النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١
سُورَةُ الأَغراف (١٤٠، ١٤٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
بسدرة ويعكفون حولها -، فقال النبي ويتلقى: ((الله أكبر هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل
لنا إلهاً كما لهم آلهة، إنكم تركبون سنن من قبلكم))(١) أورده ابن جرير ورواه ابن أبي حاتم من
حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المُزني، عن أبيه، عن جده مرفوعاً (٢).
] ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْفِيكُمْ إِلَهَا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ (١٢) وَإِذْ أَنَيْنَكُمْ مِّنْ ءَالٍ فِرْعَوْنَ
يَسُومُونَكُمْ سُوّءَ الْعَذَابِ يُقَيِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِ ذَلِكُمْ بَّءٌ مِّن رَّبِكُمْ عَظِيمٌ
يُذكّرهم موسىمنظلّله بنعمة الله عليهم من إنقاذهم من أسر فرعون وقهره، وما كانوا فيه من
الهوان والذلة، وما صاروا إليه من العزة والاشتفاء من عدوهم، والنظر إليه في حال هوانه
وهلاكه وغرقه ودماره وقد تقدم تفسيرها في البقرة(٣).
وَوَعَدْنَا مُوسَى ثَثِينَ لَيْلَةُ وَأَتْمَمْنَهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةُ وَقَالَ مُوسَى
لِأَخِهِ مَرُونَ أَخْلُفْنِى فِ قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَنَِّعَ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ
يقول تعالى ممتنّاً على بني إسرائيل بما حصل لهم من الهداية بتكليمه موسى عليّله وإعطائه
التوراة وفيها أحكامهم وتفاصيل شرعهم، فذكر تعالى أنه واعد موسى ثلاثين ليلة.
قال المفسرون: فصامها موسى ظلّ وطواها، فلما تمّ الميقات استاك بلحاء شجرة، فأمره الله
تعالى أن يكمل بعشر أربعين.
وقد اختلف المفسرون في هذه العشر ما هي: فالأكثرون على أن الثلاثين هي ذو القعدة
والعشر عشر ذي الحجة، قاله مجاهد ومسروق وابن جريج وروي عن ابن عباس وغيره (٤).
فعلى هذا يكون قد كمل الميقات يوم النحر، وحصل فيه التكليم لموسى ظلَّلا، وفيه أكمل الله
الدين لمحمد ﴿ كما قال تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَنْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ
دِينًا﴾ [المائدة: ٣] فلما تم الميقات وعزم موسى على الذهاب إلى الطور كما قال تعالى: ﴿يَنِىّ
إِسْرَِّيَ قَدْ أََّكُ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَعَدْنَكُمْ جَانِبَ الُورِ الْأَيْمَنَ﴾ [طه: ٨٠] الآية فحينئذٍ استخلف موسى ظلَّلا
على بني إسرائيل أخاه هارون ووصاه بالإصلاح وعدم الإفساد، وهذا تنبيه وتذكير وإلا
فهارون فعاليّل نبي شريف كريم على الله له وجاهة وجلالة صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر
الأنبياء.
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٣١/٣٦ ح ٢١٩٠٠) وصحح سنده محققوه.
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو به وسنده ضعيف لضعف كثير بن عبد الله
(التقریب ص ٤٦٠).
(٣) آية ٤٩ - ٥٠.
(٤) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول مسروق أخرجه الطبري بسند
صحيح من طريق أبي إسحاق السبيعي عنه، وقول ابن جريج أخرجه الطبري بسند ضعيف ويتقوى بسابقيه،
وقول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف في سنده محبوب بن محرز وهو لين الحديث كما في
التقريب، ويتقوى كسابقه.
٨٢
• سُوَرَّةُ الأَغَرَافِ (١٤٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
، ﴿وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيقَئِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُمْ قَالَ رَبِّ أَرِفِ أَنْظُرْ إِلَيْكَّ قَالَ لَنْ تَرَطِ وَلَكِنِ أَنْظُرْ إِلَىَ
اُلْجَبَلِ فَإِنِ أَسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَبِىّ فَلَمَّا تَجَلَى رَبُّ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًا وَخَرَّ مُوسَى صَعِفَأَ فَلَمَّا أَفَاقَ
قَالَ سُبْحَنَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ
يخبر تعالى عن موسى علّ أنه لما جاء لميقات الله تعالى وحصل له التكليم من الله تعالى
سأل الله تعالى أن ينظر إليه فقال: ﴿رَبِّ أَرِفِ أَنْظُرْ إِلَيْكَّ قَالَ لَنْ تَرَِ﴾، وقد أشكل حرف لن ههنا
على كثير من العلماء لأنها موضوعة لنفي التأبيد، فاستدلّ به المعتزلة على نفي الرؤية في الدنيا
والآخرة. وهذا أضعف الأقوال، لأنه قد تواترت الأحاديث عن رسول الله 83* بأن المؤمنين
يرون الله في الدار الآخرة كما سنوردها عند قوله تعالى: ﴿وُجُوهُ يَوْمَذٍ نَاضِرَةٌ ﴿ إِلَى بِهَاَ نَاظِرَةٌ
[القيامة].
وقوله تعالى إخباراً عن الكفار: ﴿كَّ إِنَهُمْ عَنْ تَّتِهِمْ يَوْمَيِذٍ ◌ََّحْبُبُونَ ﴾﴾ [المطففين] وقيل: إنها لنفي
التأبيد في الدنيا جمعاً بين هذه الآية وبين الدليل القاطع على صحة الرؤيا في الدار الآخرة.
وقيل: إن هذا الكلام في هذا المقام كالكلام في قوله تعالى: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرُِ
اُلْأَبْصَرِّ وَهُوَ اَللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (٣)﴾ [الأنعام] وقد تقدم ذلك في الأنعام.
وفي الكتب المتقدمة أن الله تعالى قال لموسى علّلها: ((يا موسى إنه لا يراني حي إلا مات ولا
يابس إلا تدهده)) ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ .
قال أبو جعفر بن جرير الطبري في تفسير هذه الآية: حدثنا أحمد بن سهيل الواسطي، حدثنا
قُرة بن عيسى، حدثنا الأعمش، عن رجل، عن أنس عن النبي و لإ قال: لما تجلّى ربه للجبل أشار
بأصبعه فجعله دكاً. وأرانا أبو إسماعيل بأصبعه السبابة (١)، هذا الإسناد فيه رجل مبهم لم يسم.
ثم قال: حدثني المثنى، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد، عن ليث(٢)، عن أنس أن
النبي ◌َ﴿ قرأ هذه الآية: ﴿فَلَمَّا تَجَلَى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَمُ دَكًا﴾ قال: هكذا بأصبعه، ووضع
النبي وير أصبعه الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر، فساخ الجبل(٣).
هكذا وقع في هذه الرواية حماد بن سلمة عن ليث عن أنس والمشهور حماد بن سلمة عن
ثابت عن أنس كما قال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا هدبة بن خالد، حدثنا حماد بن سلمة،
عن ثابت، عن أنس قال: قرأ رسول الله وَالٍ: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًا﴾ قال:
((ووضع الإبهام قريباً من طرف خنصره))، قال: ((فساخ الجبل))، قال حُميد لثابت: يقول هكذا!
فرفع ثابت يده فضرب صدر حُميد وقال: يقوله رسول الله و الله، ويقوله أنس وأنا أكتمه (٤)؟
وهكذا رواه الإمام أحمد في مسنده، حدثنا أبو المثنى معاذ بن معاذ العنبري، حدثنا حماد بن
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإبهام شيخ الأعمش، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات (١/
١٢١)، والسيوطي في اللآلي (٣٠/١).
(٢) هكذا في جميع النسخ، والصواب: ثابت كما في نسخ تفسير الطبري المحققة.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، من طريق ثابت، وسنده صححه أحمد شاكر وغيره كما سيأتي .
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الحاكم من طريق حماد بن سلمة به وصححه ووافقه الذهبي
(المستدرك ٣٢٠/٢).
٨٣
• سُوَرَّةُ الْأَّغَرَافِ (١٤٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
سلمة، حدثنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك عن النبي وَ ل﴿ في قوله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبّهُ لِلْجَبَلِ﴾
قال: قال: ((هكذا)) يعني أنه أخرج طرف الخنصر قال أحمد: أرانا معاذ فقال له حُميد الطويل:
ما تريد إلى هذا يا أبا محمد؟ قال: فضرب صدره ضربة شديدة، وقال: من أنت يا حُميد؟ وما
أنت [يا حُميد](١)؟ يحدثني به أنس بن مالك عن النبي ◌َّ يقول ما تريد إليه؟(٢).
وهكذا رواه الترمذي في تفسير هذه الآية عن عبد الوهاب بن الحكم الوراق، عن معاذ بن
معاذ به. وعن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن سليمان بن حرب، عن حماد بن سلمة به.
ثم قال: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد.
وهكذا رواه الحاكم في مستدركه من طرق عن حماد بن سلمة به وقال: هذا حديث صحيح
على شرط مسلم ولم يخرجاه.
ورواه أبو محمد بن الحسن بن محمد بن علي الخلال، عن محمد بن علي بن سويد، عن أبي
القاسم البغوي، عن هدية بن خالد، عن حماد بن سلمة فذكره(٣). وقال: هذا إسناد صحيح لا
علّة فيه، وقد رواه داود بن المحبر، عن شعبة، عن ثابت، عن أنس مرفوعاً [وهذا ليس بشيء،
لأن داود بن المحبر كذاب. رواه الحافظان أبو القاسم الطبراني وأبو بكر بن مردويه من طريقين،
عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس مرفوعاً(٤) بنحوه وأسنده ابن مردويه من طريق ابن
البيلماني، عن أبيه، عن عمر مرفوعاً ولا يصح أيضاً](٥).
وقال السدي، عن عكرمة، عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَّلِ﴾ قال:
ما تجلى منه إلا قدر الخنصر ﴿جَعَلَهُ دَكًا﴾ قال: تراباً ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ قال: مغشياً عليه (٦)
رواه ابن جرير.
وقال قتادة: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ قال: ميتاً (٧).
وقال سفيان الثوري: ساخ الجبل في الأرض حتى وقع في البحر فهو يذهب معه (٨).
وقال سنيد، عن حجاج بن محمد الأعور، عن أبي بكر الهذلي: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ
دَكًا﴾ انقعر فدخل تحت الأرض فلا يظهر إلى يوم القيامة (٩)، وجاء في بعض الأخبار أنه ساخ
في الأرض فهو يهوي فيها إلى يوم القيامة رواه ابن مردويه.
(١) كذا في (حم) و(مح) ومسند أحمد، وفي الأصل: ((يا أبا حميد)).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وفي آخره: فتقول انت: ما تريد إليه؟ (المسند ٢٨١/١٩ ح ١٢٢٦٠)
وصححه محققوه.
(٣) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الأعراف (ح ٣٠٧٤ والمستدرك ٣٢٠/٢).
(٤) طريق سعيد بن أبي عروبة أخرجه ابن أبي عاصم وصححه الألباني (السنة ح ٤٨٢، ٤٨٣).
(٥) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل سقط وتداخل إذ ورد بلفظ: ((وأسنده ابن مردويه من طريقين عن
سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس مرفوعاً ولا يصح أيضاً)).
(٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي به.
(٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.
(٨) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن المبارك عن سفيان.
(٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف سُنيد.
٨٤
سُورَةُ الأَغَرَافِ (١٤٣)
00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000001
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمر بن شبة، حدثنا محمد بن يحيى أبو غسان الكناني، حدثنا
عبد العزيز بن عمران، عن معاوية بن عبد الله، عن الجلد بن أيوب، عن معاوية بن قرة، عن أنس بن
مالك أن النبي و ﴿ قال: ((لما تجلّى الله للجبال طارت لعظمته ستة أجبل فوقعت ثلاثة بالمدينة وثلاثة
بمكة، بالمدينة أحد وورقان ورضوى ووقع بمكة حراء وثبير وثور)) (١) وهذا حديث غريب بل منكر.
وقال ابن أبي حاتم: ذُكر عن محمد بن عبد الله بن أبي الثلج، حدثنا الهيثم بن خارجة،
حدثنا عثمان بن حصين بن العلاف، عن عروة بن رويم قال: كانت الجبال قبل أن يتجلى الله
لموسى على الطور صماً ملساء فلما تجلّى الله لموسى على الطور دٌُ، وتفطرت الجبال، فصارت
الشقوق والكهوف(٢).
وقال الربيع بن أنس: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَمُ دَكًا وَخَرَّ مُوسَى صَعِفًا﴾ وذلك أن الجبل
حين كشف الغطاء ورأى النور، صار مثل دكّ من الدكاك(٣).
وقال بعضهم: جعله دكاً أي فتنة.
وقال مجاهد في قوله: ﴿وَلَكِنِ أَنْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ أُسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَِ﴾: فإنه أكبر
منك وأشد خلقاً ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبّهُ لِلْجَبَلِ﴾ فنظر إلى الجبل لا يتمالك، وأقبل الجبل فدك على
أوله، ورأى موسى ما يصنع الجبل فخرّ صعقاً (٤).
وقال عكرمة: ﴿جَعَلَمُ دَكًا﴾ قال: نظر الله إلى الجبل فصار صحراء تراباً(٥)، وقد قرأ بهذه
القراءة بعض القراء(٦) واختارها ابن جرير.
وقد ورد فيها حديث مرفوع رواه ابن مردويه والمعروف أن الصعق هو الغشي هاهنا كما فسره
ابن عباس وغيره لا كما فسره قتادة بالموت وإن كان صحيحاً في اللغة كقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِى
الضُورِ فَصَعِقَ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَمَنْ فِ الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ
﴾ [الزمر] فإن هناك قرينة تدل على الموت كما أن هنا قرينة تدل على الغشي. وهي قوله:
٦٨
﴿فَلَّ أَفَاقَ﴾ والإفاقة لا تكون إلا عن غشي ﴿قَالَ سُبْحَنَكَ﴾ تنزيهاً وتعظيماً وإجلالاً أن يراه أحد
في الدنيا إلا مات.
وقوله: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ قال مجاهد: أن أسألك الرؤية(٧) ﴿وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال ابن عباس
ومجاهد: من بني إسرائيل(٨)، واختاره ابن جرير.
(١) حديث موضوع لا أصل له، قاله ابن حبان (المجروحين ٢١٠/١).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه معلقا، وسنده ضعيف إذ لم يسم شيخه.
(٣) أخرجه الطبري سند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بنحوه.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه بنحوه.
(٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق يزيد بن حازم عن عكرمة.
(٦) أي قراءة ﴿ذَكَّةَ﴾ [الكهف: ٩٨] وهي قراءة متواترة.
(٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن رجل مبهم عن مجاهد.
(٨) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند حسن من طريق السدي عن عكرمة عن ابن عباس، وقول مجاهد
أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
٨٥
• سُورَةُ الأَغَرَافِ (١٤٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وفي رواية أخرى عن ابن عباس: ﴿وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أنه لا يراك أحد (١). وكذا قال أبو
العالية قد كان قبله مؤمنون، ولكن يقول: أنا أول من آمن بك أنه لا يراك أحد من خلقك إلى
يوم القيامة(٢)، وهذا قول حسن له اتجاه.
وقد ذكر محمد بن جرير في تفسيره هاهنا أثراً طويلاً فيه غرائب وعجائب عن محمد بن
إسحاق بن يسار وكأنه تلقاه من الإسرائيليات والله أعلم.
وقوله: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ فيه أبو سعيد وأبو هريرة عن النبي ◌َّ، فأما حديث أبي سعيد
فأسنده البخاري في صحيحه لههنا فقال: حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن عمرو بن
يحيى المازني، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري ◌ُه قال: جاء رجل من اليهود إلى النبي وَل
قد لُطم وجهه، وقال: يا محمد إن رجلاً من أصحابك من الأنصار لطم وجهي. قال: ((ادعوه) .
فدعوه قال: ((لم لطمت وجهه؟)) قال: يا رسول الله إني مررت باليهودي فسمعته يقول: ((والذي
اصطفى موسى على البشر قال: وعلى محمد؟ قال: فقلت: وعلى محمد، وأخذتني غضبة فلطمته
فقال: ((لا تخيروني من بين الأنبياء فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فإذا أنا
بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبل أم جوزي بصعقة الطور))؟(٣) وقد رواه
البخاري في أماكن كثيرة من صحيحه ومسلم في أحاديث الأنبياء، وأبو داود في كتاب السنة من
سننه من طرق عن عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي الحسن المازني الأنصاري المدني، عن أبيه،
عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري به(٤) .
وأما حديث أبي هريرة فقال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا أبو كامل، حدثنا إبراهيم بن
سعد، حدثنا ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعبد الرحمن الأعرج، عن أبي
هريرة به قال: استبّ رجلان رجل من المسلمين ورجل من اليهود فقال المسلم: والذي
اصطفى محمداً على العالمين. فقال اليهودي: والذين اصطفى موسى على العالمين، فغضب
المسلم على اليهودي فلطمه، فأتى اليهودي رسول الله وَلّ فسأله فأخبره فدعاه رسول الله وَله
فاعترف بذلك، فقال رسول الله وسلم: ((لا تخيروني على موسى فإن الناس يصعقون يوم القيامة
فأكون أول من يفيق فإذا موسى ممسك بجانب العرش فلا أدري أكان ممن صعق فأفاق قبلي أم
كان ممن استثنى الله ريك))(٥). أخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري به(٦).
وقد روى الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا تَظُّ أن الذي لطم اليهودي في هذه القضية هو أبو
(١) كذا أورده مختصراً وأخرجه الطبري كاملاً بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: ((أنا
أول من يؤمن أنه لا يراك شيء من خلقك)).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عن أبي العالية.
(٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿ وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيقَئِنَا ... ﴾ [الأعراف: ١٤٣]
ح ٤٦٣٨).
(٤) صحيح مسلم، الفضائل، باب من فضائل موسى (ح٢٣٧٤)، وسنن أبي داود، السنة، باب في التخيير بين
الأنبياء (ح ٤٦٦٨).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٦٤/٢)، وسنده صحيح.
(٦) صحيح البخاري، مطلع كتاب الخصومات (ح٢٤١١)، وصحيح مسلم، الفضائل، باب من فضائل
موسى ظا (ح٢٣٧٣).
٨٦
سُورَةُ الأَغَافِ (١٤٤، ١٤٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
بكر الصديق به(١)، ولكن تقدم في الصحيحين أنه رجل من الأنصار، وهذا هو أصح وأصرح
والله أعلم.
والكلام في قوله تعلل *: ((لا تخيروني على موسى)) كالكلام على قوله: ((لا تفضلوني على
الأنبياء ولا على يونس بن متى)) قيل: من باب التواضع، وقيل: قبل أن يعلم بذلك، وقيل: نهى
أن يفضل بينهم على وجه الغضب والتعصب وقيل: على وجه القول بمجرد الرأي والتشهي والله
أعلم.
وقوله: ((فإن الناس يصعقون يوم القيامة)) الظاهر أن هذا الصعق يكون في عرصات القيامة
يحصل أمر يصعقون منه والله أعلم به. وقد يكون ذلك إذا جاء الرب تبارك وتعالى لفصل القضاء
وتجلى للخلائق الملك الديان، كما صعق موسى من تجلّ الرب تبارك وتعالى، ولهذا قال ◌ِلَّل:
((فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور)»؟.
وقد روى القاضي عياض في أوائل كتابه ((الشفاء)) بسنده عن محمد بن محمد بن مرزوق،
[حدثنا هانئ بن يحيى السلمي(٢)]، حدثنا الحسن، عن قتادة، عن يحيى بن وثاب، عن أبي
هريرة عن النبي ◌َ ﴿ قال: ((لما تجلّى الله لموسى ظلّه كان يبصر النملة على الصفا في الليلة
الظلماء مسيرة عشرة فراسخ))(٣) ثم قال: ولا يبعد على هذا أن يختص نبينا بما ذكرناه من هذا
الباب بعد الإسراء والحظوة بما رأى من آيات ربه الكبرى(٤). انتهى ما قاله، وكأنه صحح هذا
الحديث، وفي صحته نظر ولا تخلو رجال إسناده من مجاهيل لا يُعرفون(٥)، ومثل هذا إنما يقبل
من رواية العدل الضابط عن مثله حتى ينتهي إلى منتهاه، والله أعلم.
] ﴿قَالَ يَمُوسَىّ إِنِ اضْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِسَلَتِ وَبِكَِى فَخُذْ مَآ ءَاتَيْتُكَ وَّكُن مِّنَ الشَّكِرِينَ
٤٤)
وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءٍ مَّوْعِظَةُ وَنَفْضِيلًا لِكُلِّ شَىْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأَمُرْ قَوْمَكَ
يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَاْ سَأُوْرِيَكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ
يذكر تعالى أنه خاطب موسى بأنه اصطفاه على أهل زمانه برسالاته تعالى وبكلامه، ولا شك
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب البعث واستدل بأن الذي لطم هو أبو بكر ته (الفتح ٤٤٣/٦).
(٢) في النُسخ بلفظ قتادة، والصواب ما أُثبت حسب ما ذكره شُراح كتاب ((الشفاء)) إذ صرح به أحمد الشمني
مؤلف «مزيل الخفاء عن ألفاظ الشفاء)) ٦٩/١ ونقل ذلك ملا علي القاري عن الحلبي (شرح الشفاء ١/
١٧٢) علماً أنه ورد في الشفاء بلفظ: ((همام))، وقد صححه الشُّراح المذكورون. ويؤيد هذا رواية الطبراني
وتعليقه التالي في التخريج، وترجمته في اللسان كما يلي.
(٣) الفرسخ يساوي: ٥٫٥٤٤ كيلاً (المقادير في الفقه الإسلامي ص٧١).
(٤) أخرجه القاضي بسنده ومتنه مع الخلاف الموضح في سابقه (شرح الشفاء ١٧٢/١) وسنده ضعيف لضعف
هانئ بن يحيى السلمي، قال الحافظ: يروي عن الحسن بن أبي جعفر الرازي قال ابن حبان في الثقات:
يخطئ (لسان الميزان ١٨٧/٦)، وأخرجه الطبراني من طريق هاني ثم قال: لم يروه عن قتادة إلا الحسن بن
أبي جعفر تفرد به هاني بن يحيى. (المعجم الصغير ٧٧)، ومزيل الخفاء عن ألفاظ الشفاء ٦٩/١ وفي سنده
أيضاً الحسن وهو ابن أبي جعفر ضعيف (التقريب ص١٦٩).
(٥) قال هذا الحافظ ابن كثير بسبب الخلل في إيراد السند.
٨٧
• سُورَةُ الْأَغَافِ (١٤٦، ١٤٧)
00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أن محمداً وَ ل سيد ولد آدم من الأولين والآخرين، ولهذا اختصه الله تعالى بأن جعله خاتم
الأنبياء والمرسلين الذي تستمر شريعته إلى قيام الساعة وأتباعه أكثر من أتباع سائر الأنبياء
والمرسلين كلهم، وبعده في الشرف والفضل إبراهيم الخليل ظلّلا، ثم موسى بن عمران كليم
الرحمن علَّل*، ولهذا قال الله تعالى له: ((فخذ ما آتيتك)) أي: من الكلام والمناجاة ﴿وَكُنْ مِنَ
الشَّكِرِينَ﴾ أي: على ذلك ولا تطلب ما لا طاقة لك به، ثم أخبر تعالى أنه كتب له في الألواح
من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء.
قيل: كانت الألواح من جوهر وإن الله تعالى كتب له فيها مواعظ وأحكاماً مفصلة مبينة
الحلال والحرام، وكانت هذه الألواح مشتملة على التوراة التي قال الله تعالى فيها: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا
مُوسَى الْكِتَبَ مِنْ بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَابِرَ لِلنَّاسِ﴾ [القصص: ٤٣].
وقيل: الألواح أعطيها موسى قبل التوراة والله أعلم، وعلى كل تقدير فكانت كالتعويض له
عما سأل من الرؤية ومنع منها والله أعلم.
وقوله: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ أي: بعزم على الطاعة ﴿وَأَمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا﴾ قال سفيان بن عيينة:
حدثنا أبو سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: أمر موسى ظلَّا أن يأخذ بأشد ما أمر قومه(١).
وقوله: ﴿سَأُوْرِكُمْ دَارَ الْفَسِقِينَ﴾ أي: سترون عاقبة من خالف أمري وخرج عن طاعتي كيف
يصير إلى الهلاك والدمار والتباب.
قال ابن جرير: وإنما قال: ﴿سَأُوْرِيكُزْ دَارَ الْفَسِقِينَ﴾ كما يقول القائل لمن يخاطبه: سأريك غداً
إلامَ يصير إليه حال من خالف أمري! على وجه التهديد والوعيد لمن عصاه وخالف أمره(٢)، ثم
نقل معنى ذلك عن مجاهد والحسن البصري(٣).
وقيل: معناه: ﴿سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الْفَسِقِينَ﴾ أي: من أهل الشام وأعطيكم إياها وقيل: منازل قوم
فرعون، والأولى أولى، والله أعلم لأن هذا بعد انفصال موسى وقومه عن بلاد مصر، وهو
خطاب لبني إسرائيل قبل دخولهم التيه. والله أعلم.
2] ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَقِىَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْأْ كُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُواْ
بِهَا وَإِن يَرَوْأْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْ سَبِيلَ اُلْفِىِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ
بِشَايَتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَفِينَ (٣٦) وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا وَلِقَاءِ الْآَخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمَّ هَلْ يُجْزَوْنَ
إِلَّا مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (®)﴾.
يقول تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَتِىَ الَّذِينَ يَتَكَّرُونَ فِىِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي: سأمنع فهم الحجج
والأدلة الدالة على عظمتي وشريعتي وأحكامي قلوب المتكبرين عن طاعتي ويتكبرون على الناس
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سفيان بن عيينة به.
(٢) ذكره الطبري بلفظه.
(٣) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند
حسن من طريق مبارك عنه.
٨٨
• سُورَةُ الأَغَافِ (١٤٨، ١٤٩)
بغير حق، أي كما استكبروا بغير حق أذلهم الله بالجهل كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ
كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ: أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠] وقال تعالى: ﴿فَلَمَا زَاغُوْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]
وقال بعض السلف: لا ينال العلم حيي ولا مستكبر، وقال آخر: من لم يصبر على ذل التعلم
ساعة بقي في ذلك الجهل أبداً .
وقال سفيان بن عيينة في قوله: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَِىَ الَّذِينَ يَتَكَبَُّونَ فِ اْأَرْضِ بِغَيْرِ اُلْحَقِّ﴾ قال:
أنزع عنهم فهم القرآن وأصرفهم عن آياتي.
قال ابن جرير: وهذا يدل على أن هذا الخطاب لهذه الأمة(١).
قلت: ليس هذا بلازم لأن ابن عيينة إنما أراد أن هذا مطرد في حق كل أُمة ولا فرق بين أحد
وأحد في هذا، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَإِن يَرَوْ كُلَّ مَيَّةٍ لَّا يُؤْمِنُواْ بِهِأَ﴾ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَيِّكَ
لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ وَلَوَ جَمَّتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَّ يَرَوَأ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (4)﴾ [يونس] وقوله: ﴿وَإِن يَرَوْأْ سَبِيلَ
الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ أي: وإن ظهر لهم سبيل الرشد أي طريق النجاة لا يسلكوها، وإن ظهر
لهم طريق الهلاك والضلال يتخذوه سبيلاً، ثم علّل مصيرهم إلى هذه الحال بقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ
كَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا﴾ أي: كذبت بها قلوبهم ﴿وَكَانُواْ عَنْهَا غَفِينَ﴾ أي: لا يعلمون شيئاً مما فيها،
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا وَلِقَآءِ الْآَخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ﴾ أي: من فعل منهم ذلك واستمر
عليه إلى الممات حبط عمله.
وقوله: ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي: إنما نجازيهم بحسب أعمالهم التي
أسلفوها إن خيراً فخير، وإن شراً فشر وكما تَدين تُدان.
- ﴿وَأَخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا
يَهْدِيهِمْ سَكِيلًا أَخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَلِمِينَ ﴿ وَلَا سُقِطَ فِى أَيْدِيِهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَيِن
لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ
يخبر تعالى عن ضلال من ضلّ من بني إسرائيل في عبادتهم العجل الذي اتخذه لهم السامري،
من حلي القبط الذي كانوا استعاروه منهم فشكّل لهم منه عجلاً، ثم ألقى فيه القبضة من التراب التي
أخذها من أثر فرس جبريل ظلَّلها، فصار عجلاً جسداً له خوار: والخوار صوت البقر، وكان هذا
منهم بعد ذهاب موسى لميقات ربه تعالى فأعلمه الله تعالى بذلك وهو على الطور، حيث يقول
تعالى إخباراً عن نفسه الكريمة: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُ السَّامِرِىُّ ﴾﴾ [طه].
وقد اختلف المفسرون في هذا العجل هل صار لحماً ودماً له خوار أو استمر على كونه من
ذهب إلا أنه يدخل فيه الهواء فيصوت كالبقر على قولين والله أعلم. ويقال: إنهم لما صوت لهم
العجل رقصوا حوله وافتتنوا به وقالوا: هذا إلهكم وإله موسى فنسي قال الله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلََّ
يَرَّجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرَّ وَلَا نَفْعًا (٨)﴾ [طه] وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿أَلَمْ يَرَوَا أَنَّهُ
(١) ذكره الطبري بنحوه.
٨٩
• سُوَّةُ الأَشَرَافِ (١٥٠، ١٥١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ ينكر تعالى عليهم في ضلالهم بالعجل وذهولهم عن خالق السموات
والأرض ورب كل شيء ومليكه أن عبدوا معه عجلاً جسداً له خوار لا يكلمهم ولا يرشدهم إلى
خير، ولكن غطّى على أعين بصائرهم عمى الجهل والضلال كما تقدم من رواية الإمام أحمد
وأبي داود عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله وَّهُ: ((حُبكَ الشيء يعمي ويصمّ))(١).
وقوله: ﴿وَلَّا سُقِطَ فِىَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: ندموا على ما فعلوا ﴿وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُوا لَيِن لَّمْ
يَرْحَمْنَا رَبُنَا وَيَغْفِرْ لَنَا﴾ وقرأ بعضهم: ﴿لئن لم ترحمنا﴾ بالتاء المثناة من فوق(٢) ﴿رَبَّنَا﴾ منادى
﴿وتغفر لنا لنكونن من الخاسرين﴾ أي: من الهالكين، وهذا اعتراف منهم بذنبهم والتجاء
إلى الله رحل .
﴿وَلَنَّا رَجَعَ مُوسَقَ إِلَى قَوْمِهِ، غَضَْنَ أَسِفًا قَالَ بِنْسَمَا خَفْتُهُنِ مِنْ بَعْدِىٌّ أَعَجِلْتُمْ أَتَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى
الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُّهُ إِلَيْءٍ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ لُسْتَضْعَفُونِى وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِ فَلَا تُشْمِتْ بِ
الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٣ قَالَ رَبِّ أَغْفِرْ لِ وَلِأَخِى وَأَدْخِلْنَا فِى رَحْمَتِكٌ وَأَنْتَ أَرْحَمُ
الرَّحِمِينَ
يخبر تعالى أن موسى ظلّلا لما رجع إلى قومه من مناجاة ربه تعالى وهو غضبان أسف قال أبو
الدرداء: الأسف أشد الغضب(٣). ﴿قَالَ بِسَمَا خَلَقْتُونِ مِنْ بَعْدِىٌّ﴾ يقول: بئس ما صنعتم في عبادة
العجل بعد أن ذهبت وتركتكم.
وقوله: ﴿أَعَجِلْتُمْ أَ رَبِّكُمْ﴾ يقول: استعجلتم مجيئي إليكم وهو مقدر من الله تعالى.
وقوله: ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ قيل: كانت الألواح من زُمُردّ، وقيل: من
ياقوت، وقيل: من برد، وفي هذا دلالة على ما جاء في الحديث: ((ليس الخبر كالمعاينة)) (٤) ثم
ظاهر السياق أنه إنما ألقى الألواح غضباً على قومه، وهذا قول جمهور العلماء سلفاً وخلفاً.
وروى ابن جرير عن قتادة في هذا قولاً غريباً لا يصح إسناده إلى حكاية قتادة(٥)، وقد ردّه ابن
عطية وغير واحد من العلماء وهو جدير بالردّ، وكأنه تلقاه قتادة عن بعض أهل الكتاب، وفيهم
كذابون ووضاعون وأفاكون وزنادقة.
وقوله: ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُّهُ إِلَيْهٍ﴾ خوفاً أن يكون قد قصر في نهيهم كما قال في الآية
الأخرى: ﴿قَالَ يَهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْنَهُمْ ضَلُواْ ( أَلَّا تَتَّبِعَنِّ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى ﴿﴿ قَالَ يَبْنَؤُّمَّ لَا
تَأْخُذْ بِلِحْتِى وَلَا بِرَأْسِىٌّ إِ خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيّ إِسْرَّهِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِ ﴾﴾ [طه] وقال
(١) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٩٣.
(٢) القراءة بالتاء ((ترحمنا)) متواترة.
(٣) أخرجه الطبري من طريق نصر بن علقمة عن أبي الدرداء وأطول. وسنده منقطع لأن نصراً لم يسمع أبا
الدرداء پئه .
(٤) أخرجه الإمام أحمد من حديث ابن عباس ﴿ها مرفوعاً (المسند ٢٦٠/٤ ح ٢٤٤٧)، وصححه محققوه
وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٢١/٢).
(٥) سيأتي بطوله في الآية ١٥٤ من هذه السورة، وهو خبر مردود كما قال الحافظ ابن كثير.
٩٠
سُورَةُ الأَغَاف (١٥٢، ١٥٣)
هُهنا: ﴿أَبْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اُسْتَضْعَفُونِى وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِ فَلَا تُنْمِتْ بِى الْأَعْدَآءَ وَلَا تَجْعَلْنِى مَعَ اُلْقَوْمِ
الظَّالِمِينَ﴾ أي: لا تسوقني سياقهم وتجعلني معهم وإنما قال: ((ابن أَمِ) ليكون أرق وأنجع عنده
وإلا فهو شقيقه لأبيه وأمه، فلما تحقق موسىلعلَّ* براءة ساحة هارونلعلَّله كما قال تعالى:
﴿ وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَرُونُ مِن قَبْلُ يَقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُم بِهِ، وَإِنَّ رَبَّكُمُ الَّهْمَنُ فَّعُونِ وَأَطِيعُواْ أَمْرِى
(٥)﴾ [طه]
فعند ذلك ﴿قَالَ﴾ موسى ﴿رَبِّ أَغْفِرْ لِ وَلِأَخِى وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكٌ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّحِينَ﴾.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، عن
أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَيقول: ((يرحم الله موسى ليس
المعاين كالمخبر، أخبره ربه ريّ أن قومه فُتنوا بعده فلم يلقِ الألواح، فلما رآهم وعاينهم ألقى
الألواح)(١).
﴿إِنَّ الَّذِينَ أَتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالَهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَِلَةٌ فِ الْحَوَةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِى
وَالَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ ثَُّ تَابُواْ مِنْ بَعْدِهَا وَءَامَنُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ
اٌلْمُفْتَرِينَ
أما الغضب الذي نال بني إسرائيل في عبادة العجل فهو أن الله تعالى لم يقبل لهم توبة حتى
قتل بعضهم بعضاً، كما تقدم في سورة البقرة ﴿فَتُوبُواْ إِلَى بَارِيَكُمْ فَأَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ
بَرِيِّكُمْ فَابَ عَلَيْكُمَّ إِنَّهُ هُوَ النَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٥٤] وأما الذلّة فأعقبهم ذلك ذلاً وصغاراً في
الحياة الدنيا .
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ تَجْزِى الْمُفْتَرِينَ﴾ نائلة لكل من افترى بدعة فإن ذل البدعة ومخالفة الرسالة
متصلة من قلبه على كتفيه، كما قال الحسن البصري: إن ذلّ البدعة على أكتافهم، وإن
هملجت(٢) بهم البغلات وطقطقت بهم البراذين.
وهكذا روى أيوب السختياني عن أبي قلابة الجرمي أنه قرأ هذه الآية ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُفْتَرِينَ﴾
فقال: هي والله لكل مفتر إلى يوم القيامة (٣).
وقال سفيان بن عيينة: كل صاحب بدعة ذليل(٤).
ثم نبه تعالى عباده وأرشدهم إلى أنه يقبل توبة عباده من أي ذنب كان حتى ولو كان من كفر
أو شرك أو نفاق أو شقاق، ولهذا عقب هذه القصة بقوله: ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِنْ بَعْدِهَا
وَءَامَنُواْ إِنَّ رَبَّكَ﴾ أي: يا محمد يا رسول التوبة ونبي الرحمة ﴿مِنْ بَعْدِهَا﴾ أي: من بعد تلك الفعلة
﴿لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا أبان، حدثنا قتادة، عن
عزرة، عن الحسن العرني، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود أنه سئل عن ذلك يعني: عن
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن، وتقدم نحوه وتصحيحه في الحديث السابق برواية الإمام
أحمد.
(٢) أي سارت بهم سيراً حسناً في سرعة.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر وحماد بن زيد عن أيوب به.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق محمد بن أبي عمر العدني عن سفيان.
٩١
سُورَةُ الأَْرَافِ (١٥٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الرجل يزني بالمرأة ثم يتزوجها فتلا هذه الآية ﴿وَلَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِنْ بَعْدِهَا وَءَامَنُواْ إِنَّ
رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (6)﴾ فتلاها عبد الله عشر مرات فلم يأمرهم بها ولم ينههم عنها (١).
- ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ اَلْأَلْوَحِّ وَفِ نُتْخَتِهَا هُدَى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِهِمْ
يَرْهَبُونَ (9َ﴾ .
يقول تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ﴾ أي: سكن ﴿عَن تُوسَى الْغَضَبُ﴾ أي: غضبه على قومه ﴿أَخَذَ
الْأَلْوَاحِ﴾ أي: التي كان ألقاها من شدة الغضب على عبادتهم العجل غيرة لله وغضباً له ﴿وَفِي
نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ يقول كثير من المفسرين: إنها لما ألقاها تكسرت ثم
جمعها بعد ذلك، ولهذا قال بعض السلف: فوجد فيها هدى ورحمة، وأما التفصيل فذهب
وزعموا أن رضاضها لم يزل موجوداً في خزائن الملوك لبني إسرائيل إلى الدولة الإسلامية والله
أعلم بصحة هذا، وأما الدليل الواضح على أنها تكسرت حين ألقاها وهي من جوهر الجنة، فقد
أخبر تعالى أنه لما أخذها بعد ما ألقاها وجد فيها ﴿هُدَى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ ضمن
الرهبة معنى الخضوع، ولهذا عدّاها باللام.
وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿أَخَذَ اَلْأَلْوَاحٌ﴾ قال: ربِّ إني أجد في الألواح أُمة خير أُمة
أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فاجعلهم أُمتي. قال: تلك أُمة أحمد.
قال: ربِّ إني أجد في الألواح أُمة هم الآخرون السابقون - أي: آخرون في الخلق سابقون في
دخول الجنة ـــ ربِّ اجعلهم أُمتي قال: تلك أُمة أحمد. قال: ربِّ إني أجد في الألواح أُمة
أناجيلهم في صدورهم يقرؤونها وكان من قبلهم يقرؤون كتابهم نظراً حتى إذا رفعوها لم يحفظوا
شيئاً ولم يعرفوه وإن الله أعطاهم من الحفظ شيئاً لم يعطه أحداً من الأُمم. قال: ربِّ اجعلهم
أُمتي. قال: تلك أُمة أحمد. قال: ربِّ إني أجد في الألواح أُمة يؤمنون بالكتاب الأول وبالكتاب
الآخر، ويقاتلون فصول الضلالة حتى يقاتلون الأعور الكذاب فاجعلهم أُمتي. قال: تلك أُمة
أحمد. قال: ربِّ إني أجد في الألواح أُمة صدقاتهم يأكلونها في بطونهم ويؤجرون عليها، وكان
من قبلهم من الأمم إِذا تصدق بصدقة فقبلت منه بعث الله عليها ناراً فأكلتها وإن رُدّت عليه تركت
فتأكلها السباع والطير، وإن الله أخذ صدقاتهم من غنيهم لفقيرهم قال: ربِّ فاجعلهم أُمتي. قال:
تلك أُمة أحمد. قال: ربِّ إِني أجد في الألواح أمة إِذا همّ أحدهم بحسنة ثم لم يعملها كُتبت له
حسنة، فإن عملها كتُبت له عشر أمثالها إلى سبعمائة، ربِّ اجعلهم أُمتي. قال: تلك أُمة أحمد.
قال: ربِّ إِني أجد في الألواح أمة هم المشفوعون والمشفوع لهم فاجعلهم أُمتي، قال: تلك أُمة
أحمد. قال قتادة فذُكر لنا أن نبي الله موسى عليهلا نبذ الألواح وقال: اللهم [اجعلني](٢) من أُمة
أحمد(٣) .
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٢) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: ((اجعله)).
(٣) أخرجه الطبري من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة، وردّه الحافظ ابن كثير وغيره، وإن هذا الأثر من أخبار
أهل الكتاب. وذلك في تفسير الآية ١٥٠ - ١٥١ من هذه السورة الكريمة.
٩٢
سُوَدَّةُ الَّغَافِ (١٥٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
﴿وَأَخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَدِنَّا فَلَمَّ أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْنَهُم مِّنِ
قَبْلُ وَإِنَنِّ أَتْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَءُ مِنَّ إِنْ هِىَ إِلَّا فِئْتَنْكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِى مَنْ تَشَةُ أَنْتَ وَلِيَّنَا
فَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَفِرِينَ
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: كان الله أمره أن يختار من قومه
سبعين رجلاً، فاختار سبعين رجلاً، فبرز بهم ليدعوا ربهم، وكان فيما دعوا الله أن قالوا: اللّهم
أعطنا ما لم تعطه أحداً قبلنا ولا تعطه أحداً بعدنا، فكره الله ذلك من دعائهم فأخذتهم الرجفة
﴿قَالَ رَبٍّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْنَهُم مِّن قَبْلُ وَإِتَنّ﴾ الآية(١).
وقال السدي: إن الله أمر موسى أن يأتيه في ثلاثين من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة
العجل ووعدهم موعداً ﴿وَأَخْثَرَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ على عينيه، ثم ذهب بهم ليعتذروا فلما أتوا
ذلك المكان قالوا: ﴿لَنْ تُؤْمِنَ لَكَ﴾ يا موسى ﴿حَّ نَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] فإنك قد كلمته
فأرناه ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّحِقَةُ﴾ [النساء: ١٥٣] فماتوا فقام موسى يبكي ويدعو الله ويقول: ربِّ ماذا
أقول لبني إسرائيل إذا لقيتهم وقد أهلكت خيارهم؟ ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْنَهُم مِّن قَبْلُ وَإِنَّ﴾(٢) .
وقال محمد بن إسحاق: اختار موسى من بني إِسرائيل سبعين رجلاً الخيِّرُ فالخيِّر، وقال:
انطلقوا إلى الله فتوبوا إليه مما صنعتم وسلوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم، صوموا
وتطهروا وطهروا ثيابكم - فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وقته له ربه، وكان لا يأتيه إلا بإذن
منه - وعلم، فقال له السبعون فيما ذُكر لي حين صنعوا ما أمرهم به وخرجوا معه للقاء ربه
الموسى: اطلب لنا نسمع كلام ربنا، فقال: أفعل فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود
الغمام حتى تغشى الجبل كلّه، دنا موسى فدخل فيه، وقال للقوم: ادنوا وكان موسى إِذا كلّمه الله
وقع على جبهة موسى نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه، فضرب دونه بالحجاب
ودنا القوم، حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجوداً فسمعوه وهو يكلّم موسى يأمره وينهاه افعل
ولا تفعل، فلما فرغ إليه من أمره وانكشف عن موسى الغمام فأقبل إليهم فقالوا: يا موسى (لن
نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فأخذتهم الرجفة) وهي الصاعقة فاقتلعت أرواحهم فماتوا جميعاً،
فقام موسى يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه ويقول: ﴿رَبٍّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْنَهُم مِّنْ قَبْلُ وَإِنَّ﴾ قد
سفهوا، أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل؟(٣) .
وقال سفيان الثوري: حدثني أبو إسحاق، عن عمارة بن عبيد السلولي، عن علي بن أبي
طالب ظُه قال: انطلق موسى وهارون وشبر وشبير فانطلقوا إلى سفح جبل. فنام هارون على
سرير فتوفاه الله ، فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا له: أين هارون؟ قال: توفاه الله ريات،
قالوا: أنت قتلته حسدتنا على خلقه ولينه أو كلمة نحوها قال: فاختاروا من شئتم قال: فاختاروا
سبعين رجلاً قال: فذلك قوله تعالى: ﴿وَأَخْثَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ فلما انتهوا إليه قالوا: يا
(١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به بنحوه.
(٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي بنحوه.
(٣) أخرجه الطبري من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق.
٩٣
• سُوَّةُ الْأَّغَرَافِ (١٥٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
هارون من قتلك؟ قال: ما قتلني أحد ولكن توفاني الله، قالوا: يا موسى لن تُعصى بعد اليوم
فأخذتهم الرجفة، قال فجعلٍ موسى يرجع يميناً وشمالاً وقال: يا ربِّ ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْنَهُم مِّنِ قَبْلُ
وَإِنَّ أَتْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَءُ مِنَّ إِنْ هِىَ إِلَّا فِئْتَنْكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِى مَن تَشَاءٌ﴾ قال:
فأحياهم الله وجعلهم أنبياء كلهم(١).
هذا أثر غريب جداً وعمارة بن عبيد هذا لا أعرفه، وقد رواه شعبة عن أبي إسحاق عن رجل
من بني سلول عن علي فذكره.
وقال ابن عباس وقتادة ومجاهد وابن جريج: إنهم أخذتهم الرجفة لأنهم لم يزايلوا قومهم في
عبادتهم العجل ولا نهوهم (٢)، ويتوجه هذا القول بقول موسى: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ اُلُّفَهَاءُ مِنٌَّ﴾ .
وقوله: ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا فِئْنَتُكَ﴾ أي: ابتلاؤك واختبارك وامتحانك، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير
وأبو العالية والربيع بن أنس(٣) وغير واحد من علماء السلف والخلف، ولا معنى له غير ذلك،
يقول: إن الأمر إلا أمرك وإن الحكم إلا لك فما شئت كان، تضلّ من تشاء وتهدي من تشاء،
ولا هادي لمن أضللت ولا مضلّ لمن هديت ولا معطي لما منعت ولا مانع لما أعطيت، فالملك
كله لك والحكم كله لك، لك الخلق والأمر.
وقوله: ﴿أَنْتَ وَلِيَّنَا فَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَفِرِينَ﴾ الغفر هو: الستر وترك المؤاخذة بالذنب،
والرحمة إذا قُرنت مع الغفر يراد بها أن لا يوقعه في مثله في المستقبل ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَفِرِينَ﴾ أي:
لا يغفر الذنب إلا أنت ﴿وَأَكْتُبْ لَنَا فِ هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِ الْآَخِرَةِ﴾ [الأعراف: ١٥٦] هناك
الفصل الأول من الدعاء لدفع المحذور وهذا لتحصيل المقصود ﴿وَأَكْتُبْ لَنَا فِ هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَّةً
وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ [الأعراف: ١٥٦] أي: أوجب لنا وأثبت لنا فيهما حسنة. وقد تقدم تفسير الحسنة في
سورة البقرة (٤).
﴿إِنَّا هُدْنَاً إِلَيْكٌ﴾ [الأعراف: ١٥٦] أي: تبنا ورجعنا وأنبنا إليك، قال ابن عباس وسعيد بن جبير
ومجاهد وأبو العالية والضحاك وإبراهيم التيمي والسدي وقتادة(٥) وغير واحد: وهو كذلك لغة.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي، عن شريك، عن جابر، عن عبد الله بن يحيى، عن
علي قال: إنما سميت اليهود لأنهم قالوا: ﴿إِنَّ هُدّناً إِلَيْكٌ﴾(٦) جابر هو ابن يزيد الجعفي ضعيف.
(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم كلاهما من طريق الثوري به، وفي سنده: عمارة بن عبيد السلولي قال ابن
أبي حاتم: شيخ مجهول لا يحتج به (الجرح والتعديل ٣٦٧/٣ وميزان الاعتدال ١٧٧/٣).
(٢) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن حيان عن ابن عباس.
(٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: إن
هو إلا عذابك، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند فيه ابن وكيع وهو سفيان بلفظ: ((إلا بليتك)).
ومعناه صحيح، وقول أبي العالية والربيع بن أنس أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي جعفر
الرازي عن الربيع عن أبي العالية بلفظ ابن عباس.
(٤) آية ٢٠١.
(٥) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند وقول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة
عنه، وقول سعيد بن جبير ومجاهد والسدي وقتادة أخرجه بأسانيد ثابتة.
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف جابر بن يزيد الجعفي.
٩٤
• سُورَةُ الْأَغَرَافِ (١٥٦)
0000000000000000000000000000000000000000000 000 000 000 000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00
وَأَكْتُبْ لَنَا فِى هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَفِ الْآَخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِيَ أُصِيبُ بِهِ، مَنْ أَشَاءُ
E
وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَثَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِثَايَتِنَا يُؤْمِنُونَ
١٥٦
يقول تعالى مجيباً لموسى في قوله: ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا فِئْتَنُكَ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٥]، قال: ﴿عَذَابِىّ
أُصِيبُ بِهِ، مَنْ أَشَاءٍ وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ أي: أفعل ما أشاء وأحكم ما أريد، ولي الحكمة
والعدل في كل ذلك سبحانه لا إله إلا هو.
وقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ الآية عظيمة الشمول والعموم، كقوله تعالى إِخباراً
عن حملة العرش ومن حوله، أنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ زَّحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧].
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا الجريري، عن أبي عبد الله الجشمي،
حدثنا جندب - هو: ابن عبد الله البجلي ظُبه -، قال: جاء أعرابي فأناخ راحلته ثم عقلها ثم صلّى
خلف رسول الله ب *، فلما صلّى رسول الله ولو أتى راحلته فأطلق عقالها ثم ركبها ثم نادى: اللهم
ارحمني ومحمداً ولا تشرك في رحمتنا أحداً، فقال رسول الله وَ لجر: ((أتقولون هذا أضلُّ أم بعيره ألم
تسمعوا ما قال؟)) قالوا: بلى، قال: ((لقد حظرت رحمة واسعة، إن الله رَمَك خلق مائة رحمة فأنزل
رحمة يتعاطف بها الخلق جنها وإنسها وبهائمها وأخّر عنده تسعاً وتسعين رحمة، أتقولون هو أضلُّ
أم بعيره؟)) (١) رواه أحمد وأبو داود، عن علي بن نصر، عن عبد الصمد بن عبد الوارث به (٢).
وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا يحيى بن سعيد، عن سليمان، عن أبي عثمان، عن سلمان،
عن النبي وَيّ قال: ((إن الله وم مائة رحمة فمنها رحمة يتراحم بها الخلق وبها تعطف الوحوش
على أولادها وأخرّ تسعة وتسعين إلى يوم القيامة (٣)، تفرد بإِخراجه مسلم، فرواه من حديث
سليمان هو: ابن طرخان وداود بن أبي هند، كلاهما عن أبي عثمان واسمه: عبد الرحمن بن
مُلّ، عن سلمان هو الفارسي، عن النبي ◌َلَّ(٤) به)).
وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، عن أبي
هريرة، عن النبي ◌ُّ قال: ((إِن لله مائة رحمة، عنده تسعة وتسعون، وجعل عندكم واحدة تتراحمون
بها بين الجن والإنس وبين الخلق، فإذا كان يوم القيامة ضمّها إليه))(٥) تفرد به أحمد من هذا الوجه.
وقال أحمد: حدثنا عفان، حدثنا عبد الواحد، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي
سعيد قال: قال رسول الله وَاله: (لله مائة رحمة فقسم منها جزءاً واحداً بين الخلق، به يتراحم
الناس والوحش والطير))(٦). ورواه ابن ماجه من حديث أبي معاوية عن الأعمش(٧) به.
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٩٩/٣١ ح١٨٧٩٩) وضعف سنده محققوه.
(٢) سنن أبي داود، الأدب، باب من ليس له غيبة (ح ٤٨٨٥).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٣٩/٥) وسنده صحيح.
(٤) صحيح مسلم، التوبة، باب في سعة رحمه الله تعالى (ح ٢٧٥٣).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥٥/٣) وسنده حسن.
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥٥/٣) وسنده صحيح.
(٧) سنن ابن ماجه، الزهد، باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة (ح٤٢٩٤)، قال البوصيري: صحيح رجاله
ثقات (مصباح الزجاجة ٣١٨/٣).
٩٥
سُورَةُ الأَغَرَافِ (١٥٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا أحمد بن
يونس، حدثنا سعد أبو غيلان الشيباني، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن صِلة بن
زفر، عن حذيفة بن اليمان ◌ُبه قال: قال رسول الله وَ﴾: ((والذي نفسي بيده ليدخلنّ الجنة
الفاجر في دينه الأحمق في معيشته، والذي نفسي بيده ليدخلنّ الجنة الذي قد محشته النار بذنبه،
والذي نفسي بيده ليغفرنّ الله يوم القيامة مغفرة يتطاول لها إِبليس رجاء أن تصيبه)) (١). هذا حديث
غريب جداً وسعد هذا لا أعرفه.
وقوله: ﴿فَسَأَكْتُهَا لِلَّذِينَ يَنَّقُونَ﴾ الآية، يعني فسأوجب حصول رحمتي منّةً مني وإِحساناً إليهم كما
قال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةً﴾ [الأنعام: ٥٤] وقوله: ﴿لِلَّذِينَ يَثَّقُونَ﴾ أي: سأجعلها
للمتصفين بهذه الصفات، وهم أمة محمد رَله ﴿لِلَّذِينَ يَنَّقُونَ﴾ أي: الشرك والعظائم من الذنوب.
قوله: ﴿وَيُؤْثُونَ الزَّكَوَةَ﴾ قيل: زكاة النفوس، وقيل: الأموال ويحتمل أن تكون عامة لهما
فإن الآية مكية ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ بِئَايَئِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: يصدقون.
﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىِّ الْأُفِىَ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْثُوبًا عِندَهُمْ فِ التَّوْرَةِ وَالْإِنجِيلِ
يَأْمُرُهُم بِلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنَهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيْبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ
إِصْرَهُمْ وَاَلْأَغْلَلَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمَّ فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِ، وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِىّ أُنْزِلَ مَعَهُ,
(١٥٧)
أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
﴿الَّذِينَ يَقَبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِّ الْأُمِنَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ, مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِ التَّوْرَةِ وَالْإِنِيلِ﴾ وهذه
صفة محمد ﴿ في كتب الأنبياء بشروا أُممهم ببعثه وأمروهم بمتابعته، ولم تزل صفاته موجودة
في كتبهم يعرفها علماؤهم وأحبارهم. كما روى الإمام أحمد حدثنا إسماعيل، عن الجريري، عن
أبي صخر العُقيلي، حدثني رجل من الأعراب قال: جَلبت جَلُوبة إلى المدينة في حياة
رسول الله وَّ﴿، فلما فرغتُ من بيعي قلت: لألقيَّن هذا الرجل فلأسمعنَّ منه قال: فتلقاني بين
أبي بكر وعمر يمشون فتبعتهم حتى أتوا على رجل من اليهود ناشراً التوراة يقرؤها يعزي بها نفسه
عن ابن له في الموت كأجمل الفتيان وأحسنها فقال رسول الله وَ يهو: ((أنشدك بالذي أنزل التوراة
هل تجد في كتابك هذا صفتي ومخرجي))؟ فقال برأسه هكذا أي: لا. فقال ابنه: إي والذي أنزل
التوراة إنا لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله
فقال: ((أقيموا اليهودي عن أخيكم)) ثم تولى كفنه [وجَنَنَه](٢) والصلاة عليه(٣). هذا حديث جيد
قوي له شاهد في الصحيح عن أنس.
(١) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١٦٨/٣ ح٣٠٢٢) وسنده ضعيف جداً لأن شيخ الطبراني
محمد بن عثمان بن أبي شيبة كذبه عبد الله بن الإمام أحمد، واتهمه ابن خراش بالوضع، وقال البرقاني:
لم أزل أسمعهم يذكرون أنه مقدوح فيه (لسان الميزان ٢٨٠/٥).
(٢) في الأصل غير منقوطة، وضبطت حسب مسند الإمام أحمد، ومعنى جَنّنَه: دفنه وستر عليه.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٧٦/٣٨ ح٢٣٤٩٢)، وضعفه محققوه لجهالة أبي صخر العُقيلي.
وقواه الحافظ ابن كثير برواية الحاكم التالية، لكنها مشخونة بالغرائب.
٩٦
• سُورَةُ الأَّغَافِ (١٥٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال الحاكم صاحب المستدرك: أخبرنا محمد بن عبد الله بن إسحاق البغوي، حدثنا
إبراهيم بن الهيثم البلدي، حدثنا عبد العزيز بن مسلم بن إدريس، حدثنا عبد الله بن إدريس، عن
شرحبيل بن مسلم، عن أبي أمامة الباهلي، عن هشام بن العاص الأموي قال: بُعثت أنا ورجل
آخر إلى هرقل صاحب الروم ندعوه إلى الإسلام فخرجنا حتى قدمنا الغوطة - يعني: غوطة
دمشق -، فنزلنا على جَبَلَة بن الأيهم الغساني، فدخلنا عليه فإذا هو على سرير له، فأرسل إلينا
برسوله نكلمه فقلنا: والله لا نكلمُ رسولاً وإنما بعثنا إلى الملك، فإن أذن لنا كلّمناه وإلا لم نكلّم
الرسول، فرجع إليه الرسول فأخبره بذلك قال: فأذن لنا فقال: تكلّموا، فكلمه هشام بن العاص
ودعاه إلى الإسلام، فإذا عليه ثياب سود فقال له هشام: وما هذه التي عليك؟ فقال لبستها
وحلفت أن لا أنزعها حتى أخرجكم من الشام. قلنا: ومجلسك هذا والله لنأخذنّه منك ولنأخذنّ
ملك الملك الأعظم إن شاء الله، أخبرنا بذلك نبينا محمد ◌َ ط# قال: لستم بهم بل هم قوم
يصومون بالنهار، ويقومون بالليل فكيف صومكم؟ فأخبرناه، فملئ وجهه سواداً فقال: قوموا.
وبعث معنا رسولاً إلى الملك، فخرجنا حتى إذا كنا قريباً من المدينة قال لنا الذي معنا: إن
دوابًّكم هذه لا تدخل مدينة الملك، فإن شئتم حملناكم على براذين وبغال، قلنا: والله لا ندخل
إلا عليها فأرسلوا إلى الملك أنهم يأبون ذلك فأمرهم أن ندخل على رواحلنا، فدخلنا عليها
متقلدين سيوفنا حتى انتهينا إلى غرفة له، فأنخنا في أصلها وهو ينظر إلينا، فقلنا: لا إله إلا الله
والله أكبر، فالله يعلم لقد انتفضت الغرفة حتى صارت كأنها عِذق تصفقه الرياح، قال: فأرسل
إلينا ليس لكم أن تجهروا علينا بدينكم، وأرسل إلينا أن ادخلوا فدخلنا عليه وهو على فراش له
وعنده بطارقة من الروم، وكلُّ شيء في مجلسه أحمر، وما حوله حُمرة، وعليه ثياب من الحمرة،
فدنونا منه فضحك. فقال: ما عليكم لو حييتموني بتحيّتكم فيما بينكم؟ وإذا عنده رجلٍ فصيح
بالعربية كثير الكلام فقلنا: إن تحيتنا فيما بيننا لا تحلُّ لك وتحيّتك التي تحيا بها لا يحلُّ لنا أن
نحيّيك بها. قال: كيف تحيتكم فيما بينكم؟ قلنا: السلام عليكم. قال: فيكف تحيون ملككم؟
قلنا: بها. قال: فكيف يردُّ عليكم؟ قلنا: بها، قال: فما أعظم كلامكم؟ قلنا: لا إله إلا الله
والله أكبر، فلما تكلمنا بها - والله أعلم - لقد انتفضت الغرفة حتى رفع رأسه إليها، قال: فهذه
الكلمة التي قلتموها حيث انتفضت الغرفة أكلما قلتموها في بيوتكم انتفضت عليكم غرفكم؟ قلنا :
لا، ما رأيناها فعلت هذا قط إلا عندك، قال: لوددت أنكم كلّما قلتم انتفض كلُّ شيء عليكم
وإني قد خرجت من نصف ملكي قلنا لِمَ؟ قال لأنه كان أيسر لشأنها وأجدر أن لا تكون من أمر
النبوة، وأنها تكون من حيل الناس، ثم سألنا عما أراد فأخبرناه، ثم قال كيف صلاتكم
وصومكم؟ فأخبرناه، فقال: قوموا فأمر لنا بمنزل حسن ونزل كثير فأقمنا ثلاثاً، فأرسل إلينا ليلاً
فدخلنا عليه فاستعاد قولنا فأعدناه، ثم دعا بشيء كهيئة الربعة العظيمة مذهبة فيها بيوت صغار
عليها أبواب ففتح بيتاً وقفلاً فاستخرج حريرة سوداء فنشرها فإذا فيها صورة حمراء، وإذا فيها
رجل ضخم العينين عظيم الأليتين لم أر مثل طول عنقه، وإذا ليست له لحية وإذا له ضفيرتان
أحسن ما خلق الله فقال: أتعرفون هذا؟ قلنا: لا. قال: هذا آدم ظلَّ* وإذا هو أكثر الناس شعراً،
ثم فتح باباً آخر فاستخرج منه حريرة سوداء وإذا فيها صورة بيضاء، وإذا له شعر كشعر القطط
أحمر العينين ضخم الهامة حسن اللحية فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا لا، قال: هذا نوح
٩٧
• سُورَةُ الأَغَرَافِ (١٥٧)
ثم فتح باباً آخر فاستخرج حريرة سوداء وإذا فيها رجل شديد البياض حسن العينين صلت الجبين
طويل الخد أبيض اللحية كأنه يبتسم فقال هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا إبراهيم ظلّا، ثم
فتح باباً آخر فإذا فيه صورة بيضاء وإذا والله رسول الله وسلم فقال: أتعرفون هذا؟ قلنا: نعم. هذا
محمد رسول الله وَيقر قال: وبكينا قال: والله يعلم أنه قام قائماً ثم جلس. وقال: والله إنه لهو
قلنا: نعم إنه هو كأنك تنظر إليه فأمسك ساعة ينظر إليها ثم قال: أما إنه كان آخر البيوت ولكني
عجلته لكم لأنظر ما عندكم، ثم فتح باباً آخر فاستخرج منه حريرة سوداء فإذا فيها صورة أدماء
سحماء وإذا رجل جعد قطط غائر العينين حديد النظر عابس متراكب الأسنان متقلص الشفة كأنه
غضبان فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا موسى ظلَّ وإلى جنبه صورة تشبهه إلا أنه
مدهان الرأس عريض الجبين في عينيه قَبَل فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا. قال: هذا هارون بن
عمران عليّا، ثم فتح باباً آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء فإذا فيها صورة رجل آدم سبط ربعة كأنه
غضبان فقال هل تعرفون هذا؟ قلنا لا، قال: هذا لوط علّلها، ثم فتح باباً آخر فاستخرج منه
حريرة بيضاء فإذا فيها صورة رجل أبيض مشرب حمرة أقنى خفيف العارضين حسن الوجه فقال:
هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا إسحاق ظلّلا، ثم فتح باباً آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء
فإذا فيها صورة تشبه إسحاق إلا أنه على شفته خال فقال هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا
يعقوب علا، ثم فتح باباً آخر فاستخرج منه حريرة سوداء فيها صورة رجل أبيض حسن الوجه
أقنى الأنف حسن القامة يعلو وجهه نور يعرف في وجهه الخشوع يضرب إلى الحُمرة قال: هل
تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا إسماعيل جد نبيكم وَل*، ثم فتح باباً آخر فاستخرج منه حريرة
بيضاء فإذا فيها صورة كصورة آدم كأن وجهه الشمس فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال:
هذا يوسف عليلا، ثم فتح باباً آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء فإذا فيها صورة رجل أحمر حَمش
الساقين أخفش العينين ضخم البطن رَبَعة مُتقلد سيفاً فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا لا، قال: هذا
داود عليه، ثم فتح باباً آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء فيها صورة رجل ضخم الأليتين طويل
الرجلين راكب فرساً فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا سليمان بن داود {الَّله، ثم فتح
باباً آخر فاستخرج منه حريرة سوداء فيها صورة بيضاء وإذا شاب شديد سواد اللّحية كثير الشعر
حسن العينين حسن الوجه فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا عيسى ابن مريم علَّلِ،
قلنا من أين لك هذه الصور؟ لأنا نعلم أنها على ما صورت عليه الأنبياء ليه لأنا رأينا صورة
نبينا ظلّ مثله، فقال: إن آدم عليّا سأل ربه أن يريه الأنبياء من ولده فأنزل عليه صورهم، فكانت
في خزانة آدم عليّ عند مغرب الشمس، فاستخرجها ذو القرنين من مغرب الشمس فدفعها إلى
دانيال، ثم قال: أما والله إن نفسي طابت بالخروج من ملكي وإني كنت عبداً لأشركم ملكةً حتى
أموت، ثم أجازنا فأحسن جائزتنا وسرحنا فلما أتينا أبا بكر الصديق ظته فحدثناه بما أرانا وبما
قال لنا وما أجازنا، قال فبكى أبو بكر، وقال: مسكين لو أراد الله به خيراً لفعل ثم قال: أخبرنا
رسول الله ﴿ أنهم واليهود يجدون نعت محمد بَل عندهم(١).
(١) أخرجه البيهقي عن الحاكم بسنده ومتنه بنحوه (دلائل النبوة ٣٨٥/١ - ٣٩٠)، وقال ابن كثير: إسناده لا
بأس به. اهـ. لكن في متنه غرائب.
٩٨
• سُوَّرَّةُ الْأَّغَرَافِ (١٥٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وهكذا أورده الحافظ الكبير البيهقي ◌َُّ في كتاب دلائل النبوّة عن الحاكم إجازة فذكره
وإسناده لا بأس به.
وقال ابن جرير: حدثنا المثنى، حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا فليح، عن هلال بن علي، عن
عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو فقلت أخبرني عن صفة رسول الله رضي في التوراة قال
أجل والله إنه لموصوف في التوراة كصفته في القرآن ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِيرًا وَنَذِيرًا
(٤٥)﴾ [الأحزاب] وحرزاً للأميين أنت عبدي ورسولي اسمك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولن
يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله، ويفتح به قلوباً غلفاً وآذاناً صماً
وأعيناً عمياً، قال عطاء: ثم لقيت كعباً فسألته عن ذلك فما اختلف حرفاً إلا أن كعباً قال بلغته:
قال قلوباً غلوفياً وآذاناً صمومياً وأعيناً عمومياً(١)، وقد رواه البخاري في صحيحه عن محمد بن
سنان عن فليح، عن هلال بن علي فذكر بإسناده نحوه، وزاد بعد قوله ليس بفظ ولا غليظ: ولا
صخاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح(٢)، وذكر حديث عبد الله بن
عمرو، ثم قال: ويقع في كلام كثير من السلف إطلاق التوراة على كتب أهل الكتاب، وقد ورد
في بعض الأحاديث ما يشبه هذا والله أعلم.
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا موسى بن هارون، حدثنا محمد بن إدريس بن عمر
- وراق بن الحميدي -، حدثنا محمد بن عمر بن إبراهيم من ولد جبير بن مطعم قال: حدثتني أم
عثمان بنت سعيد وهي جدتي، عن أبيها سعيد بن محمد بن جبير، عن أبيه محمد بن جبير، عن
أبيه جبير بن مطعم قال: خرجت تاجراً إلى الشام فلما كنت بأدنى الشام لقيني رجل من أهل
الكتاب فقال: هل عندكم رجل تنبأ؟ قلت نعم، قال: هل تعرف صورته إذا رأيتها؟ قلت نعم،
فأدخلني بيتاً فيه صور فلم أر صورة النبي ◌َّي، فبينا أنا كذلك إذ دخل رجل منهم علينا فقال:
فيم أنتم؟ فأخبرناه فذهب بنا إلى منزله فساعة ما دخلت نظرت إلى صورة النبي وَّر وإذا رجل
آخذ بعقب النبي ◌َ ﴿ قلت: من هذا الرجل القابض على عقبه؟ قال إنه لم يكن نبي إلا كان بعده
نبي إلا هذا النبي فإنه لا نبي بعده، وهذا الخليفة بعده وإذا صفة أبي بكر ته(٣).
وقال أبو داود: حدثنا [حفص بن عمر] (٤) أبو عمرو الضرير، حدثنا حماد بن سلمة أن
سعيد بن إياس الجريري أخبرهم، عن عبد الله بن شقيق العقيلي، عن الأقرع مؤذن عمر بن
الخطاب ◌ُه قال: بعثني عمر إلى الأسقف فدعوته فقال له عمر: هل تجدني في الكتاب؟ قال
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح، والشق الأول أخرجه البخاري كما يلي.
(٢) أخرجه البخاري من طريق محمد بن سنان عن فليح به (الصحيح، البيوع، باب كراهية السَّخب في الأسواق
ح ٢١٢٥).
(٣) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١٢٥/٢ ح١٥٣٧)، قال الهيتمي: فيه من لم أعرفهم (المجمع
٢٣٣/٨)، وأخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (ح٨٢٣١)، ثم قال: لا يروي هذا الحديث عن جبير بن
مطعم إلا بهذا الإسناد تفرد به محمد بن إدريس وراق الحميدي. وأخرجه البخاري من طريق محمد، كذا
غير منسوب، عن محمد بن عمر به مختصراً (التاريخ الكبير ١٧٩/١)، وأخرجه البيهقي من طريق أبي سعيد
الرَّبعي عن محمد بن عمر به (دلائل النبوة ٣٨٤/١ - ٣٨٥).
(٤) في النسخ الخطية باسم: عمر بن حفص والتصويب من سنن أبي داود.
٩٩
سُورَةُ الَّغَرَافِ (١٥٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
نعم، قال: كيف تجدني؟ قال: أجدك قرناً، فرفع عمر الدرّة وقال: قرن مه؟ قال: قرن حدید
أمير شديد، قال: فكيف تجد الذي بعدي؟ قال: أجد خليفة صالحاً غير أنه يؤثر قرابته، قال عمر
يرحم الله عثمان ثلاثاً قال: كيف تجد الذي بعده؟ قال: أجده صدأ حديد، قال فوضع عمر يده
على رأسه وقال: يا دَفراه(١) يا دفراه. قال: يا أمير المؤمنين إنه خليفة صالح ولكنه يستخلف
حين يستخلف والسيف مسلول والدم مهراق(٢).
وقوله تعالى: ﴿يَأْمُرُهُم بِلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنُهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ هذه صفة الرسول ◌َّ في الكتب
المتقدمة وهكذا كانت حاله عليه الصلاة والسلام لا يأمر إلا بخير ولا ينهى إلا عن شر كما قال
عبد الله بن مسعود إذا سمعت الله يقول: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [البقرة: ١٠٤] فارعها سمعك فإنه
خير تؤمر به أو شر تنهى عنه(٣)، ومن أهم ذلك وأعظمه ما بعثه الله به من الأمر بعبادته وحده لا
شريك له والنهي عن عبادة من سواه كما أرسل به جميع الرسل قبله كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا
فِى كُلِّ أُمٍَّ رَّسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَجْتَنِبُواْ الَّغُونَ﴾ [النحل: ٣٦].
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر - هو: العقدي عبد الملك بن عمرو -، حدثنا سليمان هو
- ابن بلال -، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن عبد الملك بن سعيد، عن أبي حميد وأبي
أسيد ◌ًّا أن رسول الله و سلم قال: ((إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم وتلين له أشعاركم
وأبشاركم وترون أنه منكم قريب فأنا أولاكم به، وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم وتنفر
منه أشعاركم وأبشاركم وترون أنه منكم بعيد فأنا أبعدكم منه))(٤). رواه الإمام أحمد څه بإسناد
جيد ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب.
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري،
عن علي ظُه قال: إذا سمعتم عن رسول الله وَ ل﴿ حديثاً فظنوا به الذي هو أهدى والذي هو أهنى
والذي هو أتقى (٥). ثم رواه عن يحيى بن سعيد، عن مسعر، عن عمرو بن مرة، عن أبي
البختري، عن أبي عبد الرحمن، عن علي ظُه قال: إذا حدثتم عن رسول الله وَّ حديثاً فظنوا
به الذي هو أهداه وأهناه وأتقاه(٦).
وقوله: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيْبَتِ وَيُحَرِمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَيِثَ﴾ أي: يحلّ لهم ما كانوا حرّموه على
(١) الدفر: النتن. (سنن أبي داود، السنة، باب في الخلفاء، بعد حديث ٤٦٥٦).
(٢) أخرجه أبو داود من طريق حفص بن عمر به (المصدر السابق) وسنده ضعيف على الرغم من أن رجاله
ثقات لأن عبد الله بن شقيق العقيلي فيه نصب (التقريب ص٣٠٧)، وأخرجه اللالكائي من طريق عبد الله بن
شقيق به (شرح أصول الاعتقاد ح٢٦٥٨).
(٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٠٥.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٥٦/٢٥ ح١٦٠٥٨)، وصحح سنده محققوه، وجود سنده الحافظ
ابن کثیر.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٨٢/٢ ح ٩٨٥)، وسنده منقطع لأن أبا البختري، واسمه سعيد بن
فيروز، لم يسمع علياً ولكن رواه الإمام أحمد موصولاً من طريق أبي البختري عن أبي عبد الرحمن السُّلمي
عن علي ظته (المسند ٢٨٣/٢ ح ٩٨٧) وصححه محققوه.
(٦) المصدر السابق.
١٠٠
• سُوَرَّةُ الأَغَرَافِ (١٥٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أنفسهم من البحائر والسوائب والوصائل والحام ونحو ذلك مما كانوا ضيقوا به على أنفسهم
ويحرّم عليهم الخبائث.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: كلحم الخنزير والربا وما كانوا يستحلونه من
المحرمات من المآكل التي حرمها الله تعالى(١).
قال بعض العلماء: فكل ما أحل الله تعالى من المآكل فهو طيب نافع في البدن والدين وكل ما
حرمه فهو خبيث ضار في البدن والدين، وقد تمسك بهذه الآية الكريمة من يرى التحسين والتقبيح
العقليين، وأجيب عن ذلك بما لا يتسع هذا الموضع له، وكذا احتج بها من ذهب من العلماء،
إلى أن المرجع في حلّ المآكل التي لم ينصّ على تحليلها ولا تحريمها إلى ما استطابته العرب
في حال رفاهيتها، وكذا في جانب التحريم إلى ما استخبثته. وفيه كلام طويل أيضاً.
وقوله: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَاَلْأَغْلَلَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيَّهِزَّ﴾ أي: أنه جاء بالتيسير والسماحة كما
ورد الحديث من طرق عن رسول الله وَ ﴿ أنه قال: ((بعثت بالحنيفية السمحة))(٢).
وقال وسي لأميريه معاذ وأبي موسى الأشعري لما بعثهما إلى اليمن: ((بشرا ولا تنفرا ويسرا ولا
تعسراً وتطاوعا ولا تختلفا))(٣).
وقال صاحبه أبو برزة الأسلمي: إني صحبت رسول الله صل﴿ وشهدت تيسيره(٤).
وقد كانت الأمم التي قبلنا في شرائعهم ضيق عليهم، فوسع الله على هذه الأمة أمورها وسهلها
لهم ولهذا قال رسول الله ◌َّار: ((إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تقل أو تعمل))(٥)
وقال: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) (٦) ولهذا قال: أرشد الله هذه الأمة أن
يقولوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَاْ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًّا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ
مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةً لَنَا بِهِءٌ وَأَعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَاْ أَنْتَ مَوْلَئِنَا فَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ
اُلْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦] وثبت في صحيح مسلم أن الله تعالى قال بعد كل سؤال من هذه: قد
فعلت قد فعلت(٧) .
وقوله: ﴿فَلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِ، وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ﴾ أي: عظموه ووقروه، وقوله: ﴿وَأَتَّبَعُواْ النُّورَ
الَّذِىّ أُنْزِلَ مَعَهُ,﴾ أي: القرآن والوحي الذي جاء به مبلغاً إلى الناس ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي:
في الدنيا والآخرة.
(١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسند حسن من حديث عائشة ثا مرفوعاً (المسند ٣٤٩/٤١ ح٢٤٨٥٥).
(٣) تقدم تخريجه وصحته في تفسير سورة البقرة آية ١٨٥.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه مطولاً (الصحيح، العمل في الصلاة، باب إذا انفلتت الدابة في الصلاة
ح ١٢١١).
(٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٢٨٤.
(٦) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنعام آية ٦٨.
(٧) أخرجه مسلم من حديث ابن عباس ﴿ صحيح مسلم، الإيمان، باب بيان أنه ما لم يكلف إلا ما يطاق
(ح١٢٦).