النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
• سُوَرَّةُ الْأَغَرَافِ (٥١،٥٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَفِينَ﴾ يعني: طعام الجنة
وشرابها(١).
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا نصر بن علي، أخبرنا موسى بن المغيرة، حدثنا أبو
موسى الصفار في دار عمرو بن مسلم قال: سألت ابن عباس أو سئل أي الصدقة أفضل؟ فقال:
قال رسول الله وسلم: ((أفضل الصدقة الماء ألم تسمع إلى أهل النار لما استغاثوا بأهل الجنة قالوا:
أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله))(٢).
وقال أيضاً: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح قال: لما
مرض أبو طالب قالوا له: لو أرسلت إلى ابن أخيك هذا فيرسل إليك بعنقود من الجنة لعله أن
يشفيك به، فجاءه الرسول وأبو بكر عند النبي وسطه فقال أبو بكر: إن الله حرمهما على الكافرين(٣).
ثم وصف تعالى الكافرين بما كانوا يعتمدونه في الدنيا باتخاذهم الدين لهواً ولعباً واغترارهم
بالدنيا وزينتها وزخرفها عما أمروا به من العمل للآخرة.
وقوله: ﴿فَلْيَّوْمَ نَنسَهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ أي: يعاملهم معاملة من نسيهم، لأنه
تعالى لا يشذ عن علمه شيء ولا ينساه كما قال تعالى: ﴿فِي كِتَبٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّ وَلَا يَنسَى﴾ [طه:
٥٢] وإنما قال تعالى هذا من باب المقابلة كما قال: ﴿نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] وقال:
﴿ كَذَلِكَ أَنْتَّكَ ءَتُنَا فَسِينَهَا وَكَذَلِكَ أَلْيَوْمَ نُسَى﴾ [طه: ١٢٦] وقال تعالى: ﴿وَقِيلَ اَلْيَوْمَ نَسَنَكُمْ كَّا نَسِتُمْ لِقَآءَ
يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الجاثية: ٣٤].
وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿فَلْيَوْمَ نَنسَهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ قال
نسيهم الله من الخير ولم ينسهم من الشر") .
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: نتركهم كما تركوا لقاء يومهم هذا(٥).
وقال مجاهد: نتركهم في النار(٦).
وقال السدي: نتركهم من الرحمة كما تركوا أن يعملوا للقاء يومهم هذا (٧).
وفي الصحيح أن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: ألم أزوِّجك؟ ألم أكرمك؟ ألم أسخر لك
الخيل والإبل وأذرك ترأس وتَرْبَع؟ فيقول: بلى. فيقول: أظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا.
فيقول الله تعالى: فاليوم أنساك كما نسيتني(٨).
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لجهالة موسى بن المغيرة (ميزان الاعتدال ٢٢٤/٤)، وجهالة
أبي موسى الصفار (لسان الميزان ١١٣/٧).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإرسال أبي صالح.
(٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.
(٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن بنحوه.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٨) تقدم تخريجه وصحته في تفسير سورة البقرة آية ٤٦ في آخرها .

٤٢
سُورَةُ الأَغراف (٥٢، ٥٤)
00000000000000000000000000000000000000000000 000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَّ
﴿وَلَقَدْ جِئْنَهُم بِكِنَبٍ فَصَّلْنَهُ عَلَى عِلٍْ هُدَّى وَرَحْمَةُ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
يَأْتِى تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَيِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَّا أَوْ
نُرَّةُ فَعَمَلَ غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوَا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ
(٥٣)
يقول تعالى مخبراً عن إعذاره إلى المشركين بإرسال الرسل إليهم بالكتاب الذي جاء به
الرسول وأنه كتاب مفصّل مبين كقوله: ﴿كِنَبُ أُمْكِمَتْ ءَايَتُهُ ثُمَّ فُصِلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِرٍ خَبِيرٍ﴾ [هود:
١]، وقوله: ﴿فَصَّلْنَهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ أي على علم منا بما فصلناه به كما قال تعالى: ﴿أَنَزَلَهُ
بِعِلْمِهِ،﴾ [النساء: ١٦٦] قال ابن جرير وهذه الآية مردودة على قوله: ﴿كِنَبُ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَ يَكُن
فِى صَدْرِكَ حَرَجُ مِنْهُ لِنُنذِرَ بِهِ، وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾﴾ [الأعراف]، ﴿وَلَقَدْ جِثْنَهُم بِكِنَبٍ فَضَّلْنَهُ عَلَى
عِلْمٍ﴾ .
وهذا الذي قاله فيه نظر فإنه قد طال الفصل ولا دليل عليه، وإنما الأمر أنه لما أخبر بما
صاروا إليه من الخسارة في الآخرة ذكر أنه قد أزاح عللهم في الدنيا بإرسال الرسل وإنزال الكتب
كقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَقَّ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ولهذا قال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَّمْ﴾ أي:
ما وعدوا به من العذاب والنكال والجنة والنار قاله مجاهد وغير واحد(١)، وقال مالك: ثوابه.
وقال الربيع: لا يزال يجيء من تأويله أمر حتى يتم يوم الحساب حتى يدخل أهل الجنة
الجنة، وأهل النار النار فتمّ تأويله يومئذٍ (٢).
وقوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ﴾ أي: يوم القيامة قاله ابن عباس(٣).
﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُهُ مِن قَبْلُ﴾ أي: تركوا العمل به وتناسوه في الدار الدنيا ﴿قَدْ جَمَتْ رُسُلُ رَيِّنَا
بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَا﴾ أي في خلاصنا مما صرنا إليه مما نحن فيه ﴿أَوْ نُرَةُّ﴾ إلى
الدار الدنيا ﴿فَعَمَلَ غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلٌ﴾ كقوله: ﴿وَلَوْ تَرَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى الَّارِ فَقَالُواْ يَلَيْنَنَا نُرَةُ وَلَا تُكَذِّبَ
◌َِايَتِ رَيْنَا وَكُونَ مِنَ الِْينَ ﴿ بَلْ بَدَا لَمُ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوَ رُدُوْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُوْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ
(*)﴾ [الأنعام] كما قال ههنا: ﴿قَدّ خَسِرُوّا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ [أي خسروا
أنفسهم بدخولهم النار وخلودهم فيها ﴿ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾](٤) أي ذهب عنهم ما كانوا
يعبدونهم من دون الله فلا يشفعون فيهم ولا ينصرونهم ولا ينقذونهم مما هم فيه.
﴿إِنَ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِىِ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَ اٌلْعَرْشِ يُغْشِى
اَلَيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَتٍ بِأَمْرِفُّهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ
اُلْعَلَمِينَ
يخبر تعالى أنه خلق العالم سماواته وأرضه وما بين ذلك في ستة أيام كما أخبر بذلك في غير
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق ابن أبي جعفر الرازي الربيع.
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس. ومعناه صحيح.
(٤) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (حم).

٤٣
سُورَّةُ الأَغراف (٥٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ما آية من القرآن، والستة الأيام هي: الأحد والإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة. وفيه
اجتمع الخلق كله، وفيه خُلق آدم ظلَّلا.
واختلفوا في هذه الأيام هل كل يوم منها كهذه الأيام كما هو المتبادر إلى الأذهان، أو كل
يوم كألف سنة كما نصّ على ذلك مجاهد (١) والإمام أحمد بن حنبل ويروى ذلك من رواية
الضحاك عن ابن عباس(٢)، فأما يوم السبت فلم يقع فيه خلق لأنه اليوم السابع ومنه سمي السبت
وهو القطع.
فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده حيث قال: حدثنا حجاج، حدثنا ابن جريج،
أخبرني إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أبي
هريرة قال: أخذ رسول الله وَله بيدي فقال: ((خلق الله التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم
الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الإثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء،
وبثّ فيها الدوابّ يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة آخر الخلق في آخر ساعة من
ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل)) فقد رواه مسلم بن الحجاج في صحيحه والنسائي من
غير وجه عن حجاج وهو ابن محمد الأعور، عن ابن جريج(٣) به. وفي استيعاب الأيام السبعة
والله تعالى قد قال: ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ ولهذا تكلم البخاري وغير واحد من الحفاظ في هذا
الحديث وجعلوه من رواية أبي هريرة عن كعب الأحبار ليس مرفوعاً والله أعلم.
وأما قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جداً ليس هذا
موضع بسطها، وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح مالك والأوزاعي والثوري
والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديماً وحديثاً
وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل والظاهر المتبادر إلى أذهان
المشبهين منفي عن الله لا يشبهه شيء من خلقه و﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
[الشورى: ١١] بل الأمر كما قال الأئمة منهم: نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري قال من
شبّه الله بخلقه كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه
ولا رسوله تشبيه، فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة على
الوجه الذي يليق بجلال الله، ونفى عن الله تعالى النقائص فقد سلك سبيل الهدى.
وقوله تعالى: ﴿يُغْشِى الَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُ حَثِيثًا﴾ أي: يذهب ظلام هذا بضياء هذا وضياء هذا
بظلام هذا وكل منهما يطلب الآخر طلباً حثيثاً أي سريعاً لا يتأخر عنه بل إذا ذهب هذا جاء هذا
وعكسه كقوله: ﴿وَءَايَةٌ لَّهُمُ الَّتْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم ◌ُظْلِمُونَ ﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرّ
وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيرِ ﴿٨َ لَا الشَّمْسُ يَلْبَغِى
لَهَأَ ذَلِكَ تَقْدِيُرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
لَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَّا أَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلُّ فِى فَلَكِ يَسْبَحُونَ ﴾﴾ [يس] فقوله: ﴿وَلَا الَّيْلُ سَابِقُ
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي بشر عن مجاهد.
(٢) سنده ضعيف لأن الضحاك لم يسمع ابن عباس.
(٣) تقدم تخريجه وصحته في تفسير سورة البقرة آية ٢٩ في آخرها.

٤٤
سُورَةُ الأََّافِ (٥٥، ٥٦)
النَّهَارِ﴾ أي: لا يفوته بوقت يتأخر عنه بل هو في أثره بلا واسطة بينهما ولهذا قال: ﴿يَطْلُ حَثِيثًا
وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَتٍ بِأَمَرِيُهِ﴾ منهم من نصب ومنهم من رفع (١) وكلاهما قريب المعنى
أي الجميع تحت قهره وتسخيره ومشيئته ولهذا قال منبهاً: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَآلْأَمْ﴾ أي له الملك
والتصرف ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ كقوله: ﴿نَبَارَكَ الَّذِى جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَجًا وَقَمَرًا
(1)﴾ [الفرقان].
مُنِيرًا
قال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا هشام أبو عبد الرحمن، حدثنا بَقيّة بن
الوليد، حدثنا عبد الغفار بن عبد العزيز الأنصاري، عن عبد العزيز الشامي، عن أبيه وكانت له
صحبة قال: قال رسول الله وَله: ((من لم يحمد الله على ما عمل من عمل صالح وحمد نفسه فقد
كفر وحبط عمله، ومن زعم أن الله جعل للعباد من الأمر شيئاً فقد كفر بما أنزل الله على أنبيائه))
لقوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾(٢).
وفي الدعاء المأثور عن أبي الدرداء وروي مرفوعاً ((اللهم لك الملك كله ولك الحمد كله
وإليك يرجع الأمر كله، أسألك من الخير كله وأعوذ بك من الشر كله))(٣).
وَلَا تُفْسِدُواْ فِ اُلْأَرْضِ بَعْدَ
- ﴿أَدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةٌ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْنَدِينَ
إِصْلَحِهَا وَأَدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعَاْ إِنَّ رَحْمَتَ اَللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
أرشد تبارك وتعالى عباده إلى دعائه الذي هو صلاحهم في دنياهم وأخراهم فقال: ﴿أَدْعُواْ رَبَّكُمْ
تَضَرُّعًا وَخُفْيَةٌ﴾ قيل معناه تذللاً واستكانه، وخفية كما قال: ﴿وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ فِى نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَحِيفَةٌ
وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِلْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِّنَ اَلْفَفِلِينَ (٣٥)﴾ [الأعراف] وفي الصحيحين عن أبي
موسى الأشعري قال: رفع الناس أصواتهم بالدعاء، فقال رسول الله وَلاير: ((أيها الناس اربِعوا على
أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إن الذي تدعون سميع قريب)) الحديث(٤).
وقال ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس في قوله: ﴿تَضَرُّعًا وَخُفْيَةٌ﴾ قال السر(٥).
وقال ابن جرير تضرعاً: تذللاً واستكانة لطاعته، وخفية يقول: بخشوع قلوبكم وصحة اليقين
بوحدانيته وربوبيته فيما بينكم وبينه لا جهاراً ومراءاة (٦).
وقال عبد الله بن المبارك، عن المبارك بن فضالة، عن الحسن قال: إن كان الرجل لقد جمع
القرآن وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس، وإن كان
الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزوار وما يشعرون به، ولقد أدركنا أقواماً ما كان
(١) أي نصب: النجوم، ورفعها، وكلاهما قراءتان متواترتان.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جداً لإن عبد الغفار بن عبد العزيز الأنصاري: وضاع متروك
(لسان الميزان ٤/ ٤٣).
(٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة الفاتحة آية رقم ٢.
(٤) تقدم تخريجه وصحته في تفسير سورة البقرة آية ١٨٦.
(٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج به، والخراساني لم يسمع ابن عباس، ومعناه صحيح.
(٦) ذكره الطبري بنحوه.

٤٥
• سُورَةُ الْأَغَافِ (٥٥، ٥٦)
00000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
على الأرض من عمل يقدرون أن يعملوه في السر فيكون علانية أبداً، ولقد كان المسلمون
يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت إن كان إلا همساً بينهم وبين ربهم وذلك أن الله تعالى
يقول: ﴿أَدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةٌ﴾ وذلك أن الله ذكر عبداً صالحاً رضي فعله فقال: ﴿إِذْ نَادَى
رَبَُّ نِدَاءَ خَفِيًّا ﴾﴾ [مريم) (١).
وقال ابن جريج: يكره رفع الصوت والنداء والصياح في الدعاء ويؤمر بالتضرع والاستكانة(٢).
ثم روي عن عطاء الخراساني عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ في الدعاء
ولا في غيره (٣).
وقال أبو مجلز: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ لا يسأل منازل الأنبياء(٤).
وقال أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شعبة، عن زياد بن مخراق، سمعت أبا
نعامة عن مولى لسعد أن سعداً سمع ابناً له يدعو وهو يقول: اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها
وإستبرقها ونحواً من هذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها، فقال: لقد سألت الله خيراً
كثيراً وتعوذت به من شر كثير وإني سمعت رسول الله وسلم يقول: ((إنه سيكون قوم يعتدون في
الدعاء)) وقرأ هذه الآية ﴿أَدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةٌ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
00 وإن بحسبك أن
تقول: ((اللهم إني أسألك الجنة وما قرّب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرّب
إليها من قول أو عمل))(٥). ورواه أبو داود من حديث شعبة عن زياد بن مخراق، عن أبي نعامة،
عن مولى لسعد، عن سعد فذكره(٦) والله أعلم.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا الجريري، عن أبي نعامة أن
عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها،
فقال: يا بُني سلِ الله الجنة وعُذْ به من النار، فإني سمعت رسول الله وَّل يقول: ((يكون قوم
يعتدون في الدعاء والطهور))(٧).
وهكذا رواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عفان به وأخرجه أبو داود عن موسى بن
إسماعيل، عن حماد بن سلمة، عن سعيد بن إياس الجُريْري، عن أبي نعامة واسمه قيس بن عباية
الحنفي البصري(٨). وهو إسناد حسن لا بأس به، والله أعلم.
(١) أخرجه عبد الله بن المبارك عن ابن فضالة به (الزهد ١٤٠) وسنده حسن.
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو ابن داود ضعيف.
(٣) أخرجه الطبري عن عطاء به، وسنده ضعيف لأن عطاء الخراساني لم يسمع ابن عباس.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسند حسن من طريق عباد بن عباد بن علقمة عن أبي مجلز.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسند ومتنه وزيادة (المسند ٧٩/٣ - ٨٠ ح١٤٨٣)، وقال محققوه: حسن لغيره.
وصححه الألباني كما سيأتي.
(٦) سنن أبي داود، الصلاة، باب الدعاء (ح ١٤٨٠)، وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن أبي داود
ح ١٣١٣).
(٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٧٢/٣٤ ح٢٠٥٥٤)، وقال محققوه: حسن لغيره، وحسنه أيضاً
الحافظ بن كثير كما سيأتي.
(٨) سنن ابن ماجه، الدعاء، باب كراهية الاعتداء بالدعاء (ح٣٨٦٤)، وسنن أبي داود، الطهارة، باب الإسراف =

٤٦
• سُورَةُ الأَغَاف (٥٧، ٥٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقوله تعالى: ﴿وَلَا نُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَحِهَا﴾ ينهى تعالى عن الإفساد في الأرض وما
أضره بعد الإصلاح فإنه إذا كانت الأمور ماشية على السداد ثم وقع الإفساد بعد ذلك كان أضرّ
ما يكون على العباد فنهى تعالى عن ذلك وأمر بعبادته ودعائه والتضرع إليه والتذلل لديه فقال:
﴿وَأَدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًاً﴾ أي: خوفاً مما عنده من وبيل العقاب وطمعاً فيما عنده من جزيل الثواب
ثم قال: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: إن رحمته مرصدة للمحسنين الذين يتبعون
أوامره ويتركون زواجره كما قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَثَّقُونَ وَيُؤْثُنَ
الزَّكَوَةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِئَايَئِنَا يُؤْمِنُونَ ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىِّ الْأُمِّىَ﴾ الآية [الأعراف] وقال:
﴿قَرِيبٌ﴾ ولم يقل: قريبة لأنه ضمن الرحمة معنى الثواب أو لأنها مضافة إلى الله فلهذا قال:
﴿قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ .
وقال مطر الوراق: تنجزوا موعود الله بطاعته، فإنه قضى أن رحمته قريب من المحسنين. رواه
ابن أبي حاتم(١).
] ﴿وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الْرِّيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ، حَتَّىَ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَهُ لِبَلَدٍ
وَاَلْبَلَدُ اُلَّيِّبُ
◌َّيِّتٍ فَلْنَا بِهِ الْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ، مِن كُلِّ الثَّمْزَنِ كَذَلِكَ تُخْجُ الْمَوْقَ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
(٥٨)
يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ، وَالَّذِى خَبُثَ لَا يَخْرُ إِلَّا نَكِدَأْ كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ
لما ذكر تعالى أنه خالق السموات والأرض، وأنه المتصرف الحاكم المدير المسخر، وأرشد
إلى دعائه لأنه على ما يشاء قادر نبه تعالى على أنه الرزاق، وأنه يعيد الموتى يوم القيامة فقال:
﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ نُشْراً﴾(٢) أي: ناشرة بين يدي السحاب الحامل للمطر، ومنهم من قرأ
بشراً كقوله: ﴿وَمِنْ ءَئِهِ: أَنْ يُرْسِلَ الْرِيَحَ مُبَشِّرَتٍ﴾ [الروم: ٤٦].
وقوله: ﴿بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ﴾ أي بين المطر كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُواْ
وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِىُّ الْحَمِيدُ ﴾﴾ [الشورى] وقال: ﴿فَأَنْظُرْ إِلَى ءَاثَرِ رَحْمَتِ اَللَّهِ كَيْفَ يُحِي الْأَرْضَ
بَعْدَ مَوْنَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحِى الْمَوْقِّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾﴾ [الروم] وقوله: ﴿حَّىَ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا
ثِقَالًا﴾ أي: حملت الرياح سحاباً ثقالاً، أي: من كثرة ما فيها من الماء تكون ثقيلة قريبة من
الأرض مدلهمة كما قال زيد بن عمرو بن نفيل
المُزْنُ تحمل عذباً زلالاً
وأسلمتُ وجهي لمن أسلمتْ له
الأرض تحمل صخراً ثقالاً(٣)
وأسلمتُ وجهي لمن أسلمتْ له
وقوله: ﴿سُقْنَهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ﴾ أي إلى أرض ميتة مجدبة لا نبات فيها كما قال تعالى: ﴿وَءَايَةٌ لَُّ
اٌلْأَرْضُ الْمَيْنَةُ أَحْبَيْنَهَا﴾ [يس: ٣٣] الآية ولهذا قال: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ، مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ كَذَلِكَ تُخْرِجُ
اَلْمَوْنَ﴾ أي كما أحيينا هذه الأرض بعد موتها كذلك نحيي الأجساد بعد صيرورتها رميماً يوم
= في الماء (ح٩٦) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٨٧).
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق جعفر عن مطر.
(٢) ﴿نُشْراً﴾ بالنون وهي قراءة متواترة.
(٣) ورد ذكر البيتين في السيرة النبوية لابن هشام ٢٣١/١.

٤٧
• سودةُالأَغراف (٥٩، ٦٢)
القيامة ينزل الله لول ماء من السماء فتمطر الأرض أربعين يوماً، فتنبت منه الأجساد في قبورها
كما ينبت الحب في الأرض. وهذا المعنى كثير في القرآن يضرب الله مثلاً ليوم القيامة بإحياء
الأرض بعد موتها ولهذا قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ .
وقوله: ﴿وَالْبَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَّبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهٌِ﴾ أي: والأرض الطيبة يخرج نباتها سريعاً حسناً
كما قال: ﴿فَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: ٣٧].
﴿وَلَّذِى خَبُثَ لَا يَخْرُ إِلَّا نَكِدًا﴾ قال مجاهد وغيره كالسباخ(١) ونحوها.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في الآية: هذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر(٢).
وقال البخاري: حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا حماد بن أسامة، عن يزيد بن عبد الله، عن
أبي بردة، عن أبي موسى قال: قال رسول الله وَله: ((مثل ما بعثني الله به من العلم والهدى كمثل
الغيث الكثير أصاب أرضاً، فكانت منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت
منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة
أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلا، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما
بعثني الله به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به))(٣).
رواه مسلم والنسائي من طرق عن أبي أسامة حماد بن أسامة به (٤).
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ
يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿ قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَكَ فِ ضَلَلِ مُبِينٍ ﴿ قَالَ يَقَوْمِ لَيْسَ بِىِ ضَلَلَةٌ وَلَكِنِّى
رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ ﴾ أُبَلِّغُكُمْ رِسَلَتِ رَبٍِ وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ الَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ
لما ذكر تعالى قصة آدم في أول السورة وما يتعلق بذلك وما يتصل به وفرغ منه شرع تعالى في
ذكر قصص الأنبياء له الأول فالأول، فابتدأ بذكر نوح ظلّ فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل
الأرض بعد آدم لعلّ وهو: نوح بن لامك بن متوشلح بن أخنوخ - وهو إدريس النبي صلُالثّلا فيما
يزعمون، وهو أول من خط بالقلم - ابن برد بن مهليل بن قنين بن يانش بن شيث بن آدم ليلا.
هكذا نسبه محمد بن إسحاق وغير واحد من أئمة النسب(٥).
قال محمد بن إسحاق: ولم يلقَ نبي من قومه من الأذى مثل نوح إلا نبي قُتل (٦).
وقال يزيد الرقاشي: إنما سمي نوح لكثرة ما ناح على نفسه(٧).
(١) السباخ جمع سبخة وهي الأرض المالحة الغير صالحة للزراعة.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به بنحوه.
(٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه، العلم، باب فضل من عَلِمَ وعلَّم (ح٧٩).
(٤) صحيح مسلم، الفضائل، باب بيان مثل ما بعث النبي ◌َّر من الهدي والعلم (ح٢٢٨٢)، والسنن الكبرى
للنسائي (ح ٥٨٤٣).
(٥) ذكره بنحوه الحافظ ابن كثير في قصص الأنبياء ١/ ٦٠.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم وأبو نعيم (الحلية ٣/ ٥١)، كلاهما من طريق مسلم أبي عبد الله العباداني عن يزيد
الرقاشي.

٤٨
• سُوَرَّةُ الَّغَافِ (٦٣، ٦٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقد كان بين آدم إلى زمن نوح بالتَّاه عشرة قرون كلهم على الإسلام(١).
قال عبد الله بن عباس وغير واحد من علماء التفسير: وكان أول ما عبدت الأصنام أن
قوماً صالحين ماتوا فبنى قومهم عليهم مساجد وصوروا صورة أولئك فيها ليتذكروا حالهم
وعبادتهم فيتشبهوا بهم، فلما طال الزمان جعلوا أجساداً على تلك الصور، فلما تمادى الزمان
عبدوا تلك الأصنام وسموها بأسماء أولئك الصالحين وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونَسراً (٢)،
فلما تفاقم الأمر بعث الله مي وله الحمد والمنة رسوله نوحاً، فأمرهم بعبادة الله وحده لا
شريك له فقال: ﴿يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُمْ إِ أَغَفُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾
أي: من عذاب يوم القيامة إذا لقيتم الله وأنتم مشركون به ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ﴾﴾ أي:
الجمهور والسادة والقادة والكبراء منهم ﴿إِنَّا لَغَرَكَ فِي ضَلَلٍ مُبِينٍ﴾ أي في دعوتك إيانا إلى
ترك عبادة هذه الأصنام التي وجدنا عليها آباءنا وهكذا حال الفجار إنما يرون الأبرار في
[المطففين] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ
ضلالة كقوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُواْ إِنَّ هَؤُلَاءِ لَصَالُونَ
ءَامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيًْ مَّا سَبَقُونَآً إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ، فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ ﴾﴾ [الأحقاف] إلى
غير ذلك من الآيات.
﴿قَالَ يَقَوْمِ لَيْسَ بِىِ ضَلَلَةٌ وَلَكِنِّى رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ أي: ما أنا ضالّ ولكن أنا رسول
من رب كل شيء ومليكه ﴿أَبَلِغُكُمْ رِسَلَتِ رَبٍِ وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ (بَ﴾﴾ وهذا
شأن الرسول أن يكون مبلغاً فصيحاً ناصحاً عالماً بالله لا يدركهم أحد من خلق الله في هذه الصفات
كما جاء في صحيح مسلم أن رسول الله وَ الر قال لأصحابه يوم عرفة وهم أوفر ما كانوا وأكثر
جمعاً: ((أيها الناس إنكم مسؤولون عني فما أنتم قائلون؟)) قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت
ونصحت فجعل يرفع أصبعه إلى السماء وينكسها عليهم ويقول: ((اللّهم اشهد اللّهم اشهد))(٣).
] ﴿أَوَ عَبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنْكُتِ لِيُنذِرَكُمْ وَلَِنَّقُواْ وَعَلَّكُمْ تُرْهُونَ
فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَهُ وَاَلَّذِينَ مَعَهُ فِ اَلْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِتَايَتِنَاْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا عَمِينَ
(٦٤)
يقول تعالى إخباراً عن نوح أنه قال لقومه ﴿أَوَ عَبْتُمْ﴾ الآية؛ أي: لا تعجبوا من هذا، فإن
هذا ليس بعجب أن يوحي الله إلى رجل منكم رحمة بكم ولطفاً وإحساناً إليكم لينذركم ولتتقوا
نقمة الله ولا تشركوا به ﴿وَلَعَلَّكُمْ تُرْهَمُونَ﴾ .
قال الله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ أي: تمادوا على تكذيبه ومخالفته وما آمن معه منهم إلا قليل كما
نصّ عليه تعالى في موضع آخر ﴿فَأَنْجَيْنَهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِى الْفُلْكِ﴾ أي: السفينة كما قال: ﴿فَأَفَيْنَهُ
(١) ذكره الحافظ ابن كثير في قصص الأنبياء (١/ ٦٠)، ونسبه إلى البخاري في صحيحه وأخرجه ابن حبان بسند
صحيح عن أبي أمامة مرفوعاً بنحوه (الإحسان ٦٩/١٤ ح ٦١٩٠) وصححه محققه، وأخرجه الطبراني
(المعجم الكبير ح ٧٥٤٥) قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح غير أحمد بن خليد الحلبي وهو ثقة
(المجمع ٢١٠/٨)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢٦٢/٢).
(٢) أخرجه البخاري بنحوه (الصحيح، التفسير، سورة نوح باب: ﴿وَدَّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُونَ وَيَعُوقَ﴾ ح ٤٩٢٠).
(٣) صحيح مسلم، الحج، باب حجة النبي ◌َ ﴿ (ح١٢١٨) من حديث جابر بن عبد الله ظـ
.

٤٩
• سُرَّةُ الأََّراف (٦٥، ٦٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وَأَصْحَبَ السَّفِينَةِ﴾ [العنكبوت: ١٥]، ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَّايَئِنَاً﴾ كما قال: ﴿مِّمَا خَطِيَِّهِمْ
أُغْرِفُواْ فَأُدْخِلُواْ نَارًا فَ يَجِدُواْ لَهُ مِّن دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (٣٥)﴾ [نوح].
وقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا عَمِينَ﴾ أي: عن الحق لا يبصرونه ولا يهتدون له، فبين تعالى في
هذه القصة أنه انتقم لأوليائه من أعدائه، وأنجى رسوله والمؤمنين، وأهلك أعداءهم من الكافرين
كقوله: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ ﴿﴿ يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ
مَعْذِرَتُهُمِّ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوْءُ الدَّارِ
(٥)﴾ [غافر].
وهذه سُنّة الله في عباده في الدنيا والآخرة أن العاقبة فيها للمتقين والظفر والغلب لهم كما
أهلك قوم نوح بالغرق ونجى نوحاً وأصحابه المؤمنين.
وقال مالك، عن زيد بن أسلم: كان قوم نوح قد ضاق بهم السهل والجبل(١).
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ما عذب الله قوم نوح إلا والأرض ملأى بهم وليس بقعة
من الأرض إلا ولها مالك وحائز(٢).
وقال ابن وهب: بلغني عن ابن عباس أنه نجا مع نوح في السفينة ثمانون رجلاً أحدهم جرهم
(٤)
وکان لسانه عربياً رواه ابن أبي حاتم(٣)، وروي متصلاً من وجه آخر عن ابن عباس
قَالَ أَلْمَلَأُ
وَإِلَ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوَدَّا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، أَفَلَا نَنَّقُونَ
الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ، إِنَا لَفَرَكَ فِى سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَقْتُكَ مِنَ الْكَذِينَ ﴾ قَالَ يَقَوْمِ لَيْسَ بِى
سَفَاهَةٌ وَلَكِّ رَسُولٌ مِّن رَبِّ الْعَلَمِينَ ( أُبَلِّفُكُمْ رِسَلَتِ بَنِ وَأَنَاْ لَكُمْ نَامِعُ أَمِينُ ﴿ أَوَ يَبْتُمْ أَنْ
◌َكُمْ ذِكْرٌ مِّنِ زَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِسُنذِرَكُمْ وَاذْكُرُوَاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِى
اُلْخَلْقِ بَصْطَةً فَأَذْكُرُواْ ءَالَآءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
يقول تعالى: وكما أرسلنا إلى قوم نوح نوحاً كذلك أرسلنا إلى عاد أخاهم هوداً. قال
محمد بن إسحاق: هم ولد عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح.
قلت: هؤلاء هم عاد الأولى الذين ذكرهم الله وهم أولاد عاد بن إرم الذين كانوا يأوون إلى
العمد في البر كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ﴾ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ﴿ أَلَِّى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا
﴾ [الفجر] وذلك لشدّة بأسهم وقوتهم كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَأَسْتَكْبَرُواْ فِى الْأَرْضِ
فِی آلْبِلدِ
بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةٌ أَوْلَمْ يَرَوْا أَنَ اَللَّهَ الَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةٌ وَكَانُواْ بِثَايَتِنَا يَجْحَدُونَ
﴾ [فصلت] وقد كانت مساكنهم باليمن بالأحقاف وهي جبال الرمل.
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن وهب عن مالك به.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن به.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب به، لأن ابن وهب لم
يدرك ابن عباس. وهذه من الروايات الإسرائيلية.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق المؤمل بن أهاب، ثنا زيد بن حباب، ثنا الحسين بن واقد، عن أبي نهيك
عن ابن عباس به بدون: وكان لسانه عربياً، وفي سنده المؤمل وهو صدوق يهم كما في التقريب، وأبو
نهيك هو عثمان بن نهيك الأزدي وهو مقبول كما في التقريب.

٥٠
• سُوَرَّةُ الْأَّغَرَافِ (٧٠، ٧٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال محمد بن إسحاق، عن محمد بن عبد الله بن أبي سعيد الخزاعي، عن أبي الطفيل عامر بن
واثلة: سمعت علياً يقول لرجل من حضرموت: هل رأيت كثيباً أحمر يخالطه مدرة (١) حمراء ذا
أراك وسدر كثير بناحية كذا وكذا من أرض حضرموت. هل رأيته؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين؟
والله إنك لتنعته نعت رجل قد رآه، قال: لا ولكني قد حدثت عنه فقال الحضرمي: وما شأنه يا
أمير المؤمنين؟ قال: فيه قبر هود ظلَل* رواه ابن جرير(٢).
وهذا فيه فائدة أن مساكنهم كانت باليمن فإن هوداًظلّلها دفن هناك وقد كان من أشرف قومه
نسباً لأن الرسل إنما يبعثهم الله من أفضل القبائل وأشرفهم، ولكن كان قومه كما شدّد خلقهم
شدّد على قلوبهم، وكانوا من أشدّ الأمم تكذيباً للحق، ولهذا دعاهم هودعلَّلها إلى عبادة الله
وحده لا شريك له وإلى طاعته وتقواه.
﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ﴾ والملأ هم الجمهور والسادة والقادة منهم ﴿إِنَّا لَنَرَكَ فِى
سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَظُنُّكَ مِنَ الْكَذِبِينَ ﴾﴾ أي في ضلالة حيث تدعونا إلى ترك عبادة الأصنام والإقبال
على عبادة الله وحده كما تعجب الملأ من قريش من الدعوة إلى إله واحد فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآَلِمَةَ إِلَهَا
وَحِدًا﴾ [ص: ٥] الآية. ﴿قَالَ يَقَوْمِ لَيْسَ بِى سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّ رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ (4)﴾ أي لست كما
تزعمون بل جئتكم بالحق من الله الذي خلق كل شيء فهو رب كل شيء ومليكه ﴿ أُبَلِّغُكُمْ رِسَلَتِ
رَبِى وَأَنَاْ لَكُنْ نَاصِعُ أَمِينُ ®﴾ وهذه الصفات التي يتصف بها الرسل البلاغ والنصح والأمانة ﴿أَوَ عِبْتُمْ
أَنْ جََّكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّيَّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِسُنذِرَكُمْ﴾ أي لا تعجبوا أن بعث الله إليكم رسولاً من
أنفسكم لينذركم أيام الله ولقاءه بل احمدوا الله على ذاكم ﴿وَأَذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ
نُوُجِ﴾ أي: واذكروا نعمة الله عليكم في جعلكم من ذرية نوح الذي أهلك الله أهل الأرض بدعوته
لما خالفوه وكذبوه ﴿وَزَادَكُمْ فِ الْخَلْقِ بَصْطَةٌ﴾ أي زاد طولكم على الناس بسطة أي جعلكم أطول
من أبناء جنسكم كقوله في قصة طالوت ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةٌ فِىِ الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٧]
﴿فَذْكُرُوَاْ ءَالَآءَ اللَّهِ﴾ أي: نعمه ومننه عليكم ﴿لَعَلَّكُمْ نُفْلِحُونَ﴾ [والآلاء جمع إلى وقيل إلى](٣).
- ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَّ فَأَئِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنْتَ
مِنَ الصَّدِقِينَ
قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِّن رَبِّكُمْ رِجْسُ وَغَضَبُّ أَتُجَادِلُونَنِ فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ
وَءَابَآؤُكُمْ مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَأَنَظِرُواْ إِ مَعَكُم مِّنَ الْمُتَظِرِينَ
فَأَنَجَّنَهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ
بِرَحْمَةٍ مِّنَا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ
يخبر تعالى عن تمردهم وطغيانهم وعنادهم وإنكارهم على هود لعلَّا ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ
(١) المدرة: الطين الذي لا رمل فيه.
(٢) أخرجه الطبري عن ابن حميد، وهو محمد بن حميد الرزاي، عن سلمة عن ابن إسحاق به، وابن حميد
ضعيف وقد توبع إذ أخرجه البخاري من طريق أحمد بن عاصم عن عبد الله بن هارون عن أبيه عن ابن
إسحاق به وصرح ابن إسحاق بالتحديث (التاريخ الكبير ١٣٥/١)، ويبقى في سنده محمد بن عبد الله بن
أبي سعيد سكت عنه البخاري وذكره ابن حبان في (الثقات ٣٧٦/٥)، ولم يكف هذا التوثيق ولكن الرواية
تاريخيه مقبولة، واعتمدها الحافظ ابن كثير إذ استنبط منها الفائدة المذكورة أعلاه.
(٣) زيادة من (مح) و(حم).

٥١
سُورَةُ الأَغَاف (٧٠، ٧٢)
000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 000000000000
وَحْدَهُ﴾ الآية كقول الكفار من قريش ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ أَلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ
عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ أَثْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (®َ﴾ [الأنفال].
وقد ذكر محمد بن إسحاق وغيره: أنهم كانوا يعبدون أصناماً فصنم يقال له: صُداء، وآخر
يقال له: صمود، وآخر يقالُ له: الهباء(١). ولهذا قال هودالعِلَّ: ﴿قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ
رِجْسُ وَغَضَبُّ﴾ أي قد وجب عليكم بمقالتكم هذه من ربكم رجسّ قيل؛ هو مقلوب من رجز.
وعن ابن عباس: معناه: سخط وغضب.
﴿ أَتُجَادِلُونَنِى فِي أَسْمَآءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَآؤُكُمْ﴾ أي: أتحاجوني في هذه الأصنام التي سميتموها
أنتم وآباؤكم آلهة وهي لا تضر ولا تنفع ولا جعل الله لكم على عبادتها حجة ولا دليلاً ولهذا
قال: ﴿مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَأَنْتَظِرُوَاْ إِ مَعَكُم مِّنَ الْمُتَظِرِينَ﴾ وهذا تهديد ووعيد من
الرسول لقومه ولهذا عقبه بقوله: ﴿فَأَنْجَيِّنَهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِحَايَدِنَّا
.
وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ
وقد ذكر الله سبحانه صفة إهلاكهم في أماكن أخر من القرآن بأنه أرسل عليهم الريح العقيم ما
تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم كما قال في الآية أخرى ﴿وَمَا عَادُ فَأُهْلِكُواْ بِرِيج
(٤ سَخََّهَا عَلَهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًّا فَرَى الْقَوْمَ فِهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَعْلٍ
صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ
خَاوِيَةِ ﴾ فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّنْ بَاقِبَةِ ﴾﴾ [الحاقة] لما تمردوا وعتوا أهلكهم الله بريح عاتية فكانت
تحمل الرجل منهم فترفعه في الهواء في تنكسه على أم رأسه، فتثلغ رأسه حتى تبينه من بين جثته
ولهذا قال: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ غَْلٍ خَاوِيَةِ﴾ .
وقال محمد بن إسحاق: كانوا يسكنون باليمن بين عمان وحضرموت وكانوا مع ذلك قد فشوا
في الأرض وقهروا أهلها بفضل قوتهم التي آتاهم الله، وكانوا أصحاب أوثان يعبدونها من
دون الله، فبعث الله إليهم هوداً عليا وهو من أوسطهم نسباً وأفضلهم موضعاً، فأمرهم أن
يوحدوا الله ولا يجعلوا معه إلهاً غيره، وأن يكفّوا عن ظلم الناس، فأبوا عليه وكذبوه، وقالوا:
من أشد منا قوة واتبعه منهم ناس وهم يسير يكتمون إيمانهم، فلما عتّت عاد على الله وكذبوا نبيه
وأكثروا في الأرض الفساد وتجبروا وبنوا بكل ريع آية عبثاً بغير نفع كلمهم هود فقال: ﴿أَتَبْنُونَ
بِكُلِّ رِيع ءَايَةٌ تَعْبَئُونَ
وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَّخْلُونَ (٣٩) وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ﴿١٣) فَأَتَّقُواْ اللَّهَ
وَأَطِيعُونِ (٣)﴾ [الشعراء] ﴿قَالُواْ يَهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْمنُ بِتَارِكِيَّ ◌َالِهَئِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ
﴿ إِن نَّقُولُ إِلَّا أَعْتَرَنِكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوءُ﴾ أي بجنون ﴿قَالَ إِنَّ أُشْهِدُ اللَّهَ وَأَشْهَدُوّا أَنِّ بَرِىَّءٌ
بِمُؤْمِنِينَ
◌ِّمَا تُشْرِكُنَ
) إِنِّى تَوَكَلْتُ عَلَى اَللَّهِ رَبِى وَرَبِّكُ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا
مِن دُونِهِ، فَكِيدُونِ جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُظِرُونِ
٥٤
هُوَ ءَاِخِذٌ بِنَاصِيَتِهَاْ إِنَّ رَبِ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقٍِ (٥٦)﴾ [هود].
قال محمد بن إسحاق: فلما أبوا إلا الكفر به أمسك الله عنهم القطر ثلاث سنين فيما يزعمون
حتى جهدهم ذلك قال: وكان الناس إذا جهدهم أمر في ذلك الزمان، وطلبوا من الله الفرج فيه
إنما يطلبونه بحرمة ومكان بيته، وكان معروفاً عند أهل ذلك الزمان وبه العماليق مقيمون وهم من
(١) أخرجه الطبري من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق.

٥٢
• سُورَةُ الأَغَافِ (٧٠، ٧٢)
سلالة عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح، وكان سيدهم إذ ذاك رجلاً يقال له: معاوية بن بكر،
وكانت له أم من قوم عاد واسمها كلهدة ابنة الخيبري، قال: فبعثت عاد وفداً قريباً من سبعين
رجلاً إلى الحرم ليستسقوا لهم عند الحرم، فمرّوا بمعاوية بن بكر بظاهر مكة فنزلوا عليه فأقاموا
عنده شهراً يشربون الخمر وتغنيهم الجرادتان: قينتان لمعاوية، وكانوا قد وصلوا إليه في شهر،
فلما طال مقامهم عنده وأخذته شفقة على قومه واستحيا منهم أن يأمرهم بالانصراف عمل شعراً
يعرض لهم بالانصراف وأمر القينتين أن تغنياهم به فقال:
لعلّ الله يُصبحنا غماما
ألا يا قيل ويحك قُم فَهِيَنم
قد أمسوا لا يُبينون الكلاما
فيسقي أرض عاد إنّ عاداً
به الشيخ الكبير ولا الغلاما
من العطش الشديد وليس نرجو
أمست نساؤهم عيامى(١)
وقد كانت نساؤهم بخير فقد
ولا تخشى لعادي سهاما
وإن الوحش تأتيهم جهاراً
وأنتم ههنا فيما اشتهيتم
نهاركم وليلكم التماما
ولا لُقّوا التحية والسلاما
فقبحَ وفدكم من وفد قوم
قال: فعند ذلك تنبه القوم لما جاؤوا له، فنهضوا على الحرم ودعوا لقومهم فدعا داعيهم
وهو: قيل بن عِنز، فأنشأ الله سحابات ثلاثاً بيضاء وسوداء وحمراء، ثم ناداه مناد من السماء:
اختر لنفسك أو لقومك من هذا السحاب فقال: اخترت هذه السحابة السوداء فإنها أكثر السحاب
ماء فناداه مناد: اخترت رماداً رمدداً، لا تبقي من عاد أحداً لا والداً تترك ولا ولداً، إلا جعلته
همداً، إلا بني اللوذية المهندا، قال: وبنو اللوذية بطن من عاد يقيمون بمكة فلم يصبهم ما
أصاب قومهم. قال وهم من بقي من أنسالهم وذراريهم عاد الآخرة.
قال: وساق الله السحابة السوداء فيما يذكرون التي اختارها قيل بن عنز بما فيها من النقمة إلى
عاد حتى تخرج عليهم من وادٍ يقال له: المغيث، فلما رأوها استبشروا وقالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ
تُطِنَا﴾ يقول: ﴿بَلَ هُوَ مَا أُسْتَعْجَلْتُم بِهٌِ رِيْعٌ فِيَهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٤ - ٢٥]
أي: تهلك كل شيء مرت به فكان أول من أبصر ما فيها وعرف أنها ريح فيما يذكرون امرأة من
عاد يقال لها: مميد، فلما تبينت ما فيها صاحت ثم صعقت فلما أفاقت قالوا: ما رأيت يا مميد؟
قالت ريحاً فيها شبه النار أمامها رجال يقودونها، فسخرها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام
حسوماً كما قال الله تعالى. والحسوم الدائمة فلم تدع من عاد أحداً إلا هلك، واعتزل هود فإنَّل*
فيما ذكر لي ومن معه من المؤمنين في حظيرة ما يصيبه ومن معه إلا ما تلين عليه الجلود وتلذ
الأنفس، وإنها لتمرّ على عاد بالظعن ما بين السماء والأرض وتدمغهم بالحجارة.
وذكر تمام القصّة بطولها وهو سياق غريب فيه فوائد كثيرة وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جََّ أَمْرُنَا
◌َّبَا هُودًا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنََّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِظٍ (@)﴾ [هود](٢).
(١) كذا في النسخ، وفي البداية والنهاية (١٢٦/١): ((نساءهم أيامى)): جمع أيم، التي هلك زوجها.
(٢) أخرجه الطبري من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق بنحوه مطولاً .

٥٣
سُورَةُ الأَشْاف (٧٠، ٧٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقد ورد في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده قريب مما أورده محمد بن إسحاق بن
يسار تَخْلُهُ، وقال الإمام أحمد حدثنا زيد بن الحباب، حدثني أبو المنذر سلام بن سليمان
النحوي، حدثنا عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن الحارث البكري قال: خرجت أشكو
العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله وَ* فمررت بالربَّذَة، فإذا بعجوز من بني تميم منقطع بها
فقالت لي: يا عبد الله إن لي إلى رسول الله وَ لّ حاجة هل أنت مبلغي إليه؟ قال: فحملتها،
فأتيت المدينة فإذا المسجد غاصّ بأهله، وإذا راية سوداء تخفق، وإذا بلال متقلّد سيفاً بين يدي
رسول الله * فقلت: ما شأن الناس؟ قالوا: يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجهاً قال:
فجلست فدخل منزله أو قال: رحله فاستأذنت عليه فأذن لي فدخلت وسلمت فقال: هل بينكم
وبين تميم شيء؟ قلت: نعم وكانت لنا الدائرة عليهم.
ومررت بعجوز من بني تميم منقطع بها فسألتني أن أحملها إليك، وها هي بالباب، فأذن لها
فدخلت فقلت: يا رسول الله إن رأيت أن تجعل بيننا وبين تميم حاجزاً، فاجعل الدهناء فحميت
العجوز واستوفزت. وقالت: يا رسول الله فإلى أين يضطر مضطرك؟ قال: قلت: إن مثلي مثل ما
قال الأول: معزى حملت حتفها (١)، حملت هذه ولا أشعر أنها كانت لي خصماً أعوذ بالله
وبرسوله أن أكون كوافد عاد. قال لي: ((وما وافد عاد؟)) وهو أعلم بالحديث منه ولكن يستعظمه.
قلت: إن عاداً قحطوا فبعثوا وافداً لهم يقال له: قيل، فمر بمعاوية بن بكر فأقام عنده شهراً يسقيه
الخمر وتغنيه جاريتان يقال لهما الجرادتان، فلما مضى الشهر خرج إلى جبال مهرة فقال: اللهم
إنك تعلم أني لم أجئ إلى مريض فأداويه، ولا إلى أسير فأفاديه. اللهم اسق عاداً ما كنت
تسقيه، فمرت به سحابات سود فنودي منها: اختر، فأومأ إلى سحابة منها سوداء، فنودي منها :
خذها رماداً رٍمدداً (٢)، لا تبقي من عاد أحداً قال: فما بلغني أنه بعث الله عليهم من الريح إلا
قدر ما يجري في خاتمي هذا حتى هلكوا. قال أبو وائل وصدق قال: وكانت المرأة والرجل إذا
بعثوا وافداً لهم قالوا: لا تكن كوافد عاد (٣). هكذا. رواه الإمام أحمد في المسند، ورواه
الترمذي عن عبد بن حميد، عن زيد بن الحباب به نحوه، ورواه النسائي من حديث سلام بن أبي
المنذر، عن عاصم وهو: ابن بهدلة، ومن طريقه رواه ابن ماجه أيضاً عن أبي وائل، عن
الحارث بن حسان البكري(٤) به، ورواه ابن جرير عن أبي كريب، عن زيد بن حباب به ووقع
عنده عن الحارث بن يزيد البكري فذكره، ورواه أيضاً عن أبي كريب، عن أبي بكر بن عياش،
عن عاصم، عن الحارث بن حسان البكري، فذكره ولم أر في النسخة أبا وائل(6)، والله أعلم.
(١) أي: لا تكن كالعنز تبحث عن المُدية (فصل المقال لأبي عبيد البكري ص٤٥٦).
(٢) رِمدداً: المتناهي في الاحتراق والدقة.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٠٧/٢ ح ١٥٩٥٤)، وحسنه محققوه.
(٤) سنن الترمذي، تفسير القرآن، باب ومن سورة الذاريات (ح ٣٢٧٠)، والسنن الكبرى للنسائي (ح ٨٦٠٧)،
وسنن ابن ماجه، الجهاد، باب الرايات والألوية (ح٢٨١٦)، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه
(ح٢٢٧٢) وذكره في السلسلة الصحيحة (ح ٢١٠٠).
(٥) أخرجه الطبري عن أبي كريب بالإسنادين ولم يذكر أبا وائل فيهما في نسخة الأستاذ أحمد شاكر، ولكن
ورد ذكره في الرواية الثانية في نسخة معالي د. التركي، وهذه فائدة الرجوع إلى عدة نسخ في التحقيق.

٥٤
سُورَةُ الأَغَرَافِ (٧٣، ٧٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِكَأْ قَالَ يَنَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرٌ قَدْ جَاءَتْكُمْ
بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ، نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ ءَايَةٌ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِيَّ أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿ وَأَذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِى الْأَرْضِ تَنَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا
قُصُورًا وَنَنْحِئُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَأَذْكُرُوَاْ ءَالَآءَ اَللَّهِ وَلَا نَعْثَوْ فِىِ الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴿ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ
أُسْتَكْبَرُواْ مِنْ قَوْمِهِ، لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوْ لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ أَتَعَلَمُونَ أَنَ صَلِحًا مُرْسَلُ مِّن رَّبِّهٍ، قَالُواْ إِنَّا
فَعَقَرُواْ
بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ ﴿ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا بِلَّذِىّ ءَامَنتُم بِهِ، كَفِرُونَ (٣)
فَأَخَذَتْهُمُ
النَّاقَةَ وَعَنَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَصَلِحُ أَثْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (®)
الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَثِمِينَ
قال علماء التفسير والنسب: ثمود بن عاثر بن إرم بن سام بن نوح وهو أخو جديس بن عاثر،
وكذلك قبيلة طسم كل هؤلاء كانوا أحياء من العرب العاربة قبل إبراهيم الخليل لعلّ*، وكانت
ثمود بعد عاد ومساكنهم مشهورة فيما بين الحجاز والشام إلى وادي القرى وما حوله وقد مرّ
رسول الله ◌َّي على ديارهم ومساكنهم وهو ذاهب إلى تبوك في سنة تسع(١).
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا صخر بن جويرية، عن نافع، عن ابن عمر قال:
لما نزل رسول الله وَر بالناس على تبوك نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود، فاستقى الناس من
الآبار التي كانت تشرب منها ثمود، فعجنوا منها ونصبوا لها القدور، فأمرهم النبي وَلمر فأهرقوا
القدور وعلفوا العجين الإبل، ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها
الناقة، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا وقال: ((إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم
فلا تدخلوا عليهم))(٢).
وقال أحمد أيضاً: حدثنا عفان، حدثنا عبد العزيز بن مسلم، حدثنا عبد الله بن دينار، عن
عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله مي﴿ وهو بالحِجر: ((لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن
تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم)) (٣). وأصل
هذا الحديث مخرج في الصحيحين من غير وجه (٤).
وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا يزيد بن هارون المسعودي، عن إسماعيل بن أوسط، عن
محمد بن أبي كبشة الأنماري، عن أبيه قال: لما كان في غزوة تبوك تسارع الناس إلى أهل
الحِجر يدخلون عليهم، فبلغ ذلك رسول الله رَّير، فنادى في الناس: ((الصلاة جامعة)) قال: فأتيت
رسول الله وَل وهو ممسك بعنزة وهو يقول: ((ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم)) فناداه رجل
منهم: نعجب منهم يا رسول الله؟ قال: ((أفلا أنبئكم بأعجب من ذلك. رجل من أنفسكم ينبئكم
(١) وقد صح ذلك كما سيأتي في رواية الإمام أحمد من حديث ابن عمر ـ
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٩٢/١٠ ح٥٩٨٤)، قال محققوه: إسناده صحيح على شرط
الشیخین.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٢٢/٩ ح٥٤٤١) وسنده كسابقه.
(٤) صحيح البخاري، الصلاة، باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب (ح٤٣٣)، وصحيح مسلم، الزهد،
باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا ... (ح ٢٩٨٠).

٥٥
• سُورَةُ الأَغراف (٧٣، ٧٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
بما كان قبلكم وبما هو كائن بعدكم، فاستقيموا وسددوا فإن الله لا يعبأ بعذابكم شيئاً، وسيأتي
قوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئاً»(١) لم يخرجه أحد من أصحاب السنن وأبو كبشة اسمه: عمر بن
سعد ويقال عامر بن سعد والله أعلم.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن
أبي الزبير، عن جابر قال لما مرّ رسول الله وَ ◌ّه بالحجر قال: ((لا تسألوا الآيات فقد سألها قوم
صالح فكانت - يعني الناقة - ترد من هذا الفجّ وتصدر من هذا الفجّ فعتوا عن أمر ربهم، فعقروها
وكانت تشرب ماءهم يوماً ويشربون لبنها يوماً فعقروها فأخذتهم صيحة أهمد الله من تحت أديم
السماء منهم إلا رجلاً واحداً كان في حرم الله)) فقالوا: من هو يا رسول الله؟ قال: ((أبو رغال
فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه))(٢) وهذا الحديث ليس في شيء من الكتب الستة وهو
على شرط مسلم.
قوله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحًا﴾ أي: ولقد أرسلنا إلى قبيلة ثمود أخاهم صالحاً ﴿قَالَ
يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ فجميع الرسل يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له
كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّ أَنْ فَاعْبُدُونِ
٢٥]
[الأنبياء] وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولَا أَنِ أَعْبُدُواْ اَللَّهَ وَأَجْتَنِبُواْ الطَّاغُونَ﴾ [النحل: ٣٦].
وقوله: ﴿قَدْ جَآءَنْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمَّ هَذِهِ، نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ ءَابَةٌ﴾ أي: قد جاءتكم حجة
من الله على صدق ما جئتكم به.
((وكانوا هم الذين سألوا صالحاً أن يأتيهم بآية واقترحوا عليه بأن تخرج لهم من صخرة صمّاء
عينوها بأنفسهم وهي صخرة منفردة في ناحية الحجر يقال لها: الكاثبة، فطلبوا منه أن تخرج لهم
منها ناقة عشراء تمخض، فأخذ عليهم صالح العهود والمواثيق: لئن أجابهم الله إلى سؤالهم
وأجابهم إلى طلبتهم ليؤمنن به وليتبعنه. فلما أعطوه على ذلك عهودهم ومواثيقهم قام صالح التَّل
إلى صلاته ودعا الله ربك فتحركت تلك الصخرة ثم انصدعت عن ناقة جوفاء وَبراء يتحرك جنينها
بين جنبيها كما سألوا، فعند ذلك آمن رئيسهم (جُندع بن عمرو) ومن كان معه على أمره، وأراد
بقية أشراف ثمود أن يؤمنوا فصدّهم ذؤاب بن عمرو بن لبيد والحباب صاحب أوثانهم، ورباب بن
صمعر بن جلهس وكان لجندع بن عمرو ابن عمّ يقال له: شهاب بن خليفة بن مخلاة بن لبيد بن
جواس، وكان من أشراف ثمود وأفاضلها فأراد أن يسلم أيضاً فنهاه أولئك الرهط، فأطاعهم فقال
في ذلك رجل من مؤمني ثمود يقال له مهوش بن عثمة بن الدميل كثّته:
إلى دين النبي دعوا شهابا
وكانت عصبةً من آل عمرو
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه بنحوه (المسند ٥٥٨/٢٩ - ٥٥٩ ح١٨٠٢٩)، وضعفه محققوه بسبب لين
محمد بن أبي كبشه. اهـ. وحسنه الحافظ ابن كثير (البداية والنهاية ١٥٩/١)، وحسنه الهيثمي أيضاً
(المجمع ٢٩٣/١٠).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٩٦/٣)، وأخرجه الحاكم من طريق عبد الرزاق به وصححه
ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٤٠/٢)، وحسنه الحافظ ابن حجر (الفتح ٢٧٠/٦)، وقال الهيثمي: ورجال
أحمد رجال الصحيح (المجمع ١٩٤/٦) وقال الحافظ ابن كثير: على شرط مسلم.

٥٦
سُورَةُ الأَغراف (٧٣، ٧٨)
00000000000000000000000000000000000000000000000 000 000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
فهمّ بأن يُجيب فلو أجابا
عزيز ثمود كلهمُ جميعاً
وما عدلوا بصاحبهم ذؤابا
لأصبح صالح فينا عزيزاً
تولوا بعد رُشْدهم ذئابا
ولكن الغواة من آل حُجر
وأقامت الناقة وفصيلها بعد ما وضعته بين أظهرهم مدة تشرب من بئرها يوماً وتدعه لهم يوماً،
وكانوا يشربون لبنها يوم شربها يحتلبونها، فيملأون ما شاءوا من أوعيتهم وأوانيهم كما قال في
الآية الأخرى: ﴿وَنَبْهُمْ أَنَّ الْعَلَّةَ قِسْمَةٌ بََّهُمْ كُلُّ شِرْبٍ تُخَضَرُ ﴾﴾ [القمر] وقال تعالى: ﴿هَذِهِ، نَاقَةٌ لََّا
شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] وكانت تسرح في بعض تلك الأودية ترد من فجّ،
وتصدر من غيره ليسعها لأنها كانت تتضلع من الماء، وكانت على ما ذكر خلقاً هائلاً ومنظراً
رائعاً إذا مرت بأنعامهم نفرت منها، فلما طال عليهم ذلك واشتد تكذيبهم لصالح النبي بالتاله
عزموا على قتلها ليستأثروا بالماء كل يوم، فيقال: (إنهم اتفقوا كلهم على قتلها)(١).
قال قتادة: بلغني أن الذي قتلها طاف عليهم كلهم أنهم راضون بقتلها حتى على النساء في
خدورهن وعلى الصبيان(٢).
قلت: وهذا هو الظاهر لقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَئِهِمْ فَسَوَّنَهَا
[الشمس] وقال: ﴿وَءَنْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوْ بِهَا﴾ [الإسراء: ٥٩] وقال: ﴿فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ﴾
فأسند ذلك على مجموع القبيلة فدل على رِضى جميعهم بذلك والله أعلم.
وذكر الإمام أبو جعفر بن جرير وغيره من علماء التفسير أن سبب قتلها أن امرأة منهم يقال
لها: عنيزة ابنة غنم بن مجلز، وتكنى أُم غنم كانت عجوزاً كافرة، وكانت من أشد الناس عداوة
لصالح علا، وكانت لها بنات حِسان ومال جزيل، وكان زوجها ذؤاب بن عمرو أحد رؤساء
ثمود. وامرأة أخرى يقال لها: صدوف بنت المحيا بن دهر بن [المحيا](٣) ذات حسب ومال
وجمال، وكانت تحت رجل مسلم من ثمود ففارقته فكانتا تجعلان لمن التزم لهما بقتل الناقة،
فدعت صدوف رجلاً يقال له: الحباب، فعرضت عليه نفسها إن هو عقر الناقة، فأبى عليها
فدعت ابن عمّ لها يقال له: مصدع بن مهرج بن المحيا، فأجابها إلى ذلك، ودعت عنيزة بنت
غنم قدار بن سالف بن جذع وكان رجلاً أحمر أزرق قصيراً - يزعمون أنه كان ولد زنية وأنه لم
يكن من أبيه الذي ينسب إليه وهو سالف، وإنما هو من رجل يقال له: صهياد ولكن ولد على
فراش سالف -. وقالت له: أعطيك أي بناتي شئت على أن تعقر الناقة، فعند ذلك انطلق قدار بن
سالف، ومصدع بن مهرج فاستغويا غواة من ثمود فاتبعهما سبعة نفر فصاروا تسعة رهط وهم
الذين قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ فِ الْمَدِينَةِ نِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِ اَلْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (®﴾ [النمل]
وكانوا رؤساء في قومهم، فاستمالوا القبيلة الكافرة بكمالها فطاوعتهم على ذلك فانطلقوا فرصدوا
(١) ما بين قوسين أخرجه الطبري عن ابن إسحاق تارة وتارة أخرى عن ابن إسحاق عن يعقوب بن عتبة بن
المغيرة بن الأخنس بنحوه مطولاً .
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة بنحوه بدون قوله: بلغني، ولكن هذه الرواية من
أخبار أهل الكتاب.
(٣) كذا في (مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: ((المختار))، وهو تصحيف.

٥٧
سُورَةُ الأَغراف (٧٣، ٧٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الناقة حين صدرت من الماء، وقد كُمُن لها قدار بن سالف في أصل صخرة على طريقها، وكمن
لها مصدع في أصل أخرى، فمرّت على مصدع فرماها بسهم، فانتظم به عضلة ساقها وخرجت أُم
غنم عنيزة وأمرت ابنتها وكانت من أحسن الناس وجهاً فسفرت عن وجهها لقدار، وذمّرته وشدّ
على الناقة بالسيف فكشف عن عرقوبها، فخرت ساقطة إلى الأرض ورغت رغاة واحدة تحذر
سقبها ثم طعن في لبتها فنحرها وانطلق سقبها وهو فصيلها حتى أتى جبلاً منيعاً فصعد أعلى
صخرة فيه ورغا (١). فروى عبد الرزاق عن معمر عمن سمع الحسن البصري أنه قال: يا رب أين
أُمي؟ ويقال إنه رغا ثلاث مرات(٢) وإنه دخل في صخرة فغاب فيها، ويقال بل اتبعوه فعقروه مع
أُمه فالله أعلم.
فلما فعلوا ذلك وفرغوا من عقر الناقة وبلغ الخبر صالحاً علّا، فجاءهم وهم مجتمعون، فلما
رأى الناقة بكى وقال ﴿تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَّاءٍ﴾ الآية [هود: ٦٥].
وكان قتلهم الناقة يوم الأربعاء، فلما أمسى أولئك التسعة الرهط عزموا على قتل صالح
وقالوا: إن كان صادقاً عجلناه قبلنا وإن كان كاذباً ألحقناه بناقته ﴿قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِاللَّهِ لَتُبِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ
﴿﴿ وَمَكَرُواْ مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا
ثُمَّ لَنَقُولَنَ لِوَلِهِ، مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ، وَإِنَا لَصَكِدِفُونَ
يَشْعُرُونَ ﴾ فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ الآية [النمل]، فلما عزموا على ذلك وتواطؤوا
عليه وجاؤوا من الليل ليفتكوا بنبي الله، فأرسل الله وق وله العزة ولرسوله عليهم حجارة
فرضختهم سلفاً وتعجيلاً قبل قومهم، وأصبح ثمود يوم الخميس وهو اليوم الأول من أيام النظرة
ووجوههم مصفرة كما وعدهم صالح عليها، وأصبحوا في اليوم الثاني من أيام التأجيل وهو يوم
الجمعة ووجوههم محمرة، وأصبحوا في اليوم الثالث من أيام المتاع وهو يوم السبت ووجوههم
مسودة، فلما أصبحوا من يوم الأحد وقد تحنطوا وقعدوا ينتظرون نقمة الله وعذابه عياذاً بالله من
ذلك لا يدرون ماذا يفعل بهم ولا كيف يأتيهم العذاب؟ وأشرقت الشمس جاءتهم صيحة من
السماء، ورجفة شديدة من أسفل منهم، ففاضت الأرواح وزهقت النفوس في ساعة واحدة
﴿فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَثِينَ﴾) أي: صرعى لا أرواح فيهم، ولم يفلت منهم أحد لا صغير ولا
كبير لا ذكر ولا أنثى، قالوا: إلا جارية كانت مقعدة واسمها: كلبة ابنة السلق، ويقال لها:
الزريقة، وكانت كافرة شديدة العداوة لصالح لعلّها، فلما رأت ما رأت من العذاب أطلقت
رجلاها، فقامت تسعى كأسرع شيء فأتت حياً من الأحياء فأخبرتهم بما رأت وما حلَّ بقومها ثم
استسقتهم من الماء، فلما شربت ماتت(٣).
قال علماء التفسير: ولم يبق من ذرية ثمود أحد سوى صالح ظلِّله ومن تبعه وه، إلا أن
رجلاً يقال له: أبو رُغال كان لما وقعت النقمة بقومه مقيماً إذ ذاك في الحرم فلم يصبه شيء فلما
خرج في بعض الأيام إلى الحلّ جاءه حَجر من السماء فقتله.
وقد تقدم في أول القصة حديث جابر بن عبد الله في ذلك وذكروا أن أبا رُغال هذا هو والد
(١) أخرجه الطبري بالإسناد المتقدم عن ابن إسحاق. وهي من روايات أهل الكتاب.
(٢) أخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به وأطول، وأخرجه عبد الرزاق به، والرواية من أخبار أهل الكتاب.
(٣) أخرجه الطبري بنحوه من طريق ابن إسحاق. والرواية كسابقتها.

٥٨
• سُوَرَّةُ الأَّغَافِ (٧٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ثقيف الذين كانوا يسكنون الطائف، قال عبد الرزاق عن معمر: أخبرني إسماعيل بن أُمية أن
النبي ◌َّ﴿ مرَّ بقبر أبي رُغال فقال: ((أتدرون من هذا؟)) قالوا الله ورسوله أعلم، قال: ((هذا قبر
أبي رغال رجل من ثمود كان في حرم الله فمنعه حرم الله عذاب الله، فلما خرج أصابه ما أصاب
قومه فدفن هاهنا ودفن معه غصن من ذهب، فنزل القوم فابتدروه بأسيافهم فبحثوا عنه فاستخرجوا
الغصن)) (١) وقال عبد الرزاق: قال معمر: قال الزهري: أبو رُغال أبو ثقيف هذا مرسل من هذا
الوجه .
وقد روي متصلاً من وجه آخر كما قال محمد بن إسحاق: عن إسماعيل بن أمية، عن بُجير بن
أبي بُجير قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول سمعت رسول الله وَّيقول يقول حين خرجنا معه إلى
الطائف فمررنا بقبر، فقال: ((هذا قبر أبي رغال وهو أبو ثقيف وكان من ثمود وكان بهذا الحرم
فدفع عنه. فلما خرج أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان فدفن فيه، وآية ذلك أنه دفن
معه غصن من ذهب إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه، فابتدره الناس فاستخرجوا منه الغصن)) وهكذا
رواه أبو داود، عن يحيى بن معين، عن وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه، عن ابن إسحاق
به(٢)، قال شيخنا أبو الحجاج المزي: وهو حديث حسن عزیز(٣).
(قلت): تفرد بوصله بُجير بن أبي بُجير هذا، وهو شيخ لا يعرف إلا بهذا الحديث، قال
يحيى بن معين: ولم أسمع أحداً روى عنه غير إسماعيل بن أمية، (قلت) وعلى هذا فيخشى أن
يكون وهم في رفع هذا الحديث. وإنما يكون من كلام عبد الله بن عمرو مما أخذه من
الزاملتين، قال شيخنا أبو الحجاج بعد أن عرضت عليه ذلك: وهذا محتمل، والله أعلم(٤).
] ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَقَوْمِ لَقَدْ أَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّ وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لَّا تُحِبُّونَ النَّصِحِينَ
٧٩
هذا تقريع من صالح عليلا لقومه، لما أهلكهم الله بمخالفتهم إياه وتمردهم على الله وإبائهم عن
قبول الحق وإعراضهم عن الهدى إلى العمى، قال لهم صالح ذلك بعد هلاكهم، تقريعاً وتوبيخاً
وهم يسمعون ذلك، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله وَلي لما ظهر على أهل بدر أقام هناك
ثلاثاً، ثم أمر براحلته فشدّت بعد ثلاث من آخر الليل، فركبها ثم سار حتى وقف على القليب
قليب بدر، فجعل يقول: ((يا أبا جهل بن هشام يا عتبة بن ربيعة يا شيبة بن ربيعة ويا فلان بن
فلان هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً)). فقال له عمر: يا
رسول الله ما تكلم من أقوام قد جيفوا؟ فقال: ((والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم
ولكن لا يجيبون))(٥) .
(١) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده منقطع وسيأتي موصولاً موقوفاً حسناً عن عبد الله بن عمرو ﴿يا.
(٢) سنن أبي داود، الخراج والإمارة، باب نبش القبور العادية (ح٣٠٨٨)، وحسنه المزي (تهذيب الكمال ١١/٤).
(٣) تهذيب الكمال ١١/٤.
(٤) ذكره الحافظ ابن كثير في قصص الأنبياء (ص١١٣/٢) وزاد: لكن في المرسل الذي قبله وفي حديث جابر
أيضاً شاهد له. ويبقى القول أن وقفه على عبد الله بن عمرو أرجح.
(٥) تقدم تخريجه وصحته في آخر تفسير آية رقم ٤٥ من هذه السورة الكريمة.

٥٩
سُورَةُ الأَغَافِ (٨١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وفي السيرة أنه ظلّه قال لهم: ((بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم كذبتموني وصدقني الناس،
وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس، فبئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم))(١).
[وهكذا](٢) صالح عظّ قال لقومه: ﴿لَقَدْ أَبَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبٍِّ وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ أي: فلم تنتفعوا
بذلك لأنكم لا تحبون الحق ولا تتبعون ناصحاً، ولهذا قال: ﴿وَلَكِن لَّا تُحِبُّونَ النَّصِحِينَ﴾ وقد
ذكر بعض المفسرين: أن كلّ نبي هلكت أُمته كان يذهب فيقيم في الحرم حرم مكة، والله أعلم.
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن
عكرمة، عن ابن عباس قال: لما مرّ رسول الله وَلّ بوادي عسفان حين حجّ قال: ((يا أبا بكر أي
وادٍ هذا؟)) قال: هذا وادي عسفان، قال: ((لقد مرّ به هود وصالح ◌َّؤها على بكرات خطمهن(٣)
الليف أزرهم العباء وأرديتهم النِّمار(٤)، يُلبّون يَحُون البيت(٥) العتيق)).
هذا حديث غريب من هذا الوجه لم يخرجه أحد منهم.
إِنَّكُمْ
﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ، أَتَأْتُنَ اٌلْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ اٌلْعَلَمِينَ
لَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ
يقول تعالى: ﴿و﴾ لقد أرسلنا ﴿وَلُوطًا﴾ أو تقديره ﴿و﴾ اذكر ﴿لُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾﴾ ولوط هو
ابن هاران بن آزر وهو: ابن أخي إبراهيم الخليل عبَّاه، وكان قد آمن مع إبراهيم لعله وهاجر
معه إلى أرض الشام، فبعثه الله إلى أهل سدوم وما حولها من القرى، يدعوهم إلى الله راك
ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عما كانوا يرتكبونه من المآثم والمحارم والفواحش التي اخترعوها لم
يسبقهم بها أحد من بني آدم ولا غيرهم، وهو إتيان الذكور دون الإناث، وهذا شيء لم يكن بنو
آدم تعهده ولا تألفه ولا يخطر ببالهم، حتى صنع ذلك أهل سدوم عليهم لعائن الله.
قال عمرو بن دينار في قوله: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَلَمِينَ﴾ قال: ما نزا ذكرُ على ذكرٍ
حتى كان قوم لوط (٦).
وقال الوليد بن عبد الملك الخليفة الأموي باني جامع دمشق: لولا أن الله وم قصّ علينا خبر
قوم لوط ما ظننت أن ذكراً يعلو ذكراً، ولهذا قال لهم لوط لعلّا: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ
أَحَدٍ مِّنَ الْعَلَمِينَ ﴿ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْرِجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَأَِّ﴾ أي: عدلتم عن النساء وما
خلق لكم ربكم منهن إلى الرجال، وهذا إسراف منكم وجهل لأنه وضع الشيء في غير محله،
ولهذا قال لهم في الآية الأخرى: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِىَ إِن كُنتُمْ فَعِلِينَ﴾ [الحجر: ٧١] فأرشدهم إلى نسائهم،
فاعتذروا إليه بأنهم لا يشتهونهن، ﴿قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِ بَنَاتِكَ مِنْ حَقِّ وَإِنَّكَ لَنَعْلَمُ مَا زِيدُ (19)﴾
(١) أخرجه ابن إسحاق عن بعض أهل العلم. (سيرة ابن هشام ٦٣٩/١ وفتح الباري ٣٠٢/٧) وسنده ضعيف.
(٢) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: ((وهذا)).
(٣) بكرات جمع بكرة: الفتّة من الإبل، والخُظُم: جمع خطام.
(٤) النِّمار: جمع نُمِرة الشملة المخططة، كأنها أخذت من لون النمر.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٩٥/٣ ح٢٠٦٦)، وضعفه محققوه لضعف زمعة.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن عمرو بن دينار.

٦٠
• سُوَرَّةُ الْأََّراف: (٨٢، ٨٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
[هود] أي: لقد علمت أنه لا أُربَ لنا في النساء(١) ولا إرادة، وإنك لتعلم مرادنا من أضيافك،
وذكر المفسرون أن الرجال كانوا قد استغنى بعضهم ببعض، وكذلك نساؤهم كن قد استغنين
بعضهن ببعض أيضاً.
﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ، إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَخْرِجُوهُمْ مِن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسُ يَنَطَهَّرُونَ
أي: ما أجابوا لوطاً إلا بأن همّوا بإخراجه ونفيه ومن معه من بين أظهرهم، فأخرجه الله تعالى
سالماً، وأهلكهم في أرضهم صاغرين مهانين.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسُ يَنْطَهَّرُونَ﴾ قال قتادة: عابوهم بغير عيب (٢).
وقال مجاهد: إنهم أناس يتطهرون من أدبار الرجال وأدبار النساء(٣). وروي مثله عن ابن
عباس أيضاً (٤).
وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًّا فَأَنْظُرْ كَيْفَ
] ﴿فَأَنَّنَهُ وَأَهْلَهُ: إِلَّا أَمْرَأَتَهُمْ كَانَتْ مِنَ الْغَبِينَ
كَانَ عَقِبَةُ الْمُجْرِمِنَ
يقول تعالى: فأنجينا لوطاً وأهله ولم يؤمن به أحد منهم سوى أهل بيته فقط، كما قال تعالى:
﴿فَأَخْرَحْنَا مَنْ كَنَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ٣٥ ◌َا وَحَدْنَا فِيَهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾﴾ [الذاريات] إلا امرأته
فإنها لم تؤمن به، بل كانت على دين قومها تمالئهم عليه وتعلمهم بمن يقدم عليه من ضيفانه
بإشارات بينها وبينهم، ولهذا لما أمر لوط عليّ أن يسري بأهله أمر أن لا يعلمها ولا يخرجها من
البلد، ومنهم من يقول: بل اتبعتهم فلما جاء العذاب التفتت هي فأصابها ما أصابهم، والأظهر
أنها لم تخرج من البلد ولا أعلمها لوط بل بقيت معهم، ولهذا قال ههنا ﴿إِلَّا أَمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ
الْغَيِينَ﴾ أي: الباقين، وقيل من الهالكين وهو تفسير باللازم.
وقوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًّاً﴾ مفسر بقوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِيلٍ مَنْضُودٍ مُسَوَّمَةً
◌ِندَ رَبِّكَّ وَمَا هِىَ مِنَ الظَّلِينَ بِبَعِيدِ ﴾﴾ [هود] ولهذا قال: ﴿فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ
الْمُجْرِمِينَ﴾ أي: انظر يا محمد كيف كان عاقبة من يجترئ على معاصي الله م ويكذب
رسله .
وقد ذهب الإمام أبو حنيفة تَخُّْهُ إلى أن اللائط يلقى من شاهق ويُتبع بالحجارة، كما فُعل بقوم
لوط .
وذهب آخرون من العلماء إلى أنه يُرجم سواء كان محصناً أو غير محصن، وهو أحد قولي
(١) لا أَرب لنا في النساء: أي لا شهوة لنا في النساء.
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.
(٣) أخرجه الطبري بعدة أسانيد عن مجاهد يقوي بعضها بعضاً.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق الضحاك عن ابن عباس، والضحاك لم يسمع ابن عباس،
ويشهد له سابقه.