. (٧) هي قرية من قرى بيت المقدس (معجم البلدان ٧٩٥/٣). (٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه. ١٠٥ • سُورَّةُ الْأَغَافِ (١٦٤، ١٦٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقوله: ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِ السَّبْتِ﴾ أي: يعتدون فيه ويخالفون أمر الله فيه لهم بالوصاة به إذ ذاك ﴿إِذْ تَأْتِيِهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾. قال الضحاك، عن ابن عباس: أي ظاهرة على الماء (١). وقال العوفي، عن ابن عباس: ظاهرة من كل مكان (٢). قال ابن جرير، وقوله: ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمَّ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾ أي: نختبرهم بإظهار السمك لهم على ظهر الماء في اليوم المحرم عليهم صيده وإخفائه عنهم في اليوم الحلال لهم صيده ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُم﴾ نختبرهم ﴿بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ يقول: بفسقهم عن طاعة الله وخروجهم عنها، وهؤلاء قوم احتالوا على انتهاك محارم الله بما تعاطوا من الأسباب الظاهرة التي معناها في الباطن تعاطي الحرام(٣). وقد قال الفقيه الإمام أبو عبد الله بن بطة كثّلهُ: حدثنا أحمد بن محمد بن مسلم، حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله وَ لو قال: ((لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل)) (٤). وهذا إسناد جيد فإن أحمد بن محمد بن مسلم هذا ذكره الخطيب في تاريخه ووثقه، وباقي رجاله مشهورون ثقات، ويصحح الترمذي بمثل هذا الإسناد كثيراً. ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوَّمَّا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَثَّقُونَ (٨٤) فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِرُواْ بِهِ أَنْجَيْنَا أَلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوَّهِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَيْسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ (٢٥) فَلَمَّا عَتَوْ عَنْ مَا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُنُواْ قِرَدَةً خَسِينَ يخبر تعالى عن أهل هذه القرية أنهم صاروا إلى ثلاث فرق: فرقة ارتكبت المحذور واحتالوا على اصطياد السمك يوم السبت كما تقدم بيانه في سورة البقرة(٥)، وفرقة نهت عن ذلك واعتزلتهم وفرقة سكتت فلم تفعل ولم تنه ولكنها قالت للمنكرة ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ أي: لِمَ تنهون هؤلاء وقد عملتم أنهم قد هلكوا واستحقوا العقوبة من الله فلا فائدة في نهيكم إياهم؟ قالت لهم المنكرة: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ قرأ بعضهم بالرفع كأنه على تقدير هذه معذرةٌ وقرأ آخرون بالنصب(٦) أي نفعل ذلك ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ أي: فيما أخذ علينا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ﴾ يقولون: ولعل لهذا الإنكار يتقون ما هم فيه ويتركونه ويرجعون إلى الله تائبين، فإذا تابوا تاب الله عليهم ورحمهم. قال تعالى: ﴿فَلَّا نَسُواْ مَا ذُكِرُواْ بِهِ﴾ أي: فلما أبي الفاعلون قبول النصيحة ﴿أَنَجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوَّهِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي ارتكبوا المعصية ﴿بِعَذَابٍ بَصِيٍ﴾ فنصّ على نجاة الناهين (١) أخرجه الطبري بسند ضعيف لأن الضحاك لم يسمع ابن عباس. (٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به. (٣) ذكره الطبري بنحوه. (٤) أخرجه ابن بطة بسنده ومتنه (إبطال الحيل ص٤٦، ٤٧)، وجود سنده الحافظ ابن كثير، وقد تقدم ذكره في سورة البقرة آية ٦٥ - ٦٦، وحسنه السخاوي في (الفتاوى الحديثية ص٢٣٦). (٥) آية ٦٥ - ٦٦. (٦) وكلا القرائتين متواترة. ١٠٦ • سُورَةُ الأَغَافِ (١٦٤، ١٦٦) 0000000000000000000000000000000000000000000 000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 000 وهلاك الظالمين، وسكت عن الساكتين لأن الجزاء من جنس العمل، فهم لا يستحقون مدحاً فيمدحوا، ولا ارتكبوا عظيماً فيذموا، ومع هذا فقد اختلف الأئمة فيهم هل كانوا من الهالكين أو من الناجين على قولين. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوَ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ هي قرية على شاطئ البحر بين مصر والمدينة يقال لها: أيلة، فحرّم الله عليهم الحيتان يوم سبتهم، وكانت الحيتان تأتيهم يوم سبتهم شرعاً في ساحل البحر، فإذا مضى يوم السبت لم يقدروا عليها فمضى على ذلك ما شاء الله ثم إن طائفة منهم أخذوا الحيتان يوم سبتهم، فنهتهم طائفة وقالوا: تأخذونها وقد حرّمها الله عليكم يوم سبتكم، فلم يزدادوا إلا غياً وعتواً، وجعلت طائفة أخرى تنهاهم، فلما طال ذلك عليهم قالت طائفة من النهاة: تعلمون أن هؤلاء قوم قد حقّ عليهم العذاب ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوَّمَّا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ وكانوا أشدّ غضباً لله من الطائفة الأخرى فقالوا: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ﴾ وكلّ قد كانوا ينهون فلما وقع عليهم غضب الله نجت الطائفتان اللتان قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًّا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾، والذين قالوا: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾، وأهلك الله أهل معصيته الذين أخذوا الحيتان فجعلهم قردة(١). :٠٠ وروى العوفي عن ابن عباس قريباً من هذا(٢). وقال حماد بن زيد، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس في الآية، قال: ما أدري أنجا الذين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوَّمَّا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ أم لا؟ قال: فلم أزل به حتى عرَّفته أنهم قد نجوا فكساني حلّة (٣) . وقال عبد الرزاق(٤): أخبرنا ابن جريج، حدثني، رجل، عن عكرمة قال: جئت ابن عباس يوماً وهو يبكى وإذا المصحف في حجره فأعظمت أن أدنو منه، ثم لم أزل على ذلك حتى تقدمت فجلست فقلت: ما يبكيك يا ابن عباس جعلني الله فداك؟ قال: فقال: هؤلاء الورقات. قال: وإذا هو في سورة الأعراف. قال تعرف أيلة؟ قلت: نعم. قال: فإنه كان بها حيّ من اليهود سيقت الحيتان إليهم يوم السبت ثم غاصت لا يقدرون عليها حتى يغوصوا بعد كدّ ومؤنة شديدة كانت تأتيهم يوم سبتهم شرعاً بيضاء سماناً كأنها الماخض تنتطح ظهورها لبطونها بأفنيتهم، فكانوا كذلك برهة من الدهر، ثم إن الشيطان أوحى إليهم فقال: إنما نُهِيتُهم عن أكلها وأخذها وصيدها يوم السبت فخذوها فيه، وكلوها في غيره من الأيام، فقالت ذلك طائفة منهم، وقالت طائفة: بل نهيتم عن أكلها وأخذها وصيدها يوم السبت فكانوا كذلك حتى جاءت الجمعة المقبلة، فغدت طائفة بأنفسها وأبنائها ونسائها، واعتزلت طائفة ذات اليمين، وتنحت واعتزلت طائفة ذات اليسار وسكتت، وقال الأيمنون: ويلكم، الله، الله، ننهاكم أن تتعرضوا لعقوبة الله، وقال الأيسرون: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمَّا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ قال الأيمنون: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ﴾ (١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس. (٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن العوفي به، ويتقوى بسابقه. (٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق حماد بن زيد به. (٤) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده ضعيف الإبهام شيخ ابن جريج. ١٠٧ • سُوََّّةُ الأَغَافِ (١٦٤، ١٦٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أي ينتهون، إن ينتهوا فهو أحب إلينا أن لا يصابوا ولا يهلكوا وإن لم ينتهوا فمعذرة إلى ربكم، فمضوا على الخطيئة وقال الأيمنون: فقد فعلتم يا أعداء الله، والله لا نبايتكم الليلة في مدينتكم، والله ما نراكم تصبحون حتى يصبحكم الله بخسف أو قذف أو بعض ما عنده من العذاب، فلما أصبحوا ضربوا عليهم الباب، ونادوا فلم يجابوا فوضعوا سلماً وأعلوا سور المدينة رجلاً، فالتفت إليهم، فقال: أي عباد الله، قردة والله تعادى تعاوى لها أذناب قال: ففتحوا فدخلوا عليهم فعرفت القرود أنسابها من الإنس ولا تعرف الإنس أنسابها من القردة فجعلت القرود يأتيها نسيبها من الإنس فتشم ثيابه وتبكي فيقول: ألم ننهكم عن كذا؟ فتقول برأسها: أي نعم ثم قرأ ابن عباس ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِرُواْ بِةٍ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوَّهِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَعِيسٍ﴾ قال: فأرى الذين نهوا قد نجوا ولا أرى الآخرين ذُكروا، ونحن نرى أشياء ننكرها ولا نقول فيها، قال: قلت: جعلني الله فداك ألا ترى أنهم قد كرهوا ما هم عليه وخالفوهم؟ وقالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًّا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ قال: فأمر لي فكسيت ثوبين غليظين(١). وكذا روى مجاهد عنه(٢). وقال ابن جرير: حدثنا يونس أخبرنا أشهب بن عبد العزيز عن مالك قال: زعم ابن رومان أن قوله تعالى: ﴿تَأْتِهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًاْ وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُّونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٦٣] قال: كانت تأتيهم يوم السبت فإذا كان المساء ذهبت فلا يرى منها شيء إلى يوم السبت الآخر، فاتخذ لذلك رجل خيطاً ووتداً فربط حوتاً منها في الماء يوم السبت حتى إذا أمسوا ليلة الأحد أخذه فاشتواه، فوجد الناس ريحه، فأتوه فسألوه عن ذلك فجحدهم، فلم يزالوا به حتى قال لهم فإنه جلد حوت وجدناه، فلما كان السبت الآخر فعل مثل ذلك، ولا أدري لعله قال ربط حوتين فلما أمسى من ليلة الأحد أخذه فاشتواه فوجدوا رائحة فجاؤوا فسألوه فقال لهم: لو شئتم صنعتم كما أصنع فقالوا له: وما صنعت؟ فأخبرهم ففعلوا مثل ما فعل حتى كثر ذلك، وكانت لهم مدينة لها ربض يغلقونها عليهم فأصابهم من المسخ ما أصابهم فغدا عليهم جيرانهم ممن كانوا حولهم يطلبون منهم ما يطلب الناس، فوجدوا المدينة مغلقة عليهم فنادوا فلم يجيبوهم، فتسوروا عليهم فإذا هم قردة فجعل القرد یدنو یتمسح بمن کان یعرف قبل ذلك ويدنو منه ويتمسح به(٣). وقد قدمنا في سورة البقرة (٤) من الآثار في خبر هذه القرية ما فيه مقنع وكفاية ولله الحمد والمنة. (القول الثاني): أن الساكتين كانوا من الهالكين قال محمد بن إسحاق: عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: ابتدعوا السبت فابتلوا فيه فحرمت عليهم فيه الحيتان فكانوا إذا كان يوم السبت شرعت لهم الحيتان ينظرون إليها في البحر، فإذا انقضى السبت ذهبت فلم تر حتى السبت المقبل، فإذا جاء السبت جاءت شرعاً فمكثوا ما شاء الله أن يمكثوا كذلك ثم إن (١) أخرجه عبد الرزاق والطبري بنحوه، وسندهما ضعيف الإبهام شيخ ابن جريج، ولبعضه شواهد سابقة ولاحقة، والرواية إسرائيلية. (٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس مختصراً. (٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح، لكنه من روايات أهل الكتاب. (٤) آية ٦٥ - ٦٦. ١٠٨ سُورَةُ الأَغْرَافِ (١٦٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 رجلاً منهم أخذ حوتاً فخزم أنفه ثم ضرب له وتداً في الساحل وربطه وتركه في الماء، فلما كان الغد أخذه فشواه فأكله ففعل ذلك وهم ينظرون ولا ينكرون ولا ينهاه منهم أحد إلا عصبة منهم نهوه حتى ظهر ذلك في الأسواق ففعل علانية قال: فقالت: طائفة للذين ينهونهم ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًّا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ فقالوا: نسخط أعمالهم ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ فَلَمَّا نَسُواْ﴾ إلى قوله: ﴿قِرَدَةٌ خَسِتِينَ﴾ قال ابن عباس: كانوا ثلاثاً؛ ثلث نهوا، وثلث قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾، وثلث أصحاب الخطيئة، فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم(١)، وهذا إسناد جيد عن ابن عباس ولكن رجوعه إلى قول عكرمة في نجاة الساكتين أولى من القول بهذا لأنه تبين حالهم بعد ذلك. والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَعِيسٍ﴾ فيه دلالة بالمفهوم على أن الذين بقوا نجوا. وبئيس فيه قراءات كثيرة (٢) ومعناه في قول مجاهد: الشديد(٣). وفي رواية: أليم(٤). وقال قتادة: موجع(٥). والكل متقارب والله أعلم، وقوله: ﴿خَسِتِينَ﴾ أي: ذليلين حقيرين مهانین . ﴿وَإِذْ تَأَذَنَ رَبُّكَ لَيْتَعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ اٌلْقِيَمَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوَهَ اَلْعَذَابِ، إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ آلْمِقَابٍّ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿تَأَذَّنَ﴾ تفعل من الأذان، أي: أعلم قاله مجاهد (٦)، وقال غيره: أمر، وفي قوة الكلام ما يفيد معنى القسم من هذه اللفظة، ولهذا أُتبعت باللام في قوله: ﴿لَيَّعَنَّ عَلَيَّهِمْ﴾ أي: على اليهود ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوَّهَ اٌلْعَذَابِ﴾ أي: بسبب عصيانهم ومخالفتهم أوامر الله وشرعه واحتيالهم على المحارم، ويقال: إن موسى عليّلا ضرب عليهم الخراج، سبع سنين(٧)، وقيل ثلاث عشرة سنة، وكان أول من ضرب الخراج ثم كانوا في قهر الملوك من اليونانيين والكشدانيين والكلدانيين، ثم صاروا إلى قهر النصارى وإذلالهم إياهم وأخذهم منهم الجزية والخراج، ثم جاء الإسلام ومحمد وَّ فكانوا تحت قهره وذمته يؤدون الخراج والجزية. قال العوفي، عن ابن عباس في تفسير هذه الآية قال: هي المسكنة وأخذ الجزية منهم (٨). وقال علي بن أبي طلحة، عنه: هي الجزية والذي يسومهم سوء العذاب محمد رسول الله وَالخيول (١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم مقطعاً من طريق ابن إسحاق به، وجود سنده الحافظ ابن كثير، ولعله بطرقه المتعددة. (٢) المتواتر منها : بئسٍ، بْسٍ، بئیسٍ، بیئسٍ. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عيسى بن ميمون عن ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة. (٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: ((أمَرَ ربك)). (٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن سعيد بن جبير، فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف، والرواية من أخبار أهل الكتاب. (٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به ويشهد له لاحقه. ١٠٩ • سُورَةُ الأَغَافِ (١٦٨، ١٧٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وأُمته إلى يوم القيامة(١). وكذا قال سعيد بن جبير وابن جريج والسدي وقتادة(٢). وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن سعيد بن المسيب قال: يستحب أن تبعث الأنباط في الجزية(٣). قلت: ثم آخر أمرهم أنهم يخرجون أنصاراً للدجال فيقتلهم المسلمون مع عيسى ابن مريم عليّ، وذلك آخر الزمان وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ﴾ أي: لمن عصاه وخالف شرعه ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي: لمن تاب إليه وأناب وهذا من باب قرن الرحمة مع العقوبة لئلا يحصل اليأس، فيقرن تعالى بين الترغيب والترهيب كثيراً لتبقى النفوس بين الرجاء والخوف. ﴿وَقَطَّعْنَهُ فِى الْأَرْضِ أُمَمَّاً مِنْهُمُ الصَّلِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكٌ وَبَلَوْنَهُم بِالْحَسَنَتِ وَالسَّيِّئَاتِ ◌َعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِنَبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا أَلْأَدْفَ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُ يَأْخُذُوهُ أَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم ◌ِيْشَقُ الْكِتَبِ أَنْ لََّ يَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيَةٍ وَالذَّارُ اُلْأَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَنَّقُونُّ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٧) وَالَّذِينَ يُمَسِكُونَ بِالْكِتَبِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ اُْصْلِحِينَ يذكر تعالى أنه فرقّهم في الأرض أمماً أي: طوائف وفرقاً كما قال: ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِىّ إِسْرَِّلَ اسْكُنُواْ اُلْأَرْضَ فَإِذَا جَهَ وَعْدُ الْأَخِرَةِ جِثْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (®)﴾ [الإسراء]. ﴿مِّنْهُمُ الصَّلِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكٌ﴾ أي: فيهم الصالح وغير ذلك كقول الجن: ﴿ وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَبِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَبِقَ قِدَدًا ﴾﴾ [الجزء]، ﴿وَبَلَوْنَهُمْ﴾ أي: اختبرناهم ﴿ بِالْحَسَنَتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ أي: بالرخاء والشدة والرغبة والرهبة والعافية والبلاء ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ثم قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِنَبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْفَ﴾ الآية يقول تعالى: فخلف من بعد ذلك الجيل الذين فيهم الصالح والطالح خلف آخر لا خير فيهم وقد ورثوا دراسة الكتاب وهو التوراة. وقال مجاهد: هم النصارى(٤). وقد يكون أعم من ذلك ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَ﴾ أي: يعتاضون عن بذل الحق ونشره بعرض الحياة الدنيا، ويسوفون أنفسهم ويعدونها بالتوبة، وكلما لاح لهم مثل الأول وقعوا فيه، ولهذا قال: ﴿وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ وكما قال سعيد بن جبير: يعملون الذنب ثم يستغفرون الله منه ويعترفون لله فإن عرض ذلك الذنب أخذوه(٥). وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَ﴾ قال: لا يشرف لهم شيء من الدنيا إلا أخذوه حلالاً كان أو حراماً ويتمنون المغفرة (٦). ﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرٌَ مِثْلُ يَأْخُذُوهُ﴾، وقال قتادة في الآية: إي واللهِ لخَلفُ سَوء (١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به. (٢) قول قتادة والسدي أخرجه الطبري بإسنادين ثابتين، وقول سعيد بن جبير وابن جريج أخرجه الطبري بإسنادين ضعيفين، ويتقويان بما سبق. (٣) رجاله ثقات وإسناده صحيح. (٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٥) أخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسند حسن من طريق منصور، وهو ابن المعتمر، عن سعيد بن جبير. (٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. ١١٠ • سُوَدَّةُ الأَغَافِ (١٧١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ﴿وَرِثُواْ الْكِتَبَ﴾ بعد أنبيائهم ورسلهم أورثهم الله وعهد إليهم، وقال الله تعالى في آية أخرى ﴿وَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفُّ أَضَاعُواْ الصَّلَوَةَ وَأَتَّبَعُوْ الشَّهَوَتِّ﴾ [مريم: ٥٩] قال: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا اُلْأَدْنَ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ تمنوا على الله أماني و((غرة)) يغترون بها ﴿وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُ يَأْخُذُوهُ﴾ لا يشغلهم شيء ولا ينهاهم شيء عن ذلك كلما هف لهم شيء من الدنيا أكلوه لا يبالون حلالاً كان أو حراماً (١). وقال السدي: قوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَدَرَسُواْ مَا فِيَةٍ﴾ ما فيه، قال: كانت بنو إسرائيل لا يستقضون قاضياً إلا ارتشى في الحكم، وإن خيارهم اجتمعوا، فأخذ بعضهم على بعض العهود أن لا يفعلوا ولا يرتشوا، فجعل الرجل منهم إذا استقضى ارتشى، فيقال له: ما شأنك ترتشي في الحكم؟ فيقول سيغفر لي، فتطعن عليه البقية الآخرون من بني إسرائيل فيما صنع، فإذا مات أو نزع وجعل مكانه رجل ممن كان يطعن عليه فيرتشي، يقول: وإن يأت الآخرين عرض الدنيا يأخذوه(٢). قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم ◌ِيثَقُ اَلْكِتَبِ أَنْ لَّا يَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلَّا أَلْحَقَّ﴾ الآية يقول تعالى منكراً عليهم في صنيعهم هذا مع ما أخذ عليهم من الميثاق ليبينن الحق للناس ولا يكتمونه كقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ لَتُبِيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَتَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَأَشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (٣)﴾ [آل عمران]. وقال ابن جريج: قال ابن عباس: ﴿أَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِيثَقُ الْكِتَبِ أَنْ لَّا يَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ قال: فيما يتمنون على الله من غفران ذنبوهم التي لا يزالون يعودون فيها ولا يتوبون منها(٣). وقوله تعالى: ﴿وَالذَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَذِينَ يَنَّقُونُّ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ يرغبهم في جزيل ثوابه ويحذرهم من وبيل عقابه، أي وثوابي وما عندي خير لمن اتقى المحارم، وترك هوى نفسه، وأقبل على طاعة ربه ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ يقول: أفليس لهؤلاء الذين اعتاضوا بعرض الدنيا عما عندي عقل يردعهم عما هم فيه من السفه والتبذير؟ ثم أثنى تعالى على من تمسك بكتابه الذي يقوده إلى اتباع رسوله محمد هلال كما هو مكتوب فيه فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِنَبِ﴾ أي: اعتصموا به واقتدوا بأوامره، وتركوا زواجره ﴿وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ إِنَّا لَا تُضِيعُ أَجْرَ الُْصْلِحِينَ﴾ . 2- ﴿﴿ وَإِذْ نَلَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوَاْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَكُم بِقُوَّةٍ وَأَذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ نَتَّقُونَ (٣)﴾. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وَإِذْ نَثَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ﴾ يقول: رفعناه وهو قوله: ﴿وَرَفَعْنَا فَوَقَّهُمُ اُلُوَرَ بِمِثَقِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٤] (٤). وقال سفيان الثوري، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: رفعته الملائكة فوق رؤوسهم وهو قوله: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ اُلُورَ﴾(٥) . (١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة. (٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي. (٣) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به، وسنده ضعيف لأن ابن جريج لم يسمع ابن عباس. (٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به بلفظ: ((خذوا ما آتيناكم بقوة وإلا أرسلته عليكم)). (٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طریق سفیان به، وسنده حسن. ١١١ • سُوَرَّةُ الأَغَافِ﴾ (١٧٢، ١٧٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ثم سار بهم موسى إلى الأرض المقدسة وأخذ الألواح بعد ما سكت عنه الغضب، وأمرهم بالذي أمر الله أن يبلغهم من الوظائف، فثقلت عليهم وأبوا أن يقروا بها حتى نتق الله الجبل فوقهم ﴿كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ قال: رفعته الملائكة فوق رؤوسهم رواه النسائي(١) بطوله. وقال سُنيد بن داود في تفسيره: عن حجاج بن محمد، عن أبي بكر بن عبد الله قال: هذا كتاب أتقبلونه بما فيه، فإن فيه بيان ما أحل لكم وما حرم عليكم وما أمركم وما نهاكم؟ قالوا: انشر علينا ما فيها فإن كانت فرائضها وحدودها يسيرة قبلناها. قال: اقبلوها بما فيها. قالوا: لا حتى نعلم ما فيها كيف حدودها وفرائضها؟ فراجعوه مراراً، فأوحى الله إلى الجبل، فانقلع فارتفع في السماء حتى إذا كان بين رؤوسهم وبين السماء قال لهم موسى: ألا ترون ما يقول ربي لئن لم تقبلوا التوراة بما فيها لأرمينكم بهذا الجبل قال: فحدثني الحسن البصري قال: لما نظروا إلى الجبل خرّ كل رجل ساجداً على حاجبه الأيسر ونظر بعينه اليمنى إلى الجبل فَرقاً(٢) من أن يسقط عليه، فكذلك ليس اليوم في الأرض يهودي يسجد إلا على حاجبه الأيسر. يقولون: هذه السجدة التي رفعت بها العقوبة قال أبو بكر: فلما نشر الألواح فيها كتاب الله كتبه بيده لم يبق على وجه الأرض جبل ولا شجر ولا حجر إلا اهتز، فليس اليوم يهودي على وجه الأرض صغير ولا كبير تُقرأ عليه التوراة إلا اهتز ونفض لها رأسه [أي حوّل كما قال تعالى: ﴿فَسَيُنْفِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥١] أي: يحركونها](٣). ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِيََّهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبَّكُمْ قَالُواْ بَىُ شَهِدْنَأُ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ (٣) أَوْ نَقُولُواْ إِنَّا أَشْرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ذُرِيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ يخبر تعالى أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم، وأنه لا إله إلا هو كما أنه تعالى فطرهم على ذلك وجبلهم عليه قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِيْنِ حَنِيفَأْ فِظْرَتَ اَللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اَللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] وفي الصحيحين عن أبي هريرة ظبه قال: قال رسول الله وَلقر: ((كل مولود يولد على الفطرة - وفي رواية على هذه الملة - فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تولد بهيمة جمعاء هل تحسّون فيها من جدعاء)) (٤) وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله وَعليه: ((يقول الله: إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم))(٥) . وقال الإمام أبو جعفر بن جرير ◌َُّهُ: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني (١) أخرجه ابن أبي حاتم والنسائي من طريق القاسم به مطولاً وهو جزء من حديث الفتون (السنن الكبرى، التفسير باب قوله : ﴿وَفَنَّكَ فُونَا﴾ [طه: ٤٠] ح ١١٣٢٦)، وقال الهيثمي: رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٦٥/٧ - ٦٦). (٢) أي خوفاً. (٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنعام آية ٧٩. (٣) زيادة من نسخة (عم). (٥) تقدم تخريجه کسابقه. ١١٢ • سُوَرَّةُ الْأََّافِ (١٧٢، ١٧٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 السري بن يحيى، أن الحسن بن أبي الحسن حدثهم، عن الأسود بن سريع من بني سعد قال: غزوت مع رسول الله وَّ و أربع غزوات، قال: فتناول القوم الذرية بعد ما قتلوا المقاتلة، فبلغ ذلك رسول الله ◌َ، فاشتد عليه ثم قال: ((ما بال أقوام يتناولون الذرية)). فقال رجل: يا رسول الله أليسوا أبناء المشركين؟ فقال: ((إن خياركم أبناء المشركين ألا أنها ليست نسمة تولد إلا ولدت على الفطرة، فما تزال عليها حتى يبين عنها لسانها فأبواها يهودانها وينصرانها)) قال الحسن: والله لقد قال الله في كتابه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَآدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِيََّهُمْ﴾ الآية (١). وقد رواه الإمام أحمد عن إسماعيل بن علية، عن يونس بن عبيد، عن الحسن البصري به، وأخرجه النسائي في سننه من حديث هشيم، عن يونس بن عبيد، عن الحسن قال: حدثني الأسود بن سريع فذكره ولم يذكر قول الحسن البصري واستحضاره الآية عند ذلك(٢). وقد وردت أحاديث في أخذ الذرية من صلب آدم عل* وتمييزهم إلى أصحاب اليمين وأصحاب الشمال، وفي بعضها الاستشهاد عليهم بأن الله ربهم. قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا شعبة، عن أبي عمران الجوني، عن أنس بن مالك ◌ُه، عن النبي ◌َّ قال: ((يُقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتدياً به؟ قال: فيقول: نعم. فيقول: قد أردتُ منك أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئاً، فأبيت إلا أن تشرك بي))(٣) أخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة به (٤). (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا جرير - يعني: ابن حازم -، عن كلثوم بن جبر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي ◌َّ قال: ((أخذ الله الميثاق من ظهر آدم(٥) عليّ* بنعمان يوم عرفة، فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها(٦)، فنثرها بين يديه [كالذرّ](٧) ثم كلمهم قِبَلاً(٨) قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلُّ شَهِدْنَأُ أَنْ تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ أَوْ تَقُولُواْ﴾ إلى قوله: ﴿الْمُبْطِلُونَ﴾(٩) وقد روى هذا الحديث النسائي في كتاب التفسير من (١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده منقطع لأن الحسن لم يسمع من الأسود لكنه صرح بالتحديث فأخرجه الإمام أحمد من طريق محمد بن جعفر عن السري بن يحيى به بدون كلام الحسن في آخره، (المسند ٢٦/ ٢٣١ ح ١٦٣٠٣) وضعفه محققوه لانقطاعه رغم تصريح الحسن بالسماع من الأسود، وقد أخرجه البخاري من طريق الحسن البصري مصرحاً بالسماع من الأسود (التاريخ الكبير ٤٤٥/١). (٢) المسند ٤٣٥/٣، والسنن الكبرى، السير، باب النهي عن قتل ذراري المشركين (ح٨٦١٦). (٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٢٧/٣) وسنده صحيح. (٤) صحيح البخاري، الأنبياء، باب خلق آدم وذريته (ح٣٣٣٤)، وصحيح مسلم، صفات المنافقين، باب طلب الكافر الفداء ... (ح ٢٨٠٥). (٥) ظهر آدم أي: ذريته، سُمِّ ظهر لخروجهم منه. (٦) ذرأها: أي خلقها في ظهره وأودعها فيه. (٧) زيادة من المسند، والذرّ: واحدها بذرة، قيل: هي النملة وقيل: غير ذلك. (٨) قِبَلا: أي عيانا ومقابلة. (٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٦٧/٤ ح٢٤٥٥)، قال محققوه: رجاله ثقات رجال الشيخين غير كلثوم بن جبر فمن رجال مسلم. اهـ. وكلثوم بن جبر: صدوق يخطئ (التقريب ص ٤٦٢) وأظنه هو الذي = ١١٣ سُورَةُ الأَغراف (١٧٢، ١٧٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 سننه عن محمد بن عبد الرحيم صاعقة، عن حسين بن محمد المروذي به، ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث حسين بن محمد به، إلا أن ابن أبي حاتم جعله موقوفاً، وأخرجه الحاكم في مستدركه من حديث حسين بن محمد وغيره، عن جرير بن حازم، عن كلثوم بن جبر به، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه وقد احتج مسلم بكلثوم بن جبر (١)، هكذا قال، وقد رواه عبد الوارث، عن كلثوم بن جبر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فوقفه(٢)، وكذا رواه إسماعيل بن علية ووكيع عن ربيعة بن كلثوم ابن جبر، عن أبيه به (٣)، وكذا رواه عطاء بن السائب وحبيب بن أبي ثابت وعلي بن بذيمة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وكذا رواه العوفي وعلي بن أبي طلحة عن ابن عباس (٤) فهذا أكثر وأثبت. والله أعلم. وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي، عن أبي هلال، عن أبي جمرة الضبعي، عن ابن عباس قال: أخرج الله ذرية آدم من ظهره كهيئة الذر وهو في أذى من الماء. وقال أيضاً: حدثنا علي بن سهل، حدثنا ضمرة بن ربيعة، حدثنا أبو مسعود، عن جويبر قال: مات ابن الضحاك بن مزاحم ابن ستة أيام قال: فقال: يا جابر إذا أنت وضعت ابني في لحده فأبرز وجهه وحلّ عنه عقده، فإن ابني مُجْلِس ومسؤول، ففعلت به الذي أمر، فلما فرغت قلت: يرحمك الله عما يسأل ابنك من يسأله إياه؟ قال: يسأل عن الميثاق الذي أقر به في صلب آدم قلت: يا أبا القاسم وما هذا الميثاق الذي أقر به في صلب آدم؟ قال: حدثني ابن عباس: إن الله مسح صلب آدم فاستخرج منه كل نسمة هو خلقها إلى يوم القيامة، فأخذ منهم الميثاق أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وتكفل لهم بالأرزاق ثم أعادهم في صلبه، فلن تقوم الساعة حتى يولد من أعطى الميثاق يومئذٍ، فمن أدرك منهم الميثاق الآخر فوفّى به نفعه الميثاق الأول، ومن أدرك الميثاق الآخر فلم يُقرّ به لم ينفعه الميثاق الأول، ومن مات صغيراً قبل أن يدرك الميثاق الآخر مات على الميثاق الأول على الفطرة(٥). فهذه الطرق كلها مما تقوي وقف هذا على ابن عباس، والله أعلم. (حديث آخر) قال ابن جرير: حدثنا عبد الرحمن بن الوليد، حدثنا أحمد بن أبي طيبة، عن سفيان بن سعيد، عن الأجلح، عن الضحاك، عن منصور، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله وَله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ﴾ قال: أخذ من ظهره كما يؤخذ بالمشط من الرأس فقال لهم: ﴿أَنَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾؟ قالت الملائكة: ﴿شَهِدْنأُ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ﴾(٦). أحمد بن أبي طيبة هذا هو: أبو محمد الجرجاني = رفعه لأن ابن أبي حاتم رواه موقوفاً وكذا الطبري وابن سعد كما سيأتي، فكلثوم تارة يرفعه وتارة يوقفه، وبما أنه صح موقوفاً فله حكم الرفع لأنه من الغيبيات، والحافظ ابن كثير قرر أن الوقف أكثر وأثبت كما سيأتي. (١) ووافقه الذهبي، المستدرك ٥٤٤/٢ ووافقه الذهبي وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ١٦٢٣). (٢) أخرجه الطبري من طريق عبد الوارث عن كلثوم به. ،م س (٣) أخرجه ابن سعد عن ابن علية به (الطبقات الكبرى ٢٥/١). (٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من هذه الطرق موقوفاً أيضاً. (٥) أخرجه الطبري من طريق جويبر به، وسنده ضعيف لضعف جويبر وأن الضحاك لم يلق ابن عباس، ويتقوى بسابقه . (٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده أحمد بن أبي طيبة فيه مقال كما قرر الحافظ ابن كثير والأصح = ١١٤ سُورَةُ الأَغَراف (١٧٢، ١٧٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 قاضي قومس كان أحد الزهاد أخرج له النسائي في سننه وقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه. وقال ابن عدي: حدث بأحاديث كثيرة غرائب وقد روى هذا الحديث عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، عن منصور، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، وكذا رواه ابن جرير عن منصور به(١) وهذا أصح والله أعلم. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا روح - هو: ابن عبادة -، حدثنا مالك. وحدثنا إسحاق، حدثنا مالك، عن زيد بن أبي أنيسة، أن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أخبره، عن مسلم بن يسار الجهني، أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَفِىّ ءَدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَى﴾ الآية فقال عمر بن الخطاب: سمعت رسول الله و38َ سئل عنها فقال: ((إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه البَلاء فاستخرج منه ذرية. قال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية قال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون، فقال رجل: يا رسول الله، ففيم العمل؟ قال رسول الله وَل: ((إذا خلق الله العبد للجنة استعمله بأعمال أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بأعمال أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله به النار))(٢). وهكذا رواه أبو داود، عن القعنبي والنسائي، عن قتيبة والترمذي في تفسيرهما، عن إسحاق بن موسى، عن معن. وابن أبي حاتم، عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب. وابن جرير، عن روح بن عبادة وسعيد بن عبد الحميد بن جعفر، وأخرجه ابن حبان في صحيحه من رواية أبي مصعب الزبيري كلهم عن الإمام مالك بن أنس به، قال الترمذي: وهذا حديث حسن، ومسلم بن يسار لم يسمع عمر كذا قاله أبو حاتم وأبو زرعة زاد أبو حاتم وبينهما نعيم بن ربيعة(٣). وهذا الذي قاله أبو حاتم رواه أبو داود في سننه، عن محمد بن مصفى، عن بقية، عن عمر بن جعثم القرشي، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، عن مسلم بن يسار الجهني، عن نعيم بن ربيعة قال: كنت عند عمر بن الخطاب وقد سئل عن هذه الآية ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيََّهُمْ﴾ فذكره (٤). وقال الحافظ الدار قطني: وقد تابع عمرُ بنَ جعثم يزيدُ بنُ سنان أبو فروة الرهاوي، وقولهما أولى بالصواب = وقفه، فقد أخرجه ابن أبي حاتم من طريق يحيى بن يمان عن سفيان به موقوفاً على عبد الله بن عمرو، ولكن له حكم الرفع كسابقه. (١) الذي في الطبري من طريق يحيى بن سعيد عن سفيان به، وليس عن عبد الرحمن بن مهدي، وقد يكون ذلك في نسخة الحافظ ابن كثير. (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٩٩/١، ٤٠٠ ح٣١١)، وقال محققوه: صحيح لغيره، وهذا إسناد ضعيف، مسلم بن يسار الجهني لم يسمع من عمر. اهـ. وهذا التصحيح بالشواهد. وضعف سنده ابن عبد البر ثم قال: ولكن معنى الحديث قد صح عن النبي ◌َّ 98 من وجوه كثيرة ثابتة يطول ذكرها (التمهيد ٣/٦ - ١٢). (٣) سنن أبي داود، السنة، باب في القدر (ح٤٧٠٣)، وسنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الأعراف (ح ٣٠٧٥) والسنن الكبرى للنسائي كتاب التفسير (ح١١١٩٠) وتفسير ابن أبي حاتم. (٤) سنن أبي داود، كتاب السنة، باب في القدر (ح ٤٧٠٤). ١١٥ • سُوَرَّةُ الأَغَرَافِ (١٧٢، ١٧٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 من قول مالك والله أعلم(١). قلت: الظاهر أن الإمام مالكاً إنما أسقط ذكر نعيم بن ربيعة عمداً لما جهل حال نعيم بن ربيعة ولم يعرفه فإنه غير معروف إلا في هذا الحديث، ولذلك يسقط ذكر جماعة ممن لا يرتضيهم، ولهذا يرسل كثيراً من المرفوعات ويقطع كثيراً من الموصولات، والله أعلم. (حديث آخر) قال الترمذي عند تفسيره هذه الآية: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا أبو نعيم، حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: (لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة، وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصاً من نور ثم عرضهم على آدم فقال: أي ربِّ من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك، فرأى رجلاً منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه قال: أي ربِّ من هذا؟ قال: هذا رجل من آخر الأُمم من ذريتك يُقال له: داود. قال ربّ وكم جعلت عمره؟ قال: ستين سنة. قال: أي ربِّ وقد وهبت له من عمري أربعين سنة، فلما انقضى عمر آدم جاءه ملك الموت قال: أو لم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال: أو لم تعطها ابنك داود؟ قال: فجحد آدم فجحدت ذريته، ونسي آدم فنسيت ذريته، وخطئ آدم فخطئت ذريته)). ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي وَ﴾(٢). ورواه الحاكم في مستدركه من حديث أبي نعيم الفضل بن دكين به وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه(٣). ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه أنه حدث، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة به عن رسول الله وَ لّ فذكر نحو ما تقدم إلى أن قال: (ثم عرضهم على آدم فقال: يا آدم هؤلاء ذريتك، وإذا فيهم الأجذم والأبرص والأعمى وأنواع الأسقام فقال آدم: يا ربِّ لم فعلت هذا بذريتي؟ قال: كي تشكر نعمتي. وقال آدم: يا ربّ من هؤلاء الذين أراهم أظهر الناس نوراً؟ قال: هؤلاء الأنبياء يا آدم من ذريتك)) ثم ذكر قصة داود (٤) كنحو ما تقدم(٤). (حديث آخر) قال عبد الرحمن بن قتادة النصري، عن أبيه، عن هشام بن حكيم ظُه أن رجلاً سأل النبي و ﴿ فقال: يا رسول الله أتبدأ الأعمال أم قد قضي القضاء؟ قال: فقال رسول الله وَله: (إن الله قد أخذ ذرية آدم من ظهورهم ثم أشهدهم على أنفسهم ثم أفاض بهم في كفيه ثم قال: هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار، فأهل الجنة ميسرون لعمل أهل الجنة، وأهل النار ميسّرون لعمل أهل النار)) رواه ابن جرير(٥) وابن مردويه من طرق عنه. (١) العلل للدار قطني ٢٢١/٢ - ٢٢٣. (٢) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الأعراف (ح٣٠٧٦) وذكره الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح٢٤٥٩). (٣) ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٢٥/٢). (٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم به وسنده ضعيف لضعف عبد الرحمن. (٥) أخرجه الطبري من عدة عدة طرق عن عبد الرحمن بن قتادة به وفي سنده اضطراب وقد أفاض الأستاذ أحمد شاكر في ضبط سنده ثم ختم بقوله: وبعد ذلك كله فمعنى الحديث صحيح مروي عن جماعة من الصحابة بأسانيد ليس فيها هذا الاضطراب. ١١٦ • سُورَةُ الأَّغَافِ (١٧٢، ١٧٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 (حديث آخر) روى جعفر بن الزبير - وهو ضعيف -، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله وسلم: ((لما خلق الله الخلق وقضى القضية أخذ أهل اليمين بيمينه وأهل الشمال بشماله، فقال: يا أصحاب اليمين، فقالوا: لبيك وسعديك، قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، قال: يا أصحاب الشمال، قالوا: لبيك وسعديك، قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، ثم خلط بينهم فقال قائل له: يا ربّ لِمَ خلطت بينهم؟ قال: لهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون أن يقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين، ثم ردهم في صلب آدم)) رواه ابن مردويه(١). (أثر آخر) قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِيّ ءَآدَمَ مِن ◌َظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ﴾ الآية، قال: فجمعهم له يومئذٍ جميعاً ما هو كائن منه إلى يوم القيامة، فجعلهم في صورهم ثم استنطقهم، فتكلموا وأخذ عليهم العهد والميثاق ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَّ أَنْفُسِهِمْ أَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَيْ﴾ الآية قال: فإني أُشهد عليكم السموات السبع والأرضين السبع، وأشهد عليكم أباكم آدم أن تقولوا يوم القيامة لم نعلم بهذا، اعلموا أنه لا إله غيري ولا ربّ غيري ولا تشركوا بي شيئاً، وإني سأرسل إليكم رسلاً لينذروكم عهدي وميثاقي وأُنزل عليكم كتبي. قالوا: نشهد أنك ربنا وإلهنا لا رب لنا غيرك ولا إله لنا غيرك، فأقروا له يومئذٍ بالطاعة ورفع أباهم آدم فنظر إليهم، فرأى فيهم الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك. فقال: يا ربّ لو سويت بين عبادك؟ قال: إني أحببت أن أشكر، ورأى فيهم الأنبياء مثل السرج عليهم النور وخصوا بميثاق آخر من الرسالة والنبوة فهو الذي يقول تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَِّيْنَ مِشَقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُوجِ وَإِبْرَهِيَمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمٌ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِثَقًّا غَلِظًا (٣)﴾ [الأحزاب] وهو الذي يقول: ﴿فَقِمْ وَجْهَكَ لِّينِ حَنِيفًاْ فِطْرَتَ اللَّهِ اَلَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا نَّدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] ومن ذلك قال: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الْأُولَ ﴾﴾ [النجم] ومن ذلك قال: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَسِقِينَ (69)﴾ [الأعراف](٢) رواه عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه، ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه في تفاسيرهم من رواية أبي جعفر الرازي به. وروي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والسدي وغير واحد من علماء السلف سياقات توافق هذه الأحاديث اكتفينا بإيرادها عن التطويل في تلك الآثار(٣) كلها وبالله المستعان. فهذه الأحاديث دالة على أن الله من استخرج ذرية آدم من صلبه، وميّز بين أهل الجنة وأهل النار، أما الإشهاد عليهم هناك بأنه ربهم فما هو إلا في حديث كلثوم بن جبر، عن سعيد بن (١) سنده ضعيف لضعف جعفر بن الزبير. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي به، وأخرجه عبد الله بن الإمام أحمد من طريق سليمان بن يعقوب الربالي عن الربيع به بنحوه وفيه بعض النكارة (المسند ١٥٥/٣٥ ح٢١٢٣٢) وضعفه محققوه لضعف سليمان. وسند ابن أبي حاتم أقوى وأجود. (٣) وتخريج الأحاديث كذلك يغني عن تخريج تلك الآثار. ١١٧ سُورَةُ الأَغَافِ (١٧٥، ١٧٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 جبير، عن ابن عباس، وفي حديث عبد الله بن عمرو، وقد بينا أنهما موقوفان لا مرفوعان كما تقدم، ومن ثَم قال قائلون من السلف والخلف: إن المراد بهذا الإشهاد إنما هو فطرهم على التوحيد كما تقدم في حديث أبي هريرة وعياض بن حمار المجاشعي، ومن رواية الحسن البصري عن الأسود بن سريع وقد فسّر الحسن الآية بذلك قالوا: ولهذا قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَدَمَ﴾ ولم يقل من آدم، ﴿مِن ظُهُورِهِمْ﴾ ولم يقل من ظهره ﴿ذُرِّيََّهُمْ﴾ أي: جعل نسلهم جيلاً بعد جيل وقرناً بعد قرن كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اُلَّذِى جَعَلَكُمْ خَيْفَ الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥] [وقال: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ الْأَرْضِّ﴾ [النمل: ٦٢]] (١) وقال: ﴿كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِيَّةٍ قَوْمٍ ءَخَرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٣]. ثم قال: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَىَّ أَنْفُسِهِمْ أَسْتُ بَِّكُمْ قَالُواْ بَى﴾ أي: أوجدهم شاهدين بذلك قائلين له حالاً وقالاً. والشهادة تارة تكون بالقول كقوله: ﴿قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَّ﴾ الآية [الأنعام: ١٣٠]، وتارة تكون حالاً كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُواْ مَسَجِدَ اللَّهِ شَهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِم بِالْكُفِ﴾ [التوبة: ١٧] أي: حالهم شاهد عليهم بذلك لا أنهم قائلون ذلك، وكذا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ﴾﴾ [العاديات] كما أن السؤال تارة يكون بالقال وتارة يكون بالحال كما في قوله: ﴿وَءَاتَنْكُمْ مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ [إبراهيم: ٣٤]. قالوا: ومما يدل على أن المراد بهذا هذا أن جعل هذا الإشهاد حجة عليهم في الإشراك، فلو كان قد وقع هذا كما قال من قال لكان كل أحد يذكره ليكون حجة عليه، فإن قيل: إخبار الرسول وَ به كافٍ في وجوده، فالجواب أن المكذبين من المشركين يكذبون بجميع ما جاءتهم به الرسل من هذا وغيره، وهذا جُعل حجة مستقلة عليهم، فدل على أنه الفطرة التي فطروا عليها من الإقرار بالتوحيد ولهذا قال: ﴿أَنْ تَقُولُواْ﴾ أي: لئلا تقولوا يوم القيامة ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا﴾ أي: التوحيد ﴿غَفِلِينَ ﴿٨) أَوْ نَقُولُواْ إِنَّآَ أَشْرَكَ ءَابَآؤُنَا﴾ الآية. (١٧٥) ﴿وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِىّ ءَاتَيْنَهُ ءَايَتِنَا فَأَنْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَنُ فَكَانَ مِنَ الْغَارِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ: أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَأَتَّبَعَ هَوَنَّهُ فَثَلُهُ كَعَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثَّ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا فَأَقْصُصِ اَلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٨) سَآءَ مَثَّلاَ الْقَوْمُ اَلَِّينَ كَذَّبُواْ بِثَايَئِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ قال عبد الرزاق: عن سفيان الثوري، عن الأعمش ومنصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود رضيُه في قوله تعالى: ﴿وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِىّ ءَاتَّيْنَهُ ءَايَتِنَا فَأْسَلَخَ مِنْهَا﴾ الآية قال: هو رجل من بني إسرائيل يقال له: بلعم بن باعوراء(٢). وكذا رواه شعبة وغير واحد عن منصور به(٣). وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن ابن عباس: هو صيفي بن الراهب (٤). (١) زيادة من (حم) و(عم) و(مح). (٢) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح. (٣) أخرجه الطبري من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن منصور به، وسنده صحيح. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن بشير عن قتادة به، وقتادة لم يسمع ابن عباس وسعيد ضعيف، فسنده ضعيف، ويخالف ما ثبت عن ابن عباس أنه: بلعم. ١١٨ • سُوَرَّةُ الأَغَرَافِ (١٧٥، ١٧٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 قال قتادة وقال كعب: كان رجلاً من أهل البلقاء، وكان يعلم الاسم الأكبر، وكان مقيماً ببيت المقدس مع الجبارين(١) . وقال العوفي، عن ابن عباس : هو رجل من أهل اليمن يقال له: بلعم آتاه الله آياته فتركها(٢) . وقال مالك بن دينار: كان من علماء بني إسرائيل وكان مُجابّ الدعوة يقدمونه في الشدائد، بعثه نبي الله موسى لعلَّل إلى ملك مدين يدعوه إلى الله فأقطعه وأعطاه فتبع دينه وترك دين موسى عليهلا(٣). وقال سفيان بن عيينة، عن حصين، عن عمران بن الحارث، عن ابن عباس: هو بلعم بن باعوراء(٤)، وكذا قال مجاهد وعكرمة(٥) . وقال ابن جرير: حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا إسرائيل، عن مغيرة، عن مجاهد عن ابن عباس قال: هو بلعام. وقالت ثقيف: هو أمية بن أبي الصلت(٦). وقال شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن نافع بن عاصم، عن عبد الله بن عمرو في قوله: ﴿وَأَثْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِىّ ءَاتَيْنَهُ ءَايَئِنَا﴾ الآية قال: هو صاحبكم أُمية بن أبي الصلت(٧). وقد روي من غير وجه عنه وهو صحيح إليه وكأنه إنما أراد أن أُمية بن أبي الصلت يشبهه، فإنه كان قد اتصل إليه علم كثير من علم الشرائع المتقدمة ولكنه لم ينتفع بعلمه فإنه أدرك زمان رسول الله وَ لته، وبلغته أعلامه وآياته ومعجزاته، وظهرت لكل من له بصيرة ومع هذا اجتمع به ولم يتبعه وصار إلى موالاة المشركين ومناصرتهم وامتداحهم، ورثى أهل بدر من المشركين بمرثاة بليغة قبحه الله. وقد جاء في بعض الأحاديث أنه ممن آمن لسانه ولم يؤمن قلبه فإن له أشعاراً ربانية وحكماً وفصاحة، ولكنه لم يشرح الله صدره للإسلام. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا [ابن أبي عمر](٨)، حدثنا سفيان، عن أبي سعيد الأعور، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وَأَثْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِىّ ءَاتَيْنَهُ ءَايَئِنَا فَأَنْسَلَخَ مِنْهَا﴾ قال: هو رجل أعطي ثلاث دعوات يستجاب له فيهن، وكانت له امرأة له منها ولد فقالت: اجعل لي منها واحدة، قال: فلك واحدة فما الذي تريدين؟ قالت: ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق سعيد بن بشير عن قتادة به. (٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بقول ابن مسعود وابن عباس . (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق جعفر بن سليمان عن مالك بن دينار. (٤) سنده حسن، وحصين هو ابن عبد الرحمن الأشهلي. (٥) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عكرمة أخرجه الطبري بسند ضعيف ويتقوى بما سبق. (٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن. (٧) أخرجه الطبري من طريق ابن أبي عدي عن شعبة، وسنده حسن، قال الهيتمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح (المجمع ٢٨/٧)، وصححه الحافظ ابن كثير عن عبد الله بن عمرو پا. (٨) كذا في (حم) و(عم) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل تصحفت إلى: ((ابن أبي نمر)). ١١٩ • سُوَرَّةُ الْأَّغَرَافِ (١٧٥، ١٧٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 بني إسرائيل، فدعا الله فجعلها أجمل امرأة في بني إسرائيل، فلما علمت أن ليس فيهم مثلها رغبت عنه وأرادت شيئاً آخر، فدعا الله أن يجعلها كلبة فصارت كلبة فذهبت دعوتان، فجاء بنوها فقالوا: ليس بنا على هذا قرار قد صارت أمنا كلبة يعيرنا الناس بها، فادع الله أن يردّها إلى الحال التي كانت عليها، فدعا الله فعادت كما كانت، وذهبت الدعوات الثلاث وتسمى البسوس(١)، غريب. وأما المشهور في سبب نزول هذه الآية الكريمة فإنما هو رجل من المتقدمين في زمن بني إسرائيل كما قال ابن مسعود وغيره من السلف. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هو رجل من مدينة الجبارين يقال له: بلعام وكان يعلم اسم الله الأكبر(٢). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيره من علماء السلف: كان مجاب الدعوة ولا يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه(٣). وأغرب بل أبعد بل أخطأ من قال: كان قد أوتي النبوة فانسلخ منها، حكاه ابن جرير عن بعضهم ولا يصح. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: لما نزل موسى بهم يعني بالجبارين ومن معه أتاه - يعني: بلعم ــ أتاه بنو عمه وقومه فقالوا: إن موسى رجل حديد ومعه جنود كثيرة، وإنه إن يظهر علينا يهلكنا فادع الله أن يردّ عنا موسى ومن معه، قال: إني إن دعوت الله أن يردّ موسى ومن معه ذهبت دنياي وآخرتي، فلم يزالوا به حتى دعا عليهم فسلخه الله ما كان عليه، فذلك قوله تعالى: ﴿فَأَنْسَلَغَ مِنْهَا فَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَارِينَ﴾ (٤). وقال السدي: لما انقضت الأربعون سنة التي قال الله: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةُ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِيْنَ سَنَّةٌ﴾ [المائدة: ٢٦] بعث يوشع بن نون نبياً، فدعا بني إسرائيل فأخبرهم أنه نبي وأن الله أمره أن يقاتل الجبارين، فبايعوه وصدقوه، وانطلق رجل من بني إسرائيل يقال له: بلعام فكان عالماً يعلم الاسم الأعظم المكتوم فكفر ـ لعنه الله - وأتى الجبارين وقال لهم: لا ترهبوا بني إسرائيل فإني إذا خرجتم تقاتلونهم أدعو عليهم دعوة فيهلكون وكان عندهم فيما شاء من الدنيا غير أنه كان لا يستطيع أن يأتي النساء لعظمهن، فكان ينكح أتاناً(٥) له وهو الذي قال الله تعالى: ﴿فَأَنْسَلَخَ مِنْهَا﴾(٦). وقوله تعالى: ﴿فَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ أي: استحوذ عليه وعلى أمره فمهما أمره امتثل وأطاعه ولهذا قال: ﴿فَكَانَ مِنَ الْغَارِينَ﴾ أي: من الهالكين الحائرين البائرين. وقد ورد في معنى هذه الآية حديث رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده حيث قال: (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه بنحوه، وسنده ضعيف لضعف أبي سعد البقال الأعور وهو مدلس أيضاً. (٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن. (٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به. (٥) الأتان: أنثى الحمار. (٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، وهذه الرواية أيضاً من الإسرائيليات كسابقاتها . ١٢٠ • سُؤَدَّةُ الْأَّغَرَافِ (١٧٥، ١٧٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 حدثنا محمد بن مرزوق، حدثنا محمد بن بكر، عن الصلت بن بهرام، حدثنا الحسن، حدثنا جندب البجلي في هذا المسجد أن حذيفة يعني: ابن اليمان ظُه حدثه قال: قال رسول الله وَليه : ((إن مما أتخوف عليكم رجل قرأ القرآن حتى إذا رؤيت بهجته عليه وكان رداؤه الإسلام اعتراه إلى ما شاء الله انسلخ منه ونبذه وراء ظهره، وسعى على جاره بالسيف ورماه بالشرك)) قال: قلت: يا نبي الله أيهما أولى بالشرك المرمي أو الرامي؟ قال: ((بل الرامي))(١). هذا إسناد جيد والصلت بن بهرام كان من ثقات الكوفيين ولم يُرمَ بشيء سوى الإرجاء، وقد وثقه الإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهما . وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَفَعْتَهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ: أَغْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَأَتَّبَعَ هَوَنَّهُ﴾ يقول تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعَنَهُ بِهَا﴾ أي: لرفعناه من التدنس عن قازورات الدنيا بالآيات التي آتيناه إياها ﴿وَلَكِنَّهُ: أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ أي: مال إلى زينة الحياة الدنيا وزهرتها، وأقبل على لذاتها ونعيمها، وغرته كما غرت غيره من غير أولي البصائر والنهى، وقال [أبو الزاهرية](٢) في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّهُ: أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ قال: تراءى له الشيطان على علوة من قنطرة [بايناس](٣)، فسجدت الحمارة لله وسجد بلعام للشيطان (٤)، وكذا قال عبد الرحمن بن جبير بن نفير وغير واحد (٥). وقال الإمام أبو جعفر بن جرير تَّتُهُ: وكان من قصة هذا الرجل ما حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر، عن أبيه أنه سئل عن هذه الآية ﴿ وَآَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِىّ ءَاتَّيْنَهُ ءَايَلِنَا﴾ فحدث عن سيار أنه كان رجلاً يقال له: بلعام وكان مجاب الدعوة، قال: وإن موسى أقبل في بني إسرائيل يريد الأرض التي فيها بلعام أو قال: الشام قال: فرعب الناس منه رعباً شديداً فأتوا بلعام فقالوا: ادع الله على هذا الرجل وجيشه، قال: حتى أؤامر ربي أو حتى أوامر، قال فوامر في الدعاء عليهم فقيل له: لا تدعوا عليهم فإنهم عبادي وفيهم نبيهم، قال: فقال لقومه: إني قد وامرت ربي في الدعاى عليهم. وإني قد نهيت فأهدوا له هدية، فقبلها ثم راجعوه فقالوا: ادع عليهم فقال: حتى فوامر ربي، فأمر فلم يأمره بشيء فقال: قد وامرت فلم يأمرني بشيء فقالوا: لو كره ربك أن تدعو عليهم لنهاك كما نهاك المرة الأولى، قال: فأخذ يدعو عليهم، فإذا دعا عليهم جرى على لسانه الدعاء على قومه، وإذا أراد أن يدعو أن يفتح لقومه دعا أن يفتح لموسى وجيشه أو نحواً من ذلك إن شاء الله، قال: فقالوا: ما نراك تدعو إلا علينا، قال: ما يجري على لساني إلا هكذا ولو دعوت عليه أيضاً ما استجيب لي ولكن سأدلكم على أمر عسى أن يكون فيه (١) أخرجه البزار من طريق محمد بن مرزوق به كما في مختصر زوائد البزار (ح١٣١) وحسنه الهيثمي (المجمع ١٨٨/١) وأخرجه ابن حبان من طريق أبي يعلى به (الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ح٨١) وجود سنده الحافظ ابن كثير. (٢) كذا في (حم) و(عم) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل صحفت إلى: ((أبو الراهوية))، وفي ((مح)): أبو الزهرا. وأبو الزاهرية هو: حدير بن کریب. (٣) كذا في (عم)، وفي (حم) وتفسير ابن أبي حاتم: بليناس، وفي الأصل: ((باساس))، وفي (مح): ((لساس)). (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق شريح بن عبيد، عن أبي الزاهرية. (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير مختصراً.