النص المفهرس
صفحات 1-20
تفسير القُر العَظـ نزبالحيـ الإمام ابن كثير فَقِيَهُ المُفَسِرِينَ وَمُفَتِّرُالمُحدِّثِنَ تَحْقِيْقٌ أ.د.حكمت بن بشيربن يلسين أستاذ كرسي الدراسات القرآنية في جامعة الملك عبد العزيز أشْرَفَ عَلَى طَبْعِهٍ سعدين فواز العميل الجُزءُ الرَّبِعِ سورة الأعراف - حتى آخر سورة النحل دارابن الجوزي بشـ 3 قال الإمام الشوكاني زجم اله عن تفسير ابن كثير رحمه اليه وهو من أحسن التفاسير إن لم يكن أحسنها دالبدر الطالع ١٥٣/١) تَفْسِيرُ الْقُرْ العَظَةْ للإَام إبن كثير فَقِيْهُ المُفَسِّرِينَ وَمُفَتْرُ المُحدِّثِينَ ٤ جَميّعْ لَ حُقُوقِ يَخْفَوَضَّلِالرّ ابنُ الجَوَرَءُ الطّبْعَة الأولىُ ١٤٣١ هـ حقوق الطبع محفوظة ١٤٣١٥ هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر. بن د/دابن للنشر والتوزيع دارابن الجوزي للنّشرٌّ والتوزيع المملكة العربية السعودية: الدمام - طريق الملك فهد - ت: ٨٤٢٨١٤٦ - ٨٤٦٧٥٩٣، ص ب: ٢٩٨٢ - الرمز البريدي: ٣١٤٦١ - فاكس: ٨٤١٢١٠٠ - الرياض - تلفاكس: ٢١٠٧٢٢٨ - جوال: ٠٥٠٣٨٥٧٩٨٨ الإحساء - ت: ٥٨٨٣١٢٢ - جدة - ت: ٦٣٤١٩٧٣ - ٦٨١٣٧٠٦ - بيروت - هاتف: ٠٣/٨٦٩٦٠٠ - فاكس: ٠١/٦٤١٨٠١ - القاهرة - ج.م.ع - محمول: ٠١٠٦٨٢٣٧٨٣ - تلفاكس: ٠٢٤٤٣٤٤٩٧٠ البريد الإلكتروني: aljawzi@hotmail.com - www.aljawzi.com ٥ سُورَةُ الأَغراف (٧،١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 تفسير سُورَةُ الأَّغَرَافِ بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الّصّ )َ كِنَبُ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَ يَكُنْ فِ صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِنُنْذِرَ بِهِ، وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ أَتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَبِّكُمْ وَلَا تَنَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَةٌ قَلِلًا مَا تَذَكَّرُونَ (7)﴾. قد تقدم الكلام في أول سورة البقرة على ما يتعلق بالحروف وبسطه واختلاف الناس فيه. قال ابن جرير: حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا أبي، عن شريك، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس ﴿الّصّ ﴾﴾ أنا الله أفصل(١)، وكذا قال سعيد بن جبير(٢). ﴿كِتَبُ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ أي: هذا كتاب أنزل إليك أي من ربك ﴿فَلَا يَكُنْ فِ صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ قال مجاهد وقتادة والسدي: شك منه(٣)، وقيل: لا تتحرج به في إبلاغه والإنذار به. ﴿فَأُصِّرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] ولهذا قال: ﴿لِنُنذِرَ بِهِ﴾ أي: أنزلناه إليك لتنذر به الکافرین. ﴿وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ثم قال تعالى مخاطباً للعالم: ﴿أَنَّبِعُواْ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ أي: اقتفوا آثار النبي الأمي الذي جاءكم بكتاب أنزل إليكم من ربِّ كل شيء ومليكه ﴿وَلَا تَنَِّعُواْ مِن دُونِهِةٌ أَوْلِيَّةُ﴾ أي: لا تخرجوا عما جاءكم به الرسول إلى غيره، فتكونوا قد عدلتم عن حكم الله إلى حكم غيره ﴿قَلِلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ كقوله: ﴿وَمَآ أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (6)﴾ [يوسف] وقوله: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦] وقوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ (٨) ﴾ [يوسف]. أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّ وَهُم ◌ُشْرِكُونَ - ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ﴿ فَمَا كَانَ دَعْوَنَهُمْ إِذْ جَاءَهُم (أ) فَلَنَقُصَّنَ فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ بَأَسُنَا إِلَّ أَنْ قَالُواْ إِنَّا كُنَا ظَلِمِينَ عَلَيْهِم بِعِلَّمٍ وَمَا كُنَا غَابِينَ يقول تعالى: ﴿وَكَمْ مِن قَرْيَةٍ أَهْلَكْتَهَا﴾ أي: بمخالفة رسلنا وتكذيبهم، فأعقبهم ذلك خزي الدنيا (١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف سفيان بن وكيع، وشريك هو ابن عبد الله القاضي: صدوق سيء الحفظ، وعطاء بن السائب: صدوق اختلط، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق شيبان عن عطاء به وقد توبع شريك وسفيان بن وكيع وبقي اختلاط عطاء. (٢) أخرجه الطبري من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير، فتارة يرويه عن سعيد بن جبير، وتارة يرويه عن أبي الضحى عن ابن عباس، فلعله بسبب اختلاطه. (٣) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي. ٦ سُورَةُ الأَغَافِ (٤، ٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 موصولاً بذل الآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدِ أُسْنُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ ﴾﴾ [الأنعام] وقال تعالى: ﴿فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا وَهِى ظَالِمَةٌ فَهِىَ خَاوِيَةُ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِثْرٍ مُّعَطّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ ﴾﴾ [الحج] وقال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةِ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فِلْكَ مَسَكِّنُهُمْ لَمْ تُتْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَرِنَ (٥٨) [القصص]. وقوله: ﴿فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَتَّا أَوْ هُمّ قَآَيِلُونَ﴾ أي: فكان منهم من جاءه أمر الله وبأسه ونقمته بياتاً أي ليلاً، أو هم قائلون من القيلولة وهي الاستراحة وسط النهار، وكلا الوقتين وقت غفلة ولهو، كما قال: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَتَّا وَهُمْ نَآَيَمُونَ ( أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُم ﴾ [الأعراف] وقال: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخِْفَ اَللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ ٩٨ بَأَسُنَا ضُحَى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَوْ يَأْنِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ﴿ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِ تَقَلُبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ ﴿٨ أَوْ يَأْخُذَهُرْ عَلَى تَخُوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (4)﴾ [النحل]. وقوله: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَنَهُمْ إِذْ جَآءَهُم بَأَسُنَآَ إِلَّ أَنْ قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَلِينَ ﴾﴾ أي: فما كان قولهم عند مجيء العذاب، إلا أن اعترفوا بذنوبهم وأنهم حقيقون بهذا، كما قال تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَتِ كَانَتْ ظَالِمَةُ وَأَنشَأْنَ بَعْدَهَا قَوْمًا ءَآخَرِينَ ﴿ فَلَّآ أَحَسُواْ بَأْسَنَآ إِذَا هُم مِّنْهَا يَكُونَ (9) لَا تَرْكُواْ وَأَرْجِعُواْ إِلَى مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَكِّنْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُشْئَلُونَ ﴿ قَالُواْ يَوَيِلَنَآ إِنَّا كُنَا ظَلِمِينَ (١) فَمَا زَالَت (١٥)﴾ [الأنبياء]. تِلْكَ دَعْوَنُهُمْ حَتَّى جَعَلْنَهُمْ حَصِيدًا خَمِدِينَ قال ابن جرير: في هذه الآية الدلالة الواضحة على صحة ما جاءت به الرواية عن رسول الله وَله من قوله: ((ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم))، حدثنا بذلك ابن حميد، حدثنا جرير، عن أبي سنان، عن عبد الملك بن ميسرة الزرّاد، قال: قال عبد الله بن مسعود، قال رسول الله وَل قوله: ((ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم))، قال: قلت لعبد الملك: كيف يكون ذاك؟ قال: فقرأ هذه الآية: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَنُهُمْ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَآ إِلَّ أَنْ قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَلِينَ ﴾﴾(١). وقوله: ﴿فَلَنَسْتَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ﴾﴾. كقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَآ ﴾ [القصص] وقوله: ﴿﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لَا عِلْمَ لَنَّاً ٦٥) أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [المائدة] فيسأل الله الأمم يوم القيامة عما أجابوا رسله فيما أرسلهم إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ به، ويسأل الرسل أيضاً عن إبلاغ رسالاته، ولهذا قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: ﴿فَلَنَسْتَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَ الْمُرْسَلِينَ ﴾﴾ قال: عما بُلّغوا(٢). وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم بن محمد بن الحسن، حدثنا أبو سعيد الكندي، حدثنا المحاربي، عن ليث، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله وَليقول: ((كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام يسأل عن رعيته والرجل يسأل عن أهله والمرأة تسأل عن بيت زوجها والعبد يسأل عن مال سيده)) قال الليث: وحدثني ابن طاوس مثله، ثم قرأ: ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ (١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن عبد الملك بن ميسرة لم يسمع من ابن مسعود. (٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به. ٧ سُورَةُ الْأَغْرَافِ (٨، ٩) الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ﴾﴾. وهذا الحديث مخرج في الصحيحين بدون هذه الزيادة (١). وقال ابن عباس في قوله: ﴿فَلَنَقُضَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلٍِّ وَمَا كُنَا غَبِيِينَ ﴾﴾: يوضع الكتاب يوم القيامة فيتكلم بما كانوا يعملون (٢). ﴿وَمَا كُنَّا غَايِبِينَ﴾ يعني: أنه تعالى يخبر عباده يوم القيامة بما قالوا وبما عملوا من قليل وكثير وجليل وحقير، لأنه تعالى الشهيد على كل شيء لا يغيب عنه شيء ولا يغفل عن شيء بل هو العالم بخائنة الأعين وما تخفي الصدور ﴿﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَّ وَيَعْلَمُ مَا فِى اَلْبِّ وَالْبَحْرِّ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِ خُلُمَتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَاِسٍ إِلَّا فِ كِنَِ [الأنعام]. مُبِينٍ وَمَنْ خَقَّتْ مَوَزِينُهُ. ﴿وَأَلْوَزْنُ يَوْمَيِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَزِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ فَأُوْلَكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِثَايَِنَا يَظْلِمُونَ يقول تعالى: ﴿وَأَلْوَزْنُ﴾ أي: للأعمال يوم القيامة ﴿الْحَقُّ﴾ أي: لا يظلم تعالى أحداً كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا نُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَنْيِّنَا بِهَأْ وَكَفَى بِنَا حَسِبِينَ ﴿3﴾ [الأنبياء] وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٌ وَإِن تَكُ حَسَنَةُ يُضَعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَُّنَّهُ أَجْرًّا عَظِيمًا ﴾﴾ [النساء] وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَزِينُهُمٌ فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ ﴿﴿ وَأَمَّا مَنْ خَفَتْ مَوَزِينٌ ﴿ فَأُمُّمُ هَاوِيَةٌ ﴾ وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا هِيَهْ ® نَارِّ حَامِيَةٌ ﴾﴾ [القارعة] وقال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِيخَ فِ الصُّورِ فَلَا أَسَابَ بَيْنَهُمْ يَؤْمَيِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ ﴿َ فَمَن تَقُلَتْ مَوَزِينُهُ فَأُؤْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَقَتْ مَوَزِينُهُ فَأُوْلَبِكَ الَّذِينَ خَسِرُوَاْ أَنْفُسَهُمْ فِ جَهَنَّمَ خَلِدُونَ (٩) ﴾ [المؤمنون] . فصل والذي يوضع في الميزان يوم القيامة قيل: الأعمال وإن كانت أعراضاً إلا أن الله تعالى يقلبها يوم القيامة أجساماً، قال البغوي: يروى نحو هذا عن ابن عباس(٣). كما جاء في الصحيح من أن البقرة وآل عمران يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيابتان أو فرقان من طير صواف(٤). ومن ذلك في الصحيح قصة القرآن وأنه يأتي صاحبه في صورة شاب شاحب اللون فيقول: من (١) صحيح البخاري، الجمعة، باب الجمعة في القرى والمدن (ح٨٩٣)، وصحيح مسلم، الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل (ح١٨٢٩)، وقد صرح كلاهما بالليث أنه ابن سعد، أما الزيادة أخرجها ابن أبي حاتم من طريق المحاربي عن الليث به، وسنده صحيح. (٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس. (٣) رواه البغوي معلقاً عن ابن عباس بنحوه (معالم التنزيل ١٤٩/٢). (٤) تقدم تخريجه وصحته في فضل سورة البقرة. ٨ • سُوَرَّةُ الأَغَرَافِ (١٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أنت؟ فيقول: أنا القرآن الذي أسهرت ليلك وأظمأت نهارك(١). وفي حديث البراء في قصة سؤال القبر: ((فيأتي المؤمن شاب حسن اللون طيب الريح فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح))، وذكر عكسه في شأن الكافر والمنافق(٢). وقيل: يوزن كتاب الأعمال كما جاء في حديث البطاقة في الرجل الذي يؤتى به ويوضع له في كفة تسعة وتسعون سجلاً كل سجل مد البصر، ثم يؤتى بتلك البطاقة فيها لا إله إلا الله فيقول: يا ربِّ وما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول الله تعالى: إنك لا تظلم. فتوضع تلك البطاقة في كفة الميزان، قال رسول الله صل ى: ((فطاشت السجلات وثقلت البطاقة)) رواه الترمذي بنحو من هذا وصححه(٣) . وقيل: يوزن صاحب العمل كما جاء في الحديث: ((يؤتى يوم القيامة بالرجل السمين فلا يزن عند الله جناح بعوضة)) ثم قرأ: ﴿فَلَ نُقِيُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَزْنَا﴾ [الكهف: ١٠٥](٤). وفي مناقب عبد الله بن مسعود: أن النبي وَلري قال: ((أتعجبون من دقة ساقيه؟ والذي نفسي بيده لهم في الميزان أثقل من أحد))(٥). وقد يمكن الجمع بين هذه الآثار بأن يكون ذلك كله صحيحاً، فتارة توزن الأعمال، وتارة توزن محالها، وتارة يوزن فاعلها، والله أعلم. ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَكُمْ فِ الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَِشَْ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ يقول تعالى ممتناً على عبيده فيما مكّن لهم، من أنه جعل الأرض قراراً وجعل فيها رواسي وأنهاراً، وجعل لهم فيها منازل وبيوتاً، وأباح لهم منافعها، وسخّر لهم السحاب لإخراج أرزاقهم منها، وجعل لهم فيها معايش أي مكاسب وأسباباً يكسبون بها ويتجرون فيها ويتسببون أنواع الأسباب، وأكثرهم مع هذا قليل الشكر على ذلك كقوله: ﴿وَإِن تَعُذُواْ نِعْمَتَ اللّهِ لَا تُخْصُوهَاْ إِنبَ الْإِنسَانَ لَظَلُومُ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤] وقد قرأ الجميع: معايش بلا همز إلا عبد الرحمن بن هرمز الأعرج فإنه همزها(٦) والصواب الذي عليه الأكثرون بلا همز، لأن معايش جمع معيشة من عاش يعيش عيشاً ومعيشة أصلها معيشة، فاستثقلت الكسرة على الياء فنقلت إلى العين فصارت (١) أخرجه الإمام أحمد من حديث بريدة حظوته (المسند ٤١/٣٨ - ٤٢ ح ٢٢٩٥٠)، وقال محققوه: حسن في المتابعات والشواهد، وكذا أخرجه ابن ماجه (السنن، الأدب، باب ثواب القرآن ح٣٧٨١)، وقال البوصيري: إسناده صحيح، وقال الألباني: ضعيف يحتمل التحسين لصحيح سنن ابن ماجه (ح٣٠٤٨). (٢) أخرجه الإمام أحمد عن البراء مطولاً (المسند ٤٩٩/٣٠ - ٥٠٣ ح ١٨٥٣٤) وصحح سنده محققوه. (٣) أخرجه الترمذي، السنن، الإيمان، باب ما جاء فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله (ح٣٦٣٩)، وقال: حسن غريب، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح٢١٢٧)، وأخرجه الحاكم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص بنحوه وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٥٢٩/١). (٤) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة مرفوعاً (الصحيح، التفسير، باب ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ ... ﴾ [الرعد: ٥] ح ٤٧٢٩). (٥) أخرجه الإمام أحمد عن ابن مسعود (المسند ١/ ٤٢٠) وسنده حسن. (٦) بالهمز أي: معائش قراءة شاذة. ٩ • سُوَرَّةُ الْأَّغَرَافِ (١١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 معيشة، فلما جمعت رجعت الحركة إلى الياء لزوال الاستثقال فقيل معايش ووزنه مفاعل، لأن الياء أصلية فى الكلمة بخلاف مدائن وصحائف وبصائر، جمع مدينة وصحيفة وبصيرة من مدن وصحف وأبصر، فإن الياء فيها زائدة، ولهذا تجمع على فعائل وتهمز لذلك، والله أعلم. - ﴿وَلَقَدْ خَلَقْتَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَئِكَةِ أَسْجُدُواْ لِلَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلَّ إِبْلِيسَ لَمَّ يَكُنْ مِّنَ اُلسَّجِدِينَ ينبه تعالى بني آدم في هذا [المقام](١) على شرف أبيهم آدم، ويبين لهم عدوهم إبليس، وما هو منطوٍ عليه من الحسد لهم ولأبيهم آدم ليحذروه ولا يتبعوا طرائقه، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَبِكَةِ أُسْجُدُوا لِلَدَمَ فَسَجَدُواْ﴾ وهذا كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَئِكَةِ إِ خَلِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَلٍ مِّنْ حَمَلٍ مَسْنُونِ ﴿ فَإِذَا سَوَيْتُهُ، وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِى فَقَعُواْ لَهُ سَنَجِدِينَ ٢٩ [الحجر] وذلك أنه تعالى لما خلق آدم فعاليَّل* بيده من طين لازب، وصوّره بشراً سوياً ونفخ فيه من روحه، أمر الملائكة بالسجود له تعظيماً لشأن الله تعالى وجلاله، فسمعوا كلهم وأطاعوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين، وقد تقدم الكلام على إبليس في أول تفسير سورة البقرة(٢)، وهذا الذي قررناه هو اختيار ابن جرير، أن المراد بذلك كله آدم وقال سفيان الثوري عن الأعمش، عن منهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ﴾ قال: خُلقوا في أصلاب الرجال، وصُوروا في أرحام النساء، رواه الحاكم وقال: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه (٣)، ونقل ابن جرير: عن بعض السلف أيضاً أن المراد بخلقناكم ثم صورناكم الذرية. وقال الربيع بن أنس والسدي وقتادة والضحاك في هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَكُمْ ثُّ صَوَّرْنَكُمْ﴾ أي: خلقنا آدم ثم صورنا الذرية(٤)، وهذا فيه نظر، لأنه قال بعد ذلك: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَئِكَةِ أُسْجُدُوا لِلَدَمَ﴾ فدل على أن المراد بذلك آدم وإنما قيل ذلك بالجمع، لأنه أبو البشر، كما يقول الله تعالى لبني إسرائيل الذين كانوا في زمن النبي ◌َّهِ: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىَ﴾ [البقرة: ٥٧] والمراد أباؤهم الذين كانوا في زمن موسى، ولكن لما كان ذلك منة على الآباء الذين هم أصل، صار كأنه واقع على الأبناء، وهذا بخلاف قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَلَةٍ مِّن طِينٍ ﴾﴾ الآية [المؤمنون] [فإن المراد من آدم المخلوق من السلالة](6) وذريته مخلوقون من نطفة، وصحَّ هذا لأن المراد من خلقنا الإنسان الجنس لا معيناً، والله أعلم. (١) كذا في (عش) و(حم) و(مح)، وسقط في الأصل. (٢) آية ٣٤. (٣) أخرجه الحاكم من طريق الثوري به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣١٩/٢). (٤) قول الربيع بن أنس أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عبيد بن سليمان عنه، ويشهد له ما أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس. (٥) ما بين معقوفين من (حم) و(مح)، ولا يوجد في (عش) ولا في الأصل. ١٠ • سُوَدَّةُ الْأَّغَرَافِ (١٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 2- ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكِّ قَالَ أَنَأْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِ مِن ◌َارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ قال بعض النحاة في توجيه قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾(١): لا هنا زائدة، وقال بعضهم: زيدت لتأكيد الجحد، كقول الشاعر: ما إن رأيت ولا سمعت بمثله فأدخل ((إن)) وهي للنفي على ما النافية لتأكيد النفي (٢)، قالوا: وكذا هُهنا ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ مع تقدم قوله: ﴿لَمَّ يَكُن مِّنَ اُلسَّجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١١] حكاهما ابن جرير وردهما، واختار أن منعك مضمن معنى فعل آخر، تقديره ما أحرجك وألزمك واضطرك أن لا تسجد إذا أمرتك ونحو هذا، وهذا القول قوي حسن، والله أعلم. وقول إبليس لعنه الله: ﴿أَنَأْ خَيْرٌ مِنْهُ﴾ من العذر الذي هو أكبر من الذنب، كأنه امتنع من الطاعة لأنه لا يؤمر الفاضل بالسجود للمفضول، يعني لعنه الله وأنا خير منه فكيف تأمرني بالسجود له؟ ثم بين أنه خير منه بأنه خلق من نار، والنار أشرف مما خلقته منه وهو الطين، فنظر اللعين إلى أصل العنصر ولم ينظر إلى التشريف العظيم، وهو أن الله تعالى خلق آدم بيده ونفخ فيه من روحه، وقاس قياساً فاسداً في مقابلة نص قوله تعالى: ﴿فَقَعُواْ لَهُ سَنَجِدِينَ﴾ [ص: ٧٢] فشذٌ من بين الملائكة لترك السجود فهذا أبلس من الرحمة أي وأيس من الرحمة فأخطأ، قبحه الله في قياسه، ودعواه أن النار أشرف من الطين أيضاً، فإن الطين من شأنه الرزانة والحلم والأناة والتثبت، والطين محل النبات والنمو والزيادة والإصلاح، والنار من شأنها الإحراق والطيش والسرعة، ولهذا خان إبليس عنصره ونفع آدم عنصره بالرجوع والإنابة والاستكانة والانقياد والاستسلام لأمر الله والاعتراف وطلب التوبة والمغفرة. وفي صحيح مسلم عن عائشة رضيها قالت: قال رسول الله وَله: ((خلقت الملائكة من نور وخلق إبليس من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم)) هكذا رواه مسلم(٣). وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن مسعود، حدثنا نُعيم بن حماد، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ◌َ: ((خلق الله الملائكة من نور العرش وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم)) قلت لنعيم بن حماد: أين سمعت هذا من عبد الرزاق؟ قال: باليمن(٤). وفي بعض ألفاظ هذا الحديث في غير الصحيح: ((وخلقت الحور العين من الزعفران)). وقال ابن جرير: حدثنا القاسم حدثنا الحسين، حدثنا محمد بن كثير، عن ابن شوذب، عن (١) كذا في (عش) و(حم) و(مح) وفي الأصل: ((أن لا تسجد)) مقتصراً على الشاهد. (٢) أي أن ((لا)) للتأكيد وهو أحسن من قول أنها زائدة. (٣) الصحيح، كتاب الزهد، باب في أحاديث متفرقة (ح٢٩٩٦). (٤) أخرجه مسلم من طريق عبد بن حميد عن عبد الرزاق به بدون الشق الأخير: وخلقت الحور العين من الزعفران (المصدر السابق)، وهذه الزيادة لعلها من خطأ نعيم بن حماد لأنه صدوق كثير الخطأ (التقريب ص٥٦٤)، لأن طريق عبد بن حميد ليس فيه هذه الزيادة. ١١ • سُوَرَّةُ الأَّغَافِ (١٣، ١٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 مطر الوراق، عن الحسن في قوله: ﴿خَلَقْتَنِ مِن ◌َّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن ◌ِينٍ﴾ قال: قاس إبليس وهو أول من قاس(١). إسناده صحيح. وقال: حدثني [عمرو] (٢) بن مالك، حدثني يحيى بن سليم الطائفي، عن هشام، عن ابن سيرين، قال: أول من قاس إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس(٣). إسناد صحيح أيضاً. ] ﴿قَالَ فَأَهْبِطَ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيَهَا فَأَخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّغِرِينَ ﴾ قَالَ أَنْظِرْنِ إِلَى يَوْمِ ﴾. ١٥ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ يُبْعَثُونَ يقول تعالى مخاطباً لإبليس بأمر قدري كوني: ﴿فَأَهْبِطَ مِنْهَا﴾ أي: بسبب عصيانك لأمري وخروجك عن طاعتي، فما يكون لك أن تتكبّر فيها . قال كثير من المفسرين: الضمير عائد إلى الجنة، ويحتمل أن يكون عائداً إلى المنزلة التي هو فيها في الملكوت الأعلى ﴿فَأَخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّغِرِينَ﴾ أي: الذليلين الحقيرين، معاملة له بنقيض قصده ومكافأة لمراده بضده، فعند ذلك استدرك اللعين وسأل النظرة إلى يوم الدين، قال: ﴿أَنِظِرْنِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴿ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ ﴾﴾ أجابه تعالى إلى ما سأل، لما له في ذلك من الحكمة والإرادة والمشيئة التي لا تخالف ولا تمانع، ولا معقب لحكمه وهو سريع الحساب. ثُمَّ لَتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيَدِهِمْ وَمِنْ خَلِفِهِمْ وَعَنْ ﴿قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِىِ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَطَكَ اَلْمُسْتَقِيمَ أَيْمَتِهِمْ وَعَنْ شَيِلِهِمَّ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَكِينَ يخبر تعالى أنه لما أنذر إبليس ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الأعراف: ١٤] واستوثق إبليس بذلك، أخذ في المعاندة والتمرّد، فقال: ﴿فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِى لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أي: كما أغويتني. قال ابن عباس: كما أضللتني (٤)، وقال غيره: كما أهلكتني لأقعدن لعبادك الذين تخلقهم من ذرية هذا الذي أبعدتني بسببه على ﴿صِرَطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أي: طريق الحق وسبيل النجاة، لأضلّنهم عنها لئلا يعبدوك ولا يوحدوك بسبب إضلالك إياي. وقال بعض النحاة: الباء هنا قسمية كأنه يقول فبإغوائك إياي لأقعدن لهم صراطك المستقيم(٥). (٥) قال مجاهد: صراطك المستقيم يعني الحق (٦). (١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصححه الحافظ ابن كثير، وهذا التصحيح يُسعف أمثالنا طلاب العلم الذين لم يعثروا على ترجمة شيخ الطبري: القاسم. (٢) كذا في (عش) و(مح) و(حم) وتفسير الطبري وفي الأصل: ((عمر)). (٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصحح سنده الحافظ. (٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس. (٥) وقال بعضهم إنها سببية وذكر القولين أبو بكر بن الأنباري والزمخشري (ينظر الدر المصون ٢٤١/٣). (٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. ١٢ • سُوَدَّةُ الأَغَرَافِ (١٦، ١٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال محمد بن سوقة، عن عون بن عبد الله: يعني طريق مكة (١). قال ابن جرير: الصحيح أن الصراط المستقيم أعمّ من ذلك. (قلت): لما روى الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا أبو عقيل - يعني: الثقفي عبد الله بن عقيل -، حدثنا موسى بن المسيب، أخبرني سالم بن أبي الجعد، عن سبرة بن أبي الفاكه، قال: سمعت رسول الله و 98 يقول: ((إن الشيطان قعد لابن آدم بطرقه فقعد له بطريق الإسلام، فقال: أتسلم وتذر دينك ودين آبائك؟ قال: فعصاه وأسلم)) قال: ((قعد له بطريق الهجرة فقال: أتهاجر وتدع أرضك وسماءك وإنما مثل المهاجر كالفرس في الطّول؟ (٢) فعصاه وهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد وهو جهاد النفس والمال، فقال: تقاتل فتقتل فتُنكّح المرأة ويقسم المال؟ قال: فعصاه وجاهد)). وقال رسول الله وَلّ فمن ذلك منهم فمات، كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، وإن قتل كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، وإن غرق كان حقاً على الله أن يدخله الجنة أو وقصته دابة كان حقاً على الله أن يدخله الجنة))(٣). وقوله: ﴿ثُمَّ لَتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ الآية، قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿ثُمَّ لَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِهِمْ﴾ أشككهم في آخرتهم ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ أرغبهم في دنياهم ﴿وَعَنْ أَيْمَنِهِمْ﴾ أشبه عليهم أمر دينهم ﴿وَعَنْ شَيْلِهِمْ﴾ أشهي لهم المعاصي(٤). وقال ابن أبي طلحة في رواية العوفي كلاهما عن ابن عباس: أما من بين أيديهم فمن قبل دنياهم، وأما من خلفهم فأمر آخرتهم، وأما عن أيمانهم فمن قبل حسناتهم، وأما عن شمائلهم (٥) . فمن قبل سيئاتهم. وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: أتاهم من بين أيديهم فأخبرهم أنه لا بعث ولا جنّة ولا نار، ومن خلفهم من أمر الدنيا فزينها لهم ودعاهم إليها، وعن أيمانهم من قبل حسناتهم بطأهم عنها، وعن شمائلهم زين لهم السيئات والمعاصي ودعاهم إليها وأمرهم بها، أتاك يا بن آدم من كل وجه غير أنه لم يأتك من فوقك، لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله(٦). وكذا روي عن إبراهيم النخعي والحكم بن عتبية والسدي وابن جريج، إلا أنهم قالوا: من بني أيديهم الدنيا، ومن خلفهم الآخرة(٧) . (١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عبد الله بن بكير عن محمد بن سوقه به، وعبد الله بن بكير ضعيف، ذكر له ابن عدي مناكير (ميزان الاعتدال ٢٦/٢). (٢) الطّول: هو الحبل الذي يُشدُّ طرفه في وتد، والآخر في يد الفرس. قاله السندي في حاشية المسند. (٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣١٥/٢٥ - ٣١٦ ح ١٥٩٥٨) قال محققوه: إسناده قوي. (٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به. (٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به ومن طريق العوفي به. (٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة به. (٧) أخرج الطبري قول النخعي والسدي بإسنادين صحيحين وقول الحكم وابن جريج بإسنادين ضعيفين ويتقويان بما سبق. ١٣ • سُورَةُ الْأَّغَافِ (١٦، ١٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال مجاهد: من بين أيديهم وعن أيمانهم من حيث يبصرون، ومن خلفهم وعن شمائلهم حيث لا يبصرون(١). واختار ابن جرير: أن المراد جميع طرق الخير والشر، فالخير يصدهم عنه والشر يحسنه لهم. وقال الحكم بن أبان، عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿ثُمَّ لَأَتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَنِمْ وَعَنْ شَيِلِهِمَّ﴾ ولم يقل من فوقهم، لأن الرحمة تنزل من فوقهم(٢). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَكِينَ﴾ قال: موحدين(٣). وقول إبليس هذا إنما هو ظنّ منه وتوهّم، وقد وافق في هذا الواقع، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِمْ إِسُ ظَنَّهُ فَأَتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّنِ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِلْأَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِ شَلٍِّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفِيَّظُ ﴾﴾ [سبأ] ولهذا ورد في الحديث الاستعاذة من تسلط الشيطان على الإنسان من جهاته كلّها، كما قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا نصر بن علي، حدثنا عمرو بن مُجمِّع، عن يونس بن خباب، عن ابن جبير بن مطعم يعني: نافع بن جبير، عن ابن عباس، وحدثنا عمر بن الخطاب يعني: السجستاني، حدثنا عبيد الله بن جعفر، حدثنا عبد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن يونس بن خباب، عن ابن جبير بن مطعم، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله # يدعو: ((اللّهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللّهم استر عوراتي وآمن روعاتي، واحفظني من بين يديّ ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي، وأعوذ بك اللّهم أن أغتال من تحتي)) (٤). تفرد به البزار وحسّنه. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا عبادة بن مسلم الفزاري، حدثني جرير بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم، سمعت عبد الله بن عمر يقول: لم يكن رسول الله وَلير يدع هؤلاء الدعوات حين يصبح وحين يمسي: «اللّهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللّهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللّهم استر عوراتي وآمن روعاتي، اللّهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي، قال وكيع: من تحتي يعني الخسف(٥)، ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم من حديث عبادة بن مسلم به، وقال الحاكم: صحيح الإسناد(٦). (١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق حفص بن عمر العدني عن الحكم به، وحفص ضعيف كما في التقريب. (٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به. (٤) أخرجه البزار بسنديه ومتنه وضعفه الحافظ ابن حجر لضعف يونس بن خباب (مختصر زوائد مسند البزار ٢/ ٤٣٤ ح ٢١٦٠). (٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه بدون ذكر وكيع في قوله: يعني الخسف (المسند ٤٠٣/٨ ح ٤٧٨٥) وصححه محققوه (٦) سنن أبي داود، الأدب، باب ما يقول إذا أصبح (ح٥٠٧٤)، وسنن ابن ماجه، الدعاء، باب ما يدعو به الرجل (ح٣٨٧١) وسنن النسائي الاستعاذة، باب الاستعاذة من الخسف ٢٨٢/٨ والمستدرك ٥١٧/١. ١٤ • سُورَةُ الأَغَافِظْ (١٨، ٢١) ٠. 2- ﴿قَالَ أَخْرُجُ مِنْهَا مَذْءُومَا مَّدْحُورًاً لَّمَنْ تِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَّمَ مِنَكُمْ أَجْمَعِينَ أكّد تعالى اللعنة [عليه](١) والطرد والإبعاد والنفي عن محل الملأ الأعلى، بقوله: ﴿أَخْرُجْ مِنْهَا مَذْهُومًا مَّدْحُورًا﴾ قال ابن جرير: أما المذؤوم فهو المعيب، والذأم غير مشدد العيب يقال: ذأمّه يذأمه ذأماً فهو منؤوم، ويتركون الهمزة فيقول: ذمته أذيمه ذيماً وذاماً، والذام والذيم أبلغ في العيب من الذم، قال: والمدحور: المُقْصي(٢)، هو المبعد المطرود. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ما نعرف المذؤوم والمذموم إلا واحداً (٣). وقال سفيان الثوري: عن أبي إسحاق، عن التميمي عن ابن عباس: اخرج منها مذؤوماً مدحوراً قال مقيتاً (٤). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: صغيراً مقيتاً (٥). وقال السدي: مقيتاً مطروداً (٦)، وقال قتادة: لعيناً مقيتاً(٧). وقال مجاهد: منفياً مطروداً (٨). وقال الربيع بن أنس: مذؤوماً منفياً والمدحور المصغر (٩). وقوله تعالى: ﴿لَّمَنْ تِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَّمَ مِنَكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ كقوله: ﴿قَالَ أَذْهَبْ فَمَنْ تِبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَآءَ مَّوْفُورًا (٣٣) وَأَسْتَفْزِزْ مَنِ اُسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِى الْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّ غُرُورًا ﴿ إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَ بِرَبِّكَ وَكِيلًا (®﴾ [الإسراء]. ﴿وَدَمُ أُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ بِشِئْتُمَا وَلَ نَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُوْنَا مِنَ الظَّكَلِينَ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِىَ لَهُمَا مَا ؤُرِىَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَنَكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّ ٠ وَقَاسَمَهُمَا إِ لَكُمَا لَمِنَ النَّصِحِينَ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُوْنَا مِنَ الْخَلِدِينَ يذكر تعالى أنه أباح لآدم ظلَّله ولزوجته حواء الجنة أن يأكلا منها من جميع ثمارها إلا شجرة واحدة، وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة البقرة(١٠)، فعند ذلك حسدهما الشيطان وسعى في المكر والوسوسة والخديعة، ليسلبهما ما هما فيه من النعمة واللباس الحسن ﴿وَقَالَ﴾ كذباً وافتراء (١) كذا في (عش) و(حم) و(مح) وسقط من الأصل. (٢) ذكره الطبري بنحوه. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن. (٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق الثوري به. (٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به. (٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط به عن السدي. (٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عمرو به عن قتادة بلفظ: ((لعيناً منفيّاً)). (٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٩) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع. (١٠) آية ٣٥ - ٣٦. ١٥ سُورَةُ الأَغَافِظ (٢٢، ٢٣) ﴿مَا نَهَنَكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾ أي: لئلا تكونا ملكين أو خالدين هاهنا، ولو أنكما أكلتما منها لحصل لكما ذلكما، كقوله: ﴿قَالَ يََّادَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠] أي: لئلا تكونا ملَكين، كقوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُواْ﴾ [النساء: ١٧١] أي: لئلا تضلوا ﴿وَلْقَى فِىِ الْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥] أي: لئلا تميد بكم. وكان ابن عباس ويحيى بن أبي كثير يقرآن: (إلا أن تكونا ملِكين) بكسر اللام(١)، وقرأه الجمهور بفتحها، ﴿وَقَاسَمَهُمَا﴾ أي: حلف لهم بالله ﴿إِنِّى لَكُمَا لَمِنَ النَّصِحِينَ﴾ فإني من قبلكما هاهنا وأعلم بهذا المكان، وهذا من باب المفاعلة، والمراد أحد الطرفين، كما قال خالد بن زهير ابن عم أبي ذؤيب: [وقاسمها](٢) باللّه جَهداً لأنتُم ألذّ من السلوى إذ ما نَشُورها(٣) أي: حلف لهما بالله على ذلك حتى خدعهما وقد يخدع المؤمن بالله. وقال قتادة في الآية: حلف بالله إني خلقت قبلكما وأنا أعلم منكم فاتبعاني أرشدكما، وكان بعض أهل العلم يقول: من خادعنا بالله انخدعنا له (٤). ﴿فَدَلَّنْهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَنهُمَا رَبُّهُمَّ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَقُل لَّكُمَّاً إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌ مُِّينٌ (٣) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنْفُسَنَا وَإِن ◌َّرْ ﴾. تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ قال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي بن كعب ﴿به، قال: كان آدم رجلاً طوالاً كأنه نخلة سحوق، كثير شعر الرأس، فلما وقع فيما وقع به من الخطيئة، بدت له عورته عند ذلك وكان لا يراها، فانطلق هارباً في الجنة فتعلقت برأسه شجرة من شجر الجنة، فقال لها: أرسليني. فقالت: إني غير مرسلتك، فناداه ربه رَ: يا آدم أمنّي تفر؟ قال يا رب إني استحييتك(٥). وقد رواه ابن جرير وابن مردويه من طرق، عن الحسن، عن أبي بن كعب، عن النبي وَّهُ مرفوعاً (٦)، والموقوف أصح إسناداً. وقال عبد الرزاق: عن سفيان بن عيينة وابن المبارك، عن الحسن بن عمارة، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كانت الشجرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته السنبلة، فلما أكلا منها بدت لهما سوآتهما، وكان الذي وارى عنهما من سوآتهما أظفارهما، ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾، ورق التين يلزقان بعضه إلى بعض، فانطلق آدم علَّا مولياً (١) ملِكين بكسر اللام قراءة شاذة تفسيرية. (٢) كذا في (حم) و(عش) وفي الأصل: و(مح): وقاسمهما. (٣) استشهد به الطبري وعزاه محققوه إلى شرح أشعار الهذليين ٢١٥/١. (٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة. (٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق ابن أبي عروبة به، وسنده ضعيف لأن الحسن لم يسمع من أُبي. (٦) أخرجه الطبري من طريق أبي بكر الهذلي عن الحسن به، وسنده كسابقه، وفيه أيضاً أبو بكر الهذلي وهو متروك كما في التقريب. ١٦ • سودَةُ الأََّافِ (٢٢، ٢٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 في الجنة، فعلقت برأسه شجرة من الجنة، فناداه الله يا آدم أمنّ تفرّ؟ قال: لا ولكني استحييتك يا رب، قال: أما كان لك فيما منحتك من الجنة وأبحتك منها مندوحة عما حرمت عليك، قال: بلى يا رب ولكن وعزتك ما حسبت أن أحداً يحلف بك كاذباً، قال: وهو قول الله ربيك: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِ لَكُمَا لَمِنَ النَّصِحِينَ ﴾﴾ [الأعراف] قال: فبعزتي لأهبطنّك إلى الأرض ثم لا تنال العيش إلا كدّاً، قال: فأُهبط من الجنة وكانا يأكلان منها رغداً، فأهبط إلى غير رغد من طعام وشراب، فعلم صنعة الحديد، وأمر بالحرث فحرث وزرع ثم سقى حتى إذا بلغ حصد، ثم داسه ثم ذرّاه ثم طحنه ثم عجنه ثم خبزه ثم أکله، فلم يبلغه حتى بلغ منه ما شاء الله أن يبلغ(١). وقال الثوري: عن ابن أبي ليلى عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ قال: ورق التين(٢). صحيح إليه. وقال مجاهد: جعلا يخصفان عليهما من ورق الجنة، قال: كهيئة الثوب(٣). وقال وهب بن منبه في قوله: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾ [الأعراف: ٢٧]، قال: كان لباس آدم وحواء نوراً على فروجهما لا يرى هذا عورة هذه ولا هذه عورة هذا، فلما أكلا من الشجرة بدت لهما سوآتهما(٤)، رواه ابن جرير بسند صحیح إلیه. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة، قال: قال آدم أي رب أرأيت إن تبت واستغفرت، قال: إذاً أدخلك الجنة، وأما إبليس فلم يسأله التوبة وسأله النظرة، فأعطى كل واحد منهما الذي سأله(٥) . وقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا عباد بن العوام، عن سفيان بن الحسين، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما أكل آدم من الشجرة، قيل له: لم أكلت من الشجرة التي نهيتك عنها؟ قال: حواء أمرتني، قال: فإني قد أعقبتها أن لا تحمل إلا كرهاً ولا تضع إلا كرهاً، قال: فرنّت(٦) عند ذلك حواء، فقيل لها: الرنّة عليك وعلى ولدك(٧) . وقال الضحاك بن مزاحم في قوله: ﴿رَبَّنَا ظَلَنَّاً أَنْفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِينَ﴾: هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه (٨). (١) أخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به، وسنده ضعيف جداً لأن الحسن بن عمارة متروك (التقريب ص١٦٢). (٢) أخرجه الطبري من طريق الثوري به وصحح سنده الحافظ ابن كثير. (٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٤) أخرجه الطبري بسند صححه الحافظ ابن كثير عن وهب. وهو معروف برواية الإسرائيليات. (٥) أخرجه عبد الرزاق بسند ومتنه، وسنده صحيح. (٦) أي صاحت من الحزن. (٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف الحسين وهو ابن داود. (٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك، ويشهد له ما أخرجه الطبري بسند صحيح عن الحسن البصري وقتادة، وبسند جيد عن الربيع بن أنس نحوه. ١٧ • سُورَةُ الْأَّغَافِ (٢٤، ٢٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 قَالَ فِيَهَا تَحْيَوْنَ ] ﴿قَالَ أَهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضِ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِ الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَهُ إِلَى حِينٍ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ قيل: المراد [بالخطاب باهبطوا](١) آدم وحواء وإبليس والحية، ومنهم من لم يذكر الحية، والله أعلم، والعمدة في العداوة آدم وإبليس، ولهذا قال تعالى في سورة طه قال: ﴿أَهْبِطَا مِنْهَا جميعاً﴾ الآية [ط: ١٢٣]، وحواء تبع لآدم، والحية إن كان ذكرها صحيحاً فهي تبع لإبليس، وقد ذكر المفسرون الأماكن التي هبط فيها كل منهم ويرجع حاصل تلك الأخبار إلى الإسرائيليات، والله أعلم بصحتها، ولو كان في تعيين تلك البقاع فائدة تعود على المكلفين في أمر دينهم أو دنياهم، لذكرها الله تعالى في كتابه أو رسوله وَله . وقوله: ﴿وَلَكُمْ فِ الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَهُ إِلَى حِينٍ﴾ أي: قرار وأعمار مضروبة إلى آجال معلومة، قد جرى بها القلم وأحصاها القدر وسطرت في الكتاب الأول. وقال ابن عباس: ﴿مُسْنَقَرِّ﴾ القبور(٢)، وعنه قال: ﴿مُسْتَقَرٌ﴾ [فوق](٣) الأرض وتحتها (٤)، رواهما ابن أبي حاتم. وقوله: ﴿قَالَ فِيهَا تَحْوَنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (٣)﴾ كقوله تعالى: ﴿﴿ مِنْهَا خَلَقْنَكُمْ وَفِيهَا تُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُّكُمْ تَارَةً أُخْرَى ﴾﴾ [طه] يخبر تعالى، أنه جعل الأرض داراً لبني آدم مدة الحياة الدنيا، فيها محياهم وفيها مماتهم وقبورهم ومنها نشورهم ليوم القيامة، الذي يجمع الله فيه الأولين والآخرين ويجازي كلاً بعمله. 2] ﴿يَبِىّ ءَدَمَ قَدْ أَنَزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِيَاسًا يُؤَرِى سَوْءَاتَّكُمْ وَرِيِشًّاً وَلِيَاسُ النَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ ءَايَتِ اَللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ يمتن تعالى على عباده بما جعل لهم من اللباس والريش، فاللباس ستر العورات وهي السوآت، والرياش والريش ما يتجمل به ظاهراً، فالأول من الضروريات والريش من التكملات والزيادات. قال ابن جرير: الرياش في كلام العرب الأثاث وما ظهر من الثياب(٥). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس وحكاه البخاري عنه: الرياش المال(٦). وهكذا قال (١) كذا في (حم) و(مح) و(عش) وفي الأصل: ((بخطاب اهبطوا)). (٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق السدي عن عكرمة عن ابن عباس. (٣) كذا في (مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: و(عش) و(حم): ((وجه). (٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق حميد المدني عن كريب عن ابن باس، وحميد المدني صدوق يهم كما في التقريب. (٥) ذكره الطبري بلفظه. (٦) أخرجه البخاري معلقاً الصحيح، التفسير، سورة الأعراف، ووصله الطبري وابن أبي حاتم من طريق ابن أبي طلحة به، وسنده ثابت. ١٨ • سُوَّرَّةُ الأَّغَرَافِ (٢٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 مجاهد وعروة بن الزبير والسدي والضحاك(١) وغير واحد. وقال العوفي، عن ابن عباس: الريش اللباس والعيش والنعيم(٢). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الرياش الجمال(٣). وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا أصبع، عن أبي العلاء الشامي، قال: لبس أبو أمامة ثوباً جديداً فلما بلغ ترقوته قال: الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي وأتجمل به في حياتي، ثم قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله وَله: ((من استجد ثوباً فلبسه فقال حين يبلغ ترقوته: الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي وأتجمل به في حياتي، ثم عمد إلى الثوب الخلق فتصدق به كان في ذمة الله وفي جوار الله وفي كنف الله حياً وميتاً))(٤) ورواه الترمذي وابن ماجه من رواية يزيد بن هارون عن أصبع هو ابن زيد الجهني، وقد وثقه يحيى بن معين وغيره، وشيخه أبو العلاء الشامي لا يعرف إلا بهذا الحديث، ولكن لم يخرجه أحد، والله أعلم(٥). وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا مختار بن نافع التمار، عن أبي مطر، أنه رأى علياً ظه أتى غلاماً حدثاً، فاشترى منه قميصاً بثلاثة دراهم ولبسه ما بين الرسغين إلى الكعبين، يقول حين لبسه: الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس وأواري به عورتي. فقيل: هذا شيء ترويه عن نفسك أو عن النبي بَّ؟ قال: هذا شيء سمعته من رسول الله وَ* يقول عند الكسوة: ((الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس وأواري به عورتي)) (٦). وقوله تعالى: ﴿وَلِيَسُ النَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ قرأ بعضهم ولباسَ التقوى بالنصب، وقرأ الآخرون بالرفع على الابتداء(٧)، و﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ خبره. واختلف المفسرون في معناه، فقال عكرمة: يقال: هو ما يلبسه المتقون يوم القيامة، رواه ابن (٨) وقال زيد بن علي والسدي وقتادة وابن جريج: ولباس التقوى الإيمان(٩)، وقال العوفي عن أبي حاتم(٨). (١) قول مجاهد والسدي أخرجهما الطبري بإسنادين ثابتين، وقول عروة والضحاك أخرجهما الطبري بسندين ضعيفين ويشهد لهما ما تقدم. (٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي ويشهد له ما سبق لأن اللباس من المال. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن. (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٩٦/١ ح ٣٠٥)، وضعفه محققوه لجهالة أبي العلاء الشامي. (٥) سنن الترمذي، الدعوات، باب ١٠٨ (ح ٣٥٦٠) وقال الترمذي: غريب، وسنن ابن ماجه، اللباس، باب ما يقول الرجل إذا لبس ثوباً جديداً (ح ٣٥٥٧)، وفي سنديهما أبو العلاء الشامي فالحكم كسابقه. (٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٥٨/٢ ح ١٣٥٥) وضعفه محققوه بسبب ضعف المختار، وجهاله أبي مطر البصري. (٧) كلتاهما قراءتان متواترتان. (٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء الخراساني عن عكرمة. (٩) قول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من = ١٩ سُورَةُ الأَغَافِ (٢٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ابن عباس: [العمل الصالح(١)، قال الديال بن عمرو عن ابن عباس](٢): هو السمت الحسن(٣) في الوجه. وعن عروة بن الزبير: لباس التقوى خشية الله(٤). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ولباس التقوى يتقي الله فيواري عورته فذاك لباس التقوى(٥)، وكلها متقاربة، ويؤيد ذلك الحديث الذي رواه ابن جرير حيث قال: حدثني المثنى حدثنا إسحاق بن الحجاج، حدثني إسحاق بن إسماعيل، عن سليمان بن أرقم، عن الحسن، قال: رأيت عثمان بن عفان رُه على منبر رسول الله وَّر عليه قميص فوهي محلول الزرّ، وسمعته يأمر بقتل الكلاب وينهى عن اللعب بالحمام، ثم قال: يا أيها الناس اتقوا الله في هذه السرائر، فإني سمعت رسول الله * يقول: ((والذي نفس محمد بيده ما أسرّ أحد سريرة إلا ألبسه الله رداءها علانية، إن خيراً فخير وإن شراً فشر)) ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَرِيِشَّاً وَلَاسُ النَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ ءَايَتِ اللَّهِ﴾ قال: السمت الحسن(٦)، هكذا رواه ابن جرير من رواية سليمان بن أرقم، وفيه ضعف. وقد روى الأئمة الشافعي وأحمد والبخاري في كتاب الأدب من طرق صحيحة عن الحسن البصري، أنه سمع أمير المؤمنين عثمان بن عفان يأمر بقتل الكلاب وذبح الحمام يوم الجمعة على المنبر(٧). وأما المرفوع منه فقد روى الحافظ أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير له شاهداً من وجه آخر حيث قال حدثنا [محمود بن محمد المروزي، حدثنا حامد بن آدم المروزي، حدثنا الفضل بن موسى، عن محمد بن عبيد الله العرزمي، عن سلمة بن كهيل، عن جندب بن سفيان البجلي قال: قال رسول الله ◌َ﴿: ما أسرَّ عبد سريرة إلا ألبسه الله رداءها إن خيراً فخير، وإن شراً فشر](٨). طريق ابن أبي عروبة عنه، وأما قول زيد بن علي أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عيسى بن = المسيب عنه بلفظ: الإسلام. (١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به. (٢) ما بين معقوفتين سقط من الأصل واستدرك من (عش) و(حم) و(مح). (٣) أخرجه الطبري من طريق زياد بن عمرو عن ابن عباس، ويشهد له قول عكرمة المتقدم، لأن زياد بن عمر مجهول (لسان الميزان ٤٩٦/٢). (٤) أخرجه الطبري بسند فيه إبهام الراوي عن عروة ويشهد له قول السدي وقتادة. (٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن. (٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف سليمان بن أرقم كما قرر الحافظ ابن كثير. (٧) أخرجه الإمام أحمد من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن به (المسند ٥٤٣/٢ ح٥٢١) وضعفه محققوه بسبب مبارك لأنه صدوق يسوي ويدلس. وسماع الحسن من عثمان مختلف فيه فإن أبا زرعة نفى سماعه وأما ابن المديني يؤيد سماعه (العلل لابن أبي حاتم ص ٦٠)، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (ح ١٣٠١)، وضعفه الألباني في ضعيف الأدب المفرد. وأما الشاهد التالي فلم يصح أيضاً بل هو ضعيف جداً كما يلي. (٨) ما بين معقوفين لا يوجد في النسخ، وقد استدرك من المعجم الكبير للطبراني ١٧١/٢، وهذه الرواية ذكرها الحافظ ابن كثير في تفسير سورة الفتح آية ٢٩، وجاءت أيضاً بعد رواية عثمان بن عفان، وفي سنده = ٢٠ • سُوَرَّةُ الْأَّشْرَافِ (٢٧، ٣٠) ﴿يَفِىّ ءَادَمَ لَا يَفْئِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ اُلْجَّةِ يَزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَتِهِمَاْ إِنَّهُ يَرَكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَ نَرَوْنَهُمَّ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَطِينَ أَوْلِيَّةَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (ِيَ) يحدِّر تعالى بني آدم من إبليس وقبيله، مبنياً لهم عداوته القديمة لأبي البشر آدم فعلا، في سعيه في إخراجه من الجنة التي هي دار النعيم إلى دار التعب والعناء، والتسبب في هتك عورته بعد ما كانت مستورة عنه، وما هذا إلا عن عداوة أكيدة، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَفَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ، أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌ بِئْسَ لِلَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠]. 2- ﴿وَإِذَا فَعَلُواْ فَحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ ءَنَا وَاللَّهُ أَمَنَا بِهَأْ فُلْ إِنََّ اللّهَ لَا يَأْمُ بِالْفَحْشَةَ، أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿ قُلْ أَمَرَ بَتِي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَأَدْعُوهُ مُخْلِصِينَ فَرِيقًا حَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَلَةُ إِنَّهُمُ أَنَّخَذُواْ الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَّةَ مِن ٢٩ كَمَا بَدَأْكُمْ تَعُوُدُونَ لَهُ الدِّينَ ٣٠ دُونِ اللَّهِ وَيَخْسَبُونَ أَنَّهُم مُهْتَدُونَ قال مجاهد: كان المشركون يطوفون بالبيت عراة يقولون: نطوف كما ولدتنا أمهاتنا فتضع المرأة على فرجها النِّسعة(١) أو الشيء وتقول: اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحلّه (٢) فأنزل الله: ﴿وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ ءَابَّنَا وَاللَّهُ أَمَنَا بِهَا﴾ الآية(٣). قلت: كانت العرب ما عدا قريشاً لا يطوفون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها يتأولون في ذلك أنهم لا يطوفون في ثياب عصوا الله فيها، وكانت قريش وهم الحُمْس (٤) يطوفون في ثيابهم، ومن أعاره أحمسي ثوباً طاف فيه، ومن معه ثوب جديد طاف فيه، ثم يلقيه فلا يتملكه أحد، ومن لم يجد ثوباً جديداً، ولا أعاره أحمسي ثوباً طاف عرياناً، وربما كانت امرأة فتطوف عريانة فتجعل على فرجها شيئاً ليستره بعض الستر فتقول: اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله وأكثر ما كان النساء يطفن عراة بالليل، وكان هذا شيئاً قد ابتدعوه من تلقاء أنفسهم واتبعوا فيه آباءهم، ويعتقدون أن فعل آبائهم مستند إلى أمر من الله وشرع، فأنكر الله تعالى عليهم ذلك، فقال: ﴿وَإِذَا فَعَلُواْ فَحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ ءَابَنَا وَلَّهُ أَمْهَنَا بِهَأْ﴾ فقال تعالى رداً عليهم: ﴿قُلْ﴾ أي: يا محمد لمن ادعى ذلك ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ أي: هذا الذي تضعونه فاحشة منكرة والله لا يأمر بمثل ذلك ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: أتسندون إلى الله من الأقوال ما لا تعلمون صحته . = العرزمي قال عنه الحافظ ابن كثير في سورة الفتح: متروك. اهـ. وفي سنده أيضاً حامد بن آدم: كذاب كذا قال الهيثمي (مجمع الزوائد ٢٢٥/١٠). (١) النسعة قطعة من الجلد مضفورة عريضة تجعل على صدر البعير. (٢) نُسب هذا القول إلى امرأة اسمها: ضُباعة بنت عامر بن صعصعة كما في الروض الأنف (٢٩٠/٢). (٣) أخرجه الطبري من طريق منصور عن مجاهد، وسنده حسن لكنه مرسل ومخالف لما في الصحيح فإن هذه القصة سبب نزول الآية ٣١ من سورة الأعراف وليس هذه الآية كما سيأتي. (٤) الحُمْس: جمع أحمس هم قريش، لتشددهم في دينهم.