النص المفهرس

صفحات 501-520

٥٠١
سُورَةُ المَائِدَة (١٠٦، ١٠٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
بعوض قليل من الدنيا الفانية الزائلة ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبٌِ﴾ أي: ولو كان المشهود عليه قريباً لنا لا
نحابيه ﴿وَلَا تَكْتُمُ شَهَدَةَ اللَّهِ﴾ أضافها إلى الله تشريفاً لها وتعظيماً لأمرها، وقرأ بعضهم ﴿ولا
نكتم شهادةَ اللهِ﴾ مجروراً على القسم رواها ابن جرير، عن عامر الشعبي(١). وحكي عن بعضهم
أنه قرأها ﴿ولا نكتم شهادةَ اللهَ﴾ والقراءة الأولى هي المشهورة(٢) ﴿إِنَّا إِذَا لَّمِنَ الْأَثِمِينَ﴾ أي: إن
فعلنا شيئاً من ذلك من تحريف الشهادة أو تبديلها أو تغييرها أو كتمها بالكلية.
ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَ أَنَّهُمَا أُسْتَحَقّاً إِثْمًا﴾ أي: فإن اشتهر وظهر وتحقق من الشاهدين
الوصيين أنهما خانا أو غلًّا شيئاً من المال الموصى به إليهما، وظهر عليهما بذلك ﴿فَاخَرَانِ يَقُومَانِ
مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ أَسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَنِ﴾ هذه قراءة الجمهور ﴿أَسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَنِ﴾، وروي عن
علي وأبي والحسن البصري أنهم قرؤوها ﴿اُسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلِيَان﴾(٣).
وروى الحاكم في المستدرك من طريق إسحاق بن محمد الفروي، عن سليمان بن بلال، عن
جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب ظه أن النبي ◌َّ
قرأ ﴿مِنَ الَّذِينَ أَسْتَحَقَّ عَلَيهِمُ الْأَوْلَيَنِ﴾، ثم قال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه (٤). وقرأ
بعضهم ومنهم ابن عباس ﴿من الذين استحق عليهم الأولين﴾(٥). وقرأ الحسن ﴿من الذين
استحق عليهم الأولان﴾ حكاه ابن جرير(٦)، فعلى قراءة الجمهور يكون المعنى بذلك أي متى
تحقق ذلك بالخبر الصحيح على خيانتهما، فليقم اثنان من الورثة المستحقين للتركة، وليكونا من
أولى من يرث ذلك المال ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَدَنُنَآ أَحَقٌّ مِن شَهْدَتِهِمَا﴾ أي: لقولنا أنهما خانا،
أحق وأصح وأثبت من شهادتهما المتقدمة ﴿وَمَا أَعْتَدَيْنَآَ﴾ أي: فيما قلنا فيهما من الخيانة.
﴿إِنَّا إِذَّا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: إن كنا قد كذبنا عليهما، وهذا التحليف للورثة والرجوع إلى
قولهما والحالة هذه، كما يحلف أولياء المقتول إذا ظهر لوث في جانب القاتل، فيقسم
المستحقون على القاتل فيدفع برمته إليهم كما هو مقرر في باب القسامة من الأحكام.
وقد وردت السنة بمثل ما دلت عليه هذه الآية الكريمة، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي،
حدثنا الحسين بن زياد، حدثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن [أبي النضر](٧)، عن
باذان - يعني أبا صالح مولى أم هانئ بنت أبي طالب -، عن ابن عباس، عن تميم الداري في
هذه الآية ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ قال: برئ الناس منها غيري وغير
(١) وقد أخرجه الطبري من طريق أبي عبيد القاسم بن سلام وذكر تتمته الموضحة عن أبي عبيد فقال: ينوّن
شهادةً ويخفض [لفظ الجلالة] (الله) على الاتصال. اهـ. وهذه القراءة شاذة.
(٢) وهذا النص تتمة لما سبق من تفسير الطبري، ويقصد بالقراءة الأولى: القراءة التي نقرأ بها ((ولا نكتم
شهادة الله)) وما سواها شاذ. وقد رجح هذه القراءة المتواترة وقال لأنها القراءة المستفيضة ...
(٣) وهاتان قراءتان متواترتان ((بضم التاء وفتحها)).
(٤) أي بالرفع ((الأوليان)) ووافقه الذهبي (المستدرك ٢٣٧/٢).
(٥) وكلا القراءتين متواترة بالرفع ﴿الأوْلَيْنُ﴾ وبالنصب ﴿الأوْلَيْنَ﴾.
(٦) ذكره الطبري معلقاً والقراءة شاذة.
(٧) كذا في (مح) وتفسير ابن أبي حاتم وهو محمد بن السائب الكلبي كما قرر الحافظ ابن كثير وفي الأصل:
((النضر)).

٥٠٢
• سُورَةُ القَائِدَةِ (١٠٦، ١٠٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
عَدي بن بدّاء، وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام، فأتيا الشام لتجارتهما، وقدم
عليهما مولى لبني سهم يقال له بُديل بن أبي مريم بتجارة، معه جام من فضة يريد به الملك، وهو
أعظم تجارته، فمرض فأوصى إليهما وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله. قال تميم: فلما مات أخذنا
ذلك الجام فبعناه بألف درهم، واقتسمناه أنا وعدي، فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان
معنا، وفقدوا الجام، فسألونا عنه، قلنا: ما ترك غير هذا وما دفع إلينا غيره. قال تميم: فلما
أسلمت بعد قدوم رسول الله * المدينة، تأثمت من ذلك، فأتيت أهله، فأخبرتهم الخبر، ودفعت
إليهم خمسمائة درهم، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها، فوثبوا عليه، فأمرهم النبي أن يستحلفوه
بما يعظم به على أهل دينه، فحلف، فنزلت ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَيُقْسِمَانِ
بِاللَّهِ لَشَهَدَنْنَا أَحَقُّ مِن شَهَدَتِهِمَا﴾ فقام عمرو بن العاص ورجل آخر منهم، فحلفا، فنزعت
الخمسمائة من عَدي بن بدّاء(١).
وهكذا رواه أبو عيسى الترمذي وابن جرير، كلاهما عن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب
الحراني، عن محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق به، فذكره، وعنده: فأتوا به رسول الله وَله
فسألهم البينة، فلم يجدوا، فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه، فحلف، فأنزل الله
هذه الآية إلى قوله: ﴿أَوْ يَخَافُواْ أَنْ تُرَدَّ أَعٌَْ بَعْدَ أَيْمَنِهِمْ﴾ فقام عمرو بن العاص ورجل آخر فحلفا،
فنزعت الخمسمائة من عَدي بن بدّاء، ثم قال: هذا حديث غريب، وليس إسناده بصحيح، وأبو
النضر الذي روى عنه محمد بن إسحاق هذا الحديث، هو عندي محمد بن السائب الكلبي، يكنى
أبا النضر، وقد تركه أهل العلم بالحديث، وهو صاحب التفسير، سمعت محمد بن إسماعيل
يقول: محمد بن السائب الكلبي يكنى أبا النضر، ثم قال: ولا نعرف لأبي النضر رواية عن أبي
صالح مولى أم هانئ(٢)، وقد روي عن ابن عباس شيء من هذا على الاختصار من غير هذا
الوجه، حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا يحيى بن آدم، عن ابن أبي زائدة، عن محمد بن أبي
القاسم، عن عبد الملك بن سعيد بن جبير، عن أبيه، عن ابن عباس قال: خرج رجل من بني
سهم مع تميم الداري وعَدي بن بَدّاء، فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم، فلما قدما بتركته،
فقدوا جاماً من فضة مخوّصاً بالذهب، فأحلفهما رسول الله ومقر، ووجد الجام بمكة، فقيل:
اشتريناه من تميم وعَدي، فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما،
وأن الجام لصاحبهم، وفيهم نزلت ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآية، وكذا رواه أبو داود عن
الحسن بن علي، عن يحيى بن آدم به، ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وهو حديث
ابن أبي زائدة(٣)، وأحمد بن أبي القاسم الكوفي، قيل: إنه صالح الحديث.
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وسنده ضعيف كما قرر الترمذي. وأصل هذه القصة وردت في صحيح
البخاري كما سيأتي.
(٢) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وتعليقه. (السنن، تفسير القرآن، باب ومن سورة المائدة ح٣٠٥٩)، وأخرجه
البخاري عن علي بن عبد الله عن يحيى بن آدم عن ابن أبي زائدة به (الصحيح، الوصايا، باب قول الله دمك :
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ﴾ [المائدة: ١٠٦]).
(٣) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وتعليقه (المصدر السابق ح ٣٠٦٠)، وفي سنده سفيان بن وكيع: ضعيف وقد =

٥٠٣
سُورَةُ المَائِدَة (١٠٦، ١٠٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقد ذكر هذه القصة مرسلة غير واحد من التابعين منهم عكرمة ومحمد بن سيرين وقتادة،
وذكروا أن التحليف كان بعد صلاة العصر، رواه ابن جرير، وكذا ذكرها مرسلة مجاهد والحسن
والضحاك (١)، وهذا يدل على اشتهارها في السلف وصحتها، ومن الشواهد لصحة هذه القصة
أيضاً ما رواه أبو جعفر بن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا هشيم قال: أخبرنا زكريا، عن الشعبي
أن رجلاً من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقا هذه، قال: فحضرته الوفاة ولم يجد أحداً من
المسلمين يشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب، قال: فقدما الكوفة، فأتيا
الأشعري يعني أبا موسى الأشعري ته، فأخبراه، وقدما الكوفة بتركته ووصيته، فقال
الأشعري: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان على عهد رسول الله وَله، قال: فأحلفهما بعد العصر
بالله ما خانا، ولا كذبا، ولا بدلا، ولا كتما، ولا غيرا، وأنها لوصية الرجل وتركته. قال:
فأمضى شهادتهما .
ثم رواه عن عمرو بن علي الفلاس، عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة، عن مغيرة الأزرق،
عن الشعبي أن أبا موسى قضى بدقوقا، وهذان إسنادان صحيحان إلى الشعبي، عن أبي موسى
الأشعري(٢)، فقوله: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان على عهد رسول الله صل﴿ الظاهر - والله
أعلم - أنه إنما أراد بذلك قصة تميم وعدي بن بَدّاء، وقد ذكروا أن إسلام تميم بن أوس
الداري ظه، كان سنة تسع من الهجرة، فعلى هذا يكون هذا الحكم متأخراً يحتاج مدعي نسخه
إلى دليل فاصل في هذا المقام، والله أعلم.
وقال أسباط، عن السدي في الآية ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ
اَلْوَصِيَّةِ أَثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ قال: هذا في الوصية عند الموت، يوصي ويشهد رجلين من
المسلمين على ماله وما عليه، قال: هذا في الحضر ﴿أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ في السفر ﴿إِنْ أَنْتُمْ
ضَرَبْتُمْ فِىِ الْأَرَضِ فَأَصَبَتَّكُم مُصِيبَةُ الْمَوْنِ﴾ هذا الرجل يدركه الموت في سفره، ولیس بحضرته أحد
من المسلمين، فيدعو رجلين من اليهود والنصارى والمجوس، فيوصي إليهما ويدفع إليهما
ميراثه، فيقبلان به، فإن رضي أهل الميت الوصية وعرفوا ما لصاحبهم، تركوهما، وإن ارتابوا،
رفعوهما إلى السلطان، فذلك قوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَوَةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنْ أَرْتَبْتُمْ﴾ قال
عبد الله بن عباس ره: كأني أنظر إلى العلجين حتى انتهى بهما إلى أبي موسى الأشعري في
داره، ففتح الصحيفة، فأنكر أهل الميت وخوفوهما، فأراد أبو موسى أن يستحلفهما بعد العصر،
فقلت: إنهما لا يباليان صلاة العصر، ولكن استحلفهما بعد صلاتهما في دينهما، فيوقف الرجلان
بعد صلاتهما في دينهما فيحلفان بالله لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى، ولا نكتم شهادة الله إنا
إذاً لمن الآثمين، أن صاحبهم بهذا أوصى، وأن هذه لتركته، فيقول لهما الإمام قبل أن يحلفا:
= توبع فقد أخرجه البخاري عن علي بن عبد الله المديني، عن يحيى بن آدم به (الصحيح، كتاب الوصايا،
باب قول الله وَك: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ ... ﴾ [المائدة: ١٠٦] ح ٢٧٨٠)، وحسنه علي بن
المديني كما نقله المزي في (تهذيب الكمال ٣١٢/١٨)، ولم يقف الحافظ ابن كثير على رواية البخاري
لأنه حاول تخريجه من مصادر كثيرة وطرق غزيرة.
(١) وهذه المراسيل يقوي بعضها بعضاً.
(٢) أخرجه الطبري بطريقيه ومتنه وسنده صحيح لكنه مرسل ويتقوى بما سبق.

٥٠٤
• سُورَةُ المَائِدَةِ (١٠٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
إنكما إن كتمتما أو خنتما فضحتكما في قومكما، ولم تجز لكما شهادة وعاقبتكما، فإذا قال لهما
ذلك فإن ﴿ذَلِكَ أَدْفَ أَنْ يَأْتُواْ بِالشَّهَدَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ رواه ابن(١) جرير.
وقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا هشيم، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم
وسعيد بن جبير أنهما قالا في هذه الآية ﴿يَأَيُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآية، قالا: إذا حضر
الرجل الوفاة في سفر فليشهد رجلين من المسلمين، فإن لم يجد رجلين من المسلمين فرجلين من
أهل الكتاب، فإذا قدما بتركته فإن صدقهما الورثة قبل قولهما، وإن اتهموهما حلفا بعد صلاة
العصر بالله ما كتمنا ولا كذبنا ولا خنا ولا غيرنا(٢).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: فإن ارتيب في شهادتهما
استحلفا بعد العصر: بالله ما اشترينا بشهادتنا ثمناً قليلاً، فإن اطلع الأولياء على أن الكافرين كذبا
في شهادتهما قام رجلان من الأولياء فحلفا: بالله أن شهادة الكافرين باطلة وأنا لم نعتد، فذلك
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَ أَنَّهُمَا أُسْتَحَقًَّ إِثْمًا﴾ يقول: إن اطلع على أن الكافرين كذبا ﴿فَخَرَانِ
يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ يقول من الأولياء فحلفا بالله أن شهادة الكافرين باطلة، وأنا لم نعتد، فترد شهادة
الكافرين وتجوز شهادة الأولياء. وهكذا روى العوفي عن ابن عباس، رواهما ابن جرير (٣)،
وهكذا قرر هذا الحكم على مقتضى هذه الآية غير واحد من أئمة التابعين والسلف ية، وهو
مذهب الإمام أحمد رَّتُهُ .
وقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْفَ أَنْ يَأْتُواْ بِالشَّهَدَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ أي: شرعية هذا الحكم على هذا الوجه
المرضي من تحليف الشاهدين الذميين، واستريب بهما أقرب إلى إقامتهما الشهادة على الوجه
المرضي. وقوله: ﴿أَوْ يَخَافُواْ أَنْ تُرَدَّ أَعْمَوْ بَعْدَ أَيْمَنِهِمْ﴾ أي: يكون الحامل لهم على الإتيان بها على
وجهها هو تعظيم الحلف بالله ومراعاة جانبه وإجلاله، والخوف من الفضيحة بين الناس إن ردت
اليمين على الورثة، فيحلفون ويستحقون ما يدعون، ولهذا قال: ﴿أَوْ يَخَافُواْ أَنْ تُرَدَّ أَيٌَْ بَعْدَ
أَيْمَنِهِمْ﴾، ثم قال: ﴿وَأَتَّقُواْ اللّهَ﴾ أي: في جميع أموركم، ﴿وَأَسْمَعُواْ﴾ أي: وأطيعوا، ﴿وَلَّهُ لَا
يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ﴾ أي: الخارجين عن طاعته ومتابعة شرعه (٤).
﴿﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ اُلْغُيُوبِ
F
هذا إخبار عما يخاطب الله به المرسلين يوم القيامة عما أجيبوا به من أممهم الذين أرسلهم
إليهم، كما قال تعالى: ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ﴾﴾ [الأعراف]، وقال
تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿َ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (19)﴾ [الحجر]، وقول الرسل: ﴿لَا عِلْمَ
لَنَا﴾، قال مجاهد والحسن البصري والسدي: إنما قالوا ذلك من هول ذلك اليوم(٥).
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وسنده ضعيف للانقطاع بين السدي وابن عباس فإنه لم يسمع من ابن عباس
ويشهد لمعظمه سوابقه من الصحيح وغيره.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وسنده ضعيف ومرسل ويشهد له سابقه ولاحقه.
(٣) أخرجه الطبري من الطريقين بمتنه، ورواية ابن أبي طلحة تقوي رواية العوفي.
(٤) كذا في الأصل وفي (مح): شريعته.
(٥) قول مجاهد سيأتي في تفسير عبد الرزاق، وقول الحسن أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق شيخ مبهم =

سُورَةُ المَائِدَة
(١١٠، ١١١)
٥٠٥
قال عبد الرزاق، عن الثوري، عن الأعمش، عن مجاهد ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا
أُجِبْتٌُ﴾ فيفزعون فيقولون: ﴿لَا عِلَّمَ لَنَّآ﴾(١)، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا حكام، حدثنا عنبسة قال: سمعت شيخاً يقول:
سمعت الحسن يقول في قوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ الآية، قال: من هول ذلك اليوم(٢).
وقال أسباط، عن السدي: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الزُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُّ قَالُواْ لَا عِلْمَ لَنَا﴾ ذلك أنهم
نزلوا منزلاً ذهلت فيه العقول فلما سئلوا قالوا: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ ثم نزلوا منزلاً آخر، فشهدوا على
قومهم(٣)، رواه ابن جرير.
ثم قال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا الحجاج، عن ابن جريج قوله: ﴿يَوْمَ
يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِمْتُمْ﴾ أي: ماذا عملوا بعدكم وماذا أحدثوا بعدكم؟ قالوا: ﴿لَا عِلْمَ
لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ﴾(٤).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ اَللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجْتُمْ قَالُواْ لَا عِْمَ
لَنَّا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ (5)﴾ يقولون للرب : لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به منا (٥)، رواه
ابن جرير، ثم اختاره على هذه الأقوال الثلاثة، ولا شك أنه قول حسن، وهو من باب التأدب
مع الرب جل جلاله؛ أي: لا علم لنا بالنسبة إلى علمك المحيط بكل شيء، فنحن وإن كنا أجبنا
وعرفنا من أجابنا، ولكن منهم من كنا إنما نطلع على ظاهره لا علم لنا بباطنه، وأنت العليم بكل
شيء، المطلع على كل شيء، فعلمنا بالنسبة إلى علمك كلا علم، فإنك ﴿أَنْتَ عَلَّمُ اٌلْغُيُوبِ﴾ .
] ﴿إِذْ قَالَ اَللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ أَذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ وَعَلَى وَلِدَتِكَ إِذْ أَبَّدَتُكَ بِرُوجِ الْقُدُسِ
تُكِّمُ النَّاسَ فِ الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَبَ وَاَلِكْمَةَ وَالتَّوْرَةَ وَاَلْإِنِجِيلٌ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ
كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِ فَتَنْفُغُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِّ وَتُبِىُ الْأَكْمَةَ وَالْأَصَ بِإِذْنِىّ وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْقَ
بِإِذْنِّ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِىّ إِسْرَّهِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ
◌ُّبِينٌ ﴿ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِِّنَ أَنْ ءَامِنُواْ بِى وَبِرَسُولِى قَالُوا ءَامَنَا وَأَشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ
يذكر تعالى ما امتنّ به على عبده ورسوله عيسى ابن مريم ظلَّل مما أجراه على يديه من
المعجزات الباهرات وخوارق العادات، فقال: ﴿أَذْكُرْ نِعْمَتِ عَلَيْكَ﴾ أي: في خلقي إياك من
أم بلا ذكر، وجعلي إياك آية ودلالة قاطعة على كمال قدرتي على الأشياء، ﴿وَعَلَى وَالِدَتِكَ﴾ حيث
جعلتك لها برهاناً على براءتها مما نسبه الظالمون والجاهلون إليها من الفاحشة، ﴿إِذْ أَيَّدَتُكَ
بِرُوجِ الْقُدُسِ﴾ وهو جبريللعلّها، وجعلتك نبياً داعياً إلى الله في صغرك وكبرك، فأنطقتك في
= عن الحسن، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(١) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لابهام تلميذ الحسن.
(٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وسنده ضعيف لضعف الحسين وهو ابن داود.
(٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.

٥٠٦
سُورَةُ المَائِدَةِ (١١٠، ١١١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000000 000000
المهد صغيراً، فشهدت ببراءة أُمك من كل عيب، واعترفت لي بالعبودية، وأخبرت عن رسالتي
إياك ودعوتك إلى عبادتي، ولهذا قال: ﴿تُكِّمُ النَّاسَ فِ اَلْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ أي: تدعو إلى الله
الناس في صغرك وكبرك وضُمِّن (تكلم) تدعو، لأن كلامه الناس في كهولته ليس بأمر عجيب.
وقوله: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَبَ وَاَلِكْمَةَ﴾ أي: الخط والفهم ﴿وَالتَّوْرَةَ﴾ وهي المنزلة على
موسى بن عمران الكليم، وقد يرد لفظ التوراة في الحديث، ويراد به ما هو أعم من ذلك.
وقوله: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِ﴾ أي: تصوره وتشكله على هيئة الطائر بإذني
لك في ذلك، فتكون طيراً بإذني أي فتنفخ في تلك الصورة التي شكلتها بإذني لك في ذلك فتكون
طيراً ذا روح تطير بإذن الله وخلقه.
وقوله تعالى: ﴿وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَصَ بِإِذْنِ﴾ قد تقدم الكلام عليه في سورة آل عمران(١)
بما أغنى عن إعادته.
وقوله: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْقَ بِإِذْنِ﴾ أي: تدعوهم فيقومون من قبورهم بإذن الله وقدرته وإرادته
و مشيئته .
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا محمد بن طلحة - يعني
ابن مصرف -، عن أبي بشر، عن أبي الهذيل، قال: كان عيسى ابن مريم لعلّ إذا أراد أن يحيي
الموتى صلى ركعتين، يقرأ في الأولى ﴿تَبَرَكَ الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١]، وفي الثانية:
﴿الّ ا تَزِلُ﴾ [السجدة: ١، ٢]، فإذا فرغ منهما مدح الله وأثنى عليه، ثم دعا بسبعة أسماء: يا
قدیم، يا خفي، يا دائم، يا فرد، يا وتر، يا أحد، يا صمد، وكان إذا أصابته شديدة دعا بسبعة
أخر: يا حي، يا قيوم، يا الله، يا رحمن، يا ذا الجلال والإكرام، يا نور السموات والأرض وما
بينهما، ورب العرش العظيم، يا رب (٢).
وهذا أثر عجيب جداً.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِىّ إِسْرَّهِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَذَا
إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: واذكر نعمتي عليك في كفي إياهم عنك حين جئتهم بالبراهين والحجج
القاطعة على نبوتك ورسالتك من الله إليهم، فكذبوك واتهموك بأنك ساحر، وسعوا في قتلك
وصلبك فنجيتك منهم، ورفعتك إلي، وطهرتك من دنسهم، وكفيتك شرهم، وهذا يدل على أن
هذا الامتنان كان من الله إليه بعد رفعه إلى السماء الدنيا، أو يكون هذا الامتنان واقعاً يوم
القيامة، وعبر عنه بصيغة الماضي دلالة على وقوعه لا محالة، وهذا من أسرار الغيوب التي
أطلع الله عليها نبيه محمداً التى.
وقوله: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِعِنَ أَنْ ءَامِنُواْ بِ وَيِرَسُولِ﴾ وهذا أيضاً من الامتنان عليه، عليه
السلام، بأن جعل له أصحاباً وأنصاراً، ثم قيل: إن المراد بهذا الوحي وحي إلهام، كما قال
تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيَةِ﴾ الآية [القصص: ٧]، وهو وحي إلهام بلا خلاف، وكما
قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النََّلِ أَنِ اتَّخِذِى مِنَ لِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَا يَعْرِشُونَ ﴿٨ ثُمَّ كُلِ مِن كُلِّ
(١) الآية (٤٩).
(٢) هذه الرواية من الإسرائيليات الغريبة لأن نزول سورتي الملك والسجدة بعد حياة عيسى.

٥٠٧
سُورَةُ لَائِدَة (١١٢، ١١٥)
الثَّمَرَتِ فَأَسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾ الآية [النحل: ٦٨، ٦٩]، وهكذا قال بعض السلف في هذه الآية
﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّنَ أَنْ ءَامِنُواْ بِى وَبِرَسُولِى قَالُواْ ءَامَنَا وَأَشْهَدْ بِأَنَا مُسْلِمُونَ ﴾ أي: ألهموا
ذلك، فامتثلوا ما ألهموا.
قال الحسن البصري: ألهمهم الله رَق ذلك(١).
وقال السدي: قذف في قلوبهم ذلك(٢)، ويحتمل أن يكون المراد وإذ أوحيت إليهم بواسطتك
فدعوتهم إلى الإيمان بالله وبرسوله واستجابوا لك وانقادوا وتابعوك، فقالوا: آمَنَّا بِاللهِ وَأَشْهَدْ بِأَنَّنَا
مُسْلِمُونَ.
﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَابِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ قَالَ
أَتَّقُواْ اللَّهَ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ ﴿ قَالُواْ فُرِيدُ أَن ◌َّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَيِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ
عَلَيَّهَا مِنَ الشَِّهِدِينَ ﴿ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اٌلَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَآيِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا
وَءَاخِنَا وَءَايَةٌ مِّنْكٌ وَأَرْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الزَّزِقِينَ (١٩) قَالَ اللَّهُ إِ مُنَزِلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرَّ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِّ
أُعَذِّبُ عَذَابًا لَّ أُعَذِّبُهُ: أَحَدًا مِّنَ الْعَلَمِينَ
هذه قصة المائدة وإليها تنسب السورة، فيقال سورة المائدة، وهي مما امتنّ الله به على عبده
ورسوله عيسى لما أجاب دعاءه بنزولها، فأنزل الله آية باهرة وحجة قاطعة، وقد ذكر بعض الأئمة
أن قصتها ليست مذكورة في الإنجيل، ولا يعرفها النصارى إلا من المسلمين، فالله أعلم، فقوله
تعالى: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ وهم أتباع عيسى علَّا ﴿يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ هذه
قراءة كثيرين، وقرأ آخرون: ﴿هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ﴾ أي: هل تستطيع(٣) أن تسأل ربك ﴿أَنْ يُنَزِّلَ
عَلَيْنَا مَآَيِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ﴾ والمائدة هي الخوان عليه الطعام، وذكر بعضهم: أنهم إنما سألوا ذلك
لحاجتهم وفقرهم، فسألوه أن ينزل عليهم مائدة كل يوم يقتاتون منها ويتقوون بها على العبادة
﴿قَالَ أَتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم ◌ُؤْمِنِينَ﴾ أي: فأجابهم المسيح لعلا قائلاً لهم: اتقوا الله ولا تسألوا
هذا فعساه أن يكون فتنة لكم، وتوكلوا على الله في طلب الرزق إن كنتم مؤمنين، ﴿قَالُواْ نُرِيدُ أَن
تَأْكُلَ مِنْهَا﴾ أي: نحن محتاجون إلى الأكل منها، ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ إذا شاهدنا نزولها رزقاً لنا
من السماء، ﴿وَنَعْلَمَ أَن قَدّ صَدَقْتَنَا﴾ أي: ونزداد إيماناً بك وعلماً برسالتك ﴿وَنَكُونَ عَلَيَّهَا مِنَ
الشَّهِدِينَ﴾ أي: ونشهد أنها الآية من عند الله، ودلالة وحجة على نبوتك وصدق ما جئت به.
﴿قَالَ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ الَّهُوَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَآيِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَءَاخِنَا﴾ .
قال السدي: أي نتخذ ذلك اليوم الذي نزلت فيه عيداً نعظمه نحن ومن بعدنا (٤)، وقال سفيان
الثوري: يعني يوماً نصلي فيه(٥) .
(١) ذكره ابن أبي حاتم معلقاً.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٣) كلتا القراءتين متواترتان.
(٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح عن الثوري.

٥٠٨
سُورَّةُ الْمَائِدَةِ (١١٢، ١١٥)
00000000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
وقال قتادة: أرادوا أن يكون لعقبهم من بعدهم(١).
وعن سلمان الفارسي: عظة لنا ولمن بعدنا(٢). وقيل: كافية لأولنا وآخرنا ﴿وَءَايَةٌ مِّنٌ﴾ أي:
دليلاً تنصبه على قدرتك على الأشياء وعلى إجابتك لدعوتي، فيصدقوني فيما أبلغه عنك،
قَالَ اللَّهُ إِنِ مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ
﴿وَأَرْزُقْنَا﴾ أي: من عندك رزقاً هنيئاً بلا كلفة ولا تعب ﴿ وَأَنْتَ خَيْرُ الَّزِقِينَ
فَمَن يَكْفُرَّ بَعْدُ مِنكُمْ﴾ أي: فمن كذب بها من أمتك يا عيسى وعاندها، ﴿فَإِّ أُعَذِبُ عَذَابًا لََّ أُعَذِّبُ
أَحَدًا مِّنَ الْعَلَمِينَ﴾ أي: من عالمي زمانكم، كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ
اُلْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]، وقوله: ﴿إِنَّ الُْفِقِينَ فِى الذَّرّكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥].
وقد روى ابن جرير من طريق عوف الأعرابي، عن أبي المغيرة القواس، عن عبد الله بن عمرو
قال: إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة ثلاثة: المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة، وآل
فرعون(٣) .
ذكر أخبار رويت عن السلف في نزول المائدة على الحواريين
قال أبو جعفر بن جرير: حدثنا القاسم: حدثنا الحسين، حدثني حجاج، عن ليث، عن
عقيل، عن ابن عباس أنه كان يحدث عن عيسى أنه قال لبني إسرائيل: هل لكم أن تصوموا لله
ثلاثين يوماً، ثم تسألوه فيعطيكم ما سألتم، فإن أجر العامل على من عمل له، ففعلوا ثم قالوا:
يا معلم الخير، قلت لنا: إن أجر العامل على من عمل له، وأمرتنا أن نصوم ثلاثين يوماً ففعلنا،
ولم نكن نعمل لأحد ثلاثين يوماً إلا أطعمنا حين نفرغ طعاماً، فهل يستطيع ربك أن ينزل علينا
قَالُواْ فُرِيدُ أَنْ تَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَظْمَيِنَّ
١١٣)
مائدة من السماء؟ قال عيسى: ﴿أَثَّقُواْ اللَّهَ إِن كُنتُم ◌ُؤْمِنِينَ (®
﴿ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اْلَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَآيِدَةً
قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيَّهَا مِنَ الشَِّهِدِينَ
مِنَ السَّمَآِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَِّنَا وَءَاخِنَا وَءَايَّةً مِنْكٌ وَأَرْزُقْنَا وَأَنْتَ خَّرُ الزَّزِقِينَ (٣٩) قَالَ اَللَّهُ إِنِ مُنَزِّلُهَا
عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنَّ أُعَذِيُ عَذَابًا لََّ أُعَذِّبُ، أَحَدًا مِنَ الْعَلَمِينَ (١٥)﴾ قال: فأقبلت الملائكة
تطير بمائدة من السماء عليها سبعة أحوات، وسبعة أرغفة حتى وضعتها بين أيديهم، فأكل منها
آخر الناس كما أكل منها أولهم(٤)، كذا رواه ابن جرير، ورواه ابن أبي حاتم عن يونس بن
عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب قال: كان ابن عباس
یحدث، فذكر نحوه(٥).
وقال ابن أبي حاتم أيضاً: حدثنا سعد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا أبو زرعة وهبة الله بن
راشد، حدثنا عقيل بن خالد أن ابن شهاب أخبره عن ابن عباس أن عيسى ابن مريم قالوا له:
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند فيه إبراهيم بن عمر الصنعاني ذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه (الجرح ١١٤/٢).
(٣) أخرجه الطبري من طرق ثلاث عن عوف به، وسنده حسن.
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده الحسين وحجاج وكلاهما فيهما مقال، وكلاهما توبع كما سيأتي في
رواية ابن أبي حاتم فيكون السند حسناً لغيره، والرواية من الإسرائيليات المسكوت عنها.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده بنحوه، وسنده صحيح.

٥٠٩
• سُورَةُ المَائِدَة (١١٢، ١١٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ادع الله أن ينزل علينا مائدة من السماء، قال: فنزلت الملائكة بالمائدة يحملونها، عليها سبعة
أحوات، وسبعة أرغفة، حتى وضعتها بين أيديهم، فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أولهم(١).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن قزعة الباهلي، حدثنا سفيان بن حبيب،
حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن خلاس، عن عمار بن ياسر، عن النبي وَّ قال:
نزلت المائدة من السماء عليها خبز ولحم، وأمروا أن لا يخونوا ولا يرفعوا لغد، فخانوا
وادخروا ورفعوا، فمسخوا قردة وخنازير (٢)، وكذا رواه ابن جرير عن الحسن بن قزعة، ثم رواه
ابن جرير عن ابن بشار، عن ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن خلاس، عن عمار قال:
نزلت المائدة وعليها ثمر من ثمار الجنة، فأمروا أن لا يخونوا ولا يخبأوا ولا يدخروا، قال:
فخان القوم وخبأوا وادخروا، فمسخهم الله قردة وخنازير(٣).
وقال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود، عن سماك بن حرب،
عن رجل من بني عجل، قال: صليت إلى جانب عمار بن ياسر، فلما فرغ قال: هل تدري كيف
كان شأن مائدة بني إسرائيل؟ قال: قلت: لا. قال: إنهم سألوا عيسى ابن مريم مائدة يكون
عليها طعام يأكلون منه لا ينفد، قال: فقيل لهم: فإنها مقيمة لكم ما لم تخبأوا أو تخونوا أو
ترفعوا، فإن فعلتم فإني معذبكم عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين. قال: فما مضى يومهم حتى
خبأوا ورفعوا وخانوا، فعذبوا عذاباً لم يعذبه أحد من العالمين. وإنكم يا معشر العرب كنتم
تتبعون أذناب الإبل والشاء، فبعث الله فيكم رسولاً من أنفسكم تعرفون حسبه ونسبه، وأخبركم
أنكم ستظهرون على العجم، ونهاكم أن تكنزوا الذهب والفضة، وايم الله لا يذهب الليل والنهار
حتى تكنزوهما ويعذبكم الله عذاباً أليماً (٤).
وقال: حدثنا القاسم، حدثنا حسين، حدثني حجاج، عن أبي معشر، عن إسحاق بن عبد الله
أن المائدة، نزلت على عيسى ابن مريم، عليها سبعة أرغفة، وسبعة أحوات، يأكلون منها ما
شاؤوا. قال: فسرق بعضهم منها وقال؛ لعلها لا تنزل غداً، فرفعت(٥).
وقال العوفي، عن ابن عباس: نزل على عيسى ابن مريم والحواريين خوان عليه خبز وسمك،
يأكلون منه أينما نزلوا إذا شاؤوا (٦).
وقال خصيف، عن عكرمة ومقسم، عن ابن عباس: كانت المائدة سمكة وأرغفة(٧).
وقال مجاهد: هو طعام كان ينزل عليهم حيث نزلوا(٨).
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن والرواية من الإسرائيليات كسابقتها.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لعدم تصريح قتادة بالسماع، لأنه مدلس من الطبقة الثالثة
الذين لا تقبل روايتهم إلا إذا صرحوا بالسماع. والرواية من الإسرائيليات.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وعلته كسابقه.
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإبهام شيخ سماك، والرواية من الإسرائيليات.
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده الحسين وهو ابن داود: ضعيف ويتقوى برواية ابن عباس السابقة.
(٦) أخرجه الطبري من طريق العوفي به، وسنده ضعيف ويتقوى كسابقه.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق يونس بن راشد عن خصيف به، وسنده حسن.
(٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.

٥١٠
سُورَةُ الْمَائِدَة (١١٢، ١١٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال أبو عبد الرحمن السلمي: نزلت المائدة خبزاً وسمكاً(١).
وقال عطية العوفي: المائدة سمك فيه طعم كل شيء (٢).
وقال وهب بن منبه: أنزلها الله من السماء على بني إسرائيل، فكان ينزل عليهم في كل يوم في
تلك المائدة من ثمار الجنة، فأكلوا ما شاؤوا من ضروب شتى، فكان يقعد عليها أربعة آلاف،
وإذا أكلوا أنزل الله مكان ذلك لمثلهم، فلبثوا على ذلك ما شاء الله ربك(٣). وقال وهب بن منبه:
نزل عليهم قرصة من شعير وأحوات، وحشا الله بين أضعافهن البركة، فكان قوم يأكلون ثم
يخرجون، ثم يجيء آخرون فيأكلون ثم يخرجون، حتى أكل جميعهم وأفضلوا (٤).
وقال الأعمش، عن مسلم، عن سعيد بن جبير: أنزل عليها كل شيء إلا اللحم(٥).
وقال سفيان الثوري، عن عطاء بن السائب، عن زاذان، وميسرة، وجرير، عن عطاء، عن
ميسرة، قال: كانت المائدة إذا وضعت لبني إسرائيل اختلفت عليها الأيدي بكل طعام إلا
اللحم (٦) وعن عكرمة: كان خبز المائدة من الأرز، رواه ابن أبي حاتم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا جعفر بن علي فيما كتب إلي، حدثنا إسماعيل بن أبي أويس،
حدثني أبو عبد الله عبد القدوس بن إبراهيم بن أبي عبيد الله بن مرداس العبدري مولى بني
عبد الدار، عن إبراهيم بن عمر، عن وهب بن منبه، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان الخير،
أنه قال: لما سأل الحواريون عيسى ابن مريم المائدة، كره ذلك جداً، فقال: اقنعوا بما
رزقكم الله في الأرض، ولا تسألوا المائدة من السماء، فإنها إن نزلت عليكم كانت آية من
ربكم، وإنما هلكت ثمود حين سألوا نبيهم آية فابتلوا بها حتى كان بوارهم فيها، فأبوا إلا أن
يأتيهم بها، فلذلك ﴿قَالُواْ نُرِيدُ أَن تَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَيِنَّ قُلُوبُنَا﴾ الآية، فلما رأى عيسى أن قد أبوا
إلا أن يدعو لهم بها، قام فألقى عنه الصوف، ولبس الشعر الأسود، وجبة من شعر، وعباءة من
شعر، ثم توضأ واغتسل، ودخل مصلاه فصلى ما شاء الله، فلما قضى صلاته، قام قائماً مستقبل
القبلة، وصفّ قدميه حتى استويا، فألصق الكعب بالكعب وحاذى الأصابع، ووضع يده اليمنى
على اليسرى فوق صدره، وغضّ بصره، وطأطأ رأسه خشوعاً، ثم أرسل عينيه بالبكاء، فما زالت
دموعه تسيل على خديه وتقطر من أطراف لحيته حتى ابتلّت الأرض حيال وجهه من خشوعه،
فلما رأى ذلك دعا الله فقال: ﴿اَلَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَآَيِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ فأنزل الله عليهم سفرة
حمراء بين غمامتين: غمامة فوقها، وغمامة تحتها، وهم ينظرون إليها في الهواء منقضّة من فلك
السماء تهوي إليهم، وعيسى يبكي خوفاً من أجل الشروط التي أخذها الله عليهم فيها، أنه يعذب
من يكفر بها منهم بعد نزولها عذاباً لم يعذبه أحداً من العالمين، وهو يدعو الله في مكانه ويقول:
اللهم اجعلها رحمة لهم، ولا تجعلها عذاباً، إلهي كم من عجيبة سألتك فأعطيتني، إلهي اجعلنا
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي إسحاق السبيعي عن أبي عبد الرحمن السلمي.
(٢) أخرجه الطبري من طريقين يقوي أحدهما الآخر عن عطية.
(٣) (٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم، ووهب مشهور بروايته للإسرائيليات.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق قيس بن الربيع عن الأعمش به، وسنده حسن.
(٦) أخرجه الطبري من الطريقين ويقوي أحدهما الآخر.

٥١١
سُورَةُ القَائِدَة (١١٢، ١١٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
لك شاكرين، اللهم إني أعوذ بك أن تكون أنزلتها غضباً ورجزاً، إلهي اجعلها سلامة وعافية،
ولا تجعلها فتنة ومثلة. فما زال يدعو حتى استقرت السفرة بين يدي عيسى والحواريين وأصحابه
حوله يجدون رائحة طيبة لم يجدوا فيما مضى رائحة مثلها قط، وخرّ عيسى والحواريون لله سجداً
شكراً له لما رزقهم من حيث لم يحتسبوا، وأراهم فيه آية عظيمة ذات عجب وعبرة، وأقبلت
اليهود ينظرون، فرأوا أمراً عجيباً أورثهم كمداً وغماً، ثم انصرفوا بغيظ شديد، وأقبل عيسى
والحواريون وأصحابه حتى جلسوا حول السفرة، فإذا عليها منديل مغطى فقال عيسى: من أجرؤنا
على كشف المنديل عن هذه السفرة، وأوثقنا بنفسه وأحسننا بلاء عند ربه. فليكشف عن هذه
الآية حتى نراها، ونحمد ربنا، ونذكر باسمه، ونأكل من رزقه الذي رزقنا؟ فقال الحواريون: يا
روح الله وكلمته، أنت أولانا بذلك، وأحقنا بالكشف عنها، فقام عيسى لفظلها واستأنف وضوءاً
جديداً، ثم دخل مصلاه، فصلى كذلك ركعات، ثم بكى بكاء طويلاً، ودعا الله أن يأذن له في
الكشف عنها، ويجعل له ولقومه فيها بركة ورزقاً، ثم انصرف وجلس إلى السفرة وتناول
المنديل، وقال: بسم الله خير الرازقين، وكشف عن السفرة، فإذا هو عليها بسمكة ضخمة
مشوية، ليس عليها بواسير، ليس في جوفها شوك، يسيل السمن منها سيلاً، قد نُضّدَ بها بقول من
كل صنف غير الكراث، وعند رأسها خل، وعند ذنبها ملح، وحول البقول خمسة أرغفة، على
واحد منها زيتون، وعلى الآخر تمرات، وعلى الآخر خمس رمانات، فقال شمعون رأس
الحواريين لعيسى: يا روح الله وكلمته، أمن طعام الدنيا هذا، أم من طعام الجنة؟ فقال عيسى:
أما آن لكم أن تعتبروا بما ترون من الآيات وتنتهوا عن تنقير المسائل؟ ما أخوفني عليكم أن
تعاقبوا في سبب نزول هذه الآية؟ فقال له شمعون: لا وإله إسرائيل ما أردت بها سؤالاً يا ابن
الصديقة، فقال عيسى عليّ: ليس شيء مما ترون من طعام الدنيا ولا من طعام الجنة، إنما هو
شيء ابتدعه الله في الهواء بالقدرة الغالبة القاهرة، فقال له: كن فكان أسرع من طرفة عين، فكلوا
مما سألتم باسم الله واحمدوا علیه ربكم، یمدکم منه ویزدکم، فإنه بدیع قادر شاکر، فقالوا : يا
روح الله وكلمته، إنا نحب أن يرينا الله آية في هذه الآية، فقال عيسى: سبحان الله أما اكتفيتم
بما رأيتم من هذه الآية حتى تسألوا فيها آية أخرى؟ ثم أقبل عيسى ظلَّلها على السمكة، فقال: يا
سمكة عودي بإذن الله حية كما كنت، فأحياها الله بقدرته، فاضطربت وعادت بإذن الله حية طرية،
تلمظ كما يتلمظ الأسد، تدور عيناها، لها بصيص، وعادت عليها بواسيرها، ففزع القوم منها
وانحازوا، فلما رأى عيسى منهم ذلك قال: ما لكم تسألون الآية فإذا أراكموها ربكم كرهتموها؟
ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا بما تصنعون، يا سمكة عودي بإذن الله كما كنت، فعادت بإذن الله
مشوية كما كانت في خلقها الأول، فقالوا: يا عيسى كن أنت يا روح الله الذي تبدأ بالأكل منها
ثم نحن بعد، فقال عيسى: معاذ الله من ذلك، يبدأ بالأكل من طلبها، فلما رأى الحواريون
وأصحابه امتناع عيسى منها، خافوا أن يكون نزولها سخطة وفي أكلها مثلة، فتحاموها، فلما رأى
ذلك عيسى منهم دعا لها الفقراء والزمنى(١) وقال: كلوا من رزق ربكم ودعوة نبيكم، واحمدوا الله
(١) أي: المرضى.

٥١٢
سُورَةُ القَائِدَة (١١٢، ١١٥)
الذي أنزلها لكم فيكون مهنؤها لكم وعقوبتها على غيركم، وافتتحوا أكلكم باسم الله واختموه
بحمد الله، ففعلوا فأكل منها ألف وثلاثمائة إنسان بين رجل وامرأة، يصدرون عنها كل واحد
منهم شبعان يتجشأ، ونظر عيسى والحواريون فإذا ما عليها كهيئته إذ نزلت من السماء لم ينقص
منها شيء، ثم إنها رفعت إلى السماء وهم ينظرون، فاستغنى كل فقير أكل منها، وبرئ كل زمن
أكل منها، فلم يزالوا أغنياء أصحاء حتى خرجوا من الدنيا، وندم الحواريون وأصحابهم الذين
أبوا أن يأكلوا منها ندامة سالت منها أشفارهم، وبقيت حسرتها في قلوبهم إلى يوم الممات،
قال: وكانت المائدة إذا نزلت بعد ذلك أقبل بنو إسرائيل إليها يسعون من كل مكان يزاحم بعضهم
بعضاً، الأغنياء والفقراء، والصغار والكبار، والأصحاء والمرضى، يركب بعضهم بعضاً، فلما
رأى ذلك جعلها نوباً بينهم تنزل يوماً ولا تنزل يوماً، فلبثوا على ذلك أربعين يوماً تنزل عليهم غباً
عند ارتفاع الضحىَ، فلا تزال موضوعة يؤكل منها حتى إذا قاموا، ارتفعت عنهم إلى جو السماء
بإذن الله، وهم ينظرون إلى ظلها في الأرض حتى تتوارى عنهم. قال: فأوحى الله إلى نبيه
عيسى عليه: أن اجعل رزقي في المائدة للفقراء واليتامى، والزمنى دون الأغنياء من الناس،
وغمطوا ذلك حتى شكّوا فيها في أنفسهم، وشككوا فيها الناس، وأذاعوا في أمرها القبيح
والمنكر، وأدرك الشيطان منهم حاجته وقذف وسواسه في قلوب الربانيين حتى قالوا لعيسى:
أخبرنا عن المائدة ونزولها من السماء أحق، فإنه قد ارتاب بها منا بشر كثير؟ فقال عيسى ظلَّلام:
هلكتم وإله المسيح، طلبتم المائدة إلى نبيكم أن يطلبها لكم إلى ربكم، فلما أن فعل وأنزلها
عليكم رحمة لكم ورزقاً، وأراكم فيها الآيات والعبر، كذبتم بها، وشككتم فيها، فأبشروا
بالعذاب فإنه نازل بكم إلا أن يرحمكم الله، فأوحى الله إلى عيسى: إني آخذ المكذبين بشرطي
فإني معذب منهم من كفر بالمائدة بعد نزولها عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين. قال: فلما أمسى
المرتابون بها وأخذوا مضاجعهم في أحسن صورة مع نسائهم آمنين، فلما كان في آخر الليل،
مسخهم الله خنازير، فأصبحوا يتبعون الأقذار في الكناسات(١).
هذا أثر غريب جداً، قطعه ابن أبي حاتم في مواضع من هذه القصة، وقد جمعته أنا ليكون
سياقه أتم وأكمل، والله سبحانه وتعالى أعلم. وكل هذه الآثار دالة على أن المائدة نزلت على
بني إسرائيل أيام عيسى ابن مريم، إجابة من الله لدعوته، كما دل على ذلك ظاهر هذا السياق من
القرآن العظيم ﴿قَالَ اَللَّهُ إِنِى مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ﴾ الآية.
وقد قال قائلون: إنها لم تنزل، فروى ليث بن أبي سليم عن مجاهد في قوله: ﴿أَنْزِلٌ عَلَيْنَا مَآيِدَةً
مِّنَ السَّمَاءِ﴾، قال: هو مثل ضربه الله ولم ينزل شيء (٢)، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير.
ثم قال ابن جرير: حدثنا الحارث، حدثنا القاسم هو ابن سلام، حدثنا حجاج، عن ابن جريجٍ، عن
مجاهد قال: مائدة عليها طعام أَبَوها حين عرض عليهم العذاب إن كفروا، فأَبَوا أن تنزل عليهم (٣) .
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده مقطعاً، وفي سنده إبراهيم بن عمر الصنعاني سكت عنه ابن أبي حاتم (الجرح
١١٤/٢)، وعبد القدوس العبدري سكت عنه ابن أبي حاتم (الجرح والتعديل ٥٦/٦).
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق ليث بن أبي سليم عن مجاهد.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن ابن جريج لم يسمع من مجاهد. وعليه فإن هاتين الروايتين =

٥١٣
• سُورَةُ المَائِدَة (١١٢، ١١٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال أيضاً: حدثنا ابن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن منصور بن زاذان،
عن الحسن أنه قال في المائدة: إنها لم تنزل(١).
وحدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد عن قتادة قال: كان الحسن يقول لما قيل لهم ﴿فَمَن
يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِّ أُعَذِبُهُ عَذَابًا لََّ أُعَذِبُهُ: أَحَدًا مِّنَ اُلْعَلَمِينَ﴾ قالوا: لا حاجة لنا فيها فلم
تنزل(٢).
وهذه أسانيد صحيحة إلى مجاهد والحسن، وقد يتقوى ذلك بأن خبر المائدة لا يعرفه
النصارى، وليس هو في كتابهم، ولو كانت قد نزلت لكان ذلك مما توفر الدواعي على نقله،
وكان يكون موجوداً في كتابهم متواتراً، ولا أقل من الآحاد، والله أعلم.
ولكن الذي عليه الجمهور أنها نزلت، وهو الذي اختاره ابن جرير، قال: لأن الله تعالى أخبر
بنزولها في قوله تعالى: ﴿إِّ مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرَّ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنَّ أُعَذِبُهُ, عَذَابًا لَآ أُعَذِّبُهُ: أَحَدًا مِنَ
اُلْعَلَمِينَ﴾ قال: ووعد الله ووعيده حق وصدق، وهذا القول هو - والله أعلم - الصواب كما دلت
عليه الأخبار والآثار عن السلف وغيرهم.
وقد ذكر أهل التاريخ أن موسى بن نصير نائب بني أمية في فتوح بلاد المغرب، وجد المائدة
هنالك مرصعة بالّلآلئ وأنواع الجواهر، فبعث بها إلى أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك باني
جامع دمشق، فمات وهي في الطريق، فحملت إلى أخيه سليمان بن عبد الملك الخليفة بعده،
فرآها الناس فتعجبوا منها كثيراً لما فيها من اليواقيت النفيسة والجواهر اليتيمة، ويقال: إن هذه
المائدة كانت لسليمان بن داود عَلَاه، فالله أعلم.
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن [عمران
أبي الحكم] (٣) عن ابن عباس قال: قالت قريش للنبي ◌ّ ي: ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا
ذهباً ونؤمن بك. قال: ((وتفعلون؟)) قالوا: نعم. قال: فدعا، فأتاه جبريل فقال: إن ربك يقرأ
عليك السلام ويقول لك: إن شئت أصبح لهم الصفا ذهباً، فمن كفر منهم بعد ذلك عذبته
عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب التوبة والرحمة. قال: (بل باب
التوبة والرحمة)» (٤) ثم رواه أحمد وابن مردويه، والحاكم في مستدركه من حديث سفيان الثوري
به (٥) .
= عن مجاهد مخالفتان الرواية الصحيحة المتقدمة من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بأن المائدة نزلت.
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٣) كذا في المسند، وفي النسخ الخطية: عمران بن الحكم وهو تصحيف وقد وقع هذا في رواية من روايتي
المسند كما يلي:
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه مع التصحيف المذكور، (المسند ٦٠/٤ ح) وصححه محققوه.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه مع التصحيف المذكور (المسند ٢٨٤/٥ ح٣٢٢٣) وصححه محققوه.
وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣١٤/٢).

٥١٤
سُورَةُ المَائِدَةِ (١١٨،١١٦)
﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اَلَّخِذُونِ وَأَتِىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ
سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِىّ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقِّ إِن كُتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُمْ تَعْلَمُ مَا فِ نَفْسِى وَلَّ أَعْلَمُ مَا
فِىِ نَفْسِكْ إِنَّكَ أَنْتَ عَّمُ الْغُيُونِ (٣٦ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَآ أَمْتَنِ بِةَ أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ
شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِهِمْ فَلَمَّا تَوَقَّيْتَنِى كُنُتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمَّ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيهُ (١٧) إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإَِهُمْ
عِبَادٌُ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَرَبِزُ الْحَكِيمُ (﴿يَا﴾.
هذا أيضاً مما يخاطب الله به عبده ورسوله عيسى ابن مريم عليها قائلاً له يوم القيامة بحضرة
من اتخذه وأمه إلهين من دون الله ﴿يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِ وَأَتِىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ
اَللَّهِ﴾ وهذا تهديد للنصارى وتوبيخ وتقريع على رؤوس الأشهاد، هكذا قاله قتادة وغيره، واستدل
قتادة على ذلك بقوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنَفَعُ الصَّدِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩](١).
وقال السدي: هذا الخطاب والجواب في الدنيا(٢)، وصوبه ابن جرير قال: وكان ذلك حين
رفعه إلى سماء الدنيا واحتج ابن جرير على ذلك العلتين:
(أحدهما)] (٣): أن الكلام بلفظ المضي.
(والثاني): قوله: ﴿إِن تُعَذِّبَهُمْ﴾ و﴿وَإِن تَغْفِّرْ لَهُمْ﴾(٤).
وهذان الدليلان فيهما نظر، لأن كثيراً من أمور يوم القيامة ذكر بلفظ المضي ليدل على الوقوع
والثبوت. ومعنى قوله: ﴿إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادٌُ﴾ الآية، التبري منهم، ورد المشيئة فيهم إلى الله،
وتعليق ذلك على الشرط لا يقتضي وقوعه كما في نظائر ذلك من الآيات، والذي قاله قتادة وغيره
هو الأظهر، والله أعلم، أن ذلك كائن يوم القيامة ليدل على تهديد النصارى وتقريعهم وتوبيخهم
على رؤوس الأشهاد يوم القيامة.
وقد روي بذلك حديث مرفوع، رواه الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي عبد الله مولى عمر بن
عبد العزيز، وكان ثقة، قال: سمعت أبا بردة يحدث عمر بن عبد العزيز، عن أبيه أبي موسى
الأشعري قال: قال رسول الله وسلم: ((إذا كان يوم القيامة، دُعي بالأنبياء وأممهم، ثم يُدعى
بعيسى فيذكره الله نعمته عليه فيقرّ بها، فيقول: ﴿يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ أَذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ﴾
الآية [المائدة: ١١٠]، ثم يقول: ﴿َأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ الَّخِذُونِ وَأُفِىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فينكر أن يكون
قال ذلك، فيُؤتى بالنصارى فيُسألون فيقولون: نعم هو أمرنا بذلك. قال: فيطول شعر عيسى
(١) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة بنحوه.
(٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي بنحوه.
(٣) كذا في (مح) وفي تفسير الطبري، وفي الأصل: ((بمعنيين)) أحدهما.
(٤) هذا الذي نقله الحافظ ابن كثير عن الإمام الطبري مختصر شديد ونصه كما يلي: وأن الخبرَ خبرٌ عما مضى
لعلتين إحداهما: أن ((إذا)) إنما تصاحب في الأغلب من كلام العرب المستعمل بينها الماضي من الفعل، وإن
كانت قد تُدخلها أحياناً في موضع الخبر عما يَحدُثُ إذا عرف السامعون معناها ... والأخرى: أن عيسى
لم يُشكك هو ولا أحد من الأنبياء أن الله لا يغفر لمشرك مات على شركه، فيجوز أن يتوهم على عيسى أن
يقول في الآخرة مجيباً لربه تعالى، إن تعذب من اتخذني وأُمي إلهين من دونك فإنهم عبادك وإن تغفر لهم
فإنك أنت العزيز الحكيم. (التفسير ١٣٥/٩) ط د. التركي.

٥١٥
• سُوَرَّةُ المَائِدَةِ (١١٦، ١١٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فيأخذ كل ملك من الملائكة بشعرة من شعر رأسه وجسده، فيجاثيهم بين يدي الله ربك مقدار ألف
عام حتى ترفع عليهم الحجة، ويرفع لهم الصليب، وينطلق بهم إلى النار)) (١). وهذا الحديث
غريب عزيز.
قال(٢) ﴿سُبْحَنَكَ مَا يَكُونُ لِىّ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِ بِحَّ﴾ هذا توفيق للتأدب في الجواب الكامل،
كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن طاوس،
عن أبي هريرة قال: يُلَقّى عيسى حجته، ولقَّه الله تعالى في قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ
ءَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ أَتَّخِذُونِ وَأَنِىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ قال أبو هريرة، عن النبي ◌َّ: فلقاه الله:
﴿سُبْحَنَكَ مَا يَكُونُ لِىّ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَّ ... ﴾ إلى آخر الآية(٣). وقد رواه الثوري عن
معمر، عن ابن طاوس، عن طاوس بنحوه(٤).
وقوله: ﴿إِن كُنتُّ قُلْتُمُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ أي: إن كان صدر مني هذا فقد علمته يا رب، فإنه لا
يخفى عليك شيء، فما قلته ولا أردته في نفسي ولا أضمرته، ولهذا قال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِ نَفْسِى وَلَّ
﴿ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّ مَآ أَمَرْتَنِ بِهِ﴾ بإبلاغه ﴿أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ رَبٍِّ
أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَّ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَُّمُ الْغُيُوبِ
وَرَّكُمْ﴾ أي: ما دعوتهم إلا إلى الذي أرسلتني به وأمرتني بإبلاغه ﴿أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ رَبٍِّ وَرَبَّكُمْ﴾ أي
هذا هو الذي قلت لهم. وقوله: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِهِمْ﴾ أي: كنت أشهد على أعمالهم
حين كنت بين أظهرهم ﴿فَلَمَّا تَوَقَّتَنِى كُنْتَ أَنْتَ الَّقِيبَ عَلَيْهِمَّ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ .
قال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة قال: انطلقت أنا وسفيان الثوري إلى المغيرة بن النعمان،
فأملى على سفيان وأنا معه، فلما قام انتسخت من سفيان فحدثنا قال: سمعت سعيد بن جبير
يحدث عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله وَّ ه بموعظة فقال: ((يا أيها الناس إنكم محشورون
إلى الله ◌َك حفاة، عراة، غرلاً ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقِ تُّعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] وإن أول الخلائق
يكسى يوم القيامة إبراهيم، ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول:
أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ
شَهِيدًا مَّ دُمْتُ فِهِمْ فَلَّا تَوَفَّْتَنِى كُنُتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمَّ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدُ (٧) إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ
عِبَادُكٌ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَبِزُ لْحَكِيمُ (1)﴾ فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم
منذ فارقتهم))(٥) ورواه البخاري عند هذه الآية عن أبي الوليد، عن شعبة، وعن محمد بن كثير،
عن سفيان الثوري، كلاهما عن المغيرة بن النعمان به(٦).
(١) مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (٥٤/٢٩)، واستغربه الحافظ ابن كثير.
(٢) كذا في الأصل: و(مح)، ومنهج الحافظ أن يقول: قوله تعالى.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن، وأخرجه الترمذي من طريق ابن أبي عمر العدني به وقال:
حسن صحيح. (السنن، تفسير القرآن، باب ومن سورة المائدة ح ٣٠٦٢)، وصححه الألباني في صحيح
سنن الترمذي (ح ٢٤٥٠).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الفريابي عن الثوري به، وسنده صحيح لكنه مرسل.
(٥) أخرجه الطيالسي بسنده ومتنه (المسند ح ٢٦٣٨) وسنده صحيح.
(٦) صحيح البخاري، التفسير، باب قوله تعالى: ﴿إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادٌُ﴾ [المائدة: ١١٨] (ح ٤٦٢٥).

٥١٦
• سُوَرَّةُ المَائِدَةِ (١١٦، ١١٨)
وقوله: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَهُمْ عِبَادُكٌ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَرَبِزُ الْحَكِيمُ (1)﴾ هذا الكلام يتضمن رد
المشيئة إلى الله ربك، فإنه الفعال لما يشاء، الذي لا يسأل عما يفعل، وهم يسألون، ويتضمن
التبري من النصارى الذين كذبوا على الله وعلى رسوله، وجعلوا لله نداً وصاحبة وولداً، تعالى الله
عما يقولون علواً كبيراً، وهذه الآية لها شأن عظيم، ونبأ عجيب، وقد ورد في الحديث: أن
النبي ◌َّو قام بها ليلة حتى الصباح يرددها(١).
قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن فضيل، حدثني فليت العامري، [عن جسرة العامرية](٢)،
عن أبي ذر ظُبه، قال: صلى النبي وَل﴿ ذات ليلة، فقرأ بآية حتى أصبح، يركع بها ويسجد بها
﴿إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإَِهُمْ عِبَادٌُّ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَرِبِزُ الْحَكِيمُ ﴾﴾ فلما أصبح، قلت: يا رسول الله
ما زلت تقرأ هذه الآية، حتى أصبحت تركع بها وتسجد بها؟ قال: ((إني سألت ربي لك الشفاعة
لأمتي فأعطانيها، وهي نائلة إن شاء الله لمن لا يشرك بالله شيئاً))(٣).
(طريق أخرى وسياق آخر): قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى، حدثنا قدامة بن عبد الله، حدثتني
جسرة بنت دجاجة أنها انطلقت معتمرة، فانتهت إلى الربذة (٤)، فسمعت أبا ذر يقول: قام
رسول الله * ليلة من الليالي في صلاة العشاء، فصلى بالقوم، ثم تخلف أصحاب له يصلون،
فلما رأى قيامهم وتخلفهم، انصرف إلى رحله، فلما رأى القوم قد أخلوا المكان، رجع إلى
مكانه يصلي، فجئت فقمت خلفه، فأومأ إليّ بيمينه، فقمت عن يمينه، ثم جاء ابن مسعود فقام
خلفي وخلفه، فأومأ إليه بشماله فقام عن شماله، فقمنا ثلاثتنا. يصلي كل واحد منا بنفسه، ونتلو
من القرآن ما شاء الله أن نتلو، وقام بآية من القرآن يرددها حتى صلى الغداة، فلما أصبحنا
أومأت إلى عبد الله بن مسعود، أن سله ما أراد إلى ما صنع البارحة، فقال ابن مسعود بيده: لا
أسأله عن شيء، حتى يحدث إليّ، فقلت: بأبي وأمي، قمت بآية من القرآن ومعك القرآن! لو
فعل هذا بعضنا لوجدنا عليه، قال: ((دعوت لأمتي))، قلت: فماذا أجبت أو ماذا رد عليك؟ قال:
((أجبت بالذي لو اطلع عليه كثير منهم طلعة تركوا الصلاة)) قلت: أفلا أبشر الناس؟ قال: ((بلى))
فانطلقت مُعنقاً(٤)، قريباً من قذفة بحجر، فقال عمر: يا رسول الله إنك إن تبعث إلى الناس بهذا
نكلوا عن العبادات، فناداه أن ((ارجع)) فرجع، وتلك الآية ﴿إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإَِهُمْ عِبَادٌُ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ
فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزَبِزُ لْحَكِيمُ (َ﴾(٥).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن
الحارث، أن بكر بن سوادة حدثه، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص،
(١) وهو حديث حسن كما سيأتي.
(٢) كذا في (مح) ومسند أحمد وسقط من الأصل.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وحسنه محققوه (المسند ٢٥٦/٣٥، ٢٥٧ ح ٢١٣٢٨)، وأخرجه ابن ماجه
(السنن، إقامة الصلاة، باب ما جاء في القراءة في صلاة الليل ح ١٣٥٠)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه
الذهبي (المستدرك ٢٤١/١)، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح١١١٠) وصححه البوصيري في
مصباح الزجاجة.
(٤) مُعنقا: قال السندي: اسم فاعل من الإعناق ... والاسم منه العَنَق، وهو نوع من السير سريع.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وحسنه محققوه (المسند ٣٩٠/٣٥ ح٢١٤٩٥).

٥١٧
سُورَةُ المَائِدَةِ (١١٩، ١٢٠)
00000000000000000000000000000000000000000000000000 000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00
أن النبيِ وَّ تلا قول عيسى: ﴿إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإَِهُمْ عِبَادٌُ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِبِزُ الْكِيمُ
فرفع يديه، فقال: ((اللهم أمتي)) وبكى، فقال الله: يا جبريل اذهب إلى محمد - وربك أعلم -
فسأله ما يبكيه، فأتاه جبريل فسأله، فأخبره رسول الله وَّله بما قال وهو أعلم، فقال الله: يا
جبريل اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك(١).
وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن قال: حدثنا ابن لهيعة، حدثنا ابن هبيرة، أنه سمع أبا تميم
الجيشاني يقول: حدثني سعيد بن المسيب، سمعت حذيفة بن اليمان يقول: غاب عنا
رسول الله وَ يوماً، فلم يخرج حتى ظننا أن لن يخرج، فلما خرج سجد سجدة ظننا أن نفسه قد
قبضت فيها، فلما رفع رأسه قال: ((إن ربي ◌ّك استشارني في أمتي ماذا أفعل بهم؟ فقلت: ما
شئت أي رب، هم خلقك وعبادك، فاستشارني الثانية فقلت له كذلك، فقال لي: لا أخزيك في
أمتك يا محمد، وبشرني أن أول من يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً، مع كل ألف سبعون ألفاً
ليس عليهم حساب. ثم أرسل إليّ فقال: ادع تجب وسل تعط، فقلت لرسوله: أَوَ معطيّ ربي
سؤلي؟ فقال: ما أرسلني إليك إلا ليعطيك، ولقد أعطاني ربي ولا فخر، وغفر لي ما تقدم من
ذنبي وما تأخر، وأنا أمشي حياً صحيحاً، وأعطاني أن لا تجوع أمتي ولا تغلب، وأعطاني
الكوثر، وهو نهر في الجنة يسيل في حوضي، وأعطاني العز والنصر والرعب يسعى بين يدي
أمتي شهراً، وأعطاني أني أول الأنبياء يدخل الجنة، وطيب لي ولأمتي الغنيمة، وأحلّ لنا كثيراً
مما شدّد على من قبلنا، ولم يجعل علينا في الدين من حرج))(٢).
﴿قَالَ اللَّهُ هَا يَوْمُ يَنَفَعُ الصَّدِقِينَ صِدْقُهُمَّ لَهُمْ جَنَّتُ تَخْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَلِنَ فِهَا أَبَدًّا زَضِىَ
اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩) لِلَّه مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِهِنُّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَمْءٍ قَدِيرٌ
يقول تعالى مجيباً لعبده ورسوله عيسى ابن مريم فعلا، فيما أنهاه إليه من التبري من النصارى
الملحدين الكاذبين على الله وعلى رسوله، ومن ردّ المشيئة فيهم إلى ربه رَّ، فعند ذلك يقول
تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّدِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ .
قال الضحاك: عن ابن عباس يقول: يوم ينفع الموحدين توحيدهم(٣).
﴿لَهُمْ جَنَّتُ تَخْرِى مِن تَّحْتِهَا اُلْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا أَبْدًا﴾ أي: ماكثين فيها لا يحولون ولا يزولون،
رضي الله عنهم ورضوا عنه كما قال تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] وسيأتي ما
يتعلق بتلك الآية من الحديث.
وروى ابن أبي حاتم ها هنا حديثاً عن أنس فقال: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا المحاربي
عن ليث، عن عثمان - يعني ابن عمير - أخبرنا اليقظان، عن أنس مرفوعاً، قال: قال
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وأخرجه مسلم بسنده نحوه (الصحيح، الإيمان، باب
دعاء النبي ◌َ ر لأمته ... ح٢٠٢).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٦١/٣٨ - ٣٦٢ ح٢٣٣٣٦)، وضعفه محققوه بسبب ابن لهيعة،
وذكروا لبعضه شواهد.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الضحاك به، وسنده ضعيف منقطع لأن الضحاك لم يلق ابن عباس.

٥١٨
• سُوَرَّةُ المَائِدَةِ (١١٩، ١٢٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
رسول الله وَّر فيه ((ثم يتجلى لهم الرب جل جلاله))، فيقول: سلوني سلوني أعطكم - قال : -
فيسألونه الرضا فيقول: رضاي أحلكم داري، وأنالكم كرامتي فسلوني أعطكم، فيسألونه الرضا
- قال : - فيشهدهم أنه قد رضي عنهم سبحانه وتعالى(١).
وقوله: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ أي هذا الفوز الكبير الذي لا أعظم منه، كما قال تعالى: ﴿لِمِثْلِ هَذَا
فَلْيَعْمَلِ اَلْعَمِلُونَ ﴾ [الصافات] وكما قال: ﴿وَفِ ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُنَنَفِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦] وقوله:
﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِهِنُّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ (19)﴾ أي: هو الخالق للأشياء، المالك
لها، المتصرف فيها، القادر عليها، فالجميع ملكه وتحت قهره وقدرته، وفي مشيئته، فلا نظير
له، ولا وزير، ولا عديل، ولا والد، ولا ولد، ولا صاحبة، ولا إله غيره، ولا رب سواه.
قال ابن وهب: سمعت حُيي بن عبد الله يحدث عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن
عمرو. قال آخر سورة أنزلت سورة المائدة (٢).
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف عثمان بن عمير كما في التقريب.
(٢) تقدم تخريجه في أول هذه السورة الكريمة.

٥١٩
• سُوَرَّةُ الَزْعَهُ
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
47 00000
00000
سُؤْرَةُ الَّتْعَظُ
وهي مكية
قال(١) العوفي وعكرمة وعطاء، عن ابن عباس، أُنزلت سورة الأنعام بمكة (٢).
وقال الطبراني: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد بن سلمة،
عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قال: نزلت سورة الأنعام بمكة ليلاً
جملة واحدة، حولها سبعون ألف ملك يجأرون حولها بالتسبيح(٣).
وقال سفيان الثوري، عن ليث، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد، قالت: نزلت سورة
الأنعام على النبي ◌َّه [جملة، وأنا آخذة بزمام ناقة النبي وَّر، إن كادت من ثقلها لتكسر عظام الناقة (٤).
وقال شريك: عن ليث، عن شهر، عن أسماء قالت: نزلت سورة الأنعام على رسول الله، واليوم](6).
وهو في مسير في زجل من الملائكة، وقد طبقوا ما بين السماء والأرض(٦).
وقال السدي، عن مرة، عن عبد الله، قال: نزلت سورة الأنعام يشيعها سبعون ألفاً من
الملائكة (٧) .
وروي نحوه من وجه آخر، عن ابن مسعود.
وقال الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، وأبو الفضل
الحسن بن يعقوب العدل، قالا: حدثنا محمد بن عبد الوهاب العبدي، أخبرنا جعفر بن عون،
حدثنا إسماعيل بن عبد الرحمن السدي، حدثنا محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: لما نزلت
سورة الأنعام، سبح رسول الله وَر ثم قال: ((لقد شيع هذه السورة من الملائكة ما سد الأفق)) ثم
قال: صحيح على شرط مسلم(٨).
(١) ورد في الحاشية دعاء للناسخ، ونصه كما يلي: اللهم كما يسرت لنا التشرف بكتابة سورة الأنعام في العشر الأخير
من رمضان سنة ١١٨٣، أنعم علينا بالعفو والعافية بالتوفيق لإتمام باقيه وصلى الله على سيدنا محمد وسلم.
(٢) هذا أمر متفق عليه فإن سورة الأنعام مكية بالإجماع واتفق على ذلك المصنفون في المكي والمدني كالزهري
وأبي عبيد والحارث المحاسبي وابن الضريس وابن الأنباري والنحاس وابن عبد الكافي وأبي عمرو الداني
والبيهقي (ينظر المكي والمدني في القرآن الكريم ٢٨٥/١).
(٣) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٢١٥/١٢) وفي سنده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف وله
شواهد لاحقة.
(٤) أخرجه الطبراني من طريق قبيصة عن الثوري به (المعجم الكبير ١٧٨/٢٤)، وفي سنده ليث بن أبي سليم
وشهر بن حوشب وكلاهما فيه مقال.
(٥) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (حم) و(مح) و(عش).
(٦) وسنده كسابقه لکن له شواهد.
(٧) سنده حسن.
(٨) أخرجه الحاكم بسنده ومتنه وصححه وتعقبه الذهبي بقوله: وأظن هذا موضوعاً (المستدرك ٢١٤/٢).

٥٢٠
• سُوَرَّةُ الْأَنْقَطُل (١، ٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا إبراهيم بن درستويه الفارسي، حدثنا
أبو بكر بن أحمد بن محمد بن سالم، حدثنا ابن أبي فديك، حدثني عمر بن طلحة الرقاشي، عن
نافع بن مالك أبي سهيل، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله وسلم: ((نزلت سورة الأنعام
معها موكب من الملائكة، سد ما بين الخافقين، لهم زجل بالتسبيح، والأرض بهم ترتج))
ورسول الله يقول: ((سبحان الله العظيم، سبحان الله العظيم))(١) .
ثم روى ابن مردويه، عن الطبراني، عن إبراهيم بن نائلة، عن إسماعيل بن عمر، عن
يوسف بن عطية، عن ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ويليقول: ((نزلت علي
سورة الأنعام جملة واحدة وشيعها سبعون ألفاً من الملائكة لهم زجل بالتسبيح والتحميد))(٢).
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىِ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الْقُلُمَتِ وَالنُّورِ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ
يَعْدِلُونَ ﴿ هُوَ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىَ أَجَلَّ وَجَلٌ مُسَنَّى عِندَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ﴿﴿ وَهُوَ اللَّهُ
)﴾ .
فِي السَّمَوَتِ وَفِ الْأَرْضِّ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ
يقول الله تعالى مادحاً نفسه الكريمة وحامداً لها على خلقه السموات والأرض قراراً لعباده.
وجعل الظلمات والنور منفعة لعباده في ليلهم ونهارهم، فجمع لفظ الظلمات، ووحد لفظ
النور، لكونه أشرف، كقوله تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَابِلِ﴾ [النحل: ٤٨] وكما قال في آخر هذه
السورة ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَتَّبِعُوَةٌ وَلَا تَنَّبِعُوا السُبُلَ فَنَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلٍِ﴾ [الأنعام:
١٥٣] ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ أي: ومع هذا كله كفر به بعض
عباده، وجعلوا له شريكاً وعدلاً، واتخذوا له صاحبة وولداً، تعالى الله ◌َ عن ذلك علواً
كبيراً .
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن ◌ِطِينٍ﴾ يعني: أباهم آدم، الذي هو أصلهم، ومنه خرجوا
فانتشروا في المشارق والمغارب! وقوله: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلَاٌ وَأَجَلٌ مُسَمَّى عِندَهُ﴾ قال سعيد بن جبير،
عن ابن عباس ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلٌ﴾ يعني: الموت ﴿وَأَجَلٌ مُسَنَّى عِندَهُ﴾ يعني: الآخرة(٣)، وهكذا
روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير، والحسن وقتادة والضحاك، وزيد بن أسلم وعطية
والسدي، ومقاتل بن حيان وغيرهم(٤).
(١) أخرجه الطبراني من طريق أحمد بن محمد بن السالمي به (المعجم الأوسط ح ٦٤٤٧)، وقال الطبراني: لم
يرو هذا الحديث عن أبي سهيل نافع بن مالك إلا عمر بن طلحة، ولا عن عمر بن طلحة إلا ابن أبي فديك
تفرد به أحمد بن محمد السالمي. وقال الهيثمي محمد بن عبد الله بن عرس عن أحمد بن محمد بن أبي
بكر السالمي لم أعرفهما (مجمع الزوائد ٧/ ٢٣).
(٢) أخرجه الطبراني عن إبراهيم بن نائلة به (المعجم الصغير ٨/١)، قال الهيثمي: فيه يوسف بن عطية الصفار
وهو ضعيف (المجمع ٧/ ٢٠).
(٣) أخرجه الطبري والحاكم من طريق سعيد بن جبير به وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ٣١٥/٢).
(٤) بعض هذه الآثار أخرجها الطبري بأسانيد ثابتة كقول مجاهد وقتادة والحسن.