النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
• سُوَدَّةُ المَائِدَةِ (٧٢، ٧٥)
وقوله: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٌ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن
الحسن الهسنجاني، حدثنا سعيد بن الحكم بن أبي مريم، حدثنا الفضل، حدثني أبو صخر في
قول الله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَاثَةٍ﴾ قال: هو قول اليهود عزير ابن الله،
وقول النصارى: المسيح ابن الله، فجعلوا الله ثالث ثلاثة(١). وهذا قول غريب في تفسير الآية أن
المراد بذلك طائفتا اليهود والنصارى، والصحيح أنها نزلت في النصارى خاصة، قاله مجاهد(٢)
وغير واحد، ثم اختلفوا في ذلك فقيل: المراد بذلك كفارهم في قولهم بالأقانيم الثلاثة: وهو
أقنوم الأب، وأقنوم الابن، وأقنوم الكلمة المنبثقة من الأب إلى الابن، تعالى الله عن قولهم
علواً كبيراً. قال ابن جرير وغيره: والطوائف الثلاثة من الملكية واليعقوبية والنسطورية تقول بهذه
الأقانيم (٣)، وهم مختلفون فيها اختلافاً متبايناً ليس هذا موضع بسطه، وكل فرقة منهم تكفر
الأخرى، والحق أن الثلاثة كافرة.
وقال السدي وغيره: نزلت في جعلهم المسيح وأمه إلهين مع الله، فجعلوا الله ثالث ثلاثة (٤)
بهذا الاعتبار، قال السدي: وهي كقوله تعالى في آخر السورة ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ ءَأَنْتَ
قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِ وَأَقِىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ الآية [المائدة: ١١٦]، وهذا القول هو
الأظهر - والله أعلم - قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَاءٍ إِلَّ إِلَهٌ وَجِدٌ﴾ أي: ليس متعدداً بل هو
وحده لا شريك له، إله جميع الكائنات وسائر الموجودات، ثم قال تعالى متوعداً لهم ومتهدداً
﴿وَإِن لَّمْ يَنْتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ﴾ أي: من هذا الافتراء والكذب ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابُ
أَلِيمُ﴾ أي: في الآخرة من الأغلال والنكال، ثم قال: ﴿أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَىَ اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ، وَاللَّهُ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ وهذا من كرمه تعالى وجوده ولطفه ورحمته بخلقه مع هذا الذنب العظيم،
وهذا الافتراء والكذب والإفك، يدعوهم إلى التوبة والمغفرة، فكل من تاب إليه تاب عليه.
وقوله تعالى: ﴿مَّا الْمَسِيحُ أَبْثُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ أي: له سوية أمثاله
من سائر المرسلين المتقدمين عليه، وأنه عبد من عباد الله ورسول من رسله الكرام، كما قال:
﴾ [الزخرف].
٥٩)
﴿إِنّ هُوَ إِلَّا عَبْدُ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَحَعَلْنَهُ مَثَلًا لِبَنِىّ إِسْرَِّيلَ
وقوله: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ أي: مؤمنة به مصدقة له، وهذا أعلى مقاماتها، فدل على أنها
ليست بنبية كما زعمه ابن حزم وغيره ممن ذهب إلى نبوة [سارة](٥) أم إسحاق، ونبوة أم موسى،
ونبوة أم عيسى، استدلالاً منهم بخطاب الملائكة لسارة ومريم، وبقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَاً إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ
أَرْضِعِيَةِ﴾ [القصص: ٧] وهذا معنى النبوة، والذي عليه الجمهور أن الله لم يبعث نبياً إلا من
الرجال، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِىّ إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَّ﴾ [يوسف:
١٠٩] وقد حكى الشيخ أبو الحسن الأشعري تَّهُ الإجماع على ذلك.
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، الفضل هو ابن فضالة، وسنده صحيح.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٣) ذكره الطبري بنحوه (التفسير ٤٨٢/١٠ ط. شاكر).
(٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٥) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: ((سارية)) وهو تصحيف.

٤٤٢
• سُوَرَةُ الْمَائِدَةِ (٧٦، ٧٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقول تعالى: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامُّ﴾ أي: يحتاجان إلى التغذية به، وإلى خروجه منهما،
فهما عبدان كسائر الناس، وليسا بإلهين كما زعمت فرق النصارى الجهلة، عليهم لعائن الله
المتتابعة إلى يوم القيامة، ثم قال تعالى: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَتِ﴾ أي: نوضحها
ونظهرها ﴿ثُمَّ أَنْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ أي: ثم انظر بعد هذا البيان والوضوح والجلاء أين
يذهبون، وبأي قول يتمسكون، وإلى أي مذهب من الضلال يذهبون؟
42 ﴿قُلْ أَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرَّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِمُ
قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِ رِينِكُمْ غَيْرَ أَلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُواْ أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ
وَأَضَلُواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ
يقول تعالى منكراً على من عبد غيره من الأصنام والأنداد [والأوثان](١)، ومبيناً له أنها لا
تستحق شيئاً من الإلهية، فقال تعالى: ﴿قُلّ﴾ أي: يا محمد لهؤلاء العابدين غير الله من سائر فرق
بني آدم ودخل في ذلك النصارى وغيرهم ﴿أَبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرَّا وَلَا
نَفْعًا﴾ أي: لا يقدر على دفع ضر إليكم ولا إيجاد نفع إليكم، ﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي:
السميع لأقوال عباده، العليم بكل شيء، فلم عدلتم عنه إلى عبادة جماد لا يسمع ولا يبصر ولا
يعلم شيئاً ولا يملك ضراً ولا نفعاً لغيره ولا لنفسه؟ ثم قال: ﴿قُلْ يَأَهْلَ اُلْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِ
دِينِكُمْ غَيْرَ أَلْحَقِّ﴾ أي: لا تجاوزوا الحد في اتباع الحق ولا تطروا من أمرتهم بتعظيمه فتبالغوا
فيه حتى تخرجوه عن حيز النبوة إلى مقام الإلهية، كما صنعتم في المسيح وهو نبي من الأنبياء
فجعلتموه إلهاً من دون الله، وما ذاك إلا لاقتدائكم بشيوخكم، شيوخ الضلال الذين هم سلفكم
ممن ضل قديماً، ﴿وَأَضَلُواْ كَثِيرًا وَضَلُواْ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ﴾ أي: وخرجوا عن طريق الاستقامة
والاعتدال إلى طريق الغواية والضلال.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثنا عبد الله بن أبي
جعفر عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال: وقد كان قائم قام عليهم فأخذ بالكتاب والسنة
زماناً، فأتاه الشيطان فقال: إنما تركت أثراً أو أمراً قد عمل قبلك، فلا تحمد عليه، ولكن
ابتدع أمراً من قبل نفسك، وادع إليه وأجبر الناس عليه، ففعل ثم اذكرَ بعد فعله زماناً،
فأراد أن يتوب منه، فخلع سلطانه وملكه، وأراد أن يتعبد، فلبث في عبادته أياماً، فأتي فقيل
له: لو أنك تبت من خطيئة عملتها فيما بينك وبين ربك عسى أن يتاب عليك، ولكن ضل
فلان وفلان وفلان في سبيلك حتى فارقوا الدنيا وهم على الضلالة، فكيف لك بهداهم
فلا توبة لك أبداً؟ ففيه سمعنا وفي أشباهه هذه الآية ﴿قُلْ يَأَهْلَ اُلْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِى
دِينِكُمْ غَيْرَ أَلْحَقِّ وَلَا تَتَِّعُواْ أَهْوَءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ
(4﴾ (٢).
آلسپیلِ
(١) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: ((الأديان)) وهو تصحيف.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده جيد إلى الربيع لكنه من أخبار أهل الكتاب.

٤٤٣
• سُورَةُ المَائِدَة (٧٨، ٨١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
] ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ بَنِىّ إِسْرَِّيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى أَبْنِ مَرْيَمَّ ذَلِكَ بِمَا
عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ ﴿٨ كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ
تَرَّى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِتْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ
وَفِ اٌلْعَذَابِ هُمْ خَلِدُونَ
وَلَوْ كَانُواْ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءُ
وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَسِقُونَ (
يخبر تعالى أنه لعن الكافرين من بني إسرائيل من دهر طويل فيما أنزله على داود نبيه
وعلى لسان عيسى ابن مريم، بسبب عصيانهم الله واعتدائهم على خلقه.
قال العوفي، عن ابن عباس: لعنوا في التوراة والإنجيل وفي الزبور وفي الفرقان(١).
ثم بين حالهم فيما كانوا يعتمدونه في زمانهم، فقال تعالى: ﴿كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُنكَرٍ
فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (49)﴾ أي: كان لا ينهى أحد منهم أحداً عن ارتكاب المآئم
والمحارم، ثم ذمهم على ذلك ليحذر أن يرتكب مثل الذي ارتكبوه، فقال: ﴿لَيْسَ مَا كَانُواْ
يَفْعَلُونَ﴾ .
وقال الإمام أحمد نَّهُ: حدثنا يزيد، حدثنا شريك بن عبد الله، عن [علي بن بذيمة](٢)، عن
أبي عبيدة، عن عبد الله قال: قال رسول الله وَّه: ((لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي، نهتهم
علماؤهم فلم ينتهوا: فجالسوهم في مجالسهم)) قال يزيد: وأحسبه قال: (وأسواقهم، وواكلوهم
وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم))، ﴿ذَلِكَ
◌ِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ وكان رسول الله وَليل متكئاً، فجلس فقال: ((لا والذي نفسي بيده حتى
تأطروهم على الحق أطراً))(٣).
وكذا رواه الترمذي وابن ماجه من طريق علي بن بذيمة به، وقال الترمذي: حسن غريب ثم
رواه هو وابن ماجه عن بندار، عن ابن مهدي، عن سفيان، عن علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة
مرسلاً(٤)
وقال أبو داود: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، حدثنا يونس بن راشد، عن [علي بن
بذيمة](٥)، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله وَله: «إن أول ما دخل
النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع، فإنه لا
(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف عن عطية العوفي به، ولكنه توبع فقد أخرجه ابن أبي حاتم
بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بنحوه.
(٢) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: ((بديهة)) وهو تصحيف.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح٣٧١٣) وضعفه محققه أحمد شاكر، والعلة الانقطاع بين أبي
عبيدة وأبيه ابن مسعود.
(٤) سنن الترمذي، التفسير، سورة المائدة (ح٣٠٤٨) وسنن ابن ماجه، الفتن، باب الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر (ح٤٠٠٦)، وسنده ضعيف كسابقه.
(٥) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: ((علي بن بديهه)) وهو تصحيف.

٤٤٤
• سُورَةُ المَائِدَةِ (٧٨، ٨١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
يحل لك، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك
ضرب الله قلوب بعضهم ببعض - ثم قال -: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ بَفِى إِسْرَّهِيلَ عَلَى لِسَانٍ
دَاوُودَ وَعِيسَى أَبْنِ مَرْيَرًّ﴾ إلى قوله: ﴿فَسِقُونَ﴾ - ثم قال -: كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون
عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطراً، أو تقصرنه على الحق
قصراً)) (١).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، وهارون بن إسحاق الهمداني، قالا : حدثنا
عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن العلاء بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو بن مرة، عن
سالم الأفطس، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله وَله: ((إن الرجل من
بني إسرائيل كان إذا رأى أخاه على الذنب نهاه عنه تعذيراً، فإذا كان من الغد لم يمنعه ما رأى
منه، أن يكون أكيله وخليطه وشريكه)) وفي حديث هارون ((وشريبه))، ثم اتفقا في المتن («فلما
رأى الله ذلك منهم ضرب قلوب بعضهم على بعض، ولعنهم على لسان نبيهم داود وعيسى ابن
مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون)) ثم قال رسول الله وَله: ((والذي نفسي بيده، لتأمرن
بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد المسيء، ولتأطرنه على الحق أطراً، أو
ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض، أو ليلعنكم كما لعنكم)) والسياق لأبي سعيد(٢)، كذا قال
في رواية هذا الحديث، وقد رواه أبو داود أيضاً عن خلف بن هشام، عن أبي شهاب الحناط،
عن العلاء بن المسيب، عن عمرو بن مرة، عن سالم - وهو ابن عجلان الأفطس -، عن أبي
عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، عن النبي وَلجيوبنحوه، ثم قال أبو داود: كذا رواه خالد،
عن العلاء، عن عمرو بن مرة به، ورواه [المحاربي](٣) عن العلاء بن المسيب، عن عبد الله بن
عمرو بن مرة، عن سالم الأفطس، عن أبي عبيدة، عن عبد الله(٤).
قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي: وقد رواه خالد بن عبد الله الواسطي عن العلاء بن
المسيب، عن عمرو بن مرة، عن أبي موسى(٥).
والأحاديث في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة جداً، ولنذكر منها ما يناسب هذا
المقام، قد تقدم حديث جابر عند قوله: ﴿لَوْلَا يَنْهَنُهُمُ الرَّيَّنِيُونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٦٣] وسيأتي عند
قوله: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] حديث أبي
بكر الصديق وأبي ثعلبة الخشني، فقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان الهاشمي، أنبأنا إسماعيل بن
جعفر، أخبرني عمرو بن أبي عمرو، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأشهلي، عن حذيفة بن اليمان
أن النبي و ﴿ قال: ((والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله
أن يبعث عليكم عقاباً من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم))(٦)، ورواه الترمذي عن علي بن
(١) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الملاحم، باب الأمر والنهي ح٤٣٣٦) وسنده ضعيف كسابقه.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف كسابقه.
(٣) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: ((البخاري)) وهو تصحيف.
(٤) السنن، الملاحم، باب الأمر والنهي (ح٤٣٣٧). (٥) تحفة الأشراف ١٦١/٧.
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٨٨/٥)، وأخرجه الترمذي وحسنه (السنن، الفتن، باب ما جاء =

٤٤٥
• سُورَةُ المَائِدَةِ (٧٨، ٨١)
حجر عن إسماعيل بن جعفر به، وقال: هذا حديث حسن. وقال أبو عبد الله محمد بن يزيد بن
ماجه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا معاوية بن هشام، عن هشام بن سعد، عن عمرو بن
عثمان، عن عاصم بن عمر بن عثمان، عن عروة، عن عائشة قالت: سمعت رسول الله وَ الهول
يقول: ((مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم))(١). تفرد به،
وعاصم هذا مجهول.
وفي الصحيح من طريق الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن أبيه، عن أبي سعيد، وعن
قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله وَل ـ: ((من
رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف
الإيمان)) رواه مسلم (٢).
وقال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير، حدثنا سيف - هو: ابن أبي سليمان -، سمعت عدي بن
عدي الكندي يحدث عن مجاهد قال: حدثني مولى لنا أنه سمع جدي - يعني عدي بن
عميرة رُبه -، يقول: سمعت النبي ◌َله يقول: ((إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا
المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكرونه، فإذا فعلوا ذلك، عذب الله
الخاصة والعامة))، ثم رواه أحمد عن أحمد بن الحجاج، عن عبد الله بن المبارك، عن سيف بن
أبي سليمان، عن عيسى بن عدي الكندي، حدثني مولى لنا أنه سمع جدي يقول: سمعت
رسول الله ﴿ يقول، فذكره(٣)، هكذا رواه الإمام أحمد من هذين الوجهين.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا أبو بكر، حدثنا المغيرة بن زياد الموصلي عن
عدي بن عدي، عن العرس - يعني ابن عميرة -، عن النبي ◌ّير قال: ((إذا عملت الخطيئة في
الأرض كان من شهدها فكرهها، - وقال مرة فأنكرها - كان كمن غاب عنها، ومن غاب عنها
فرضيها كان كمن شهدها)) تفرد به أبو داود، ثم رواه عن أحمد بن يونس، عن أبي شهاب، عن
[مغيرة بن زياد] (٤)، عن عدي بن عدي مرسلاً(٥).
وقال أبو داود: حدثنا سليمان بن حرب وحفص بن عمر، قالا: حدثنا شعبة - وهذا لفظه -،
عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري قال: أخبرني من سمع النبي وَ ®، وقال سليمان، حدثني
رجل من أصحاب النبي 18 أن النبي وَلو قال: ((لن يهلك الناس حتى يَعذروا أو يُعذروا من
أنفسهم»(٦).
= في الأمر بالمعروف ... ح٢١٦٩)، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ١٧٦٢).
(١) السنن، الفتن، باب الأمر بالمعروف ... (ح ٤٠٠٤) ويشهد له سابقه.
(٢) صحيح مسلم، الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان (ح٧٩).
(٣) أخرجه الإمام أحمد من الطريقين (المسند ٢٥٨/٢٩ و٢٦٢ ح ١٧٧٢٠ و١٧٧٢٥)، قال محققوه عن سنده:
حسن لغيره. وحسنه الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٤/١٣).
(٤) كذا في (حم) و(مح) وسنن أبي داود، وفي الأصل: ((مغيرة بن أبي زياد)) وهو خطأ.
(٥) أخرجه أبو داود من الطريقين موصولاً ومرسلاً (السنن، الملاحم، باب الأمر والنهي ح٤٣٤٥ و٤٣٤٦)
وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٣٦٥١).
(٦) المصدر السابق (ح٤٣٤٧) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٦٥٣).

٤٤٦
سُورَةُ المَائِدَةِ (٧٨، ٨١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال ابن ماجه: حدثنا عمران بن موسى، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا علي بن زيد بن
جدعان، عن [أبي نضرة](١)، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله و ليل قام خطيباً، فكان فيما
قال: ((ألا لا يمنعن رجلاً هيبة الناس أن يقول الحق إذا علمه)). قال: فبكى أبو سعيد، وقال:
قد والله رأينا أشياء فهبنا(٢).
وفي حديث إسرائيل عن عطية عن أبي سعيد قال: قال رسول الله وَعليه: ((أفضل الجهاد كلمة
عدل(٣) عند سلطان جائر)) ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن غريب من
هذا الوجه (٤).
وقال ابن ماجه: حدثنا راشد بن سعيد الرملي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا حماد بن
سلمة، عن أبي غالب، عن أبي أمامة: قال: عرض لرسول الله وَ * رجل عند الجمرة الأولى،
فقال: يا رسول الله؛ أي الجهاد أفضل؟ فسكت عنه، فلما رمى الجمرة الثانية سأله فسكت عنه،
فلما رمى جمرة العقبة ووضع رجله في الغرز ليركب قال: ((أين السائل؟)) قال: أنا يا رسول الله.
قال: «كلمة حق تقال عند ذي سلطان جائر))(٥) تفرد به.
وقال ابن ماجه: حدثنا أبو كريب، حدثنا عبد الله بن نمير وأبو معاوية، عن الأعمش، عن
عمرو بن مُرة، عن أبي البُختري عن أبي سعيد قال؛ قال رسول الله وَلّى: ((لا يَحِقِر أحدكم نفسه))
قالوا يا رسول الله: كيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال: ((يرى أمر الله فيه مقال ثم لا يقول فيه، فيقول الله
له يوم القيامة: ما منعك أن تقول في كذا وكذا وكذا؟ فيقول: خشية الناس، فيقول: فإياي كنت
أحق أن تخشى»(٦) تفرد به، وقال أيضاً: حدثنا علي بن محمد، حدثنا محمد بن فضیل، حدثنا
يحيى بن سعيد، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن أبو طوالة، حدثنا نهار العبدي أنه سمع أبا سعيد
الخدري يقول: سمعت رسول الله و1890 يقول: ((إن الله يسأل العبد يوم القيامة حتى يقول: ما منعك
إذا رأيت المنكر أن تنكره؟ فإذا لقّن الله عبداً حجته قال: يا رب رجوتك] وفَرِقْتُ(٧)
(١) كذا في (حم) و(مح) وسنن ابن ماجه، وفي الأصل: ((أبي نصيره)) وهو تصحيف.
(٢) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، الفتن، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ح ٤٠٠٧) في سنده
علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف لكنه توبع فقد أخرجه الطيالسي في مسنده (ح٢١٥١)، وابن حبان في
صحيحه (الإحسان ح ٢٧٨)، كلاهما من طريق قتادة عن أبي نضرة به. وصححه الألباني في صحيح سنن
ابن ماجه (ح٣٢٣٧).
(٣) كذا في النسخ الثلاث والسنن الثلاث التي ستذكر في التخريج، وفي النسخ المطبوعة: كلمة حق.
(٤) سنن أبي داود، الملاحم، باب الأمر والنهي (ح ٤٣٤٤)، وسنن الترمذي، الفتن، باب ما جاء في أفضل
الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر (ح٢١٧٤)، وسنن ابن ماجه، الفتن، باب الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر (ح٤٠١١). وفي سندهم عطية وهو العوفي: ضعيف وله شواهد تقويه، ولهذا ضمنه الألباني في
السلسلة الصحيحة (ح٤٩١) وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٥٠٥/٤).
(٥) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (المصدر السابق ح٤٠١٢)، قال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن ابن
ماجه ح٣٢٤١).
(٦) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (المصدر السابق ح ٤٠٠٨)، وسنده ضعيف لأن أبا البختري لم يسمع من أبي
سعيد، وتقدم تخريجه في تفسير الآية ٥٤ من هذه السورة الكريمة.
(٧) أي: ((خفت الناس)).

٤٤٧
سُورَةُ المَائِدَةِ (٧٨، ٨١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الناس))(١) تفرد به أيضاً ابن ماجه، وإسناده لا بأس به.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عمرو بن عاصم، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن
الحسن، عن جندب، عن حذيفة، عن النبي ◌ّ ﴿ قال: ((لا ينبغي لمسلم أن يذل نفسه)) قيل: وكيف
يذل نفسه؟ قال: ((يتعرض من البلاء لما لا يطيق)). وكذا رواه الترمذي وابن ماجه جميعاً عن
محمد بن بشار، عن عمرو بن عاصم به، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب (٢).
وقال ابن ماجه: حدثنا العباس بن الوليد الدمشقي، حدثنا زيد بن يحيى بن عبيد الخزاعي،
حدثنا الهيثم بن حميد، حدثنا أبو معبد حفص بن غيلان الرعيني، عن مكحول، عن أنس بن
مالك قال: قيل: يا رسول الله، متى يترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؟ قال: ((إذا ظهر
فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم)) قلنا يا رسول الله، وما ظهر في الأمم قبلنا؟ قال: ((الملك في
صغاركم والفاحشة في كباركم والعلم في رذالكم)) قال زيد: تفسير معنى قول النبي ◌َ ◌ّر والعلم في
رذالكم إذا كان العلم في الفساق(٣)، تفرد به ابن ماجه، وسيأتي في حديث أبي ثعلبة عند قوله:
﴿لَا يَضُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] شاهد لهذا، إن شاء الله تعالى وبه الثقة.
وقوله تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ قال مجاهد: يعني بذلك
(٤)
المنافقين (٤).
وقوله: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ يعني: بذلك موالاتهم للكافرين، وتركهم موالاة المؤمنين
التي أعقبتهم نفاقاً في قلوبهم، وأسخطت الله عليهم سخطاً مستمراً إلى يوم معادهم، ولهذا قال:
﴿أَنْ سَخِطَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ وفسر بذلك ما ذمهم به، ثم أخبر عنهم أنهم ﴿وَفِ اُلْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾
يعني: يوم القيامة.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا مسلمة بن علي، عن الأعمش
بإسناد ذكره، قال: ((يا معشر المسلمين، إياكم والزنا، فإن فيه ست خصال: ثلاثاً في الدنيا،
وثلاثاً في الآخرة، فأما التي في الدنيا فإنه يذهب البهاء، ويورث الفقر، وينقص العمر، وأما
التي في الآخرة فإنه يوجب سخط الرب، وسوء الحساب، والخلود في النار))، ثم تلا
رسول الله وَّهِ: ﴿لَيْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِ الْعَذَابِ هُمْ خَلِدُونَ﴾ هكذا
ذكره ابن أبي حاتم(٥) .
وقد رواه ابن مردويه من طريق هشام بن عمار، عن مسلمة، عن الأعمش، عن شقيق، عن
حذيفة، عن النبي ◌َّرَ فذكره، وساقه أيضاً من طريق سعيد بن [عُفير](٦) عن مسلمة، عن أبي
(١) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه المصدر السابق (ح٤٠١٧) وتقدم تخريجه وتحسينه في تفسير الآية رقم ٥٤ من
هذه السورة الكريمة، وحكمه موافق لما ذهب إليه الحافظ ابن كثير.
(٢) تقدم تخريجه كسابقه، وورد بعده مباشرة.
(٣) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (المصدر السابق ح٤٠١٥)، وصحح سنده البوصيري (مصباح الزجاجة ٣/
٢٤٤)، ويؤيد هذا قول ابن كثير لأنه يشير إلى تقويته بحديث أبي تعلبة الآتي في سورة المائدة آية ١٠٥.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف معضل، بل فيه نكارة وهو ذكر الخلود في النار!
(٦) كذا في (حم) و(مح) والتقريب، وفي الأصل صحف إلى: ((عفر)).

٤٤٨
سُورَةُ المَائِدَة (٨٢، ٨٦)
عبد الرحمن الكوفي، عن الأعمش، عن شقيق، عن حذيفة، عن النبي - ﴿ فذكر مثله(١). وهذا
حديث ضعيف على كل حال، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُواْ يُؤْمِنُونَ بِلَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا أَتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَامَ﴾ أي: لو
آمنوا حق الإيمان بالله والرسول والقرآن لما ارتكبوا ما ارتكبوه من موالاة الكافرين في الباطن،
ومعاداة المؤمنين بالله والنبي وما أنزل إليه، ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَسِقُونَ﴾ أي: خارجون عن
طاعة الله ورسوله، مخالفون لآيات وحيه وتنزيله.
لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَلْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً
لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَرَىَّ ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِبِسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْدُونَ ()
وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّاَ ءَامَنًا
فَأَكْثُبْنَا مَعَ الشَِّهِدِينَ ﴿٨ وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ
الصَّلِحِينَ
(٨) فَأَتَبَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيَهَا وَذَلِكَ جَزَآءُ الْمُحْسِنِينَ
وَأَلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ ﴾﴾.
٨٥
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: نزلت هذه الآيات في النجاشي وأصحابه الذين حين
تلا عليهم جعفر بن أبي طالب بالحبشة القرآن، بكوا حتى [أخضلوا](٢) لحاهم(٣).
وهذا القول فيه نظر، لأن هذه الآية مدنية، وقصة جعفر مع النجاشي قبل الهجرة.
وقال سعيد بن جبير والسدي وغيرهما: نزلت في وفد بعثهم النجاشي إلى النبي وَّ ليسمعوا
كلامه ويروا صفاته، فلما رأوه وقرأ عليهم القرآن أسلموا وبكوا وخشعوا، ثم رجعوا إلى
النجاشي فأخبروه(٤).
قال السدي: فهاجر النجاشي فمات بالطريق(٥).
وهذا من أفراد السدي، فإن النجاشي مات وهو ملك الحبشة، وصلى عليه النبي ◌َّ يوم
مات، وأخبر به أصحابه، وأخبر أنه مات بأرض الحبشة. ثم اختلف في عدة هذا الوفد، فقيل:
اثنا عشر: سبعة قساوسة وخمسة رهابين. وقيل: بالعكس. وقيل: خمسون. وقيل: بضع
وستون. وقيل: سبعون رجلاً، فالله أعلم.
وقال عطاء بن أبي رباح: هم قوم من أهل الحبشة أسلموا حين قدم عليهم مهاجرة الحبشة من
المسلمين(٦) .
(١) ضعفه الحافظ إضافة للنكارة المذكورة في سابقه.
(٢) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: ((اخضبوا)).
(٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به نحوه.
(٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بأسانيد مرسلة يقوي بعضها بعضاً عن سعيد بن جبير وعن السدي.
(٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي لكنه مرسل تفرد به.
(٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو ابن داود وهو ضعيف، ويشهد له ما سبق عن ابن عباس
وسعيد بن جبير والسدي.

٤٤٩
سُوَدَّةُ القَائِدَة (٨٢، ٨٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال قتادة: هم قوم كانوا على دين عيسى ابن مريم، فلما رأوا المسلمين، وسمعوا القرآن
أسلموا ولم يتلعثموا(١)، واختار ابن جرير أن هذه الآيات نزلت في صفة أقوام بهذه المثابة،
سواء كانوا من الحبشة أو غيرها.
فقوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَوَةً لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَلْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾ ما ذاك إلا لأن
كفر اليهود كفر عناد وجحود ومباهتة للحق وغمط للناس وتنقص بحملة العلم، ولهذا قتلوا كثيراً
من الأنبياء حتى همّوا بقتل رسول الله ب * غير مرة، وسموه وسحروه، وألّبوا عليه أشباههم من
المشركين عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة.
قال الحافظ أبو بكر بن مردويه عند تفسير هذه الآية: حدثنا أحمد بن محمد بن السري،
حدثنا محمد بن علي بن حبيب الرقي، حدثنا علي بن سعيد العلاف، حدثنا أبو النضر، عن
[الأشجعي](٢)، عن سفيان، عن يحيى بن عبد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله وَل: ((ما خلا يهودي بمسلم قط إلا همّ بقتله))، ثم رواه عن محمد بن أحمد بن
إسحاق العسكري، حدثنا أحمد بن سهل بن أيوب الأهوازي، حدثنا فرج بن عبيد، حدثنا عباد بن
العوام، عن يحيى بن عبد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ له: ((ما خلا
يهودي بمسلم إلا حدث نفسه بقتله))(٣)، وهذا حديث غريب جداً.
وقوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمِ قَوَدَّةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَدَرَىَّ﴾ أي: الذين
زعموا أنهم نصارى من أتباع المسيح وعلى منهاج إنجيله فيهم مودة للإسلام وأهله في الجملة،
وما ذاك إلا لما في قلوبهم إذ كانوا على دين المسيح من الرقة والرأفة، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا
فِى قُلُوبٍ أَلَّذِينَ أَتَبَعُوهُ رَأْفَةٌ وَرَحْمَةُ وَرَهْبَانِيَّةً﴾ [الحديد: ٢٧] وفي كتابهم: من ضربك على خدك
الأيمن فأدر له خدك الأيسر. وليس القتال مشروعاً في ملتهم، ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ
مِنْهُمْ قِبِسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبُونَ﴾ أي: يوجد فيهم القسيسون وهم خطباؤهم
وعلماؤهم، واحدهم قسيس وقس أيضاً، وقد يجمع على قسوس، والرهبان جمع راهب، وهو
العابد، مشتق من الرهبة، وهي الخوف، کراکب وركبان، وفرسان.
قال ابن جرير: وقد يكون الرهبان واحداً وجمعه رهابين، مثل قربان وقرابين، وجردان
وجرادين، وقد يجمع على رهابنة، ومن الدليل على أنه يكون عند العرب واحداً قول الشاعر:
لانحذر الرهبان يمشي ونزل (٤)
لو عاينت رُهبان دير في القلل
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا بشر بن آدم. حدثنا نصير بن أبي الأشعث، حدثني
الصلت الدهان، عن حامية(٥) بن رئاب، قال: سألت سلمان عن قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبه عن قتادة بنحوه.
(٢) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل صحف إلى: ((الأشعي)).
(٣) أخرجه الخطيب البغدادي من طريق محمد بن سيرين عن أبي هريرة ثم قال: هذا حديث غريب جداً من
حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة (تاريخ بغداد ٣١٦/٨)، وضعفه ابن كثير.
(٤) ذكره في التفسير بلفظه مع الشاهد (٥٣/١٠) ط. شاكر.
(٥) كذا في الأصل ومن ترجم له، وفي (مح): جاثمة. وهو تصحيف.

٤٥٠
• سُورَةُ المَائِدَة (٨٢، ٨٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
مِنْهُمْ قِيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ فقال: دع القسيسين في البيع والخرب، أقرأني رسول الله وَله: ((ذلك
بأن منهم صديقين ورهبانا))(١)، وكذا رواه ابن مردويه من طريق يحيى بن عبد الحميد الحماني،
عن نُصير بن زياد الطائي، عن صلت الدهان، عن حامية بن رئاب، عن سلمان به (٢).
قال ابن أبي حاتم: ذكره أبي، حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحِمّاني، حدثنا نصير بن زياد
الطائي، حدثنا صلت الدهان، عن حامية بن رئاب قال: سمعت سلمان وسئل عن قوله: ﴿ذَلِكَ
◌ِأَنَّ مِنْهُمْ قِيِسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ فقال: هم الرهبان الذين هم في الصوامع والخرب فدعوهم فيها،
قال سلمان: وقرأت على النبيِ وَّهِ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِيسِينَ﴾ فأقرأني («ذلك بأن منهم
صديقين ورهباناً))(٣).
فقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْرُونَ﴾ تضمن وصفهم بأن فيهم العلم
والعبادة والتواضع، ثم وصفهم بالانقياد للحق واتباعه والإنصاف، فقال: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى
الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ مِمَا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ﴾ أي: مما عندهم من البشارة ببعثة محمد وَّل
﴿يَقُولُونَ رَبَّنَاَ ءَامَنًا فَأَكْتُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ﴾ أي: مع من يشهد بصحة هذا ويؤمن به.
وقد روى النسائي عن عمرو بن علي الفلاس، عن عمر بن علي بن مقدم، عن هشام بن
عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير قال: نزلت هذه الآية في النجاشي وفي أصحابه ﴿وَإِذَا
سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ مِمَا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَاَ ءَامَنَا فَأَكْتُبْنَا مَعَ
الشَّهِدِينَ (فَ﴾﴾(٤). وروى ابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم في مستدركه من طريق [سماك](٥)،
عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَكْثُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ﴾ أي: مع محمد وٍَّ وأمته هم
الشاهدون، يشهدون لنبيهم ﴿ أنه قد بلغ وللرسل أنهم قد بلغوا، ثم قال الحاكم: صحيح
الإسناد، ولم يخرجاه(٦).
وقال الطبراني: حدثنا أبو شبيل عبيد الله بن عبد الرحمن بن واقد، حدثنا أبي، حدثنا
العباس بن الفضل، عن عبد الجبار بن نافع الضبي، عن قتادة، وجعفر بن إياس، عن سعيد بن
جبير، عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ
الذَّمْعِ﴾ قال: إنهم كانوا نوّاتين يعني: ملاحين(٧)، قدموا مع جعفر بن أبي طالب من الحبشة،
(١) أخرجه البزار بسنده ومتنه (البحر الزخار ٤٩٩/٦ ح ٢٥٣٧)، وسنده ضعيف لضعف نصير بن زياد (المجمع
١٧/٧)، وكذلك فيه حامية بن رئاب سكت عنه البخاري (التاريخ الكبير ١١٨/٣)، وابن أبي حاتم (الجرح
والتعديل ٣١٤/٣).
(٢) وسنده ضعيف للعلل المتقدمة في سابقه.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف للعلل المتقدمة في سابقه.
(٤) أخرجه النسائي بسنده ومتنه (السنن الكبرى - التفسير - سورة المائدة قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَى
الرَّسُولِ ... ﴾ [٨٣] ٤٤٣/١ ح٦٨). وسنده صحيح. قال الهيثمي: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير
محمد بن عثمان بن بحر: ثقة (المجمع ٤١٩/٩).
(٥) كذا في (حم) و(مح) والتخريج، وفي الأصل صحف إلى: ((مالك)).
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم والحاكم من طريق سماك به وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ٣١٣/٢).
(٧) استشهد ابن الأثير بهذا الأثر وذكر أن النوتي هو الملاح (النهاية ١٢٣/٥).

٤٥١
سُورَةُ المَائِدَة (٨٨،٨٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فلما قرأ رسول الله ﴿ عليهم القرآن، آمنوا وفاضت أعينهم، فقال رسول الله وَّيقول: ((لعلكم إذا
رجعتم إلى أرضكم انتقلتم إلى دينكم)) فقالوا: لن ننتقل عن ديننا، فأنزل الله ذلك من قولهم:
١)
٨٤
﴿وَمَا لَنَا لَا تُؤْمِنُ بِلَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ
وهذا الصنف من النصارى هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَمَن يُؤْمِنُ
بِاللَّهِ وَمَّا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَشِعِينَ لِلَّهِ﴾ الآية [آل عمران: ١٩٩]، وهم الذين قال الله فيهم:
﴿الَِّينَ ءَاثَيْتَهُمُ الْكِنَبَ مِن قَبْلِهِ، هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ ﴿﴿ وَإِذَا يُثَى عَلَِمْ قَالُوَاْ ءَامَنَا بِهَ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ زَيِّنَاً إِنَّا كُنَّا
مِن قَبْلِهِ، مُسْلِمِينَ ﴾﴾ إلى قوله: ﴿لَا نَبْتَغِى الْجَهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٥] ولهذا قال تعالى ههنا:
﴿فَتَبَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾ أي: فجزاهم على إيمانهم وتصديقهم
واعترافهم بالحق ﴿جَنَّتِ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَالِينَ فِيَهَا﴾ أي: ماكئين فيها أبداً لا يحولون ولا
يزولون ﴿وَذَلِكَ جَزَآءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: في اتباعهم الحق وانقيادهم له حيث كان وأين كان ومع
من كان، ثم أخبر عن حال الأشقياء فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِثَايَتِنَآَ﴾ أي: جحدوا بها
وخالفوها، ﴿أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ لَلَْحِيمِ﴾ أي: هم أهلها والداخلون فيها .
] ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَزِّمُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوَأْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
(M
وَكُلُواْ مِمَا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلًا طَيِّبًا وَأَنَّقُواْ اللَّهَ الَّذِىّ أَنتُم بِهِ، مُؤْمِنُونَ
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في رهط من أصحاب النبي وَّر،
قالوا: نقطع مذاكيرنا، ونترك شهوات الدنيا، ونسيح في الأرض كما يفعل الرهبان، فبلغ ذلك
النبي ◌ّ﴾، فأرسل إليهم فذكر لهم ذلك، فقالوا: نعم، فقال النبي ◌َّ: ((لكني أصوم وأفطر،
وأصلي، وأنام، وأنكح النساء، فمن أخذ بسنتي فهو مني، ومن لم يأخذ بسنتي فليس مني)) رواه
ابن أبي حاتم (٢)، وروى ابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس نحو ذلك(٣)، وفي
الصحيحين عن عائشة ثا أن ناساً من أصحاب رسول الله ﴿ سألوا أزواج النبي وَ ◌ّ ر عن عمله
في السر فقال بعضهم: لا آكل اللحم. وقال بعضهم: لا أتزوج النساء. وقال بعضهم: لا أنام
على الفراش. فبلغ ذلك النبي ◌َّي﴿ فقال: ((ما بال أقوام يقول أحدهم كذا وكذا، لكني أصوم
وأفطر، وأنام وأقوم، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني))(٤).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام الأنصاري، حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد،
(١) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه بدون ذكر الآية في آخره (المعجم الكبير ٥٥/١٢ ح١٢٤٥٥)، قال الهيثمي
وفيه: العباس بن الفضل الأنصاري وهو ضعيف (المجمع ١٨/٧)، بل هو متروك اتهمه أبو زرعة (التقريب
٥٠٢/١ وتهذيب الكمال ٤٧٤/١٧).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي طلحة به وسنده ضعيف لأنه ليست من الصحيفة، لأن الصحيفة
خالية من الأحاديث المرفوعة كما نقلها السيوطي في الاتقان، وسبب الضعف الانقطاع بين ابن أبي طلحة
وابن عباس، ولكن له شواهد تأتي، فيكون سنده حسناً لغيره.
(٣) سنده ضعيف ويشهد له ما يليه في الصحيحين.
(٤) أخرجه البخاري من حديث أنس بن مالك (الصحيح، النكاح، باب الترغيب في النكاح ح ٥٠٦٣)، وأخرجه
مسلم (الصحيح، النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ح١٤٠١).

٤٥٢
سُورَةُ الْعَائِدَة (٨٧، ٨٨)
عن عثمان يعني [ابن سعد](١)، أخبرني عكرمة، عن ابن عباس أن رجلاً أتى النبي ◌َّ فقال: يا
رسول الله، إني إذا أكلت من هذا اللحم انتشرت إلى النساء، وإني حرمت عليّ اللحم، فنزلت
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾(٢). وكذا رواه الترمذي وابن جرير جميعاً عن
عمرو بن علي الفلاس عن أبي عاصم النبيل به. وقال: حسن غريب(٣). وقد روي من وجه آخر
مرسلاً، وروي موقوفاً على ابن عباس، فالله أعلم.
وقال سفيان الثوري ووكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن
عبد الله بن مسعود، قال: كنا نغزو مع النبي وَل﴿ وليس معنا نساء، فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا
رسول الله ﴿ عن ذلك، ورخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله ﴿يَأَيُها
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَّا أَهَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية (٤)، أخرجاه من حديث إسماعيل(٥)، وهذا كان
قبل تحريم نكاح المتعة، والله أعلم.
وقال الأعمش، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث، عن عمرو بن شرحبيل، قال: جاء
معقل بن مقرن إلى عبد الله بن مسعود فقال: إني حرمت فراشي، فتلا هذه الآية ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَّا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية (٦).
وقال الثوري، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، قال: كنا عند عبد الله بن مسعود،
فجيء بضرع فتنحى رجل، فقال له عبد الله: ادْنُ، فقال: إني حرمت أن آكله، فقال عبد الله:
اذْنُ فاطعم وكفر عن يمينك، وتلا هذه الآية ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾
الآية: رواهن ابن أبي حاتم، وروى الحاكم هذا الأثر الأخير في مستدركه من طريق إسحاق بن
راهويه، عن جرير، عن منصور به، ثم قال: على شرط الشيخين، ولم يخرجاه(٧).
ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني هشام بن سعد
أن زيد بن أسلم حدثه أن عبد الله بن رواحة أضافه ضيف من أهله، وهو عند النبي صلّر، ثم رجع
إلى أهله فوجدهم، لم يطعموا ضيفهم انتظاراً له، فقال لامرأته حبست ضيفي من أجلي هو علي
حرام، فقالت امرأته: هو علي حرام. وقال الضيف: هو علي حرام، فلما رأى ذلك وضع يده
(١) كذا في (حم) وتفسير ابن أبي حاتم وترجمته، وفي (مح) والأصل: ((ابن سعيد)) وهو تصحيف.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب ضعف عثمان بن سعد وهو الكاتب ضعفه جمع من
النقاد المعتبرين (ميزان الاعتدال ٣٤/٣ - ٣٥).
(٣) سنن الترمذي، تفسير القرآن، باب ومن سورة المائدة (ح ٣٠٥٤).
(٤) سنده صحيح.
(٥) صحيح البخاري، التفسير، باب قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَزِّمُواْ طَيِّبَتِ مَّا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة:
٨٧] (ح ٤٦١٥)، وصحيح مسلم، النكاح، باب نكاح المتعة وبيان أنه أبيح ثم نسخ (ح ١٤٠٤).
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الأعمش به، وسنده صحيح قال الهيثمي: رواه الطبراني بأسانيد ورجال هذا
وغيره رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٦/ ٢٧٧).
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الثوري به، وسنده صحيح وأخرجه الحاكم من طريق الثوري به وصححه
ووافقه الذهبي (المستدرك ٣١٣/٢)، وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح
(المجمع ١٩٣/٤).

٤٥٣
• سُورَةُ القَائِدَةِ (٨٧، ٨٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال: كلوا باسم الله، ثم ذهب إلى النبي -﴿ فذكر الذي كان منهم، ثم أنزل الله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾(١) وهذا أثر منقطع.
وفي صحيح البخاري في قصة الصديق مع أضيافه شبيه بهذا (٢)، وفيه وفي هذه القصة دلالة
لمن ذهب من العلماء كالشافعي وغيره إلى أن من حرم مأكلاً أو ملبساً أو شيئاً ما عدا النساء
أنه لا يحرم عليه، ولا كفارة عليه أيضاً، ولقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِبَتِ مَآ
أَحَلَ اَللَّهُ لَكُمْ﴾ ولأن الذي حرم اللحم على نفسه كما في الحديث المتقدم لم يأمره النبي وَلّ
بكفارة، وذهب آخرون منهم الإمام أحمد بن حنبل إلى أن من حرم مأكلاً أو مشرباً أو ملبساً أو
شيئاً من الأشياء، فإنه يجب عليه بذلك كفارة يمين، كما إذا التزم تركه باليمين، فكذلك يؤاخذ
بمجرد تحريمه على نفسه إلزاماً له بما التزمه، كما أفتى بذلك ابن عباس، وكما في قوله
تعالى: ﴿وَيُّهَا النَِّىُّ لِمَ تُحُ مَآ أَعَلَ اَللَّهُ لَكِّ ◌َبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾﴾ [التحريم]، ثم
قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اَللَّهُ لَكُنْ تَجِلَّةَ أَيْمَئِكُمْ﴾ الآية [التحريم: ٢]، وكذلك ها هنا لما ذكر هذا الحكم،
عقبه بالآية المبينة لتكفير اليمين، فدل على أن هذا منزل منزلة اليمين في اقتضاء التكفير، والله
أعلم.
وقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد
قال: أراد رجال منهم عثمان بن مظعون وعبد الله بن عمرو أن يتبتلوا، ويخصوا أنفسهم، ويلبسوا
المسوح، فنزلت هذه الآية إلى قوله: ﴿وَأَثَّقُواْ اللَّهَ اُلَّذِىّ أَنْتُم بِهِ، مُؤْمِنُونَ﴾ قال ابن جريجٍ، عن
عكرمة: أن عثمان بن مظعون وعلي بن أبي طالب وابن مسعود والمقداد بن الأسود وسالماً مولى
أبي حذيفة في أصحابه تبتلوا، فجلسوا في البيوت، واعتزلوا النساء، ولبسوا المسوح، وحرموا
طيبات الطعام واللباس، إلا ما يأكل ويلبس أهل السياحة من بني إسرائيل، وهموا بالاختصاء،
وأجمعوا لقيام الليل، وصيام النهار، فنزلت هذه الآية ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَّ أَحَلَّ
اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوَّأْ إِّ اَللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (6) يقول: لا تسيروا بغير سنة المسلمين، يريد ما
حرموا من النساء والطعام واللباس، وما أجمعوا له من قيام الليل وصيام النهار، وما هموا به من
الاختصاء، فلما نزلت فيهم بعث إليهم رسول الله وَ ﴿ فقال: ((إن لأنفسكم حقاً، وإن لأعينكم
حقاً، صوموا وأفطروا، وصلوا وناموا، فليس منا من ترك سنتنا)) فقالوا: اللهم سلمنا واتبعنا ما
أنزلت(٣) .
وقد ذكر هذه القصة غير واحد من التابعين مرسلة، ولها شاهد في الصحيحين من رواية عائشة
أم المؤمنين كما تقدم ذلك(٤)، ولله الحمد والمنة.
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب الانقطاع بين زيد وابن رواحة ﴿ه.
(٢) وفيه أنه حلف على عدم الأكل ثم رجع عن ذلك فأكل إذ قال: والله لا أطعمه الليلة ... (الصحيح،
الأدب، باب ما يكره من الغضب والجزع عند الضيف ح ٦١٤٠).
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف الحسين وهو ابن داود المُلقب بسُنيد، وله شاهد كما
يلي.
(٤) تقدم في الصفحة قبل السابقة وتخريجه من الصحيحين.

٤٥٤
• سُورَةُ المَائِدَة (٨٧، ٨٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال أسباط، عن السدي في قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا
وذلك أن رسول الله ◌َف جلس يوماً فذكر الناس، ثم
تَعْنَدُوَأْ إِنَ اللَّ لَا يُحِبُّ الـ
قام ولم يزدهم على التخويف، فقال ناس من أصحاب النبي وَّر: كانوا عشرة منهم علي بن
أبي طالب وعثمان بن مظعون: ما حقنا إن لم نحدث عملاً، فإن النصارى قد حرموا على
أنفسهم فنحن نحرم، فحرم بعضهم أن يأكل اللحم والودك، وأن يأكل بالنهار، وحرم بعضهم
النوم، وحرم بعضهم النساء، فكان عثمان بن مظعون ممن حرم النساء فكان لا يدنو من أهله
ولا يدنون منه، فأتت امرأته عائشة فيها وكان يقال لها الحولاء، فقالت لها عائشة ومن عندها
من أزواج النبي وهو: ما بالك يا حولاء متغيرة اللون، لا تمتشطين ولا تتطيبين؟ فقالت: وكيف
أمتشط وأتطيب وما وقع علي زوجي، وما وقع عني ثوباً منذ كذا وكذا؟ قال: فجعلن يضحكن
من كلامها، فدخل رسول الله وَله وهن يضحكن، فقال: ((ما يضحككن؟)) قالت: يا رسول الله
إن الحولاء سألتها عن أمرها. فقالت: ما رفع عني زوجي ثوباً منذ كذا وكذا، فأرسل إليه
فدعاه فقال: ((مالك يا عثمان؟)) قال: إني تركته لله لكي أتخلى للعبادة، وقص عليه أمره، وكان
عثمان قد أراد أن يجبّ نفسه، فقال رسول الله وَله: ((أقسمت عليك إلا رجعت فواقعت
أهلك)). فقال: يا رسول الله إني صائم. فقال: ((أفطر)) فأفطر وأتى أهله، فرجعت الحولاء إلى
عائشة وقد امتشطت واكتحلت وتطيبت، فضحكت عائشة وقالت: ما لك يا حولاء؟ فقالت: إنه
أتاها أمس.
وقال رسول الله ويجر: ((ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والنوم، ألا إني أنام وأقوم وأفطر
وأصوم وأنكح النساء، فمن رغب عني فليس مني)) فنزلت ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَّ
أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُواْ﴾ يقول لعثمان: لا تجبّ نفسك، فإن هذا هو الاعتداء، وأمرهم أن
يكفروا عن أيمانهم فقال: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِلَّغْوِ فِيَ أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَدِذُكُم بِمَا عَقَدْتُمُ الْأَيْمَنِّ﴾
[المائدة: ٨٩]، رواه ابن جرير(١).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوّأْ﴾ يحتمل أن يكون المراد منه ولا تبالغوا في التضييق على أنفسكم
بتحريم المباحات عليكم، كما قاله من قاله من السلف، ويحتمل أن يكون المراد كما لا تحرموا
الحلال فلا تعتدوا في تناول الحلال، بل خذوا منه بقدر كفايتكم وحاجتكم ولا تجاوزوا الحد
فيه: كما قال تعالى: ﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ وَلاَ شْرِفُواْ﴾ الآية [آل عمران: ٣١]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُواْ
لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٣)﴾ [الفرقان] فشرع الله عدل بين الغالي فيه
والجافي عنه، لا إفراط ولا تفريط، ولهذا قال: ﴿لَا تُحَرِّمُواْ طَيْبَتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَّمْتَدُوَأَ
إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ثم قال: ﴿وَكُلُواْ مَِّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلًا طَيِّبًا﴾ أي: في حال كونه حلالاً
طيباً ﴿وَأَثَقُوا اللَّهَ﴾ أي: في جميع أموركم، واتبعوا طاعته ورضوانه، واتركوا مخالفته وعصيانه
﴿وَأَثَّقُواْ اللَّهَ الَّذِىّ أَنْتُم بِهِ، مُؤْمِنُونَ﴾ .
(١) أخرجه الطبري بطوله بسند حسن من طريق أسباط عن السدي لكنه مرسل.

٤٥٥
سُورَةُ القَائِدَة (٨٩)
090000000000000000000000000000000000000000000 000 000 000 000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
22 ﴿لَا يُؤَخِذُكُمُ اللَّهُ بِلَّغْوِ فِ أَيْمَنْكُمْ وَلَكِن يُؤَكِذُكُم بِمَا عَقَّدُمُ الْأَيْمَنِّ فَكَفَّرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ
مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَو كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيُرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَضِيَامُ ثَةٍ أَيٍََّ ذَلِكَ
كَفَّرَةُ أَيْمَئِكُمْ إِذَا حَفْتُمْ وَأَحْفَظُواْ أَيْمَنَّكُمْ كَذَلِكَ يُبَّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
وقد تقدم الكلام على اللغو في اليمين في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته ههنا(١)، ولله
الحمد والمنة، وأنه قول الرجل في الكلام من غير قصد: لا والله وبلى والله. وهذا مذهب
الشافعي. وقيل: هو في الهزل. وقيل: في المعصية. [وقيل: على غلبة الظن، وهو قول أبي
حنيفة وأحمد. وقيل: اليمين في الغضب](٢) وقيل: في النسيان. وقيل: هو الحلف على ترك
المأكل والمشرب والملبس ونحو ذلك(٣)، واستدلوا بقوله: ﴿لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ
[المائدة: ٨٧] والصحيح أنه اليمين من غير قصد بدليل قوله: ﴿وَلَكِن يُؤَلِذُكُم بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَنِّ﴾
أي: بما صممتم عليه منها وقصدتموها، ﴿فَكَفَّرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَكِينَ﴾ يعني: محاويج من
الفقراء ومن لا يجد ما يكفيه.
وقوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة: أي من أعدل
ما تطعمون أهليكم(٤) .
وقال عطاء الخراساني: من أمثل ما تطعمون أهليكم(٥).
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن أبي
إسحاق السبيعي، عن الحارث، عن علي قال: خبز ولبن، وخبز وسمن(٦).
وقال ابن أبي حاتم: أنبأنا يونس بن عبد الأعلى - قراءة -، حدثنا سفيان بن عيينة، عن
سليمان - يعني ابن أبي المغيرة -، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان الرجل يقوت
بعض أهله قوت دون، وبعضهم قوتاً فيه سعة، فقال الله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾
أي: من الخبز والزيت(٧).
وحدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع، حدثنا إسرائيل، عن جابر، عن عامر، عن ابن عباس
﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ قال: من عسرهم ويسرهم(٨).
وحدثنا عبد الرحمن بن خلف الحمصي. حدثنا محمد بن شعیب - يعني ابن شابور -، وحدثنا
(١) تقدم في سورة البقرة آية ٢٢٥.
(٢) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (حم) و(مح).
(٣) ذكر ابن أبي حاتم سبعة أوجه وساقها بأسانيدها وبعضها أوردها بحذف الإسناد.
(٤) قول ابن عباس وعكرمة ذكرهما ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول سعيد بن جبير أخرجه بسند حسن من
طريق عطاء بن دينار عن سعيد.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عثمان بن عطاء عن أبيه، وسنده ضعيف لضعف عثمان بن عطاء.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف الحارث وهو الأعور الهمداني.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف جابر وهو الجعفي.

٤٥٦
• سُورَةُ المَائِدَةِ (٨٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
[شيبان](١) بن عبد الرحمن التميمي، عن ليث بن أبي سُليم، عن عاصم الأحول، عن رجل يقال
له: عبد الرحمن، عن ابن عمر به أنه قال: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾، قال: الخبز
واللحم، والخبز والسمن، والخبز واللبن، والخبز والزيت، والخبز والخل(٢).
وحدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا أبو معاوية، عن عاصم، عن ابن سيرين، عن ابن
عمر في قوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيَكُمْ﴾ قال: الخبز والسمن، والخبز واللبن، والخبز
والزيت، والخبز والتمر، ومن أفضل ما تطعمون أهليكم الخبز واللحم (٣).
ورواه ابن جرير عن هناد وابن وكيع، كلاهما عن أبي معاوية (٤)، ثم روى ابن جرير عن عبيدة
والأسود وشريح القاضي ومحمد بن سيرين والحسن والضحاك وأبي رزين، أنهم قالوا نحو
ذلك(٥)، وحكاه ابن أبي حاتم عن مكحول أيضاً(٦).
واختار ابن جرير أن المراد بقوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ أي: في القلة والكثرة، ثم
اختلف العلماء في مقدار ما يطعمهم:
فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن حصين
الحارثي، عن الشعبي، عن الحارث، عن علي ◌َُّه في قوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾
قال: يغديهم ويعشيهم(٧) .
وقال الحسن ومحمد بن سيرين: يكفيه أن يطعم عشرة مساكين أكلة واحدة خبزاً ولحماً، زاد
الحسن: فإن لم يجد فخبزاً وسمناً ولبناً، فإن لم يجد فخبزاً وزيتاً وخلاً، حتى يشبعوا(٨).
وقال آخرون: يطعم كل واحد من العشرة نصف صاع من بر أو تمر ونحوهما، فهذا قول عمر
وعلي وعائشة ومجاهد والشعبي وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وميمون بن مهران وأبي مالك
والضحاك والحكم ومكحول وأبي قلابة ومقاتل بن حيان. وقال أبو حنيفة: نصف صاع بُرّ وصاع
مما عداه.
وقد قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن الثقفي، حدثنا عبيد بن
الحسن بن يوسف، حدثنا محمد بن معاوية، حدثنا زياد بن عبد الله بن الطفيل بن [سخبرة](٩) بن
أخي عائشة لأمه، حدثنا عمر بن يعلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن
عباس، قال: كفّر رسول الله وَ * بصاع من تمر، وأمر الناس به، ومن لم يجد فنصف صاع من
(١) كذا في (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل صُحف إلى: ((سفيان)).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده عبد الرحمن لم يُنسب.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده کسابقه حسن.
(٥) أخرج الطبري هذه الأقوال بأسانيد معظمها ثابتة.
(٦) ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب ضعف الحارث وهو الأعور الهمداني.
(٨) أخرجه الطبري عنهما بأسانيد يقوي بعضها بعضاً.
(٩) كذا في (حم) وفي الأصل: ((سحرة)»، وهو تصحيف.

٤٥٧
• سُورَةُ القَائِدَةِ (٨٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
بُر (١). ورواه ابن ماجه عن العباس بن يزيد، عن زياد بن عبد الله البكائي، عن عمر بن عبد الله بن
يعلى الثقفي، عن المنهال بن عمرو به(٢)، لا يصح هذا الحديث لحال عمر بن عبد الله هذا، فإنه
مجمع على ضعفه، وذكروا أنه كان يشرب الخمر. وقال الدارقطني: متروك.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن إدريس، عن داود - يعني ابن أبي
هند -، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه قال: مُد من بُرَ يعني: لكل مسكين ومعه إدامه (٣)، ثم
قال: وروي عن ابن عمر وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب ومجاهد وعطاء وعكرمة وأبي الشعثاء
والقاسم وسالم وأبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار والحسن ومحمد بن سيرين
والزهري، نحو ذلك (٤).
وقال الشافعي: الواجب في كفارة اليمين مُد بمُد النبي وس لكل مسكين ولم يتعرض للأدم.
واحتج بأمر النبي ◌َلّ اللذي جامع في رمضان بأن يطعم ستين مسكيناً من مكتل يسع خمسة عشر
صاعاً، لكل واحد منهم مُدّ. وقد ورد حديث آخر صريح في ذلك، فقال أبو بكر بن مردويه:
حدثنا أحمد بن علي بن الحسن المقري، حدثنا محمد بن إسحاق السراج، حدثنا قتيبة بن سعيد،
حدثنا النضر بن زرارة الكوفي، عن عبد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر، أن
رسول الله وَليو كان يقيم كفارة اليمين مُداً من حنطة بالمد الأول(٥).
وإسناده ضعيف لحال النضر بن زرارة بن عبد الأكرم الذهلي الكوفي نزيل بلخ، قال فيه أبو
حاتم الرازي: هو مجهول مع أنه قد روى عنه غير واحد، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال:
روى عنه قتيبة بن سعيد أشياء مستقيمة، فالله أعلم، ثم إن شيخه العمري ضعيف أيضاً. وقال
أحمد بن حنبل: الواجب مُد من بُرِّ أو مُدان من غيره، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ قال الشافعي تَُّ: لو دفع إلى كل واحد من العشرة ما يصدق
عليه اسم الكسوة من قميص أو سراويل أو إزار أو عمامة أو مَقْنَعة، أجزأه ذلك، واختلف
أصحابه في القلنسوة: هل تجزئ أم لا؟ على وجهين، فمنهم من ذهب إلى الجواز احتجاجاً بما
رواه ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج وعمار بن خالد الواسطي: قالا: حدثنا القاسم بن
مالك، عن محمد بن الزبير، عن أبيه، قال: سألت عمران بن الحصين عن قوله: ﴿أَو كِسْوَتُهُمْ﴾
قال: لو أن وفداً قدموا على أميركم فكساهم قلنسوة، قلنسوة قلتم: قد كُسُوا(٦)، ولكن هذا
(١) سنده ضعيف لضعف عمر بن يعلى وهو عمر بن عبد الله بن يعلى كما في مصباح الزجاجة ١٤٧/٢،
وضعفه الحافظ ابن کثیر کما يلي.
(٢) سنن ابن ماجه، الكفارات، باب كم يطعم في كفارة اليمين (ح٢١١٢)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن
ابن ماجه (ح٤٥٩).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٤) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقد خرج فضيلة د. عيادة بن أيوب الكبيسي هذه الآثار وبيّن
درجتها من الصحة، وفيها الصحيح والضعيف، فلا داعي للإطالة لسردها .
(٥) ضعفه الحافظ بسبب ضعف النضر بن زرارة وشيخه.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وضعفه الحافظ ابن كثير بسبب ضعف محمد بن الزبير فهو لين الحديث
كما في التقريب.

٤٥٨
سُؤَدَّةُ القَائِدَة (٨٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000 000000 000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000
إسناد ضعيف لحال محمد بن الزبير هذا، والله أعلم. وهكذا حكى الشيخ أبو حامد الإسفراييني:
في الخف وجهين أيضاً، والصحيح عدم الإجزاء.
وقال مالك وأحمد بن حنبل: لا بدّ أن يدفع إلى كل واحد منهم من الكسوة ما يصح أن
يصلي فيه، إن كان رجلاً أو امرأة كل بحسبه، والله أعلم.
وقال العوفي، عن ابن عباس: عباءة لكل مسكين أو شملة(١).
وقال مجاهد: أدناه ثوب وأعلاه ما شئت(٢). وقال ليث عن مجاهد: يجزئ في كفارة اليمين
كل شيء إلا التبان (٣).
وقال الحسن وأبو جعفر الباقر وعطاء وطاوس وإبراهيم النخعي وحماد بن أبي سليمان وأبو
مالك: ثوب ثوب(٤). وعن إبراهيم النخعي أيضاً: ثوب جامع كالملحفة والرداء، ولا يرى الدرع
والقميص والخمار ونحوه جامعاً(٥).
وقال الأنصاري، عن أشعث، عن ابن سيرين والحسن: ثوبان ثوبان(٦).
وقال الثوري، عن داود بن أبي هند، عن سعيد بن المسيب: عمامة يلف بها رأسه، وعباءة
یلتحف بها (٧) .
وقال ابن جرير: حدثنا هناد، حدثنا ابن المبارك، عن عاصم الأحول، عن ابن سيرين، عن
أبي موسى أنه حلف على يمين، فكسا ثوبين من معقدة البحرين(٨)(٩).
وقال ابن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا أحمد بن المعلى، حدثنا هشام بن عمار،
حدثنا إسماعيل بن [عياش](١٠)، عن مقاتل بن سليمان، عن أبي عثمان، عن أبي عياض، عن
عائشة، عن رسول الله وَ﴿ في قوله: ﴿أَو كِسْوَتُهُمْ﴾ قال: ((عباءة لكل مسكين)) (١١)، حديث
غريب.
(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وليس عن العوفي،
وما ورد عن العوفي بلفظ آخر.
(٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد (المصنف ٥١٣/٨ رقم
١٦٠٩٨).
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ليث به، والتبان: هو سروال صغير يستر العورة المغلظة فقط (النهاية
١/ ١٨١).
(٤) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٥) أخرجه الطبري بعدة أسانيد يقوي بعضها بعضاً عن إبراهيم النخعي.
(٦) أخرجه الطبري بعدة أسانيد يقوي بعضها بعضاً عن الحسن البصري.
(٧) أخرجه الطبري من طريق الثوري به، وسنده صحيح.
(٨) معقد البحرين قال أحمد شاكر في حاشية الطبري: والمعقّد بتشديد القاف المفتوحة ضرب من برود هجر،
لم أجد صفته.
(٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي موسى
الأشعري (المصنف ٥١٢/٨ رقم ١٦٠٩٣).
(١٠) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: ((عباس))، وهو تصحيف.
(١١) في سنده مقاتل بن سليمان فيه مقال لكن له شاهد موقوف على ابن عباس تقدم من طريق علي بن أبي طلحة.

٤٥٩
• سُورَةُ القَائِدَةِ (٨٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقوله: ﴿أَوْ تَّحْرِيْرُ رَقَبَةٍ﴾ أخذ أبو حنيفة بإطلاقها فقال: تجزئ الكافرة كما تجزئ المؤمنة.
وقال الشافعي وآخرون: لا بدّ أن تكون مؤمنة. وأخذ تقييدها بالإيمان من كفارة القتل لاتحاد
الموجب وإن اختلف السبب.
ومن حديث معاوية بن الحكم السلمي الذي هو في موطأ مالك ومسند الشافعي وصحيح مسلم
أنه ذكر أن عليه عتق رقبة، وجاء معه بجارية سوداء فقال لها رسول الله وَ يقول: ((أين الله؟)). قالت:
في السماء. قال: ((من أنا؟)) قالت: رسول الله. قال: ((أعتقها فإنها مؤمنة ... )) الحديث
بطوله(١) .
فهذه خصال ثلاث في كفارة اليمين، أيها فعل الحانث أجزا عنه بالإجماع، وقد بدأ
بالأسهل، فالإطعام أسهل وأيسر من الكسوة، كما أن الكسوة أيسر من العتق، فترقى فيها من
الأدنى إلى الأعلى، فإن لم يقدر المكلف على واحدة من هذه الخصال الثلاث كفر بصيام ثلاثة
أيام، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَضِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ .
وروى ابن جرير عن سعيد بن جبير والحسن البصري، أنهما قالا: من وجد ثلاثة دراهم لزمه
الإطعام وإلا صام(٢).
وقال ابن جرير حاكياً عن بعض متأخري متفقهة زمانه أنه جائز لمن لم يكن له فضل عن رأس
مال يتصرف فيه لمعاشه، ومن الفضل عن ذلك ما يكفر به عن يمينه، ثم اختار ابن جرير أنه
الذي لا يفضل عن قوته وقوت عياله في يومه ذلك ما يخرج به كفارة اليمين(٣).
واختلف العلماء: هل يجب فيها التتابع أو يستحب ولا يجب، ويجزئ التفريق؟ قولان:
أحدهما: لا يجب وهذا منصوص الشافعي في كتاب الأيمان، وهو قول مالك لإطلاق قوله:
﴿فَضِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ وهو صادق على المجموعة والمفرقة، كما في قضاء رمضان لقوله: ﴿فَعِدَةٌ
مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ [البقرة: ١٨٤] ونص الشافعي في موضع آخر في الأم على وجوب التتابع، كما هو
قول الحنفية والحنابلة، لأنه قد روي عن أبيّ بن كعب وغيره أنهم كانوا يقرؤونها (فصيام ثلاثة أيام
متتابعات). قال أبو جعفر الرازي: عن الربيع، عن أبي العالية، عن أبيّ بن كعب أنه كان يقرؤها
(فصيام ثلاثة أيام متتابعات) (٤) وحكاها مجاهد والشعبي وأبو إسحاق عن عبد الله بن مسعود.
وقال إبراهيم: في قراءة أصحاب عبد الله بن مسعود (فصيام ثلاثة أيام متتابعات)(٥).
وقال الأعمش: كان أصحاب ابن مسعود يقرؤونها كذلك(٦)، وهذه إذا لم يثبت كونها قرآناً
(١) الموطأ، العتق، باب ما يجوز من العتق (٥٩٥/٢)، والرسالة فقرة رقم ٢٤٢ وصحيح مسلم، المساجد،
باب تحريم الكلام في الصلاة (ح ٥٣٧).
(٢) أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضاً عنهما.
(٣) ذكره الطبري بنحوه (التفسير ٥٥٩/١٠) ط. شاكر.
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده جيد، والقراءة شاذة تفسيرية.
(٥) أخرجه عبد الرزاق والطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضاً (المصنف ٥١٣/٨ - ٥١٤ رقم ١٦١٠٢ -
١٦١٠٥).
(٦) سنده منقطع ويشهد له ما تقدم.

٤٦٠
• سُوَرَّةُ القَائِدَةِ (٩٠، ٩٣)
متواتراً، فلا أقل أن يكون خبراً واحداً أو تفسيراً من الصحابة وهو في حكم المرفوع.
وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن علي، حدثنا محمد بن جعفر الأشعري، حدثنا
الهيثم بن خالد القرشي، حدثنا يزيد بن قيس، عن إسماعيل بن يحيى، عن ابن جريج، عن ابن
عباس قال: لما نزلت آية الكفارات قال حذيفة: يا رسول الله، نحن بالخيار؟ قال: ((أنت بالخيار
إن شئت أعتقت، وإن شئت كسوت، وإن شئت أطعمت، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام
متتابعات))(١) وهذا حديث غريبٍ جداً. وقوله: ﴿ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَيْمَنْكُمْ إِذَا حَفْتُمْ﴾ أي: هذه كفارة
اليمين الشرعية ﴿وَأَحْفَظُواْ أَيْمَنَكُمْ﴾. قال ابن جرير: معناه لا تتركوها بغير تكفير ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ
لَكُمْ ءَايَتِهِ﴾ أي: يوضحها ويفسرها ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ .
﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنََّا الْخَّرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنَصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَأَجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَوَةَ وَالْبَغْضَآءُ فِىِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِ وَيَصُدُّكُمْ عَن ذِكْرِ الَِّ وَعَنِ
وَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأَحْذَرُواْ فَإِن تَوَّْتُمْ فَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَغُ
الصَّلَوِ فَهَلْ أَنْتُم مَُّهُونَ (@)
اُلْمُبِينُ
لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوْاْ إِذَا مَا أَتَّقَواْ وَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ
◌ُمَّ أَتَّقَواْ وَءَامَنُوْ نُمَّ أَتَّقَواْ وَأَحْسَنُواْ وَهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنَ
يقول تعالى: ناهياً عباده المؤمنين عن تعاطي الخمر والميسر وهو: القمار، وقد ورد عن أمير
المؤمنين علي بن أبي طالب به أنه قال: الشطرنج من الميسر، ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه،
عن [عُبيس](٢) بن مرحوم، عن حاتم، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي به (٣).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن
ليث، عن عطاء ومجاهد وطاوس قال سفيان: أو اثنين منهم قالوا: كل شيء من القمار فهو من
الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز(٤)، وروي عن راشد بن سعد وضمرة بن حبيب مثله(٥)،
وقالا: حتى الكعاب(٦) والجوز والبيض التي تلعب بها الصبيان. وقال موسى بن عقبة، عن
نافع، عن ابن عمر، قال: الميسر هو القمار(٧).
وقال الضحاك، عن ابن عباس، قال: الميسر هو القمار، كانوا يتقامرون في الجاهلية إلى
مجيء الإسلام، فنهاهم الله عن هذه الأخلاق القبيحة(٨).
وقال مالك، عن داود بن الحصين أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: كان ميسر أهل الجاهلية
(١) في سنده ابن جريج لم يسمع من ابن عباس فالإسناد منقطع ضعيف.
(٢) كذا في (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل صُحف إلى: ((عنبس)).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم، وسنده منقطع بين محمد بن علي بن الحسين وعلي بن أبي طالب هـ
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم، وفي سنده ليث وهو ابن أبي سُليم: صدوق اختلط فلم يتميز حديثه فترك.
(٥) ذكرهما ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٦) وهي كعاب الغنم يلعب بها الأطفال بعد غسلها .
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق شجاع بن الوليد عن موسى بن عقبة به، وسنده حسن.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم، وسنده ضعيف بسبب الضحاك لم يلق ابن عباس.