النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ • سُورَةُ المَائِدَةِ (٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: الوضوء غسلتان ومسحتان(١). وكذا روى سعيد بن أبي عروبة عن قتادة(٢). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو معمر المنقري، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس ﴿وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِّ﴾ قال: هو المسح(٣). ثم قال: وروي عن ابن عمر وعلقمة وأبي جعفر محمد بن علي والحسن في إحدى الروايات، وجابر بن زيد ومجاهد في إحدى الروايات، نحوه(٤). وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية، حدثنا أيوب قال: رأيت عكرمة، يمسح على رجلیه، قال: وکان یقوله(٥). وقال ابن جرير: حدثني أبو السائب، حدثنا ابن إدريس، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي قال: نزل جبريل بالمسح (٦)، ثم قال الشعبي: ألا ترى أن التيمم أن يمسح ما كان غسلاً ويلغي ما كان مسحاً (٧). وحدثنا ابن أبي زياد، أخبرنا إسماعيل قلت لعامر: إن ناساً يقولون: إن جبريل نزل بغسل الرجلين؟ فقال: نزل جبريل بالمسح. فهذه آثار غريبة جداً، وهي محمولة على أن المراد بالمسح هو الغسل الخفيف لما سنذكره من السُنّة الثابتة في وجوب غسل الرجلين، وإنما جاءت هذه القراءة بالخفض إما على المجاورة وتناسب الكلام كما في قول العرب: جُحْر ضَبّ خرب، وكقوله تعالى: ﴿عَلِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقُّ﴾ [الإنسان: ٢١] وهذا ذائع شائع في لغة العرب سائغ. ومنهم من قال: هي محمولة على مسح القدمين إذا كان عليهما الخفان، قاله أبو عبد الله الشافعي ◌َّتُهُ. ومنهم من قال: هي دالة على مسح الرجلين، ولكن المراد بذلك الغسل الخفيف كما وردت به السنة، وعلى كل تقدير فالواجب غسل الرجلين فرضاً لا بدّ منه للآية والأحاديث التي سنوردها، ومن أحسن ما يستدل على أن المسح يطلق على الغسل الخفيف ما رواه الحافظ البيهقي حيث قال: أخبرنا أبو علي الروذباري، حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن حمويه العسكري، حدثنا جعفر بن محمد القلانسي، حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا عبد الملك بن ميسرة، سمعت النزال بن سبرة يحدث عن علي بن أبي طالب أنه صلى الظهر، ثم قعد في حوائج الناس في رحبة الكوفة حتى حضرت صلاة العصر، ثم أتي بكوز من ماء فأخذ منه حفنة واحدة، فمسح بها وجهه ويديه ورأسه ورجليه، ثم قام فشرب فضلته وهو قائم، ثم قال: إن ناساً (١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه عبد الرزاق من طريق ابن جريج أنه سمع عكرمة عن ابن عباس بلفظه (المصنف رقم ٥٥) وسنده صحيح. (٢) أخرجه الطبري من طريق سعيد به، وسنده صحيح. (٣) سنده ضعيف لضعف علي بن زيد وهو ابن جدعان ولأن يوسف بن مهران: لين الحديث. (٤) ما ورد عن علقمة أنه قرأ بالخفص وكذا عن مجاهد وقد أخرج أثرهما بسند ضعيف. (٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح. (٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح ولعله يقصد نزول جبريل بالقراءة على الخفض ((بأرجلكم)). (٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح. (٦) • سُوَرَّةُ المَائِدَةِ ٣٤٢ 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 يكرهون الشرب قائماً، وإن رسول الله و سل و صنع كما صنعت، وقال: ((هذا وضوء من لم يحدث))(١)، رواه البخاري في الصحيح عن آدم ببعض معناه(٢). ومن أوجب من الشيعة مسحهما كما يمسح الخف فقد ضلّ وأضلّ، وكذا من جوز مسحهما وجوز غسلهما فقد أخطأ أيضاً، ومن نقل عن أبي جعفر بن جرير أنه أوجب غسلهما للأحاديث، وأوجب مسحهما للآية، فلم يحقق مذهبه في ذلك، فإن كلامه في تفسيره إنما يدل على أنه أراد أنه يجب دلك الرجلين من دون سائر أعضاء الوضوء، لأنهما يليان الأرض والطين وغير ذلك، فأوجب دلكهما ليذهب ما عليهما، ولكنه عبّر عن الدلك بالمسح، فاعتقد من لم يتأمل كلامه أنه أراد وجوب الجمع بين غسل الرجلين ومسحهما، فحكاه من حكاه كذلك، ولهذا يستشكله كثير من الفقهاء وهو معذور، فإنه لا معنى للجمع بين المسح والغسل، سواء تقدمه أو تأخر عليه لاندراجه فيه، وإنما أراد الرجل ما ذكرت، والله أعلم، ثم تأملت كلامه أيضاً فإذا هو يحاول الجمع بين القراءتين في قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ خفضاً على المسح وهو الدلك، ونصباً على الغسل، فأوجبهما أخذاً بالجمع بين هذه وهذه. ذكر الأحاديث الواردة في غسل الرجلين وأنه لا بدّ منه: قد تقدم حديث أمير المؤمنين عثمان وعلي وابن عباس ومعاوية وعبد الله بن زيد بن عاصم والمقداد بن معديكرب، أن رسول الله وَّير غسل الرجلين في وضوئه إما مرة، وإما مرتين أو ثلاثاً، على اختلاف رواياتهم، وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، أن رسول الله وعليه توضأ فغسل قدميه، ثم قال: ((هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به))(٣). وفي الصحيحين من رواية أبي عوانة عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك، عن عبد الله بن عمرو قال: تخلف عنا رسول الله وَله في سفرة سافرناها، فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة، صلاة العصر، ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادى بأعلى صوته ((أسبغوا الوضوء ويل للأعقاب من النار)) (٤) وكذلك هو في الصحيحين عن أبي هريرة. وفي صحيح مسلم عن عائشة عن النبي وَلقر أنه قال: ((أسبغوا الوضوء ويل للأعقاب من النار))(٥). وروى الليث بن سعد عن حيوة بن شريح، عن عقبة بن مسلم، عن عبد الله بن الحارث بن جَزْءٍ أنه سمع رسول الله وَله يقول: ((ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار)) رواه البيهقي والحاكم (٦)، وهذا إسناد صحيح. (١) أخرجه البيهقي بسنده ومتنه (السنن الكبرى ٧٥/١)، وهو حديث صحيح كما يلي. (٢) أخرجه البخاري من طريق آدم وهو ابن أبي إياس به نحوه (الصحيح، كتاب الأشربة، باب الشرب قائماً ح ٥٦١٦). (٣) تقدم تخريج هذه الأحاديث في تفسير هذه الآية. (٤) صحيح البخاري، العلم، باب من رفع صوته بالعلم (ح ٦٠)، وصحيح مسلم، الطهارة، باب وجوب غسل الرجلين بكمالهما (ح٢٤١). (٥) صحيح مسلم، الباب السابق (ح ٢٤٢). (٦) سنن الدارقطني ٩٥/١، والمستدرك ١٦٢/١، وصححه الحافظ ابن كثير. ٣٤٣ سُورَةُ المَائِدَةِ (٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق أنه سمع سعيد بن أبي كرب ، أو شعيب بن أبي كرب، قال: سمعت جابر بن عبد الله وهو على جبل يقول: سمعت رسول الله وَ﴿ يقول: ((ويل للعراقيب من النار))(١). وحدثنا أسود بن عامر، أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن أبي كرب، عن جابر بن عبد الله قال: رأى النبي ◌َ﴿ في رِجل رَجل مثل الدرهم لم يغسله، فقال: ((ويل للأعقاب من النار)) ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن سعيد به نحوه(٢) . وكذا رواه ابن جرير من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج وغير واحد، عن أبي إسحاق السبيعي، عن سيعد بن أبي كرب، عن جابر عن النبي وَّر مثله. ثم قال: حدثنا علي بن مسلم، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثنا حفص، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر أن رسول الله وَ * رأى قوماً يتوضؤون لم يصب أعقابهم الماء، فقال: ((ويل للعراقيب من النار))(٣). وقال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا أيوب بن عقبة، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن معيقيب، قال: قال رسول الله وَلاير: ((ويل للأعقاب من النار))(٤) تفرد به أحمد. وقال ابن جرير: حدثني علي بن عبد الأعلى، حدثنا المحاربي، عن مطرح بن يزيد، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله وَلآهٍ: ((ويل للأعقاب من النار، ويل للأعقاب من النار)). قال: فما بقي في المسجد شريف ولا وضيع إلا نظرت إليه يقلب عرقوبيه، ينظر إليهما . وحدثنا أبو كريب، حدثنا حسين، عن زائدة عن ليث، حدثني عبد الرحمن بن سابط، عن أبي أمامة أو عن أخي أبي أمامة: أن رسول الله وَلقول أبصر قوماً يصلون، وفي عقب أحدهم أو كعب أحدهم، مثل موضع الدرهم أو موضع الظفر لم يمسه الماء، فقال: ((ويل للأعقاب من النار)). قال: فجعل الرجل إذا رأى في عقبه شيئاً لم يصبه الماء، أعاد وضوءه(٥). ووجه الدلالة من هذه الأحاديث ظاهرة، وذلك أنه لو كان فرض الرجلين مسحهما، أو أنه يجوز ذلك فيهما لما توعد على تركه، لأن المسح لا يستوعب جميع الرجل بل يجري فيه ما يجري في مسح الخف، وهكذا وجه هذه الدلالة على الشيعة الإمام أبو جعفر بن جرير رحمه الله تعالى. وقد روى مسلم في صحيحه من طريق أبي الزبير عن جابر، عن عمر بن الخطاب: أن رجلاً توضأ فترك موضع ظفر على قدمه، فأبصره النبي بق له وقال: ((ارجع فأحسن وضوءك))(٦). (١) المسند ٣٦٩/٣، ويشهد له ما سبق. (٢) المسند ٣٩٠/٣، وسنن ابن ماجه، الطهارة، باب غسل العراقيب (ح٤٥٤)، قال البوصيري: رجاله ثقات (مصباح الزجاجة ١/ ١٨٢). (٣) أخرجه الطبري بسنديه ومتنه، ويشهد له ما سبق. (٤) المسند ٤٢٦/٣، في سنده أيوب بن عتبة فيه مقال ويشهد له ما سبق. (٥) أخرجهما الطبري بسنديهما ومتنهما، ويشهد لهما ما سبق من الصحيح. (٦) صحيح مسلم، الطهارة، باب وجوب استيعاب جميع أجزاء محل الطهارة (ح ٢٤٣). ٣٤٤ • سُوَرَّةُ القَائِدَةِ (٦) وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق الصاغاني، حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ابن وهب، حدثنا جرير بن حازم أنه سمع قتادة بن دعامة، قال: حدثنا أنس بن مالك أن رجلاً جاء إلى النبي وكليه قد توضأ وترك على قدمه مثل موضع الظفر، فقال له رسول الله ويتلقى: ((ارجع فأحسن وضوءك)) وهكذا رواه أبو داود عن هارون بن معروف وابن ماجه عن حرملة بن يحيى، كلاهما عن ابن وهب به(١). وهذا إسناد جيد، رجاله كلهم ثقات، لكن قال أبو داود: ليس هذا الحديث بمعروف، لم يروه إلا ابن وهب. وحدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، أخبرنا يونس وحميد عن الحسن: أن رسول الله وَل، بمعنى حديث قتادة(٢). وقال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن أبي العباس، حدثنا بقية، حدثني بُحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن بعض أزواج النبي بَّلي: رأى رجلاً يصلي، وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره رسول الله ◌َ القر أن يعيد الوضوء(٣). ورواه أبو داود من حديث بقية، وزاد: والصلاة(٤). وهذا إسناد جيد قوي صحيح، والله أعلم. وفي حديث حمران عن عثمان في صفة وضوء النبي ◌َّم أنه خلل بين أصابعه(٥). وروى أهل السنن من حديث إسماعيل بن كثير، عن عاصم بن لقيط بن صبرة، عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله أخبرني عن الوضوء. فقال: «أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً))(٦). وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن يزيد أبو عبد الرحمن المقري، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا شداد بن عبد الله الدمشقي قال: قال أبو أمامة: حدثنا [عمرو](٧) بن عبسة قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني عن الوضوء، قال: ((ما منكم من أحد يقرب وضوءه ثم يتمضمض ويستنشق وينتثر إلا خرجت خطاياه من فمه وخياشيمه، مع الماء حين ينتثر، ثم يغسل وجهه كما أمره الله إلا خرجت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا خرّت خطايا (١) السنن الكبرى للبيهقي ٧٠/١، وسنن أبي داود، الطهارة، باب تفريق الوضوء (ح١٧٣)، وسنن ابن ماجه، الطهارة، باب من توضأ فترك موضعاً ... (ح٦٦٥)، وجود إسناده الحافظ ابن كثير ويشهد له أيضاً الحديث السابق. (٢) المصدر السابق في سنن أبي داود. (٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٢٤/٣)، وصححه الألباني ونقل عن الإمام أحمد أنه قال في إسناده: جيد، وعن ابن التركماني وابن القيم أنهما قوياً الحديث (إرواء الغليل ١٢٦/١). (٤) سنن أبي داود، الطهارة، باب تفريق الطهارة (ح ١٧٥)، وصححه الحافظ ابن كثير. (٥) تقدم تخريجه من الصحيحين في بداية تفسير هذه الآية عند مسألة الخلاف في استحباب تكرار مسح الرأس ثلاثاً . (٦) أخرجه أبو داود (السنن، الطهارة، باب في الاستنثار ح ١٤٢)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح١٢٩)، وأخرجه الترمذي (السنن، الصوم، باب ما جاء في كراهية مبالغة الاستنشاق للصائم ح٧٨٨)، وسنن النسائي، الطهارة، باب المبالغة في الاستنشاق ٦٦/١. (٧) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: ((عمر)) وهو تصحيف. ٣٤٥ • سُؤَدَّةُ المَائِدَةِ (٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 يديه من أطراف أنامله، ثم يمسح رأسه إلا خرّت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين كما أمره الله إلا خرّت خطايا قدميه من أطراف أصابعه مع الماء، ثم يقوم فيحمد الله ويثني عليه بالذي هو له أهل، ثم يركع ركعتين إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه)) . قال أبو أُمامة: يا عمرو، انظر ما تقول، سمعت هذا من رسول الله وسيقول أيعطى هذا الرجل كله في مقامه؟ فقال عمرو بن عبسة: يا أبا أمامة، لقد كبرت سني، ورق عظمي، واقترب أجلي، وما بي حاجة أن أكذب على الله وعلى رسول الله وَّلقر لو لم أسمعه من رسول الله وَّ إلا مرة أو مرتين أو ثلاثاً، لقد سمعته سبع مرات أو أكثر من ذلك(١). وهذا إسناد صحيح. وهو في صحيح مسلم من وجه آخر، وفيه: ثم يغسل قدميه كما أمره الله(٢)، فدلَّ على أن القرآن يأمر بالغسل. وهكذا روى أبو إسحاق السبيعي، عن الحارث، عن علي بن أبي طالب ظه أنه قال: اغسلوا القدمين إلى الكعبين كما أمرتم(٣)، ومن ههنا يتضح لك المراد من حديث عبد خير عن علي أن رسول الله وَّ رش على قدميه الماء وهما في النعلين، فدلكهما(٤)، إنما أراد غسلاً خفيفاً، وهما في النعلين، ولا مانع من إيجاد الغسل والرجل في نعلها، ولكن في هذا رد على المتعمقين والمتنطعين من الموسوسين. وهكذا الحديث الذي أورده ابن جرير على نفسه، وهو من روايته عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة قال: أتى رسول الله وَّ سُباطةَ قوم(٥)، فبال قائماً ثم دعا بماء فتوضأ ومسح على نعليه(٢). وهو حديث صحيح وقد أجاب ابن جرير عنه بأن الثقات الحفاظ رووه عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة، قال: فبال قائماً ثم توضأ ومسح على خفيه(٧). قلت: ويحتمل الجمع بينهما بأن يكون في رجليه خفان وعليهما نعلان، وهكذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا يحيى، عن شعبة، حدثني يعلى، عن أبيه، عن أوس بن أبي أوس، قال: رأيت رسول الله وَ﴿ توضأ ومسح على نعليه وقدميه، ثم قام إلى الصلاة(٨). وقد رواه أبو داود عن مسدد وعباد بن موسى، كلاهما عن هشيم، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه، عن أوس بن (١) أخرجه الإمام بسنده ومتنه (المسند ١١٢/٤)، وسنده صحيح. (٢) صحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب إسلام عمرو بن عبسة ربه (ح ٨٣٢). (٣) أخرجه ابن أبي شيبة من طريق السبيعي به (المصنف ٣١/١)، وسنده ضعيف بسبب ضعف الحارث وهو الأعور الهمداني. (٤) تقدم تخريجه في تفسير هذه الآية. (٥) السباطة هي الكناسة أو هي الموضع الذي يرمى فيه التراب والأوساخ (النهاية ٣٣٥/٢). (٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصححه الحافظ ابن كثير. (٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح. (٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٨/٤)، وأخرجه أبو داود من طريق هشيم عن يعلى به (السنن، الطهارة، باب المسح على الجوربين ح ١٦٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح١٤٥). ٣٤٦ • سُوَرَةُ المَائِدَةِ (٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أبي أوس قال: رأيت رسول الله وَ ﴿ أتى سباطة قوم، قبال وتوضأ ومسح على نعليه وقدميه(١). وقد رواه ابن جرير من طريق شعبة ومن طريق هشيم، ثم قال: وهذا محمول على أنه توضأ كذلك وهو غير محدث، إذ كان غير جائز أن تكون فرائض الله وسنن رسوله متنافية ومتعارضة، وقد صح عنه رَ طير الأمر بعموم غسل القدمين في الوضوء بالماء بالنقل المستفيض القاطع عذر من انتهى إليه وبلغه(٢). ولما كان القرآن آمراً بغسل الرجلين كما في قراءة النصب، وكما هو الواجب في حمل قراءة الخفض عليه، توهم بعض السلف أن هذه الآية ناسخة لرخصة المسح على الخفين، وقد روي ذلك عن علي بن أبي طالب، ولكن لم يصح إسناده، ثم الثابت عنه خلافه، وليس كما زعموه، فإنه قد ثبت أن النبي ◌َّير مسح على الخفين بعد نزول هذه الآية الكريمة. وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا زياد بن عبد الله بن علاثة، عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن مجاهد، عن جرير بن عبد الله البجلي قال: أنا أسلمت بعد نزول المائدة، وأنا رأيت رسول الله وَ ل﴿ يمسح بعدما أسلمت(٣)، تفرد به أحمد. وفي الصحيحين من حديث الأعمش عن إبراهيم، عن همام قال: بال جرير ثم توضأ ومسح على خفيه، فقيل: تفعل هذا؟ فقال: نعم، رأيت رسول الله وَلقر بال ثم توضأ ومسح على خفيه، قال الأعمش: قال إبراهيم: فكان يعجبهم هذا الحديث لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة، لفظ مسلم (٤). وقد ثبت بالتواتر عن رسول الله ومدير مشروعية المسح على الخفين قولاً منه وفعلاً، كما هو مقرر في كتاب الأحكام الكبير مع ما يحتاج إلى ذكره هناك من تأقيت المسح أو عدمه، أو التفصيل فيه، كما هو مبسوط في موضعه. وقد خالفت الروافض في ذلك بلا مستند بل بجهل وضلال، مع أنه ثابت في صحيح مسلم من رواية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (٥)، كما ثبت في الصحيحين عنه عن النبي (وَل النهي عن نكاح المتعة(٦) وهم يستبيحونها، وكذلك هذه الآية الكريمة دالة على وجوب غسل الرجلين مع ما ثبت بالتواتر من فعل رسول الله وسلم على وفق ما دلت هذه الآية الكريمة، وهم مخالفون لذلك كله وليس لهم دليل صحيح في نفس الأمر، ولله الحمد، وهكذا خالفوا الأئمة والسلف في الكعبين اللذين في القدمين فعندهم أنهما في ظهر القدم فعندهم في كل رجل كعب، وعند الجمهور أن الكعبين هما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم. قال الربيع: قال الشافعي: لم أعلم مخالفاً في أن الكعبين اللذين ذكرها الله في كتابه في (١) المصدر السابق. (٢) أخرجه الطبري من الطريقين مع التعليق. (٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٦٣/٤)، والحديث متفق عليه كما يلي: (٤) صحيح البخاري، الصلاة، باب الصلاة في الخفاف (ح ٣٨٧)، وصحيح مسلم، الطهارة، باب المسح على الخفین (ح٢٧٢). (٥) صحيح مسلم، الطهارة، باب التوقيت في المسح على الخفين (ح ٢٧٦). (٦) صحيح البخاري، المغازي، باب غزوة خيبر (ح٤٢١٦)، وصحيح مسلم، النكاح، باب نكاح المتعة وبيان أنه أبیح ثم نسخ (ح ١٤٠٧). ٣٤٧ • سُوَرَّةُ المَائِدَةِ (٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 الوضوء هما الناتئان، وهما مجمع مفصل الساق والقدم، هذا لفظه، فعند الأئمة رحمهم الله: في كل قدم كعبان، كما هو المعروف عند الناس، وكما دلت عليه السنة، ففي الصحيحين من طريق حمران عن عثمان أنه توضأ فغسل رجله اليمنى إلى الكعبين، واليسرى مثل ذلك(١). وروى البخاري تعليقاً مجزوماً به (٢) وأبو داود وابن خزيمة في صحيحه من رواية أبي القاسم الحسين بن الحارث الجدلي، عن النعمان بن بشير قال: أقبل علينا رسول الله وَله بوجهه فقال: ((أقيموا صفوفكم - ثلاثاً - والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم)) قال: فرأيت الرجل يلزق كعبه بكعب صاحبه، وركبته بركبة صاحبه، ومنكبه بمنكبه، لفظ ابن خزيمة(٣)، فليس يمكن أن يلزق كعبه بكعب صاحبه، إلا والمراد به العظم الناتئ في الساق حتى يحاذي كعب الآخر، فدل ذلك على ما ذكرناه من أنهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم كما هو مذهب أهل السنة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إسماعيل بن موسى، أخبرنا شريك، عن يحيى بن الحارث التيمي يعني الجابر، قال: نظرت في قتلى أصحاب زيد(٤)، فوجدت الكعب فوق ظهر القدم(٥). وهذه عقوبة عوقب بها الشيعة بعد قتلهم، [تنكيلاً](٦) بهم في مخالفتهم الحق وإصرارهم عليه. وقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ فَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنَكُم مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ الْنِسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ كل ذلك قد تقدم الكلام عليه في تفسير آية النساء، فلا حاجة بنا إلى إعادته لئلا يطول الكلام، وقد ذكرنا سبب نزول آية التيمم هناك، لكن البخاري روى ههنا حديثاً خاصاً بهذه الآية الكريمة فقال: حدثنا يحيى بن سليمان، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث أن عبد الرحمن بن القاسم حدثه عن أبيه، عن عائشة قالت: سقطت قلادة لي بالبيداء ونحن داخلون المدينة، فأناخ رسول الله و 18 ونزل، فثنى رأسه في حجري راقداً، فأقبل أبو بكر فلكزني لكزة شديدة وقال: حبست الناس في قلادة، فتمنيت الموت لمكان رسول الله وَ الأر مني، وقد أوجعني، ثم إن النبي ◌َّر استيقظ، وحضرت الصبح، فالتمس الماء فلم يوجد، فنزلت ﴿يََّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوْةِ فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ الآية (٧)، فقال أسيد بن الحضير: لقد بارك الله للناس فيكم يا آل أبي بكر ما أنتم إلا (١) تقدم في تفسير هذه الآية عند ذكر الخلاف في استحباب مسح الرأس ثلاثاً. (٢) أخرجه البخاري موصولاً أيضاً مختصراً بنحوه من حديث النعمان بن بشير (الصحيح، الأذان، باب تسوية الصفوف ح٧١٧). (٣) سنن أبي داود، الصلاة، باب تسوية الصفوف (ح٦٦٢)، وصحيح ابن خزيمة (ح١٦٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٦١٧). (٤) أي زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب مظ لته. (٥) في سنده إسماعيل بن موسى تفرد عن شريك بأحاديث وهو صدوق يخطئ رمي بالرفض (ميزان الاعتدال ١٥١/١، والتقريب ٧٥/١)، وفي سنده أيضاً شريك وهو ابن عبد الله القاضي فيه مقال. ويحيى الجابر: لين الحديث كما في التقريب. (٦) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: ((شكلاً)) وهو تصحيف. (٧) كذا في صحيح البخاري، وفي النسخ: هذه الآية. ٣٤٨ • سُوْدَّةُ المَائِدَةِ (٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 بركة لهم(١). (١) وقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ﴾ أي: فلهذا سهل عليكم ويسر ولم يعسر، بل أباح التيمم عند المرض وعند فقد الماء توسعة عليكم، ورحمة بكم وجعله في حق من شرع له يقوم مقام الماء إلا من بعض الوجوه كما تقدم بيانه، وكما هو مقرر في كتاب الأحكام الكبير. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: لعلكم تشكرون نعمه عليكم فيما شرعه لكم من التوسعة والرأفة والرحمة والتسهيل والسماحة، وقد وردت السنة بالحث على الدعاء عقب الوضوء بأن يجعل فاعله من المتطهرين الداخلين في امتثال هذه الآية الكريمة، كما رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن عن عقبة بن عامر قال: كانت علينا رعاية الإبل، فجاءت نوبتي فروحتها بعشي، فأدركت رسول الله وَ ل﴿ قائماً يحدث الناس، فأدركت من قوله: ((ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين مقبلاً عليهما بقلبه ووجهه، إلا وجبت له الجنة)) قال: قلت: ما أجود هذا، فإذا قائل بين يدي يقول: التي قبلها أجود منها، فنظرت فإذا عمر عنه فقال: إني قد رأيتك جئت آنفاً قال: ((ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء، يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء)) لفظ مسلم(٢). وقال مالك، عن نهشل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله وَّ* قال: ((إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه، خرج من وجهه، كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، حتى يخرج نقياً من الذنوب)) رواه مسلم عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، عن مالك به(٣). وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن كعب بن مرة قال: قال رسول الله وَالحجر: ((ما من رجل يتوضأ فيغسل يديه أو ذراعيه، إلا خرجت خطاياه منهما، فإذا غسل وجهه خرجت خطاياه من وجهه، فإذا مسح رأسه خرجت خطاياه من رأسه، فإذا غسل رجليه خرجت خطاياه من رجليه)) (٤) هذا لفظه. وقد رواه الإمام أحمد عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن منصور، عن سالم، عن مرة بن كعب أو كعب بن مرة السلمي، عن النبي و سلم قال: ((وإذا توضأ العبد فغسل يديه خرجت خطاياه من بين يديه، وإذا غسل وجهه خرجت خطاياه من وجهه، وإذا غسل ذراعيه خرجت خطاياه من ذراعيه، وإذا غسل رجليه خرجت خطاياه من رجليه)) قال شعبة: ولم يذكر مسح الرأس(٥)، وهذا إسناد صحيح. (١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] ح ٤٦٠٧). (٢) صحيح مسلم، الطهارة، باب الذكر المستحب عقب الوضوء (ح٢٣٤). (٣) صحيح مسلم، الطهارة، باب خروج الخطايا مع ماء الوضوء (ح ٢٤٤). (٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح قريب من سند الإمام أحمد الذي صححه الحافظ ابن كثير كما يلي. (٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٣٤/٤)، وصححه الحافظ ابن كثير وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح (المجمع ٢٢٤/١). ٣٤٩ • سُورَةُ الْغَائِدَةِ (٧، ١١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وروى ابن جرير من طريق شمر بن عطية، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله : ((من توضأ فأحسن الوضوء ثم قام إلى الصلاة، خرجت ذنوبه من سمعه وبصره ویدیه ورجلیه»(١). وروى مسلم في صحيحه من حديث يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جده ممطور، عن أبي مالك الأشعري أن رسول الله وَلو قال: ((الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والله أكبر تملآن ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصبر ضياء، والصدقة برهان، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها))(٢). وفي صحيح مسلم من رواية سماك بن حرب، عن مصعب بن سعد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَله: ((لا يقبل الله صدقة من غلول(٣)، ولا صلاة بغير طهور)) (٤). وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة، عن قتادة، سمعت أبا المليح الهذلي يحدث عن أبيه، قال: كنت مع رسول الله وَليل في بيت فسمعته يقول: ((إن الله لا يقبل صلاة من غير طهور، ولا صدقة من غلول))(٥) وكذا رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث شعبة (٦). ﴿وَأَذْكُرُواْ نِعْمَةَ أَلَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِى وَاتَّقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَاً وَأَنَّقُوا اللَّهَّ E ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُنُوْ قَوَمِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِنَّكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيُّهْ بِذَاتِ الصُّدُورِ شَنَكَانُ قَوْمٍ عَلَىَّ أَلَّا تَعْدِلُواْ أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَنَّ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُوا بِثَايَئِنَآَ ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمُ أَن أُوْلَبِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ يَبْسُطُوْاْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمّ وَأَتَّقُواْ اللّهُ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ . يقول تعالى مذكراً عباده المؤمنين نعمته عليهم في شرعه لهم هذا الدين العظيم. وإرساله إليهم هذا الرسول الكريم وما أخذ عليهم من العهد والميثاق في مبايعته على متابعته ومناصرته ومؤازرته، والقيام بدينه وإبلاغه عنه، وقبوله منه، فقال تعالى: ﴿وَأَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِى وَانَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ وهذه هي البيعة التي كانوا يبايعون عليها رسول الله وَل عند إسلامهم كما قالوا: بايعنا رسول الله صلقر على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله(٧)، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا نُؤْمِنُونَ بِلّهِ (١) أخرجه الطبري من طريق شمر به، وفي سنده شهر بن حوشب فيه مقال ويشهد له سابقه. (٢) صحيح مسلم، الطهارة، باب فضل الوضوء (ح ٢٢٣). (٣) الغلول الخيانة. (٤) صحيح مسلم، الطهارة، باب وجوب الطهارة (ح ٢٢٤). (٥) مسند الطيالسي (ح١٣١٩)، وسنده صحيح ويشهد له سابقه. (٦) المسند ٧٤/٥، وسنن أبي داود، الطهارة، باب فرض الوضوء (ح٥٩)، وسنن النسائي، الزكاة، باب الصدقة من غلول ٥٦/٥. (٧) أخرجه الشيخان من حديث عبادة بن الصامت (صحيح البخاري، الفتن، باب قول النبي وَلّر: ((سترون = ٣٥٠ سُورَةُ المَائِدَةِ (٧، ١١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِنُؤْمِنُواْ بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِشَقَكُمْ إِن كُم ◌ُؤْمِينَ ﴾﴾ [الحديد]، وقيل: هذا تذكار لليهود بما أخذ عليهم من المواثيق والعهود في متابعة محمد مطهر والانقياد لشرعه، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس(١). وقيل: هو تذكار بما أخذ تعالى من العهد على ذرية آدم حين استخرجهم من صلبه وأشهدهم على أنفسهم ﴿أَلَسْتُ بِرَبَّكُمْ قَالُواْ بَىُّ شَهِدْنَأُ﴾ [الأعراف: ١٧٢] قاله مجاهد (٢) ومقاتل بن حيان. والقول الأول أظهر، وهو المحكي عن ابن عباس والسدي (٣) واختاره ابن جرير. ثم قال تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ تأكيد وتحريض على مواظبة التقوى في كل حال، ثم أعلمهم أنه يعلم ما يختلج في الضمائر من الأسرار والخواطر، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَِّينَ لِلَّهِ﴾ أي: كونوا قوامين بالحق لله ربَّ، لا لأجل الناس والسمعة، وكونوا ﴿شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالعدل لا بالجور، وقد ثبت في الصحيحين عن النعمان بن بشير أنه قال: نحلني أبي نحلاً(٤) فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد عليه رسول الله وَّر، فجاءه ليشهده على صدقتي، فقال: ((أكلُ ولدك، نحلت مثله؟)) قال: لا، فقال: ((اتقوا الله واعدلوا في أولادكم)). وقال: ((إني لا أشهد على جور)) قال: فرجع أبي فردّ تلك الصدقة(٥). وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُواْ﴾ أي: لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فيهم، بل استعملوا العدل في كل أحد صديقاً كان أو عدواً، ولهذا قال: ﴿أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَنُ﴾ أي: عدلكم أقرب إلى التقوى من تركه، ودلّ الفعل على المصدر الذي عاد الضمير عليه، كما في نظائره من القرآن وغيره، كما في قوله: ﴿وَإِن قِيلَ لَكُمُ أَرْجِعُواْ فَأَرْجِعُواْ هُوَ أَزَّكَ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٨]. وقوله: ﴿هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾ من باب استعمال أفعل التفضيل في المحل الذي ليس في الجانب الآخر منه شيء، كما في قوله تعالى: ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا [الفرقان] وكقول بعض الصحابيات لعمر: أنت أفظ وأغلظ من رسول الله وَبِينٍ(٦). ثم قال تعالى: ﴿ وَأَتَّقُواْ الَّّ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي: وسيجزيكم على ما علم من أفعالكم التي عملتموها، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، ولهذا قال بعده ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ = بعدي أموراً تنكروها)) ح٧٠٥٦)، وصحيح مسلم، الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء ... (ح ١٧٠٩). (١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به. (٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي. (٤) أي أعطاني والدي أُعطية. (٥) صحيح البخاري، الهبة، باب الإشهاد في الهبة (ح٢٥٨٧)، وصحيح مسلم، الهبات، باب لا يشهد على شهادة جور (ح ٢٦٥٠). (٦) صحيح البخاري، فضائل الصحابة، باب مناقب عمر بن الخطاب (ح٣٦٨٣)، وصحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب من فضائل عمر بن الخطاب ظه (ح٢٣٩٦). ٣٥١ • سُورَةُ المَائِدَةِ (٧، ١١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتْ لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾ أي: لذنوبهم ﴿ وَأَجْرُ عَظِيمُ﴾ وهو الجنة التي هي من رحمته على عباده، لا ينالونها بأعمالهم بل برحمة منه وفضل، وإن كان سبب وصول الرحمة إليهم أعمالهم، وهو تعالى الذي جعلها أسباباً إلى نيل رحمته وفضله وعفوه ورضوانه فالكل منه وله، فله الحمد والمنة. ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِثَايَتِنَآَ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ ﴾﴾ وهذا من عدله تعالى، وحكمته وحكمه الذي لا يجور فيه، بل هو الحكم العدل الحكيم القدير. وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمُ أَنْ يَبْسُوْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ﴾. قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري، ذكره عن أبي سلمة، عن جابر: أن النبي 18ّ نزل منزلاً، وتفرق الناس في العضاه يستظلون تحتها، وعلق النبي ◌ّ﴿ سلاحه بشجرة، فجاء أعرابي إلى سيف رسول الله وسلّ، فأخذه فسله، ثم أقبل على النبي ◌ّ فقال: من يمنعك منى؟ قال: ((الله رَك)). قال الأعرابي، مرتين أو ثلاثاً: من يمنعك مني؟ والنبي ◌َّةٍ يقول: ((الله)). قال: فشام الأعرابي السيف، فدعا النبي ◌َّ أصحابه، فأخبرهم خبر الأعرابي، وهو جالس إلى جنبه، ولم يعاقبه، وقال معمر: كان قتادة يذكر نحو هذا، ويذكر أن قوماً من العرب أرادوا أن يفتكوا برسول الله و ﴿ فأرسلوا هذا الأعرابي، وتأول ﴿أَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمُ أَن يَبْسُوْاْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ الآية (١). وقصة هذا الأعرابي وهو [غورث](٢) بن الحارث(٣) ثابتة في الصحيح. وقال العوفي، عن ابن عباس في هذه الآية ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمُ أَنْ يَبْسُطُوْاْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمَّ﴾ وذلك أن قوماً من اليهود صنعوا لرسول الله له ولأصحابه طعاماً ليقتلوهم، فأوحى الله إليه بشأنهم، فلم يأت الطعام وأمر أصحابه فأتوه، رواه ابن أبي حاتم (٤). وقال أبو مالك: نزلت في كعب بن الأشرف وأصحابه حين أرادوا بمحمد وأصحابه في دار كعب بن الأشرف، رواه ابن أبي حاتم(٥). وذكر محمد بن إسحاق بن يسار ومجاهد وعكرمة وغير واحد، أنها نزلت في شأن بني النضير حين أرادوا أن يلقوا على رأس رسول الله وَ ﴿ الرُحى، لما جاءهم يستعينهم في دية العامريين، ووكلوا عمرو بن جحاش بن كعب بذلك، وأمروه إن جلس النبي ◌َّ ر تحت الجدار واجتمعوا عنده أن يلقي تلك الرحى من فوقه، فأطلع الله النبي و ◌ّر على ما تمالؤوا عليه، فرجع (١) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح أخرجه البخاري من طريق عبد الرزاق به (الصحيح، المغازي، باب غزوة بني المصطلق من خزاعة ح٤١٣٩)، وكذا مسلم (الصحيح، الفضائل، باب توكله على الله تعالى ... ح ٨٤٣). (٢) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: ((عورب)) وهو تصحيف. (٣) اختلف في إسلامه، وفي اسمه (الإصابة ١٨٥/٣). (٤) أخرجه الطبري من طريق العوفي به. (٥) أخرجه الطبري من طريق السدي عن أبي مالك به، وسنده مرسل، ويتقوى بلاحقه. ٣٥٢ • سُوَرَّةُ القَائِدَةِ (١٢، ١٤) إلى المدينة وتبعه أصحابه، فأنزل الله في ذلك هذه الآية(١). وقوله تعالى: ﴿وَعَلَ اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ يعني: من توكل على الله كفاه الله ما أهمه، وحفظه من شر الناس وعصمه، ثم أمر رسول الله وَ ر أن يغدو إليهم، فحاصرهم حتى أنزلهم فأجلاهم. ولله الحمد والمنّة. ﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ بَنِي إِسْرَّهِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ أَثْنَى عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَبِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَوَةَ وَءَاتَيْتُمُ الزَّكَوَةَ وَءَامَنتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللََّ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخَِنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ ﴾ فَيِمَا نَقْضِهِم مِيثَقَهُمْ لَعَنَّهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَةٌ يُحَرَفُونَ الْكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ، وَنَسُوا حَظًا مِّمَا ذُكِرُواْ بِهِ، وَلَا نَزَالُ تَطَلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِلًا مِنْهُمّ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَرَى أَخَذْنَا مِيثَقَهُمْ فَنَسُواْ حَقًّا مِّمَا ذُكِرُواْ بِهِ، فَأَغْرَبَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ (َ)) . لما أمر تعالى عباده المؤمنين بالوفاء بعهده وميثاقه الذي أخذه عليهم على لسان عبده ورسوله محمد *، وأمرهم بالقيام بالحق، والشهادة بالعدل، وذكرهم نعمه عليهم الظاهرة والباطنة فيما هداهم له من الحق والهدى، شرع يبين لهم كيف أخذ العهود والمواثيق على من كان قبلهم من أهل الكتابين: اليهود والنصارى، فلما نقضوا عهوده ومواثيقه أعقبهم ذلك لعناً منه لهم، وطرداً عن بابه وجنابه، وحجاباً لقلوبهم عن الوصول إلى الهدى ودين الحق، وهو العلم النافع، والعمل الصالح، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ بَنِي إِسْرَّهِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ أَثْنَى عَشَرَ نَقِيبًا﴾ يعني: عرفاء على قبائلهم بالمبايعة والسمع والطاعة لله ولرسوله ولكتابه. وقد ذكر ابن عباس وابن إسحاق وغير واحد أن هذا كان لما توجه موسىعليّ لقتال الجبابرة، فأمر بأن يقيم نقباء من كل سبط نقيب، قال محمد بن إسحاق: فكان من سبط [روبيل](٢): شامون بن ركون، ومن سبط شمعون: شافاط بن حُرّي، ومن سبط يهوذا: كالب بن يوفنا، ومن سبط أتين: ميخائيل بن يوسف، ومن سبط يوسف - وهو: سبط إفرايم -: يوشع بن نون، ومن سبط بنيامين: فلطم بن دفون، ومن سبط زبولون: جدي بن شورى، ومن سبط منشأ بن يوسف: جدي بن سوسى، ومن سبط دان: حملائيل بن جمل، ومن سبط أشار: ساطور بن ملكيل، ومن سبط نفثالي: بحر بن وقسي، ومن سبط يساخر: لايل بن مكيد(٣). وقد رأيت في السفر الرابع من التوراة تعداد النقباء على أسباط بني إسرائيل وأسماء مخالفة (١) هذه الآثار أخرجها الطبري عن مجاهد وعكرمة وأبي مالك وعبد الله بن كثير بأسانيد يقوي بعضها بعضاً. (٢) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: ((روميل))، وهو تصحيف. (٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عنه، بدون ذكر الأسماء. وقول ابن إسحاق أخرجه الطبري من طريق ابن حميد عن سلمة عن ابن إسحاق، وهذه الأسماء يقع فيها بعض الاختلاف، وقد ضبطها الأستاذ أحمد شاكر من التوراة التي وقف عليها . ٣٥٣ • سُوَرَّةُ القَائِدَةِ (١٢، ١٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 لما ذكره ابن إسحاق، والله أعلم، قال فيها: فعلى بني روبيل: اليصوني بن شادون، وعلى بني شمعون: شموال بن صورشكي، وعلى بني يهوذا: الحشون بن عمياذاب، وعلى بني يساخر: شال بن صاعون، وعلى بني زبولون: الياب بن حالوب، وعلى بني إفرايم: منشا بن عمنهود، وعلى بني منشا: حمليائيل بن يرصون، وعلى بني بنيامين: أبيدن بن جدعون، وعلى بني دان: جعيذر بن عميشذي، وعلى بني أشار: نحايل بن عجران، وعلى بني حاد: السيف بن دعواييل، وعلى بني نفتالي: أجذع بن عمينان(١). وهكذا لما بايع رسول الله ﴿ الأنصار ليلة العقبة، كان فيهم اثنا عشر نقيباً: ثلاثة من الأوس: وهم أسيد بن الحضير، وسعد بن خيثمة، ورفاعة بن عبد المنذر، ويقال بدله أبو الهيثم بن التيهان ﴿، وتسعة من الخزرج وهم: أبو أمامة أسعد بن زراة، وسعد بن الربيع، وعبد الله بن رواحة، ورافع بن مالك بن العجلان، والبراء بن معرور، وعبادة بن الصامت، وسعد بن عبادة، وعبد الله بن عمرو بن حرام، والمنذر بن عمرو بن [خُنيس](٢) ﴿، وقد ذكرهم كعب بن مالك في شعر له، كما أورده ابن إسحاق ◌َُّ(٣)، والمقصود أن هؤلاء كانوا عرفاء على قومهم ليلتئذ عن أمر النبي ولير لهم بذلك، وهم الذين ولوا المعاقدة والمبايعة عن قومهم للنبي وَّر على السمع والطاعة. قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن زيد، عن مجالد، عن الشعبي، عن مسروق قال: كنا جلوساً عند عبد الله بن مسعود وهو يقرئنا القرآن، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، هل سألتم رسول الله وَي كم يملك هذه الأمة من خليفة؟ فقال عبد الله: ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك، ثم قال: نعم، ولقد سألنا رسول الله موص له فقال: ((اثنا عشر كعدة نقباء بني إسرائيل)) (٤) هذا حديث غريب من هذا الوجه، وأصل هذا الحديث ثابت في الصحيحين من حديث جابر بن سمرة، قال: سمعت النبي ◌ّله يقول: ((لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً)) ثم تكلم النبي ◌ّه بكلمة خفيت علي، فسألت أبي ماذا قال النبي ◌َّ؟ قال: ((كلهم من قريش)) وهذا لفظ مسلم (٥). ومعنى هذا الحديث البشارة بوجود اثني عشر خليفة صالحاً يقيم الحق ويعدل فيهم، ولا يلزم من هذا تواليهم وتتابع أيامهم، بل وقد وجد منهم أربعة على نسق وهم الخلفاء الأربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﴿ه، ومنهم عمر بن عبد العزيز بلا شك عند الأئمة وبعض بني العباس، ولا تقوم الساعة حتى تكون ولايتهم لا محالة، والظاهر أن منهم المهدي المبشر به في (١) لقد وجه الخلاف الأستاذ أحمد شاكر بين هذا الذي وقف عليه الحافظ وبين رواية ابن إسحاق بأن التوراة التي كانت في يد الحافظ ابن كثير هي غير التي في أيدينا. (حاشية تفسير الطبري ١١٦/١٠). (٢) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: ((حبيش)). (٣) السيرة النبوية لابن هشام ٤٤٣/١. (٤) أخرجه الإمام أحمد بسند ومتنه (المسند ٣٩٨/١)، وفي سنده مجالد وهو ابن سعيد ليس بالقوي وتغير في آخر عمره كما في التقريب وأصل الحديث في الصحيحين كما يلي. (٥) صحيح البخاري، الأحكام، بدون عنوان للباب (ح٧٢٢٢)، وصحيح مسلم، الإمارة، باب الناس تبع لقريش (ح ١٨٢١). ٣٥٤ • سُوَّرَّةُ المَائِدَة (١٢، ١٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 الأحاديث الواردة بذكره، فذكر أنه يواطئ اسمه اسم النبي وَل﴿ واسم أبيه اسم أبيه، فيملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً، وليس هذا بالمنتظر الذي تتوهم الرافضة وجوده ثم ظهوره من سرداب سامراء(١)، فإن ذلك ليس له حقيقة ولا وجود بالكلية، بل هو من هوس العقول السخيفة، وتوهم الخيالات الضعيفة، وليس المراد بهؤلاء الخلفاء الاثني عشر الأئمة الاثني عشر الذين يعتقد فيهم الاثنا عشرية من الروافض لجهلهم وقلة عقلهم. وفي التوراة البشارة بإسماعيل عليه، وإن الله يقيم من صلبه اثني عشر عظيماً، وهم هؤلاء الخلفاء الاثنا عشر المذكورون في حديث ابن مسعود وجابر بن سمرة، وبعض الجهلة ممن أسلم من اليهود إذا اقترن بهم بعض الشيعة يوهمونهم أنهم الأئمة الاثني عشر، فيتشيع كثير منهم جهلاً وسفهاً لقلة علمهم وعلم من لقنهم ذلك بالسنن الثابتة عن النبي وصله. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ اَللَّهُ إِّ مَعَكُمْ﴾ أي: بحفظي وكلاءتي ونصري ﴿لَبِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَوَةَ وَءَاتَيْتُمُ الزَّكَوَةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلٍ﴾ أي: صدّقتموهم فيما يجيئونكم به من الوحي، ﴿وَعَزَّتُهُوهُمْ﴾ أي: نصرتموهم ووازرتموهم على الحق ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ وهو الإنفاق في سبيله وابتغاء مرضاته، ﴿لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أي: ذنوبكم أمحوها وأسترها ولا أؤاخذكم بها، ﴿وَلَأَِْنَّكُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: أدفع عنكم المحذور وأحصل لكم المقصود. وقوله: ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ﴾ أي: فمن خالف هذا الميثاق بعد عقده وتوكيده وشدّه وجحده، وعامله معاملة من لا يعرفه، فقد أخطأ الطريق الواضح، وعدل عن الهدى إلى الضلال، ثم أخبر تعالى عما حل بهم من العقوبة عند مخالفتهم ميثاقه ونقضهم عهده، فقال: ﴿فَيِمَا نَقْضِهِم مِيثَقَهُمْ لَعَنَّهُمْ﴾ أي: فبسبب نقضهم الميثاق الذي أخذ عليهم لعناهم؛ أي: أبعدناهم عن الحق وطردناهم عن الهدى، ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَةٌ﴾ أي: فلا يتعظون بموعظة لغلظها وقساوتها، ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن ◌َّوَاضِعِهِ﴾ أي: فسدت فهومهم وساء تصرفهم في آيات الله، وتأولوا كتابه على غير ما أنزله، وحملوه على غير مراده، وقالوا عليه ما لم يقل، - عياذاً بالله من ذلك - ﴿وَنَسُواْ حَظًا مِّمَا ذُكِرُواْ بٍِ﴾ أي: وتركوا العمل به رغبة عنه. وقال الحسن: تركوا عرى دينهم ووظائف الله تعالى التي لا يقبل العمل إلا بها(٢). وقال غيره: تركوا العمل فصاروا إلى حالة رديئة، فلا قلوب سليمة، ولا فطر مستقيمة، ولا أعمال قويمة، ﴿وَلَ نَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَيْنَةٍ مِّنْهُمْ﴾ يعني: مكرهم وغدرهم لك ولأصحابك. وقال مجاهد وغيره: يعني بذلك تمالؤهم على الفتك برسول الله وَمايو(٣). ﴿فَأَعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحْ﴾ وهذا هو عين النصر والظفر، كما قال بعض السلف ما عاملت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه، وبهذا يحصل لهم تأليف وجمع على الحق، ولعل الله أن يهديهم، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْيِنِينَ﴾ يعني: به الصفح عمن أساء إليك. وقال (١) مدينة تقع شمال بغداد في العراق. (٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بنحوه. ٣٥٥ سُورَةُ المَائِدَةِ (١٥، ١٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000000000 000 000 000 قتادة: هذه الآية ﴿فَأَعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحْ﴾ منسوخة بقوله: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ أَخِرِ وَلَا يُحِّمُونَ مَا حَتَّمَ اَللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَ يَدِينُونَ دِينَ أَلْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ﴾(١) [التوبة: ٢٩]. وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَدَرَى أَخَذْنَا مِيثَقَهُمْ﴾ أي: ومن الذين ادعوا لأنفسهم أنهم نصارى يتابعون المسيح ابن مريم عل* وليسوا كذلك، أخذنا عليهم العهود والمواثيق على متابعة الرسول وَل38، ومناصرته، ومؤازرته، واقتفاء آثاره، وعلى الإيمان بكل نبي يرسله الله إلى أهل الأرض، ففعلوا كما فعل اليهود، خالفوا المواثيق، ونقضوا العهود، ولهذا قال تعالى: ﴿فَنَسُواْ حَظًا مِّمَا ذُكِرُواْ بِهِ، فَأَغْرَّنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أي: فألقينا بينهم العداوة والبغضاء لبعضهم بعضاً، ولا يزالون كذلك إلى قيام الساعة، وكذلك طوائف النصارى على اختلاف أجناسهم لا يزالون متباغضين متعادين يُكفّر بعضهم بعضاً، ويلعن بعضهم بعضاً، فكل فرقة تحرم الأخرى، ولا تدعها تلج معبدها، فالملكانية تكفر اليعقوبية، وكذلك الآخرون، وكذلك النسطورية (٢) والآريوسية، كل طائفة تكفر الأخرى في هذه الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، ثم قال تعالى: ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ وهذا تهديد ووعيد أكيد للنصارى على ما ارتكبوه من الكذب على الله وعلى رسوله، وما نسبوه إلى الرب رم وتعالى وتقدس عن قولهم علواً كبيراً، من جعلهم له صاحبة وولداً، تعالى الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. ] ﴿يَتَأَهْلَ الْكِتَبِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيُِّ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ اُلْكِتَبِ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِرُ قَدْ جَآءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَبُ تُبِينٌ ﴿ يَهْدِى بِ اللَّهُ مَنِ أَثَّبَعَ رِضْوَنَهُ سُبُلَ السَّلَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الُلُمَتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ، وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ يقول تعالى مخبراً عن نفسه الكريمة أنه قد أرسل رسوله محمداً ﴿﴿ بالهدى ودين الحق إلى جميع أهل الأرض: عربهم وعجمهم، أميهم وكتابيهم، وأنه بعثه بالبينات والفرق بين الحق والباطل، فقال تعالى: ﴿يَكَأَهْلَ الْكِتَبِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّثُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَا كُنتُمْ تُغْفُونَ مِنَ الْكِتَبِ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٌ﴾ أي: يبين ما بدلوه وحرفوه وأولوه، وافتروا على الله فیه، ویسكت عن كثير مما غيّروه ولا فائدة في بيانه. وقد روى الحاكم في مستدركه من حديث الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس ظه، قال: من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب قوله: ﴿يَتَأَهْلَ الْكِتَبِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّثُ لَكُمْ كَثِيرً مِّمَا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَبِ﴾ فكان الرجم مما أخفوا، ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه(٣). ثم أخبر تعالى عن القرآن العظيم (١) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة. (٢) تقدم التعريف بهذه الفرق. (٣) أخرجه الحاكم بسنده ومتنه وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٥٩/٤). ٣٥٦ • سُوَدَّةُ القَائِدَةِ (١٧، ١٨) الذي أنزله على نبيه الكريم فقال: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَبٌ مُبِينٌ ﴿﴿ يَهْدِى بِهِ اَللَّهُ مَنِ أَنَّبَعَ رِضْوَنَهُ سُبُلَ السَّلَمِ﴾ أي: طرق النجاة والسلامة ومناهج الاستقامة، ﴿وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الُلُمَتِ إِلَىَ النُّورِ بِإِذْنِهِ، وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: ينجيهم من المهالك، ويوضح لهم [أبين](١) المسالك فيصرف عنهم المحذور، ويحصل لهم أحب الأمور، وينفي عنهم الضلالة، ويرشدهم إلى أقوم حالة. ] ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْهَمَّ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَأَمَهُم وَمَن فِ الْأَرْضِ جَمِيعًاُ وَلِلَّهِ مُلْكُ الشَمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَّأْ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ فَّدِيْرٌ ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَرَى نَحْنُ أَبْكَوْ اللَّهِ وَأَحِبَّكُؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُم بَشَهْرٌ مِّمَنْ خَلَقَّ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن IM يَشَاءُ وَلِلَِّ مُلْكُ الشَمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَّا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ يقول تعالى مخبراً وحاكياً بكفر النصارى في ادعائهم في المسيح ابن مريم، وهو عبد من عباد الله، وخلق من خلقه أنه هو الله، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً، ثم قال مخبراً عن قدرته على الأشياء وكونها تحت قهره وسلطانه ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اَللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ أي: لو أراد ذلك، فمن ذا الذي كان يمنعه منه أو من ذا الذي يقدر على صرفه عن ذلك، ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَّأَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ﴾ أي: جميع الموجودات ملكه وخلقه، وهو القادر على ما يشاء، لا يسأل عما يفعل بقدرته وسلطانه وعدله وعظمته، وهذا رد على النصارى عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة. ثم قال تعالى راداً على اليهود والنصارى في كذبهم وافترائهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَرَى نَحْنُ أَبْنَوْ اَللَّهِ وَأَحِبَّتُهُ﴾ أي: نحن منتسبون إلى أنبيائه وهم بنوه، وله بهم عناية، وهو يحبنا، ونقلوا عن كتابهم أن الله تعالى قال لعبده إسرائيل: أنت ابني بكري، فحملوا هذا على غير تأويله وحرفوه، وقد ردّ عليهم غير واحد ممن أسلم من عقلائهم وقالوا: هذا يطلق عندهم على التشريف والإكرام، كما نقل النصارى عن كتابهم أن عيسى قال لهم: إني ذاهب إلى أبي وأبيكم، يعني ربي وربكم، ومعلوم أنهم لم يدعوا لأنفسهم من النبوة ما ادعوها في عيسى لعلّل وإنما أرادوا من ذلك معزتهم لديه وحظوتهم عنده، ولهذا قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، قال الله تعالى رادّاً عليهم ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ أي: لو كنتم كما تدعون أبناءه وأحباءه، فلم أعد لكم نار جهنم على كفركم وكذبكم وافترائكم؟ وقد قال بعض شيوخ الصوفية لبعض الفقهاء: أين تجد في القرآن أن الحبيب لا يعذب حبيبه؟ فلم يرد عليه، فتلا عليه الصوفي هذه الآية ﴿قُلّ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ وهذا الذي قاله حسن، وله شاهد في المسند للإمام أحمد حيث قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس، قال: مرّ النبي ◌َّ في نفر من أصحابه، وصبي في الطريق، فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يوطأ، فأقبلت (١) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: أبيض. ٣٥٧ سُورَةُ القَائِدَةِ (١٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 تسعى وتقول: ابني ابني، وسعت فأخذته فقال القوم: يا رسول الله، ما كانت هذه لتلقي ولدها في النار. قال: فَخَفَّضَهُم النبيِ نَّه فقال: ((لا والله ما يلقي حبيبه في النار))(١) تفرد به أحمد. ﴿بَلْ أَنْتُم بَشَرٌ مِّمَنْ خَلَقَّ﴾ أي: لكم أسوة أمثالكم من بني آدم، وهو سبحانه الحاكم في جميع عباده ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَآءُ﴾ أي: هو فعال لما يريد، لا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب، ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَّا﴾ أي: الجميع ملكه وتحت قهره وسلطانه، ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أي: المرجع والمآب إليه، فيحكم في عباده بما يشاء، وهو العادل الذي لا یجور. وروى محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: وأتى رسول الله ◌َ ﴿ نعمان بن [آضاء](٢) وبحري بن عمرو وشاس بن عدي فكلموه، وكلمهم رسول الله ◌ٍَّ﴿ ودعاهم إلى الله، وحذرهم نقمته، فقالوا: ما تخوفنا يا محمد، نحن والله أبناء الله وأحباؤه، كقول النصارى، فأنزل الله فيهم ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَرَى نَحْنُ أَبَْوْا اللَّهِ وَأَحِبَّكُمُ ... ﴾ إلى آخر الآية، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير(٣). ورويا أيضاً من طريق أسباط عن السدي في قول الله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَرَى غَحْنُ أَبْنَوْ اللَّهِ وَأَحِبَّتُهُ﴾ أما قولهم: ﴿فَحْنُ أَبَْوُاْ اللَّهِ﴾، فإنهم قالوا: إن الله أوحى إلى إسرائيل أن ولدك بكري من الولد، فيدخلهم النار، فيكونون فيها أربعين ليلة حتى تطهرهم وتأكل خطاياهم، ثم ينادي مناد: أن أخرجوا كل مختون من ولد إسرائيل، فأخرجوهم فذلك قولهم لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات (٤). ] ﴿يَهْلَ الْكِنَبِ قَّدْ جَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَقِ مِّنَ اُلُّسُلِ أَنْ تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِنْ بَشِيرٍ . وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَلَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ يقول تعالى مخاطباً أهل الكتاب من اليهود والنصارى بأنه قد أرسل إليهم رسوله محمداً بَليه خاتم النبيين، الذي لا نبي بعده ولا رسول، بل هو المعقب لجميعهم، ولهذا قال: على فترة من الرسل؛ أي: بعد مدة متطاولة ما بين إرساله وعيسى ابن مريم، وقد اختلفوا في مقدار هذه الفترة كم هي؟ فقال أبو عثمان النهدي وقتادة في رواية عنه: كانت ستمائة سنة. ورواه البخاري عن سلمان الفارسي(٥). (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٠٤/٣)، وسنده صحيح ثلاثي أخرجه الحاكم من طريق حُميد به .. وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٥٨/١) وذكر الهيثمي أن رجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ١٠/ ٣٨٦). (٢) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: ((الصا)) وهو تصحيف. (٣) أخرجه الطبري والبيهقي من طريق ابن إسحاق به (دلائل النبوة ٥٣٥/٢)، وفيه تصريح ابن إسحاق بالسماع، وسنده حسن تقدم شرحه في مقدمة التفسير الصحيح. (٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط به وتتمته: وأما النصارى فإن فريقاً منهم قال للمسيح: ابن الله. (٥) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول سلمان أخرجه ابن عساكر (تاريخ دمشق ٤٧ /٤٨٥). ٣٥٨ • سُورَّةُ المَائِدَةِ (١٩) 00000000000000000000000000 000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00 وعن قتادة: خمسمائة وستون سنة(١). وقال معمر، عن بعض أصحابه: خمسمائة وأربعون سنة(٢). وقال الضحاك: أربعمائة وبضع وثلاثون سنة(٣). [وذكر ابن عساكر في ترجمة عيسى ظلَّلا عن الشعبي أنه قال: ومن رفع المسيح إلى هجرة النبي ( ﴿ تسعمائة وثلاثة وثلاثون سنة] (٤×٥) والمشهور هو القول الأول، وهو أنها ستمائة سنة. ومنهم من يقول: ستمائة وعشرون سنة، ولا منافاة بينهما، فإن القائل الأول أراد ستمائة سنة شمسية، والآخر أراد قمرية، وبين كل مائة سنة شمسية وبين القمرية نحو من ثلاث سنين، ولهذا قال تعالى في قصة أهل الكهف: ﴿وَلَبِثُواْ فِ كَهْفِهِمْ ثَثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَأَزْدَادُواْ تِْعًا ﴾﴾ [الكهف] أي: قمرية لتكميل ثلاثمائة الشمسية التي كانت معلومة لأهل الكتاب، وكانت الفترة بين عيسى بن مريم آخر أنبياء بني إسرائيل وبين محمد خاتم النبيين من بني آدم على الإطلاق، كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله وَل﴿ قال: ((إن أولى الناس بابن مريم لأنا ليس بيني وبينه نبي))(٦). وهذا فيه ردّ على من زعم أنه بعث بعد عيسى نبي، يقال له خالد بن سنان، كما حكاه القضاعي وغيره، والمقصود أن الله بعث محمداً وَ ليل على فترة من الرسل، وطموس من السبل، وتغير الأديان، وكثرة عبادة الأوثان والنيران والصلبان، فكانت النعمة به أتم النعم، والحاجة إليه أمر عمم، فإن الفساد كان قد عم جميع البلاد، والطغيان والجهل قد ظهر في سائر العباد إلا قليلاً من المتمسكين ببقايا من دين الأنبياء الأقدمين، من بعض أحبار اليهود وعباد النصارى والصابئين. كما قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا هشام، حدثنا قتادة، عن مطرف، عن عياض بن حماد المجاشعي وبه أن النبي وَلّ خطب ذات يوم، فقال في خطبته ((وإن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني في يومي هذا، كل مال نحلته عبادي حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإن الشياطين أتتهم فأضلتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً، ثم إن الله ◌َك نظر إلى أهل الأرض فمقتهم: عربهم وعجمهم، إلا بقايا من بني إسرائيل، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء، تقرأه نائماً ويقظانَ، ثم إن الله أمرني أن أحرق قريشاً فقلت: يا رب إذن [يثلَغوا](٧)(٨) رأسي فيدعوه خبزة، فقال: استخرجهم كما استخرجوك، [واغزُهم (١) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة. (٢) أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو ابن داود: ضعيف. (٣) أخرجه الطبري بسند فيه إبهام شيخ الطبري. (٤) تاريخ ابن عساكر ٤٧ / ٤٨٤ - ٤٨٥. (٥) ما بين معقوفين زيادة من (حم) و(مح). (٦) صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب قول الله: ﴿وَأَذَكُرْ فِ الْكِتَبِ مَرْتَ ... ﴾ [مريم: ١٦] (ح ٣٤٤٢)، وصحيح مسلم، الفضائل، باب فضائل عيسى عليهلا (ح ٢٣٦٥). (٧) أي: يشدخوه ويشجّوه. (٨) كذا في (حم) و(مح) وصحيح مسلم، وفي الأصل: ((تبلغي)) وهو تحريف. ٣٥٩ • سُورَةُ المَائِدَةِ (٢٦،٢٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 نُغزك](١)(٢) وأنفق عليهم فسنتفق عليك، وابعث جيشاً نبعث خمساً أمثاله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك، وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط موفق متصدق، ورجل رحيم رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلم، ورجل عفيف فقير ذو عيال متصدق، وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا دين له، والذين هم فيكم تبع أو تبعاً - شك يحيى - لا يبتغون أهلاً ولا مالاً، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك، وذكر البخيل أو الكذاب، والشنظير الفاحش))(٣). ثم رواه الإمام أحمد ومسلم والنسائي من غير وجه عن قتادة، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، وفي رواية شعبة عن قتادة التصريح بسماع قتادة هذا الحديث من مطرف، وقد ذكر الإمام أحمد في مسنده أن قتادة لم يسمعه من مطرف وإنما سمعه من أربعة عنه، ثم رواه هو عن روح، عن عوف، عن حكيم الأثرم، عن الحسن قال: حدثني مطرف، عن عياض بن حمار فذكره. ورواه النسائي من حديث غندر عن عوف الأعرابي به (٤) . والمقصود من إيراد هذا الحديث قوله: ((وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عجمهم وعربهم إلا بقايا من بني إسرائيل)) وفي لفظ مسلم: من أهل الكتاب(٥) وكان الدين قد التبس على أهل الأرض كلهم حتى بعث الله محمداً وَّ ر، فهدى الخلائق وأخرجهم الله به من الظلمات إلى النور، وتركهم على المحجة البيضاء والشريعة الغراء، ولهذا قال تعالى: ﴿أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٌ﴾ أي: لئلا تحتجوا وتقولوا يا أيها الذين بدلوا دينهم وغيروه ما جاءنا من رسول يبشر بالخير وينذر من الشر، فقد جاءكم بشير ونذير يعني محمداً فَه، ﴿وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيُ﴾ قال ابن جرير: معناه إني قادر على عقاب من عصاني، وثواب من أطاعني. ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ أَذْكُرُواْ نِعْمَةَ الَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيَكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكًا وَءَاتَنَكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَلَمِينَ ﴿ يَقَوْمِ أَدْخُلُواْ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِ كَنَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا نَرْنَدُواْ عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُواْ خَسِرِينَ ﴾ قَالُواْ يَمُوسَىّ إِنَّ فِيَهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن تَّدْخُلَهَا حَقَّى يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ ﴿َ قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِمَا أَدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابٌَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَلِبُونٌ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَُّواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿ قَالُواْ يَمُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدَأُ مَّا دَامُواْ فِيهَا فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَآ إِنَّا هَهُنَا فَعِدُونَ ﴿﴿ قَالَ رَبٍّ إِ لَآَ أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِى وَأَخِىّ فَأَفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ اُلْقَوْمِ اَلْفَاسِقِينَ ٢٥ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةُ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَّةٌ يَتِيهُونَ فِى الْأَرْضِّ فَلَا تَأْسَ عَلَى اُلْقَوْمِ الْفَسِفِينَ . يقول تعالى مخبراً عن عبده ورسوله وكليمه موسى بن عمران عظّل فيما ذكر به قومه من نعم الله عليهم [وآلائه](٦) لديهم في جمعه لهم خيري الدنيا والآخرة: لو استقاموا على طريقتهم (١) أي: نعينك. (٢) كذا في (حم) و(مح) وصحيح مسلم، وفي الأصل: ((واعزهم بعزك))، وهو تصحيف. (٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٦٢/٤)، وأخرجه مسلم من طريق قتادة به (الصحيح، الجنة، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار ح٢٨٦٥). (٤) نفس المصدرين السابقين والسنن الكبرى، فضائل القرآن، باب قراءة القرآن على كل الأحوال (ح ٨٠٧١). (٦) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: ((والآية)). (٥) المصدر السابق في صحيح مسلم. ٣٦٠ • سُورَةُ المَائِدَةِ (٢٠، ٢٦) المستقيمة، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ أُذْكُرُواْ نِعْمَةَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيَكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ أي: كلما هلك نبي قام فيكم نبي من لدن أبيكم إبراهيم إلى من بعده، وكذلك كانوا لا يزال فيهم الأنبياء يدعون إلى الله ويحذرون نقمته حتى ختموا بعيسى ابن مريم فعلا، ثم أوحى الله إلى خاتم الأنبياء والرسل على الإطلاق محمد بن عبد الله المنسوب إلى إسماعيل بن إبراهيم وهو أشرف من كل من تقدمه منهم [عليه وعليهم الصلاة والسلام](١). وقوله: ﴿وَجَعَلَكُم مُّلُوًا﴾ قال عبد الرزاق: عن الثوري، عن منصور، عن الحكم أو غيره، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُوَكًا﴾، قال: الخادم والمرأة والبيت(٢). ورواه الحاكم في مستدركه من حديث الثوري أيضاً عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: المرأة والخادم ﴿وَءَاتَنْكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَلَمِينَ﴾ قال: الذين هم بين ظهرانيهم يومئذٍ. ثم قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه(٣). وروى ميمون بن مهران عن ابن عباس قال: كان الرجل من بني إسرائيل إذا كان له الزوجة والخادم والدار، سمي ملكاً (٤). وقال ابن جرير: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، أنبأنا أبو [هانئ](٥) أنه سمع أبا عبد الرحمن للحُبليّ يقول: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، وسأله رجل فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم. قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم. قال: فأنت من الأغنياء. فقال: إن لي خادماً. قال: فأنت من الملوك(٦). وقال الحسن البصري: هل الملك إلا مرکب وخادم ودار، رواه ابن جرير (٧)، ثم روى عن الحكم ومجاهد ومنصور وسفيان الثوري نحواً من هذا. وحكاه ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران. وقال ابن شوذب: كان الرجل من بني إسرائيل إذا كان له منزل وخادم واستؤذن عليه، فهو ملك. وقال قتادة: كانوا أول من اتخذ الخدم(٨). (١) زيادة من (مح). (٢) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وفيه الحكم وهو ابن عتيبة مدلس لكنه توبع في الرواية التالية من طريق مجاهد. (٣) أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣١١/٢). (٤) أخرجه الطبري من طريق حجاج بن تميم عن ميمون به، وحجاح ضعيف كما في التقريب لكنه توبع كما في رواية الحاكم السابقة. (٥) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: ((ها)). (٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح وأخرجه مسلم من طريق ابن وهب به (الصحيح، الزهد، بدون ذکر الباب ح٢٩٧٩). (٧) أخرجه الطبري بسند فيه سفيان بن وكيع وهو ضعيف ويشهد له ما تقدم. (٨) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.