النص المفهرس

صفحات 581-600

٥٨١
سُورَةُ الْأَنْتَمَا (١٠٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال: وتميم يقولون قنيان بالياء(١) قال: وهي جمع قنو، كما أن صنوان جمع صنو، وقوله
تعالى: ﴿وَجَنَّتٍ مِنْ أَعْنَبٍ﴾ أي: ونخرج منه جنات من أعناب، وهذان النوعان هما أشرف الثمار
عند أهل الحجاز، وربما كانا خيار الثمار في الدنيا كما امتن الله بهما على عباده، في قوله
تعالى: ﴿وَمِن ثَمَرَتِ الَّخِيلِ وَالْأَعْنَبِ نَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنَا﴾ [النحل: ٦٧] وكان ذلك قبل
تحريم الخمر، وقال: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَثَّتٍ مِّن ◌َخِيلٍ وَأَعَْبٍ﴾ [يس: ٣٤] وقوله تعالى: ﴿وَاُلَّيْتُونَ
وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهَا وَغَيْرَ مُتَشَيِةٍ﴾ قال قتادة وغيره: متشابه في الورق قريب الشكل، [بعضه من
بعض](٢)، ويتخالف في الثمار شكلاً وطعماً وطبعاً.
وقوله تعالى: ﴿أَنْظُرُوّا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ»﴾ أي: نضجه، قاله البراء بن عازب، وابن
عباس، والضحاك، وعطاء الخراساني، والسدي، وقتادة(٣)، وغيرهم؛ أي: فكروا في قدرة
خالقه من العدم إلى الوجود، بعد أن كان حطباً، صار عنباً ورطباً، وغير ذلك مما خلق ◌َلَ، من
الألوان والأشكال والطعوم والروائح، كقوله تعالى: ﴿وَفِ الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَوِرَاتٌ وَجَنَّتٌ مِّنْ أَعْنَبٍ
وَزَرْعٌ وَغِيِلٌ صِنْوَانٌ وَغَيِرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَآءٍ وَحِدٍ وَتُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِى الْأُكُلِّ﴾ الآية [الرعد: ٤]
ولهذا قال ههنا: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكُمْ لَيَتٍ﴾ أيها الناس ﴿لَيَتٍ﴾ أي: دلالات، على كمال قدرة خالق
هذه الأشياء وحكمته ورحمته ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: يصدقون به ويتبعون رسله(٤).
] ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُركَّةَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمِّ وَخَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَتٍ بِغَيْرِ عِلَمٍ سُبْحَانَهُ, وَتَعَلَى عَمَّا
يَصِفُونَ
هذا ردّ على المشركين، الذين عبدوا مع الله غيره، وأشركوا به في عبادته، أن عبدوا الجن،
فجعلوهم شركاء له في العبادة، تعالى الله عن شركهم وكفرهم.
فإن قيل: فكيف عبدت الجن، مع أنهم إنما كانوا يعبدون الأصنام؟ فالجواب: أنهم ما
عبدوها، إلا عن طاعة الجن وأمرهم إياهم بذلك، كقوله: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِ: إِلَّ إِنَثًا وَإِن
يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَنَّا قَرِيدًا ◌َ لَّعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا (١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ
وَلَأُمِنِّيَنَّهُمْ وَلَمُرَنَّهُمْ فَيُبَتْكُنَّ ءَاذَانَ اُلْأَنْعَلِ وَلَّمُهَهُمْ فَلَيُغَيَُِّ خَلْقَ اَللَّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًا
مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيِهِمِّ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُودًا
[النساء] وكقوله تعالى: ﴿أَفَنَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ، أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ﴾ الآية [الكهف: ٥٠].
(١) ذكره الطبري ولم يذكر ما بعده.
(٢) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: ((من بعضه بعض)).
(٣) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند إلا قول البراء فقد أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق الثوري
عن أبي إسحاق السبيعي عنه، وقول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه،
وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند
حسن من طريق أسباط عنه.
(٤) ورد في حاشية الأصل: آخر أجزاء المؤلف تَخْذُ من هذه السورة، ومن هذه الآية ابتدأ بتعليق هذا التفسير
إلى آخر القرآن، ثم فسر من سورة البقرة إلى ههنا، ووافق التعليق يوم الجمعة رابع عشر من ذي قعدة، كذا
نصه، سنة إحدى وأربعين وسبع مائة، فكتب الجميع في نحو أربع سنين. اهـ.

٥٨٢
• سُورَةُ الأَنْقُل (١٠١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال إبراهيم لأبيه: ﴿يَأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَنِّ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (®)﴾ [مريم] وكقوله:
وَأَنِ اعْبُدُونِيّ هَذَا
أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَبَنِيّ ◌َادَمَ أَن لَّا تَعْبُدُواْ الشَّيْطَنِّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ
صِرَطُ مُسْتَقِيمٌ ﴾﴾ [يس] وتقول الملائكة يوم القيامة: ﴿قَالُواْ سُبْحَتَكَ أَنْتَ وَلِتُنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ
يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم ◌ُؤْمِنُونَ ﴾﴾ [سبأ] ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَّكَةَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمَّ﴾
أي: وخلقهم، فهو الخالق وحده لا شريك له، فكيف يعبد معه غيره، كقول إبراهيم: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا
(٣)﴾ [الصافات] ومعنى الآية: أنه سبحانه وتعالى هو المستقل
نَنْحِنُونَ ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ
بالخلق وحده، فلهذا يجب أن يفرد بالعبادة، وحده لا شريك له.
وقوله تعالى: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلَّمْ﴾ ينبه به تعالى عن ضلال من ضلّ، في وصفه
تعالى بأن له ولداً كما يزعم من قاله من اليهود في عزير، ومن قال من النصارى في عيسى، ومن
قال من مشركي العرب في الملائكة، إنها بنات الله - تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً -،
ومعنى ﴿وَخَقُوا﴾ أي: اختلقوا وائتفكوا وتخرصوا وكذبوا، كما قاله علماء السلف:
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: وخرقوا يعني تخرصوا(١).
وقال العوفي، عنه: ﴿وَخَقُوْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَتٍ بِغَيْرِ عِلٍَّ﴾. قال: جعلوا له بنين وبنات(٢). وقال
مجاهد: ﴿وَخَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾ قال: كذبوا وكذا قال الحسن(٣)، وقال الضحاك: وصفوا(٤).
وقال السدي: قطعوا(٥).
قال ابن جرير: وتأويله إذاً وجعلوا لله الجن شركاء في عبادتهم إياهم، وهو المنفرد بخلقهم
بغير شريك ولا معين ولا ظهير، ﴿وَخَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَتٍِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ بحقيقة ما يقولون، ولكن جهلاً
بالله وبعظمته، فإنه لا ينبغي لمن كان إلهاً، أن يكون له بنون وبنات، ولا صاحبة، ولا أن يشركه
في خلقه شريك(٦)، ولهذا قال: ﴿سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: تقدس وتنزه وتعاظم،
عما يصفه هؤلاء الجهلة الضالون، من الأولاد والأنداد والنظراء والشركاء.
﴿بَدِيعُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ أَّ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ
﴿بَدِيعُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ أي: مبدعهما، وخالقهما، ومنشئهما، ومحدثهما، على غير مثال
سبق، كما قال مجاهد والسدي (٧): ومنه سميت البدعة بدعة، لأنه لا نظير لها فيما سلف،
﴿أَفَّى
(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق العوفي به ويتقوى بسابقه.
(٣) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.
(٤) كذا في الأصل وفي رواية ابن أبي حاتم، وفي (عش) و(مح) بلفظ: ((وضعوا)).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٦) ذكره الطبري بنحوه.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي بلفظ: ((ابتدعهما فخلقهما، ولم يخلق قبلها
شيئاً فیتمثل علیه))، ثم قال: وروي عن مجاهد نحو ذلك.

٥٨٣
سُورَةُ الأَنتطل (١٠٢، ١٠٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾ أي: كيف يكون ولد، ﴿وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَحِبَةٌ﴾ أي: والولد إنما يكون متولداً بين
شيئين متناسبين، والله تعالى لا يناسبه ولا يشابهه شيء من خلقه، لأنه خالق كل شيء، فلا
صاحبة له ولا ولد، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (َ لَّقَدْ جِئْتٌ شَيْئًا إِذَّا (َ تَكَادُ
السَّمَوَاتُ يَنَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَّخِزُ لَلِْبَالُ هَذَّا ﴿﴿ أَنْ دَعَوْاْ لِلرَّحْمَنِ وَلَدَا ﴾ وَمَا يَنْبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَنْ
يَتَّخِذَ وَلَّا ﴿﴿ إِن كُلُّ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّ ◌َِى الرَّحْمَنِ عَبْدًا (﴿﴿ لَقَدْ أَحْصَنْهُمْ وَعَذَهُمْ عَدَّا (٦)
وَكُلُّهُمْ ءَاتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٥)﴾ [مريم].
﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ فبين تعالى أنه الذي خلق كل شيء، وأنه بكل شيء عليم،
فكيف يكون له صاحبة من خلقه تناسبه، وهو الذي لا نظير له، فأنى يكون له ولد، تعالى الله
عن ذلك علواً كبيراً .
- ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَّ إِلَهَ إِلَّ هُوَّ خَكِقُ كُلِّ شَىْءٍ فَأَعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
.
وَكِيلٌ ﴿ لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِلُ الْأَبْصَرِّ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
يقول تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ أي: الذي خلق كل شيء، ولا ولد له ولا صاحبة ﴿لَآَ
إِلَهَ إِلَّا هُوَّ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ فَأَعْبُدُوهُ﴾ أي: فاعبدوه وحده، لا شريك له، وأقروا له
بالواحدنية، وأنه لا إله إلا هو، وأنه لا ولد له، ولا والد ولا صاحبة له، ولا نظير ولا عديل
﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ﴾ أي: حفيظ ورقيب، يدبر كل ما سواه، ويرزقهم ويكلؤهم بالليل
والنهار.
وقوله: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ﴾ فيه أقوال للأئمة من السلف:
(أحدها) لا تدركه في الدنيا، وإن كانت تراه في الآخرة، كما تواترت به الأخبار، عن
رسول الله ◌َ، من غير ما طريق ثابت، في الصحاح والمسانيد والسنن، كما قال مسروق عن
عائشة أنها قالت: من زعم أن محمداً أبصر ربه فقد كذب، وفي رواية على الله، فإن الله تعالى
قال: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ اَلْأَبْصَرِّ﴾ رواه ابن أبي حاتم: من حديث أبي بكر بن
عياش، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي الضحى، عن مسروق (١)، ورواه غير واحد عن
مسروق، وثبت في الصحيح وغيره عن عائشة من غير وجه(٢).
وخالفها ابن عباس، فعنه: إطلاق الرؤية، وعنه أنه رآه بفؤاده مرتين، والمسألة تذكر في أول
سورة النجم إن شاء الله.
وقال ابن أبي حاتم: ذَكر محمد بن مسلم، حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا يحيى بن
معين، قال: سمعت إسماعيل بن علية يقول في قول الله تعالى: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ﴾ قال هذا
في الدنيا(٣).
(١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق يحيى بن آدم عن أبي بكر بن عياش به، وسنده حسن.
(٢) صحيح البخاري، بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم ((أمين ... )) (ح ٣٢٣٤).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.

٥٨٤
• سُورَةُ الْأَنْتَعَا (١٠٢، ١٠٣)
وذكر أبي عن هشام بن عبيد الله، أنه قال نحو ذلك(١).
وقال آخرون: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصَرُ﴾ أي: جميعها وهذا مخصص بما ثبت من رؤية المؤمنين
له في الدار الآخرة.
وقال آخرون من المعتزلة، بمقتضى ما فهموه من هذه الآية، أنه لا يرى في الدنيا ولا في
الآخرة، فخالفوا أهل السنة والجماعة في ذلك، مع ما ارتكبوه من الجهل، بما دلّ عليه كتاب الله
وسنّة رسوله. أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وُجُوهُ يَوْمَذٍ نَاضِرَةُ ﴿ إِلَى رِهَا نَاظِرَةٌ (٣)﴾ [القيامة] وقال
تعالى عن الكافرين: ﴿كَلَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِهِمْ يَوْمَيِذٍ لََّحْبُوبُونَ ﴾﴾ [المطففين].
قال الإمام الشافعي: فدلّ هذا، على أن المؤمنين لا يحجبون عنه تبارك وتعالى. أما السنة،
فقد تواترت الأخبار عن أبي سعيد، وأبي هريرة، وأنس، وجرير، وصهيب، وبلال وغير واحد
من الصحابة، عن النبي وير، أن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة، في العرصات وفي
روضات الجنّات(٢)، جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه آمين.
وقيل: المراد بقوله: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ﴾ أي: العقول، رواه ابن أبي حاتم عن علي بن
الحسين، عن الفلاس، عن ابن مهدي، عن أبي حصين يحيى بن الحصين، قارئ أهل مكة، أنه
قال ذلك(٣)، وهذا غريب جداً، وخلاف ظاهر الآية، وكأنه اعتقد أن الإدراك في معنى الرؤية،
والله أعلم.
وقال آخرون: لا منافاة بين إثبات الرؤية ونفي الإدراك، فإن الإدراك أخص من الرؤية، ولا
يلزم من نفي الأخص انتفاء الأعم. ثم اختلف هؤلاء في الإدراك المنفي ما هو؟
فقيل: معرفة الحقيقة، فإن هذا لا يعلمه إلّا هو، وإن رآه المؤمنون، كما أن من رأى القمر،
فإنه لا يدرك حقيقته وكنهه وماهيته، فالعظيم أولى بذلك، وله المثل الأعلى.
وقال آخرون: المراد بالإدراك الإحاطة، قالوا: ولا يلزم من عدم الإحاطة عدم الرؤية، كما لا
يلزم من عدم إحاطة العلم عدم العلم، قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ، عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] وفي
صحيح مسلم: ((لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك)) (٤) ولا يلزم منه عدم الثناء
فكذلك هذا.
قال العوفي، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرُِ الْأَبْصَرِّ﴾ قال:
لا يحيط بصر أحد بالملك(٥).
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ولفظه وسنده حس.
(٢) أخرج الإمام مسلم عدة أحاديث بنحوه من حديث عبد الله بن قيس وصهيب الرومي وأبي سعيد الخدري
وأبي هريرة (الصحيح، الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم سبحانه وتعالى ح ١٨٠ -
١٨١)، وباب معرفة طريق الرؤية (ح ١٨٢ - ١٨٣).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٤) صحيح مسلم، الصلاة، باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود (ح ٤٨٦).
(٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن العوفي به.

٥٨٥
• سُورَةُ الأَنْقَا (١٠٢، ١٠٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عمرو بن حماد بن طلحة القناد، حدثنا أسباط،
عن سماك، عن عكرمة، أنه قيل له: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ اْأَبْصَرُ﴾ قال: ألست ترى السماء؟ قال:
بلى، قال: فكلها ترى؟(١).
وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة في الآية: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرِّ﴾ وهو
أعظم من أن تدركه الأبصار(٢).
وقال ابن جرير: حدثنا سعد بن عبد الله بن عبد الحکم، حدثنا خالد بن عبد الرحمن، حدثنا
أبو عرفجة، عن عطية العوفي في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَؤْمَيِذٍ نَاضِرَةُ ﴿ إِلَى رَبِهَا نَاظِرَةٌ (٣)﴾ [القيامة]
قال: هم ينظرون إلى الله، لا تحيط أبصارهم به، من عظمته، وبصره محيط بهم، فذلك قوله:
﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرِّ﴾(٣).
وورد في تفسير هذه الآية حديث رواه ابن أبي حاتم هھنا، فقال: حدثنا أبو زرعة، حدثنا
منجاب بن الحارث السهمي، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن عطية العوفي، عن أبي
سعيد الخدري، عن رسول الله وَ ﴿ في قوله: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرُِ الْأَبْصَرّ﴾ قال: ((لو
أن الجن والإنس والشياطين والملائكة منذ خلقوا إلى أن فنوا، صفوا صفاً واحداً، ما أحاطوا
بالله أبداً)) (٤). غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه، ولم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة، والله
أعلم.
وقال آخرون في قوله: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ﴾ بما رواه الترمذي في جامعه، وابن أبي عاصم
في كتاب السنة له، وابن أبي حاتم في تفسيره، وابن مردويه أيضاً، والحاكم في مستدركه، من
حديث الحكم بن أبان، قال: سمعت عكرمة يقول: سمعت ابن عباس يقول: رأى محمد ربه
تبارك وتعالى، فقلت: أليس الله يقول: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرّ ﴾ الآية، فقال
لي: لا أم لك، ذلك نوره، الذي هو نوره، إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء، وفي رواية لا يقوم
له شيء(٥)، قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وفي معنى هذا الأمر، ما
ثبت في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري ◌ُّبه مرفوعاً: ((إن الله لا ينام ولا ينبغي له
أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل النهار قبل الليل، وعمل الليل قبل النهار، حجابه
النور - أو النار - لو كشفه، لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه))(٦).
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد به.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده أبو عرفجة وهو عمير بن عرفجة الكوفي، سكت عنه ابن أبي حاتم
في الجرح والتعديل.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف عطية العوفي.
(٥) أخرجه الترمذي (السنن، تفسير القرآن، باب ومن سورة النجم (ح٣٢٧٩)، وابن أبي عاصم (السنة
ح ٤٣٧)، وابن أبي حاتم والحاكم (المستدرك ٣٠٦/٢)، وفي سنده الحكم بن أبان صدوق له أوهام كما
في (التقريب ص١٧٤)، وله شاهد من حديث أبي أخرجه مسلم (الصحيح، الإيمان، باب قوله عظلا نور
أنى أراه ح١٧٨)، ويشهد له أيضاً الحديث التالي.
(٦) أخرجه مسلم، الإيمان، باب قوله وَله: ((إن الله لا ينام)) (ح١٧٩).

٥٨٦
• سُوَرَّةُ الْأَنْتَمَا (١٠٤، ١٠٥)
وفي الكتب المتقدمة: إن الله تعالى قال لموسى لما سأل الرؤية: يا موسى، إنه لا يراني حي
إلا مات، ولا يابس إلا تدهده، أي: تدعثر.
وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَى رَبُّ لِلْجَبَلِ جَعَلَمُ دَكًا وَخَرَّ مُوسَى صَعِفَأْ فَلَمَآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَتَكَ ثُّبْتُ
إِلَيْكَ وَأَنْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] ونفي هذا الأثر الإدراك الخاص لا ينفي الرؤية يوم
القيامة لعباده المؤمنين كما يشاء، فأما جلاله وعظمته على ما هو عليه، تعالى وتقدس وتنزه، فلا
تدركه الأبصار.
ولهذا كانت أم المؤمنين عائشة ثنا، تثبت الرؤية في الدار الآخرة، وتنفيها في الدنيا، وتحتج
بهذه الآية ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرِّ﴾ (١) فالذي نفته الإدراك، الذي هو بمعنى رؤية
العظمة والجلال، على ما هو عليه، فإن ذلك غير ممكن للبشر، ولا للملائكة، ولا لشيء.
وقوله: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ اَلْأَبْصَرِّ﴾ أي: يحيط بها ويعلمها على ما هي عليه، لأنه خلقها كما قال
تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَيرُ ﴾﴾ [الملك] وقد يكون عبر بالإبصار عن المبصرين،
كما قال السدي: في قوله: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرِّ﴾ لا يراه شيء، وهو يرى
الخلائق(٢) .
وقال أبو العالية في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اُللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ قال: اللطيف لاستخراجها، الخبير
بمكانها(٣)، والله أعلم، وهذا كما قال تعالى إخباراً عن لقمان فيما وعظ به ابنه ﴿يَبُنَّ إِنََّ إِن
تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلِ فَتَكُنْ فِ صَخْرَةٍ أَوْ فِ السَّمَوَتِ أَوْ فِ اْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفُ
خَبِيرٌ (٣)﴾ [لقمان].
4 ﴿قَدّ ◌َكُمْ بَصَابِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِةِ، وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيَّهَأْ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ
وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ آلْأَيَتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ وَلِنُبِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
(١٠٤)
البصائر هي البينات والحجج التي اشتمل عليها القرآن، وما جاء به رسول الله وَ له ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ
فَلِنَفْسِةِ،﴾ كقوله: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِةِ، وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [الإسراء: ١٥] ولهذا
قال: ﴿وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيَّهَا﴾ لما ذكر البصائر، قال: ﴿وَمَنْ عَِىَ فَعَلَيَّهَا﴾ أي: إنما يعود وباله عليه،
كقوله: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَدُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِى فِ الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦].
﴿وَمَآ أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ أي: بحافظ ولا رقيب، بل أنا مبلغ، والله يهدي من يشاء ويضل من
يشاء .
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَتِ﴾ أي: وكما فصلنا الآيات في هذه السورة، من بيان
التوحيد، وأنه لا إله إلا هو، هكذا نوضح الآيات ونفسرها ونبينها في كل موطن لجهالة
الجاهلين، وليقول المشركون والكافرون المكذبون: دارست يا محمد من قبلك، من أهل الكتاب
(١) تقدم حديثها في بداية تفسير هذه الآية.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عن أبي العالية.

٥٨٧
• سُورَةُ الْأَنْتَعُل (١٠٤، ١٠٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقارأتهم، وتعلمت منهم، هكذا قاله ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك(١)،
وغيرهم.
وقال الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثنا أبي، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن
دينار، عن عمرو بن كيسان، قال: سمعت ابن عباس يقول: دارست: تلوت، خاصمت،
جادلت(٢) .
وهذا كقوله تعالى إخباراً عن كذبهم وعنادهم، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلَّ إِفْكُ أَفْتَرَهُ وَأَنَهُ
عَلَيْهِ قَوْمُ ءَآخَرُونٌَّ فَقَدْ جَاءُو ظُلْمًا وَزُورًا ﴿﴿ وَقَالُواْ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ أَكْتَتَبَهَا﴾ [الفرقان: ٤، ٥]
الآية، وقال تعالى إخباراً عن زعيمهم، وكاذبهم: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ﴿ فَقُئِلَ كَيْفَ قَدَّرَ جَ ثُمَّ قُئِلَ كَيْفَ
قَدَّرَ ®َ ثُمَّ نَظَرَ (4)
[٣) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ
◌ُمَّ أَذْبَرَ وَأَسْتَكْبَرَ ﴿ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِرٌ يُؤْثَرُ
ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ
اَلْبَشَرِ (@)﴾ [المدثر].
وقوله: ﴿وَلِنُبِيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي: ولنوضحه لقوم يعلمون الحق فيتبعونه والباطل فيجتنبونه
فلله تعالى الحكمة البالغة في إضلال أولئك وبيان الحق لهؤلاء كقوله تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ، كَثِيرًا
وَيَهْدِى بِهِ، كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦] الآية، وكقوله: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْفِى الشَّيْطَانُ فِتْنَةٌ لِّلَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم
غَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٥٣] ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٤]
وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَآَ أَصْحَبَ النَّارِ إِلَّ مَتِكَةُ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسْتَيْفِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ
اَلْكِتَبَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ مَنُواْ إِيَأْ وَلَا يَابَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ وَالْمُؤْمِنُونٌّ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم ◌َرَضُ وَالْكَفِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ
◌ِهذَا مَثَلََّ كَذَلِكَ يُضِلُّ ◌َلَهُ مَنْ يَدُ وَيَهْدِى مَن ◌َهُ وَمَا يَقْلَمُ جُنُوَ رَيْكَ إِلَّ هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] وقال: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ
الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَةٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينُّ وَلَا يَزِيدُ الظَّكَلِينَ إِلَّ خَسَارًا (﴾﴾ [الإسراء] وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ
لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدَّى وَشِفَاءٌ وَلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِيِّ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمَّىَ أُوْلَكَ يُنَدَوْنَ
مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] إلى غير ذلك من الآيات الدالة، على أنه تعالى أنزل القرآن هدى
للمتقين، وأنه يضل به من يشاء، ويهدي من يشاء.
ولهذا قال لهُهنا: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ وَلِنُبَّتِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (®)) وقرأ
بعضهم ﴿وليقولوا دَارَسْتَ﴾ قال التميمي عن ابن عباس: درست أي قرأت وتعلمت(٣)، وكذا
قال مجاهد(٤)، والسدي، والضحاك(٥)، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحد.
(١) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أربدة التميمي عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري
بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول سعيد بن جبير أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من
طريق يحيى أبي المعلى العطار عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عنه.
(٢) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١٣٧/١١ ح ١١٢٨٣)، وقال الهيثمي: رجاله ثقات (مجمع
الزوائد ٢٢/٧)، وأخرجه عبد الرزاق عن سفيان به (المصنف ٢١٦/٢)، وعمرو بن كيسان ذكره ابن أبي
حاتم وسكت عنه (الجرح ٢٥٦/٦).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أربدة به.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٥) قول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف
من طريق جویبر عنه.

٥٨٨
سُورَةُ الأَنْتَطَا (١٠٦، ١٠٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال عبد الرزاق: عن معمر، قال الحسن: (وليقولوا دَرَسَتْ) يقول: تقادمت وانمحت(١).
وقال عبد الرزاق أيضاً: أنبأنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، سمعت ابن الزبير يقول: إن
صبياناً يقرأون هاهنا (دَرَسَتْ)، وإنما هي ﴿دَرَسْتَ﴾(٢) .
وقال شعبة: حدثنا أبو إسحاق الهمداني قال: هي في قراءة ابن مسعود (دَرَسَتْ)، يعني بغير
ألف، بنصب السين ووقف على التاء(٣).
قال ابن جرير: ومعناه: انمحت وتقادمت، أي: أن هذا الذي تتلوه علينا، قد مر بنا قديماً
وتطاولت مدته.
وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، أنه قرأها (دُرِسَتْ)، أي: قُرِأت وتُعَلمت(٤)، وقال
معمر عن قتادة: (دُرِسَتْ) قُرِأتْ، وفي حرف ابن مسعود: (درس)(٥).
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثنا حجاج، عن هارون، قال: هي في حرف أُبي بن
كعب، وابن مسعود (وليقولوا دَرَسَ)(٦)، قال: يعنون النبي ◌َّليل أنه قرأ، وهذا غريب، فقد روي
عن أُبي بن کعب خلاف هذا: قال أبو بكر بن مردویہ: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا
الحسن بن ليث، حدثنا أبو سلمة، حدثنا أحمد بن أبي بزة المكي، حدثنا وهب بن زمعة، عن
أبيه، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب، قال: أقرأني
رسول الله وَله ﴿وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ﴾. ورواه الحاكم في مستدركه من حديث وهب بن زمعة، وقال:
يعني بجزم السين ونصب التاء (٧)، ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا
﴿اَّعْ مَا أُوْجِىَ إِلَيْكَ مِن زَّيْكَْ لَا إِلَهَ إِلَّ هُوّ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ
أَشْترَكُواْ وَمَا جَعَلْنَكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظَاً وَمَا أَنْتَ عَلَّهِم بِوَكِيلٍ
يقول تعالى آمراً لرسوله وَ له ولمن اتبع طريقته: ﴿أَّعْ مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّكْ﴾ أي: اقتد
به واقتف أثره، واعمل به، فإن ما أوحي إليك من ربك هو الحق، الذي لا مرية فيه،
لأنه لا إله إلا هو ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي اعف عنهم واصفح واحتمل أذاهم، حتى
يفتح الله لك، وينصرك ويظفرك عليهم واعلم أن الله حكمة في إضلالهم، فإنه لو شاء لهدى
الناس جميعا، ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىَّ﴾ [الأنعام: ٣٥].
(١) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح وهي قراءة متواترة.
(٢) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح وهي قراءة متواترة.
(٣) أخرجه الطبري من طريق شعبة به، وهي قراءة متواترة.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح عن سعيد به، وهي قراءة شاذة تفسيرية.
(٥) أخرجه الطبري بسند منقطع لأن قتادة لم يسمع ابن مسعود، وهي قراءة شاذة تفسيرية.
(٦) أخرجه الطبري من طريق أبي عبيد به، وسنده ضعيف للانقطاع بين هارون وأبي وابن مسعود فإنه لم يسمع
منهما بل لم يدركهما. والقراءة شاذة تفسيرية.
(٧) أخرجه الحاكم من طريق وهب به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢٣٨/٢)، وفي سنده زمعة وهو ابن
صالح وهو ضعيف (التقريب ص٢١٧)، ولا يضر فإن القراءة متواترة.

٥٨٩
سِوَرَةِ الأَنْتَطَا (١٠٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَّا أَشْرَكُواْ﴾ أي: بل له المشيئة والحكمة، فيما يشاؤه ويختاره، لا يُسأل عما
يفعل، وهم يُسألون.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًاً﴾ أي: حافظاً، تحفظ أقوالهم وأعمالهم ﴿وَمَّ أَنْتَ
عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ أي: موكل على أرزاقهم وأمورهم إن عليك إلا البلاغ كما قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَاً
﴾ [الغاشية] وقال: ﴿فَإِنََّا عَلَيْكَ الْبَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾
٢٢
أَنْتَ مُذَكِّرٌ ﴿ لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ
[الرعد: ٤٠].
﴿وَلَا تَسُبُواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدُواْ بِغَيْرِ عِلْمِ كَذَلِكَ زَيَّنَا لِكُلِّ أُمَّةٍ
عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم ◌َرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
يقول الله تعالى ناهياً لرسوله وَّليه والمؤمنين عن سبّ آلهة المشركين، وإن كان فيه مصلحة، إلا
أنه يترتب عليه مفسدة أعظم منها، وهي مقابلة المشركين بسبّ إله المؤمنين، وهو الله لا إله إلا هو
كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية: قالوا: يا محمد لتنتهين عن سبك
آلهتنا، أو لنهجون ربك، فنهاهم الله أن يسبوا أوثانهم ﴿فَيَسُبُواْ اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾(١).
وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: كان المسلمون يسبون أصنام الكفار، فيسب
الكفار الله عدواً بغير علم، فأنزل الله ﴿وَلَا تَسُبُواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اَللَّهِ﴾(٢).
وروى ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي أنه قال في تفسيره هذه الآية: لما حضر أبا طالب
الموت: قالت قريش: انطلقوا فلندخل على هذا الرجل، فلنأمره أن ينهى عنا ابن أخيه، فإنا
نستحي أن نقتله بعد موته، فتقول العرب: كان يمنعه، فلما مات قتلوه.
فانطلق أبو سفيان، وأبو جهل، والنضر بن الحارث، وأُمية وأُبي ابنا خلف، وعقبة بن أبي
معيط، وعمرو بن العاص، والأسود بن البختري، وبعثوا رجلاً منهم يقال له: المطلب، قالوا:
استأذن لنا على أبي طالب، فأتى أبا طالب فقال: هؤلاء مشيخة قومك يريدون الدخول عليك،
فأذنَ لهم عليه، فدخلوا عليه، فقالوا: يا أبا طالب، أنت كبيرنا وسيدنا، وإن محمداً قد آذانا
وآذى آلهتنا، فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذكر آلهتنا، ولندعه وإلهه، فدعاه فجاء النبي وَّر، فقال
له أبو طالب: هؤلاء قومك وبنو عمك، قال رسول الله وَله: ((ما تريدون؟» قالوا: نريد أن تدعنا
وآلهتنا، ولندعك وإلهك، فقال النبي وَلاير: ((أرأيتم إن أعطيتكم هذا هل أنتم معطي كلمة، إن
تكلمتم بها ملكتم العرب، ودانت لكم بها العجم، وأدت لكم الخراج)) قال أبو جهل: وأبيك
لنعطينكها وعشرة أمثالها قالوا: فما هي؟ قال: ((قولوا: لا إله إلا الله)) فأبوا واشمأزوا، قال أبو
طالب: يا ابن أخي، قل غيرها، فإن قومك قد فزعوا منها، قال: ((يا عم ما أنا بالذي يقول
غيرها، حتى يأتوا بالشمس فيضعوها في يدي، ولو أتوا بالشمس فوضعوها في يدي، ما قلت
غيرها)) إرادة أن يؤيسهم فغضبوا، وقالوا: لتكفن عن شتم آلهتنا أو لنشتمنك ونشتمن من يأمرك،
(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.
(٢) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح لكنه مرسل ويشهد له سابقه.

٥٩٠
• سُورَةُ الأَنْتُم (١٠٩، ١١٠)
900000000000000000000000000000000000 000000000 000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00
فذلك قوله: ﴿فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾(١).
ومن هذا القبيل، وهو ترك المصلحة لمفسدة أرجح منها، ما جاء في الصحيح أن رسول الله الفيوم
قال: ((ملعون من سبّ والديه)) قالوا: يا رسول الله، وكيف يسب الرجل والديه؟ قال: ((يسبّ أبا
الرجل فيسبّ أباه ويسبّ أمه فيسب أمه)) أو كما قال ◌َِّينَ(٢).
وقوله: ﴿ كَذَلِكَ زَيَّنَا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ أي: وكما زينا لهؤلاء القوم حب أصنامهم، والمحاماة
لها والانتصار، كذلك زينا لكل أمة من الأمم الخالية على الضلال عملهم الذي كانوا فيه، ولله
الحجة البالغة، والحكمة التامة فيما يشاؤه ويختاره ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِهِم تَرْجِعُهُمْ﴾ أي: معادهم
ومصيرهم ﴿فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوْ يَعْمَلُونَ﴾ أي: يجازيهم بأعمالهم، إن خيراً فخيرٌ وإن شراً فشرٌّ.
﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ لَيِن ◌َاءَتْهُمْ ءَايَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَاْ قُلْ إِنَّمَا الَيَثُ عِندَ اللَّهِ وَمَا يُثْعِزَّكُمْ
أَنَّهَا إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿ وَتُقَلِّبُ أَفِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ، أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِى
طُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ
يقول تعالى إخباراً عن المشركين، أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم، أي حلفوا أيماناً مؤكدة
﴿لَيْن ◌َاءَتْهُمْ ءَايَةٌ﴾ أي: معجزة وخارقة ﴿لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ أي: ليصدقنها ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآَيَتُ عِندَ اللهِ﴾
أي: قل: يا محمد هؤلاء الذين يسألونك الآيات، تعنتاً وكفراً وعناداً، لا على سبيل الهدى
والاسترشاد، إنما مرجع هذه الآيات إلى الله، إن شاء جاءكم بها، وإن شاء ترككم.
قال ابن جرير: حدثنا هناد، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب
القرظي، قال: كلّم رسول الله وَل﴿ قريش، فقالوا: يا محمد، تخبرنا أن موسى كان معه عصا
يضرب بها الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، وتخبرنا أن عيسى كان يحيي الموتى، وتخبرنا
أن ثمود كان لهم ناقة، فآتنا من الآيات حتى نصدقك، فقال رسول الله وص له: ((أي شيء تحبون أن
آتيكم به؟))، قالوا: تجعل لنا الصفا ذهباً، فقال لهم: ((فإن فعلت تصدقوني؟)) قالوا: نعم، والله لئن
فعلت لنتبعنك أجمعون، فقام رسول الله وَ ﴿ يدعو، فجاءه جبريل منظله، فقال له: ما شئت إن شئت
أصبح الصفا ذهباً، ولئن أرسل آية فلم يصدقوا عند ذلك ليعذبنهم، وإن شئت فاتركهم حتى يتوب
تائبهم، فقال رسول الله وَله: (بل يتوب تائبهم)) فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِلَلَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ﴾ إلى
قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام: ١١١](٣). وهذا مرسل، وله شواهد من وجوه أخر.
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ تُرْسِلَ بِلْأَتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَُّونَ وَءَانَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً
﴾ [الإسراء]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُشْعِرَّكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ
٥٩
فَظَلَمُواْ بِهَاْ وَمَا نُرْسِلُ بِلَيَتِ إِلَّا تَخْوِيفًا
لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [قيل: المخاطب بما يشعركم المشركون وإليه ذهب مجاهد وكأنه يقول لهم، وما
(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي لكنه مرسل، ويتقوى بالشواهد التي
ستأتي في تفسير سورة صّ آية ٦.
(٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة النساء آية ٣١، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ـ
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف أبي معشر وهو السندي، ولإرسال محمد بن كعب وله
شاهد يقويه يأتي في سورة الإسراء آية ٥٩.

٥٩١
• سُورَةُ الأَنْتَطَل (١٠٩، ١١٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
يدريكم بصدقكم في هذه الأيمان التي تقسمون بها، وعلى هذا فالقراءة ﴿إنها إذا جاءت لا
يؤمنون﴾](١)(٢) بكسر أنها استئناف الخبر عنهم بنفي الإيمان عن مجيء الآيات التي طلبوها،
وقرأ بعضهم (أنها إذا جاءت لا تؤمنون) بالتاء المثناة من فوق وقيل: المخاطب بقوله: ﴿وَمَا
يُشْعِرَّكُمْ﴾ المؤمنون، يقول: وما يدريكم أيها المؤمنون، وعلى هذا فيجوز في قوله: ﴿أَنَّهَآَ﴾
الكسر كالأول والفتح على أنه معمول يشعركم، وعلى هذا فتكون لا في قوله: ﴿أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ
لَا يُؤْمِنُونَ﴾ صلة كقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] وقوله: ﴿وَحَرَمُ عَلَى قَرْيَةٍ
[الأنبياء] أي: ما منعك أن تسجد إذ أمرتك، وحرام أنهم
أَهْلَكْتَهَا أَنَّهُمْ لَا يَجِعُونَ ﴾﴾﴾
يرجعون، وتقديره في هذه الآية، وما يدريكم أيها المؤمنون الذين تودون لهم ذلك، حرصاً على
إيمانهم، أنها إذا جاءتهم الآيات يؤمنون، قال بعضهم: أنها بمعنى لعلها .
قال ابن جرير: وذكروا أن ذلك كذلك في قراءة أبي بن كعب، قال: وقد ذكر عن العرب
سماعاً اذهب إلى السوق، أنك تشتري لنا شيئاً، بمعنى لعلك تشتري، قال: وقد قيل: إن قول
عدي بن زيد العبادي من هذا :
إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد(٣)
أعاذل ما يُدريك أن منيتي
وقد اختار هذا القول ابن جرير، وذكر عليه من شواهد أشعار العرب والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَتُقَلِبُ أَفِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَ يُؤْمِنُواْ بِهِ، أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ قال العوفي عن ابن عباس في
هذه الآية: لما جحد المشركون ما أنزل الله، لم تثبت قلوبهم على شيء، وُردّت عن كل أمر (٤).
وقال مجاهد في قوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ﴾: ونحول بينهم وبين الإيمان، ولو جاءتهم
كل آية فلا يؤمنون، كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة(٥)، وكذا قال عكرمة وعبد الرحمن بن
زيد بن أسلم (٦).
وقال ابن أبي طلحة، عن ابن عباس ظته، أنه قال: أخبر الله ما العباد قائلون قبل أن يقولوه،
وعملهم قبل أن يعملوه، وقال: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤] جلّ وعلا وقال: ﴿أَنْ تَقُولَ
نَفْسُ بَحَسْرَفَ عَلَى مَا فَرَّطَتُ فِ جَنْبٍ اَللَّهِ وَإِن كُنْتُ لَمِنَ السَّخِرِينَ ﴿٨ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَينِ
لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴿﴿ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوَ أَنَّ لِ كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
(٥٨)
[الزمر]. فأخبر الله سبحانه، أنهم لو ردوا لم يكونوا على الهدى، وقال: ﴿وَلَوْ رُدُواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُوَأْ
عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨] وقال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ- أَوَّلَ
مَّةٍ﴾ وقال: ولو رُدّوا إلى الدنيا، لحيل بينهم وبين الهدى، كما حلنا بينهم وبينه أول مرة وهم
في الدنيا(٧).
(١) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (حم) و(مح).
(٢) والقراءتان بالفتح والكسر في قوله: ((إنها)) متواترتان. (٣) ذكره الطبري مع القراءة عن أبي من غير إسناد.
(٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عبد الله بن كثير عن مجاهد.
(٦) قول عكرمة أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء الخراساني عنه، وقول عبد الرحمن أخرجه
ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أصبغ بن الفرج عنه.
(٧) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.

٥٩٢
• سُورَةُ الْأَنْتَطُل (١١١، ١١٣)
وقوله: ﴿وَنَذَرُهُمْ﴾ أي: نتركهم ﴿فِي ◌ُفْيَنِهِمْ﴾ قال ابن عباس والسدي: في كفرهم(١). وقال
أبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة: في ضلالهم (٢). ﴿يَعْمَهُونَ﴾ قال الأعمش: يلعبون(٣)،
وقال ابن عباس، ومجاهد، وأبو العالية، والربيع، وأبو مالك، وغيره: في كفرهم يتردّدون(٤).
﴿ وَلَوْ أَنَّا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَتَبِكَةَ وَمَّهُمُ الْمَوْقَ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلّ شَىْءٍ قُبُلًا مَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ
إِلََّ أَنْ يَشَآءَ اللّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ
يقول تعالى: ولو أننا أجبنا سؤال هؤلاء، الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم، لئن جاءتهم آية
ليؤمنن بها، فنزلنا عليهم الملائكة تخبرهم بالرسالة من الله بتصديق الرسل، كما سألوا فقالوا:
﴿أَوْ تَأْتَِ بِاللَّهِ وَالْمَئِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢] و﴿قَالُواْ لَنْ تُؤْمِنَ حَّ نُؤْقَ مِثْلَ مَآ أُوْنِىَ رُسُلُ اللّهِ﴾
[الأنعام: ١٢٤]، ﴿﴿ وَقَالَ اٌلَِّينَ لَا يَرَّجُونَ لِقَآءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَتَبِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُواْ فِىّ
أَنْفُسِهِمْ وَعَنَوْ عُنُوًّا كَبِيرًا
(ن)﴾ [الفرقان].
﴿وَكَلَّمَّهُمُ اٌلْوَقَ﴾ أي: فأخبروهم بصدق ما جاءتهم به الرسل ﴿وَحَثَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلًا﴾ قرأ
بعضهم، قِبَلاً بكسر القاف وفتح الباء، من المقابلة والمعاينة، [وقرأ آخرون بضمهما(٥)، قيل
معناه: من المقابلة والمعاينة](٦) أيضاً، كما رواه علي بن أبي طلحة، والعوفي عن ابن عباس(٧)،
وبه قال قتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم(٨)، وقال مجاهد: قبلاً أي أفواجاً، قبيلاً قبيلاً (٩)،
أي تعرض عليهم كل أُمة بعد أُمة، فيخبرونهم بصدق الرسل فيما جاءوهم به ﴿مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلَّآ
أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ﴾ أي: أن الهداية إليه لا إليهم، بل يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وهو الفعال
لما يريد، ﴿لَا يُبْثَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ ﴾ [الأنبياء] لعلمه وحكمته وسلطانه وقهره وغلبته،
وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَيِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ () وَلَوَّ جَآَمَّتْهُمْ كُلُّ
ءَايَةٍ حَتَّى يَرَوَأْ اَلْعَذَابَ اَلْأَلِيمَ (9﴾﴾﴾ [يونس].
] ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِّ عَدُوًّا شَيَطِيْنَ اَلْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ
وَلِنَصْغَ إِلَيْهِ أَفْعِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِلْآَخِرَةِ
غُرُوراً وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوَّةٌ فَذَرْهُمْ وَمَا يَغْتَرُونَ
وَلِيَضَوْهُ وَلِيَقْتِفُواْ مَا هُم مُقْتِفُونَ
١١٣
يقول تعالى: وكما جعلنا لك يا محمد أعداء يخالفونك ويعادونك ويعاندونك، جعلنا لكل نبي
(١) قول ابن عباس والسدي أخرجهما ابن أبي حاتم بسندين ضعيفين يقوي أحدهما الآخر، وتشهد لهما اللغة.
(٢) قول الربيع وأبي العالية أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق الربيع عن أبي العالية.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سفيان عن الأعمش.
(٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٥.
(٥) وكلتاهما قراءتان متواترتان.
(٦) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (حم) و(مح).
(٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من الطريقين عن ابن عباس والطريق الأول يقوي الطريق الثاني.
(٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق
عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بنحوه.
(٩) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد، وابن جريج لم يسمع من مجاهد.

٥٩٣
سُورَةُ الأَنْتُل (١١٢، ١١٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
من قبلك أيضاً أعداء فلا يحزنك ذلك، كما قال تعالى: ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ﴾
[آل عمران: ١٨٤] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوْذُواْ حَقََّ أَنَهُمْ
نَصْرَا﴾ [الأنعام: ٣٤]، وقال تعالى: ﴿مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلْرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَفٍ
وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ﴾﴾ [فصلت] وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِنُّ﴾ الآية
[الفرقان: ٣١].
وقال ورقة بن نوفل لرسول الله وَي: إنه لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي(١).
وقوله: ﴿شَيَطِيْنَ اُلْإِنِسِ وَالْجِنِّ﴾ بدل من ﴿عَدُوًّا﴾ أي: لهم أعداء من شياطين الإنس والجن،
والشيطان كل من خرج عن نظيره بالشر، ولا يعادي الرسل إلا الشياطين من هؤلاء وهؤلاء،
قبحهم الله ولعنهم.
قال عبد الرزاق: حدثنا معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿شَيَطِينَ الْإِنِسِ وَالْجِنِّ﴾ قال: من الجن
شياطين، ومن الإنس شياطين، يوحي بعضهم إلى بعض، قال قتادة: وبلغني أن أبا ذرّ، كان يوماً
يصلي، فقال النبي 18ّ: ((تعوّذ يا أبا ذرّ من شياطين الإنس والجن)) فقال: أو إنَّ من الإنس
شياطين؟ فقال رسول الله صليٍ: ((نعم)) (٢). وهذا منقطع بين قتادة وأبي ذر.
وقد روي من وجه آخر، عن أبي ذرّ ◌ُه، قال ابن جرير: حدثنا المثنى، حدثنا أبو صالح،
حدثني معاوية بن صالح، عن أبي عبد الله محمد بن أيوب، وغيره من المشيخة، عن ابن عائذ،
عن أبي ذرّ، قال: أتيت رسول الله وَ ﴿ في مجلس قد أطال فيه الجلوس، قال، فقال: ((يا أبا ذرّ
هل صليت؟)) قلت: لا يا رسول الله، قال: ((قم فاركع ركعتين)) قال: ثم جئت فجلست إليه،
فقال: ((يا أبا ذرّ هل تعوذت بالله من شياطين الإنس والجن)) قال: قلت: لا يا رسول الله، وهل
للإنس من شياطين؟ قال: ((نعم هم شر من شياطين الجن))(٣) وهذا أيضاً فيه انقطاع، وروي
متصلاً .
كما قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا المسعودي، أنبأنا أبو عمر الدمشقي، عن عبيد بن
الخشخاش، عن أبي ذرّ، قال: أتيت النبي ◌َّ﴿ وهو في المسجد، فجلست فقال: ((يا أبا ذرّ هل
صليت؟)) قلت: لا، قال: ((قم فصلّ)) قال: فقمت فصليت ثم جلست، فقال: ((يا أبا ذرّ تعوّذ
بالله من شر شياطين الإنس والجن)) قال: قلت: يا رسول الله وللإنس شياطين؟ قال: ((نعم)) وذكر
تمام الحديث بطوله(٤). وكذا رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره، من حديث جعفر بن
عون، ويعلى بن عبيد، وعبيد الله بن موسى، ثلاثتهم عن المسعودي به.
(١) أخرجه الشيخان من حديث عائشة رؤثقا (صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي، باب ٣ ح٣ وصحيح مسلم،
الإيمان، باب بدء الوحي ح ١٦٠).
(٢) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب الانقطاع الذي ذكره الحافظ ابن كثير وقد صححه
الحافظ بمجموع طرقه كما سيأتي.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده أيضاً انقطاع بين عائذ وأبي ذرّ، ويتقوى بالطرق الأخرى التالية:
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعفه محققوه (المسند ٤٣١/٣٥ - ٤٣٢ ح ٢١٥٤٦)، وصححه الألباني
في (صحيح الجامع الصغير ٢٥٨/٦)، فهو يوافق الحافظ ابن كثير كما تقدم.

٥٩٤
• سُورَةُ الْأَنْتُل (١١٢، ١١٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
(طريق أخرى عن أبي ذر) قال ابن جرير: حدثنا المثنى، حدثنا الحجاج، حدثنا حماد، عن
حميد بن هلال، حدثني رجل من أهل دمشق، عن عوف بن مالك، عن أبي ذرّ، أن رسول الله وَله
قال: ((يا أبا ذر، هل تعوذت بالله من شر شياطين الإنس والجن)) قال: قلت: يا رسول الله هل
للإنس من شياطين؟ قال: ((نعم))(١).
(طريق أخرى للحديث) قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا أبو
المغيرة، حدثنا معان بن رفاعة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: قال
رسول الله وقال: ((يا أبا ذر تعوذت من شياطين الإنس والجن)) قال: قلت: يا رسول وهل للإنس
شياطين؟ قال: ((نعم)) ﴿شَيَطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾(٢).
فهذه طرق لهذا الحديث، ومجموعها يفيد قوته وصحته، والله أعلم.
قال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو نعيم، عن شريك، عن سعيد بن مسروق، عن
عكرمة ﴿شَيَطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ﴾ قال: ليس من الإنس شياطين، ولكن شياطين الجن يوحون إلى
شياطين الإنس، وشياطين الإنس يوحون إلى شياطين الجن، قال: وحدثنا الحارث، حدثنا
عبد العزيز، حدثنا إسرائيل، عن السدي، عن عكرمة، في قوله: ﴿يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ
اٌلْقَوَّلِ غُرُورًا﴾ قال: للإنسي شيطان، وللجني شيطان، فيلقى شيطان الإنس شيطان الجن، فيوحي
بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً(٣).
وقال أسباط، عن السدي، عن عكرمة في قوله: ﴿يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾: أما شياطين
الإنس، فالشياطين التي تضل الإنس، وشياطين الجن التي تضل الجن، يلتقيان، فيقول كل واحد
منهما لصاحبه: إني أضللت صاحبي بكذا وكذا، فأضل أنت صاحبك بكذا وكذا، فيعلم بعضُهم
بعضاً(٤)، ففهم ابن جرير من هذا، أن المراد بشياطين الإنس، عند عكرمة والسدي، الشياطين
من الجن الذين يضلون الناس، لا أن المراد منه شياطين الإنس منهم، ولا شك أن هذا ظاهر
من كلام عكرمة، وأما كلام السدي فليس مثله في هذا المعنى، وهو محتمل، وقد روى ابن أبي
حاتم نحو هذا عن ابن عباس، من رواية الضحاك عنه، قال: إن للجن شياطين يضلونهم، مثل
شياطين الإنس يضلونهم، قال: فيلتقي شياطين الإنس وشياطين الجن، فيقول هذا لهذا: أضلله
بكذا، فهو قوله: ﴿يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورَاً﴾(٥).
وعلى كل حال، فالصحيح ما تقدم من حديث أبي ذرّ، أن للإنس شياطين منهم، وشيطان كل
شيء ما رده، ولهذا جاء في صحيح مسلم عن أبي ذرّ، أن رسول الله وَلو قال: ((الكلب الأسود
شيطان)) ومعناه - والله أعلم -: شيطان في الكلاب (٦).
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده إبهام شیخ حميد.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف وصححه الحافظ بمجموع طرقه.
(٣) أخرجه الطبري بسنديه ومتنيه، والسند الأول يتقوى بالسند الثاني، فسنده حسن. وعكرمة سقط من السند
الثاني في طبعة أحمد شاكر.
(٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي بدون ذكر عكرمة.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الضحاك به، وسنده ضعيف لأن الضحاك لم يسمع ابن عباس.
(٦) صحيح مسلم، الصلاة، باب قدر ما يستر المصلي (ح ٥١٠).

٥٩٥
• سُورَةُ الْأَنْتُلِ (١١٢، ١١٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال ابن جريج: قال مجاهد في تفسير هذه الآية: كفار الجن شياطين، يوحون إلى شياطين
الإنس، كفار الإنس، زخرف القول غروراً (١).
وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: قدمت على المختار فأكرمني وأنزلني، حتى كاد يتعاهد
مبيتي بالليل، قال: فقال لي: اخرج إلى الناس فحدثهم، قال: فخرجت، فجاء رجل فقال: ما
تقول في الوحي؟، فقلت: الوحي وحيان، قال الله تعالى: ﴿بِمَا أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ﴾
[يوسف: ٣] وقال تعالى: ﴿شَيَطِينَ الْإِنِسِ وَالْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ قال
فهمّوا بي أن يأخذوني، فقلت لهم: ما لكم ذاك، إني مفتيكم وضيفكم فتركوني(٢).
وإنما عرّض عكرمة بالمختار - وهو ابن أبي عبيد قبحه الله - وكان يزعم أنه يأتيه الوحي، وقد
كانت أخته صفية تحت عبد الله بن عمر، وكانت من الصالحات، ولما أخبر عبد الله بن عمر أن
المختار يزعم أنه يوحى إليه، فقال: صدق، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْ لِيَآيِهِمْ﴾
[الأنعام: ١٢١].
وقوله تعالى: ﴿يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ أي: يلقي بعضهم إلى بعض القول
المزين المزخرف، وهو المزوق الذي يغتر سامعه من الجهلة بأمره.
﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوَّةٌ﴾ أي: وذلك كله بقدر الله وقضائه، وإرادته ومشيئته، أن يكون لكل نبي
عدو من هؤلاء ﴿فَذَرْهُمْ﴾ أي: فدعهم، ﴿وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ أي: يكذبون. أي دع أذاهم، وتوكل
على الله في عداوتهم، فإن الله كافيك وناصرك عليهم.
وقوله تعالى: ﴿وَلِنَصْغَى إِلَيْهِ﴾ أي: ولتميل إليه. قاله ابن عباس(٣) ﴿أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ
بِلَآَخِرَةِ﴾ أي: قلوبهم وعقولهم وأسماعهم.
يؤمن بالآخرة، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ
وقال السدي: قلوب الكافرين(٤). ﴿وَلِيَضَوْهُ﴾ أي: يحبوه ويريدوه، وإنما يستجيب ذلك من لا
إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ
مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَتِنِينَ
[الصافات] وقال تعالى: ﴿إِنَّكُرْ لَفِى قَوْلٍ مُخْلِفٍ ﴿ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أَفِكَ جَ﴾ [الذاريات].
وقوله: ﴿وَلِيَقْتِفُواْ مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: وليكتسبوا ما هم
مكتسبون(٥) .
وقال السدي وابن زيد: وليعملوا ما هم عاملون(٦).
(١) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به، وسنده ضعيف لأن ابن جريج لم يسمع من مجاهد.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أبي يزيد المدني عن عكرمة.
(٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بنحوه.
(٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي بنحوه.
(٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.
(٦) قول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح
من عبد الله بن وهب عنه.

٥٩٦
سُورَةُ الْأَنْتَهُم (١١٤، ١١٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
] ﴿أَفَغَيْرَ اَللَّهِ أَبْتَغِى حَكَمَا وَهُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَبَ مُفَضَّلَا وَالَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ
يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْخِيٍّ فَلَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِنَ (١٩) وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَيِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَّا مُبَدِّلَ
لِكَلِمَتٍِ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥)﴾.
يقول تعالى لنبيه ول﴾: قل لهؤلاء المشركين بالله، الذين يعبدون غيره: ﴿أَفَغَيْرَ اَللَّهِ أَبْتَغِى
حَكَمًا﴾ أي: بيني وبينكم ﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِنَبَ مُفَضَّلَا﴾ أي: مبيناً ﴿وَالَّذِينَ ءَاتَّيْنَهُمُ
اُلْكِتَبَ﴾ أي: من اليهود والنصارى، ﴿يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَّلٌ مِّن رَّيِّكَ بِاَلْقِّ﴾ أي: بما عندهم من
البشارات بك، من الأنبياء المتقدمين ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ كقوله: ﴿فَإِن كُتَ فِى شَكٍ مِّمَّاً
أَنْنَا إِلَيْكَ فَسْتَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِن رَّيِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِنَ
﴾ [يونس] وهذا شرط، والشرط لا يقتضي وقوعه، ولهذا جاء عن رسول الله وَيقول أنه قال: ((لا
أشك ولا أسأل)».
وقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ قال قتادة: صدقاً فيما قال وعدلاً فيما حكم(١)،
يقول صدقاً في الأخبار، وعدلاً في الطلب، فكل ما أخبر به فحق لا مرية فيه ولا شك، وكل ما
أمر به فهو العدل الذي لا عدل سواه، وكل ما نهى عنه فباطل فإنه لا ينهى إلا عن مفسدة، كما
قال تعالى: ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنُهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ إلى آخر الآية [الأعراف: ١٥٧].
﴿لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِهٍ﴾ أي: ليس أحد يعقب حكمه تعالى، لا في الدنيا ولا في الآخرة ﴿وَهُوَ
اُلْسَمِيعُ﴾ لأقوال عباده ﴿اَلْعَلِيمُ﴾ بحركاتهم وسكناتهم، الذي يجازي كل عامل بعمله.
تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الْأَرْضِ يُضِلُوَكَ عَن سَبِيلِ اللهِّ إِن يَشَّبِعُونَ إِلَّا الَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا
يُخْرُصُونَ ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُ عَن سَبِيلِةٍ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِلْمُهْتَدِينَ
يخبر تعالى عن حال أكثر أهل الأرض، من بني آدم أنه الضلال، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ
قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَلِينَ ﴾﴾ [الصافات] وقال تعالى: ﴿وَمَآ أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ
﴾ [يوسف] وهم في ضلالهم ليسوا على يقين من أمرهم، وإنما هم في ظنون كاذبة وحسبان
باطل، ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ فإن الخرص هو الجزر، ومنه خرص النخل،
وهو جزر ما عليها من التمر، وذلك كله عن قدر الله ومشيئته ﴿هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِةٍ﴾
فييسره لذلك ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِلْمُهْتَدِينَ﴾ فييسرهم لذلك، وكل ميسر لما خلق له.
12 ﴿فَكُوْ مِمَا ذُكِرَ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُم بِعَنِهِ، مُؤْمِنَ (١٨) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُواْ مِمَا ذُكِرَ
أَسُْ اَللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا أَضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُونَ بِأَهْوَابِهِم بِغَيْرِ عِلٍَّّ
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ
هذا إباحة من الله، لعباده المؤمنين، أن يأكلوا من الذبائح ما ذكر عليه اسمه، ومفهومه أنه لا
يباح ما لم يذكر اسم الله عليه، كما كان يستبيحه كفار قريش من أكل الميتات، وأكل ما ذبح
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.

٥٩٧
سُورَةُ الأَنْتَمَا (١٢٠، ١٢١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
على النصب وغيرها، ثم ندب إلى الأكل مما ذكر اسم الله عليه، فقال: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا
مِنَا ذُكِرَ أَسْمُ اللَِّ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَلَ لَّكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: قد بين لكم ما حرم عليكم ووضحه، قرأ
بعضهم فصّل بالتشديد، وقرأ آخرون بالتخفيف، والكل بمعنى البيان والوضوح، ﴿إِلَّ مَا آَضْطُرِرْتُمْ
إِلَيْهٌ﴾ أي: إلا في حال الاضطرار، فإنه يباح لكم ما وجدتم، ثم بيّن تعالى جهالة المشركين، في
آرائهم الفاسدة، من استحلالهم الميتات، وما ذكر عليه غير اسم الله تعالى، فقال: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً
لَيُضِلُونَ بِأَهْوَآِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍّ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِلْمُعْتَدِينَ﴾ أي: هو أعلم باعتدائهم وكذبهم وافترائهم.
- ﴿وَذَرُواْ ظَهِرَ آلْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ؟ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ آلْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَفْتَرِفُونَ
قال مجاهد: ﴿وَذَرُواْ ظَهِرَ آلْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ المعصية في السر والعلانية(١)، وفي رواية عنه، هو
ما ينوي مما هو عامل(٢).
وقال قتادة: ﴿وَذَرُواْ ◌َهِرَ آلْإِثْمِ وَبَاطِنَهٌُ﴾ أي: سره وعلانيته قليلهُ وكثيرهُ(٣).
وقال السدي: ظاهره الزنا مع البغايا ذوات الرايات، وباطنه الزنا مع الخليلة والصدائق
والأخدان (٤).
وقال عكرمة: ظاهره نكاح ذوات المحارم. والصحيح أن الآية عامة في ذلك كله، وهي كقوله
تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَنِيَ الْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَ وَمَا بَطَنَ﴾ الآية [الأعراف: ٣٣]، ولهذا قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ آلْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَفْتَرِفُونَ﴾ أي: سواء كان ظاهراً أو خفياً، فإن الله
سيجزيهم عليه .
قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن
صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن النواس بن سمعان قال: سألت
رسول الله وَل عن الإثم، فقال: ((الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع الناس عليه))(٥).
] ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ أَسْمُ اللَّهِ عَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقُ وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآِهِمْ
◌ِيُجَدِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمْرِكُونَ
استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب إلى أن الذبيحة لا تحل إذا لم يذكر اسم الله عليها، وإن
كان الذابح مسلماً، وقد اختلف الأئمة رحمهم الله في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
فمنهم من قال لا تحل هذه الذبيحة بهذه الصفة، وسواء متروك التسمية عمداً أو سهواً، وهو
مروي عن ابن عمر، ونافع مولاه، وعامر الشعبي، ومحمد بن سيرين، وهو رواية عن الإمام
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد.
(٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.
(٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي بنحوه.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن، وأخرجه مسلم من طريق عبد الرحمن بن مهدي به
(الصحيح، البر والصلة، باب تفسير البر والإثم ح٢٥٥٣).

٥٩٨
• سُورَةُ الْأَنْفَظُل (١٢١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
مالك، ورواية عن أحمد بن حنبل نصرها طائفة من أصحابه المتقدمين والمتأخرين، وهو اختيار
أبي ثور، وداود الظاهري، واختار ذلك أبو الفتوح محمد بن محمد بن علي الطائي، من متأخري
الشافعية، في كتابه ((الأربعين))، واحتجوا لمذهبهم هذا بهذه الآية، وبقوله في آية الصيد ﴿فَكُلُوا
◌ِّ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَأَذَّكُرُواْ أَسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤] ثم قد أكد في هذه الآية بقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْوٌ﴾
والضمير قيل عائد على الأكل، وقيل عائد على الذبح لغير الله، وبالأحاديث الواردة في الأمر
بالتسمية عند الذبيحة والصيد، كحديثي عَدي بن حاتم وأبي ثعلبة: ((إذا أرسلت كلبك المعلم
وذكرت اسم الله عليه فكل ما أمسك عليك)) وهما في الصحيحين(١)، وحديث رافع بن خديج:
((ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه)) وهو في الصحيحين أيضاً (٢)، وحديث ابن مسعود: أن
رسول الله يقول﴿ قال للجن: ((لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه)) رواه مسلم(٣)، وحديث جندب بن
سفيان البجلي قال: قال رسول الله وهلير: ((من ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى، ومن لم
يكن ذبح، حتى صلينا فليذبح باسم الله)) أخرجاه(٤)، وعن عائشة ﴿ّا: أن ناساً قالوا: يا رسول الله
إن قوماً يأتوننا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ قال: ((سموا عليه أنتم وكلوا)) قالت:
وكانوا حديثي عهد بالكفر رواه البخاري(٥).
ووجه الدلالة أنهم فهموا أن التسمية لا بد منها، وخشوا أن لا تكون وجدت من أولئك
لحداثة إسلامهم، فأمرهم بالاحتياط بالتسمية عند الأكل، لتكون كالعوض عن المتروكة عند الذبح
إن لم تكن وجدت، وأمرهم بإجراء أحكام المسلمين عن السداد، والله أعلم.
والمذهب الثاني في المسألة: أنه لا يشترط التسمية، بل هي مستحبة، فإن تركت عمداً أو
نسياناً لا يضرّ، وهذا مذهب الإمام الشافعي تَّثُ، وجميع أصحابه، ورواية عن الإمام أحمد بن
حنبل نقلت عنه. وهو رواية عن الإمام مالك، ونصّ على ذلك أشهب بن عبد العزيز من
أصحابه، وحُكي عن ابن عباس، وأبي هريرة، وعطاء بن أبي رباح، والله أعلم.
وحمل الشافعي الآية الكريمة ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ على ما ذبح
لغير الله، كقوله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ"﴾ [الأنعام: ١٤٥] وقال ابن جريج عن عطاء
﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اُسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ قال: ینھی عن ذبائح كانت تذبحها قریش للأوثان، وینھی
عن ذبائح المجوس(٦).
وهذا المسلك الذي طرقه الإمام الشافعي قوي، وقد حاول بعض المتأخرين أن يقويه بأن
جعل الواو في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسُقٌ﴾ حالية، أي: لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه في حال
(١) تقدم تخريجه من حديث عَدي وأبي ثعلبة في تفسير سورة المائدة آية ٤.
(٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة المائدة آية ٣.
(٣) صحيح مسلم، الصلاة، باب الجهر بالقراءة في الصبح (ح ٤٥٠).
(٤) صحيح البخاري، العيدين، باب كلام الإمام والناس في خطبة العيد (ح٩٨٥) وصحيح مسلم، الأضاحي:
باب وقت الأضاحي (ح١٩٦٠).
(٥) صحيح البخاري، البيوع، باب من لم يرَ الوساوس ... (ح ٢٠٥٧).
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق يحيى بن أبي زائدة عن ابن جريج به.

٥٩٩
سُورَةُ الْأَنْتَطَالِ (١٢١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
كونه فسقاً، ولا يكون فسقاً حتى يكون قد أهل به لغير الله. ثم ادعى أن هذا متعين ولا يجوز أن
تكون الواو عاطفة، لأنه يلزم منه عطف جملة اسمية خبرية على جملة فعلية طلبية وهذا ينتقض
عليه بقوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآَبِهِمْ﴾ فإنها عاطفة لا محالة، فإن كانت الواو التي
ادعى أنها حالية صحيحة على ما قال، امتنع عطف هذه عليها فإن عطفت على الطلبية ورد عليه
ما أورد على غيره، وإن لم تكن الواو حالية بطل ما قال من أصله، والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، أنبأنا جرير، عن عطاء، عن
سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في الآية ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ قال: هي
الميتة(١).
ثم رواه عن أبي زرعة، عن يحيى بن عبد الله بن بكير، عن ابن لهيعة، عن عطاء وهو ابن
السائب به(٢)، وقد استدل لهذا المذهب، بما رواه أبو داود في المراسيل: من حديث ثور بن
يزيد، عن الصلت السدوسي مولى سويد بن منجوف، أحد التابعين الذين ذكرهم أبو حاتم ابن
حبان في كتاب الثقات، قال: قال رسول الله وَّر: ((ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم الله أو لم
يذكر، إنه إن ذكر لم يذكر إلا اسم الله))(٣) وهذا مرسل، يعضد بما رواه الدارقطني عن ابن عباس
أنه قال: ((إذا ذبح المسلم ولم يذكر اسم الله فليأكل، فإن المسلم فيه اسم من أسماء الله)) (٤)
واحتج البيهقي أيضاً بحديث عائشة طيّ المتقدم، أن ناساً قالوا: يا رسول الله، إن قوماً حديثي
عهد بجاهلية، يأتوننا بلحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال: ((سمّوا أنتم وكلوا))(٥).
قال: فلو كان وجود التسمية شرطاً، لم يرخص لهم إلا مع تحققها، والله أعلم.
المذهب الثالث في المسألة: إن ترك البسملة على الذبيحة نسياناً لم يضرّ، وإن تركها عمداً لم
تجلّ، هذا هو المشهور من مذهب الإمام مالك وأحمد بن حنبل، وبه يقول أبو حنيفة وأصحابه،
وإسحاق بن راهويه وهو محكي عن علي، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس،
والحسن البصري، وأبي مالك، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وجعفر بن محمد، وربيعة بن أبي
عبد الرحمن، ونقل الإمام أبو الحسن المرغيناني، في كتابه ((الهداية)) الإجماع قبل الشافعي على
تحريم متروك التسمية عمداً، فلهذا قال أبو يوسف والمشايخ: لو حكم حاكم بجواز بيعه، لم
ينفذ لمخالفة الإجماع، وهذا الذي قاله غريب جداً، وقد تقدم نقل الخلاف عمّن قبل الشافعي،
والله أعلم.
وقال الإمام أبو جعفر بن جرير ◌َْتُهُ: من حرّم ذبيحة الناس فقد خرج من قول جميع الحُجّة،
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، ولكن بدون ذكر ابن عباس.
(٣) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (المراسيل ح ٣٧٨) وسنده ضعيف بسبب الإرسال وجهالة الصلت السدوسي
(ينظر نصب الراية ١٨٢/٤) ويشهد له قول ابن عباس التالي.
(٤) أخرجه الدارقطني (السنن ٢٩٥/٤) وصححه البيهقي موقوفاً (السنن الكبرى ٢٤٠/٩)، وكذا الحافظ ابن
حجر (التلخيص الحبير ١٥١/٤).
(٥) تقدم تخريجه قبل بضع روايات.

٦٠٠
• سُورَةُ الْأَنْقَوُل (١٢١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وخالف الخبر الثابت عن رسول الله س18 في ذلك(١)، يعني ما رواه الحافظ أبو بكر البيهقي، أنبأنا
أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا أبو أمية الطرسوسي، حدثنا محمد بن
يزيد، حدثنا معقل بن عبيد الله، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي وَّ،
قال: ((المسلم يكفيه اسمه إن نسي أن يسمي حين يذبح، فليذكر اسم الله وليأكله)) (٢) وهذا
الحديث رفعه خطأ، أخطأ فيه معقل بن عبيد الله الجزري، فإنه وإن كان من رجال مسلم، إلا أن
سعيد بن منصور، وعبد الله بن الزبير الحميدي، روياه عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن أبي
الشعثاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، من قوله فزادا في إسناده أبا الشعثاء ووقفاه، وهذا أصح،
نص عليه البيهقي(٣) وغيره من الحفاظ.
ثم نقل ابن جرير وغيره عن الشعبي، ومحمد بن سيرين، أنهما كرها متروك التسمية نسيانا،
والسلف يطلقون الكراهة على التحريم كثيراً، والله أعلم، إلا أن من قاعدة ابن جرير أنه لا يعتبر
قول الواحد ولا الاثنين مخالفاً لقول الجمهور، فيعده إجماعاً، فليُعلم هذا، والله الموفق.
قال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو أسامة، عن جَهِير بن يزيد، قال: سئل الحسن،
سأله رجل: أتيت بطير [كرّى](٤)، فمنه ما قد ذبح فذكر اسم الله عليه، ومنه ما نسي أن يذكر
اسم الله عليه، واختلط الطير، فقال الحسن: كُلْهُ كُله، قال: وسألت محمد بن سيرين فقال:
قال الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾(٥).
واحتج لهذا المذهب بالحديث المروي من طرق عند ابن ماجه عن ابن عباس، وأبي هريرة،
وأبي ذرّ، وعقبة بن عامر، وعبد الله بن عمرو، عن النبي وَّه: ((إن الله وضع عن أمتي الخطأ
والنسيان وما استكرهوا عليه))(٦) وفيه نظر، والله أعلم.
وقد روى الحافظ أبو أحمد بن عدي من حديث مروان بن سالم القرقساني، عن الأوزاعي،
عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي ◌َّ فقال: يا
رسول الله أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي، فقال النبي ◌َّر: ((اسم الله على كل مسلم))(٧)
(١) التفسير ٨٥/١٢.
(٢) أخرجه البيهقي بسنده ومتنه (السنن الكبرى ٢٣٩/٩) ورفعه خطأ كما قرر الحافظ ابن كثير، والصواب وقفه
كما سيأتي في الرواية التي تليه.
(٣) السنن الكبرى ٢٣٩/٩ - ٢٤٠.
(٤) كذا في النسخ الخطية والمثبت من تفسير الطبري (في النسختين المحققتين) قال الأستاذ أحمد شاكر في
تعليقه على تفسير الطبري: جمع الكروان وهو طائر بين الدجاجة والحمامة حسن الصوت يؤكل لحمه.
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن وكيع وهو سفيان فيه مقال.
(٦) أخرجه ابن ماجه من حديث ابن عباس (السنن، الطلاق، باب طلاق المكره والناسي ح ٢٠٤٥)، وأخرجه
الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١٩٨/٢)، وقال الحافظ ابن حجر: رجاله ثقات إلا أنه أُعلّ
بعلة غير قادحة (فتح الباري ١٦١/٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح١٦٦٤)، وأخرجه
ابن ماجه من حديث أبي هريرة وأبي ذرّ الغفاري (السنن ح ٢٠٤٣ و٢٠٤٤)، وصحح سندهما الألباني في
صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٦٦٢ و١٦٦٣).
(٧) الكامل في الضعفاء ٦/ ٣٨٥ وضعف سنده الحافظ ابن كثير.