النص المفهرس

صفحات 521-540

٥٢١
• سُورَةُ الأَنْقَط (٣،١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقول الحسن في رواية عنه: ﴿ثُمَّ قَضَىَ أَجَلَاً﴾ وهو ما بين أن يخلق إلى أن يموت ﴿وَأَجُلٌ مُسَمِّى
هو يرجع إلى ما تقدم، وهو تقدير الأجل الخاص،
عِندَهٍ﴾ وهو ما بين أن يموت إلى أن يبعث (١)،
وهو عمر كل إنسان وتقدير الأجل العام، وهو عمر الدنيا بكمالها، ثم انتهائها وانقضائها
وزوالها،! وانتقالها والمصير إلى الدار الآخرة، وعن ابن عباس ومجاهد، ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ يعني:
مدة الدنيا (٢)، ﴿وَأَجَلٌ مُسَتَّى عِندَهْ﴾ يعني: عمر الإنسان إلى حين موته، وكأنه مأخوذ من قوله تعالى
بعد هذا ﴿وَهُوَ اُلَّذِى يَتَوَقَّكُمْ بِلَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِلنََّارِ﴾ الآية [الأنعام: ٦٠].
وقال عطية، عن ابن عباس ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ يعني: النوم، يقبض فيه الروح، ثم يرجع إلى
صاحبه عند اليقظة، ﴿وَأَجَلٌّ مُسَنَّى عِندٌَ﴾ يعني: أجل موت الإنسان (٣)، وهذا قول غريب.
ومعنى قوله: ﴿عِندٌَ﴾ أي: لا يعلمه إلا هو، كقوله: ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَِّّ لَا يَلِّهَا لِوَقِهَا إِلَّا
[الأعراف: ١٨٧] وكقوله: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيََّنَ مُرُّسَهَا ﴿٨ فِيمَ أَنْتَ مِن ذِكْرَهَا ﴾ إِلَى رَبِّكَ
لَهَا (٢)﴾ [النازعات].
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ قال السدي وغيره: يعني: تشكون في أمر الساعة (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اَللَّهُ فِ السَّمَوَتِ وَفِ الْأَرْضِّ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَّكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ﴾﴾ اختلف
مفسرو هذه الآية على أقوال، بعد اتفاقهم على إنكار قول الجهمية الأول القائلين - تعالى عن
قولهم علواً كبيراً -، بأنه في كل مكان، حيث حملوا الآية على ذلك، فالأصح من الأقوال:
أنه المدعو الله في السموات وفي الأرض؛ أي: يعبده ويوحده ويقرّ له بالإلهية من في
السموات ومن في الأرض، ويسمونه الله ويدعونه رغباً ورهباً، إلا من كفر من الجن والإنس،
وهذه الآية على هذا القول، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى فِ السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِ الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف:
٨٤] أي: هو إله من في السماء، وإله من في الأرض، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ
وَجَهْرَكُمْ﴾ خبراً أو حالاً .
(والقول الثاني): أن المراد أنه الله الذي يعلم ما في السموات وما في الأرض، من سر
وجهر، فيكون قوله يعلم، متعلقاً بقوله: ﴿فِي السَّمَوَتِ وَفِ الْأَرْضِ﴾ تقديره، وهو الله يعلم سركم
وجهركم، في السموات وفي الأرض، ويعلم ما تكسبون.
(والقول الثالث): أن قوله: ﴿وَهُوَ اَللَّهُ فِي السَّمَوَتِ﴾ وقف تام، ثم استأنف الخبر، فقال: ﴿وَفِ
الْأَرْضِّ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَّكُمْ﴾ وهذا اختيار ابن جرير، وقوله: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ أي: جميع أعمالكم
خيرها وشرها .
(١) أخرجه الطبري من طريق أبي بكر الهذلي عن الحسن، وسنده ضعيف جداً بسبب أبي بكر الهذلي وهو
متروك (التقريب ص ٦٢٥)
(٢) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عنه.
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن عطية العوفي به.
(٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي نحوه.

٥٢٢
• سُورَةُ الْأَنْتَطُل (٤، ١١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
﴿وَمَا تَأْنِيِهِم مِّنْ ءَايَةٍ مِّنْ ءَايَتِ رَبِهِمْ إِلَّا كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ﴿﴿ فَقَدْ كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمّ
فَسَوْفَ يَأْتِهِمْ أَنْبُّأْ مَا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ ﴿ أَمْ يَرَوْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْدٍ مَّكَّنَّهُمْ فِى الْأَرْضِ مَا
لَّ ثُمَكِن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا اُلْأَنْهَرَ تَجْرِى مِن تَحْنِهِمْ فَأَهْلَكْتَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ
بَعْدِهِمْ قَرْنَاءَاخِرِينَ
يقول تعالى مخبراً عن المشركين المكذبين المعاندين، أنهم مهما أتتهم من آية أي دلالة
ومعجزة وحجة من الدلالات، على وحدانية الله وصدق رسله الكرام، فإنهم يعرضون عنها، فلا
ينظرون إليها ولا يبالون بها، قال الله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ لَمَّا جَهُمِّ فَسَوْفَ يَأْتِهِمْ أَنْبَوَأَ مَا كَانُواْ
بِهِ، يَسْتَهْزِيءُونَ ﴾﴾ وهذا تهديد لهم، ووعيد شديد على تكذيبهم بالحق، بأنه لا بدّ أن يأتيهم خبر
ما هم فيه من التكذيب، وليجدنّ غبه وليذوقنّ وباله، ثم قال تعالى واعظاً لهم ومحذراً لهم، أن
يصيبهم من العذاب والنكال الدنيوي ما حل بأشباههم ونظرائهم، من القرون السالفة الذين كانوا
أشد منهم قوة، وأكثر جمعاً وأكثر أموالاً وأولاداً واستغلالاً للأرض، وعمارة لها، فقال:
يَرَوّا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّهُمْ فِىِ الْأَرْضِ مَا لَمَ نُمَكِّنَ لَّكُمْ﴾ أي: من الأموال والأولاد
والأعمار، والجاه العريض والسعة والجنود، ولهذا قال: ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَةَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا﴾ أي: شيئاً
بعد شيء.
﴿وَجَعَلْنَا الْأَنْهَرَ تَجْرِى مِن تَحْنِهِمْ﴾ أي: أكثرنا عليهم أمطار السماء وينابيع الأرض؛ أي:
استدراجاً وإملاء لهم ﴿فَأَهْلَكْتَهُم بِذُنُوبِهِمْ﴾ أي: بخطاياهم، وسيئاتهم التي اجترحوها ﴿وَأَنْشَأْنَا مِنْ
بَعْدِهِمْ قَرْنًا ءَاخِرِينَ﴾ أي: فذهب الأولون كأمس الذاهب، وجعلناهم أحاديث، ﴿وَأَشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ
قَرْنًا ءَاخَرِينَ﴾ أي: جيلاً آخر لنختبرهم، فعملوا مثل أعمالهم، فأهلكوا كإهلاكهم، فاحذروا أيها
المخاطبون أن يصيبكم مثل ما أصابهم، فما أنتم بأعز على الله منهم، والرسول الذي كذبتموه
أكرم على الله من رسولهم، فأنتم أولى بالعذاب، ومعاجلة العقوبة منهم، لولا لطفه وإحسانه.
] ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِنَبًا فِى قِرْطَاسِ فَمَسُوهُ بِأَيْدِهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُِّيرٌ
وَقَالُواْ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِىَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ ﴿﴿ وَلَوْ جَعَلْنَهُ مَڪَّا أَّجَعَلْنَهُ رَجُلًا
وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمِ مَا يَلْبِسُونَ ﴿ وَلَقَدِ أَسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَا
كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ ﴿ قُلّ سِيرُوا فِ الْأَرْضِ ثُمَّ أَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ
يقول تعالى مخبراً عن المشركين وعنادهم ومكابرتهم للحق، ومباهتتهم ومنازعتهم فيه، ﴿وَلَوْ
نَّلْنَا عَلَيْكَ كِنَبًا فِى فِرْطَاِ فَلَسُوهُ بِأَيَدِهِمْ﴾ أي: عاينوه ورأوا نزوله، وباشروا ذلك، ﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ
إِنْ هَذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُِّيرٌ﴾ وهذا كما قال تعالى مخبراً عن مكابرتهم للمحسوسات ﴿وَلَوْ فَنَحْنَا عَلَيْهِم
بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونٌ ﴿ لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِرَتْ أَبْصَُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾﴾ [الحجر]
وكقوله تعالى: ﴿وَإِن يَرَوّْ كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُواْ سَحَابٌ مَرُّومُ ﴾﴾ [الطور] ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ
مَكٌ﴾ أي: ليكون معه نذيراً، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَّقُفِىَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ﴾ أي: لو
نزلت الملائكة على ما هم عليه، لجاءهم من الله العذاب، كما قال الله تعالى: ﴿مَا نُقِزِّلُ الْمَلَتَبِكَةَ

٥٢٣
• سُورَةُ الأَنْتُل (١٢، ١٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
(٨)﴾ [الحجر] وقوله: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَبِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَيِدٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾
إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذَا مُّنْظَرِينَ
الآية [الفرقان: ٢٢]. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَهُ مَلَكًّا لَّجَعَلْنَهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم ◌َا يَلْبِسُونَ
ج﴾ أي: ولو أنزلنا مع الرسول البشري ملكاً؛ أي: لو بعثنا إلى البشر رسولاً ملكياً، لكان
على هيئة الرجل ليمكنهم مخاطبته والانتفاع بالأخذ عنه، ولو كان كذلك لالتبس عليهم الأمر،
كما هم يلبسون على أنفسهم في قبول رسالة البشري، كقوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ فِ الْأَرْضِ
﴾ [الإسراء] فمن رحمته تعالى
مَكَبِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَيِنِينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمِ مِنَ السَّمَآِ مَلَكًا رَسُولًا
بخلقه، أنه يرسل إلى كل صنف من الخلائق رسلاً منهم، ليدعو بعضهم بعضاً، وليمكن بعضهم
أن ينتفع ببعض، في المخاطبة والسؤال، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيِهِمْ
رَسُولَا مِّنْ أَنْفُسِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِهِ، وَيُزَكِيِهِمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٦٤].
قال الضحاك، عن ابن عباس في الآية يقول: لو أتاهم ملك، ما أتاهم إلا في صورة رجل،
لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة من النور(١)، ﴿وَلَبَسْنَا عَلَيْهِم ◌َا يَلْبِسُونَ﴾ أي: ولخلطنا
عليهم ما يخلطون.
وقال الوالبي، عنه: ولشبهنا عليهم (٢).
وقوله: ﴿وَلَقَدِ أُسْنُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِأَلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْنَهْزِءُونَ
هذه تسلية للنبي ◌ّ في تكذيب من كذبه من قومه، ووعد له وللمؤمنين به بالنصرة والعاقبة
الحسنة، في الدنيا والآخرة، ثم قال تعالى: ﴿قُلّ سِيرُواْ فِ الْأَرْضِ ثُمَّ أَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَلِقِبَةُ
اُلْمُكَذِّبِينَ ﴾﴾ أي: فكروا في أنفسكم، وانظروا ما أحل الله بالقرون الماضية، الذين كذبوا
رسله، وعاندوهم، من العذاب والنكال والعقوبة في الدنيا، مع ما ادخر لهم من العذاب الأليم،
في الآخرة، وكيف نجى رسله وعباده المؤمنين.
ڪ ﴿قُل لِّمَنْ مَّا فِى السَّمَوَتِ وَاَلْأَرْضِ قُل لِلَّ كَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةُ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ اٌلْقِيَامَةِ
لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ وَلَهُ مَا سَكَنَ فِىِ الَِّلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ
السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَّخِذُ وَلِيَّا فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُْعِمُ وَلَا يُطْعَمّ قُلْ إِّ أُمِرْتُ أَنْ
أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَّمْ وَلَا تَكُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿ قُلّ إِنَّ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِىِ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَيِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ
يخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض ومن فيهما، وأنه قد كتب على نفسه المقدسة
الرحمة، كما ثبت في الصحيحين، من طريق الأعمش: عن أبي صالح، عن أبي هريرة د﴿ته،
قال: قال النبي وَّ: ((إن الله لما خلق الخلق، كتب كتاباً عنده فوق العرش، إن رحمتي تغلب
غضبي))(٣) .
(١) أخرجه الطبري من طريق الضحاك به، وسنده منقطع لأن الضحاك لم يسمع من ابن عباس.
(٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة الوالبي به.
(٣) صحيح البخاري، التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَيُعَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهٌ﴾ [آل عمران: ٢٨] (ح ٧٤٠٤)،
وصحيح مسلم، التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى (ح٢٧٥).

٥٢٤
• سُوَّةُ الْأَنْقَطُ (١٢، ١٦)
0000000000000000000000000000 000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0000000
وقوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيّبَ فِيهُ﴾ [النساء: ٨٧] هذه اللام هي الموطئة للقسم،
فأقسم بنفسه الكريمة، ليجمعن عباده ﴿ إِلَى مِيقَتِ يَوْمِ مَعْلُوم﴾ [الواقعة: ٥٠] وهو يوم القيامة الذي لا
ريب فيه؛ أي: لا شك فيه عند عباده المؤمنين، فأما الجاحدون المكذبون، فهم في ريبهم
يترددون.
وقال ابن مردويه عند تفسير هذه الآية: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا عبيد الله بن
أحمد بن عقبة، حدثنا عباس بن محمد، حدثنا حسين بن محمد، حدثنا محصن بن عقبة اليماني،
عن الزبير بن شبيب، عن عثمان بن حاضر، عن ابن عباس، قال: سئل رسول الله وَله عن
الوقوف بين يدي رب العالمين، هل فيه ماء؟ قال: ((والذي نفسي بيده إن فيه لماء، إن أولياء الله
ليردون حياض الأنبياء، ويبعث الله تعالى سبعين ألف ملك، في أيديهم عصي من نار، يذودون
الكفار عن حياض الأنبياء)) (١)، هذا حديث غريب.
وفي الترمذي: ((إن لكل نبي حوضاً، وأرجو أن أكون أكثرهم وارداً))(٢).
وقوله: ﴿اَلَّذِينَ خَسِرُوَاْ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: يوم القيامة ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: لا يصدقون
بالمعاد، ولا يخافون شر ذلك اليوم، ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِ اَلَيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي: كل دابة
في السموات والأرض الجميع عباده وخلقه، وتحت قهره وتصرفه وتدبيره، لا إله إلا هو، ﴿وَهُوَ
السَمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي: السميع لأقوال عباده، العليم بحركاتهم وضمائرهم وسرائرهم.
ثم قال تعالى لعبده ورسوله محمد يطير، الذي بعثه بالتوحيد العظيم وبالشرع القويم، وأمره أن
يدعو الناس إلى صراط الله المستقيم: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَِّ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ كقوله: ﴿قُلْ
أَفَغَيْرَ اَللَّهِ تَأْمُرُوَّنِّيِّ أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَهِلُونَ ﴾ [الزمر] والمعنى: لا أتخذ ولياً إلا الله وحده لا شريك
له، فإنه فاطر السموات والأرض؛ أي: خالقهما ومبدعهما، على غير مثال سبق ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا
يُعْمَةَ﴾ أي: وهو الرزاق لخلقه من غير احتياج إليهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ اَلِْنَّ وَالْإِنسَ
إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴿٨ مَّ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٨٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَنِينُ
٥٨)
[الذاريات]، وقرأ بعضهم ههنا ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يَطْعَمُ﴾(٣) أي: لا يأكل.
وفي حديث سهيل بن أبي صالح: عن أبيه، عن أبي هريرة ظُه، قال: دعا رجل من
الأنصار، من أهل قباء النبي وي طهر على طعام، فانطلقنا معه، فلما طعم النبي مقل﴾ وغسل يديه،
قال: ((الحمد لله الذي يطعم ولا يطعم، ومنّ علينا فهدانا وأطعمنا، وسقانا من الشراب، وكسانا
من العري، وكل بلاء حسن أبلانا الحمد لله غير مودع ربي ولا مكافأ ولا مكفور، ولا مستغنى
عنه، الحمد لله الذي أطعمنا من الطعام، وسقانا من الشراب، وكسانا من العري، وهدانا من
(١) حكم عليه الحافظ بأنه غريب.
(٢) أخرجه الترمذي من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن عن سمرة مرفوعاً ثم قال الترمذي: هذا
حديث غريب وقد روى الأشعث بن عبد الملك هذا الحديث عن الحسن عن النبي وتطور مرسلاً، ولم يذكر
فيه عن سمرة وهو أصح (السنن، صفة القيامة، باب ما جاء في صفة الحوض ح ٢٤٤٣)، وقال الألباني
بمجموع طرقه حسن صحيح، (السلسلة الصحيحة ح١٥٨٩).
(٣) وهي قراءة شاذة.
٠٫٠٠٤

٥٢٥
سُورَةُ الأَنْتُل (١٧، ٢١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الضلال، وبصرنا من العمى، وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلاً، الحمد لله رب العالمين))(١).
﴿قُلْ إِّ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلِّمْ﴾ أي: من هذه الأمة ﴿وَلَا تَكُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿﴿ قُلْ
يعني: يوم القيامة ﴿مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ﴾ أي: العذاب
إِنَّ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
﴿يَوْمَيِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ يعني: رحمه الله ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ كقوله: ﴿فَمَن زُحْرِجَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ
اُلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥] والفوز حصول الربح، ونفي الخسارة.
﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اَللَّهُ بِضُرٍ فَلَ كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوِّ وَإِن يَنْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
وَهُوَ اُلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ، وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَيْرُ ﴿ قُلْ أَىُّ شَوْءٍ أَكْبِرُ شَهَدَةٌ قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَأُوِْىَ
إِلَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأَنْذِرَكُمْ بِهِ، وَمَنْ بَغْ أَيِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَىْ قُل لَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهُ
وَحِدٌ وَإِنَنِى بَرِئَةٌ مِمَ تُشْرِكُونَ ﴿﴿ الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَعِْفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ
لَا يُؤْمِنُونَ ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مَِّنِ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بَِايَتِيَِّ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ
يقول تعالى مخبراً: أنه مالك الضر والنفع، وأنه المتصرف في خلقه بما يشاء، لا معقب
لحكمه، ولا راد لقضائه، ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اَللَّهُ بِضُرٍ فَلَ كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوٍّ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى
كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾﴾ كقوله تعالى: ﴿مَّا يَفْتَجِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكَ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ
مِنْ بَعْدِيٍ﴾ [فاطر: ٢].
وفي الصحيح: أن رسول الله ولو كان يقول: ((اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما
منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد))(٢). ولهذا قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ،﴾ أي: وهو
الذي خضعت له الرقاب، وذلت له الجبابرة، وعنت له الوجوه، وقهر كل شيء، ودانت له
الخلائق، وتواضعت لعظمة جلاله وكبريائه، وعظمته وعلوه، وقدرته على الأشياء، واستكانت
وتضاءلت بين يديه، وتحت قهره وحكمه، ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ أي: في جميع أفعاله ﴿الْخِيرُ﴾ بمواضع
الأشياء ومحالها، فلا يعطي إلا من يستحق، ولا يمنع إلا من يستحق.
ثم قال: ﴿قُلْ أَىُّ شَوْ أَكْبِرُ شَهَدَةٌ﴾ أي: من أعظم الأشياء شهادة ﴿قُلِ اللّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أي:
هو العالم بما جئتكم به، وما أنتم قائلون لي، ﴿وَأُوْحِىَ إِلَّ هَا الْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَّكُمْ بِهِ، وَمَنْ بَغَ﴾ أي: وهو
نذير لكل من بلغه، كقوله تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ، مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧].
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع وأبو أسامة، وأبو خالد، عن
موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب، في قوله: ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ من بلغه القرآن، فكأنما رأى
النبي *، زاد أبو خالد وكلمه(٣)، ورواه ابن جرير من طريق أبي معشر، عن محمد بن كعب،
(١) أخرجه النسائي في ((عمل اليوم والليلة)) من السنن الكبرى (ح١٠١٣٣)، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي
(المستدرك ٥٤٦/١).
(٢) صحيح البخاري، الأذان، باب الذكر بعد الصلاة (ح٨٤٤)، وصحيح مسلم، المساجد ومواضع الصلاة،
باب استحباب الذكر بعد الصلاة (ح ٥٩٣).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده موسى بن عبيدة وهو ضعيف، وقد تابعه أبو معشر في رواية
الطبري ومعناه صحيح.

٥٢٦
• سُورَةُ الأَنْتُل (٢٢، ٢٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال: من بلغه القرآن، فقد أبلغه محمد ◌َا﴾(١).
وقال عبد الرزاق: عن معمر عن قتادة، في قوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَّكُمْ بِهِ، وَمَنْ بَغَ﴾ إن رسول اللهِ وَّ
قال: ((بلغوا عن الله فمن بلغته آية من كتاب الله، فقد بلغه أمر الله))(٢).
وقال الربيع بن أنس: حق على من اتبع رسول الله *، أن يدعو كالذي دعا رسول الله وَله،
وأن ينذر بالذي أنذر(٣).
وقوله: ﴿أَيِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ﴾ أيها المشركون ﴿أَنَّ مَعَ الَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَّ قُل لَّ أَشْهَذُ﴾ كقوله: ﴿فَإِنِ
شَهِدُواْ فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠] ﴿قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَحِدٌ وَإِنَِّى بَرِئَةٌ مِمَ تُشْرِكُونَ﴾ ثم قال تعالى
مخبراً عن أهل الكتاب: أنهم يعرفون هذا الذي جئتهم به، كما يعرفون أبناءهم بما عندهم من
الأخبار والأنباء، عن المرسلين المتقدمين والأنبياء، فإن الرسل كلهم بشروا بوجود محمد وكل ور
ونعته وصفته، وبلده ومهاجره وصفة أمته، ولهذا قال بعده: ﴿اَلَّذِينَ خَسِرُوَأْ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي:
خسروا كل الخسارة ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ بهذا الأمر الجلي الظاهر الذي بشرت به الأنبياء ونوهت
به في قديم الزمان وحديثه ثم قال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اُفْتَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِيَتِهَّ﴾ أي: لا
أظلم ممن تقوّل على الله، فادعى أن الله أرسله، ولم يكن أرسله، ثم لا أظلم ممن كذب] (٤)
بآيات الله، وحججه وبراهينه ودلالاته، ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّلِمُونَ﴾ أي: لا يفلح هذا ولا هذا، لا
المفتري ولا المكذب.
- ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴿َ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ
فِتْنَدُّهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ وَاللَّهِ رَيِّنَا مَا كُنَا مُشْرِكِينَ ﴿َ أَنْظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ
٢٤٦
وَمِنْهُم ◌َن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِيَ ءَاذَانِمْ وَقْرَأْ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ مَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُواْ
حََّ إِذَا جَاءُوَ يُجَدِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلَّ أَسَطِيُ اَلْأَوَِّينَ (٢٥) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْفَوْنَ عَنّةٌ
يَ﴾
وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ
يقول تعالى مخبراً عن المشركين ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ يوم القيامة، فيسألهم عن الأصنام
والأنداد، التي كانوا يعبدونها من دونه، قائلاً لهم ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ كقوله تعالى في
سورة القصص ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَّكَآِىَ الَّذِينَ كُمْ تَزْعُمُونَ (٦٣)﴾ [القصص].
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَهُهُمْ﴾ أي: حجتهم وقال عطاء الخراساني عن ابن عباس أي
معذرتهم(٥)، وكذا قال قتادة (٦).
(١) أخرجه الطبري من طريق أبي معشر به، ومعناه صحيح.
(٢) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأنه مرسل.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع.
(٤) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (حم) و(مح) و(عش).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف عن عطاء به، وعطاء لم يسمع من ابن عباس.
(٦) أخرجه عبد بن حميد عن يونس عن شيبان عن قتادة (فتح الباري ٢٨٧/٨) وسنده صحيح.

٥٢٧
سُورَةُ الأَنْتَهُم (٢٢، ٢٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال ابن جريج، عن ابن عباس: أي: قيلهم(١) وكذا قال الضحاك(٢).
وقال عطاء الخراساني: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَهُهُمْ﴾ بليتهم حين ابتلوا(٣) ﴿إِلَّ أَنْ قَالُواْ وَالَِّ رَيْنَا مَا كُنََّ
مُشْرِكِينَ﴾ وقال ابن جرير: والصواب ثم لم يكن قيلهم عند فتنتنا إياهم، اعتذاراً عما سلف منهم
من الشرك بالله، ﴿إِلَّ أَنْ قَالُواْ وَاللَّهِ وَيْنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو يحيى الرازي، عن عمرو بن أبي
قيس، عن مطرف، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أتاه رجل فقال: يا
ابن عباس، سمعت الله يقول: ﴿وَلَّهِ رَيِّنَا مَا كُنَا مُشْرِكِينَ﴾ قال: أما قوله: ﴿وَلَِّ دَيْنَ مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾
فإنهم رأوا أنه لا يدخل الجنة، إلا أهل الصلاة، فقالوا: تعالوا فلنجحد فيجحدون، فيختم الله
على أفواههم وتشهد أيديهم وأرجلهم، ولا يكتمون الله حديثاً، فهل في قلبك الآن شيء؟ إنه
ليس من القرآن إلا ونزل فيه شيء ولكن لا تعلمون وجهه (٤).
وقال الضحاك، عن ابن عباس: هذه في المنافقين(٥)، وفيه نظر، فإن هذه الآية مكية،
والمنافقون إنما كانوا بالمدينة، والتي نزلت في المنافقين آية المجادلة ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَميعًا فَعْلِفُونَ
لَهُ﴾ الآية [المجادلة: ١٨]، وهكذا قال في حق هؤلاء ﴿أَنْظُرَ كَيْفَ كَذَبُواْ عَّ أَنْفُسِهِمّ وَضَلَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ
يَفْتَرُونَ (49)﴾ كما قال: [﴿ثُمَّ] (٦) قِلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُتُمْ تُشْرِكُونَ (٣) مِن دُونِ اللَّهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا بَل
لَّمْ نَكُن نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُ اللَّهُ الْكَفِرِينَ
(٧٤) ﴾ [غافر].
وقوله: ﴿وَمِنْهُم ◌َن يَسْتَمِعُ إلَيْكٌ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِ ءَاذَانِمْ وَفْرَأْ وَإِن يَرَوْاْ حِكُلَّ ءَايَةٍ لَّا
يُؤْمِنُوا بِنَ﴾ أي: يجيئون ليستمعوا قراءتك، ولا تجزي عنهم شيئاً لأن الله ﴿جعل على قلوبهم
أكنة﴾ أي: أغطية، لئلا يفقهوا القرآن ﴿وَفِيَ ءَذَانِهِمْ وَفْرَأَ﴾ أي: صمماً عن السماع النافع لهم، كما
قال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءُ وَنِدَّ هُمْ بَكْمُ عُمْىٌّ فَهُمْ لَا
يَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة]، وقوله: ﴿وَإِن يَرَوْأْ كُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُواْ بِهِأَ﴾ أي: مهما رأوا من الآيات
والدلالات والحجج البينات والبراهين، لا يؤمنوا بها فلا فهم عندهم ولا إنصاف، كقوله تعالى:
﴿وَلَوْ عَلِمَ اَللَّهُ فِهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمِّ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَهُم مُعْرِضُونَ
(يَ﴾ [الأنفال].
وقوله تعالى: ﴿حَّةٍ إِذَا جَاءُوَ يُجَدِلُونَكَ﴾ أي: يحاجوك ويناظرونك، في الحق بالباطل، ﴿يَقُولُ
الَّذِينَ كَفَرُوْاْ إِنْ هَذَا إِلَّ أَسَطِيُ اَلْأَوَّلِينَ﴾ أي: ما هذا الذي جئت به، إلا مأخوذاً من كتب الأوائل،
ومنقولاً عنهم، وقوله: ﴿وَهُمْ يَنْهَوَنَ عَنْهُ وَيَنَْوْنَ عَنَةٌ﴾ في معنى ينهون عنه قولان:
(أحدهما): أن المراد أنهم ينهون الناس عن اتباع الحق وتصديق الرسول والانقياد للقرآن،
(١) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس، وسنده منقطع لأن عطاء
الخراساني لم يسمع من ابن عباس.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عثمان بن عطاء عن أبيه، وعثمان ضعيف.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الضحاك به، وسنده ضعيف لأن الضحاك لم يسمع من ابن عباس.
(٦) زيادة من (مح) و(حم).

٥٢٨
• سُورَةُ الْأَنْدُل (٢٧، ٣٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
﴿وَيَنَْوْنَ عَنَّةٌ﴾ أي: ويبعدون هم عنه، فيجمعون بين الفعلين القبيحين، لا ينتفعون ولا يدعون
أحداً ينتفع.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ يردون الناس عن محمد بَّ، أن
يؤمنوا به (١) .
وقال محمد بن الحنفية: كان كفار قريش لا يأتون النبي ونَ ﴿ وينهون عنه(٢)، وكذا قال قتادة
ومجاهد والضحاك وغير واحد(٣)، وهذا القول أظهر، والله أعلم، وهو اختيار ابن جرير.
(والقول الثاني): رواه سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عمن سمع ابن عباس يقول
في قوله: ﴿وَهُمّ يَنْهَوَنَ عَنْهُ﴾ قال: نزلت في أبي طالب، كان ينهى الناس عن النبي وَّ أن
يؤذى(٤)، وكذا قال القاسم بن مخيمرة(6)، وحبيب بن أبي ثابت، وعطاء بن دينار، وغيره، أنها
نزلت في أبي طالب(٦).
وقال [سعيد بن أبي هلال](٧): نزلت في عمومة النبي و * وكانوا عشرة، فكانوا أشد الناس
معه في العلانية، وأشد الناس عليه في السر(٨)، رواه ابن أبي حاتم.
وقال محمد بن كعب القرظي: ﴿وَهُمْ يَنْهَوَنَ عَنْهُ﴾ أي: ينهون الناس عن قتله (٩).
وقوله: ﴿وَيَْوْنَ عَنْهُ﴾ أي: يتباعدون منه ﴿وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: وما يهلكون
بهذا الصنيع، ولا يعود وباله إلا عليهم، وهم لا يشعرون.
﴿وَلَوْ تَرَّ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَلَيْلَنَا نُرَةُ وَلَا تُكَذِّبَ بِثَايَتِ رَيِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الِْينَ ﴿ بَلْ بَدَا
﴿ وَقَالُواْ إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَانُنَ الدُّنْيَاَ
لَمُ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُوْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ
وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ
(﴿ وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِّقُواْ عَلَى رَبِهِمَّ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِأَلْحَقّ قَالُواْ بَ وَرَيِّنًا قَالَ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ
بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ
يذكر تعالى حال الكفار، إذا وقفوا يوم القيامة على النار، وشاهدوا ما فيها من السلاسل
والأغلال، ورأوا بأعينهم تلك الأمور العظام والأهوال، فعند ذلك، قالوا: ﴿يَيَِّنَا نُرَةُ وَلَا تُكَذِّبَ
(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم، وسنده مرسل.
(٣) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند
صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.
(٤) أخرجه الطبري من طريق الثوري به، وسنده ضعيف لإبهام شيخ حبيب، ويتقوى بالمراسيل التالية.
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن القاسم لكنه مرسل ويتقوى بالمرسل
التالي.
(٦) قول عطاء بن دينار أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي أيوب عنه، لكنه مرسل.
(٧) كذا في (مح) و(حم) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: ((سعيد بن جبير أبي هلال)).
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن لهيعة عن سعيد بن أبي هلال وفي سنده ابن لهيعة فيه مقال ولم يصرح
بالسماع، والرواية مرسلة.
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي معشر السندي عن محمد بن كعب وسنده ضعيف لضعف السندي
ويتقوى بالآثار السابقة.

٥٢٩
سُورَةُ الأَنْتَطُل (٣٢،٣١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
◌َِايَتِ رَبِّنَا وَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يتمنون أن يردوا إلى الدار الدنيا، ليعملوا عملاً صالحاً، ولا يكذبوا
بآيات ربهم، ويكونوا من المؤمنين، قال الله تعالى: ﴿بَلْ بَدَا لَهُ مَّا كَانُوْ يُخْفُونَ [مِن قَبْلٌ﴾ أي: بل
ظهر لهم حينئذٍ ما كانوا يخفون في](١) أنفسهم من الكفر والتكذيب والمعاندة، وإن أنكروها في
الدنيا أو في الآخرة، كما قال قبله بيسير ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُواْ وَاللَّهِ رَيْنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ
أَنْتُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ [الأنعام: ٢٣، ٢٤] ويحتمل أنهم ظهر لهم ما كانوا يعلمونه من أنفسهم،
من صدق ما جاءتهم به الرسل في الدنيا، وإن كانوا يظهرون لأتباعهم خلافه، كقوله مخبراً عن
موسى، أنه قال لفرعون ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَؤُلَاءٍ إِلََّّ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ بَصَابِرَ﴾ الآية [الإسراء:
١٠٢]، وقوله تعالى مخبراً عن فرعون وقومه ﴿وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَاَ أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَهُوَّمْ﴾ [النمل: ١٤].
ويحتمل أن يكون المراد بهؤلاء المنافقين، الذين كانوا يظهرون الإيمان للناس ويبطنون الكفر،
ويكون هذا إخباراً عما يكون يوم القيامة، من كلام طائفة من الكفار، ولا ينافي هذا كون هذه
السورة مكية، والنفاق إنما كان من بعض أهل المدينة ومن حولها من الأعراب، فقد ذكر الله
وقوع النفاق في سورة [مكية](٢)، وهي العنكبوت، فقال: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ
الْمُنَفِقِينَ ﴾﴾ [العنكبوت] وعلى هذا فيكون إخباراً عن قول المنافقين في الدار الآخرة، حين
يعاينون العذاب، فظهر لهم حينئذٍ غبُّ ما كانوا يبطنون من الكفر والنفاق والشقاق، والله أعلم.
وأما معنى الإضراب، في قوله: ﴿بَلْ بَدَا لَمُ مَّا كَانُوْ يُخْفُونَ مِن قَبْلَ﴾ فإنهم ما طلبوا العود إلى
الدنيا رغبة ومحبة في الإيمان، بل خوفاً من العذاب الذي عاينوه، جزاء على ما كانوا عليه من
الكفر، فسألوا الرجعة إلى الدنيا، ليتخلصوا مما شاهدوا من النار، ولهذا قال: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا
◌ُهُواْ عَنْهُ وَإِنَهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ أي: في طلبهم الرجعة، رغبة ومحبة في الإيمان، ثم قال مخبراً عنهم
أنهم لو ردوا إلى الدار الدنيا لعادوا لما نهوا عنه، من الكفر والمخالفة.
﴿وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ أي: في قولهم ﴿يَلَيْنَا نُرَةُ وَلَا تُكَذِّبَ بِثَايَتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَقَالُواْ إِنْ هِىَ
إِلَّا حَيَاتُنَا الذُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ﴾﴾ أي: لعادوا لما نهوا عنه، ولقالوا: ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاثْنَا الدُّنيا﴾
أي: ما هي إلا هذه الحياة الدنيا ثم لا معاد بعدها، ولهذا قال: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ثم قال: ﴿وَلَوْ
تَرَّ إِذْ وُقِّقُواْ عَلَى رَبِهِمَّ﴾ أي: أوقفوا بين يديه قال: ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾؟ أي: أليس هذا المعاد
بحق، وليس بباطل كما كنتم تظنون، ﴿قَالُواْ بَى وَرَيْنَا قَالَ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أي: بما
كنتم تكذبون به، فذوقوا اليوم مسه ﴿أَفَسِحْرُّ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا نُبْصِرُونَ ﴾﴾ [الطور].
] ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاءِ اَللَّهِ حَتََّ إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ يَحَسْرَلَّنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيَهَا
وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمَّ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ ﴿ وَمَا الْحَيَّوَةُ الدُّنْيَا إِلَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌّ وَلَذَّارُ الْآَخِرَةُ
خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ
يقول تعالى مخبراً عن خسارة من كذب بلقائه، وعن خيبته إذا جاءته الساعة بغتة، وعن ندامته
على ما فرط من العمل، وما أسلف من قبيح الفعل، ولهذا قال: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ
(١) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (حم) و(مح) و(عش).
(٢) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل بياض.

٥٣٠
سُورَةُ الأَنْتَطَا (٣٣، ٣٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
يَحَسْرَثَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ وهذا الضمير يحتمل عوده على الحياة، وعلى الأعمال وعلى الدار
الآخرة؛ أي: في أمرها، وقوله: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَآءَ مَا يَزِّرُونَ﴾ أي:
يحملون، وقال قتادة يعملون(١).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن [عمرو] (٢) بن
قيس، عن أبي مرزوق، قال: يستقبل الكافر أو الفاجر عند خروجه من قبره، كأقبح صورة رآها
وأنتنه ريحاً، فيقول من أنت؟ فيقول: أوَ مَا تعرفني، فيقول: لا والله، إلا أن الله قبّح وجهك،
وأنتَنَ ريحك، فيقول: أنا عملك الخبيث، هكذا كنت في الدنيا خبيث العمل منتنه، فطالما
ركبتني في الدنيا هلم أركبك، فهو قوله: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمَّ﴾ الآية(٣).
وقال أسباط، عن السدي أنه قال: ليس من رجل ظالم يدخل قبره، إلا جاءه رجل قبيح
الوجه، أسود اللون، منتن الريح، وعليه ثياب دنسة، حتى يدخل معه قبره، فإذا رآه قال: ما
أقبح وجهك؟ قال: كذلك كان عملك قبيحاً، قال: ما أنتن ريحك؟ قال: كذلك كان عملك
منتناً، قال: ما أدنس ثيابك؟ قال: فيقول: إن عملك كان دنساً، قال له: من أنت؟ قال:
عملك، قال: فيكون معه في قبره، فإذا بعث يوم القيامة قال له: إني كنت أحملك في الدنيا
باللذات والشهوات، وأنت اليوم تحملني، قال: فيركب على ظهره، فيسوقه حتى يدخله النار،
فذلك قوله: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمَّ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ﴾(٤).
وقوله: ﴿وَمَا الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌّ﴾ أي: إنما غالبها كذلك ﴿وَلَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ
يَتَّقُونَّ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ .
٣٣
- ﴿قَدْ نَعَلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِى يَقُولُونَّ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَِّلِينَ بِعَايَتِ الَّهِ يَجْحَدُونَ
وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِبُواْ وَأُوذُواْ حَقََّ أَنَهُمْ نَصْرَنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِ اللهِ وَلَقَدْ
وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعَرَاضُهُمْ فَإِنِ أُسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِىَ نَفَقًّا فِ الْأَرْضِ أَوْ
٣٤
جَكَ مِن نَّبَإِى الْمُرْسَلِينَ
إِنَّمَا
سُلَّمَا فِى السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُم بِثَابَّقْرٍ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىَّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ
يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْنَى يَبْعُهُمُ الَهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ
يقول تعالى مسلياً لنبيه وَ *، في تكذيب قومه له ومخالفتهم إياه ﴿قَدْ نَعَلَمُ إِنَّهُ لَيَحْرُنُكَ الَّذِى
يَقُولُونَ﴾ أي: قد أحطنا علماً بتكذيبهم لك، وحزنك وتأسفك عليهم، كقوله: ﴿فَلَ نَذْهَبْ نَفْسُكَ
عَلَيْهِمْ حَسَرٍَ﴾ [فاطر: ٨] كما قال تعالى في الآية الأخرى ﴿لَعَلَّكَ بَخُ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ
[الشعراء] ﴿فَلَعَلَّكَ بَخِعُ نَّفْسَكَ عَلَىَ ءَاثَِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَذَا اُلْحَدِيثِ أَسَفًا ﴾﴾ [الكهف] وقوله:
﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِبُونَكَ﴾ أي: لا يتهمونك بالكذب في نفس الأمر ﴿ وَلَكِنَّ الظَّلِينَ بِثَايَتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾
(١) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.
(٢) كذا في (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل صُحفت إلى: ((معمر)).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب الإعضال وضعف أبي مرزوق كما في ((التقريب))
وهو لم يدرك أحداً من الصحابة.
(٤) أخرجه الطبري من طريق أسباط عن السدي وسنده حسن لكنه مرسل.

٥٣١
سُورَةُ الْأَنْتَمَا (٣٣، ٣٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أي: ولكنهم يعاندون الحق، ويدفعونه بصدورهم، كما قال سفيان الثوري عن أبي إسحاق، عن
ناجية بن كعب، عن علي، قال: قال أبو جهل للنبي وَلفي9: إنا لا نكذبك، ولكن نكذب ما جئت
به، فأنزل الله: ﴿فَإِنَهُمْ لَا يُكَذِبُونَكَ وَلَكِنَّ الَّلِينَ بِثَايَتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ ورواه الحاكم من طريق
إسرائيل عن أبي إسحاق، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه(١) .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن الوزير الواسطي بمكة، حدثنا بشر بن المبشر الواسطي،
عن سلام بن مسكين، عن أبي يزيد المدني، أن النبي ◌َ ﴿ لقي أبا جهل فصافحه، فقال له رجل:
ألا أراك تصافح هذا الصابى؟ فقال: والله إني لأعلم إنه لنبي، ولكن متى كنا لبني عبد مناف
تبعاً؟ وتلا أبو يزيد ﴿فَإَِهُمْ لَا يُكَذِبُونَكَ وَلَكِنَّ الَّلِينَ بِثَايَتِ اَللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾(٢) .
وقال أبو صالح وقتادة: يعلمون أنك رسول الله ويجحدون(٣).
وذكر محمد بن إسحاق عن الزهري في قصة أبي جهل، حين جاء يستمع قراءة النبي ◌َّ من
الليل، هو وأبو سفيان صخر بن حرب، والأخنس بن شريق، ولا يشعر أحد منهم بالآخر،
فاستمعوها إلى الصباح، فلما هجم الصبح تفرقوا، فجمعتهم الطريق، فقال كل منهم للآخر: ما
جاء بك؟ فذكر له ما جاء به، ثم تعاهدوا أن لا يعودوا لما يخافون من علم شباب قريش بهم،
لئلا يفتتنوا بمجيئهم، فلما كانت الليلة الثانية جاء كل منهم، ظناً أن صاحبيه لا يجيئان، لما سبق
من العهود، فلما أصبحوا جمعتهم الطريق، فتلاوموا ثم تعاهدوا أن لا يعودوا، فلما كانت الليلة
الثالثة جاؤوا أيضاً، فلما أصبحوا تعاهدوا أن لا يعودوا لمثلها ثم تفرقوا، فلما أصبح الأخنس بن
شريق أخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان بن حرب في بيته، فقال: أخبرني يا أبا حنظلة
عن رأيك فيما سمعت من محمد، قال: يا أبا ثعلبة والله لقد سمعت أشياء أعرفها، وأعرف ما
يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها، قال الأخنس: وأنا والذي حلفت به،
ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل، فدخل عليه بيته، فقال: يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت
من محمد؟ قال: ماذا سمعت؟ قال: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا،
وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا
نبي يأتيه الوحي من السماء فمتى ندرك هذه؟ والله لا نؤمن به أبداً ولا نصدقه، قال: فقام عنه
الأخنس وتركه(٤).
وروى ابن جرير من طريق أسباط عن السدي في قوله: ﴿قَدْ نَعَلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِى يَقُولُونَّ فَإِنَّهُمْ لَا
(١٨)﴾ لما كان يوم بدر، قال الأخنس بن شريق لبني
يُكَذِبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِثَايَتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ
زهرة: يا بني زهرة إن محمداً ابن أختكم فأنتم أحق من ذب عن ابن أخته، فإنه إن كان نبياً لم
(١) وتعقبه الذهبي بأن ناجية لم يخرجا له شيئاً (المستدرك ٣١٥/٢)، ولا يضر لأن ناجية بن كعب: ثقة كما
في ((التقريب)) .
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده مرسل.
(٣) قول أبي صالح أخرجه الطبري بسند صحيح إلى أبي صالح لكنه مرسل لأن فيه: جاء جبريل إلى
النبي *... وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، وسنده صحيح.
(٤) سيرة ابن هشام (١/ ٢٠٧) وسنده مرسل، ويتقوى بلاحقه.

٥٣٢
• سُوَّةُ الأَنْقَطَل (٣٣، ٣٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
تقاتلوه اليوم، وإن كان كاذباً كنتم أحق من كف عن ابن أخته، قفوا حتى ألقى أبا الحكم، فإن
غُلب محمد رجعتم سالمين، وإن غَلب محمد، فإن قومكم لم يصنعوا بكم شيئاً - فيومئذٍ سمي
الأخنس وكان اسمه أُبيّ - فالتقى الأخنس وأبو جهل، فخلا الأخنس بأبي جهل فقال: يا أبا
الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب، فإنه ليس ها هنا من قريش غيري وغيرك يستمع
كلامنا؟ فقال أبو جهل: ويحك والله إن محمداً لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهبت
بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟ فذلك قوله: ﴿فَإِنَهُمْ لَا
يُكَذِبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّلِينَ بِثَايَتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ فَآيات الله محمد ◌ٍَّ(١).
وقوله: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حََّ أَنَنْهُمْ نَصْرَا﴾ هذه تسلية
للنبي ◌َّه وتعزية له، فيمن كذبه من قومه، وأمر له بالصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، ووعد
له بالنصر كما نصروا، وبالظفر حتى كانت لهم العاقبة، بعدما نالهم من التكذيب من قومهم
والأذى البليغ، ثم جاءهم النصر في الدنيا كما لهم النصر في الآخرة، ولهذا قال: ﴿وَلَا مُبَّدِّلَ
لِكَلِمَتِ اللَّهِ﴾ أي: التي كتبها بالنصر في الدنيا والآخرة لعباده المؤمنين، كما قال: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ
( ﴾ [الصافات] وقال تعالى:
وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَليُنَ
(٤٩) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ (®
كَلِمَنْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ
﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِيَ أَنَا وَرُسُلِىَّ إِنَّ اللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ (®﴾ [المجادلة].
وقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَِىْ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: من خبرهم، كيف نصروا وأيدوا على من كذبهم
من قومهم، فلك فيهم أسوة وبهم قدوة. ثم قال تعالى: ﴿وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعَرَاضُهُمْ﴾ أي: إن
كان شق عليك إعراضهم عنك ﴿فَإِنِ أُسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِىَ نَفَقًّا فِى الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمَا فِى السَّمَآءِ﴾ .
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: النفق السرب، فتذهب فيه فتأتيهم بآية، أو تجعل لك
سلماً في السماء، فتصعد فيه فتأتيهم بآية، أفضل مما آتيتهم به فافعل(٢).
وكذا قال قتادة والسدي وغيرهما(٣).
وقوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىَّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ اُلْجَهِلِينَ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ
لَمَنَ مَنْ فِ آلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ الآية [يونس: ٩٩].
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىَّ﴾ قال: إن
رسول الله 9 كان يحرص أن يؤمن جميع الناس، ويتابعوه على الهدى، فأخبره الله أنه لا يؤمن
إلا من قد سبق له من الله السعادة في الذكر الأول(٤).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ أي: إنما يستجيب لدعائك يا محمد من يسمع
الكلام ويعيه ويفهمه، كقوله: ﴿لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيَّا وَبَحِقَ الْقَوْلُ عَلَى الْكَفِرِينَ (٣)﴾ [يس].
(١) أخرجه الطبري بسند حسن لكنه مرسل ويتقوى بسابقه.
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.
(٣) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري
بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.

٥٣٣
سُورَةُ الأَنْتَعُل (٣٧، ٣٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقوله: ﴿وَالْمَوْقَى يَبْعُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ يعني: بذلك الكفار، لأنهم موتى القلوب،
فشبههم الله بأموات الأجساد، فقال: ﴿ وَاُلْمَوْنَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ وهذا من باب التهكم بهم
والازدراء عليهم.
﴿ ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا نُزْلَ عَلَيْهِ مَايَّةٌ مِّن رَّيِّدَّ قُلْ إِنَّ اللّهَ قَادِرُ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ ءَايَةً وَلَكِنَّ أَكْثَهُمْ لَا
يَعْلَمُونَ (٣) وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِ اَلْأَرْضِ وَلَا طَيْرٍ يَطِيُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّ أُمُّ أَمْثَلُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِ الْكِتَبِ مِن شَىْءٍ
وَلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِحَايَتِنَا صٌُّ وَبُكْمٌ فِ الظُّلُمَتِّ مَن يَشَلِ اللَّهُ يُضْلِلَهُ وَمَن يَشَأْ
ثُمَّ إِلَى رَبِهِمْ يُحْشَرُونَ
يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
يقول تعالى مخبراً عن المشركين، أنهم كانوا يقولون لولا نزل عليه آية من ربه، أي خارق
على مقتضى ما كانوا يريدون، ومما يتعنتون كما قالوا: ﴿لَن تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ اْأَرْضِ
يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] الآيات ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرُ عَلَىَّ أَنْ يُنَزِّلَ ءَايَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: هو
تعالى قادر على ذلك، ولكن حكمته تعالى تقتضي تأخير ذلك، لأنه لو أنزل وفق ما طلبوا ثم لم
يؤمنوا، لعاجلهم بالعقوبة كما فعل بالأمم السالفة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَن تُرْسِلَ بِلْآَيَتِ
إِلَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَءَانَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَ وَمَا نُرْسِلُ بِْآَيَتِ إِلَّا تَخْوِيفًا
109
[الإسراء] وقال تعالى: ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ التَّمَاءِ مَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَقُهُمْ لَمَا خَضِعِينَ ﴾﴾ [الشعراء].
وقوله: ﴿وَمَا مِنْ دَآبَّةٍ فِ اُلْأَرْضِ وَلَا طَيْرٍ يَطِيُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّ أُمَّمُّ أَمْثَالُكُمْ﴾ قال مجاهد: أي أصناف
مصنفة تُعرف بأسمائها(١).
وقال قتادة: الطير أُمة، والإنس أُمة، والجن أُمة(٢). وقال السدي: ﴿إِلَّ أُمُّ أَمْثَالُكُمْ﴾ أي:
خلق أمثالكم(٣).
وقوله: ﴿َّا فَرَّطْنَا فِ اَلْكِتَبِ مِن شَىْءٍ﴾ أي: الجميع علمهم عند الله، ولا ينسى واحداً من
جميعها من رزقه وتدبيرهٍ، سواء كان برياً أو بحرياً، كقوله: ﴿وَمَا مِن دَابَةٍ فِي الْأَرْضِ إلَّا عَلَى اللَّهِ
رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلِّ فِ كِتَبٍ مُّبِينٍ ﴾﴾ [هود] أي: مفصح بأسمائها وأعدادها
ومظانها، وحاصر لحركاتها وسكناتها، وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِّن دَابَةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا
وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾﴾ [العنكبوت].
وقد قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبيد بن واقد القيسي أبو عباد،
حدثني محمد بن عيسى بن كيسان، حدثنا محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: قلّ
الجراد في سنة من سني عمر ظه التي ولي فيها، فسأل عنه فلم يخبر بشيء، فاغتمّ لذلك،
فأرسل راكباً إلى كذا، وآخر إلى الشام، وآخر إلى العراق، يسأل هل رؤي من الجراد شيء أم
لا؟ قال: فأتاه الراكب الذي من قبل اليمن بقبضة من جراد، فألقاها بين يديه، فلما رآها كبر
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.

٥٣٤
سُؤَدَّةُ الأَنْتَقُل (٣٧، ٣٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ثلاثاً، ثم قال: سمعت رسول الله وسلم يقول: ((خلق الله ريك ألف أمة منها ستمائة في البحر
وأربعمائة في البر وأول شيء يهلك من هذه الأمم الجراد فإذا هلكت تتابعت مثل النظام إذا قطع
سلكه))(١).
وقوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو نعيم،
حدثنا سفيان، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ قال:
حشرها الموت(٢)، وكذا رواه ابن جرير من طريق إسرائيل، عن سعيد بن مسروق، عن عكرمة
عن ابن عباس، قال: موت البهائم حشرها، وكذا رواه العوفي عنه (٣)، قال ابن أبي حاتم:
وروي عن مجاهد والضحاك مثله (٤).
(والقول الثاني): إن حشرها هو يوم بعثها يوم القيامة، لقوله: ﴿وَإِذَا الْوُجُوشُ حُشِرَتْ
[التكوير] وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سليمان، عن منذر الثوري،
عن أشياخ لهم، عن أبي ذر، أن رسول الله وسل# رأى شاتين تنتطحان، فقال: ((يا أبا ذر هل تدري
فيم تنتطحان؟)) قال: لا، قال: ((لكن الله يدري وسيقضي بينهما)) (٥) ورواه عبد الرزاق، عن معمر،
عن الأعمش، عمن ذكره، عن أبي ذر، قال: بينا نحن عند رسول الله وَل*، إذ انتطحت عنزان،
فقال رسول الله وَل: ((أتدرون فيم انتطحتا؟)) قالوا: لا ندري، قال: «لكن الله يدري وسيقضي
بينهما)) رواه ابن جرير(٦)، ثم رواه من طريق منذر الثوري، عن أبي ذر، فذكره، وزاد: قال أبو ذر:
ولقد تركنا رسول الله وَيو وما يقلب طائر جناحيه في السماء، إلا ذكر لنا منه علماً.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه: حدثني عباس بن محمد، وأبو يحيى البزار، قالا:
حدثنا [حجاج بن نُصير](٧) حدثنا شعبة، عن العوام بن مُزاحم من بني قيس بن ثعلبة، عن أبي عثمان
النهدي، عن عثمان حظوته، أن رسول الله وَ ل﴿ قال: ((إن الجماء لتقتص من القرناء يوم القيامة))(٨).
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة،
في قوله: ﴿إِلَّ أُمُمُّ أَمْثَالُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِى الْكِتَبِ مِن شَِّ ثُمَّ إِلَى رَبِهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ قال: يحشر الخلق
كلهم يوم القيامة، البهائم والدواب والطير وكل شيء، فيبلغ من عدل الله يومئذٍ، أن يأخذ للجماء
من القرناء، ثم يقول كوني تراباً، فلذلك يقول الكافر ﴿يَلَنِيِ كُتُ تُرَبًا﴾(٩) [النبأ : ٤] وقد روي
هذا مرفوعاً في حديث الصور.
(١) ضعفه الحافظ ابن كثير (البداية والنهاية ٣٠/١)، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات (١٣/٣).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٣) أخرجه الطبري من الطريقين، وطريق عكرمة يقوي طريق العوفي.
(٤) ذكرهما ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وحسنه محققوه بالمتابعة (المسند ٣٤٥/٣٥ ح ٢١٤٣٨).
(٦) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وأخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به.
(٧) كذا في المسند، وفي الأصل: و(مح) و(حم) و(عش): حجاج بن نصر، وحجاج بن نصير مترجم في
(التقریب)) وهو ضعيف.
(٨) أخرجه عبد الله في زوائده على المسند بسنده ومتنه، وقال محققوه: حسن لغيره (المسند ٥٤٢/١ ح ٥٢٠).
(٩) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.

٥٣٥
• سُورَةُ الأَنْتَظُل (٤٠، ٤٥)
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا صُنُ وَبُكْمٌ فِ اُلُلُمَتِ﴾ أي: مثلهم في جهلهم، وقلة علمهم،
وعدم فهمهم. كمثل أصم، وهو الذي لا يسمع، أبكم وهو الذي لا يتكلم، وهو مع هذا في
ظلمات لا يبصر، فكيف يهتدي مثل هذا إلى الطريق، أو يخرج مما هو فيه، كقوله: ﴿مَثَلُهُمْ
كَمَثَلِ الَّذِى أَسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اَللَّهُ بِثُورِهِمْ وَتَكَّهُمْ فِ ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ ﴿ هُمْ
(١)﴾ [البقرة] وكما قال تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَتٍ فِى بَجْرٍ لُِّّ يَغْشَنُهُ مَوْجُ مِّن
بَكْم عُنْىٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ
فَوْقِهِ، مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ، سَحَابٌ ◌ُلُمَتُ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ بَدَهُ لَمْ يَكَّدّ بَرَهُ وَمَنْ لَّ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا
فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ ﴾﴾ [النور] ولهذا قال: ﴿مَن يَشَلِ اللَّهُ يُضْلِلَةٌ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
أي: هو المتصرف في خلقه بما يشاء.
﴿ بَلْ
- ﴿قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَنَّكُمْ عَذَابُ اَللَّهِ أَوَ أَتَنَّكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اَللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ
إِيَّاهُ تَّدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ ﴿﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّنِ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَهُم
فَلَوْلَا إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا
بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرّءِ لَعَلَّهُمْ بَضَّعُونَ ﴾
كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴿ فَلَمَّا نَسُوْ مَا ذُكِرُواْ بِهِ، فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ حَّىَ إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ
أَخَذْنَهُمْ يَغْتَةً فَإِذَا هُم تُبْلِسُونَ ﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلَِّ رَبِّ الْعَلَمِينَ
يخبر تعالى أنه الفعّال لما يريد، المتصرف في خلقه بما يشاء، وأنه لا معقب لحكمه، ولا يقدر
أحد على صرف حكمه عن خلقه، بل هو وحده لا شريك له، الذي إذا سئل يجيب لمن يشاء،
ولهذا قال: ﴿قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَنَّكُمْ عَذَابُ الَّهِ أَوْ أَتَنَّكُمُ السَّاعَةُ﴾ أي: أتاكم هذا أو هذا ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ
تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ أي: لا تدعون غيره لعلمكم أَنه لا يقدر أحد على رفع ذلك سواه، ولهذا
قال: ﴿إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ أي: في اتخاذكم آلهة معه ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ
وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ ﴾﴾ أي: في وقت الضرورة، لا تدعون أحداً سواه، وتذهب عنكم أصنامكم
وأندادكم، كقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْغُ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّ إِنَّهُ﴾ الآية [الإسراء: ٦٧].
وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّنِ قَبْلِكَ فَأَخَذْفَهُم بِالْبَأْسَلِ﴾ يعني: الفقر والضيق في العيش،
﴿وَالضَّرَِّ﴾ وهي الأمراض والأسقام والآلام، ﴿لَعَلَّهُمْ بَرَّعُونَ﴾ أي: يدعون الله ويتضرعون إليه
ويخشعون، قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ أي: فهلا إذ ابتليناهم بذلك،
تضرعوا إلينا وتمسكنوا لدينا، ولكن ﴿قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: ما رقت ولا خشعت ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ
الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي: من الشرك والمعاندة والمعاصي، ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ،﴾
أي: أعرضوا عنه وتناسوه، وجعلوه وراء ظهورهم، ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ ككُلِّ شَىْءٍ﴾ أي: فتحنا
عليهم أبواب الرزق من كل ما يختارون، وهذا استدراج منه تعالى وإملاء لهم، عياذاً بالله من
مكره، ولهذا قال: ﴿حَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُونُوا﴾ أي: من الأموال والأولاد والأرزاق، ﴿أَخَذْنَهُم
بَغْنَةً﴾ أي: على غفلة، ﴿فَإِذَا هُمْ تُبْلِسُونَ﴾ أي: آيسون من كل خير.
قال الوالبي عن ابن عباس: المبلس الآيس(١).
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة الوالبي به.

٥٣٦
• سُورَةُ الْأَنْعَظُل (٤٦، ٤٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال الحسن البصري: من وسع الله عليه فلم ير أنه يمكر به، فلا رأي له، ومن قتر عليه فلم
ير أنه ينظر له، فلا رأي له، ثم قرأ ﴿فَلَمَا نَسُواْ مَا ذُكِرُواْ بِهِ، فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبَوَبَ كُلِّ شَىْءٍ حَّة
إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ تُبْلِسُونَ (@)﴾ قال: مكر بالقوم ورب الكعبة، أعطوا حاجتهم
ثم أخذوا(١)، رواه ابن أبي حاتم.
وقال قتادة: بغت القوم أمر الله، وما أخذ الله قوماً قط، إلا عند سكرتهم وغرتهم ونعمتهم،
فلا تغتروا بالله، فإنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون(٢)، رواه ابن أبي حاتم أيضاً.
وقال مالك، عن الزهري: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ﴾ قال: رخاء الدنيا ويسرها.
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن غيلان، حدثنا رشدين - يعني: ابن سعد أبا الحجاج
المهري -، عن حرملة بن عمران التُجيبي، عن عقبة بن مسلم، عن عقبة بن عامر، عن النبي وَيقدر
قال: ((إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج)) ثم تلا
رسول الله وَ *: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِرُواْ بِهِ، فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ حَّىَ إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ
أَخَذْنَهُمْ بَغْنَةُ فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ ﴾﴾﴾(٣) ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث حرملة وابن
لهيعة، عن عقبة بن مسلم عن عقبة بن عامر به (٤).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا عراك بن خالد بن يزيد، حدثني أبي،
عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن عبادة بن الصامت، أن رسول الله وَ ي كان يقول: ((إذا أراد الله بقوم بقاء أو
نماء رزقهم القصد والعفاف، وإذا أراد الله بقوم اقتطاعاً، فتح لهم - أو فتح عليهم - باب خيانة) (٥).
﴿حَّ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُونُوا أَخَذْنَهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ تُبْلِسُونَ﴾ كما قال: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ اٌلْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ
وَاَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ◌ّ
6 ﴿قُلْ أَرَّيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اَللَّهُ سَمْعَّكُمْ وَأَبْصَرَّكُمْ وَخَمَ عَلَى قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَهُ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيَكُمْ بِهِ أَنْظُرْ
كَيْفَ نُصَرِفُ الْآَيَتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ﴿٨ قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَنَكُمْ عَذَابُ الَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةٌ هَلْ
يُهْلَكُ إِلَّ اُلْقَوْمُ الَّلِمُونَ ﴿ وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِينَ وَمُنذِرِينٌ فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ فَلَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
١٤٩
وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ
وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (@)
يقول الله تعالى لرسوله * قل لهؤلاء المكذبين المعاندين: ﴿أَرَّيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اَللَّهُ سَمْعَّكُمْ
وَأَبْصَرَّكُمْ﴾ أي: سلبكم إياها كما أعطاكموها. فإنه ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنشَأَكُمُ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأََْرَ
وَالْأَفْئِدَةٌ قَلِلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الملك: ٣٣]، ويحتمل أن يكون هذا عبارة عن منع الانتفاع بهما،
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق رجل مبهم عن الحسن البصري.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق شيبان بن عبد الرحمن عن قتادة.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٤٥/٣)، وفي سنده رشدين بن سعد وهو ضعيف، وقد توبع في
رواية الطبري فقد أخرجه عن أبي الصلت عن حرملة، وصححه الألباني كما يلي.
(٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق ابن لهيعة وابن حرملة وقد توبع ابن لهيعة كما في الرواية السابقة
في المسند وتفسير الطبري، وصححه الألباني (السلسلة الصحيحة ح ٤١٣).
(٥) سنده ضعيف للانقطاع بين ابن أبي عبلة وعبادة بن الصامت.

٥٣٧
• سُوَّةُ الأَنْتُم (٥٤،٥٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الانتفاع الشرعي، ولهذا قال: ﴿وَخَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ كما قال: ﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ﴾ [يونس:
٣١] وقال: ﴿وَأَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ اَلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤] وقوله: ﴿مَنْ إِلَهُ غَيْرُ اللَّهِ
يَأْتِيكُم بِهِ﴾ أي: هل أحد غير الله يقدر على ردّ ذلك إليكم، إذا سلبه الله منكم لا يقدر على ذلك
أحد سواه، ولهذا قال: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِفُ الْآَيَتِ﴾ أي: نبينها ونوضحها ونفسرها، دالة على
أنه لا إله إلا الله، وأن ما يعبدون من دونه باطل وضلال، ﴿ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ أي: ثم هم مع
هذا البيان، يعرضون عن الحق، ويصدّون الناس عن اتباعه.
قال العوفي، عن ابن عباس: يصدفون أي يعدلون (١).
وقال مجاهد وقتادة: يعرضون(٢).
وقال السدي: يصدّون(٣) وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَمَيْتَكُمْ إِنْ أَنَكُمْ عَذَابُ اَللَّهِ بَغْنَةً﴾ أي: وأنتم لا
تشعرون به، حتى بغتكم وفجأكم، ﴿أَوْ جَهْرَةً﴾ أي: ظاهراً عياناً، ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّ اٌلْقَوْمُ الَّالِمُونَ﴾
أي: إنما كان يحيط بالظالمين أنفسهم بالشرك بالله، وينجوا الذين كانوا يعبدون الله وحده لا
شريك له، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، كقوله: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْ إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَكَ
لَمُ الْأَمْنُّ وَهُمْ تُهْتَدُونَ (19)﴾ [الأنعام]، وقوله: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينٌ﴾ أي: مبشرين
عباد الله المؤمنين بالخيرات، ومنذرين من كفر بالله النقمات والعقوبات، ولهذا قال: ﴿فَمَنْ ءَامَنَ
وَأَصْلَحَ﴾ أي: فمن آمن قلبه بما جاؤوا به، وأصلح عمله باتباعه إياهم، ﴿فَلَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ﴾ أي:
بالنسبة لما يستقبلونه ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي: بالنسبة إلى ما فاتهم وتركوه وراء ظهورهم من أمر
الدنيا وصنيعها، الله وليهم فيما خلفوه، وحافظهم فيما تركوه، ثم قال: ﴿وَأَلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا
يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ﴾﴾ أي: ينالهم العذاب، بما كفروا بما جاءت به الرسل،
وخرجوا عن أوامر الله وطاعته، وارتكبوا [من](٤) محارمه ومناهيه وانتهاك حرماته.
] ﴿قُل لَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَآِنُ اللَّهِ وَلَّ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَآ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّ مَلَكٌ إِنْ أَتَمِعُ إِلَّا مَا
) وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُواْ إِلَى
يُوحَىّ إِلَّ قُلّ هَلْ يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَنَفَكَّرُونَ (@).
رَيِّهِمٌ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ، وَلِىٌّ وَلَا شَفِيْعُ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴿٨َ وَلَا تَطْرُرِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِّ
يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَمَا مِنْ حِسَائِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ
وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضِ لِيَقُولُواْ أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمِ مِنْ بَيْنِنَأُ أَلَيْسَ اَللَّهُ بِأَعْلَمَ
الَّالِمِينَ ﴾
وَإِذَا جَ اُلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِثَايَتِنَا فَقُلْ سَلَمُ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةٌ أَنَّهُ
بِالشَّكِرِينَ
مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَلَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (﴾﴾
.
يقول الله تعالى لرسوله وَله: ﴿قُل لَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَآئِنُ اللَّهِ﴾ أي: لست أملكها ولا
(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، ولم يخرجاه من
طريق العوفي.
(٢) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند
صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.
(٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٤) زيادة من (حم) و(مح).

٥٣٨
• سُورَةُ الأَنْتَطُل (٥٤،٥٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أتصرف فيها ﴿وَلَاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ أي: ولا أقول لكم: إني أعلم الغيب، إنما ذاك من علم الله ◌َ،
ولا أطلع منه إلا على ما أطلعني عليه، ﴿وَلَاَ أَقُولُ لَكُمْ إِّ مَلَكُ﴾ أي ولا أدعي أني ملك، إنما
أنا بشر من البشر، يوحى إليّ من الله ◌َ، شرفني بذلك وأنعم عليّ به، ولهذا قال: ﴿إِنَّ أَتَّبِعُ إِلَّا
مَا يُوحَىّ إِلَّ﴾ أي: لست أخرج عنه قيد شبر ولا أدنى منه.
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ أي: هل يستوي من اتبع الحق وهدي إليه، ومن ضلّ عنه
فلم ينقد له، ﴿أَفَلَا تَنَفَكَّرُونَ﴾ وهذه كقوله تعالى: ﴿أَفَّنْ يَعْلَمُ أَنَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن ◌َّيَّكَ الْخَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَ
إِنَّا يَنَذَكَّرُ أَوْلُواْ الْأَلْبَبِ
(٣٢)﴾ [الرعد] وقوله: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمٌ لَيْسَ لَهُم مِّن
دُونِهِ، وَلِىٌّ وَلَا شَفِيْعٌ﴾ أي: وأنذر بهذا القرآن يا محمد ﴿الَّيْنَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِهِم ◌ُشْفِقُونَ﴾
[المؤمنون: ٥٧] الذين ﴿وَخْشَوْنَ رَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوَءَ لَلِسَابٍ﴾ [الرعد: ٢١] ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُواْ إِلَى
رَبِّهِمْ﴾ أي: يوم القيامة ﴿لَيْسَ لَهُم﴾ أي: يومئذ ﴿مِّن دُونِهِ، وَلِيُّ وَلَا شَفِيْعٌ﴾ أي: لا قريب لهم
ولا شفيع فيهم، من عذابه إن أراده بهم، ﴿لَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ﴾ أي: أنذر هذا اليوم الذي لا حاكم فيه
إلا الله رَتْ، ﴿لَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ﴾ فيعملون في هذه الدار، عملاً ينجيهم الله به يوم القيامة من عذابه،
ويضاعف لهم به الجزيل من ثوابه.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَظْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ﴾ أي: لا تبعد هؤلاء
المتصفين بهذه الصفات عنك، بل اجعلهم جلساءك وأخصاءك كقوله: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ
يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَةٍ وَلَا تَعْدُ عَيْنَكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيّاً وَلَا تُطِعْ مَنْ
أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكِْنَا وَأَتَّبَعَ هَوَنَّهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرْطًا (﴾﴾ [الكهف] وقوله: ﴿يَدْعُونَ رَّهُم﴾ أي: يعبدونه
ويسألونه ﴿ بِلْغَدَوَةِ وَالْعَشِّ﴾.
قال سعيد بن المسيب ومجاهد والحسن وقتادة: المراد به الصلاة المكتوبة(١)، وهذا كقوله:
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ أَدْعُونِّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] أي: أتقبل منكم. وقوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ﴾ أي:
يبتغون بذلك العمل وجه الله الكريم، وهم مخلصون فيما هم فيه من العبادات والطاعات،
وقوله: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَمَا مِنْ حِسَائِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍ﴾ كما قال نوحِ لعلا في
[جواب)](٢) الذين قالوا: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَأَتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ قَالَ وَمَا عِلْمِى بِمَا كَانُوْ يَعْمَلُونَ (٣) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّ
﴾ [الشعراء] أي: إنما حسابهم على الله ، وليس عليّ من حسابهم من
عَلَى رَبِّ لَوْ تَشْعُرُونَ
شيء، كما أنه ليس عليهم من حسابي من شيء، وقوله: ﴿فَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ اُلَِّنَ﴾ أي: إن
فعلت هذا والحالة هذه.
قال الإمام أحمد: حدثنا أسباط - هو: ابن محمد -، حدثني أشعث، عن كردوس، عن ابن
مسعود: قال: مرّ الملأ من قريش على رسول الله وَ﴿ وعنده خباب وصهيب وبلال وعمار،
فقالوا: يا محمد، أرضيت بهؤلاء فنزل فيهم القرآن ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمٌ﴾
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وبسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن
ابن عباس.
(٢) كذا في (عش) و(مح)، وسقط من الأصل.

٥٣٩
سُورَةُ الأَنْتَط (٥٤،٥٠)
إلى قوله: ﴿أَلَيَّسَ اَللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّكِرِينَ﴾(١).
ورواه ابن جرير من طريق أشعث، عن كردوس، عن ابن مسعود، قال: مرّ الملأ من قريش
برسول الله ◌َ﴾، وعنده صهيب وبلال وعمار وخباب وغيرهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا
محمد رضيت بهؤلاء من قومك؟ أهؤلاء الذين مَنّ الله عليهم من بيننا؟ أنحن نصير تبعاً لهؤلاء؟
اطردهم فلعلك إن طردتهم أن نتبعك، فنزلت هذه الآية ﴿وَلَا تَظْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِّ
يُرِيدُونَ وَجْهَمٌ﴾ ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ... ﴾ إلى آخر الآية(٢).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطان، حدثنا عمرو بن محمد
العنقزي، حدثنا أسباط بن نصر، عن السدي، عن أبي سعيد الأزدي - وكان قاري الأزد - عن
أبي الكنود، عن خباب، في قول الله رَ: ﴿وَلَا تَطْرُرِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِ﴾ قال: جاء
الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاري، فوجدوا رسول الله وَّر، مع صهيب وبلال
وعمار وخباب قاعداً في ناس من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حول النبي ◌َّقر حقروهم في
نفر في أصحابه فأتوه فخلوا به وقالوا: إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلساً تعرف لنا به العرب
فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم
عنا، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت، قال: ((نعم))، قالوا: فاكتب لنا عليك كتاباً، قال:
فدعا بصحيفة ودعا علياً ليكتب ونحن قعود في ناحية، فنزل جبريل فقال: ﴿وَلَا تَظْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ
رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَةٍ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّنْ شَىْءٍ وَمَا مِنْ حِسَائِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍ
فَتَظِرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾﴾، فرمى رسول الله ◌َّ بالصحيفة من يده، ثم دعانا فأتيناه(٣)،
ورواه ابن جرير من حديث أسباط به (٤)، وهذا حديث غريب، فإن هذه الآية مكية، والأقرع بن
حابس وعيينة إنما أسلما بعد الهجرة بدهر.
وقال سفيان الثوري، عن المقدام بن شريح عن أبيه، قال: قال سعد: نزلت هذه الآية في ستة
من أصحاب النبي ( 98، منهم: ابن مسعود، قال: كنا نستبق إلى رسول الله وَّ﴿ وندنو منه، فقالت
قريش: تدني هؤلاء دوننا، فنزلت ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِّ﴾(٥).
رواه الحاكم في مستدركه من طريق سفيان، وقال: على شرط الشيخين، وأخرجه ابن حبان
في صحيحه من طريق المقدام بن شريح به (٦).
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ﴾ أي: ابتلينا واختبرنا وامتحنا بعضهم ببعض، ﴿لَيَقُولُواْ
أَهَتُلَاءٍ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمِ مِنْ بَيْنِناً﴾ وذلك أن رسول الله بَّر، كان غالب من اتبعه في أول بعثته
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وحسنه محققوه بالشواهد، (المسند ٧/ ٩٢ ح ٣٩٨٥).
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكمه كسابقه.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن، ولكن في متنه غرابة أشار إليها الحافظ ابن كثير.
(٤) أخرجه الطبري بسنده نحوه، وحكمه كسابقه.
(٥) أخرجه مسلم من طريق الثوري به (الصحيح، فضائل الصحابة، باب فضل سعد بن أبي وقاص
ح ٢٤١٣).
(٦) (المستدرك ٣١٩/٣)، والإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (ح ٦٥٧٣).

٥٤٠
• سُؤَدَّةُ الأَنْتُم (٥٤،٥٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ضعفاء الناس من الرجال والنساء والعبيد والإماء، ولم يتبعه من الأشراف إلا قليل، وكما قال
قوم نوح لنوح: ﴿وَمَا نَئِكَ أَتَبَّعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَافِلْنَا بَادِىَ الرَّأَيِ﴾ الآية [هود: ٢٧]، وكما
سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان حين سأله عن تلك المسائل، فقال له: فأشراف الناس يتبعونه
أم ضعفاؤهم؟ فقال: بل ضعفاؤهم، فقال: هم أتباع الرسل(١)، والغرض أن مشركي قريش كانوا
يسخرون بمن آمنٍ من ضعفائهم، ويعذبون من يقدرون عليه منهم، وكانوا يقولون: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَ
اللّهُ عَلَيْهِم مِّنْ بَيْنِناً﴾ أي: ما كان الله ليهدي هؤلاء إلى الخير، لو كان ما صاروا إليه خيراً
ويدعنا، كقولهم: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَاً إِلَيْهٍ﴾ [الأحقاف: ١١] وكقوله تعالى: ﴿وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ
ءَيَكُنَا بَيِّنَتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَىُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٣)﴾ [مريم] قال الله تعالى في
جواب ذلك ﴿وَلَّرَ أَهْلَكَنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْدٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَنَّا وَرِمْيَا (٣)﴾ [مريم] وقال في جوابهم حين
قالوا: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمِ مِنْ بَيْنِنَأُ أَلَيْسَ اَللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّكِرِينَ﴾ أي: أليس هو أعلم بالشاكرين
له، بأقوالهم وأفعالهم وضمائرهم، فيوفقهم ويهديهم سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات إلى
النور بإذنه، ويهديهم إلى صراط مستقيم، كما قال تعالى: ﴿وَلَّذِينَ جَهَدُواْ فِنَا لَنَهَدِيَنَّهُمْ سُبُلَأْ وَإِنَّ
اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾﴾ [العنكبوت] وفي الحديث الصحيح: ((إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى
ألوانكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)) (٢).
وقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، عن حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة في
قوله: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ﴾ الآية، قال: جاء عتبة بن ربيعة، وشيبة بن
ربيعة، ومطعم بن عدي، والحارث بن نوفل، وقرظة بن عبد عمرو بن نوفل في أشراف من بني
عبد مناف، من أهل الكفر، إلى أبي طالب، فقالوا: يا أبا طالب، لو أن ابن أخيك محمداً يطرد
عنه موالينا وحلفاءنا، فإنما هم عبيدنا وعتقاؤنا، كان أعظم في صدورنا، وأطوع له عندنا، وأدنى
لاتباعنا إياه، وتصديقنا له، قال: فأتى أبو طالب النبيّ ◌َ﴿ فحدثه بذلك، فقال عمر بن
الخطاب ربه: لو فعلت ذلك حتى تنظر ما الذي يريدون، وإلى ما يصيرون من قولهم،
فأنزل الله ◌َ: هذه الآية ﴿وَأَنذِرْ بِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِ، وَلِىٌّ وَلَا
شَفِيعٌ لَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴿ وَلَا تَطْرُكِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهٌ﴾ إلى قوله: ﴿أَلَيِّسَ اللهُ
بِأَعْلَمَ بِالشَّكِرِينَ﴾ قال: وكانوا بلالاً وعمار بن ياسر وسالماً مولى أبي حذيفة وصبيحاً مولى أسيد،
ومن الحلفاء ابن مسعود والمقداد بن عمرو، ومسعود بن القاري، وواقد بن عبد الله الحنظلي
وعمرو بن عبد عمرو، وذو الشمالين، [ومرثد بن أبي مرثد، وأبو مرثد الغنوي](٣) حليف حمزة بن
عبد المطلب، وأشباههم من الحلفاء، فنزلت في أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفاء،
﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوَأْ أَهَكُلَاءِ مَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنْ بَيْنِنَا﴾ الآية، فلما نزلت، أقبل
عمر ◌َُّه، فاعتذر من مقالته، فأنزل الله وَت: ﴿وَإِذَا جََكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِشَايَتِنَا﴾ الآية(٤).
(١) القصة وردت في بداية صحيح البخاري (ح٧) من حديث ابن عباس
(٢) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة (الصحيح، البر والصلة، باب تحريم ظلم المسلم وخذله ح٢٥٦٤).
(٣) كذا في (حم) وتفسير الطبري، وفي الأصل و(عش): يزيد بن أبي يزيد من غنيّ.
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل، وفيه أيضاً الحسين وهو ابن داود: ضعيف.