النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ • سُوْرَةِ المَائِدَةِ (١، ٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 [المائدة: ٨] أي: لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فإن العدل واجب على كل أحد في كل أحد في كل حال، وقال بعض السلف: ما عاملت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه. والعدل به قامت السموات والأرض. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سهل بن عفان، حدثنا عبد الله بن جعفر، عن زيد بن أسلم قال: كان رسول الله ◌َو بالحديبية وأصحابه حين صدهم المشركون عن البيت وقد اشتد ذلك عليهم فمر بهم أناس من المشركين من أهل المشرق يريدون العمرة فقال أصحاب النبي تقدير: نصد هؤلاء كما صدنا أصحابهم فأنزل الله هذه الآية (١). والشنآن هو البغض قاله ابن عباس وغيره(٢). وهو مصدر من شنأته أشنؤه شنآناً بالتحريك، مثل قولهم جمزان ودرجان ورقلان، من جمز ودرج ورقل. وقال ابن جرير: من العرب من يسقط التحريك في ﴿شَتَكَانُ﴾ فيقول: شنان، ولم أعلم أحداً قرأ بها. ومنه قول الشاعر(٣): وما العيش إلا ما تحب وتشتهي وإن لام فيه ذو الشَّنان وفنّدا وقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِ وَالنَّقْوَى وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ﴾ يأمر تعالى عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات وهو البر، وترك المنكرات وهو التقوى وينهاهم عن التناصر على الباطل والتعاون على المآئم والمحارم، قال ابن جرير: الإثم ترك ما أمر الله بفعله والعدوان مجاوزة ما حد الله في دينكم ومجاوزة ما فرض الله عليكم في أنفسكم وفي غيركم(٤). وقد قال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا عبيد الله بن أبي بكر [بن أنس](٥) عن جده أنس بن مالك قال: قال رسول الله وَله: ((انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً)) قيل: يا رسول الله هذا نصرته مظلوماً فكيف أنصره إذا كان ظالماً؟ قال: «تحجزه وتمنعه من الظلم فذاك نصره)) (٦) انفرد به البخاري من حديث هشيم به نحوه(٧)، وأخرجه من طريق ثابت عن أنس قال: قال رسول الله ويليه: ((انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً)) قيل: يا رسول الله هذا نصرته مظلوماً، فكيف أنصره ظالماً؟ قال: ((تمنعه من الظلم فذاك نصرك إياه)) . وقال أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا سفيان بن سعيد، عن الأعمش، عن يحيى بن وثاب، عن رجل من أصحاب النبي ◌َّي قال: ((المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجراً من (١) سنده ضعيف ومرسل، لأن عبد الله بن جعفر هو ابن نجيح السعدي ضعيف (التقريب ٤٠٦/١)، وزيد بن أسلم تابعي. (٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه أيضاً عن قتادة بسند صحيح، وأخرجه عن عبد الرحمن بن زيد بسند صحيح. (٣) هو الأحوص بن محمد الأنصاري إذ ورد هذا البيت منسوباً إليه في طبقات فحول الشعراء ص٥٣٩. (٤) ذكره الطبري بنحوه. (٥) كذا في (حم) و(مح) والتخريج، وفي الأصل: ((عن أنس)) وهو تصحيف. (٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٩٩/٣) وسنده صحيح. (٧) صحيح البخاري، المظالم، باب أعن أخاك ظالماً أو مظلوماً (ح٢٤٤٤). ٣٠٢ • سُوَّرَةُ المَائِدَةِ (٣) الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم)) (١). وقد رواه أحمد أيضاً في مسند عبد الله بن عمر، حدثنا حجاج، حدثنا شعبة عن الأعمش، عن يحيى بن وثاب، عن شيخ من أصحاب النبي ◌َّله - قال الأعمش: هو ابن عمر - عن النبي و لو أنه قال: ((المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم)) وهكذا رواه الترمذي من حديث شعبة وابن ماجه من طريق إسحاق بن يوسف كلاهما عن الأعمش به (٢). وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن محمد أبو شيبة الكوفي، حدثنا بكر بن عبد الرحمن، حدثنا عيسى بن المختار، عن ابن أبي ليلى، عن فضيل بن عمرو، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: قال رسول الله وَّلفيه: ((الدال على الخير كفاعله)) ثم قال: لا نعلمه يروى إلا بهذا الإسناد(٣). قلت: وله شاهد في الصحيح («من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً))(٤). وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا عمرو بن إسحاق بن إبراهيم بن زبريق الحمصي، حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن الحارث، عن عبد الله بن سالم، عن الزبيدي قال عياش بن مؤنس: إن أبا الحسن نمران بن مُخمر، حدثه أن أوس بن شرحبيل أحد بني المجمع حدثه أن رسول الله وَله قال: ((من مشى مع ظالم ليعينه وهو يعلم أنه ظالم فقد خرج من الإسلام))(٥). ] ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ وَلَّمُ وَمُ الْخِزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ الَّهِ بِهِ، وَالْمُنْخَيِقَةُ وَالْمَوْقُونَةُ وَالْمُتَرَدِيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ السَُّعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْثُ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْنَقْسِمُواْ بِالْأَزْلَِّ ذَلِكُمْ فِسْقٌ أَلْيَوْمَ يَيِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِيْنِكُمْ فَ تَخْشَوْهُمْ وَأَخْشَوْنَ اُلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيِنَّكُمْ وَمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَ فِى مَخْبَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لَِّثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (ج)﴾. يخبر تعالى عباده خبراً متضمناً النهي عن تعاطي هذه المحرمات من الميتة، وهي ما مات من الحيوانات حتف أنفه من غير ذكاة ولا اصطياد، وما ذاك إلا لما فيها من المضرة لما فيها من (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٦٥/٥)، وصححه أحمد شاكر والألباني كما يلي. (٢) أخرجه الإمام أحمد وصححه محققه أحمد شاكر (المسند ح٥٠٢٢)، وأخرجه الترمذي (السنن، القيامة، باب ٥٥ ح ٢٥٠٧)، وابن ماجه (السنن، الفتن، باب الصبر على البلاء ح٤٠٣٢)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح٩٣٩). (٣) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح١٥٤)، وقال الهيثمي: فيه عيسى بن المختار تفرد عنه بكر بن عبد الرحمن (مجمع الزوائد ١٦٦/١)، وله شاهد في صحيح مسلم كما يلي: (٤) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ◌ُه مرفوعاً، (الصحيح، كتاب العلم، باب من سن سنّة حسنة أو سيئة ح ٤ ٢٦٧). (٥) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١٩٧/١)، وسنده ضعيف بسبب ضعف إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الحمصي: صدوق يهم كثيراً، واطلق محمد بن عوف أنه يكذب (التقريب ص٩٩)، وقال الهيثمي: فيه عياش. ٣٠٣ • سُورَةُ المَائِدَةِ (٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 الدم المحتقن فهي ضارة للدين وللبدن، فلهذا حرمها الله رم، ويستثنى من الميتة السمك، فإنه حلال سواء مات بتذكية أو غيرها، لما رواه مالك في موطئه، والشافعي وأحمد في مسنديهما، وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه في سننهم، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما عن أبي هريرة أن رسول الله وَّ سئل عن ماء البحر، فقال: ((هو الطهور ماؤه الحل ميتته)) (١)، وهكذا الجراد، لما سيأتي من الحديث. وقوله: ﴿وَاَلَّمُ﴾ يعني به المسفوح، كقوله: ﴿أَوَ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] قاله ابن عباس وسعيد بن جبير. قال ابن أبي حاتم: حدثنا كثير بن شهاب المذحجي، حدثنا محمد بن سعيد بن سابق، حدثنا عمرو - يعني: ابن أبي قيس -، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه سئل عن الطحال فقال: كلوه، فقالوا: إنه دم، فقال: إنما حرم عليكم الدم المسفوح(٢). وكذا رواه حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد، عن القاسم، عن عائشة، قالت: إنما نهى عن الدم السافح. وقد قال أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر مرفوعاً، قال: قال رسول الله وَلّ: ((أحل لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان. فالسمك والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال))(٣). وكذا رواه أحمد بن حنبل وابن ماجه والدارقطني والبيهقي من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف، قال الحافظ البيهقي: ورواه إسماعيل بن أبي إدريس، عن أسامة، وعبد الله وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن ابن عمر مرفوعاً قلت: وثلاثتهم كلهم ضعفاء، ولكن بعضهم أصلح من بعض، وقد رواه سليمان بن بلال - أحد الأثبات - عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر فوقفه بعضهم عليه، قال (٤) الحافظ أبو زرعة الرازي: وهو أصح ٠ وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسن، حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، حدثنا بشير بن سريج عن [أبي غالب](٥)، عن أبي أمامة - وهو صُدي بن عجلان -، قال: بعثني رسول الله ويجه إلى قومي أدعوهم إلى الله ورسوله، وأعرض عليهم شرائع الإسلام، فأتيتهم فبينما (١) الموطأ، الطهارة، باب الطهور للوضوء ٢٢/١ (ح١٢) ومسند الشافعي، (ح٢٥)، ومسند أحمد ٢٣٧/٢، وسنن أبي داود، الطهارة، باب الوضوء بماء البحر (ح٨٣)، وسنن الترمذي، الطهارة، باب ما جاء في ماء البحر أنه طهور (ح٦٩)، وسنن النسائي، الطهارة، باب ماء البحر ٥٠/١، وسنن ابن ماجه، الطهارة، باب الوضوء بماء البحر (ح٣٨٦)، وصحيح ابن خزيمة (ح١١١)، وترتيب صحيح ابن حبان (ح١٢٤٣)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ١٤٠)، وصححه البخاري فيما سأله الترمذي عنه (علل الترمذي ١٣٦/١)، وصححه البيهقي (المعرفة ١٥٢/١)، والبغوي (شرح السنة ٥٥/٢ ح ٢٨١)، والألباني في صحيح سنن ابن ماجه. (٢) في سنده عمرو بن أبي قيس له أوهام، وسماك في روايته عن عكرمة اضطراب ويشهد له سابقه. (٣) أخرجه الشافعي بسنده ومتنه ترتيب مسند الشافعي، كتاب الصيد والذبائح ١٧٣/٢ (ح ٦٠٧)، وسنده ضعيف بسبب عبد الرحمن بن زيد بن أسلم والأصح وقفه على ابن عمر ﴿ًا، كما سيأتي عن أبي زرعة. (٤) ينظر العلل لابن أبي حاتم (١٧/٢). (٥) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: ((بن غالب)) وهو تصحيف. ٣٠٤ • سُورَّةُ القَائِدَة (٣) نحن كذلك، إذ جاؤوا بقصعة من دم فاجتمعوا عليها يأكلونها فقالوا: هلم يا صُدي فكل، قال: قلت: ويحكم إنما أتيتكم من عند من يحرم هذا عليكم فأقبلوا عليه، قالوا: وما ذاك؟ فتلوت عليهم هذه الآية ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ وَالَّمُ وَمُ الْخِزِيرِ﴾ الآية(١). ورواه الحافظ أبو بكر بن مردويه من حديث ابن أبي الشوارب بإسناده مثله، وزاد بعده هذا السياق قال: فجعلت أدعوهم إلى الإسلام ويأبون عليّ، فقلت: ويحكم اسقوني شربة من ماء، فإني شديد العطش، قال: وعليّ عباءتي، فقالوا: لا، ولكن ندعك حتى تموت عطشاً، قال: فاغتممت وضربت برأسي في العباء، ونمت على الرمضاء في حر شديد، قال: فأتاني آت في منامي بقدح من زجاج لم ير الناس أحسن منه، وفيه شراب لم ير الناس ألذ منه، فأمكنني منه فشربته، فلما فرغت من شرابي استيقظت فلا والله ما عطشت، ولا عريت بعد تيك الشربة(٢). ورواه الحاكم في مستدركه عن علي بن حماد، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني عبد الله بن سلمة بن عياش العامري، حدثنا صدقة بن هرمز عن أبي غالب، عن أبي أمامة وذكر نحوه، وزاد بعد قوله: بعد تيك الشربة، فسمعتهم يقولون: أتاكم رجل من سراة قومكم فلم تمجعوه بمذقة، فأتوني بمذقة فقلت: لا حاجة لي فيها، إن الله أطعمني وسقاني، وأريتهم بطني، فأسلموا عن آخرهم(٣). وما أحسن ما أنشد الأعشى في قصيدته التي ذكرها ابن إسحاق: وإياك والميتات لا تقربنّها ولا تأخذُن عظماً حديداً فتفصدا(٤) أي لا تفعل فعل الجاهلية، وذلك أن أحدهم كان إذا جاع يأخذ شيئاً محدداً من عظم ونحوه، فيفصد به بعيره أو حيواناً من أي صنف كان، فيجمع ما يخرج منه من الدم فيشربه، ولهذا حرم الله الدم على هذه الأمة، ثم قال الأعشى: وذا النُصب المنصوبَ لا تأتينّه ولا تعبد الأوثان والله فاعبدا(٥) وقوله: ﴿وَلَّمُ اَلِخِزِيرٍ﴾ يعني: إنسيه ووحشيه، واللحم يعمّ جميع أجزائه حتى الشحم، ولا يحتاج إلى تحذلق الظاهرية في جمودهم ههنا، وتعسفهم في الاحتجاج بقوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا﴾ يعنون قوله تعالى: ﴿إِلَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمَا تَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] أعادوا الضمير فيما فهموه على الخنزير حتى يعم جميع أجزائه، وهذا بعيد من حيث اللغة، فإنه لا يعود الضمير إلا إلى المضاف دون المضاف إليه، والأظهر أن اللحم يعم جميع الأجزاء كما هو المفهوم من لغة العرب، ومن العرف المطرد. وفي صحيح مسلم عن بريدة بن الحصيب الأسلمي به، قال: قال رسول الله وَله: ((من لعب بالنردشير، فكأنما صبغ يده في لحم الخنزير ودمه)) (٦) فإذا كان هذا التنفير لمجرد ملابسته (١) في سنده بشير بن سريح ضعفه الهيثمي (مجمع الزوائد ٣٨٩/٩)، وفيه أيضاً أبو غالب صاحب أبي أمامة صدوق يخطئ (التقريب ٤٦٠/٢)، ولم يتابع فسنده ضعيف. (٢) حكمه كسابقه. (٣) أخرجه الحاكم بسنده ومتنه وصححه وتعقبه الذهبي بأن صدقة بن هرمز ضعفه ابن معين (المستدرك ٦٤١/٣). (٥) سيرة ابن هشام ٣٨٧/١. (٤) سيرة ابن هشام ٣٨٦/١. (٦) صحيح مسلم، الشعر، باب تحريم اللعب بالنردشير (ح ٢٢٦٠). ٣٠٥ • سُورَةُ القَائِدَة (٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 بالمسّ، فكيف يكون التهديد والوعيد الأكيد على أكله والتغذي به، وفيه دلالة على شمول اللحم لجميع الأجزاء من الشحم وغيره؟ وفي الصحيحين أن رسول الله و لو قال: ((إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام)) فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنها تطلى بها السفن وتدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ فقال: ((لا، هو حرام)»(١). وفي صحيح البخاري من حديث أبي سفيان أنه قال لهرقل ملك الروم: نهانا عن الميتة والدم. وقوله: ﴿وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اَللَّهِ بِهِ﴾ أي: ما ذبح فذكر عليه اسم غير الله فهو حرام لأن الله تعالى أوجب أن تذبح مخلوقاته على اسمه العظيم، فمتى عدل بها عن ذلك وذكر عليها اسم غيره من صنم أو طاغوت أو وثن أو غير ذلك من سائر المخلوقات فإنها حرام بالإجماع. وإنما اختلف العلماء في متروك التسمية إما عمداً أو نسياناً كما سيأتي تقريره في سورة الأنعام(٢). وقد قال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسن الهسنجاني حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا ابن فضيل، عن الوليد بن جميع، عن أبي الطفيل قال: نزل آدم بتحريم أربع ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ وَلَّمُ وَخُمُ الْخِزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾، وإن هذه الأربعة الأشياء لم تحل قط، ولم تزل حراماً منذ خلق الله السموات والأرض، فلما كانت بنو إسرائيل حرم الله عليهم طيبات أحلت لهم بذنوبهم، فلما بعث الله عيسى ابن مريم علا نزل بالأمر الأول الذي جاء به آدم وأحل لهم ما سوى ذلك، فكذبوه وعصوه(٣). وهذا أثر غريب. وقال ابن أبي حاتم أيضاً: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا ربعي، عن عبد الله، قال: سمعت الجارود بن أبي سبرة، قال: هو جدي، قال: كان رجل من بني رباح يقال له ابن وثيل، وكان شاعراً، نافراً (٤) - غالباً - أبا الفرزدق بماء بظهر الكوفة على أن يعقر هذا مائة من إبله وهذا مائة من إبله إذا وردت الماء، فلما وردت الماء قاما إليها بسيفيهما فجعلا يكسفان(٥) عراقيبها، قال: فخرج الناس على الحمرات والبغال يريدون اللحم، قال: وعلي بالكوفة، قال: فخرج علي على بلغة رسول الله وَ لقر البيضاء وهو ينادي: يا أيها الناس لا تأكلوا من لحومها، فإنها أهل بها لغير الله(٦). هذا أثر غريب، ويشهد له بالصحة ما رواه أبو داود: حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا حماد بن [مسعدة](٧) عن عوف، عن أبي ريحانة، عن ابن عباس، قال: نهى رسول الله وَّر عن معاقرة الأعراب، ثم قال أبو داود: محمد بن جعفر: هو غندر، أوقفه على ابن عباس(٨)، تفرد به أبو داود. (١) صحيح البخاري، البيوع، باب بيع الميتة والأصنام (ح٢٢٣٦)، وصحيح مسلم، البيوع، باب تحريم بيع الخمر والميتة ... (ح١٥٨١). (٢) آية ١٢١. (٣) في سنده نعيم بن حماد صدوق يخطئ كثيراً ولم يتابع، فسنده ضعيف. (٤) نافر أي: فاخر. (٥) يكسفان أي: يقطعان. (٦) سنده حسن. (٧) كذا في (حم) و(مح) وسنن أبي داود، وفي الأصل: ((سعد)) وهو تصحيف. (٨) سنن أبي داود، الأضاحي، باب ما جاء في أكل معاقرة الأعراب (ح ٢٨٢٠)، وقال الألباني: حسن صحيح، (صحيح سنن أبي داود ح٢٤٤٦). ٣٠٦ • سُورَةُ القَائِدَةِ (٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال أبو داود أيضاً: حدثنا هارون بن زيد بن أبي [الزرقاء] (١)، حدثنا أبي، حدثنا جرير بن حازم، عن الزبير بن حريث، قال: سمعت عكرمة يقول: إن رسول الله وَ ﴿ نهى عن طعام المتباريين أن يؤكل، ثم قال أبو داود: أكثر من رواه عن جرير لا يذكر فيه ابن عباس(٢)، تفرد به أيضاً . قوله: ﴿وَالْمُنْخَيِقَةُ﴾ وهي التي تموت بالخنق، إما قصداً وإما اتفاقاً بأن تتخبل في وثاقتها، فتموت به فهي حرام، وأما (الموقوذة) فهي التي تضرب بشيء ثقيل غير محدد حتى تموت، كما قال ابن عباس وغير واحد: هي التي تضرب بالخشبة حتى يوقذها فتموت(٣). قال قتادة: كان أهل الجاهلية يضربونها بالعصي حتى إذا ماتت أكلوها (٤). وفي الصحيح أن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله، إني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب، قال: ((إذا رميت بالمعراض فخزق فكله، وإن أصاب بعرضه فإنما هو وقيذ فلا تأكله))(٥) ففرق بين ما أصابه بالسهم أو بالمعراض ونحوه بحده، فأحله، وما أصاب بعرضه فجعله وقيذاً لم يحله، وهذا مجمع عليه عند الفقهاء. واختلفوا فيما إذا صدم الجارحة الصيد فقتله بثقله، ولم يجرحه على قولين، هما قولان للشافعي دخلتُهُ : (أحدهما): لا يحل كما في السهم والجامع أن كلاً منها ميت بغير جرح فهو وقيذ. (والثاني): إنه يحل لأنه حكم بإباحة ما صاده الكلب ولم يستفصل، فدل على إباحة ما ذكرناه، لأنه قد دخل في العموم، [وقد قررت لهذه المسألة فصلاً فليكتب ههنا](٦). فصل: اختلف العلماء رحمهم الله تعالى فيما إذا أرسل كلباً على صيد فقتله بثقله ولم يجرحه، أو صدمه: هل يحل أم لا؟ على قولين: (أحدهما): أن ذلك حلال لعموم قوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، وكذا عمومات حديث عدي بن حاتم، وهذا قول حكاه الأصحاب عن الشافعي ◌َلَتُهُ، وصححه بعض المتأخرين منهم كالنووي والرافعي. (قلت): وليس ذلك بظاهر من كلام الشافعي في الأم والمختصر، فإنه قال في كلا الموضعين: يحتمل معنيين، ثم وجه كلاً منهما فحمل ذلك الأصحاب منه، فأطلقوا في المسألة قولين عنه، اللهم إلا أنه في بحثه حكايته للقول بالحلّ رشحه قليلاً، ولم يصرح بواحد منهما، (١) كذا في (حم) و(مح) وسنن أبي داود، وفي الأصل: ((الرقاشي)) وهو تصحيف. (٢) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الأطعمة، باب في طعام المتباريين ح ٣٧٥٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣١٩٣). (٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس. (٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق شعبة عن قتادة. (٥) صحيح البخاري، البيوع، باب تفسير المشبهات (ح٢٠٥٤)، وصحيح مسلم، الصيد، باب الصيد بالكلاب المعلمہ (ح١٩٢٩). (٦) زيادة من (حم). ٣٠٧ • سُوَرَُّ المَائِدَةِ (٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ولا جزم به، والقول بذلك - أعني الحلّ - نقله ابن الصباغ عن أبي حنيفة من رواية الحسن بن زياد عنه، ولم يذكر غير ذلك. وأما أبو جعفر بن جرير فحكاه في تفسيره عن سلمان الفارسي وأبي هريرة وسعد بن أبي وقاص وابن عمر، وهذا غريب جداً، وليس يوجد ذلك مصرحاً به عنهم، إلا أنه من تصرفه رحمه الله ورضي عنه. (والقول الثاني): أن ذلك لا يحل، وهو أحد القولين عن الشافعي تَّثهُ واختاره المزني، ويظهر من كلام ابن الصباغ ترجيحه أيضاً، والله أعلم. ورواه أبو يوسف ومحمد عن أبي حنيفة، وهو المشهور عن الإمام أحمد بن حنبل ظه، وهذا القول أشبه بالصواب، والله أعلم، لأنه أجرى على القواعد الأصولية وأمشى على الأصول الشرعية، واحتج ابن الصباغ له بحديث رافع بن خديج، قلت: يا رسول الله، إنا ملاقوا العدو غداً، وليس معنا مُدى، أفنذبح بالقصب؟ قال: ((ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه)) الحديث بتمامه(١)، وهو في الصحيحين. وهذا وإن كان وارداً على سبب خاص، فالعبرة بعموم اللفظ عند جمهور من العلماء في الأصول والفروع، كما سئل لعلّ* عن البتع - وهو نبيذ العسل -، فقال: ((كل شراب أسكر فهو حرام))(٢)، أفيقول فقيه: إن هذا اللفظ مخصوص بشراب العسل، [وهكذا](٣) هذا، كما سألوه عن شيء من الذكاة، فقال لهم كلاماً عاماً يشمل ذاك المسؤول عنه وغيره لأنه ظلّلها كان قد أوتي جوامع الكلم، إذا تقرر هذا، فما صدمه الكلب أو غمّه بثقله ليس مما أنهر دمه، فلا يحل لمفهوم هذا الحديث، فإن قيل: هذا الحديث ليس من هذا القبيل بشيء، لأنهم إنما سألوه عن الآلة التي يذكى بها، ولم يسألوه عن الشيء الذي يذكى، ولهذا استثنى من ذلك السن والظفر حيث قال: ((ليس السن والظفر وسأحدثكم عن ذلك، أما السن فعظم وأما الظفر فمدى الحبشة)) (٤) والمستثنى يدل على جنس المستثنى منه، وإلا لم يكن متصلاً، فدل على أن المسؤول عنه هو الآلة، فلا يبقى فيه دلالة لما ذكرتم، فالجواب عن هذا بأن في الكلام ما يشكل عليكم أيضاً، حيث يقول: ((ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه))، ولم يقل: فاذبحوا به، فهذا يؤخذ منه الحكمان معاً، يؤخذ حكم الآلة التي يذكى بها، وحكم المُذكى وأنه لا بدّ من إنهار دمه بآلة ليست سناً ولا ظفراً، هذا مسلك. (والمسلك الثاني): طريقة المزني، وهي أن السهم جاء التصريح فيه بأنه إن قتل بعرضه فلا تأكل، وإن خزق فكل، والكلب جاء مطلقاً، فيحمل على ما قيد هناك من الخَزق لأنهما اشتركا في الموجب وهو الصيد فيجب الحمل هنا وإن اختلف السبب كما وجب حمل مطلق الإعتاق في الظهار على تقييده بالإيمان في القتل، بل هذا أولى، وهذا يتوجه له على من يسلّم له أصل هذه (١) صحيح البخاري، الشركة، باب قسمة الغنم (ح٢٤٨٨)، وصحيح مسلم، الأضاحي، باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم ... (ح١٩٦٨). (٢) صحيح البخاري، الوضوء، باب لا يجوز الوضوء بالنبيذ ولا المسكر (ح٢٤٢)، وصحيح مسلم، الأشربة، باب بيان إن كل مسكر خمر ... (ح ١ ٢٠٠). (٣) زيادة من (حم). (٤) هذا الحديث تتمة لحديث رافع المذكور قبل الحديث السابق. ٣٠٨ • سُورَةُ القَائِدَة (٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 القاعدة من حيث هي، وليس فيها خلاف بين الأصحاب قاطبة، فلا بدّ لهم من جواب عن هذا، وله أن يقول: هذا قتله الكلب بثقله، فلم يحل قياساً على ما قتله السهم بعرضه، والجامع أن كلاً منهما آلة للصيد، وقد مات بثقله فيهما، ولا يعارض ذلك بعموم الآية، لأن القياس مقدم على العموم، كما هو مذهب الأئمة الأربعة والجمهور، وهذا مسلك حسن أيضاً. (مسلك آخر): وهو أن قوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] عام فيما قتلن بجرح أو غيره، لكن هذا المقتول على هذه الصورة المتنازع فيها لا يخلو إما أن يكون نطيحاً أو في حكمه، أو منخنقاً أو في حكمه، وأياً ما كان، فيجب تقديم هذه الآية على تلك الوجوه: (أحدها): أن الشارع قد اعتبر حكم هذه الآية حالة الصيد حيث يقول لعدي بن حاتم: ((وإن أصابه بعرضه، فإنما هو وقيذ فلا تأكله))(١)، ولم نعلم أحداً من العلماء فصلَ بين حكم وحكم من هذه الآية، فقال: إن الوقيذ معتبر حالة الصيد، والنطيح ليس معتبراً، فيكون القول بحل المتنازع فيه خرقاً للإجماع لا قائل به، وهو محظور عند كثير من العلماء. (الثاني): أن تلك الآية ﴿فَكُلُواْ مِمَّ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] ليست على عمومها بالإجماع بل مخصوصة بما [صدْن](٢) من الحيوان المأكول، وخرج من عموم لفظها الحيوان غير المأكول بالاتفاق، والعموم المحفوظ مقدم على غير المحفوظ. (المسلك الآخر): أن هذا الصيد والحالة هذه في حكم الميتة سواء، لأنه قد احتقن فيه الدماء وما يتبعها من الرطوبات، فلا تحل قياساً على الميتة. (المسلك الآخر): أن آية التحريم، أعني قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ ... ﴾ إلى آخرها، محكمة لم يدخلها نسخ ولا تخصيص وكذا ينبغي أن تكون آية التحليل محكمة، أعني قوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَّ قُلْ أُحِلَ لَكُمُ الَِّبَتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِجِ مُكَلِينَ﴾ الآية [المائدة: ٤]، فينبغي أن لا يكون بينهما تعارض أصلاً، وتكون السنة جاءت لبيان ذلك، وشاهد ذلك قصة السهم، فإنه ذكر حكم ما دخل في هذه الآية، وهو ما إذا خزقه المعراض فيكون حلالاً، لأنه من الطيبات، وما دخل في حكم تلك الآية، آية التحريم، وهو ما إذا أصابه بعرض فلا يؤكل، لأنه وقيذ، فيكون أحد أفراد آية التحريم، وهكذا يجب أن يكون حكم هذا سواء إن كان قد جرحه الكلب، فهو داخل في حكم آية التحليل، وإن لم يجرحه بل صدمه أو قتله بثقله، فهو نطیح أو في حکمه، فلا یکون حلالاً . (فإن قيل): فلم لا فصّل في حكم الكلب، فقال: ما ذكرتم إن جرحه فهو حلال، وإن لم يجرحه فهو حرام. فالجواب: أن ذلك نادر، لأن من شأن الكلب أن يقتل بظفره أو نابه أو بهما معاً، وأما اصطدامه هو والصيد فنادر، وكذا قتله إياه بثقله، فلم يحتج إلى الاحتراز من ذلك لندوره أو لظهور حكمه عند من علم تحريم الميتة والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة. وأما السهم والمعراض فتارة يخطئ لسوء رمي راميه، أو للهو أو لنحو ذلك، بل خطؤه أكثر من إصابته، (١) تقدم عزوه في الصحيح في تفسير ((الموقوذة)) من هذه الآية. (٢) كذا في (مح) وفي الأصل: ((صدر))، وفي (حم): ((صرق)). ٣٠٩ • سُوَرَّةُ الْعَائِدَةِ (٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 فلهذا ذكر كلاً من حكميه مفصلاً، والله أعلم، ولهذا لما كان الكلب، من شأنه أنه قد يأكل من الصيد ذكر حكم ما إذا أكل من الصيد فقال: ((إن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه))(١) وهذا صحيح ثابت في الصحيحين، وهو أيضاً مخصوص من عموم آية التحليل عند كثيرين، فقالوا: لا يحل ما أكل منه الكلب، حكي ذلك عن أبي هريرة وابن عباس، وبه قال الحسن والشعبي والنخعي: وإليه ذهب أبو حنيفة وصاحباه، وأحمد بن حنبل والشافعي في المشهور عنه. وروى ابن جرير في تفسيره عن علي وسعيد وسلمان وأبي هريرة وابن عمر وابن عباس: إن الصيد يؤكل وإن أكل منه الكلب، حتى قال سعيد وسلمان وأبو هريرة وغيرهم: يؤكل ولو لم يبق منه إلا بضعة(٢)، وإلى ذلك ذهب مالك والشافعي في قوله القديم، وأومأ في الجديد إلى قولين، قال ذلك الإمام أبو نصر بن الصباغ وغيره من الأصحاب عنه. وقد روى أبو داود بإسناد جيد قوي عن أبي ثعلبة الخشني عن رسول الله وَي أنه قال في صيد الكلب: ((إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله، فكل وإن أكل منه وكل ما ردت عليك يدك)) (٣) ورواه أيضاً النسائي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: أن أعرابياً يقال له أبو ثعلبة قال: يا رسول الله، فذكر نحوه(٤). وقال محمد بن جرير في تفسيره: حدثنا عمران بن بكار الكلاعي، حدثنا عبد العزيز بن موسى هو: اللاحوني، حدثنا محمد بن دينار هو: الطاحي، عن أبي إياس وهو معاوية بن قرة، عن سعيد بن المسيب، عن سلمان الفارسي، عن رسول الله سافر قال: ((إذا أرسل الرجل كلبه على الصيد فأدركه وقد أكل منه، فليأكل ما بقي)) (٥) ثم إن ابن جرير علله بأنه قد رواه قتادة وغيره عن سعيد بن المسيب، عن سلمان موقوفاً . وأما الجمهور فقدّموا حديث عدي على ذلك، وراموا تضعيف حديث أبي ثعلبة وغيره، وقد حمله بعض العلماء على أنه إن أكل بعد ما انتظر صاحبه فطال عليه الفصل ولم يجئ، فأكل منه لجوعه ونحوه فإنه لا بأس بذلك، لأنه والحالة هذه لا يخشى أنه إنما أمسك على نفسه بخلاف ما إذا أكل منه أول وهلة، فإنه يظهر منه أنه أمسك على نفسه، والله أعلم. فأما الجوارح من الطيور فنص الشافعي على أنها كالكلب، فيحرم ما أكلت منه عند الجمهور، ولا يحرم عند الآخرين، واختار المزني من أصحابنا أنه لا يحرم أكل ما أكلت منه الطيور والجوارح، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد، قالوا: لأنه لا يمكن تعليمها كما يعلم الكلب بالضرب ونحوه، وأيضاً فإنها لا تعلم إلا بأكلها من الصيد فيعفى عن ذلك، وأيضاً فالنص إنما (١) تتمة حديث عدي بن حاتم وقد تقدم عزوه في تفسير ((الموقوذة)) من هذه الآية. (٢) سيأتي تخريج هذه الآثار في الآية ٤ من هذه السورة بعنوان: ذكر الآثار بذلك. (٣) سنن أبي داود، الصيد، باب في الصيد (ح٢٨٥٢)، وحكم عليه الحافظ بأن إسناده جيد قوي. (٤) سنن النسائي، الصيد، باب الرخصة في ثمن كلب الصيد ٧/ ١٩١، وسنده حسن. (٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه محمد بن دينار الطاحي: صدوق سيء الحفظ كما في التقريب، ولعله هو الذي رفع الحدیث. ٣١٠ سُورَةُ المَائِدَة (٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ورد في الكلب لا في الطير. وقال الشيخ أبو علي في ((الإفصاح)): إذا قلنا: يحرم ما أكل منه الكلب، ففي تحريم ما أكل منه الطير وجهان، وأنكر القاضي أبو الطيب هذا التفريع والترتيب لنص الشافعي تَّقُهُ، على [التسوية](١) بينهما، والله وَجَ أعلم. وأما المتردّية: فهي التي تقع من شاهق أو موضع عال، فتموت بذلك، فلا تحل. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: المتردّية التي تسقط من جبل(٢). وقال قتادة: هي التي تتردى في بئر(٣). وقال السدي: هي التي تقع من جبل أو تتردى في بئر(٤). وأما النطيحة: فهي التي ماتت بسبب نطح غيرها لها، فهي حرام وإن جرحها القرن وخرج منها الدم ولو من مذبحها، والنطيحة فعيلة بمعنى مفعولة؛ أي: منطوحة، وأكثر ما ترد هذه البنية في كلام العرب بدون تاء التأنيث، فيقولون: عين كحيل، وكف خضيب، ولا يقولون: كف خضيبة، ولا عين كحيلة، وأما هذه فقال بعض النحاة: إنما استعمل فيها تاء التأنيث، لأنها أجريت مجرى الأسماء كما في قولهم: طريقة طويلة، وقال بعضهم: إنما أتي بتاء التأيث فيها لتدل على التأنيث من أول وهلة بخلاف عين كحيل وكف خضيب لأن التأنيث مستفاد من أول الكلام. أي: ما عدا عليها أسد أو فهد أو نمر أو ذئب أو كلب، وقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَكَلَ اُلسَّبُعُ﴾ فأكل بعضها فماتت بذلك، فهي حرام وإن كان قد سال منها الدم ولو من مذبحها، فلا تحل بالإجماع، وقد كان أهل الجاهلية يأكلون ما أفضل السبع من الشاة أو البعير أو البقرة أو نحو ذلك، فحرم الله ذلك على المؤمنين. وقوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيُْ﴾ عائد على ما يمكن عوده عليه مما انعقد سبب موته، فأمكن تداركه بذكاة وفيه حياة مستقرة، وذلك إنما يعود على قوله: ﴿وَالْمُنْخَيِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَآَ أَكَلَ السَّبُعُ﴾ . قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْثُ﴾ يقول: إلا ما ذبحتم من هؤلاء وفيه روح فكلوه، فهو ذكي(٥)، وكذا روي عن سعيد بن جبير والحسن البصري والسدي. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا حفص بن غياث، حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي في الآية قال: إن مصعت بذنبها أو ركضت برجلها أو طرفت بعينها، فكل(٦). وقال ابن جرير: حدثنا القاسم: حدثنا الحسين، حدثنا هشيم وعباد، قالا: حدثنا حجاج، (١) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: ((السوية)). (٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: ((التي تتردى من الجبل)). (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي. (٥) أخرجه الطبري بسند ثابت عن علي بن أبي طلحة به نحوه. (٦) سنده حسن. ٣١١ • سُوَّةُ المَائِدَةِ (٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 عن حصين، عن الشعبي، عن الحارث، عن علي قال: إذا أدركت ذكاة الموقوذة والمتردّية والنطيحة، وهي تحرك يداً أو رجلاً فكلها(١). وهكذا [روي](٢) عن طاوس والحسن وقتادة وعبيد بن عمير والضحاك وغير واحد: أن المذكاة متى تحركت بحركة تدل على بقاء الحياة فيها بعد الذبح، فهي حلال(٣)، وهذا مذهب جمهور الفقهاء، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل. قال ابن وهب: سئل مالك عن الشاة التي يخرق جوفها السبع حتى تخرج أمعاؤها، فقال مالك: لا أرى أن تذكى أي شيء يذكى منها (٤)؟ وقال أشهب: سئل مالك عن الضبع يعدو على الكبش فيدقّ ظهره، أترى أن يذكى قبل أن يموت فيؤكل؟ فقال: إن كان قد بلغ السُّخْرة فلا أرى أن يؤكل، وإن كان أصاب أطرافه فلا أرى بذلك بأساً، قيل له: وثب عليه فدقّ ظهره؟ فقال: لا يعجبني هذا لا يعيش منه. قيل له: فالذئب يعدو على الشاة فيثقب بطنها ولا يثقب الأمعاء؟ فقال: إذا شق بطنها فلا أرى أن تؤكل(٥). هذا مذهب مالك تَّتُهُ. وظاهر الآية عام فيما استثناه مالك تَخّْثُ من الصورة التي بلغ الحيوان فيها إلى حالة لا يعيش بعدها فيحتاج إلى دليل مخصص للآية، والله أعلم. وفي الصحيحين عن رافع بن خديج أنه قال: قلت: يا رسول الله، إنا لاقو العدو غداً وليس معنا مُدى، أفنذبح بالقصب؟ فقال: ((ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه، فكلوه، ليس السن والظفر، وسأحدثكم عن ذلك: أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة))(٦). وفي الحديث الذي رواه الدارقطني مرفوعاً، وفيه نظر، وروي عن عمر موقوفاً وهو أصح ((ألا إن الذكاة في الحلق واللّبة، ولا تعجلوا الأنفس أن تزهق))(٧). وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن من رواية حماد بن سلمة، عن أبي العشراء الدارمي، عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، أما تكون الذكاة إلا من اللّة والحلق؟ فقال: ((لو (١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه ابن حزم من طريق هشيم به (المحلى ١٩٤/٨)، وفي سنديهما الحارث وهو: الأعور الهمداني تُكلم فيه وكذبه الشعبي كما في التقريب. وقد توبع كما في الرواية السابقة. (٢) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: ((رواه)). (٣) قول طاوس أخرجه عبد الرزاق عن ابن طاوس عن طاوس به (المصنف رقم ٨٦٣٣)، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه في تفسير ومصنفه رقم (٨٦٣٥)، وقول الحسن أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح عن ابن فضيل عن أشعث عنه (كما في التمهيد لابن عبد البر ١٤٩/٥)، وقول عبيد بن عمير أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن ابن جريج عن أبي الزبير عنه (المصنف رقم ٨٦٣٨)، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند فيه شيخه لم يسم، وأخرجه ابن أبي شيبة موصولاً لكن فيه جويبر: متروك. (٤) أخرجه الطبري عن يونس عن ابن وهب به وسنده صحيح. (٥) أخرجه الطبري عن يونس عن أشهب به وسنده صحيح. (٦) تقدم تخريجه في تفسير هذه الآية. (٧) أخرجه الدارقطني بسند فيه سعيد بن سلام العطار ضعيف ومتهم (لسان الميزان ٣٧/٣)، وقد أخرجه سعيد بن منصور بسند صحيح عن ابن عباس نحوه (فتح الباري ٩/ ٦٤١). ٣١٢ • سُورَةُ القَائِدَة (٣) طعنت في فخذها لأجزأ عنك))(١)، وهو حديث صحيح(٢)، ولكنه محمول على ما لا يقدر على ذبحه في الحلق واللبة. وقوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ قال مجاهد وابن جريج: كانت النصب حجارة حول الكعبة(٣)، قال ابن جريج: وهي ثلاثمائة وستون نصباً، كانت العرب في جاهليتها يذبحون عندها، وينضحون ما أقبل منها إلى البيت بدماء تلك الذبائح، ويشرحون اللحم ويضعونه على النصب(٤)، وكذا ذكره غير واحد، فنهى الله المؤمنين عن هذا الصنيع، وحرم عليهم أكل هذه الذبائح التي فعلت عند النصب حتى ولو كان يذكر عليها اسم الله لما في الذبح عند النصب من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، وينبغي أن يحمل هذا على هذا، لأنه قد تقدم تحريم ما أهل به لغير الله. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِالْأَزْلَمْ﴾ أي: حرّم عليكم أيها المؤمنون الاستقسام بالأزلام، واحدها زلم وقد تفتح الزاي، فيقال: زلم، وقد كانت العرب في جاهليتها يتعاطون ذلك، وهي عبارة عن قداح ثلاثة، على أحدها مكتوب: افعل، وعلى الآخر: لا تفعل، والثالث غفل ليس عليه شيء، ومن الناس من قال: مكتوب على الواحد: أمرني ربي، وعلى الآخر: نهاني ربي، والثالث غفل ليس عليه شيء، فإذا أجالها فطلع سهم الأمر فعله، أو النهي تركه، وإن طلع الفارغ أعاد، والاستقسام مأخوذ من طلب القسم من هذه الأزلام، هكذا قرر ذلك أبو جعفر بن جرير (٥). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا الحجاج بن محمد، أخبرنا ابن جريج وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس ﴿ وَأَنْ تَسْنَقْسِمُواْ بِالْأَزْلَمِ﴾ قال: والأزلام قداح كانوا يستقسمون بها في الأمور (٦). وكذا روي عن مجاهد وإبراهيم النخعي والحسن البصري ومقاتل بن حيان(٧). وقال ابن عباس: هي قداح كانوا يستقسمون بها الأمور(٨). وذكر محمد بن إسحاق وغيره: إن أعظم أصنام قريش صنم كان يقال له: هُبل منصوب على (١) أخرجه الإمام أحمد عن وكيع عن حماد بن سلمة به، وضعفه محققوه بسبب جهالة أبي العشراء وأبيه (المسند ٢٧٨/٣١ ح ١٨٩٤٧). (٢) قال أبو داود: وهذا في السنن ((لا يصلح)) إلا في المتردية والمتوحش (السنن، الأضاحي، باب ما جاء في ذبيحة المتردية ح ٢٨٢٥)، بعد الحديث مباشرة. وقال الحافظ ابن حجر: من قواه حمله على الوحش والمتوحش (الفتح ٦٤١/٩). (٣) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه. (٤) أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو ابن داود الملقب بسنيد ضعيف. (٥) ذكره الطبري عند هذه الآية، وقد أخرجه بنحوه من طريق عباد بن راشد عن الحسن البصري، وسنده حسن. (٦) سنده ضعيف بسبب الانقطاع بين عطاء الخراساني وابن عباس ويشهد له سابقه ولاحقه. (٧) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الحسن البصري تقدم. (٨) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس. ٣١٣ سُورَةُ القَائِدَة (٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 بئر داخل الكعبة، فيها توضع الهدايا، وأموال الكعبة فيه، وكان عنده سبعة أزلام مكتوب فيها ما يتحاكمون فيه مما أشكل عليهم، فما خرج لهم منها رجعوا إليه ولم يعدلوا عنه(١). وثبت في الصحيحين أن النبي و ﴿ لما دخل الكعبة، وجد إبراهيم وإسماعيل مصورين فيها، وفي أيديهما الأزلام فقال: ((قاتلهم الله لقد علموا أنهما لم يستقسما بها أبداً))(٢). وفي الصحيح: أن سراقة بن مالك بن جعشم، لما خرج في طلب النبي ◌َّ وأبي بكر، وهما ذاهبان إلى المدينة مهاجرين، قال: فاستقسمت بالأزلام، هل أضرهم أم لا؟ فخرج الذي أكره لا تضرهم. قال: فعصيت الأزلام واتبعتهم، ثم إنه استقسم بها ثانية وثالثة، كل ذلك يخرج الذي يكره لا تضرهم، وكان كذلك، وكان سراقة لم يُسلم إذ ذاك ثم أسلم بعد ذلك(٣). وروى ابن مردويه من طريق إبراهيم بن يزيد، عن رقبة، عن عبد الملك بن عمير، عن رجاء بن حيوة، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله وَيقول: ((لن يلج الدرجات من تكهن أو استقسم أو رجع من سفر طائراً)) (٤). وقال مجاهد في قوله: ﴿ وَأَنْ تَسْنَقْسِمُواْ بِالْأَزْلَمِ﴾ قال: هي سهام العرب، وكعاب فارس والروم، كانوا يتقامرون(٥). وهذا الذي ذكر عن مجاهد في الأزلام أنها موضوعة للقمار، فيه نظر، اللهم إلا أن يقال: إنهم كانوا يستعملونها في الاستخارة تارة وفي القمار أخرى، والله أعلم. فإن الله سبحانه قد قرن بينها وبين القمار وهو الميسر فقال في آخر السورة: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَمَنُواْ إِنَّمَا الْخَتُ وَاَلْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ بِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَأَجْتِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَاَلْبَغْضَآءَ فِ اَلْخَمْرِ وَالْمَيْسِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ الَّهِ وَعَنِ الصَّلَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنَهُونَ [المائدة] وهكذا قال ههنا: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِالْأَزْلَمِّ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ أي: تعاطيه فسق وغي ٠٠ وضلالة وجهالة وشرك. وقد أمر الله المؤمنين إذا ترددوا في أمورهم أن يستخيروه بأن يعبدوه ثم يسألوه الخيرة في الأمر الذي يريدونه. كما روى الإمام أحمد والبخاري وأهل السنن من طريق عبد الرحمن بن أبي الموالي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: كان رسول الله ( * يعلمنا الاستخارة في الأمور كما يعلمنا السورة من القرآن، ويقول: ((إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر - ويسميه باسمه - خير لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال: عاجل أمري وآجله - فاقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه، اللهم وإن كنت تعلم أنه شر لي في ديني (١) سيرة ابن هشام ١٦٨/١. (٢) صحيح البخاري، كتاب الحج، باب من كبّر في نواحي الكعبة (ح ١٦٠١). (٣) صحيح البخاري، مناقب الأنصار، باب هجرة النبي ◌َليفر ... (ح ٣٩٠٦). (٤) سنده ضعيف لضعف إبراهيم بن يزيد (الجرح والتعديل ١٤٥/٢)، وعدم سماع رجاء من أبي الدرداء (فتح الباري ٢١٣/١٠). (٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد. ٣١٤ سُورَةُ القَائِدَةِ (٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري، فاصرفني عنه، واصرفه عني، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به))(١) لفظ أحمد، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي الموالي. وقوله: ﴿اَلْيَوْمَ بَيِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني: يئسوا أن يراجعوا دينهم(٢)، وكذا روي عن عطاء بن أبي رباح والسدي ومقاتل بن حيان(٣)، وعلى هذا المعنى يورد الحديث الثابت في الصحيح: أن رسول الله وَلو قال: ((إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن بالتحريش بينهم)) (٤)، ويحتمل أن يكون المراد أنهم يئسوا من مشابهة المسلمين لما تميز به المسلمون من هذه الصفات المخالفة للشرك وأهله، ولهذا قال تعالى آمراً لعباده المؤمنين أن يصبروا ويثبتوا في مخالفة الكفار ولا يخافوا أحداً إلا الله، فقال: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَأَخْشَوْنٍ﴾ أي: لا تخافوهم في مخالفتكم إياهم، واخشوني أنصركم عليهم وأبيدهم، وأظفركم بها، وأشف صدوركم منهم، وأجعلكم فوقهم في الدنيا والآخرة. وقوله: ﴿اَلْيَّوْمَ أَكْعَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينً﴾ هذه أكبر نعم الله تعالى على هذه الأمة حيث أكمل تعالى لهم دينهم، فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا جعله الله تعالى خاتم الأنبياء وبعثه إلى الإنس والجن، فلا حلال إلا ما أحله، ولا حرام إلا ما حرمه، ولا دين إلا ما شرعه، وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق لا كذب فيه ولا خلف كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَثُ رَيِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] أي: صدقاً في الأخبار، وعدلاً في الأوامر والنواهي، فلما أكمل لهم الدين، تمت عليهم النعمة، ولهذا قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلَمَ دِينًا﴾ أي: فارضوه أنتم لأنفسكم، فإنه الدين الذي أحبه الله ورضيه، وبعث به أفضل الرسل الكرام، وأنزل به أشرف كتبه. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وهو الإسلام، أخبر الله نبيه وَ﴿ والمؤمنين أنه قد أكمل لهم الإيمان، فلا يحتاجون إلى زيادة أبداً، وقد أتمه الله فلا ينقصه أبداً، وقد رضيه الله فلا يسخطه أبداً(٥) . وقال أسباط، عن السدي: نزلت هذه الآية يوم عرفة، ولم ينزل بعدها حلال ولا حرام، ورجع رسول الله ﴿ فمات قالت أسماء بنت عميس: حججت مع رسول الله وسلم تلك الحجة فبينما نحن نسير إذ تجلّى له جبريل، فمال رسول الله وسلم على الراحلة، فلم تطق الراحلة من ثقل (١) مسند الإمام أحمد ٣٤٤/٣، وصحيح البخاري، التهجد، باب ما جاء في المتطوع مثنى مثنى (ح ١١٦٢)، وسنن الترمذي، أبواب الصلاة، باب في صلاة الاستخارة (ح ٤٨٠). (٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بنحوه. (٣) قول عطاء أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو بن داود الملقب بسُنيد: ضعيف، ويتقوى بسابقه ولا حقه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه. (٤) أخرجه مسلم من حديث جابر ه (الصحيح، صفات المنافقين، باب تحريش الشيطان ... ح٢٨١٢). (٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به. ٣١٥ سُورَةُ المَائِدَة (٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ما عليها من القرآن، فبركت، فأتيته فسجيّت عليه برداً كان عليّ (١). وقال ابن جريج وغير واحد: مات رسول الله وَي بعد يوم عرفة بأحد وثمانين يوماً، رواهما ابن جرير (٢)، ثم قال: حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا ابن فضيل، عن هارون بن [عنترة]، عن(٣) أبيه، قال: لما نزلت ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وذلك يوم الحج الأكبر، بكى عمر، فقال له النبي ◌َّ: ((ما يبكيك؟)) قال: أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا، فأما إذا أكمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص، فقال: ((صدقت)) (٤). ويشهد لهذا المعنى الحديث الثابت ((إن الإسلام بدأ غريباً، وسيعود غريباً، فطوبى للغرباء)) (٥). وقال الإمام أحمد: حدثنا جعفر بن عون، حدثنا أبو العميس، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين، إنكم تقرؤون آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت، لاتخذنا ذلك اليوم عيداً. قال: وأي آية؟ قال: قوله: ﴿ اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَنََّمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى﴾ فقال عمر: والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت على رسول الله وَل، والساعة التي نزلت فيها على رسول الله وَليل: عشية عرفة في يوم جمعة (٦). ورواه البخاري عن الحسن بن الصباح عن جعفر بن عون به. ورواه أيضاً مسلم والترمذي والنسائي أيضاً من طرق عن قيس بن مسلم به (٧). ولفظ البخاري عند تفسير هذه الآية من طريق سفيان الثوري، عن قيس، عن طارق قال: قالت اليهود لعمر: والله إنكم تقرؤون آية لو نزلت فينا لاتخذناها عيداً. فقال عمر: إني لأعلم حين أنزلت، وأين أنزلت، وأين رسول الله وَليه حيث أنزلت: يوم عرفة، وأنا والله بعرفة، قال سفيان: وأشك، كان يوم الجمعة أم لا ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية (٨) . وشك سفيان تَخْتُهُ إن كان في الرواية، فهو تورع حيث شك هل أخبره شيخه بذلك أم لا ، وإن كان شكاً في كون الوقوف في حجة الوداع كان يوم جمعة، فهذا ما أخاله يصدر عن الثوري تَخْتُ، فإن هذا أمر معلوم مقطوع به، لم يختلف فيه أحد من أصحاب المغازي والسير، ولا من الفقهاء وقد وردت في ذلك أحاديث متواترة [لا يُشك](٩) في صحتها، والله أعلم، وقد روي هذا الحدیث من غير وجه عن عمر . (١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن السدي لم يسمع من أسماء بنت عميس (٢) أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو بن داود ضعيف والإسناد معضل. (٣) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: ((غيره)) وهو تصحيف. (٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف سفيان. (٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان أن الإسلام بدأ غريباً (ح١٤٦). (٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح١٨٨) وسنده صحيح. (٧) صحيح البخاري، الاعتصام بالكتاب والسنة (ح٧٢٦٨)، وصحيح مسلم، التفسير (ح ٣٠١٧). (٨) صحيح البخاري، التفسير، باب قوله تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] (ح ٤٦٠٦). (٩) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: ((لا أشك)). ٣١٦ سُورَةُ القَائِدَة (٣) وقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، أخبرنا رجاء بن أبي سلمة، أخبرنا عبادة بن نسي، أخبرنا أميرنا إسحاق، قال أبو جعفر بن جرير - وهو إسحاق بن خرشة - عن قبيصة يعني: ابن ذؤيب، قال: قال كعب: لو أن غير هذه الأُمة نزلت عليهم هذه الآية، لنظروا اليوم الذي أنزلت فيه عليهم، فاتخذوه عيداً يجتمعون فيه، فقال عمر: أي آية يا كعب؟ فقال: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، فقال عمر: قد علمت اليوم الذي أنزلت، والمكان الذي أنزلت فيه: نزلت في يوم الجمعة ويوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد(١). وقال ابن جرير: حدثنا أبو بكر، حدثنا قبيصة، حدثنا حماد بن سلمة، عن عمار - هو مولى بني هاشم -: أن ابن عباس قرأ ﴿ اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَنْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا﴾ فقال يهودي: لو نزلت هذه الآية علينا، لاتخذنا يومها عيداً، فقال ابن عباس: فإنها نزلت في يوم عيدين اثنين: يوم عيد، ويوم جمعة(٢). وقال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن كامل، حدثنا موسى بن هارون، حدثنا يحيى بن الحماني، حدثنا قيس بن الربيع، عن إسماعيل بن سليمان، عن أبي عمر البزار، عن ابن الحنفية، عن علي قال: نزلت هذه الآية على رسول الله وَ ﴿ وهو قائم عشية عرفة ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾(٣). وقال ابن جرير: حدثنا أبو عامر إسماعيل بن عمرو السكوني، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا ابن عياش، حدثنا عمرو بن قيس السكوني، أنه سمع معاوية بن أبي سفيان على المنبر ينتزع بهذه الآية ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ حتى ختمها، فقال: نزلت في يوم عرفة في يوم جمعة (٤). وروى ابن مردويه من طريق محمد بن إسحاق، عن عمرو بن موسى بن دحية، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة قال: نزلت هذه الآية ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلَمَ دِينًا﴾ يوم عرفة، ورسول الله بَّر واقف على الموقف يوم الموقف(٥). فأما ما رواه ابن جرير وابن مردويه والطبراني من طريق ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن [حنش] (٦) بن عبد الله الضعاني، عن ابن عباس قال: ولد نبيكم ◌َّير يوم الإثنين، وخرج من مكة يوم الإثنين، ودخل المدينة يوم الإثنين، وفتح بدراً يوم الإثنين، وأنزلت سورة المائدة يوم الإثنين ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. ورفع الذكر يوم الإثنين(٧). فإنه أثر غريب، وإسناده ضعيف، وقد رواه الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن (١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وتقدم نحوه في الصحيحين. (٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن، وأخرجه الترمذي من طريق حماد بن سلمة به وقال: حسن غريب من حديث ابن عباس وهو صحيح (السنن، التفسير، باب ومن سورة المائدة ح٣٠٤٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح٢٤٣٨). (٣) يشهد له حديث عمر المتقدم في الصحيحين وفيه: نزلت على رسول الله وَلجر عشية عرفة. (٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ويشهد له حديث عمر السابق أيضاً. (٥) في سنده عنعنة ابن إسحاق وقتادة، وهذه رواية الحسن عن سمرة. فيها انقطاع ويشهد له حديث عمر المتقدم. (٦) كذا في (حم) و(مح) والتخريج، وفي الأصل: ((حبيش))، وهو تصحيف. (٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وضعفه الحافظ ابن كثير وهو مخالف لما في الصحيح عن عمر. ٣١٧ • سُورَةُ المَائِدَةِ (٣) 9000000000000000000000000000000 000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 حنش الضعاني، عن ابن عباس قال: ولد النبي ( 18 يوم الإثنين، واستنبئ يوم الإثنين، وخرج مهاجراً من مكة إلى المدينة يوم الإثنين، وقدم المدينة يوم الإثنين، وتوفي يوم الإثنين، ووضع الحجر الأسود يوم الإثنين(١)، هذا لفظ أحمد، ولم يذكر نزول المائدة يوم الإثنين، فالله أعلم، ولعل ابن عباس أراد أنها نزلت يوم عيدين اثنين، كما تقدم فاشتبه على الراوي، والله أعلم. وقال ابن جرير: وقد قيل: ليس ذلك بيوم معلوم عند الناس(٢)، ثم روى من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكَمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ يقول: ليس ذلك بيوم معلوم عند الناس(٣)، قال: وقد قيل: إنها نزلت على رسول الله وَّر في مسيره إلى حجة الوداع، ثم رواه من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس. قلت: وقد روى ابن مردويه من طريق أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري: أنها نزلت على رسول الله وَلي يوم [غدير] (٤) خم(٥) حين قال لعلي: ((من كنت مولاه فعلي مولاه))(٦). ثم رواه عن أبي هريرة، وفيه أنه اليوم الثامن عشر من ذي الحجة يعني مرجعه فعلا من حجة الوداع (٧). ولا يصح هذا ولا هذا بل الصواب الذي لا شك فيه ولا مرية أنها أنزلت يوم عرفة، وكان يوم جمعة كما روى ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، وأول ملوك الإسلام معاوية بن ، وأرسله الشعبي وقتادة بن أبي سفيان، وترجمان القرآن عبد الله بن عباس، وسمرة بن جندب دعامة وشهر بن حوشب وغير واحد من الأئمة والعلماء، واختاره ابن جرير [الطبري] (٨) تَُّهُ. وقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِِّثْمِ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: فمن احتاج إلى تناول شيء من هذه المحرمات التي ذكرها الله تعالى لضرورة ألجأته إلى ذلك، فله تناوله، والله غفور رحيم له لأنه تعالى يعلم حاجة عبده المضطر وافتقاره إلى ذلك، فيتجاوز عنه، ويغفر له، وفي المسند وصحيح ابن حبان عن ابن عمر مرفوعاً قال: قال رسول الله وَله: ((إن الله يحب أن تؤتى رخصته كما يكره أن تؤتى معصيته)) لفظ ابن حبان(٩)، وفي لفظ لأحمد ((من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة))(١٠). (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وضعفه محققوه بسبب ابن لهيعة (المسند ٣٠٤/٤ ح ٢٥٠٦). (٢) هذا القول ذكره ضمن عدة أقوال ثم رجح حديث عمر لصحة سنده أنها نزلت يوم عرفة يوم جمعة (التفسير ٥٣١/٩)، ط. شاكر. (٣) طريق العوفي أخرجه الطبري وكذلك طريق أبي جعفر الرازي وسنده جيد لكنه مرسل. (٤) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: ((عزيز)) وهو تصحيف. (٥) غدير خم هو: واد بين مكة والمدينة عند الجحفة به غدير، (ينظر معجم البلدان ٣٨٩/٢ و١٨٨/٤). (٦) سنده ضعيف جداً بسبب أبي هارون العبدي وهو عمارة بن جوين متروك - ومنهم من كذبه -، شيعي (التقريب ص٤٠٨). (٧) ضعفه الحافظ ابن كثير أيضاً وضعفه السيوطي في الدر المنثور. (٨) زيادة من (مح). (٩) أخرجه الإمام أحمد (المسند ١١٢/١٠ ح٥٨٧٣)، وحسن إسناده محققوه، وأخرجه ابن حبان (الإحسان ٤٥١/٦ ح ٢٧٤٢)، قال الهيثمي رجاله رجال الصحيح (المجمع ١٦٢/٣)، وصححه الألباني (إرواء الغليل ح ٤ ٥٦). (١٠) أخرجه الإمام أحمد من حديث ابن عمر ◌ًا، ضعفه محققوه بسبب ابن لهيعة (المسند ٢٩٠/٩ ح ٥٣٩٢)، = ٣١٨ • سُورَّةُ المَائِدَة (٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ولهذا قال الفقهاء: قد يكون تناول الميتة واجباً في بعض الأحيان وهو ما إذا خاف على نفسه ولم يجد غيرها، وقد يكون مندوباً، وقد يكون مباحاً بحسب الأحوال. واختلفوا هل يتناول منها قدر ما يسد به الرمق، أو له أن يشبع أو يشبع ويتزود؟ على أقوال كما هو مقرر في كتاب الأحكام، وفيما إذا وجد ميتة وطعام الغير أو صيداً وهو محرم، هل يتناول الميتة أو ذلك الصيد ويلزمه الجزاء أو ذلك الطعام ويضمن بدله، على قولين: هما قولان للشافعي تَخّْتُهُ. وليس من شرط جواز تناول الميتة أن يمضي عليه ثلاثة أيام لا يجد طعاماً كما قد يتوهمه كثير من العوام وغيرهم، بل متى اضطر إلى ذلك جاز له. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، حدثنا حسان بن عطية، عن أبي واقد الليثي، أنهم قالوا: يا رسول الله، إنا بأرض تصيبنا بها المخمصة (١)، فمتى تحل لنا بها الميتة؟ فقال: ((إذا لم تصطبحوا(٢)، ولم تغتبقوا(٣)، ولم تحتفئوا (٤) بها بقلاً(٥) فشأنكم بها))(٦) تفرد به أحمد من هذا الوجه، وهو إسناد صحيح على شرط الصحيحين، وكذا رواه ابن جرير عن عبد الأعلى بن واصل عن محمد بن القاسم الأسدي عن الأوزاعي به(٧)، لكن رواه بعضهم عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن مسلم بن يزيد، عن أبي واقد به (٨). [ومنهم من رواه عن الأوزاعي، عن حسان، عن مرثد أو أبي مرثد عن أبي واقد به](٩)(١٠). ورواه ابن جرير عن هناد بن السري، عن عيسى بن يونس، عن حسان، عن رجل قد سمي له فذكره، ورواه أيضاً عن هناد، عن ابن المبارك، عن الأوزاعي، عن حسان مرسلاً(١١). وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن ابن عون، قال: وجدت عند الحسن كتاب سمرة فقرأته عليه، فكان فيه: ويجزئ من الاضطرار غبوق أو صبوح (١٢). حدثنا أبو كريب، حدثنا هشيم عن الخصيب بن زيد التميمي، حدثنا الحسن: أن رجلاً سأل = وحسنه الهيثمي (مجمع الزوائد ١٦٥/٣)، وصححه أحمد شاكر في تعليقه على المسند. (١) المخمصة: المجاعة. (٢) تصطبحوا: من الصَّبوح وهو الشرب أول النهار، كما في حاشية السندي على المسند. (٣) تغتبقوا: من الغبوق وهو الشرب آخر النهار، كما في حاشية السندي على المسند. (٤) تحتفئوا: من الحُفا مهموز مقصور، وهو أصل البرديّ الأبيض الرطب منه وقد يؤكل، يقول: ما لم تقتلعوا هذا بعينه فتأكلوه. (٥) البقل هو ما نبت في بزره (النهاية ٢٧٧/١). (٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وحسنه محققوه بالشواهد (المسند ٢٣٢/٣٦ ح ٢١٩٠١). (٧) أخرجه الإمام أحمد المسند ٢١٨/٥، والطبري والحاكم من طريق الأوزاعي به (المستدرك ١٢٥/٤)، وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: فيه انقطاع. اهـ. ويتقوى بسابقه. (٨) أخرجه الطبراني من طريق الأوزاعي به (المعجم الكبير ٢٨٤/٣). (٩) زيادة من (حم). (١٠) أخرجه الطبراني (المصدر السابق). (١١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه رجل مبهم ويتقوى بسابقه الصحيح. (١٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ويتقوى أيضاً بشاهده السابق الصحيح. وتقدم معنى الغبوق والصبوح. ٣١٩ • سُورَةُ الْمَائِدَةِ (٣) النبي ◌َّ فقال: متى يحل الحرام؟ قال: فقال: ((إلى متى يروى أهلك من اللبن أو تجيء میرتهم))(١). حدثنا ابن حميد، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، حدثني عمر بن عبد الله بن عروة، عن جده عروة بن الزبير، عن جدته: أن رجلاً من الأعراب أتى النبي وَ ل18 يستفتيه في الذي حرّم الله عليه، والذي أحل له، فقال النبي وَّ: ((يحل لك الطيبات، ويحرم عليك الخبائث، إلا أن تفتقر إلى طعام لك، فتأكل منه حتى تستغني عنه)). فقال الرجل: وما فقري الذي يحل لي وما غنائي الذي يغنيني عن ذلك؟ فقال النبي ◌ّه: ((إذا كنت ترجو غناء تطلبه فتبلغ من ذلك شيئاً فأطعم أهلك ما بدا لك حتى تستغني عنه)) فقال الأعرابي: ما غنائي الذي أدعه إذا وجدته، فقال ◌َله: ((إذا أرويت أهلك غبوقاً من الليل، فاجتنب ما حرم الله عليك من طعام مالك، فإنه ميسور كله فليس فيه حرام)) (٢). ومعنى قوله: ((ما لم تصطبحوا)) يعني: به الغداء ((وما لم تغتبقوا)) يعني: به العشاء ((أو تحتفئوا بقلاً فشأنكم بها)) فكلوا منها. وقال ابن جرير: يروى هذا الحرف، يعني قوله: ((أو تحتفئوا)) على أربعة أوجه: تحفؤا بالهمزة، وتحتفيوا: بتخفيف الياء والحاء، وتحتفّوا بتشديد، وتحتفوا بالحاء وبالتخفيف، ويحتمل الهمز، كذا رواه في التفسير(٣). (حديث آخر) قال أبو داود: حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا الفضل بن دكين، حدثنا وهب بن عقبة العامري، سمعت أبي يحدث عن النجيع العامري أنه أتى رسول الله وصل* فقال: ما يحل لنا من الميتة؟ قال: ((ما طعامكم))؟ قلنا: نصطبح ونغتبق. قال أبو نعيم (٤): فسره لي عقبة، قدح غدوة وقدح عشية، قال: ذاك وأبي الجوع، وأحل لهم الميتة على هذه الحال(٥). تفرد به أبو داود وكأنهم كانوا يصطبحون ويغتبقون شيئاً لا يكفيهم، فأحل لهم الميتة لتمام كفايتهم وقد يحتج به من يرى جواز الأكل منها حتى يبلغ حد الشبع، ولا يتقيد ذلك بسد الرمق، والله أعلم. (حديث آخر) قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، حدثنا سماك، عن جابر، عن سمرة: أن رجلاً نزل الحرة ومعه أهله وولده، فقال له رجل: إن ناقتي ضلّت، فإن وجدتها فأمسكها، فوجدها ولم يجد صاحبها، فمرضت، فقالت له امرأته: انحرها فأبى، فنفقت(٦) فقالت له امرأته: اسلخها حتى تقدد شحمها ولحمها فنأكله، قال: لا حتى أسأل رسول الله وَ* فأتاه فسأله، فقال: ((هل عندك غنى يغنيك؟)) قال: لا، قال: ((فكلوها)) قال: فجاء صاحبها فأخبره الخبر، فقال: هلا كنت نحرتها؟ قال استحييت منك(٧). تفرد به. (١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل ضعيف. (٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي. (٤) هو الفضل بن دكين. (٣) ذكره الطبري في آخر تفسير هذه الآية. (٥) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الأطعمة، باب في المضطر إلى الميتة ح ٣٨١٧)، وقال الحافظ ابن حجر إسناد لا بأس به (الإصابة ٨٢/٨)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (ح ٨٢٢)، ويشهد له ما تقدم من صحيح. (٦) نفقت أي: ماتت. (٧) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الأطعمة، باب في المضطر إلى الميتة ح٣٨١٦)، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٢٣٤). ٣٢٠ • سُؤَدَّةُ القَائِدَةِ (٤) وقد يحتج به من يجوز الأكل والشبع والتزود منها مدة يغلب على ظنه الاحتياج إليها والله أعلم. وقوله: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِِّثْمٌ﴾ أي: متعاط لمعصية الله، فإن الله قد أباح ذلك له وسكت عن الآخر، [كما قال في سورة البقرة](١): ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاعٍ وَلَا عَادٍ فَلَآَ إِثْمَ عَلَيَّةٍ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [١٧٣] وقد استدل بهذه الآية من يقول بأن العاصي بسفره لا يترخص بشيء من رخص السفر، لأن الرخص لا تنال بالمعاصي، والله أعلم. 2] ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَْ قُلْ أُحِلَ لَكُمُ الَِّبَتُّ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِجِ مُكَلِينَ تُعَلُِّونَهُنَّ مِمَا عَلَّمَكُمُ اللهُ فَكُلُواْ مِّ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَأَذَّكُرُواْ اسْمَ الَّهِ عَلَيْهِ وَأَنَّقُواْ اللَّهَّ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ لما ذكر تعالى ما حرمه في الآية المتقدمة من الخبائث الضارة لمتناولها إما في بدنه أو في دينه أو فيهما، واستثنى ما استثناه في حالة الضرورة كما قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا جَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا أَضْطُرِّرْتُمْ إِلَيْهُ﴾ [الأنعام: ١١٩] قال بعدها: ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَّ قُلْ أُحِلَ لَكُمُ الَِّبَتُ﴾ كما قال في سورة الأعراف في صفة محمد بَّهِ أنه ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَيْثَ﴾ [١٥٧]. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن أبي بكير، حدثني عبد الله بن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن عدي بن حاتم وزيد بن مهلهل (٢) الطائيين، سألا رسول الله و * فقالا: يا رسول الله قد حرم الله الميتة، فماذا يحل لنا منها؟ فنزلت ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَّ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الَِّبَتُ﴾(٣). قال سعيد: يعني الذبائح الحلال الطيبة لهم. وقال مقاتل: الطيبات ما أحل لهم من كل شيء أن يصيبوه وهو الحلال من الرزق، وقد سئل الزهري عن شرب البول للتداوي فقال: ليس هو من الطيبات، رواه ابن أبي حاتم، وقال ابن وهب: سئل مالك عن بيع الطير الذي يأكله الناس، فقال: ليس هو من الطيبات. وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِجِ مُكَلِّينَ﴾ أي: أحل لكم الذبائح التي ذكر اسم الله عليها، والطيبات من الرزق، وأحل لكم ما صدتموه بالجوارح، وهي الكلاب والفهود والصقور وأشباهها، كما هو مذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والأئمة، وممن قال ذلك علي بن أبي طلحة عن ابن عباس(٤) في قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْتَوَارِجِ مُكِِّينَ﴾ وهن الكلاب المعلمة، والبازي، وكل طير يعلم للصيد والجوارح، يعني: الكلاب الضواري والفهود والصقور وأشباهها. رواه ابن أبي حاتم، ثم قال: وروي عن خيثمة وطاوس ومجاهد ومكحول ويحيى بن أبي كثير نحو ذلك(٥). (١) زيادة من (حم) و(مح). (٢) زيد بن مهلهل هو زيد الخيل بن مهلهل بن زيد بن منهب الطائي وفد سنة تسع وسماه النبي وَّ زيد الخير (الإصابة ٥٥٥/١). (٣) في سنده ابن لهيعة فيه مقال. (٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به. (٥) قول خيثمة أخرجه الطبري من طريق طلحة اليامي عنه، ويتقوى بسابقه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند =