النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٨١ سُورَةُ المَائِدَةِ (٩٦، ٩٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال غيره: الطري منه لمن يصطاده من حاضرة البحر، وطعامه ما مات فيه أو اصطيد منه وملح وقدد، زاداً للمسافرين والنائين عن البحر. وقد روي نحوه عن ابن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم(١). وقد استدل الجمهور على حلّ ميتته بهذه الآية الكريمة، وبما رواه الإمام مالك بن أنس عن ابن وهب وابن كيسان، عن جابر بن عبد الله قال: بعث رسول الله وَ ل بعثاً قبل الساحل، فأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح وهم ثلاثمائة وأنا فيهم، قال فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق فني الزاد، فأمر أبو عبيدة بأزواد ذلك الجيش، فجمع ذلك كله فكان مزودي تمر، قال: فكان يقوتنا كل يوم قليلاً قليلاً حتى فني، فلم يكن يصيبنا إلا تمرة تمرة، فقال: فقد وجدنا فقدها حين فُنيت، قال: ثم انتهينا إلى البحر فإذا حوت مثل الظرب (٢)، فأكل منه ذلك الجيش ثماني عشرة ليلة، ثم أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعه فنصبا، ثم أمر براحلة فرحلت ومرت تحتهما، فلم تصبهما، وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وله طرق عن جابر(٣). وفي صحيح مسلم من رواية أبي الزبير عن جابر، فإذا على ساحل البحر مثل الكثيب الضخم، فأتيناه فإذا بدابة يقال لها: العنبر، قال: قال أبو عبيدة: ميتة، ثم قال: لا، نحن رسل رسول الله ◌َ، وقد اضطررتم فكلوا، قال: فأقمنا عليه شهراً ونحن ثلاثمائة حتى سمنّا، ولقد رأيتنا نغترف من وقب(٤) عينيه بالقلال الدهن، ويقتطع منه الفِدْر(٥) كالثور، قال: ولقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلاً فأقعدهم في وقب عينيه، وأخذ ضلعاً من أضلاعه فأقامها ثم رحل أعظم بعير معنا، فمرّ من تحته، وتزودنا من لحمه وشائق(٦)، فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله وَله فذكرنا ذلك له، فقال: ((هو رزق أخرجه الله لكم هل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟)) قال: فأرسلنا إلى رسول الله وَله منه، فأكله(٧). وفي بعض روايات مسلم أنهم كانوا مع النبي صَل ◌ّ حين وجدوا هذه السمكة، فقال بعضهم: هي واقعة أخرى، وقال بعضهم: بل هي قضية واحدة، ولكن كانوا أولاً مع النبي ◌َّر، ثم بعثهم سرية مع أبي عبيدة فوجدوا هذه في سريتهم تلك مع أبي عبيدة، والله أعلم. وقال مالك عن صفوان بن سليم، عن سعيد بن سلمة من آل ابن الأزرق: أن المغيرة بن أبي بردة وهو من بني عبد الدار، أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول: سأل رجل رسول الله وسل*، فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال (١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه. (٢) الظرب: أي كالجبل الصغير (ينظر النهاية ١٥٦/٣). (٣) الموطأ، صفة النبي ◌َ﴿ ٧٠٩/٢ ح٢٤ وصحيح البخاري، الشركة، باب الشركة في الطعام (ح ٢٤٨٣)، وصحيح مسلم، الصيد، باب إباحة ميتات البحر (ح١٩٣٥). (٤) الوقب أي النقرة. (٥) الفِذْر: جمع فدرة: وهي القطعة من اللحم. (٦) الوشائق: جمع وشيقه وهي اللحم يقدد ويحمل في الأسفار. (٧) صحيح مسلم، الصيد، باب إباحة ميتات البحر (ح١٩٣٥ / ١٧). ٤٨٢ • سُوَّرَّةُ المَائِدَةِ (٩٦، ٩٩) رسول الله قال: ((هو الطهور ماؤه الحل ميتته))(١)، وقد روى هذا الحديث الإمامان الشافعي وأحمد بن حنبل وأهل السنن الأربع، وصححه البخاري والترمذي وابن حبان وغيرهم، وقد روي عن جماعة من الصحابة عن النبي ◌َّهُ بنحوه. وقد روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه من طرق عن حماد بن سلمة، حدثنا أبو المُهزّم - هو يزيد بن سفيان - سمعت أبا هريرة يقول: كنا مع رسول الله وَّر في حج أو عمرة، فاستقبلنا جراد، فجعلنا نضربهن بعصينا وسياطنا، فنقتلهن، فسقط فى أيدينا، فقلنا: ما نصنع ونحن محرمون؟ فسألنا رسول الله وسلم فقال: ((لا بأس بصيد البحر))(٢) أبو المهزم ضعيف، والله أعلم. وقال ابن ماجه: حدثنا هارون بن عبد الله الحمال، حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا زياد بن عبد الله بن علاثة، عن موسى بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه، عن جابر وأنس بن مالك أن النبي ◌َ﴿ كان إذا دعا على الجراد قال: ((اللهم أهلك كباره، واقتل صغاره، وأفسد بيضه، واقطع دابره، وخذ بأفواهه عن معايشنا وأرزاقنا، إنك سميع الدعاء))، فقال خالد: يا رسول الله، كيف تدعو على [جند](٣) من أجناد الله بقطع دابره؟ فقال: ((إن الجراد نثرة الحوت: في البحر)) قال هاشم: قال زياد: فحدثني من رأى الحوت ينثره(٤)، تفرد به ابن ماجه. وقد روى الشافعي عن سعيد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس أنه أنكر على من يصيد الجراد في الحرم(٥). وقد احتج بهذه الآية الكريمة من ذهب من الفقهاء إلى أنه تؤكل دواب البحر ولم يستثن من ذلك شيئاً، قد تقدم عن الصديق أنه قال: طعامه كل ما فيه. وقد استثنى بعضهم الضفادع وأباح ما سواها، لما رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من رواية ابن أبي ذئب، عن سعيد بن خالد، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي أن رسول الله وسلم نهى عن قتل الضفدع(٦)، وللنسائي عن عبد الله بن عمرو قال: نهى رسول الله وَ لول عن قتل الضفدع، وقال: نقيقها تسبيح(٧). (١) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٧٣. (٢) المسند ٣٠٦/٢ وسنن أبي داود، المناسك، باب في الجراد للمحرم (ح ١٨٥٤) وضعفه، وسنن الترمذي، الحج، باب ما جاء في صيد البحر للمحرم (ح ٨٥٠) وقال: غريب. وسنن ابن ماجه، الصيد، باب صيد الحيتان والجراد (ح٣٢٢٢) وسنده ضعيف جداً لأن أبا المُهزِّم يزيد بن سفيان: متروك (التقريب ص٦٧٦). (٣) كذا في (مح) والتخريج، وفي الأصل: ((أجناد)). (٤) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (المصدر السابق ح٣٢٢١)، وسنده ضعيف لضعف موسى بن محمد بن إبراهيم (مصباح الزجاجة ٦٤/٣). (٥) لم أعرف من هو سعيد شيخ الشافعي. (٦) المسند ٤٥٣/٣، وسنن أبي داود، الطب، باب في الأدوية المكروهة (ح٣٨٧١)، وسنن النسائي، الصيد والذبائح باب الضفدع ٧/ ٢١٠، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤١٠/٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٣٢٧٩). (٧) هذا الحديث شطره الأول صحيح كسابقه، الشطر الثاني ضعيف. أخرجه الطبراني بسند ضعيف عن = ٤٨٣ سُورَةُ الْمَائِدَةِ (٩٦، ٩٩) وقال آخرون: يؤكل من صيد البحر السمك، ولا يؤكل الضفدع. واختلفوا فيما سواهما، فقيل: يؤكل سائر ذلك. وقيل: لا يؤكل. وقيل: ما أكل شبهه من البر، أكل مثله في البحر. وما لا يؤكل شبهه لا يؤكل، وهذه كلها وجوه في مذهب الشافعي رحمه الله تعالى. وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: لا يؤكل ما مات في البحر، كما لا يؤكل ما مات في البر، لعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ﴾ [المائدة: ٣] وقد ورد حديث بنحو ذلك: فقال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي - هو ابن قانع -، حدثنا الحسين بن إسحاق التستري وعبد الله بن موسى بن أبي عثمان، قالا: حدثنا الحسين بن يزيد الطحان، حدثنا حفص بن غياث، عن ابن أبي ذئب، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله وَله: ((ما صدتموه وهو حي فمات فكلوه، وما ألقى البحر ميتاً طافياً فلا تأكلوه)) (١)، ثم رواه من طريق إسماعيل بن أمية ويحيى بن أبي أنيسة عن أبي الزبير عن جابر به، وهو منكر. وقد احتج الجمهور من أصحاب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل بحديث العنبر المتقدم ذكره، وبحديث ((هو الطهور ماؤه الحل مينته))(٢)، وقد تقدم أيضاً. وروى الإمام أبو عبد الله الشافعي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَليه: ((أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان: فالحوت والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطحال)) ورواه أحمد وابن ماجه والدارقطني والبيهقي وله شواهد، وروي موقوفاً (٣)، والله أعلم. وقوله: ﴿وَحُرِمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ أَلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُمًا﴾ أي: في حال إحرامكم يحرم عليكم الاصطياد، ففيه دلالة على تحريم ذلك فإذا اصطاد المحرم الصيد متعمداً، أثم وغرم، أو مخطئاً، غرم وحرم عليه أكله، لأنه في حقه كالميتة، وكذا في حق غيره من المحرمين والمحلين، عند مالك والشافعي في أحد قوليه، وبه يقول عطاء والقاسم وسالم وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وغيرهم، فإن أكله أو شيئاً منه فهل يلزمه جزاء ثانٍ؟ فيه قولان للعلماء. (أحدهما): نعم، قال عبد الرزاق عن ابن جريج، عن عطاء قال: إن ذبحه ثم أكله فكفارتان(٤)، وإليه ذهب طائفة. (والثاني): لا جزاء عليه في أكله، نص عليه مالك بن أنس. قال أبو عمر بن عبد البر: وعلى هذا مذاهب فقهاء الأمصار وجمهور العلماء، ثم وجهه أبو عمر بما لو وطئ، ثم وطئ، ثم وطئ قبل أن يُحَدّ، فإنما عليه حد واحد(٥) = عبد الله بن عمرو (المعجم الصغير ١٨٩/١) وفي سنده: المسيب بن واضح صدوق يخطئ كثيراً (ميزان الاعتدال ٢٤١/٤)، وذكر ابن عدي هذا الحديث من الأحاديث التي أنكرت على المسيب (الكامل ٦/ ٢٣٨٤). (١) ضعفه الحافظ ابن كثير بقوله: ((وهو منكر)). (٢) تقدم تخريجه في بداية تفسير هذه الآية. (٣) تقدم تخريجه في بداية تفسير هذه الآية (٣) من هذه السورة. (٤) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه (المصنف رقم ٨٣٦٢) وسنده صحيح. (٥) الاستذكار ٣١٢/١١. ٤٨٤ • سُورَةُ الْمَائِدَةِ (٩٦، ٩٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال أبو حنيفة: عليه قيمة ما أكل. وقال أبو ثور: إذا قتل المحرم الصيد فعليه جزاؤه وحلال أكل ذلك الصيد، إلا أنني أكرهه للذي قتله للخبر عن رسول الله وَّ ر ((صيد البر لكم حلال وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصد لكم)) (١) وهذا الحديث سيأتي بيانه، وقوله بإباحته للقاتل غريب. وأما لغيره ففيه خلاف قد ذكرنا المنع عمن تقدم، وقال آخرون بإباحته لغير القاتل سواء المحرمون والمحلون لهذا الحديث، والله أعلم. وأما إذا صاد حلال صيداً، فأهداه إلى محرم، فقد ذهب ذاهبون إلى إباحته مطلقاً، ولم يستفصلوا بين أن يكون قد صاده من أجله أم لا، حكى هذا القول أبو عمر بن عبد البر، عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة والزبير بن العوام وكعب الأحبار ومجاهد وعطاء في رواية، وسعيد بن جبير، وبه قال الكوفيون. قال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا سعيد، عن قتادة أن سعيد بن المسيب حدثه عن أبي هريرة أنه سئل عن لحم صيد صاده حلال، أيأكله المحرم؟ قال: فأفتاهم بأكله، ثم لقي عمر بن الخطاب فأخبره بما كان من أمره، فقال: لو أفتيتهم بغير هذا لأوجعت لك رأسك(٢). وقال آخرون: لا يجوز أكل الصيد للمحرم بالكلية، ومنعوا من ذلك مطلقاً لعموم هذه الآية الكريمة. وقال عبد الرزاق عن معمر، عن ابن طاوس، وعبد الكريم عن ابن أبي أمية عن طاوس، عن ابن عباس أنه كره أكل الصيد للمحرم، وقال: هي مبهمة(٣). يعني قوله: ﴿وَمُرْمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ أَلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُمً﴾ قال: وأخبرني معمر عن الزهري، عن ابن عمر أنه كان يكره للمحرم أن يأكل من لحم الصيد على كل حال. قال معمر: وأخبرني أيوب عن نافع، عن ابن عمر مثله(٤). قال ابن عبد البر: وبه قال طاوس وجابر بن زيد، وإليه ذهب الثوري وإسحاق بن راهوبه في رواية، وقد روي نحوه عن علي بن أبي طالب، رواه ابن جرير من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب أن علياً كره أكل لحم الصيد للمحرم على كل حال(٥). (١) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٣٦٢/٣)، وأبو داود (السنن، الحج باب لحم الصيد) والترمذي (السنن، الحج، باب ما جاء في أكل الصيد للمحرم ح٨٤٦)، وغيرهم كلهم من طريق المطلب بن حنطب عن جابر وهو لم يسمع منه (المراسيل لابن أبي حاتم ص٢١٠)، وسنده ضعيف. (٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه من طريق هشام بن يحيى عن أبي سلمة عن أبي هريرة بنحوه، وسنده صحیح. (٣) أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه به (المصنف رقم ٨٣٢٩). (٤) أخرجه عبد الرزاق من الطريقين عن ابن عمر (المصنف رقم ٨٣١٤ و٨٣١٥) وسنده صحيح. (٥) أخرجه الطبري من طريق بشر بن المفضل عن سعيد بن أبي عروبة به، وسنده صحيح إن سمع سعيد من علي ٤٨٥ • سُوْدَّةُ المَائِدَةِ (٩٦، ٩٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه في رواية والجمهور: إن كان الحلال قد قصد المحرم بذلك الصيد لم يجز للمحرم أكله لحديث الصعب بن جثامة أنه أهدى للنبي ول حماراً وحشياً وهو بالأبواء(١) أو بِودّان(٢)، فردّه عليه، فلما رأى ما في وجهه قال: ((إنا لم نردّه عليك إلا أنا حرم))(٣) وهذا الحديث مخرج في الصحيحين، وله ألفاظ كثيرة، قالوا: فوجهه أن النبي ﴿ ظن أن هذا إنما صاده من أجله، فرده لذلك، فأما إذا لم يقصده بالاصطياد فإنه يجوز له الأكل منه لحديث أبي قتادة حين صاد حمار وحش، وكان حلالاً لم يحرم، وكان أصحابه محرمين، فتوقفوا في أكله ثم سألوا رسول الله وسلم فقال: ((هل كان منكم أحد أشار إليها أو أعان في قتلها؟)) قالوا: لا. قال: ((فكلوا)) وأكل منها رسول الله وَليه(٤). وهذه القصة ثابتة أيضاً في الصحيحين بألفاظ كثيرة. وقال الإمام أحمد: حدثنا سعيد بن منصور وقتيبة بن سعيد، قالا: حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله وَّل، وقال قتيبة في حديثه: سمعت رسول الله والله يقول: ((صيد البر لكم حلال)) قال سعيد: ((- وأنتم حرم ــ ما لم تصيدوه أو يصد لكم))، وكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي، جميعاً عن قتيبة. وقال الترمذي: لا نعرف للمطلب سماعاً من جابر(٥)، ورواه الإمام محمد بن إدريس الشافعي ره من طريق عمرو بن أبي عمرو، عن مولاه المطلب، عن جابر، ثم قال: وهذا أحسن حديث روي في هذا الباب وأقيس. وقال مالك رضيوته، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، قال: رأيت عثمان بن عفان بالعرج(٦) وهو محرم في يوم صائف قد غطى وجهه بقطيفة أرجوان(٧)، ثم أتى بلحم صيد، فقال لأصحابه: كلوا، فقالوا: أو لا تأكل أنت؟ فقال: إني لست كهيئتكم إنما صيد من (٨)(٩) أجلي (٨)(٩). (١) الأبواء: جبل في منطقة الفرع (ينظر فتح الباري ٣٣/٤) والفرع تقع جنوب المدينة. (٢) ودّان: موضع بقرب الجحفة، وهي أقرب إلى الجحفة من الأبواء فإن من الأبواء إلى الجحفة للآتي من المدينة ثلاثة وعشرين ميلاً (ينظر المصدر السابق) والميل يعادل ١٨٤٨م. (٣) أخرجه البخاري من حديث ابن عباس (الصحيح، جزاء الصيد، باب إذا أهدى للمحرم حماراً وحشياً ... ح١٨٢٥)، وأخرجه مسلم أيضاً (الصحيح، الحج، باب تحريم الصيد للمحرم ح١١٩٣). (٤) صحيح البخاري، جزاء الصيد، باب إذا صاد الحلال فأهدي للمحرم ... (ح١٨٢١) وصحيح مسلم، الحج، باب تحريم الصيد للمحرم ١١٩٦. (٥) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة. (٦) العَرج: منزل بطريق مكة (حاشية الموطأ). (٧) أي صوف أحمر (حاشية الموطأ). (٨) أخرجه مالك بسنده ومتنه (الموطأ، الحج، باب ما لا يحل للمحرم من الصيد (ح٨٤). وسنده صحيح. (٩) لم يشرح الحافظ ابن كثير الآيات الثلاث رقم ٩٧ - ٩٩ في النسخ الثلاث وكذا النسخة الأزهرية ودار الكتب حسب ما نبه محققو طبعة الشعب. وقد قاموا بالاستدراك نقلاً من تفسير الطبري، وهو نقل مفيد لكن لو وضعوه في الحاشية لكان أفضل. لأن بعض الطبعات ظن أصحابها أنه سقط، وقد ورد فيها هذه الزيادة منقولة من طبعة الشعب. ٤٨٦ • سُؤَرَّةُ المَائِدَةِ (١٠٠، ١٠٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ﴿قُل لَّا يَسْتَوِى الْخَبِيثُ وَاَلَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِّ فَتَّقُواْ اللَّهَ يَكَأُوْلِىِ الْأَلْبَبِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسَّشَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْئَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ اَلْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اَللَّهُ عَنْهًا وَاللَّهُ غَفُورُ حَلِيمٌ ﴿ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَفِرِينَ يقول تعالى لرسوله وَله: ﴿قُل﴾ يا محمد ﴿لَّا يَسْتَوِى الْخَبِيثُ وَالَِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ﴾ أي: يا أيها الإنسان ﴿كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ يعني: أن القليل الحلال النافع خير من الكثير الحرام الضار، كما جاء في الحديث ((ما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى))(١) . وقال أبو القاسم البغوي في معجمه: حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا الحوطي، حدثنا محمد بن شعيب، حدثنا معان بن رفاعة، عن أبي عبد الملك علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة أن ثعلبة بن حاطب الأنصاري قال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالاً، فقال النبي وَليقول: ((قليل تؤدي شكره، خير من كثير لا تطيقه))(٢). ﴿فَاتَّقُواْ اللَّهَ يَتَأُوْلِ الْأَلْبَبِ﴾ أي: يا ذوي العقول الصحيحة المستقيمة، وتجنبوا الحرام ودعوه واقنعوا بالحلال واكتفوا به، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾؛ أي: في الدنيا والآخرة. ثم قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْتَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ هذا تأديب من الله تعالى لعباده المؤمنين، ونهي لهم عن أن يسألوا عن أشياء مما لا فائدة لهم في السؤال والتنقيب عنها، لأنها إن أظهرت لهم تلك الأمور ربما ساءتهم وشق عليهم سماعها، كما جاء في الحديث أن رسول الله وَ﴿ قال: ((لا يبلغني أحد عن أحد شيئاً، إني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر))(٣). وقال البخاري: حدثنا منذر بن الوليد بن عبد الرحمن الجارودي، حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن موسى بن أنس، عن أنس بن مالك قال: خطب رسول الله وَ ل خطبة ما سمعت مثلها قط، وقال فيها: ((لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً)). قال: فغطى أصحاب رسول الله ◌ّ وجوههم لهم حنين، فقال رجل: من أبي؟ قال: ((فلان)) فنزلت هذه الآية ﴿لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَاةَ﴾ (٤) رواه النضر وروح بن عبادة عن شعبة، وقد رواه البخاري في غير هذا الموضع، ومسلم وأحمد والترمذي والنسائي من طرق عن شعبة بن الحجاج به(٥). (١) أخرجه أبو يعلى من حديث أبي سعيد الخدري (المسند ٣١٩/٢ ح١٠٥٣)، وصححه المحقق. قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح غير صدقة بن الربيع وهو ثقة (المجمع ٢٥٥/١٠). (٢) أخرجه البغوي بسنده ومتنه (معجم الصحابة ٤١٩/١ ح ٢٦٧) وسنده ضعيف جداً لأن علي بن يزيد وهو الألهاني: متروك (مجمع الزوائد ٧/ ٣٤). (٣) أخرجه الإمام أحمد من حديث ابن مسعود ظه، وقال محققوه: إسناد ضعيف بهذه السياقة ولبعضه شواهد (المسند ٣٠٢/٦ ح ٣٧٥٩). (٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] ح ٤٦٢١). (٥) صحيح مسلم، الفضائل، باب توقيره ويميز ... (ح٢٣٥٩)، ومسند أحمد ٢٠٦/٣، وسنن الترمذي، تفسير القرآن، باب ومن سورة المائدة (ح٣٠٥٦)، والسنن الكبرى للنسائي، التفسير باب قوله تعالى: ﴿لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ ... ﴾ (ح١١١٥٤). ٤٨٧ • سُورَةُ الْمَائِدَةِ (١٠٠، ١٠٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال ابن جرير: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ كَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ الآية، قال: فحدثنا أن أنس بن مالك حدثه أن رسول الله وَّ سألوه حتى أحفوه بالمسألة، فخرج عليهم ذات يوم فصعد المنبر فقال: ((لا تسألوني اليوم عن شيء إلا بينته لكم)) فأشفق أصحاب رسول الله وَ ﴿ أن يكون بين يدي أمر قد حضر، فجعلت لا ألتفت يميناً ولا شمالاً إلا وجدت كلاً لافاً رأسه في ثوبه يبكي، فأنشأ رجل كان يلاحي فيدعي إلى غير أبيه، فقال: يا نبي الله، من أبي؟ قال: ((أبوك حذافة)). قال: ثم قام عمر - أو قال: فأنشأ عمر - فقال: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً عائذاً بالله - أو قال: أعوذ بالله من شر الفتن - قال: وقال رسول الله وَله: ((لم أرَ في الخير والشر كاليوم قط، صورت لي الجنة والنار حتى رأيتهما دون الحائط)) (١)، أخرجاه من طريق سعيد (٢). ورواه معمر عن الزهري، عن أنس بنحو ذلك، أو قريباً منه. قال الزهري: فقالت أم عبد الله بن حذافة: ما رأيت ولداً أعق منك قط، أكنت تأمن أن تكون أُمك قد قارفت ما قارف أهل الجاهلية، فتفضحها على رؤوس الناس؟ فقال: والله لو ألحقني بعبد أسود للحقته(٣). وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا قيس، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله ملته وهو غضبان، محمار وجهه، حتى جلس على المنبر فقام إليه رجل فقال: أين أبي؟ قال: ((في النار))، فقام آخر فقال: من أبي؟ فقال: ((أبوك حذافة))، فقام عمر بن الخطاب فقال: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رَالفي نبياً، وبالقرآن إماماً، إنا يا رسول الله حديثو عهد بجاهلية وشرك، والله أعلم من آباؤنا. قال: فسكن غضبه، ونزلت هذه الآية ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤَّكُمْ﴾ الآية (٤). إسناده جید. وقد ذكر هذه القصة مرسلة غير واحد من السلف، منهم أسباط عن السدي أنه قال في قوله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ قال: غضب رسول الله وَّلـ يوماً من الأيام، فقام خطيباً فقال: ((سلوني فإنكم لا تسألوني عن شيء إلا أنبأتكم به)) فقام إليه رجل من قريش من بني سهم يقال له عبد الله بن حذافة، وكان يطعن فيه، فقال: يا رسول الله، من أبي؟ فقال: أبوك فلان، فدعاه لأبيه، فقام إليه عمر بن الخطاب، فقبل رجله وقال: يا رسول الله، رضينا بالله رباً، وبك نبياً، وبالإسلام ديناً، وبالقرآن إماماً، فاعف عنا عفا الله عنك، فلم يزل به حتى رضي فيومئذٍ قال: ((الولد للفراش، وللعاهر الحجر))(٥). (١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح. (٢) صحيح البخاري، الفتن، باب التعوذ من الفتن (ح ٧٠٩٠)، وصحيح مسلم، الفضائل، باب توقيره ولو (ح ١٣٧/٢٣٥٩). (٣) صحيح البخاري، الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من كثرة السؤال (ح٧٢٩٤). (٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وجود سنده الحافظ ابن كثير، ولعله بالشواهد المتقدمة في الصحيحين، وفي سنده عبد العزيز وهو ابن أبان الأموي: متروك وكذبه ابن معين (التقريب ص٣٥٦). (٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط به ولكنه مرسل ويشهد له ما تقدم في الصحيحين والحديث التالي. ٤٨٨ سُورَةُ المَائِدَة (١٠٠، ١٠٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ثم قال البخاري: حدثنا الفضل بن سهل، حدثنا أبو النضر، حدثنا أبو خيثمة، حدثنا أبو الجويرية عن ابن عباس ها، قال: كان قوم يسألون رسول الله و ﴿ استهزاء، فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْتَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُّبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ حتى فرغ من الآية كلها (١)، تفرد به البخاري. وقال الإمام أحمد: حدثنا منصور بن وردان الأسدي، حدثنا علي بن عبد الأعلى، عن أبيه، عن أبي البختري - وهو سعيد بن فيروز -، عن علي قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ أَسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] قالوا: يا رسول الله، أفي كل عام؟ فسكت، فقالوا: أفي كل عام؟ فسكت، قال: ثم قالوا: أفي كل عام؟ فقال: ((لا))، ولو قلت: نعم لوجبت ولو وجبت لما استطعتم فأنزل الله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ الآية، وكذا رواه الترمذي وابن ماجه من طريق منصور بن وردان به، وقال الترمذي: غريب من هذا الوجه، وسمعت البخاري يقول: أبو البختري لم يدرك علياً(٢). وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن إبراهيم بن مسلم الهجري، عن أبي عياض، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ له: ((إن الله كتب عليكم الحج)) فقال رجل: أفي كل عام يا رسول الله؟ فأعرض عنه حتى عاد مرتين أو ثلاثاً، فقال: (( من السائل؟)) فقال: فلان، فقال: ((والذي نفسي بيده، لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت عليكم ما أطقتموه، ولو تركتموه لكفرتم))، فأنزل الله وَيّ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ حتى ختم الآية (٣)، ثم رواه ابن جرير من طريق الحسين بن واقد عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة وقال: فقام محصن الأسدي، وفي رواية من هذه الطريق عكاشة بن محصن، وهو أشبه(٤)، وإبراهيم بن مسلم الهجري ضعيف. وقال ابن جرير أيضاً: حدثني زكريا بن يحيى آبن أبان المصري، حدثنا أبو زيد عبد الرحمن بن أبي الغمر، حدثنا ابن مطيع معاوية بن يحيى](6)، عن صفوان بن عمرو، حدثني سليم بن عامر قال: سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: قام رسول الله و 8﴿ في الناس، فقال: ((كتب عليكم الحج)) فقام رجل من الأعراب فقال: أفي كل عام؟ قال: فغلق كلام رسول الله وَّر، وأسكت، وأغضب واستغضب، ومكث طويلاً، ثم تكلم فقال: ((من السائل؟)) فقال الأعرابي: أنا ذا، فقال: ((ويحك ماذا يؤمنك أن أقول نعم؟ والله لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت لكفرتم، ألا إنه إنما أهلك الذين من قبلكم أئمة الحرج، والله لو أني أحللت لكم جميع ما في الأرض وحرمت عليكم منها موضع خف، لوقعتم فيه)) قال: فأنزل الله عند ذلك ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْتَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ (١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿لَا تَسْتَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ ... ﴾ ح٤٦٢٢). (٢) تقدم تخريجه في سورة آل عمران آية ٩٧. (٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وضعف سنده أحمد شاكر لضعف إبراهيم بن مسلم الهجري، ولكنه توبع كما سيأتي في الروايات اللاحقة. (٤) وفي هذه الطريق متابعة لإبراهيم الهجري بواسطة الحسين بن واقد. (٥) ما بين معقوفين سقط من الأصل، واستدرك من (مح) وتفسير الطبري. · سُورَةُ المَائِدَة (١٠٢،١٠٠) ٤٨٩ 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ إلى آخر الآية(١)، في إسناده ضعف. وظاهر الآية النهي عن السؤال عن الأشياء التي إذا علم بها الشخص ساءته، فالأولى الإعراض عنها وتركها، وما أحسن الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا حجاج قال: سمعت إسرائيل بن يونس، عن الوليد بن أبي هاشم مولى الهمداني، عن زيد بن زائد، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله وَليه لأصحابه: ((لا يبلغني أحد عن أحد شيئاً، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر)) الحديث، وقد رواه أبو داود والترمذي من حديث إسرائيل، قال أبو داود عن الوليد، وقال الترمذي عن إسرائيل، عن السدي، عن الوليد بن أبي هاشم به، ثم قال الترمذي: غريب من هذا الوجه(٢). وقوله تعالى: ﴿وَإِن تَسْئَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ أي: وإن تسألوا عن هذه الأشياء التي نهيتم عن السؤال عنها حين ينزل الوحي على رسول الله وَّ﴿ تبين لكم ﴿وَذَلِكَ عَلَى الَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧]، ثم قال: ﴿عَفَا ◌َللَّهُ عَنْهًا﴾ أي: عما كان منكم قبل ذلك ﴿وَاللَّهُ غَفُورُ. وقيل: المراد بقوله: ﴿وَإِن تَسْئَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ أي: لا تسألوا عن أشياء تستأنفون السؤال عنها، فلعله قد ينزل بسبب سؤالكم تشديد أو تضييق، وقد ورد في الحديث ((أعظم المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته))(٣) ولكن إذا نزل القرآن بها مجملة فسألتم عن بيانها، تُبين لكم حينئذٍ لاحتياجكم إليها، ﴿عَفَا ◌َللَّهُ عَنْهًا﴾ أي: ما لم يذكره في كتابه فهو مما عفا عنه، فاسكتوا أنتم عنها كما سكت عنها، وفي الصحيح عن رسول الله وَلقول أنه قال: ((ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم)) (٤) وفي الحديث الصحيح أيضاً ((أن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها))(٥). ثم قال تعالى: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَفِرِينَ (®)﴾ أي: قد سأل هذه المسائل المنهي عنها قوم من قبلكم فأجيبوا عنها، ثم لم يؤمنوا بها، ﴿فأصبحوا بها كافرين﴾ أي بسببها؛ أي: بيّنت لهم فلم ينتفعوا بها لأنهم لم يسألوا على وجه الاسترشاد بل على وجه الاستهزاء والعناد. وقال العوفي، عن ابن عباس في الآية: أن رسول الله و ﴿ أذن في الناس فقال: ((يا قوم كتب عليكم الحج)) فقام رجل من بني أسد فقال: يا رسول الله، أفي كل عام؟ فأغضب رسول الله وَلخير غضباً شديداً، فقال: ((والذي نفسي بيده، لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم، وإذاً (١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وما أشار إليه الحافظ ابن كثير في إسناده ضعف فقد رواه الطبراني من طريق آخر عن روح بن الفرج عن أبي زيد عبد الرحمن به (المعجم الكبير ١٨٦/٨ ح٧٦٧١)، قال الهيثمي: وإسناده حسن جيد (مجمع الزوائد ٤ / ٢٠٧). (٢) تقدم تخريجه في بداية تفسير هذه الآية. (٣) صحيح البخاري الاعتصام، باب ما يكره من كثرة السؤال ... (ح٧٢٨٩)، وصحيح مسلم، الفضائل، باب توقيره الر (ح ١٣٣٧). (٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة في بداية آية ١٠٨. (٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٢٣٠. ٤٩٠ • سُوَرَّةُ القَائِدَةِ (١٠٣، ١٠٤) 00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0000000 لكفرتم، فاتركوني ما تركتكم، وإذا أمرتكم بشيء فافعلوا، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه)) فأنزل هذه الآية، نهاهم أن يسألوا عن مثل الذي سألت عنه النصارى من المائدة، فأصبحوا بها كافرين، فنهى الله عن ذلك وقال: لا تسألوا عن أشياء إن نزل القرآن فيها بتغليظ ساءكم ذلك، ولكن انتظروا، فإذا نزل القرآن فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم بيانه(١)، رواه ابن جرير. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْئَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ اَلْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ قال: لما نزلت آية الحج، نادى النبي ◌ِّ في الناس فقال: ((يا أيها الناس إن الله قد كتب عليكم الحج فحجوا)) فقالوا: يا رسول الله، أعاماً واحداً، أم كل عام؟ فقال: ((لا بل عاماً واحداً، ولو قلت: كل عام لوجبت، ولو وجبت لكفرتم)). ثم قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا گفرین﴾ رواه ابن جرير(٢). وقال خصيف، عن مجاهد، عن ابن عباس ﴿لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ﴾ قال: هي البحيرة والوصيلة والسائبة والحام، ألا ترى أنه قال بعدها: ﴿مَا جَعَلَ اَللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣] ولا كذا ولا كذا، قال: وأما عكرمة فقال: إنهم كانوا يسألونه عن الآيات فنهوا عن ذلك، ثم قال: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَفِرِينَ ﴾﴾(٣) رواه ابن جرير. يعني عكرمة تَخّْثُ أن المراد من هذا النهي عن سؤال وقوع الآيات كما سألت قريش أن يجري لهم أنهاراً، وأن يجعل لهم الصفا ذهباً وغير ذلك، وكما سألت اليهود أن ينزل عليهم كتاباً من السماء. وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ تُرْسِلَ بِلْأَيَتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَءَانَيْنَا ثَمُودَ النَّقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَأْ وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَتِ إِلَّا تَخْوِفًا ﴿6﴾ [الإسراء] وقال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ لَبِنِ جَتْهُمْ مَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ ◌ِهَّ قُلْ إِنَّمَا الْآَيَثُ عِندَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرَّكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ ١٠٩ وَتُقَلْبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ: أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي ◌ُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ (٣٥) ﴾ وَلَوْ أَتَنَا نَزَّلْناً إِلَيْهِمُ الْمَلْبِطَةَ وَلَّمَهُ الْوَقَ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلَكَ مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوْ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ (10) ﴾ [الأنعام]. يَجْهَلُونَ 2] ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيَةٍ وَلَا سَكِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَ حَلٍَّ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ اُلْكَذِبِّ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٨٣) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنَزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ مَابَاءَنَاْ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ . قال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، قال: البحيرة التي يمنع درها للطواغيت، فلا يحلبها أحد من (١) أخرجه الطبري من طريق العوفي به، وسنده ضعيف ولكن لبعضه شواهد تقدمت. (٢) أخرجه الطبري من طريق ابن أبي طلحة به، وسنده ضعيف لأن هذه الرواية المرفوعة ليست من الصحيفة، وله شواهد سابقة یتقوی بها . (٣) أخرجه الطبري من طريق خُصيف به، وفي سنده خُصيف: صدوق سيء الحفظ خلط بآخرة ورمي بالارجاء كما في التقريب. ٤٩١ • سُوْدَّةُ الْمَائِدَةِ (١٠٣، ١٠٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 الناس، والسائبة كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شيء. قال: وقال أبو هريرة: قال رسول الله : ((رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار، كان أول من سيّب السوائب)) والوصيلة: الناقة البكر تبكر في أول نتاج إبل، بل تثني بعد بأنثى، وكانوا يسيبونها الطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينها ذكر. والحام: فحل الإبل يضرب الضراب المعدود، فإذا قضى ضرابه (١) ودعوه للطواغيت وأعفوه عن الحمل، فلم يحمل عليه شيء، وسموه الحامي(٢). وكذا رواه مسلم والنسائي من حديث إبراهيم بن سعد به (٣). ثم قال البخاري: قال لي أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: سمعت سعيداً يخبر بهذا. قال: وقال أبو هريرة، عن النبي و ﴿ نحوه. ورواه ابن الهاد عن ابن شهاب، عن سعيد، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي وَلِينَ(٤). قال الحاكم: أراد البخاري أن يزيد بن عبد الله بن الهاد رواه عن عبد الوهاب بن بخت، عن الزهري، كذا حكاه شيخنا أبو الحجاج المزي في الأطراف، وسكت ولم ينبه عليه، وفيما قاله الحاكم نظر، فإن الإمام أحمد وأبا جعفر بن جرير روياه من حديث الليث بن سعد، عن ابن الهاد، عن الزهري نفسه(٥)، والله أعلم. ثم قال البخاري: حدثنا محمد بن أبي يعقوب أبو عبد الله الكرماني، حدثنا حسان بن إبراهيم، حدثنا يونس، عن الزهري، عن عروة أن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله وَعلي: ((رأيت جهنم يحطم بعضها بعضاً، ورأيت عمرواً يجر قصبه وهو أول من سيّب السوائب))(٦) تفرد به البخاري. وقال ابن جرير: حدثنا هناد، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله وَليقول يقول لأكثم بن الجون: ((يا أكثم، رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار، فما رأيت رجلاً أشبه برجل منك به، ولا به منك)). فقال أكثم: تخشى أن يضرني شبهه يا رسول الله؟ فقال رسول الله وَله: ((لا، إنك مؤمن وهو كافر، إنه أول من غيّر دين إبراهيم، وبحّر البحيرة، وسيّب السائبة، وحمى الحامي)، ثم رواه عن هناد، عن عبدة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي وَّر بنحوه أو مثله، ليس هذان الطريقان في الكتب(٧). (١) أي قضى وطره من الناقة. (٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿مَا جَعَلَ اللهُ مِنْ بَيْرَةٍ ... ﴾ [المائدة: ١٠٣] (ح ٤٦٢٣). (٣) صحيح مسلم، الجنة، باب النار يدخلها الجبارون ... (ح ٢٦٥٦). (٤) صحيح البخاري، بعد الحديث السابق (٤٦٢٣) مباشرة. (٥) وهو كما قال فهذه الطريق في المسند (٣٦٦/٢)، وتفسير الطبري (١١٦/١١) ط. شاكر. (٦) أخرجه البخاري بسنده ومتنه، التفسير، باب ﴿مَا جَعَلَ اَللَّهُ مِنْ بَجِيرَةٍ ... ﴾ (ح٤٦٢٤). (٧) أخرجه الطبري من الطريقين، وسنده حسن، وأخرجه الحاكم من طريق محمد بن عمرو به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤ /٦٠٥). ٤٩٢ • سُورَةُ الْمَائِدَة (١٠٣، ١٠٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال الإمام أحمد: حدثنا عمرو بن مجمع، حدثنا إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ◌َّ، قال: ((إن أول من سيب السوائب وعبد الأصنام أبو خزاعة عمرو بن عامر (١)، وإني رأيته يجر أمعاءه في النار))(٢)، تفرد به أحمد من هذا الوجه. وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن زيد بن أسلم، قال: قال رسول الله وَ ج: ((إني لأعرف أول من سيّب السوائب، وأول من غيّر دين إبراهيم علّ)» قالوا: من هو يا رسول الله؟ قال: ((عمرو بن لحي أخو بني كعب، لقد رأيته يجر قصبه في النار، تؤذي رائحته أهل النار، وإني لأعرف أول من بخّر البحائر)) قالوا: ومن هو يا رسول الله؟ قالوا: ((رجل من بني مدلج، كانت له ناقتان، فجدَع آذانهما، وحرّم ألبانهما، ثم شرب ألبانهما بعد ذلك، فلقد رأيته في النار وهما يعضانه بأفواههما، ويطانه بأخفافهما))(٣). عمرو هذا هو: ابن لحي بن قمعة، أحد رؤساء خزاعة الذين ولوا البيت بعد جُرْهم وكان أول من غير دين إبراهيم الخليل، فأدخل الأصنام إلى الحجاز، ودعا الرعاع من الناس إلى عبادتها والتقرب بها، وشرع لهم هذه الشرائع الجاهلية في الأنعام وغيرها، كما ذكره الله تعالى في سورة الأنعام عند قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَمِ نَصِيبًا ... ﴾ [الأنعام: ١٣٦] إلى آخر الآيات في ذلك. فأما البحيرة، فقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ظًا: هي الناقة إذا نتجت خمسة أبطن، نظروا إلى الخامس، فإن كان ذكراً ذبحوه، فأكله الرجال دون النساء، وإن كان أنثى جدعوا آذانها، فقالوا: هذه بحيرة (٤) وذكر السدي وغيره قريباً من هذا(٥). وأما السائبة فقال مجاهد: هي من الغنم نحو ما فسر من البحيرة إلا أنها ما ولدت من ولد كان بينها وبينه ستة أولاد، كانت على هيئتها، فإذا ولدت السابع ذكراً أو ذكرين ذبحوه، فأكله رجالهم دون نسائهم(٦). وقال محمد بن إسحاق: السائبة هي الناقة إذا ولدت عشر إناث من الولد ليس بينهن ذكر، سيبت فلم تركب ولم يجز وبرها ولم يحلب لبنها إلا لضيف(٧). وقال أبو روق: السائبة كان الرجل إذا خرج فقضيت حاجته، سيّب من ماله ناقة أو غيرها، (١) أبو خزاعة عمرو بن عامر هو عمرو بن لحي نفسه (فتح الباري ٥٤٩/٦). (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وقال محققوه صحيح لغيره ثم ساقوا شواهده من الصحيحين وغيرهما (المسند ٢٩٢/٧ - ٢٩٣ ح٤٢٥٨). (٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده مرسل ولبعضه شواهد تقدمت. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به. (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي. (٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن عن ابن إسحاق. ٤٩٣ • سُوَّةُ القَائِدَة (١٠٤،١٠٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 فجعلها للطواغيت، فما ولدت من شيء كان لها(١). وقال السدي: كان الرجل منهم إذا قضيت حاجته، أو عوفي من مرض، أو كثر ماله، سيّب شيئاً من ماله للأوثان، فمن عرض له من الناس عوقب بعقوبة في الدنيا (٢). وأما الوصيلة، فقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هي الشاة إذا نتجت سبعة أبطن، نظروا إلى السابع، فإن كان ذكراً أو أنثى وهو ميت اشترك فيه الرجال دون النساء، وإن كان أنثى استحيوها، وإن كان ذكراً وأنثى في بطن واحد استحيوهما وقالوا: وصلته أخته فحرمته علينا، رواه ابن أبي حاتم (٣). وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب ﴿وَلَا وَصِيلَةٍ﴾، قال: فالوصيلة من الإبل كانت الناقة تبتكر بالأنثى، ثم ثنت بأنثى فسموها الوصيلة، ويقولون: وصلت أنثيين ليس بينهما ذكر، فكانوا يجدعونها لطواغيتهم(٤)، وكذا روي عن الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى. وقال محمد بن إسحاق: الوصيلة من الغنم إذا ولدت عشر إناث في خمسة أبطن، توأمين توأمين في كل بطن سميت الوصيلة وتركت، فما ولدت بعد ذلك من ذكر أو أنثى جعلت للذكور دون الإناث، وإن كانت ميتة اشتركوا فيها(٥). وأما الحامي: فقال العوفي عن ابن عباس، قال: كان الرجل إذا لقح فحله عشراً قيل: حام فاتركوه، وكذا قال أبو روق وقتادة(٦). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: وأما الحام فالفحل من الإبل إذا ولد لولده قالوا: حمى هذا ظهره، فلا يحملون عليه شيئاً ولا يجزون له وبراً، ولا يمنعونه من حمى رعي، ومن حوض يشرب منه، وإن كان الحوض لغير صاحبه(٧) . وقال ابن وهب: سمعت مالكاً يقول: أما الحام فمن الإبل، كان يضرب في الإبل فإذا انقضى ضرابه جعلوا عليه ريش الطواويس [وسيّبوه](٨)(٩)، وقد قيل غير ذلك في تفسير هذه الآية. وقد ورد في ذلك حديث رواه ابن أبي حاتم من طريق أبي إسحاق السبيعي، عن أبي (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق بشر بن عمارة عن أبي روق. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به. (٤) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح. (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن عن ابن إسحاق. (٦) قول العوفي أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس وسنده ضعيف ويتقوى بلاحقه، وقول أبي روق أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق بشر بن عمارة، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة. (٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به. (٨) كذا في (مح) وفي الأصل صُحفت إلى: ((سيبويه)). (٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب به. ٤٩٤ • سُورَةُ المَائِدَةِ (١٠٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 الأحوص الجشمي، عن أبيه مالك بن [نضلة](١)، قال: أتيت النبي ◌َّ في خلقان من الثياب، فقال لي: ((هل لك من مال؟)) فقلت: نعم. قال: ((من أي المال؟)) قال: فقلت: من كل المال: من الإبل، والغنم، والخيل، والرقيق، قال: ((فإذا آتاك الله مالاً فكثر عليك))، ثم قال: ((تنتج إبلك وافية آذانها؟)) قال: قلت: نعم، وهل تنتج الإبل إلا كذلك؟ قال: ((فلعلك تأخذ الموسى فتقطع آذان طائفة منها وتقول: هذه بحيرة، تشق آذان طائفة منها وتقول: هذه حُرُم)) قلت: نعم. قال: ((فلا تفعل إن كل ما آتاك الله لك حِلّ))، ثم قال: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيَرَةٍ وَلَا سَآِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةِ وَلَا حَاٍّ﴾. أما البحيرة، فهي التي يجدعون آذانها فلا تنتفع امرأته ولا بناته ولا أحد من أهل بيته بصوفها ولا أوبارها ولا أشعارها ولا ألبانها، فإذا ماتت اشتركوا فيها . وأما السائبة، فهي التي يسيبون لآلهتهم ويذهبون إلى آلهتهم فيسيبونها. وأما الوصيلة، فالشاة تلد ستة أبطن، فإذا ولدت السابع جدعت وقطع قرنها، فيقولون: قد وصلت فلا يذبحونها، ولا تضرب ولا تمنع مهما وردت على حوض(٢). هكذا يذكر تفسير ذلك مدرجاً في الحديث. وقد روي وجه آخر عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص عوف بن مالك، من قوله: وهو أشبه، وقد روى هذا الحديث الإمام أحمد عن سفيان بن عيينة، عن أبي الزعراء، عمرو بن عمرو، عن عمه أبي الأحوص عوف بن مالك بن نضلة، عن أبيه به، وليس فيه تفسير هذه، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى الَّهِ الْكَذِبِّ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أي: ما شرع الله هذه الأشياء ولا هي عنده قربة، ولكن المشركين افتروا ذلك وجعلوه شرعاً لهم، وقربة يتقربون بها إليه، وليس ذلك بحاصل لهم بل هو وبال عليهم. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْ إِلَى مَآ أَنَزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ مَابَاءَنأَ﴾ أي: إذا دعوا إلى دين الله وشرعه وما أوجبه، وترك ما حرمه، قالوا: يكفينا ما وجدنا عليه الآباء والأجداد من الطرائق والمسالك. قال الله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ ءَابَّاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ أي: لا يفهمون حقاً ولا يعرفونه ولا يهتدون إليه، فكيف يتبعونهم والحالة هذه، لا يتبعهم إلا من هو أجهل منهم وأضل سبيلاً. ] ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَنْ ضَلَّ إِذَا أَهْتَدَيْتُمَّ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يقول تعالى آمراً عباده المؤمنين أن يصلحوا أنفسهم، ويفعلوا الخير بجهدهم وطاقتهم، ومخبراً لهم أنه من أصلح أمره لا يضره فساد من فسد من الناس، سواء كان قريباً منه أو بعيداً. (١) كذا في (مح) وتفسير ابن أبي حاتم وفي الأصل صُحفت إلى: ((فضلة)). (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه مقطعاً، وأخرجه الإمام أحمد من طريق شعبة عن أبي إسحاق به بدون قوله: ثم قال ﴿مَا جَعَلَ اَللَّهُ مِنْ بَحِيَرَةٍ وَلَ سَلِبَةٍ ... ﴾ [المائدة: ١٠٣] إلخ (المسند ٢٢٦/٢٥ ح٥٨٩١)، وأخرجه الطبراني (المعجم الصغير ح٤٨٩)، قال الهيثمي: رجال الطبراني رجال الصحيح. ٤٩٥ سُورَةُ الْمَائِدَة (١٠٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 قال العوفي، عن ابن عباس في تفسير هذه الآية يقول تعالى: إذا ما العبد أطاعني فيما أمرته به من الحلال، ونهيته عنه من الحرام، فلا يضره من ضل بعده إذا عمل بما أمرته به(١)، كذا روى الوالبي عنه، وهكذا قال مقاتل بن حيان(٢). فقوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ نصب على الإغراء، ﴿لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمَّ إِلَى الَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَميعًا فَيُنَيِّئُكُم بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: فيجازي كل عامل بعمله إن خيراً فخير وإن شراً فشر، وليس فيها دليل على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذا كان فعل ذلك ممكناً . وقد قال الإمام أحمد تَّتُهُ: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا زهير - يعني: ابن معاوية -، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، حدثنا قيس قال: قام أبو بكر الصديق ظله، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا أَهْتَدَيْتُمْ﴾ وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله وَّ ه يقول: ((إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه، يوشك الله رحمك أن يعمهم بعقابه)). قال: سمعت أبا بكر يقول: يا أيها الناس إياكم والكذب، فإن الكذب مجانب للإيمان(٣). وقد روى هذا الحديث أصحاب السنن الأربعة، وابن حبان في صحيحه، وغيرهم من طرق كثيرة عن جماعة كثيرة، عن إسماعيل بن أبي خالد به، متصلاً مرفوعاً، ومنهم من رواه عنه به موقوفاً على الصديق، وقد رجح رفعه الدارقطني وغيره، وذكرنا طرقه والكلام عليه مطولاً في مسند الصديق مظلته(٤). وقال أبو عيسى الترمذي: حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا عتبة بن أبي حكيم، حدثنا عمرو بن جارية اللخمي، عن أبي أمية الشعباني قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له: كيف تصنع في هذه الآية؟ قال: أية آية؟ قلت: قول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمَّ﴾ قال: أما والله لقد سألت عنها خبيراً، سألت عنها رسول الله صل﴿ فقال: ((بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوى متبعاً، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع العوام، فإن من ورائكم أياماً، الصابر فيهن مثل القابض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون كعملكم)) قال عبد الله بن المبارك: وزاد غير عتبة، قيل: يا رسول الله، أجر خمسين رجلاً منا أو منهم؟ قال: ((بل أجر خمسين منكم))، ثم قال الترمذي: هذا حديث (١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق العوفي به، وسنده ضعيف ويتقوى بالرواية اللاحقة. (٢) قول الوالبي وهو علي بن أبي طلحة أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت عنه عن ابن عباس، وقول مقاتل بن حيان أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف. (٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٩٧/١ ح١٦)، وصحح سنده محققوه، وأحمد شاكر وأخرجه سعيد بن منصور عن سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد به (التفسير ١٦٣٦/٤ ح ٨٤٠) قال الحافظ ابن حجر: وهذا أصح الأسانيد عن أبي بكر ◌ُه. (النكت ٢٥٦/١). (٤) سنن أبي داود، الملاحم، باب الأمر والنهي (ح١٣٣٨)، وسنن الترمذي الفتن، باب ما جاء في نزول العذاب ... (ح٢١٦٨)، والسنن الكبرى للنسائي (ح١١١٥٧)، وسنن ابن ماجه، الفتن، باب الأمر بالمعروف ... (ح٤٠٠٥)، وصحيح ابن حبان (ح٣٠٤)، والعلل للدارقطني ٢٥٣/١. ٤٩٦ • سُورَةُ المَائِدَةِ (١٠٥) حسن غريب صحيح(١)، وكذا رواه أبو داود من طريق ابن المبارك، ورواه ابن ماجه وابن جرير وابن أبي حاتم عن عتبة بن أبي حكيم(٢). وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن الحسن أن ابن مسعود ظُه، سأله رجل عن قول الله: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ﴾، فقال: إن هذا ليس بزمانها، إنها اليوم مقبولة، ولكنه قد أوشك أن يأتي زمانها، تأمرون فيصنع بكم كذا وكذا، أو قال: فلا يقبل منكم، فحينئذٍ علیکم أنفسكم لا یضرکم من ضل(٣). ورواه أبو جعفر الرازي عن الربيع، عن أبي العالية، عن ابن مسعود في قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُّكُمْ مَن ضَلَّ﴾ الآية، قال: كانوا عند عبد الله بن مسعود جلوساً، فكان بين رجلين بعض ما يكون بين الناس، حتى قام كل واحد منهما إلى صاحبه، فقال رجل من جلساء عبد الله: ألا أقوم فآمرهما بالمعروف، وأنهاهما عن المنكر؟ فقال آخر إلى جنبه: عليك بنفسك، فإن الله يقول: ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ الآية. قال: فسمعها ابن مسعود، فقال: مه لم يجئ تأويل هذه بعد، إن القرآن أنزل حيث أنزل، ومنه آي قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن، ومنه آي قد وقع تأويلهن على عهد رسول الله وَعليه ومنه آي قد وقع تأويلهن بعد النبي وَّل بيسير، ومنه آي يقع تأويلهن بعد اليوم، ومنه آي يقع تأويلهن عند الساعة على ما ذكر من الساعة، ومنه آي يقع تأويلهن يوم الحساب على ما ذكر من الحساب والجنة والنار، فما دامت قلوبكم واحدة، وأهواؤكم واحدة، ولم تلبسوا شيعاً، ولم يذق بعضكم بأس بعض، فأمروا وانهوا، وإذا اختلفت القلوب والأهواء، وأُلبستم شيعاً، وذاق بعضكم بأس بعض، فامرؤ ونفسه، وعند ذلك جاءنا تأويل هذه الآية (٤)، ورواه ابن جرير. وقال ابن جرير: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا شبابة بن سوار، حدثنا الربيع بن صَبيح، عن سفيان بن عقال قال: قيل لابن عمر: لو جلست في هذه الأيام، فلم تأمر ولم تنه، فإن الله قال: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ﴾ فقال ابن عمر: إنها ليست لي ولا لأصحابي، لأن رسول الله وَلو قال: ((ألا فليبلغ الشاهد الغائب)) فكنا نحن الشهود وأنتم الغيب، ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا إن قالوا لم يقبل منهم(٥). (١) سنن الترمذي، تفسير القرآن، باب ومن سورة المائدة (ح٣٠٥٨). (٢) سنن أبي داود، الملاحم، باب الأمر والنهي (ح٤٣٤١)، وسنن ابن ماجه، الفتن، باب قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ... ﴾ [المائدة: ١٠٥] (ح ٤٠١٤)، وتفسير الطبري وابن أبي حاتم، وفي سنده عتبة بن أبي حكيم: وهو صدوق يخطيء كثيراً (التقريب ص ٣٨٠)، وأخرجه الحاكم من طريق عتبة به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٢٢/٤)، وقال الألباني: إسناده ضعيف ولبعضه شواهد (مشكاة المصابيح ح٥١٤٤). (٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده منقطع لأن الحسن لم يسمع من ابن مسعود، ولكن تابعه أبو العالية في الرواية التالية فيقوي أحدهما الآخر وإن لم يسمع أبو العالية من ابن مسعود. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق محمد بن سعيد بن سابق عن أبي جعفر الرازي به، وسنده ضعيف للانقطاع بين ابن مسعود وأبي العالية ويتقوى بسابقه. (٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده الربيع بن صَبيح: وهو صدوق سيء الحفظ (التقريب ص٢٠٦)، ويشهد له ما تقدم. ٤٩٧ سُورَةُ الْطَائِدَةِ (١٠٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000000 وقال أيضاً: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر وأبو عاصم، قالا: حدثنا عوف، عن سوار بن شبيب قال: كنت عند ابن عمر إذ أتاه رجل جليد العين شديد اللسان، فقال: يا أبا عبد الرحمن، نفر ستة كلهم قد قرأ القرآن فأسرع فيه، وكلهم مجتهد لا يألو، وكلهم بغيض إليه أن يأتي دناءة، وهم في ذلك يشهد بعضهم على بعض بالشرك، فقال رجل من القوم: وأي دناءة تريد أكثر من أن يشهد بعضهم بالشرك؟ فقال رجل؛ إني لست إياك أسأل، إنما أسأل الشيخ، فأعاد على عبد الله الحديث فقال عبد الله: لعلك ترى - لا أبا لك - أني سآمرك أن تذهب فتقتلهم، عظهم وانههم، وإن عصوك فعليك بنفسك، فإن الله رَكْ يقول: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية(١). وقال أيضاً: حدثني أحمد بن المقدام، حدثنا المعتمر بن سليمان، سمعت أبي، حدثنا قتادة عن أبي مازن قال: انطلقت على عهد عثمان إلى المدينة، فإذا قوم من المسلمين جلوس، فقرأ أحدهم هذه الآية ﴿عَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُّكُمْ مَن ضَلَّ﴾ فقال أكثرهم: لم يجئ تأويل هذه الآية (٢) اليوم(٢). وقال: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا ابن فضالة، عن معاوية بن صالح، عن جبير بن نفير قال: كنت في حلقة فيها أصحاب رسول الله وَله، وإني لأصغر القوم، فتذاكروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقلت أنا: أليس الله يقول في كتابه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّنْ ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ﴾؟ فأقبلوا عليّ بلسان واحد، وقالوا: تنزع آية من القرآن لا تعرفها ولا تدري ما تأويلها؟ فتمنيت أني لم أكن تكلمت، وأقبلوا يتحدثون فلما حضر قيامهم قالوا: إنك غلام حدث السن، وإنك نزعت آية ولا تدري ما هي، وعسى أن تدرك ذلك الزمان، إذا رأيت شحاً مطاعاً وهوىّ متبعاً وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك، لا يضرك من ضل إذا اهتديت(٣). وقال ابن جرير: حدثنا علي بن سهل، حدثنا ضمرة بن ربيعة قال: تلا الحسن هذه الآية ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيَّكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا أَهْتَدَيْنُمَّ﴾ فقال الحسن: الحمد لله بها، والحمد لله عليها، ما كان مؤمن فيما مضى ولا مؤمن فيما بقي إلا وإلى جنبه منافق يكره عمله(٤). وقال سعيد بن المسيب: إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، فلا يضرك من ضل إذا اهتديت(٥)، رواه ابن جرير. وكذا روي من طريق سفيان الثوري، عن أبي العميس، عن أبي (١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده سوّار بن شبيب مسكوت عنه سكت عنه ابن أبي حاتم (الجرح ٢/ ٢٧٠) والبخاري (التاريخ الكبير ١٦٨/٢)، وانفرد بتوثيقه ابن حبان في الثقات. (٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده أبو مازن مسكوت عنه أيضاً كما في الجرح (٤٤٤/٩)، فإنه اقتصر على قوله: كان من صلحاء الأزد، ويشهد له ما تقدم عن ابن مسعود. (٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده الحسين وهو ابن داود المُلقّب بسُنيد وهو ضعيف. ويشهد له أيضاً ما تقدم عن ابن مسعود. (٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن. (٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف، ويشهد له حديث أبي بكر به المتقدم في بداية هذه الآية. ٤٩٨ • سُوَّرَّةُ الْمَائِدَةِ (١٠٦، ١٠٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 البختري، عن حذيفة مثله(١). وكذا قال غير واحد من السلف. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن خالد الدمشقي، حدثنا الوليد، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن كعب في قوله: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا أَهْتَدَيْتُنَّ﴾ قال: إذا هدمت كنيسة دمشق فجعلت مسجداً، وظهر لبس العُصُب، فحينئذٍ تأويل هذه الآية (٢). . ﴿َيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهْدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ اُلْوَصِيَّةِ أَثْتَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ أَوْ ءَاخَرَنِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَيْتُمْ فِىِ الْأَرَضِ فَأَصَبَتَّكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِّ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَوْةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ أَرْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِى بِ ثَمَنَّا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبٌِ وَلَا تَكْتُمُ شَهَدَةَ الَّهِ إِنَّاَ إِذَا لَّمِنَ اُلَْثِمِينَ ﴿ فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا أُسْتَحَقًّا إِثْمًا فَاخَرَنِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ أَسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَنِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَدَنُنَاَ ١٠٧ أَحَقُّ مِن شَدَتِهِمَا وَمَا أَعْتَدَيْنَا إِنَّ إِذَا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ ذَلِكَ أَدْفَ أَنْ يَأْتُواْ بِالشَّهَدَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُواْ أَنْ تُرَّدَّ أَنْ بَعْدَ أَيْمَنِهِمَّ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَسْمَعُواْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ اشتملت هذه الآية الكريمة على حكم عزيز قيل إنه منسوخ، رواه العوفي عن ابن عباس (٣). وقال حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم: إنها منسوخة (٤). وقال آخرون: وهم الأكثرون فيما قاله ابن جرير، بل هو محكم، ومن ادعى نسخه فعليه البيان، فقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ أَثْنَانٍ﴾ هذا فقيل: تقديره شهادة اثنين حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه هو الخبر لقوله ﴿شَهَدَةٌ بَيْنِكُمْ﴾ مقامه، وقيل: دل الكلام على تقدير أن يشهد اثنان. وقوله تعالى: ﴿ذَوَا عَدّلٍ﴾ وصف الاثنين بأن يكونا عدلين. وقوله: ﴿مِنكُمْ﴾ أي: من المسلمين، قاله الجمهور. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ح ◌ُه في قوله: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ قال: من المسلمين، رواه ابن أبي حاتم(٥). ثم قال: وروي عن عبيدة وسعيد بن المسيب والحسن ومجاهد ويحيى بن يعمر والسدي وقتادة ومقاتل بن حيان وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم نحو ذلك(٦). قال ابن جرير: وقال آخرون غير ذلك ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ أي: من أهل الموصي، وذلك قول روي عن عكرمة وعبيدة(٧) وعدة غيرهما . (١) أخرجه الطبري من طريق الثوري به، وفي سنده ابن وكيع وهو سفيان ضعيف، وأبو البختري لم يسمع من حذيفة، ویشهد له حديث أبي بكر فه. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده ابن لهيعة ويشهد له أيضاً قول ابن مسعود. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق العوفي به، وسنده ضعيف. (٤) وهو قول مرجوح كما قرر الطبري بأن الآية محكمة. (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به. (٦) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند، ومعظم هذه الأقوال أخرجها الطبري والبيهقي (السنن الكبرى ١٦٤/١٠ - ١٦٥)، بأسانيد ثابتة. (٧) ذكرهما الطبري تعليقاً. ٤٩٩ سُودَةُ المَائِدَة (١٠٦، ١٠٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقوله: ﴿أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سعيد بن عون، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس في قوله: ﴿أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ قال: من غير المسلمين؛ يعني: أهل الكتاب(١)، ثم قال: وروي عن عبيدة وشريح وسعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين ويحيى بن يعمر وعكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير والشعبي وإبراهيم النخعي وقتادة وأبي مجلز والسدي ومقاتل بن حيان وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم(٢). نحو ذلك. وعلى ما حكاه ابن جرير عن عكرمة وعبيدة في قوله منكم، أن المراد من قبيلة الموصي يكون المراد ههنا ﴿أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أي: من غير قبيلة الموصي. وروى ابن أبي حاتم مثله عن الحسن البصري والزهري رحمهما الله(٣). وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَيْتُمْ فِ الْأَرْضِ﴾ أي: سافرتم ﴿فَأَصَبَتَّكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْنِّ﴾ وهذان شرطان لجواز استشهاد الذميين عند فقد المؤمنين أن يكون ذلك في سفر، وأن يكون في وصية، كما صرح بذلك شريح القاضي. قال ابن جرير: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا أبو معاوية ووكيع، قالا: حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن شريح قال: لا تجوز شهادة اليهود والنصارى إلا في سفر، ولا تجوز في سفر إلا في الوصية، ثم رواه عن أبي كريب، عن أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق السبيعي قال: قال شريح فذكر مثله (٤). وقد روي نحوه عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، وهذه المسألة من أفراده، وخالفه الثلاثة فقالوا: لا يجوز شهادة أهل الذمة على المسلمين، وأجازها أبو حنيفة فيما بين بعضهم بعضاً . وقال ابن جرير: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا أبو داود، حدثنا صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري قال: مضت السنة أنه لا تجوز شهادة الكافر في حضر ولا سفر، إنما هي في المسلمين(٥). وقال ابن زيد (٦): نزلت هذه الآية في رجل توفي وليس عنده أحد من أهل الإسلام، وذلك في أول الإسلام، والأرض حرب، والناس كفار، وكان الناس يتوارثون بالوصية ثم نسخت الوصية، وفرضت الفرائض وعمل الناس بها، رواه ابن جرير(٧)، وفي هذا نظر، والله أعلم. وقال ابن (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن. (٢) ذكرهم جميعاً ابن أبي حاتم بحذف السند، ومعظم رواياتهم أخرجها الطبري بأسانيد ثابتة. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أشعث بن عبد الملك عن الحسن بلفظ: من غير قومكم: مسلمان. (٤) أخرجه الطبري بطريقيه ومتنه، والطريق الأول سنده صحيح. (٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده صالح بن أبي الأخضر ضعيف (التقريب ص٢٧١). (٦) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة، وفي تفسير الطبري: زيد بن أسلم، ولكن قبله رواية عن ابن زيد وليست بهذا المتن، فهذا المتن لزيد. (٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عبد الله بن غياث عن زيد لكنه مرسل. ٥٠٠ • سُوَدَّةُ الْمَائِدَة (١٠٦، ١٠٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 جرير: اختلف في قوله: ﴿شَهِدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ اُلْوَصِيَّةِ أَثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ هل المراد به أن يوصي إليهما أو يشهدهما؟ على قولين: (أحدهما): أن يوصي إليهما، [كما قال محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط قال: سئل ابن مسعود ظله عن هذه الآية. قال](١): هذا رجل سافر ومعه مال، فأدركه قدره، فإن وجد رجلين من المسلمين دفع إليهما تركته، وأشهد عليهما عدلين من المسلمين، رواه ابن أبي حاتم وفيه انقطاع (٢). (والقول الثاني): أنهما يكونان شاهدين، وهو ظاهر سياق الآية الكريمة فإن لم يكن وصي ثالث معهما، اجتمع فيهما الوصفان: الوصاية والشهادة، كما في قصة تميم الداري وعدي بن بداء، كما سيأتي ذكرهما آنفاً إن شاء الله وبه التوفيق. وقد استشكل ابن جرير كونهما شاهدين قال: لأنا لا نعلم حكماً يحلف فيه الشاهد، وهذا لا يمنع الحكم الذي تضمنته هذه الآية الكريمة، وهو حكم مستقل بنفسه لا يلزم أن يكون جارياً على قياس جميع الأحكام، على أن هذا حكم خاص، بشهادة خاصة، في محل خاص، وقد اغتفر فيه من الأمور ما لم يغتفر في غيره، فإذا قامت قرينة الريبة، حلف هذا الشاهد بمقتضى ما دلت عليه هذه الآية الكريمة. وقوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَوَةِ﴾ قال العوفي: قال ابن عباس: يعني صلاة العصر، وكذا قال سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وقتادة وعكرمة ومحمد بن سيرين(٣). وقال الزهري: يعني صلاة المسلمين(٤). وقال السدي، عن ابن عباس: يعني صلاة أهل دينهما(٥). وروى عبد الرزاق، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عَبيدة (٦). وكذا قال إبراهيم وقتادة وغير واحد. والمقصود أن يقام هذان الشاهدان بعد صلاة اجتمع الناس فيها بحضرتهم ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ أي: فيحلفان بالله ﴿إِنِ آَرْتَبْتُمْ﴾ أي: إن ظهرت لكم منهما ريبة أنهما خانا أو غلا، فيحلفان حينئذٍ بالله ﴿لَا نَشْتَرِى بِهِ﴾ أي: بأيماننا، قاله مقاتل بن حيان(٧): ﴿ثَمَنًا﴾ أي: لا نعتاض عنه (١) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (مح) وتفسير الطبري. (٢) الانقطاع بين يزيد وابن مسعود، وكذلك ابن إسحاق لم يصرح بالسماع من يزيد. (٣) قول العوفي لم أجده ولكن قول سعيد بن جبير أخرجه الطبري وابن حزم (المحلى ٥٩١/١٠) بسند صحيح من طريق أبي بشر جعفر بن إياس، عن سعيد. وقول إبراهيم النخعي أخرجه الطبري بسند صحيح من طريقٍ مغيرة عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وأخرجه أيضاً الطبري بأسانيد صحيحة عن عامر الشعبي. وأخرجه أيضاً ابن أبي حاتم بسند صحيح عن عَبيدة السلماني. (٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم كلاهما بسند حسن من طريق الليث، عن عقيل، عن الزهري، وعقيل هذا هو ابن خالد الأيلي: ثقة (التهذيب ٢٥٥/٧). (٥) أخرجه الطبري عن السدي به وسنده منقطع لأن السدي لم يسمع من ابن عباس. (٦) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح. (٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عن مقاتل.