النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ سُؤَدَّةُ القَائِدَة (٥٤، ٥٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 قال محمد بن كعب: نزلت في الولاة من قريش(١). وقال الحسن البصري: نزلت في أهل الردة أيام أبي بكر ﴿فَوْفَ بَأْتِى اَللَّهُ بِقَوْمٍ يُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قال الحسن: هو والله أبو بكر وأصحابه، رواه ابن أبي حاتم(٢). وقال أبو بكر بن أبي شيبة: سمعت أبا بكر بن [عياش] (٣) يقول: في قوله: ﴿فَوْفَ يَأْتِىِ اللَّهُ بِقَوْمِ لُهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ هم أهل القادسية (٤). وقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: هم قوم من سبأ(٥). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبد الله بن الأجلح، عن محمد بن عمرو، عن سالم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قوله: ﴿فَوْفَ يَأْتِى اللَّهُ بِقَوْمٍ ثُّهُمْ وَيُحِبُونَهُ﴾ قال: ناس من أهل اليمن، ثم من كندة، من السّكُون(٦). وحدثنا أبي، حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا معاوية - يعني ابن حفص -، عن أبي زياد الحلفاني، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: سئل رسول الله وَّ ه عن قوله: ﴿فَسَوْفَ بَأْتِى اَللَّهُ بِقَوْمِ ثُهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. قال: ((هؤلاء قوم من أهل اليمن، ثم من كندة، ثم من السّكون (٧)، ثم من تُجيب)) (٨)(٩)، وهذا حديث غريب جداً. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمر بن شبة، حدثنا عبد الصمد - يعني ابن عبد الوارث -، حدثنا شعبة، عن سماك، سمعت عياضاً يحدث عن أبي موسى الأشعري، قال: لما نزلت ﴿فَوْفَ يَأْتِى اللّهُ بِقَوْرِ يُهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قال رسول الله وَله: ((هم قوم هذا))(١٠). ورواه ابن جرير من حديث شعبة بنحوه . (١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أبي صخر عن محمد بن كعب، لكنه مرسل. ولفظ ابن أبي حاتم أطول وإن المذكور جواب لعمر بن عبد العزيز. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عوف الأعرابي عن الحسن، ولكنه مرسل أيضاً. (٣) كذا في (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: ((عباس)) وهو تصحيف. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم معلقاً عن ابن أبي شيبة به، وأخرجه ابن أبي شيبة عن أبي بكر بن عياش (المصنف ٥٧١/١٢). (٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق ليث به، وسنده ضعيف بسبب ليث فإنه يخطئ ولم يتميز حديثه فترك. (٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده محمد بن عمرو وهو الأسدي ذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه (الجرح والتعديل ٣٢/٨). (٧) السَّكون: حي من العرب هو ابن أشرس بن ثور بن كنده من القحطانية (معجم قبائل العرب ٥٢٨/٢ والصحاح ٣٨٣/٢). (٨) تُجيب: بالضم من كندة، هو تُجيب بن كندة بن ثور (الصحاح ١٠٥/١ ومعجم قبائل العرب ١١٦/١). (٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وقد حكم عليه الحافظ ابن كثير. والشطر الأول منه قوله: ((قوم من أهل اليمن له شاهد كما يلي)). (١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن، وأخرجه الحاكم من طريق سماك به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣١٣/٢)، وأخرجه الطبراني من طريق سماك به (المعجم الكبير ٣٧١/١٧ ح ١٠١٦)، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ١٦/٧). ٤٢٢ • سُوَرَّةُ القَائِدَة (٥٤، ٥٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ هذه صفات المؤمنين الكمل أن يكون أحدهم متواضعاً لأخيه ووليه، متعززاً على خصمه وعدوه، كما قال تعالى: ﴿تُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] وفي صفة رسول الله وَّ أنه الضحوك القتال، فهو ضحوك لأوليائه قتال لأعدائه. وقوله رَّ: ﴿يُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآيِرٍ﴾ أي: لا يردهم عما هم فيه من طاعة الله، وإقامة الحدود، وقتال أعدائه، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لا يردهم عن ذلك راد، ولا يصدهم عنه صاد، ولا يحيك فيهم لوم لائم، ولا عدل عاذل. قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا سلام أبو المنذر، عن محمد بن واسع، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذرّ، قال: أمرني خليلي ◌َ ﴿ بسبع: أمرني بحب المساكين والدنو منهم، وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني، ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت، وأمرني أن لا أسأل أحداً شيئاً، وأمرني أن أقول الحق وإن كان مراً، وأمرني أن لا أخاف في الله لومة لائم، وأمرني أن أكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنهن من كنز تحت العرش(١). وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، عن أبي المثنى أن أبا ذر قال: بايعني رسولُ الله ◌ِ ﴿ خمساً وواثقني سبعاً، وأشهد الله عليّ تسعاً، أني لا أخاف في الله لومة لائم. قال أبو ذر: فدعاني رسول الله و * فقال: ((هل لك إلى بيعة ولك الجنة؟)) قلت: نعم، قال: ((وبسطت يدي))، فقال النبي وَ ﴿ وهو يشترط: ((على أن لا تسأل الناس شيئاً؟)) قلت: نعم. قال: ((ولا سوطك وإن سقط منك، يعني تنزل إليه فتأخذه))(٢). وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن الحسن، حدثنا جعفر، عن المعلى القُرْدوسي، عن الحسن، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله وَّ: ((ألا لا يمنعن أحدكم رهبةُ الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده، فإنه لا يقرب من أجل، ولا يُبَاعد من رزق أن يقول بحق أو يذكر بعظم)) تفرد به أحمد(٣). وقال أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن زبيد(٤)، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ويلي: ((لا يحقرن أحدكم نفسه أن يرى أمراً لله فيه مقال، فلا يقول فيه، فيقال له يوم القيامة: ما منعك أن تكون قلت في كذا وكذا؟ (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٥٩/٥)، وسنده صحيح. وصححوه محققوه (المسند ٣٢٧/٣٥ ح ٢١٤١٥). (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وأخرجه أيضاً من طريق أبي اليمان عن أبي ذر مختصراً (المسند ٥٪ ١٧٣) وفي سنده أبو اليمان وهو عامر بن عبد الله بن لحي الهوزني، مقبول كما في التقريب، وقال محققو المسند: وأبو المثنى في عداد المجهولين (المسند ٤٠١/٣٥ ح ٢١٥٠٩). (٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥٠/٣) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح١٦٨)، وقال محققوا المسند، صحيح دون قوله: ((فإنه لا يقرب من أجل ... الخ)) (المسند ٥٤/١٨ ح ١١٤٧٤). (٤) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل: ((زيد)) وهو تصحيف. ٤٢٣ • سُورَةُ القَائِدَةِ (٥٤، ٥٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 فيقول: مخافة الناس. فيقول: إياي أحق أن تخاف(١)). ورواه ابن ماجه من حديث الأعمش، عن عَمْرو بن مرة، به (٢). وروى أحمد وابن ماجه، من حديث عبد الله بن عبد الرحمن أبي طُوَالة، عن نهار بن عبد الله العبدي المدني، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي وسلم قال: ((إن الله ليسأل العبد يوم القيامة، حتى إنه ليسأله يقول له: أي عبدي، رأيت منكراً فلم تنكره؟ فإذا لَقَّن الله عبداً حجته، قال: أيْ رب، وثقت بك وخفت الناس)) (٣). وثبت في الصحيح: ((ما ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه)). قالوا: وكيف يُذلّ نفسه يا رسول الله؟ قال: ((يتحمل من البلاء ما لا يطيق))(٤). ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِهِ مَن يَشَدُّ﴾ أي: من اتصف بهذه الصفات، فإنما هو من فضل الله عليه، وتوفيقه له ﴿وَللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾ أي: واسع الفضل، عليم بمن يستحق ذلك ممن يَحْرِمه إياه. وقوله تعالى: ﴿إِنََّ وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ أي: ليس اليهود بأوليائكم، بل ولايتكم راجعة إلى الله ورسوله والمؤمنين. وقوله: ﴿الَِّينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْثُونَ الزَّكَوَةَ﴾ أي: المؤمنون المتصفون بهذه الصفات من إقام الصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام، وهي عبادة الله وحده لا شريك له وإيتاء الزكاة التي هي حق المخلوقين ومساعدة للمحتاجين والمساكين. وأما قوله: ﴿وَهُمْ رَكِعُونَ﴾ فقد توهم بعض الناس أن هذه الجملة في موضع الحال من قوله: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ﴾ أي: في حال ركوعهم، ولو كان هذا كذلك، لكان دفع الزكاة في حال الركوع أفضل من غيره، لأنه ممدوح، وليس الأمر كذلك عند أحد من العلماء ممن نعلمه من أئمة الفتوى، وحتى إن بعضهم ذكر في هذا أثراً عن علي بن أبي طالب أن هذه الآية نزلت فيه، وذلك أنه مر به سائل في حال ركوعه فأعطاه خاتمه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الربيع بن سليمان المرادي، حدثنا أيوب بن سويد، عن عتبة بن أبي حكيم في قوله: ﴿إِنَّهَا وَلِيُّكُ اَللَّهُ وَرَسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ قال: هم المؤمنون وعلي بن أبي طالب(٥) (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٧٣/٣) وضعفه محققوا المسند بسبب الانقطاع بين أبي البختري وأبي سعيد (المسند ٢٣٠/١٨ ح١١٦٩٩). (٢) السنن، الفتن، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (ح٤٠٠٨) وصححه البوصيري في الزوائد، ولكن العلة قائمة بين أبي البختري وأبي سعيد الخدري. (٣) المسند ٢٧/٣، وسنن ابن ماجه، الفتن، باب قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] ح (٤٠١٧) وصححه البوصيري (مصباح الزجاجة ٢٤٤/٣)، والألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٤ ٣٢٤). (٤) أخرجه ابن ماجه من حديث حذيفة مرفوعاً (السنن، الفتن، الباب السابق ح٤٠١٦) وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح٣٢٤٣). (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف أيوب بن سويد، فقد ضعفه الإمام أحمد وابن المبارك وابن معين وأبو داود والساجي والجوزجاني (تهذيب التهذيب ٤٠٥/١ وميزان الاعتدال ٢٧٨/١). وهكذا جميع الروايات التي تنص على أن الآية نزلت في علي ربه لا تصح كما يلي ٤٢٤ • سُؤَدَّةُ المَائِدَةِ (٥٤، ٥٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وحدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا الفضل بن دكين أبو نعيم الأحول، حدثنا موسى بن قيس الحضرمي، عن سلمة بن كهيل، قال: تصدق علي بخاتمه وهو راكع، فنزلت: ﴿إِنََّا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُمُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ وقال ابن جرير: حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا غالب بن [عبيد الله](٢)، سمعت مجاهداً يقول في قوله: ﴿إِنََّا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ﴾ الآية. نزلت في علي بن أبي طالب، تصدق وهو راكع(٣) . وقال عبد الرزاق: حدثنا عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنََّا وَلِيُّكُمُ اَللَّهُ وَرَسُولُ﴾ الآية، نزلت في علي بن أبي طالب (٤)، عبد الوهاب بن مجاهد لا يحتج به. وروى ابن مردويه من طريق سفيان الثوري، عن أبي سنان، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: كان علي بن أبي طالب قائماً يصلي، فمر سائل وهو راكع، فأعطاه خاتمه، فنزلت ﴿إِنّا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ﴾ الآية، الضحاك لم يلق ابن عباس(٥). وروى ابن مردويه أيضاً من طريق محمد بن السائب الكلبي - وهو متروك -، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: خرج رسول الله سير إلى المسجد والناس يصلون بين راكع وساجد وقائم وقاعد، وإذا مسكين يسأل، فدخل رسول الله وَ له، فقال: ((أعطاك أحد شيئاً؟)) قال: نعم. قال: ((من؟)) قال: ذلك الرجل القائم. قال ((على أي حال أعطاكه؟)) قال: وهو راكع، قال: ((وذلك علي بن أبي طالب)). قال: فكبر رسول الله وَ ﴿ عند ذلك وهو يقول: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِرْبَ اَللَّ هُمُ الْغَلِبُونَ ﴾﴾ وهذا إسناد لا يُفرح به (٦). ثم رواه ابن مردويه من حديث علي بن أبي طالب به نفسه، وعمار بن ياسر وأبي رافع، وليس يصح شيء منها بالكلية لضعف أسانيدها وجهالة رجالها، ثم روى بإسناده عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنََّا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ﴾ نزلت في المؤمنين وعلي بن أبي طالب أولهم(٧). وقال ابن جرير: حدثنا هناد، حدثنا عبدة، عن عبد الملك، عن أبي جعفر قال: سألته عن هذه الآية ﴿إِنَّ وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُمْ رَكِعُونَ (®﴾ قلنا: من الذين آمنوا؟ قال: الذين آمنوا. قلنا بلغنا أنها نزلت في علي بن أبي طالب، قال: علي من الذين آمنوا(٨). وقال أسباط عن السدي: نزلت هذه الآية في جميع المؤمنين، ولكن علي بن أبي طالب (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف للإرسال ولأن موسى بن قيس صدوق لكنه رمي بالتشيع كما في التقريب والمتن يؤيد مذهبه. (٢) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: ((عبد الله)) وهو تصحيف. (٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جداً لأن غالب بن عبيد الله قال عنه البخاري: منكر الحديث (التاريخ الكبير ١٠١/٧)، وكذا قال ابن أبي حاتم (الجرح ٤٨/٧). (٤) في سنده عبد الوهاب بن مجاهد: ضعيف كما في التقريب. (٥) وهو كما قال. (٦) وهو كما قال. (٧) وقد ضعف الحافظ ابن كثير هذه الروايات وهو كما قال. (٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن أبا جعفر رواه بلاغاً. ٤٢٥ سُورَةُ المَائِدَة (٥٧، ٥٨) • 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 مر به سائل وهو راكع في المسجد، فأعطاه خاتمه(١). وقال علي بن أبي طلحة الوالبي، عن ابن عباس: من أسلم فقد تولى الله ورسوله والذين آمنوا، رواه ابن جرير (١). وقد تقدم في الأحاديث التي أوردناها أن هذه الآيات كلها نزلت في عبادة بن الصامت نظـ حين تبرأ من حلف اليهود، ورضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين، ولهذا قال تعالى بعد هذا كله ﴿وَمَن يَتَوَلَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اَللَِّ هُمُ الْغَلِبُونَ ﴾﴾ كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَضْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلَّ إِنَّ اللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ ®َ لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَآَذُونَ مَنْ حَاذَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُواْ ءَابَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمَّ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِ قُلُوبِهِمُ آلْإِمَنَ وَأَتَدَهُم بِرُوجٍ مِنْهٌ وَيُدِْلُهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ ﴾ [المجادلة] فكل من رضي بولاية الله عَنْدَ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْفْلِحُونَ ورسوله والمؤمنين، فهو مفلح في الدنيا والآخرة، ومنصور في الدنيا والآخرة، ولهذا قال تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَلِبُونَ ﴿وَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَ نَِّذُواْ الَّذِينَ أَنَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَّةُ. وَّقُواْ اللَّهَ إِن كُم مُّؤْمِنِينَ ﴿ وَإِذَا نَدَيْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ التَّخَذُوهَا هُوًا وَلَعِبَّأَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْهٌ لَّا يَعْقِلُونَ (٥٨) هذا تنفير من موالاة أعداء الإسلام وأهله من الكتابيين والمشركين، الذين يتخذون أفضل ما يعمله العاملون: وهي شرائع الإسلام المطهرة المحكمة، المشتملة على كل خير دنيوي وأخروي، يتخذونها هزواً يستهزئون بها، ولعباً يعتقدون أنها نوع من اللعب في نظرهم الفاسد، وفكرهم (٣) : البارد، كما قال القائل (٣ وآفته من الفهم السقيم وكم من عائب قولاً صحيحاً وقوله تعالى: ﴿مِّنَ اُلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبَلِكُمْ وَالْكُفَّارَ﴾ من ههنا لبيان الجنس كقوله: ﴿فَاجْتَذِبُواْ الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَنِ﴾ [الحج: ٣٠] [وقرأ](٤) بعضهم: والكفار بالخفض عطفاً، وقرأ آخرون بالنصب على أنه معمول(٥)، ﴿لَا تَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِيَتَكُمْ هُزُوا وَعِبَّا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ تقديره ولا ﴿اٌلْكُفَّارَ أَوْلِيًَّ﴾ أي: لا تتخذوا هؤلاء ولا هؤلاء أولياء، والمراد بالكفار ههنا المشركون، وكذلك وقع في قراءة ابن مسعود فيما رواه ابن جرير: (لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا). وقوله: ﴿وَّقُواْ الَّ إِن كُم ◌ُؤْمِنِينَ﴾ أي: اتقوا الله أن تتخذوا هؤلاء الأعداء لكم ولدينكم أولياء إن كنتم مؤمنين بشرع الله الذي اتخذه هؤلاء هزواً ولعباً، كما قال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ (١) أخرجه الطبري من طريق أسباط به، وسنده ضعيف لأن السدي لم يلق علياً. (٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به. (٣) هو الشاعر أبو الطيب المتنبي كما في ديوانه ٤/ ١٢٠. (٤) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: ((قري)). (٥) وكلتاهما قراءتان متواترتان. ٤٢٦ • سُورَّةُ القَائِدَةِ (٥٧، ٥٨) اَلْكَفِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينُّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اَللَّهِ فِ شَىْءٍ إِلَّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَلَّةٌ وَيُعَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اَللَّهِ الْمَصِيرُ (٨﴾ [آل عمران]. وقوله: ﴿وَإِذَا نَدَيْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ الَّخَذُوهَا هُزُوًا وَعِبّ﴾ أي: وكذلك إذا أذّنتم داعين إلى الصلاة التي هي أفضل الأعمال لمن يعقل ويعلم من ذوي الألباب ﴿أَتَّخَذُوهَا﴾ أيضاً ﴿هُزُوًا وَلَعِبَّأَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْءٌ لَّا يَعْقِلُونَ﴾ معاني عبادة الله وشرائعه، وهذه صفات أتباع الشيطان الذي ((إذا سمع الأذان أدبر وله حصاص - أي: ضراط - حتى لا يسمع التأذين فإذا قضي التأذين، أقبل فإذا ثوب للصلاة أدبر، فإذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء وقلبه، فيقول: اذكر كذا اذكر كذا، لما لم يكن يذكر حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى، فإذا وجد أحدكم [ذلك، فليسجد سجدتين قبل السلام))(١) متفق عليه](٢). وقال الزهري: قد ذكر الله التأذين في كتابه فقال: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ الَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبَأْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ (@)) رواه ابن أبي حاتم(٣). وقال أسباط، عن السدي في قوله: ﴿وَإِذَا نَدَيْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ أَتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبَّا﴾ قال: كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المنادي ينادي: أشهد أن محمداً رسول الله قال: حرق الكاذب، فدخلت خادمة ليلة من الليالي بنار وهو نائم، وأهله نيام، فسقطت شرارة فأحرقت البيت، فاحترق هو وأهله، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم(٤). وذكر محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة أن رسول الله وَلو دخل الكعبة عام الفتح ومعه بلال، فأمره أن يؤذن، وأبو سفيان بن حرب وعتاب بن أسيد والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة، فقال عتاب بن أسيد، لقد أكرم الله أسيداً أن لا يكون سمع هذا فيسمع منه ما يغيظه، وقال الحارث بن هشام: أما والله لو أعلم أنه محق لاتبعته، فقال أبو سفيان: لا أقول شيئاً لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصى، فخرج عليهم النبي ◌ّر فقال: «قد علمت الذي قلتم) ثم ذكر ذلك لهم، فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول الله ما اطلع على هذا أحد كان معنا فنقول: أخبرك. وقال الإمام أحمد: حدثنا روح بن عبادة، حدثنا ابن جريج، أخبرنا عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة، أن عبد الله بن محيريز أخبره وكان يتيماً في حجر أبي محذورة، قال: قلت لأبي محذورة: يا عم، إني خارج إلى الشام، وأخشى أن أسأل عن تأذينك، فأخبرني أن أبا محذورة قال له: نعم، خرجت في نفر وكنا في بعض طريق حنين مقفل رسول الله وَله من حنين، فلقينا رسول الله وله ببعض الطريق، فأذن مؤذن رسول الله وَه بالصلاة عند رسول الله وَله، فسمعنا صوت المؤذن ونحن متنكبون، فصرخنا نحكيه ونستهزئ به فسمع رسول الله ويلي، فأرسل إلينا إلى أن وقفنا بين يديه فقال رسول الله وَير: ((أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع))؟ فأشار القوم كلهم إليّ وصدقوا، فأرسل كلهم وحبسني، وقال: ((قم فأذن)) فقمت ولا شيء أكره إليّ من (١) صحيح البخاري - الأذان - باب فضل التأذين ح (٦٠٨). (٢) ما بين معقوفين بياض في الأصل واستدرك من (حم) و(مح) والتخريج. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عقيل بن خالد عن الزهري. (٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط به. ٤٢٧ • سُوْرَةُ القَائِدَةِ (٥٩، ٦٣) 00000000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00 رسول الله ﴿ ولا مما يأمرني به، فقمت بين يدي رسول الله بصير، فألقى عليّ رسول الله وَلو التأذين هو بنفسه، قال: ((قل: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله)) ثم دعاني حين قضيت التأذين فأعطاني صرة فيها شيء من فضة ثم وضع يده على ناصية أبي محذورة، ثم أمَرّها على وجهه، ثم بين ثدييه، ثم على كبده، حتى بلغت يد رسول الله ويوليو سرة أبي محذورة، ثم قال رسول الله وَله: ((بارك الله فيك وبارك عليك)) فقلت: يا رسول الله مرنى بالتأذين بمكة، فقال: (قد أمرتك به"، وذهب كل شيء كان لرسول الله ولو من كراهة، وعاد ذلك كله محبة لرسول الله ﴿، فقدمت على عتاب بن أسيد عامل رسول الله و ﴿ فأذنت معه بالصلاة عن أمر رسول الله وَيهر، وأخبرني ذلك من أدركت من أهلي ممن أدرك أبا محذورة على نحو ما أخبرني عبد الله بن مُحيريز(١)، وهكذا رواه الإمام أحمد، وقد أخرجه مسلم في صحيحه وأهل السنن الأربعة من طريق عبد الله بن مُحيريز، عن أبي محذورة واسمه سمرة بن معير بن لوذان، أحد مؤذني رسول الله ﴿ الأربعة، وهو مؤذن أهل مكة، وامتدت أيامه رؤيته وأرضاه(٢). ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِّنَّا إِلَّ أَنْ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْتَرَكُمْ فَسِقُونَ ) قُلِّ هَلَ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ مَن لََّنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَازِيَرَ وَعَبَدَ الَّغُوتَ أُولَئِكَ شَرِّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ ﴿ وَإِذَا جَاءُ وَكُمْ قَالُواْ ءَامَنَا وَقَدَ دَّخَلُواْ بِلْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِدٍّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُونَ ﴿ وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَرِعُونَ فِ آلْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَأَكْلِهِمُ الشُّحْتَّ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴿﴿ لَوْلَا يَنْهَهُمُ الرَّنِيُونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَّ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً من أهل الكتاب: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّ إِلَّ أَنْ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلُ﴾ أي: هل لكم علينا مطعن أو عيب إلا هذا؟ وهذا ليس بعيب ولا مذمة، فيكون الاستثناء منقطعاً، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلَّ أَنْ يُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾﴾ [البروج]، وكقوله: ﴿وَمَا نَقَمُواْ إِلَّ أَنْ أَغْنَئُهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ مِن فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٤] وفي الحديث المتفق عليه ((ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيراً فأغناه الله)) (٣). وقوله: ﴿وَأَنَّ أَكْتَرَكُمْ فَسِقُونَ﴾ معطوف على ﴿أَنْ ءَامَنَّا بِلَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ﴾ أي: وآمنا بأن أكثركم فاسقون؛ أي: خارجون عن الطريق المستقيم. ثم قال: ﴿قُلّ هَلّ أُنَبِّئُكُم بِشٍَّ مِّن ذَلِكَ مَنُوبَةً عِندَ اللَّهِ﴾ أي: هل أخبركم بشر جزاء عند الله يوم القيامة مما تظنونه بنا؟ وهم أنتم الذين هم متصفون بهذه الصفات المفسرة بقوله: ﴿مَنْ لَّعَنَهُ اللَّهُ﴾ (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٩٩/٢٤ ح ١٥٣٨٠) وصححه محققوه بطرقه. (٢) أخرجه مسلم مختصراً الصحيح، الصلاة، باب صفة الأذان ح (٣٧٩). (٣) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة، صحيح البخاري، الزكاة، باب قول الله تعالى: ﴿وَفِىِ الْرِقَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧] ح (١٤٦٨) وصحيح مسلم، الزكاة، باب في تقديم الزكاة ح (٩٨٣). ٤٢٨ سُوْدَةُ المَائِدَة (٥٩، ٦٣) 00000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00 أي: أبعده من رحمته ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ أي: غضباً لا يرضى بعده أبداً ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَازِيَرَ﴾ كما تقدم بيانه في سورة البقرة، وكما سيأتي إيضاحه في سورة الأعراف. وقد قال سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن المغيرة بن عبد الله، عن المعرور بن سويد، عن ابن مسعود قال: سئل رسول الله وَلخير عن القردة والخنازير: أهي مما مسخ الله؟ فقال: ((إن الله لم يهلك قوماً، أو لم يمسخ قوماً فيجعل لهم نسلاً ولا عقباً، وإن القردة والخنازير كانت قبل ذلك)) (١) وقد رواه مسلم من حديث سفيان الثوري ومسعر، كلاهما عن مغيرة بن عبد الله [اليشكري](٢) به(٣). وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا داود بن أبي الفرات، عن محمد بن زيد، عن أبي الأعين العبدي، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود قال: سألنا رسول الله وَلقر عن القردة والخنازير: أهي من نسل اليهود؟ فقال: ((لا إن الله لم يلعن قوماً قط فيمسخهم. فكان لهم نسل ولكن هذا خلق کان، فلما غضب الله علی الیهود فمسخهم جعلهم مثلهم))، ورواه أحمد من حديث داود بن أبي الفرات به (٤). وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا الحسن بن محبوب، حدثنا عبد العزيز بن المختار، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ير: ((الحيات مسخ الجن كما مسخت القردة والخنازير))(٥) هذا حديث غريب جداً. وقوله تعالى: ﴿وَعَبَدَ الطّغُونَ﴾ قرئ: وعَبَدَ الطاغوتَ على أنه فعل ماض، والطاغوت منصوب به؛ أي: وجعل منهم من عَبَدَ الطاغوت، وقرئ: وعَبَدَ الطَّاغوتِ بالإضافة(٦) على أن المعنى وجعل منهم خدم الطاغوت؛ أي: خدامه وعبيده، وقرئ: وعُبُدَ الطاغوتِ على أنه جمع عبد وعبيد، وعبد مثل ثمار وثُمُرْ، حكاها ابن جرير عن الأعمش، وحكى عن بريدة الأسلمي أنه كان يقرؤها وعابد الطاغوت، وعن أبي وابن مسعود: وعبدوا، وعن أبي جعفر القارئ أنه كان يقرؤها: وعُبِدَ الطاغوتُ على أنه مفعول ما لم يسم فاعله، ثم استبعد معناها، والظاهر أنه لا بعد في ذلك، لأن هذا من باب التعريض بهم؛ أي: وقد عبد الطاغوت فيكم وأنتم الذين فعلتموه، وكل هذه القراءات يرجع معناها إلى أنكم يا أهل الكتاب الطاعنين في ديننا، والذي هو توحيد الله وإفراده بالعبادات دون ما سواه، كيف يصدر منكم هذا، وأنتم قد وجد منكم جميع ما ذكر؟ ولهذا قال: ﴿أُوُلَِّكَ شَرِّ مَكَانًا﴾ أي: مما تظنون بنا ﴿وَأَضَلُّ عَن سَوَِّ السَّبِيلِ﴾ وهذا من باب استعمال أفعل التفضيل فيما ليس في الطرف الآخر مشاركة، كقوله ريق: ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرَّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا ﴾ [الفرقان]. (١) سنده صحيح. (٢) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: ((الشكري)). (٣) صحيح مسلم، القدر، باب بيان أن الآجال والأرزاق وغيرها ح (٢٦٦٣). (٤) أخرجه الطيالسي (المسند رقم ٣٠٧)، والإمام أحمد (المسند ٣٩٥/١) وسنده ضعيف لضعف أبي الأعين العبدي (المجروحين ١٥٠/٣). (٥) أخرجه الإمام أحمد من طريق أيوب عن عكرمة به بنحوه (المسند ٣٠٤/٥ ح ٣٢٥٤) وقال محققوه: إسناده صحيح. (٦) وكلتاهما قراءتان متواترتان. ٤٢٩ • سُؤَدَّةُ المَائِدَةِ (٥٩، ٦٣) 000000000000000000000000000000000 000 000 000 000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُواْ ءَامَنَا وَقَدَ دَخَلُواْ بِلْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِّ،﴾ وهذه صفة المنافقين منهم أنهم يصانعون المؤمنين في الظاهر وقلوبهم منطوية على الكفر، ولهذا قال: ﴿ وَقَدَ دَّخَلُواْ﴾ أي: عندك يا محمد ﴿يَاَلْكُفْرٍ﴾ أي: مستصحبين الكفر في قلوبهم، ثم خرجوا وهو كامن فيها لم ينتفعوا بما قد سمعوا منك من العلم، ولا نجعت فيهم المواعظ ولا الزواجر ولهذا قال: ﴿وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ ﴾ فخصهم به دون غيرهم. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُونَ﴾ أي: والله عالم بسرائرهم وما تنطوي عليه ضمائرهم، وإن أظهروا لخلقه خلاف ذلك، وتزينوا بما ليس فيهم، فإن الله عالم الغيب والشهادة أعلم بهم منهم، وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء وقوله: ﴿وَتَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَرِعُونَ فِ آلْإِثْمِ وَالْعُدّوَنِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتُ﴾ أي: يبادرون إلى ذلك من تعاطي المآثم والمحارم والاعتداء على الناس وأكلهم أموالهم بالباطل، ﴿لَيْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي: لبئس العمل كان عملهم، وبئس الاعتداء اعتداؤهم. وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَهُمُ الرََِّّيُونَ وَالْأَحْبَارُ عَن قَوْلِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَّ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ يعني: هلا كان ينهاهم الربانيون والأحبار عن تعاطي ذلك، والربانيون هم العلماء العمال أرباب الولايات عليهم، والأحبار هم العلماء فقط. ﴿لَيْسَ مَا كَانُوْ يَصْنَعُونَ﴾ قاله علي بن أبي طلحة عن ابن عباس يعني: الربانيين أنهم بئس ما كانوا يصنعون(١)، يعني: في تركهم ذلك. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قال: لهؤلاء حين لم ينهوا ولهؤلاء حين علموا، قال: وذلك الأركان، قال: ويعملون ويصنعون واحد(٢)، رواه ابن أبي حاتم، وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن عطية، حدثنا قيس، عن العلاء بن المسيب، عن خالد بن دينار، عن ابن عباس، قال: ما في القرآن آية أشد توبيخاً من هذه الآية ﴿لَوْلَا يَنْهُهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَاَلْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون﴾ قال: كذا قرأ. وكذا قال الضحاك: ما في القرآن آية أخوف عندي منها، إنا لا ننهىَ(٣)، رواه ابن جرير. وقال ابن أبي حاتم، ذكره يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا محمد بن مسلم بن أبي الوضاح، حدثنا ثابت أبو سعيد الهمداني قال: لقيته بالري فحدث عن يحيى بن [يعمر] (٤) قال: خطب علي بن أبي طالب فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إنما هلك من كان قبلكم بركوبهم المعاصي ولم ينههم الربانيون والأحبار، فلما تمادوا في المعاصي أخذتهم العقوبات، فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن ينزل بكم مثل الذي نزل بهم، واعلموا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقطع رزقاً ولا يقرب أجلاً(٥). وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا شريك، عن أبي إسحاق، عن المنذر بن (١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أصبغ بن الفرج عن عبد الرحمن بن زيد. (٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، والقراءة بلفظ يعملون شاذة. (٤) كذا في (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: ((معمر)) وهو تصحيف. (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لجهالة ثابت الهمداني في التقريب وميزان الاعتدال ١/ ٣٦٩). ٤٣٠ سُوَدَّةُ المَائِدَةِ (٦٤، ٦٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 جرير، عن أبيه، قال: قال رسول الله وَله: ((ما من قوم يكون بين أظهرهم من يعمل بالمعاصي هم أعزُّ منه وأمنع، ولم يغيِّروا إلا أصابهم الله منه بعذاب))(١) تفرد به أحمد من هذا الوجه، ورواه أبو داود عن مسدد، عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن المنذر بن جرير، عن جرير قال: سمعت رسول الله صلو يقول: ((ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي يقدرون أن يغيروا عليه، فلا يغيرون إلا أصابهم الله بعقاب قبل أن يموتوا))(٢) وقد رواه ابن ماجه عن علي بن محمد، عن وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبيد الله بن جرير، عن أبيه به(٣)، قال الحافظ المزي: وهكذا رواه شعبة عن أبي إسحاق به. ] ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَتْ أَيَدِهِمْ وَلُمِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَزِيدَنَ كَثْرًا مِنْهُم ◌َّ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن زَّيِّكَ مُغْيَنَا وَكُفْرًا وَأَلْفَيَّنَا بَيْنَهُمُ الْعَذَوَةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَّةِ كُلَّمَاً أَوْقَدُوْ نَارًّا لِلْحَرْبِ أَنْفَأَهَا الََّّ وَيَسْعَوْنَ فِ الْأَرْضِ فَسَادًّا وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ اَلْكِتَبِ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْ لَكَفَرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْتَهُمْ جَنَاتِ اٌلَّعِ ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَةَ وَالْإِنِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِهِمْ لَأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمَّ مِنْهُمْ أُمَّهُ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ (٦٦) سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ يخبر تعالى عن اليهود - عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة - بأنهم وصفوا الله عز وجل تعالى عن قولهم علواً كبيراً بأنه بخيل، كما وصفوه بأنه فقير وهم أغنياء وعبروا عن البخل بأن قالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ . قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الطهراني، وحدثنا حفص بن عمر العدني، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة قال: قال ابن عباس ﴿مَغْلُولَةٌ ﴾ أي: بخيلة(٤). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وَقَالَتِ اٌلْهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ قال: لا يعنون بذلك أن يد الله موثقة، ولكن يقولون: بخيل يعني أمسك ما عنده تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً(٥)، وكذا روي عن مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي(٦) والضحاك، وقرأ ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا نَبْسُطُهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَقْعُدَ مَلُوْمًا تَحْسُورًا (٣)﴾ [الإسراء] يعني: أنه ينهى عن البخل وعن التبذير، وهو زيادة الإنفاق في غير محله، وعبر عن البخل بقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُفِكَ﴾ وهذا هو الذي أراد هؤلاء اليهود عليهم لعائن الله، وقد قال عكرمة: إنها نزلت في فنحاص اليهودي، عليه لعنة الله، وقد تقدم أنه الذي قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَفَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] فضربه أبو بكر الصديق (ـ (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده بلفظ: بعقاب (المسند ٥٤٨/٣١ ح (١٩٢١٦) وحسن سنده محققوه. (٢) سنن أبي داود، الملاحم، باب الأمر والنهي ح (٤٣٣٩) وحسنه الألباني في سنن أبي داود ح (٣٦٤٦). (٣) السنن، الفتن، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ح (٤٠٠٩). (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف حفص بن عمر. (٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به. (٦) أخرجه الطبري وآدم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري أيضاً بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه أيضاً بسند حسن من طريق أسباط عن السدي. ٤٣١ سُورَةُ المَائِدَة (٦٤، ٦٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال محمد بن إسحاق: حدثنا محمد بن أبي محمد عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رجل من اليهود يقال له: الشاس بن قيس: إن ربك، بخيل لا ينفق، فأنزل الله: ﴿وَقَالَتِ اُلْهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَءٍ﴾(١). وقد رِدَّ الله رَّ عليهم ما قالوه وقابلهم فيما اختلقوه وافتروه وائتفكوه، فقال: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ﴾ وهكذا وقع لهم، فإن عندهم من البخل والحسد والجبن والذلة أمر عظيم، كما قال تعالى: ﴿أَمَّ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذَا لَّا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيًّا ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآ ءَاتَنهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ الآية [النساء: ٥٣، ٥٤]، وقال تعالى: ﴿ضُرِيَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُفِقُواْ إِلَّا بِبَلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢]. ثم قال تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ﴾ أي: بل هو الواسع الفضل، الجزيل العطاء، الذي ما من شيء إلا عنده خزائنه، وهو الذي ما بخلقه من نعمة فمنه وحده لا شريك له، الذي خلق لنا كل شيء مما نحتاج إليه، في ليلنا ونهارنا، وحضرنا وسفرٍنا، وفي جميع أحوالنا، كما قال: ﴿وَءَاتَنْكُمْ مِّنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ لَا تُجُوهَا إِنَ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم] والآيات في هذا كثيرة، وقد قال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((إن يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، فإنه لم يغض ما في يمينه)) - قال: ــ ((وعرشه على الماء وفي يده الأخرى الفيض يرفع ويخفض)). وقال: يقول الله تعالى: ((أنفق، أنفق عليك))(٢). أخرجاه في الصحيحين: البخاري في التوحيد عن علي بن المديني، ومسلم فيه عن محمد بن رافع، كلاهما عن عبد الرزاق به(٣). وقوله تعالى: ﴿وَلَزِيدَنَ كَيْرًا مِنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَّكَ مِن زَّيَّكَ كُفْيَنًا وَكُفْرًا﴾ أي: يكون ما آتاك الله يا محمد من النعمة نقمة في حق أعدائك من اليهود وأشباههم، فكما يزداد به المؤمنون تصديقاً وعملاً صالحاً وعلماً نافعاً، يزداد به الكافرون الحاسدون لك ولأمتك طغياناً، وهو المبالغة والمجاوزة للحد في الأشياء، وكفراً أي تكذيباً، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدَّى وَشِفَاءٌ وَلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِّ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمَّىَ أُوْلَكَ يُنَادَوْنَ مِن مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينُّ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّ خَسَارًا [الإسراء]، وقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَوَةَ وَاَلْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ﴾ يعني: أنه لا تجتمع قلوبهم بل العداوة واقعة بين فرقهم بعضهم في بعض دائماً، لأنهم لا يجتمعون على حق، وقد خالفوك وكذبوك. وقال إبراهيم النخعي: ﴿وَأَلْقَيِّنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَوَةَ وَالْبَغْضَآءَ﴾، قال: الخصومات والجدال في الدين، رواه ابن أبي حاتم(٤). وقوله: ﴿كُلَّمَآ أَوْقَدُوْ نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَهَا اللَّهَ﴾ أي: كلما عقدوا أسباباً، يكيدونك بها، وكلما (١) سنده صحيح وأخرجه الطبراني من طريق ابن إسحاق به (المعجم الكبير ٦٧/١٢ ح١٢٤٩٧)، وقال الهيثمي: ورجاله ثقات (مجمع الزوائد ٢٠/٧). (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (السند ٣١٣/٢) وسنده صحيح؟ (٣) صحيح البخاري، التوحيد، ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ, عَلَى الْمَآءِ﴾ [هود: ٧] (ح٧٤١٩)، وصحيح مسلم، الزكاة، باب الحث على النفقة ح (٩٩٣). (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق العوام بن حوشب عن إبراهيم النخعي. ٤٣٢ • سُورَةُ القَائِدَةِ (٦٤، ٦٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أبرموا أموراً يحاربونك بها، أبطلها الله وردّ كيدهم عليهم، وحاق مكرهم السيء بهم ﴿وَيَسْعَوَّنَ فِى اَلْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي: من سجيتهم أنهم دائماً يسعون في الإفساد في الأرض، والله لا يحب من هذه صفته، ثم قال جلا وعلا: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ اُلْكِتَبِ ءَامَنُواْ وَأَثَّقَوْاْ﴾ أي: لو أنهم آمنوا بالله ورسوله واتقوا ما كانوا يتعاطونه من المآئم والمحارم ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَبِّئَاتِهِمْ وَأَدْخَلْتَهُمْ جَنَّتِ النَّعِيمِ﴾ أي: لأزلنا عنهم المحذور وأنلناهم المقصود. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَنَةَ وَاَلْإِنِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ﴾ قال ابن عباس وغيره: هو القرآن(١)، ﴿لَأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ أي: لو أنهم عملوا بما في الكتب التي بأيديهم عن الأنبياء على ما هي عليه من غير تحريف ولا تبديل ولا تغيير، لقادهم ذلك إلى اتباع الحق والعمل بمقتضى ما بعث الله به محمداً وَّر، فإن كتبهم ناطقة بتصديقه والأمر باتباعه حتماً لا محالة. وقوله تعالى: ﴿لَأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ يعني: بذلك كثرة الرزق النازل عليهم من السماء والنابت لهم من الأرض. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿لَأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ﴾ يعني: لأرسل السماء عليهم مدراراً، ﴿وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ يعني: يخرج من الأرض بركاتها(٢). وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة والسدي(٣)، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىَ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَّهِم بَرَّكَاتٍ مِّنَ الشَمَاءِ وَاَلْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُواْ فَأَخَذْفَهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (بَ﴾﴾ [الأعراف]. وقال تعالى: ﴿ظَهَرَ اٌلْفَسَادُ فِ الْبَرِّ وَاَلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِى عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (®﴾ [الروم]، وقال بعضهم معناه: ﴿لَأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن ◌َّحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ يعني: من غير كد ولا تعب ولا شقاء ولا عناء. وقال ابن جرير: قال بعضهم: معناه لكانوا في الخير كما يقول القائل: هو في الخير من فرقه إلى قدمه(٤)، ثم ردّ هذا القول لمخالفته أقوال السلف. وقد ذكر ابن أبي حاتم عند قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَنَةَ وَالْإِنِيلَ﴾ حديث علقمة، عن صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه أن رسول الله وَالر قال: ((يوشك أن يرفع العلم)) فقال زياد بن لبيد: يا رسول الله، وكيف يرفع العلم وقد قرأنا القرآن وعلمناه أبناءنا؟ فقال: ((ثكلتك أمك يا ابن لبيد، إن كنت لأراك من أفقه أهل المدينة، أو ليست التوراة والإنجيل بأيدي اليهود والنصارى، فما أغنى عنهم حين تركوا أمر الله)) ثم قرأ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَةَ وَالْإِنِيلَ﴾ هكذا أورده ابن أبي حاتم معلقاً من أول إسناده مرسلاً في آخره(٥). وقد رواه الإمام أحمد بن حنبل متصلاً موصولاً، فقال: حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن زياد بن لبيد أنه قال: ذكر النبي وَ ل ◌ّ شيئاً، فقال: ((وذاك عند ذهاب العلم)) قال: قلنا: يا (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: الفرقان. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري أيضاً بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه أيضاً بسند حسن من طريق أسباط عن السدي. وقول سعيد بن جبير ومن معه ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند. (٤) ذكره الطبري بنحوه. (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف ويتقوى بما يليه: ٤٣٣ • سُورَةُ المَائِدَةِ (٦٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 رسول الله، وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن، ونقرئه أبناءنا، وأبناؤنا يقرؤونه أبناءهم إلى يوم القيامة؟ فقال: ((ثكلتك أمك يا ابن أم لبيد، إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة، أو ليس هذه اليهود والنصارى يقرءون التوراة والإنجيل ولا ينتفعون مما فيهما بشيء)) (١) هكذا رواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع بإسناده نحوه(٢)، وهذا إسناد صحيح. وقوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ كقوله: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَىّ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ، يَعْدِلُونَ ﴿َ﴾ [الأعراف] وكقوله عن أتباع عيسى: ﴿فَاتَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٣)﴾ [الحديد]، فجعل أعلى مقاماتهم الاقتصاد وهو أوسط مقامات هذه الأمة وفوق ذلك رتبة السابقين، كما في قوله : ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالٌِ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ بِإِذْنِ اللَّهَ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ﴾ جَنَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونها﴾ الآية [فاطر: ٣٢، ٣٣]، والصحيح أن الأقسام الثلاثة من هذه الأمة كلهم يدخلون الجنة. وقد قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا أحمد بن يونس الضبي، حدثنا عاصم بن عدي، حدثنا أبو معشر، عن يعقوب بن يزيد بن طلحة، عن زيد بن أسلم، عن أنس بن مالك قال: كنا عند رسول الله وَله، فقال: ((تفرقت أمة موسى على إحدى وسبعين ملة: سبعون منها في النار، وواحدة في الجنة، وتفرقت أُمة عيسى على ثنتين وسبعين ملة: واحدة في الجنة، وإحدى وسبعون منها في النار، وتعلو أُمتي على الفرقتين جميعاً واحدة في الجنة، وثنتان وسبعون في النار)) قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: ((الجماعات الجماعات)). قال يعقوب بن يزيد: كان علي بن أبي طالب إذا حدث بهذا الحديث عن رسول الله وَ ﴿ تلا فيه قرآناً، قال: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَبِ ءَامَنُواْ وَأَثَّقَوْ لَكَفَرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَدْخَلْنَهُمْ جَنَّتِ النَّعِيمِ ﴾﴾ إلى قوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ أُنَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَلَّهُ مَا يَعْمَلُونَ﴾ وتلا أيضاً قوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَقْنَاً أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ. يَعْدِلُونَ (٣)﴾ [الأعراف] يعني: أُمة محمد وَلٍ(٣). وهذا حديث غريب جداً من هذا الوجه وبهذا السياق، وحديث افتراق الأمم إلى بضع وسبعين مروي من طرق عديدة، وقد ذكرناه في موضع آخر ولله الحمد والمنة. وَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّقٌ وَإِن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ، وَاَللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِِّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ اَلْكَفِرِينَ يقول تعالى مخاطباً عبده ورسوله محمداً وَليق باسم الرسالة، وآمراً له بابلاغ جميع ما أرسله الله به، وقد امتثل عليه أفضل الصلاة والسلام ذلك، وقام به أتم القيام. قال البخاري عند تفسير هذه الآية: حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن إسماعيل، (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٩/ ٤٤٢ ح١٧٩١٩) وصحح سنده محققوه، وأخرجه الحاكم من طريق سالم بن أبي الجعد به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٥٩٠/٣). (٢) سنن ابن ماجه، الفتن، باب ذهاب القرآن والعلم ح (٤٠٤٨) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه ح (٣٢٧٢)، وكذا الحافظ ابن کثیر. (٣) أخرجه الآجري (الشريعة ص١٦)، وأبو يعلى (المسند ٦/ ٣٤٠ ح٣٦٦٨)، كلاهما من طريق أبي معشر به قال الهيثمي وفيه أبو معشر نجيح فيه ضعف (مجمع الزوائد ٧/ ٢٦٠). ٤٣٤ • سُوَرَُّ القَائِدَةِ (٦٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة وثقا، قالت: من حدثك أن محمداً كتم شيئاً مما أنزل الله عليه فقد كذب [والله](١) يقول: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبٌِّ﴾ الآية(٢)، هكذا رواه ها هنا مختصراً وقد أخرجه في مواضع من صحيحه مطولاً، وكذا رواه مسلم في كتابي الإيمان، والترمذي والنسائي في كتاب التفسير من سننهما من طرق عن عامر الشعبي، عن مسروق بن (٣) . الأجدع، عنها وفي الصحيحين عنها أيضاً أنها قالت: لو كان محمداً وَ لي كاتماً شيئاً من القرآن لكتم هذه الآية ﴿وَتُخْفِى فِ نَفْسِكَ مَا اَللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَنَةٌ﴾ (٤) [الأحزاب: ٣٧]. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي: حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد عن هارون بن عنترة، عن أبيه قال: كنا عند ابن عباس، فجاء رجل فقال له: إن ناساً يأتونا فيخبروننا أن عندكم شيئاً لم يبده رسول الله ﴿ للناس فقال ابن عباس: ألم تعلم أن الله تعالى قال: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّيَِّكٌ﴾ والله ما ورثنا رسول الله وَ لير سوداء في بيضاء(٥)، وهذا إسناد جيد. وهكذا في صحيح البخاري من رواية أبي جحيفة وهب بن عبد الله السوائي قال: قلت لعلي بن أبي طالب ظه: هل عندكم شيء من الوحي مما ليس في القرآن؟ فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهماً يعطيه الله رجلاً في القرآن وما في هذه الصحيفة، قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر (٦). وقال البخاري: قال الزهري: من الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم (٧). وقد شهدت له أمته بإبلاغ الرسالة وأداء الأمانة، واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل في خطبته يوم حجة الوداع، وقد كان هناك من أصحابه نحو من أربعين ألفاً، كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله وَ ل﴿ قال في خطبته يومئذٍ: ((أيها الناس، إنكم مسؤولون عني، فما أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فجعل يرفع أصبعه إلى السماء وينكسها إليهم ويقول: ((اللهم هل بلغت)) اللهم هل بلغت؟(٨). قال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير، حدثنا فضيل - يعني ابن غزوان -، عن عكرمة، عن ابن (١) كذا في صحيح البخاري، وفي النسخ الثلاث بلفظ: ((وهو)). (٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلَغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّيَّةٌ﴾ [المائدة: ٦٧] ح ٤٦١٢). (٣) صحيح مسلم، الإيمان، باب معنى قول الله رَى: ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى (٣)﴾ [النجم] (ح ١٧٧)، وسنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الأنعام (ح٣٠٦٨)، والسنن الكبرى للنسائي، التفسير، باب قول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ ... ﴾ (ح ١١١٤٧). (٤) أخرجه مسلم من حديث عائشة (المصدر السابق بعد ح١٧٧)، وأخرجه البخاري من حديث أنس بنحوه، الصحيح، التوحيد، باب ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ﴾ [هود: ٧] (ح ٧٤٢٠). (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وجود إسناده الحافظ ابن كثير ثم أردف له شاهداً من البخاري كما يلي (٦) صحيح البخاري، العلم، باب كتابة العلم (ح١١١). (٧) أخرجه البخاري معلقاً ووصله الحافظ ابن حجر بسنده عن الزهري ثم أردفه برواية ابن أبي عاصم من طريق الأوزاعي عن الزهري (تغليق التعليق ٣٦٥/٥ - ٣٦٦). (٨) صحيح مسلم، الحج، باب حجة النبي ◌َلّو (ح١٢١٨). ٤٣٥ • سُوَرَّةُ القَائِدَةِ (٦٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 عباس، قال: قال رسول الله وَلّر في حجة الوداع. (يا أيها الناس)) أي: يوم هذا؟ قالوا: يوم حرام، قال أي بلد هذا؟ قالوا: بلد حرام، قال: أي شهر هذا؟ قالوا: شهر حرام، قال: ((فإن أموالكم ودماءكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا» ثم أعادها مراراً، ثم رفع أصبعه إلى السماء فقال: ((اللهم هل بلغت؟)) مراراً. قال: يقول ابن عباس: والله لوصية إلى ربه 5 3، ثم قال: ((ألا فليبلغ الشاهد الغائب: لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض))(١) وقد روى البخاري عن علي بن المديني، عن يحيى بن سعيد، عن فضيل بن غزوان به نحوه(٢). وقوله تعالى: ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَا بَلَّغْتَ رِسَالَتْهُ﴾ يعني: وإن لم تؤد إلى الناس ما أرسلتك به، نَا بَلَّغْتَ رِسَالَتْهُ﴾؛ أي: وقد علم ما يترتب على ذلك لو وقع. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلّ ◌َا بَلَّغْتَ رِسَتْهُ﴾ يعني: إن كتمت آية مما أنزل إليك من ربك لم تبلغ رسالته(٣). قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا [قبيضة بن عقبة] (٤)، حدثنا سفيان، عن رجل، عن مجاهد قال: لما نزلت ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبٌِّ﴾ قال: يا ربِّ، كيف أصنع وأنا وحدي يجتمعون عليّ؟ فنزلت ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾(٥) ورواه ابن جرير من طريق سفیان وهو الثوري به(٦) . وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِِّ﴾ أي: بلغ أنت رسالتي وأنا حافظك وناصرك ومؤيدك على أعدائك ومظفرك بهم، فلا تخف ولا تحزن فلن يصل أحد منهم إليك بسوء يؤذيك، وقد كان النبي ◌ّ قبل نزول هذه الآية يُحرس، كما قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا يحيى قال: سمعت عبد الله بن عامر بن ربيعة يحدث، أن عائشة ها كانت تحدث أن رسول الله وَالهول سهر ذات ليلة وهي إلى جنبه قالت: فقلت ما شأنك يا رسول الله؟ قال: ((ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني الليلة)) قالت: فبينا أنا على ذلك، إذ سمعت صوت السلاح، فقال: ((من هذا؟)) فقال: أنا سعد بن مالك. فقال: ((ما جاء بك؟)) قال: جئت لأحرسك يا رسول الله. قالت: فسمعت غطيط رسول الله وَّ في نومه(٧)، أخرجاه في الصحيحين من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري به(٨)، وفي لفظ: سهر رسول الله وَّر ذات ليلة مقدمه المدينة يعني على إثر هجرته بعد دخوله بعائشة ﴿يا، وكان ذلك في سنة ثنتين منها(٩). (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٣٠/١)، وسنده صحيح. (٢) صحيح البخاري، الحج، باب الخطبة أيام منى (ح١٧٣٩). (٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسنده ثابت من طريق ابن أبي طلحة به. (٤) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: ((سعبة بن عتبة)) وهو تصحيف. (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإبهام شيخ سفيان الثوري، وإرسال مجاهد. (٦) أخرجه الطبري من طريق الثوري به، وسنده ضعيف كسابقه. (٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ١٤٠)، وسنده صحيح. (٨) صحيح البخاري، الجهاد، باب الحراسة في الغزو في سبيل الله (ح٢٨٨٥) وصحيح مسلم، فضائل الصحابة، فصل سعد بن أبي وقاص رظه (ح ٢٤١٠). (٩) المصدر السابق في صحيح مسلم. ٤٣٦ سُورَةُ المَائِدَةِ (٦٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال ابن أبي حاتم: حدثنا إبراهيم بن مرزوق البصري، نزيل مصر، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا الحارث بن عبيد - يعني: أبا قدامة -، عن الجريري، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة قالت: كان النبي ◌َ﴿ يُحرس حتى نزلت هذه الآية ﴿وَاَللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسِّ﴾ قالت: فأخرج النبي ◌َ﴿ رأسه من القبة وقال: ((يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله (ملك))(١). وهكذا رواه الترمذي عن عبد بن حميد، وعن نصر بن علي الجهضمي، كلاهما عن مسلم بن إبراهيم به، ثم قال: وهذا حديث غريب، وهكذا رواه ابن جرير والحاكم في مستدركه من طريق مسلم بن إبراهيم به، قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وكذا رواه سعيد بن منصور عن الحارث بن عبيد أبي قدامة، عن الجريري، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة به، ثم قال الترمذي: وقد روى بعضهم هذا عن الجريري عن ابن شقيق، قال: كان النبي وَلا يُحرس حتى نزلت هذه الآية، ولم يذكر عائشة(٢). قلت: هكذا رواه ابن جرير من طريق إسماعيل بن علية، وابن مردويه من طريق وهيب، كلاهما عن الجريري، عن عبد الله بن شقيق مرسلاً(٣)، وقد روى هذا مرسلاً عن سعيد بن جبير ومحمد بن كعب القرظي، رواهما ابن جرير(٤)، والربيع بن أنس، رواه ابن مردويه، ثم قال: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا أحمد بن رشدين المصري، حدثنا خالد بن عبد السلام الصدفي، حدثنا الفضل بن المختار، عن عبد الله بن موهب، عن عصمة بن مالك الخطمي قال: كنا نحرس رسول الله وَ﴿ بالليل. حتى نزلت: ﴿وَاَللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِِ﴾ فترك الحرس(٥). حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا حمد بن محمد بن حمد أبو نصر الكاتب البغدادي، حدثنا كردوس بن محمد الواسطي، حدثنا مُعلى بن عبد الرحمن، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، قال: كان العباس عم رسول الله وَّيقر فيمن يحرسه، فلما نزلت هذه الآية ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِّ﴾ ترك رسول الله وَّ الحرس(٦). حدثنا علي بن أبي حامد المديني، حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد، حدثنا محمد بن مفضل بن إبراهيم الأشعري، حدثنا أبي، حدثنا محمد بن معاوية بن عمار، حدثنا أبي قال: سمعت أبا الزبير المكي يحدث عن جابر بن عبد الله، قال: كان رسول الله وَ ﴿ إذا خرج بعث معه أبو طالب من يكلؤه حتى نزلت ﴿وَاللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ فذهب ليبعث معه، فقال: ((يا عم إن الله قد عصمني لا حاجة لي إلى من تبعث))(٧) وهذا حديث غريب وفيه نكارة، فإن هذه الآية مدنية، وهذا الحديث يقتضي أنها مكية. (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده الحارث بن عبيد صدوق يخطئ كما في التقريب، ولكن له شواهد كثيرة لاحقة فسنده حسن، وقد صححه بعض النقاد كما يلي. (٢) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة المائدة (ح٣٠٤٦)، وتفسير الطبري والمستدرك ٣١٣/٢، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٤٤٠). (٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وهذا المرسل يتقوى بسابقه ولاحقه. (٤) أخرجهما الطبري وهذان المرسلان يقوي أحدهما الآخر، ومع سابقهما يقوي بعضهم بعضاً. (٥) في سنده الفضل بن المختار ضعفه الحافظ ابن حجر (الإصابة ٨/٧)، ويشهد له سابقه. (٦) سنده ضعيف جداً لأن معلى بن عبد الرحمن وهو الواسطي متهم بالوضع وقد رمي بالرفض (التقريب ص٥٤١). (٧) ضعفه الحافظ ابن كثير، وبيّن نكارته. ٤٣٧ سُورَةُ القَائِدَةِ (٦٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ثم قال: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن یحیی، حدثنا أبو کریب، حدثنا عبد الحميد الحماني، عن النضر، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله وَل* يحرس فكان أبو طالب يرسل إليه كل يوم رجالاً من بني هاشم يحرسونه حتى نزلت عليه هذه الآية ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ زَبِقٌ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَا بَلَّغْتَ رِسَالَتْهُمْ وَاَللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسِّ﴾ قال: فأراد عمه أن يرسل معه من يحرسه، فقال: ((إن الله قد عصمني من الجن والإنس))(١)، ورواه الطبراني(٢) عن يعقوب بن غيلان العماني، عن أبي كريب به. وهذا أيضاً حديث غريب، والصحيح أن هذه الآية مدنية بل هي من أواخر ما نزل بها، والله أعلم، ومن عصمة الله لرسوله، حفظه له من أهل مكة وصناديدها وحسادها ومعانديها ومترفيها، مع شدة العداوة والبغضة، ونصب المحاربة له ليلاً ونهاراً، بما يخلقه الله من الأسباب العظيمة بقدرته وحكمته العظيمة، فصانه في ابتداء الرسالة بعمه أبي طالب إذ كان رئيساً مطاعاً كبيراً في قريش، وخلق الله في قلبه محبة طبيعية لرسول الله وَلو لا شرعية، ولو كان أسلم لاجترأ عليه كفارها وكبارها، ولكن لما كان بينه وبينهم قدر مشترك في الكفر هابوه واحترموه، فلما مات عمه أبو طالب، نال منه المشركون أذى يسيراً، ثم قيض الله له الأنصار فبايعوه على الإسلام وعلى أن يتحول إلى دارهم وهي المدينة، فلما صار إليها، منعوه من الأحمر والأسود، وكلما هم أحد من المشركين وأهل الكتاب بسوء كاده الله، ورد كيده عليه، كما كاده اليهود بالسحر فحماه الله منهم، وأنزل عليه سورتي المعوذتين دواء لذلك الداء، ولما سمه اليهود في ذراع تلك الشاة بخيبر، أعلمه الله به وحماه منه، ولهذا أشباه كثيرة جداً يطول ذكرها، فمن ذلك ما ذكره المفسرون عند هذه الآية الكريمة: فقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي، وغيره، قالوا: كان رسول الله و 8* إذا نزل منزلاً اختار له أصحابه شجرة ظليلة فيقيل تحتها، فأتاه أعرابي فاخترط سيفه، ثم قال: من يمنعك مني؟ فقال: ((الله رَ)) فرعدت يد الأعرابي وسقط السيف منه، وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه، فأنزل الله رقم: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾(٣). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا موسى بن عبيدة، حدثني زيد بن أسلم، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: لما غزا رسول الله ◌َي﴿ بني أنمار، نزل ذات الرقاع بأعلى نخل، فبينا هو جالس على رأس بئر قد دلى رجليه، فقال غورث بن الحارث من بني النجار: لأقتلن محمداً، فقال له أصحابه: كيف تقتله؟ قال: أقول له: أعطنى سيفك، فإذا أعطانيه، قتلته به، قال: فأتاه. فقال: يا محمد، أعطني سيفك أشيمه، فأعطاه إياه، فرعدت يده حتى سقط السيف من يده، فقال رسول الله وتليفون: (١) في سنده النضر وهو ابن عبد الرحمن ذكره الهيثمي باسمه واسم أبيه وبيّن أنه ضعيف (المجمع ٧/ ٢٠) بل هو متروك (كما في التقريب ص٥٦٢). (٢) المعجم الكبير ٢٥٦/١١ (ح١١٦٦٣) وسنده ضعيف جداً بسبب النضر. (٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب أبي معشر وهو نجيح السندي: ضعيف (التقريب ص٥٥٩) وقد أرسله محمد بن کعب. ٤٣٨ • سُورَةُ القَائِدَةِ (٦٨، ٦٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ((حال الله بينك وبين ما تريد))، فأنزل الله رَى: ﴿يَأَيُّهَ الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكٌ وَإِن لَّمْـ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ، وَاَللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾(١). وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وقصة غورث بن الحارث مشهورة في الصحيح. وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا أبو عمرو بن أحمد بن محمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن عبد الوهاب، حدثنا آدم، حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: كنا إذا صحبنا رسول الله و3 98 في سفر تركنا له أعظم شجرة وأظلها، فينزل تحتها، فنزل ذات يوم تحت شجرة وعلق سيفه فيها، فجاء رجل فأخذه، فقال: يا محمد، من يمنعك مني؟ فقال رسول الله وَ طر: ((الله يمنعني منك ضع السيف)) فوضعه، فأنزل الله وقال: ﴿وَاَللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ وكذا رواه أبو حاتم بن حبان في صحيحه عن عبد الله بن محمد، عن إسحاق بن إبراهيم، عن المؤمل بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة به(٢). وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت أبا إسرائيل - يعني الجشمي -، سمعت جعدة - هو ابن خالد بن الصمة الجشمي ظه -، قال: سمعت النبي ◌َّ ر ورأى رجلاً سميناً، فجعل النبي ◌َّله يومئ إلى بطنه بيده ويقول: ((لو كان هذا في غير هذا، لكان خيراً لك)) قال: وأتي النبي وَله برجل، فقيل: هذا أراد أن يقتلك، فقال له النبي ◌َّر: ((لم ترع ولو أردت ذلك لم يسلطك الله علي))(٣). وقوله: ﴿إِنَّ اللََّ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ﴾ أي: بلغ أنت والله هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢] وقال: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠]. ] ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ حَتَّى تُقِيمُواْ التَّوْرَنَةَ وَاَلْإِنِلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِن زَيِّكُمّ وَلَيَزِيدَنَ كَثِيراً مِنْهُم ◌َّا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ تُغْيَنَا وَكُفْرَا فَلَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِنَ ® إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَاَلَّذِينَ هَادُواْ وَالصَِّئُونَ وَالنََّى مَنْ ءَامَنَ بِالَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَِحًا فَلَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ يقول تعالى: قل يا محمد ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ﴾ أي: من الدين حتى تقيموا التوراة والإنجيل؛ أي: حتى تؤمنوا بجميع ما بأيديكم من الكتب المنزلة من الله على الأنبياء، وتعملوا بما فيها، ومما فيها الأمر باتباع محمد وَ ﴿ والإيمان بمبعثه، والاقتداء بشريعته، ولهذا قال ليث بن (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب موسى بن عبيدة، ولكن أصل القصة في صحيح البخاري، المغازي باب غزوة ذات الرقاع (ح٤١٣٦). (٢) أخرجه ابن حبان من طريق حماد به (موارد الظمآن ص ٣٤٠ ح ١٧٣٩) ويشهد له سابقه في صحيح البخاري. (٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٧١/٣)، قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير أبي إسرائيل الجشمي وهو ثقة (مجمع الزوائد ٢٢٦/٨)، وأخرجه النسائي من طريق شعبة به (السنن الكبرى، عمل اليوم والليلة، باب ما يقول للجائف ح١٠٩٠٣) وصححه الحافظ ابن حجر (تهذيب التهذيب ٨١/٢)، وأخرجه الحاكم من طريق شعبة به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١٢١/٤). ٤٣٩ • سُوَدَّةُ القَائِدَةِ (٧١،٧٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أبي سليم عن مجاهد في قوله: ﴿وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ﴾: يعني: القرآن العظيم(١)، وقوله: ﴿وَلَيَزِيدَنَ كَثْرًا مِنْهُم ◌َّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَِّكَ مُفْيَنَا وَكُفْرًا﴾ تقدم تفسيره. ﴿فَلَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ﴾ أي: فلا تحزن عليهم، ولا يهيدنّك ذلك منهم، ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ وهم المسلمون، ﴿وَالَّذِينَ هَادُواْ﴾ وهم حملة التوراة، ﴿وَالصَِّئُونَ﴾ لما طال الفصل حسن العطف بالرفع، والصابئون طائفة من النصارى والمجوس ليس لهم دين، قاله مجاهد(٢)، وعنه: من اليهود والمجوس(٣) . وقال سعيد بن جبير: من اليهود والنصارى(٤). وعن الحسن والحكم: إنهم كالمجوس(٥). وقال قتادة: هم قوم يعبدون الملائكة، ويصلون إلى غير القبلة، ويقرؤون الزبور(٦). وقال وهب بن منبه: هم قوم يعرفون الله وحده، وليست لهم شريعة يعملون بها، ولم يحدثوا كفراً (٧)، وقال ابن وهب: أخبرني ابن أبي الزناد، عن أبيه، قال: الصابئون هم قوم مما يلي العراق، وهم بكوثى، وهم يؤمنون بالنبيين كلهم، ويصومون كل سنة ثلاثين يوماً، ويصلون إلى اليمن كل يوم خمس صلوات(٨)، وقيل: غير ذلك، وأما النصارى فمعروفون وهم حملة الإنجيل، والمقصود أن كل فرقة آمنت بالله واليوم الآخر وهو الميعاد والجزاء يوم الدين، وعملت عملاً صالحاً، ولا يكون ذلك كذلك حتى يكون موافقاً للشريعة المحمدية بعد إرسال صاحبها المبعوث إلى جميع الثقلين فمن اتصف بذلك فلا خوف عليهم فيما يستقبلونه، ولا على ما تركوا وراء ظهورهم، ولا هم يحزنون، وقد تقدم الكلام على نظيرتها في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته ههنا . ] ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَقَ بَنِىّ إِسْرَِّيلَ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلَاْ كُلَّا جَآءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُواْ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ ﴿ وَحَسِبُواْ أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَقُّواْ ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ ثُمَّ عَمُواْ وَصَقُّواْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ يذكر تعالى أنه أخذ العهود والمواثيق على بني إسرائيل على السمع والطاعة لله ولرسوله، فنقضوا تلك العهود والمواثيق واتبعوا آراءهم وأهواءهم، وقدموها على الشرائع، فما وافقهم منها قبلوه وما خالفهم ردوه، ولهذا قال تعالى: ﴿كُلَّا جَآءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىَّ أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُواْ ، وَحَسِبُواْ أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: وحسبوا أن لا يترتب لهم شر على ما صنعوا، وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ ( (١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي سنان عن ليث به، وليث هو ابن أبي سليم صدوق اختلط جداً فلم يتميز حديثه فترك. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق حجاج بن أرطأة عن القاسم عن مجاهد. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق شريك عن سالم الأفطس عن سعيد. (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف فيه محمد بن عبد الرحمن العرزمي وهو متروك. (٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة. (٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبد الصمد بن معقل عن وهب بن منبه. (٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبد الله بن وهب عن ابن أبي الزناد به. ٤٤٠ • سُورَةُ المَائِدَةِ (٧٢، ٧٥) فترتب، وهو أنهم عموا عن الحق وصموا فلا يسمعون حقاً ولا يهتدون إليه، ثم تاب الله عليهم؛ أي: مما كانوا فيه، ثم ﴿عَمُواْ وَصَفُواْ﴾ أي: بعد ذلك، ﴿كَثِيرٌ مِنْهُمَّ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ أي: مطلع عليهم وعليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية. - ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَدٌ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَبَنِيّ إِسْرَوِيلَ اُعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِى وَرَبَّكُمْ إِنَُّ مَن يُشْرِكِ بِلَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَنَّهُ النَّارُ وَمَا لِلََّلِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴿® ◌َّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَاثَةُ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّ إِلَهٌ وَحِدُ وَإِن لَّمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيِهُ ﴿ أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٨) مَا الْمَسِيحُ أَبُْ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُتُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الَّعَامُ أَنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَتِ ثُمَّ أَنْظُرْ أَنَّ يُؤْفَكُونَ يقول تعالى حاكماً بتكفير فرق النصارى من الملكية واليعقوبية والنسطورية(١)، ممن قال منهم: بأن المسيح هو الله، تعالى الله عن قولهم وتنزه وتقدس علواً كبيراً، هذا وقد تقدم لهم أن المسيح عبد الله ورسوله، وكان أول كلمة نطق وهو صغير فى المهد أن قال: إني عبد الله، ولم يقل أنا الله ولا ابن الله، بل قال: ﴿إِنِ عَبْدُ اللَّهِ ءَاتَدِىَ الْكِتَبَ وَجَعَلَى نِيًّا﴾ إلى أن قال: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَقِّ وَرَبَّكُمْ فَأَعْبُدُوهُ هَذَا صِرَطٌ مُسْتَقِيمٌ (﴾﴾ [مريم] وكذلك قال لهم في حال كهولته ونبوته آمراً لهم بعبادة ربه وربهم، وحده لا شريك له، ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَبَنِىّ إِسْرَِّيلَ أَعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِهِ وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكِ بِاللَّهِ﴾ أي: فيعبد معه غيره ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اَللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَنُهُ النَّارِ﴾ أي: فقد أوجب له النار وحرم عليه الجنة كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَةُ﴾ [النساء: ٤٨]. وقال تعالى: ﴿وَنَدَىّ أَصْحَبُ النَّارِ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيَّنَا [الأعراف]، وفي الصحيح أن مِنَ الْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَفِرِينَ النبي و 18 بعث منادياً ينادي في الناس: إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، وفي لفظ: مؤمنة(٢). وتقدم في أول سورة النساء عند قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [٤٨] حديث يزيد بن بابنوس عن عائشة: الدواوين ثلاثة، فذكر منه ديواناً لا يغفره الله، وهو الشرك بالله، قال الله تعالى: ﴿مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾، والحديث في مسند أحمد(٣)، ولهذا قال تعالى إخباراً عن المسيح أنه قال لبني إسرائيل: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكِ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَنهُ النَّأَر وَمَا لِلَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ أي: وما له عند الله ناصر ولا معين ولا منقذ مما هو فيه. (١) تقدم التعريف بهذه الطوائف. (٢) صحيح البخاري، الرقاق، باب الحشر (ح٦٥٢٨). (٣) تقدم في تفسير سورة النساء آية ٤٨، في الحديث الشريف الأول.