النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ • سُورَّةُ الْنِشَاءِ (١٢٢،١١٦) 0000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000000000000 يعني: دين الله رَ(١)، هذا كقوله: ﴿فَقِمْ وَجْهَكَ لِلِّينِ حَنِيفًاْ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ [الروم: ٣٠] على قول من جعل ذلك أمراً؛ أي: لا تبدلوا فطرة الله ودعوا الناس على فطرتهم، كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَعليه: ((كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء، هل تجدون بها من جدعاء؟))(٢). وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار، قال: قال رسول الله وَّهو: ((قال الله لك: إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم)) (٣). ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ أي: فقد خسر الدنيا والآخرة، وتلك خسارة لا جبر لها ولا استدراك لفائتها. وقوله تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيِهِمَّ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّ غُرُورًا (٣٥)﴾ وهذا إخبار عن الواقع، فإن الشيطان يعد أولياءه ويمنيهم بأنهم هم الفائزون في الدنيا والآخرة، وقد كذب وافترى في ذلك، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرًا﴾، كما قال تعالى مخبراً عن إبليس يوم المعاد ﴿وَقَالَ الشَّيْطَنُ لَمَّا قُضِىَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدَتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمّ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مِن سُلْطَانٍ إِلَّ أَنْ دَعَوْتُمْ فَلَسْتَجَبْتُمْ لِى فَلَ تَلُومُونِى وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ مَّا أَنَا بِمُصْرِفِكُمْ وَمَآ أَنْتُم بِعُصْرِنٌَ إِنِ كَفَرْتُ بِمَّا أَشْرَكْتُونِ مِن قَبْلٌ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (®﴾ [إبراهيم]. وقوله: ﴿أُوْلَئِكَ﴾ أي: المستجيبين له فيما وعدهم ومناهم ﴿مَأْوَنُهُمْ جَهَنَّمْ﴾ أي: مصيرهم ومآلهم يوم القيامة ﴿وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا يَحِيصًا﴾ أي: ليس لهم عنها مندوحة ولا مصرف، ولا خلاص، ولا مناص. ثم ذكر تعالى حال السعداء والأتقياء ومالهم في مآلهم من الكرامة التامة، فقال تعالى: ﴿﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَاتِ﴾ أي: صدقت قلوبهم وعملت جوارحهم بما أمروا به من الخيرات، وتركوا ما نهوا عنه من المنكرات ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾ أي: يصرفونها حيث شاؤوا وأين شاؤوا ﴿خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ أي: بلا زوال ولا انتقال ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ أي: هذا وعد من الله، ووعد الله معلوم حقيقة أنه واقع لا محالة، ولهذا أكده بالمصدر الدال على تحقيق الخبر، وهو قوله: ﴿حَقًّ﴾، ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ أي: لا أحد أصدق منه قولاً؛ أي: خبراً لا إله إلا هو ولا ربَّ سواه، وكان رسول الله وَل يقول في خطبته: (١) قول ابن عباس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق رجل مبهم عن ابن عباس، وقول مجاهد أخرجه الطبري بإسنادين صحيحين من طريق القاسم بن أبي بزة وابن أبي نجيح عنه، وقول عكرمة أخرجه الطبري من طريق القاسم بن أبي بزة عنه، وقول إبراهيم النخعي أخرجه الثوري بسند صحيح من طريق قيس بن مسلم عنه وقول الحسن وقتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند حسن من طريق كثير مولى سمرة عنه. (٢) صحيح البخاري، الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يُصلى عليه؟ (ح١٣٥٨)، وصحيح مسلم، القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة (ح٢٦٥٨). (٣) صحيح مسلم، صفة الجنة، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار (ح٢٨٦٥). ٢٢٢ سُوَدَّةُ النِّسَاءِ (١٢٣، ١٢٦) · ((إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد وَله، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار))(١). ﴿ ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَّ أَمَانِيّ أَهْلِ الْكِتَبُّ مَن يَعْمَلْ سُوْءًا يُجْزَ بِهِ، وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٨) وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الضَلِحَتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيْرًا (٢٤) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَأَنَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفًا وَأََّذَ اَللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (٢٩) وَلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضَِّ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ تُحِيطَا (٦)﴾. قال قتادة: ذكر لنا أن المسلمين وأهل الكتاب افتخروا، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم فنحن أولى بالله منكم، وقال المسلمون: نحن أولى بالله منكم ونبينا خاتم النبيين، وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِّكُمْ وَلَّ أَمَانِّ أَهْلٍ اُلْكِتَبُّ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ... ﴾ الآية، ثم أفلج الله حجة المسلمين على من ناوأهم من أهل الأديان(٢). وكذا روي عن السدي ومسروق والضحاك وأبي صالح وغيرهم(٣). وكذا روى العوفي عن ابن عباس ظُبه أنه قال في هذه الآية: تخاصم أهل الأديان، فقال أهل التوارة: كتابنا خير الكتب، ونبينا خير الأنبياء، وقال أهل الإنجيل مثل ذلك، وقال أهل الإسلام: لا دين إلا الإسلام، وكتابنا نسخ كل كتاب، ونبينا خاتم النبيين، وأمرتم وأمرنا أن نؤمن بكتابكم ونعمل بكتابنا فقضى الله بينهم، وقال: ﴿لَّيْسَ ﴾ الآية، وخير بين الأديان فقال: بِأَمَانِّكُمْ وَلَّ أَمَانِيّ أَهْلِ الْكِتَبُّ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾(٤). وقال مجاهد: قالت العرب: لن نبعث ولن نعذب، وقالت اليهود والنصارى: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَرَى﴾ [البقرة: ١١١]، وقالوا: ﴿لَنْ تَمَتَنَا النَّارُ إِلَّ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران: ٢٤](٥). والمعنى في هذه الآية أن الدين ليس بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال، وليس كل من ادعى شيئاً حصل له بمجرد دعواه، ولا كل من قال: إنه هو على الحق سمع قوله بمجرد ذلك، حتى يكون له من الله برهان، ولهذا قال تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِّكُمْ وَلَآَ أَمَانِيّ أَهْلِ الْكِتَبُّ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ أي: ليس لكم ولا لهم النجاة بمجرد التمني، بل العبرة بطاعة الله سبحانه واتباع ما شرعه على ألسنة الرسل الكرام، ولهذا قال بعده: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، كقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَؤُ ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (١) أخرجه مسلم في الصحيح، الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة (ح ٨٦٧). (٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة لكنه مرسل ويتقوى بالروايات التالية. (٣) قول السدي أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عنه به، وقول مسروق أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق مسلم أبي صخر عنه، وقول أبي صالح أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق إسماعيل بن أبي خالد عنه. (٤) أخرجه الطبري من طريق العوفي به وسنده ضعيف. (٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. سُؤْدَ ة الشفاء (١٢٣، ١٢٦) ٢٢٣ 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 [الزلزلة] وقد روي أن هذه الآية لما نزلت شق ذلك على كثير من الصحابة(١). قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا إسماعيل، عن أبي بكر بن أبي زهير، قال: أُخبرت أن أبا بكر ◌َظُبه قال: يا رسول الله كيف الصلاح بعد هذه الآية ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِّكُمْ وَلَا أَمَانِيّ أَهْلِ الْكِتَبُّ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فكل سوء عملناه جزيناه به؟ فقال النبي ◌ّ: ((غفر الله لك يا أبا بكر، ألست تمرض، ألست تنصب، ألست تحزن، ألست تصيبك اللأواء؟)) قال: بلى. قال: ((فهو مما تجزون به))(٢). ورواه سعيد بن منصور عن خلف بن خليفة، عن إسماعيل بن أبي خالد به، ورواه ابن حبان في صحيحه، عن أبي يعلى، عن أبي خيثمة، عن يحيى بن سعيد عن إسماعيل بن أبي خالد به، ورواه الحاكم من طريق سفيان الثوري عن إسماعيل به(٣). وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن زياد الجصاص، عن علي بن زيد، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: سمعت أبا بكر يقول: قال رسول الله وَلقوله: ((من يعمل سوءاً يجز به في الدنيا)»(٤). وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن هشيم بن جهيمة، حدثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، حدثنا زياد الجصاص، عن علي بن زيد، عن مجاهد، قال: قال عبد الله بن عمر انظروا المكان الذي فيه عبد الله بن الزبير مصلوباً فلا تمرن(٥) عليه، قال: فسها الغلام فإذا عبد الله بن عمر ينظر إلى ابن الزبير فقال: يغفر الله لك ثلاثاً، أما والله ما علمتك إلا صوّاماً قواماً وصّالاً للرحم، أما والله إني لأرجو مع مساوي ما أصبت أن لا يعذبك الله بعدها، قال: ثم التفت إلي فقال: سمعت أبا بكر الصديق يقول: قال رسول الله وَ﴾: ((من يعمل سوءاً في الدنيا يجز به)) ورواه أبو بكر البزار في مسنده عن الفضل بن سهل، عن عبد الوهاب بن عطاء به مختصراً، وقال في مسنده: عن الفضل بن سهل، عن عبد الوهاب بن عطاء به مختصراً: وقد قال في مسند الزبير: حدثنا إبراهيم بن المستمر العروقي، حدثنا عبد الرحمن بن سليم بن حيان، حدثني أبي، عن جدي حيان بن بسطام، قال: كنت مع ابن عمر فمر بعبد الله بن الزبير وهو مصلوب، فقال: رحمة الله عليك أبا خُبيب، سمعت أباك - يعني الزبير -، يقول: قال رسول الله مية: ((من يعمل سوءاً يجز به في الدنيا والآخرة))(٦) ثم قال: لا نعلمه يروى عن الزبير (١) سيأتي في سورة الزلزلة. (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح٦٨)، وفي سنده انقطاع لأن أبا بكر بن أبي زهير وهو الثقفي لم يسمع أبا بكر الصديق (المراسيل ص٢٥٨)، ومدار الحديث يتوقف على هذا الراوي كما سيأتي في الروايات الأخرى ولكن يشهد له ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة قال: لما نزلت ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] بلغت من المسلمين مبلغاً شديداً، فقال رسول الله وَ لايقول: ((قاربوا وسددوا ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة ينكبها أو الشوكة يشاكها)) (الصحيح، البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن ح٢٥٧٤). (٣) سنن سعيد بن منصور (ح٦٩٦)، وموارد الظمآن (ح١٧٣٤)، ومسند أبي يعلى (ح٩٩)، والمستدرك ٧٤/٣. (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسندح٢٣). وضعفه محققه بسبب ضعف زياد وعلي بن زيد وهو ابن جدعان. (٥) كذا في (مح) وفي الأصل: ((فلا تحزن)). (٦) في سنده أيضاً زياد وعلي بن زيد، وهو مخالف لرواية مسلم (الصحيح، فضائل الصحابة، باب ذكر كذاب ثقيف ح٢٥٤٥). ٢٢٤ • سُوَّرَةُ الْنِسَخَّاءِ (١٢٣، ١٢٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 إلا من هذا الوجه(١). وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا أحمد بن كامل، حدثنا محمد بن سعد العوفي، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا موسى بن عبيدة، حدثني مولى [بن سباع](٢) قال: سمعت ابن عمر يحدث عن أبي بكر الصديق قال: كنت عند النبي ◌َ ﴿ فنزلت هذه الآية ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ، وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ فقال رسول الله وَي: ((يا أبا بكر ألا أقرئك آية أنزلت علي؟)) قلت: بلى يا رسول الله. قال: فأقرأنيها فلا أعلم إلا أني قد وجدت انفصاماً في ظهري حتى تمطيت لها. فقال رسول الله وَج: ((ما لك يا أبا بكر؟)) قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، وأينا لم يعمل السوء وإنا لمجزيون بكل سوء عملناه؟ فقال رسول الله وَ لفيه: ((أما أنت يا أبا بكر وأصحابك المؤمنون، فإنكم تجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا الله ليس لكم ذنوب، وأما الآخرون فيجمع ذلك لهم حتى يجزوا به يوم القيامة))، وهكذا رواه الترمذي عن يحيى بن موسى وعبد بن حميد عن روح بن عبادة به. ثم قال: وموسى بن عبيدة يضعف، ومولى بن سباع مجهول(٣). وقال ابن جرير: حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء بن أبي رباح قال: لما نزلت هذه الآية قال أبو بكر: جاءت قاصمة الظهر، فقال رسول الله وَّو: "إنما هي المصيبات في الدنيا))(٤). (طريق أخرى عن الصديق) قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إسحاق العسكري، حدثنا محمد بن عامر السعدي، حدثنا يحيى بن يحيى، حدثنا فضيل بن عياض، عن سليمان بن مهران، [عن مسلم](٥) بن صبيح، عن مسروق، قال: قال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، ما أشد هذه الآية ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾؟ فقال رسول الله وَّه: ((المصائب والأمراض والأحزان في الدنيا جزاء))(٦). (طريق أخرى) قال ابن جرير: حدثني عبد الله بن أبي زياد وأحمد بن منصور، قالا: أنبأنا زيد بن الحباب، حدثنا عبد الملك بن الحسن الحارثي، حدثنا محمد بن زيد بن قنفذ، عن عائشة، عن أبي بكر قال: لما نزلت ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قال أبو بكر: يا رسول الله، كل ما نعمل نؤاخذ به؟ فقال: ((يا أبا بكر أليس يصيبك كذا وكذا؟ فهو كفارة))(٧). (حديث آخر) قال سعيد بن منصور: أنبأنا عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث أن (١) السند الأول أخرجه البزار في (البحر الزخار ٧٥/١ ح٢١)، وأشار إلى ضعفه كما تقدم في زياد وعلي بن زيد بن جدعان، والسند الثاني أخرجه بسنده ومتنه وتعليقه كما في (مختصر زوائد البزار ٨١/٢ ح ١٤٦١)، وضعفه الدارقطني في (العلل ٢٢٣/٤). (٢) كذا في (حم) و(مح)، وقد سقط من الأصل. (٣) أخرجه الترمذي من طريق موسى بن عبيدة به وضعفه (السنن تفسير سورة النساء ح٣٠٣٩). (٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف الحسين وهو ابن داود ولقبه: سُنيد. (٥) كذا في (حم) و(مح)، وسقط من الأصل. (٦) يشهد له حديث أبي هريرة المتقدم في صحيح مسلم. (٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وضعفه أحد شاكر بسبب الانقطاع بين محمد بن زيد بن قنفذ وعائشة. ٢٢٥ سُورَةِ النِّسَاءِ (١٢٣، ١٢٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 بكر بن سوادة حدثه أن يزيد بن أبي يزيد حدثه عن عبيد بن عمير، عن عائشة أن رجلاً تلا هذه الآية ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوْءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فقال: إنا لنجزى بكل ما علمناه، هلكنا إذاً، فبلغ ذلك رسول الله وير فقال: ((نعم يجزى به المؤمن في الدنيا في نفسه في جسده فيما يؤذيه))(١). (طريق أخرى) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سلمة بن بشير، حدثنا هشيم، عن أبي عامر، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله، إني لأعلم أشد آية في القرآن، فقال: ((ما هي يا عائشة؟)) قلت: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، فقال: ((هو ما يصيب العبد المؤمن حتى النكبة ينكبها)) ورواه ابن جرير من حديث هشيم به. ورواه أبو داود من حديث أبي عامر صالح بن رستم الخزاز به(٢). (طريق أخرى) قال أبو داود الطيالسي: حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أُمية أنها سألت عائشة عن هذه الآية ﴿مَن يَعْمَلْ سُوْءًا يُجْزَ بِهِ﴾، فقالت: ما سألني أحد عن هذه الآية منذ سألت عنها رسول الله وَله، فقال: ((يا عائشة هذه مبايعة الله للعبد مما يصيبه من الحمى والنكبة والشوكة حتى البضاعة يضعها في كمه، فيفزع لها، فيجدها في جيبه حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه، كما أن يخرج التبر الأحمر(٣) من الكير))(٤). (طريق أخرى) قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا أبو القاسم، حدثنا سريج بن يونس، حدثنا أبو معاوية، عن محمد بن إسماعيل، عن محمد بن زيد بن المهاجر، عن عائشة قالت: سئل رسول الله وَ له عن هذه الآية ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، قال: ((إن المؤمن يؤجر في كل شيء حتى في القبض عند الموت))(٥). وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين، عن زائدة، عن ليث، عن مجاهد، عن عائشة قالت: قال: رسول الله: ((إذا كثرت ذنوب العبد ولم يكن له ما يكفّرها، ابتلاه الله بالحزن ليكفّرها))(٦). (حديث آخر) قال سعيد بن منصور، عن سفيان بن عيينة، عن عمر بن عبد الرحمن بن محيصن، سمع محمد بن قيس بن مخرمة يخبر أن أبا هريرة به قال: لما نزلت ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ شق ذلك على المسلمين، فقال لهم رسول الله وير: ((سددوا وقاربوا، فإن في كل (١) أخرجه سعيد بن منصور بسنده ومتنه (السنن ح٦٩٩)، وأخرجه الإمام أحمد من طريق ابن وهب به (المسند ٦٥/٦)، قال الهيثمي: رواه أحمد وأبو يعلى ورجالهما رجال الصحيح (المجمع ١٥/٧)، وصححه السيوطي (الدر المنثور ٢٢٧/٢) طبعة المعرفة. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده سلمة بن بشير وهو النيسابوري قال أبو حاتم: شيخ (الجرح والتعديل ٤/ ١٥٧)، وقد توبع فأخرجه الطبري من طريق يعقوب بن إبراهيم عن هشيم به وأخرجه أبو داود من طريق عثمان بن عمر عن أبي عامر الخزاز عن ابن أبي مليكة به (السنن، الجنائز، باب عيادة النساء ح ٣٠٩٣). (٣) التبر الأحمر أي: الذهب. (٤) أخرجه أبو داود الطيالسي بسنده ومتنه (المسند ح ١٥٨٤)، وفي سنده أيضاً علي بن زيد بن جدعان ورواية مسلم التالية تشهد له. (٥) يشهد له أيضاً رواية مسلم التالية مع رواية سعيد بن منصور. (٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٥٧/٦)، وسنده ضعيف لما قيل في ليث بن أبي سُليم. ٢٢٦ • سُوْدَةُ النِّسَاءِ (١٢٣، ١٢٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ما يصاب به المسلم كفارة حتى الشوكة يشاكها والنكبة ينكبها)) (١)، هكذا رواه أحمد عن سفيان بن عيينة، ومسلم والترمذي والنسائي من حديث سفيان بن عيينة به، ورواه ابن مردويه من حديث روح ومعتمر، كلاهما عن إبراهيم بن يزيد، عن عبد الله بن إبراهيم، سمعت أبا هريرة يقول: لما نزلت هذه الآية ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَّ أَمَانِيّ أَهْلِ الْكِتَبُ﴾ [بكينا](٢) وحزناً، وقلنا: يا رسول الله ما أبقت هذه الآية من شيء، قال: ((أما والذي نفسي بيده إنها لكما أنزلت، ولكن أبشروا وقاربوا وسددوا، فإنه لا يصيب أحداً منكم مصيبة في الدنيا إلا كفّر الله بها من خطيئته حتى الشوكة يشاكها أحدكم في قدمه))(٣). وقال عطاء بن يسار، عن أبي سعيد وأبي هريرة: أنهما سمعا رسول الله وَّ ه يقول: ((ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا سقم ولا حزن حتى الهمّ يهمّه إلا كفّر الله من سيئاته)» أخرجاه(٤). (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى، عن سعد بن إسحاق، حدثتني زينب بنت كعب بن عجرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: جاء رجل إلى رسول الله وَل* فقال: أرأيت هذه الأمراض التي تصيبنا، ما لنا بها؟ قال: ((كفارات)). قال أبي: وإن قلّت، قال: ((حتى الشوكة فما فوقها))، قال: فدعا أبي على نفسه أنه لا يفارقه الوعك حتى يموت في أن لا يشغله عن حج ولا عمرة ولا جهاد في سبيل الله ولا صلاة مكتوبة في جماعة، فما مسه إنسان إلا وجد حره حتى مات ﴾(٥). تفرد به أحمد. (حديث آخر) روى ابن مردويه من طريق حسين بن واقد، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: قيل: يا رسول الله ﴿مَن يَعْمَلْ سُوْءًا يُجْزَ بِهِ﴾، قال: ((نعم ومن يعمل حسنة يجز بها عشراً)) فهلك من غلب واحدته عشراته(٦). وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قال: الكافر، ثم قرأ ﴿وَهَلْ تُجَرِىّ إِلَّ اُلْكَفُورَ﴾ [سبأ: ١٧](٧). وهكذا روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير أنهما فسرا السوء ههنا بالشرك أيضاً (٨). (١) أخرجه سعيد بن منصور بسنده ومتنه (السنن ح٦٩٤)، وسنده صحيح كما يلي: (٢) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: ((سقطت)). (٣) صحيح مسلم، البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه (ح ٢٥٧٤)، والسنن الكبرى (ح ١١١٢٢). (٤) صحيح البخاري، المرضى، باب ما جاء في كفارة المرض (ح٥٦٤١)، وصحيح مسلم، الباب السابق (ح ٢٥٧٣). (٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٣/٣)، وأخرجه ابن حبان (الإحسان ح ٢٩٢٨)، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٠٨/٤). (٦) سنده ضعيف جداً لأن الكلبي صرح أن كل ما رواه عن أبي صالح عن ابن عباس فهو كذب. كما في ترجمته في تهذيب التهذيب. (٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف ابن وكيع وهو سفيان، ولكن له متابعة في تفسير ابن أبي حاتم وشاهد في تفسير الطبري كما يلي. (٨) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وقول سعيد بن جبير أخرجه = ٢٢٧ • سُورَةُ النِّسَاءِ (١٢٣، ١٢٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقوله: ﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: إلا أن يتوب فيتوب الله عليه، رواه ابن أبي حاتم(١)، والصحيح أن ذلك عام في جميع الأعمال لما تقدم من الأحاديث، وهذا اختيار ابن جرير، والله أعلم. وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ اُلْضَلِحَتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (٤)﴾، لما ذكر الجزاء على السيئات وأنه لا بدّ أن يأخذ مستحقها من العبد إما في الدنيا وهو الأجود له، وإما في الآخرة والعياذ بالله من ذلك، ونسأله العافية في الدنيا والآخرة، والصفح والعفو والمسامحة، شرع في بيان إحسانه وكرمه ورحمته في قبول الأعمال الصالحة من عباده، ذكرانهم وإناثهم بشرط الإيمان، وأنه سيدخلهم الجنة ولا يظلمهم من حسناتهم ولا مقدار النقير، وهو النقرة التي في ظهر نواة التمرة، وقد تقدم الكلام على الفتيل وهو الخيط في شق النواة(٢)، وهذا النقير وهما في نواة التمرة، وكذا القطمير وهو اللفافة التي على نواة التمرة، والثلاثة في القرآن. ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أخلص العمل لربه رشَّ فعمل إيماناً واحتساباً، ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: اتبع في عمله ما شرعه الله له، وما أرسل به رسوله من الهدى ودين الحق، وهذان الشرطان لا يصح عمل عامل بدونهما، أي: يكون خالصاً صواباً والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون متابعاً للشريعة فيصح ظاهره بالمتابعة، وباطنه بالإخلاص، فمتى فقد العمل أحد هذين الشرطين فسد، فمتى فقد الإخلاص كان منافقاً وهم الذين يراءون الناس، ومن فقد المتابعة كان ضالاً جاهلاً، ومتى جمعهما كان عمل المؤمنين ﴿الَّذِينَ تَنَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمِ فِيَ أَصْحٍَ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِى كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ١٦] ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفً﴾ وهم محمد وأتباعه إلى يوم القيامة. كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإَِّهِيمَ لَلَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِىُّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَللَّهُ وَلِىُّ الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [آل عمران] وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ أَتَبِعْ مِلَّةَ إِنْزَهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣)﴾ [النحل] [وقال تعالى: ﴿قُلّ ◌ِنَّنِ هَدَنِ رَبِ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا فِيَمًا مِلَّةَ إِتَزَهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام]](٣) والحنيف: هو المائل عن الشرك قصداً؛ أي: تاركاً له عن بصيرة، ومقبل على الحق بکلیته لا یصده عنه صاد، ولا يرده عنه راد. وقوله: ﴿وَأَّخَذَ اَللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ وهذا من باب الترغيب في اتباعه، لأنه إمام يقتدى به حيث وصل إلى غاية ما يتقرب به العباد له، فإنه انتهى إلى درجة الخلة التي هي أرفع مقامات المحبة، (٣)﴾ [النجم]، قال وما ذاك إلا لكثرة طاعته لربه، كما وصفه به في قوله: ﴿وَإِبْرَهِيمَ الَّذِى وَفَّىَ كثيرون من علماء السلف: أي: قام بجميع ما أمر به في كل مقام من مقامات العبادة، فكان لا يشغله أمر جليل عن حقير، ولا كبير عن صغير، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَبْتَّ إِرَهِمَ رَثُّهُ بِكَلِمَةٍ فَأَتَفَّهُنِّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِنْزَهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَِّ حَنِفًا وَلَّ يَكُ مِنَ = الطبري بسند فيه ابن حُميد وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف، ويتقوى برواية ابن عباس السابقة. (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به. (٢) تقدم في هذه السورة آية ٥٣. (٣) زيادة من (حم) و(مح). ٢٢٨ • سُورَةِ النِّسَاءِ (١٢٣، ١٢٦) 900000000000000000000000000000000000 000000 000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 شَاكِرًا لِأَنْعُمِّهِ اجْتَتَهُ وَهَدَنَهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَفِيمٍ ﴿ وَءَاتَيْنَهُ فِ الدُّنْيَا حَسَنَةً ... ﴾ الآية الْمُشْرِكِينَ [النحل]. وقال البخاري: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن عمرو بن ميمون، قال: إن معاذاً لما قدم اليمن صلى بهم الصبح، فقرأ ﴿ وَأَّخَذَ اَللَّهُ إِبْرَهِيمَ خَلِيلًا﴾ فقال رجل: من القوم: لقد قرت عين أم إبراهيم(١). وقد ذكر ابن جرير في تفسيره عن بعضهم: أنه إنما سماه الله خليلاً من أجل أنه أصاب أهل ناحيته جدب، فارتحل إلى خليل له من أهل الموصل، وقال بعضهم من أهل مصر: ليمتار طعاماً لأهله من قبله فلم يصب عنده حاجته، فلما قرب من أهله مرّ بمفازة ذات رمل، فقال: لو ملأت غرائري (٢) من هذا الرمل لئلا يغتم أهلي برجوعي إليهم بغير ميرة، وليظنوا أني أتيتهم بما يحبون، ففعل ذلك فتحول ما في الغرائر من الرمل دقيقاً، فلما صار إلى منزله نام، وقام أهله ففتحوا الغرائر فوجدوا دقيقاً فعجنوا منه وخبزوا، فاستيقظ فسألهم عن الدقيق الذي خبزوا، فقالوا: من الدقيق الذي جئت به من عند خليلك، فقال: نعم هو من عند خليلي الله، فسماه الله خليلاً(٣). وفي صحة هذا ووقوعه نظر، وغايته أن يكون خبراً إسرائيلياً لا يصدق ولا يكذب، وإنما سمي خليل الله لشدة محبة ربه ريت له، لما قام به من الطاعة التي يحبها ويرضاها، ولهذا ثبت في الصحيحين من رواية أبي سعيد الخدري أن رسول الله وي ليم لما خطبهم في آخر خطبة خطبها، قال: ((أما بعد، أيها الناس فلو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً، لاتخذت أبا بكر بن أبي قحافة خليلاً، ولكن صاحبكم خليل الله))(٤). وجاء من طريق جندب بن عبد الله البجلي وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن مسعود عن النبي قال: ((إن الله اتخذني خليلاً، كما اتخذ إبراهيم خليلاً))(٥). وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الرحيم بن محمد بن مسلم، حدثنا إسماعيل بن أحمد بن أسيد، حدثنا إبراهيم بن يعقوب [الجوزجاني](٦) بمكة، حدثنا عبد الله الحنفي، حدثنا زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: جلس ناس من أصحاب رسول الله ينتظرونه، فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون فسمع حديثهم، وإذا بعضهم يقول: عجب، إن الله اتخذ من خلقه خليلاً فإبراهيم خليله، وقال آخر: ماذا بأعجب من أن الله كلم موسى تكليماً، وقال آخر: فعيسى روح الله وكلمته، وقال آخر: آدم اصطفاه الله فخرج عليهم فسلم، وقال: ((قد سمعت كلامکم وعجبکم إن إبراهیم خلیل الله، وهو كذلك، وموسی کلیمه، وعیسی روحه و کلمته، (١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، المغازي، باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن ح٤٣٤٨). (٢) الغرائر: جمع غِرارة وهي: الأوعية التي يوضع فيها التبن والقمح. (٣) ذكره الطبري من دون سند، وتعقب الحافظ ابن كثير وجيه. (٤) صحيح البخاري، الصلاة، باب الخوخة والممر في المسجد (ح٤٦٦)، وصحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر الصديق الله (ح ٢٣٨١). (٥) صحيح مسلم، المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور (ح ٥٣٢). (٦) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: ((الجوجاني)) وهو تصحيف. ٢٢٩ • سُورَةُ النَّسَاءِ (١٢٣، ١٢٦) وآدم اصطفاه الله وهو كذلك، وكذلك محمد بَلّ قال: ألا وإني حبيب الله، ولا فخر وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر أنا أول شافع وأول مشفع، ولا فخر وأنا أول من يحرك حلقة الجنة فيفتح الله ويدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين، ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين يوم القيامة ولا فخر)(١)، وهذا حديث غريب من هذا الوجه ولبعضه شواهد في الصحاح وغيرها . وقال قتادة، عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: أتعجبون من أن تكون الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، رواه الحاكم في المستدرك، وقال: صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه (٢)، وكذا روي عن [أنس] (٣) بن مالك وغير واحد من الصحابة والتابعين والأئمة من السلف والخلف. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يحيى بن عبدك القزويني، حدثنا محمد - يعني: ابن سعيد بن سابق -، حدثنا عمرو - يعني ابن أبي قيس -، عن عاصم، عن أبي راشد، عن [عبيد بن عمير](٤)، قال: كان إبراهيم ظلّلا يضيف الناس، فخرج يوماً يلتمس أحداً يضيفه فلم يجد أحداً يضيفه، فرجع إلى داره فوجد فيها رجلاً قائماً، فقال: يا عبد الله ما أدخلك داري بغير إذني؟ قال: دخلتها بإذن ربها، قال: ومن أنت؟ قال: أنا ملك الموت أرسلني ربي إلى عبد من عباده، أبشره بأن الله قد اتخذه خليلاً، قال: من هو؟ فوالله إن أخبرتني به، ثم كان بأقصى البلاد لآتينه، ثم لا أبرح له جاراً حتى يفرق بيننا الموت، قال: ذلك العبد أنت. قال: أنا؟ قال: نعم، قال: فيم اتخذني ربي خليلاً؟ قال: إنك تعطي الناس ولا تسألهم(٥). وحدثنا أبي، حدثنا محمود بن خالد السلمي، حدثنا الوليد، عن إسحاق بن يسار، قال: لما اتخذ الله إبراهيم خليلاً ألقى في قلبه الوجل حتى أن خفقان قلبه ليسمع من بعيد كما يسمع خفقان الطير في الهواء وهكذا جاء في صفة رسول الله وَ ير أنه كان يسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل إذا اشتد غليانها من البكاء (٦) . وقوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِّ﴾ أي: الجميع ملكه وعبيده وخلقه وهو المتصرف في جميع ذلك، لا رادّ لما قضى، ولا معقب لما حكم، ولا يسأل عمَّا يفعل لعظمته وقدرته وعدله وحكمته ولطفه ورحمته. وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ تُحِيطًا﴾ أي: علمه نافذ في جميع ذلك لا تخفى عليه خافية من عباده، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض (١) أخرجه الترمذي من طريق زمعة به ثم قال: حديث غريب (السنن، المناقب، باب في فضل النبي وكلا ر ح٣٦١٦)، وسنده ضعيف لأن زمعة بن صالح ضعيف، وقال الألباني: إسناده لا بأس به في الشواهد (السلسلة الصحيحة ح ١٥٧٠). (٢) أخرجه الحاكم من طريق قتادة به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤٦٩/٢)، وصححه الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٦٠٨/٨). (٣) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: ((سقط)). (٤) كذا في (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: ((عبد الله بن عمير)) وهو تصحيف. (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن إلى عبيد وهو تابعي، ولكنه من أخبار أهل الكتاب. (٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده الوليد وهو ابن مسلم يدلس تدليس التسوية ولم يصرح بالسماع، فسنده ضعيف ولآخره شاهد في بكاء النبي ◌َّر. ٢٣٠ • سُورَةُ النِّسَاءِ (١٢٧) ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، ولا تخفى عليه ذرة لما تراءى للناظرين أو ما توارى. ﴾ ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِى الْكِتَبِ فِ يَتَمَى الْنِسَآءِ أَّتِ لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ اُلْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَمَى بالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرِ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ، عَلِيمًا قال البخاري: حدثنا عبيد بن إسماعيل، حدثنا أبو أسامة قال: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﴿ّا ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى الْنِسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ [إلى قوله](١): ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَ﴾ قالت عائشة: هو الرجل تكون عنده اليتيمة هو وليها ووارثها، فأشركته في ماله حتى في العذق، فيرغب أن ينكحها ويكره أن يزوجها رجلاً فيشركه في ماله بما شركته، فيعضلها، فنزلت هذه الآية (٢). وكذلك رواه مسلم عن أبي كريب، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن أبي أُسامة(٣). وقال ابن أبي حاتم: قرأت على محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أخبرني عروة بن الزبير، قالت عائشة: ثم إن الناس استفتوا رسول الله وَلقه بعد هذه الآية فيهن، فأنزل الله ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِ النِّسَاءِ قُلِ اَللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَ عَلَيْكُمْ فِ اُلْكِتَبِ﴾ الآية، قال: والذي ذكر الله أنه يتلى عليه في الكتاب، الآية الأولى التي قال الله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِ الْيَ فَأَنْكِحُوْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَآِ ... ﴾ [النساء: ٣]. وبهذا الإسناد عن عائشة قالت: وقول الله رَت: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ﴾ رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حين تكون قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن(٤)، وأصله ثابت في الصحيحين من طريق يونس بن يزيد الأيلي به(٥). والمقصود أن الرجل إذا كان في حجره يتيمة يحل له تزويجها، فتارة يرغب في أن يتزوجها، فأمره الله أن يمهرها أسوة أمثالها من النساء، فإن لم يفعل فليعدل إلى غيرها من النساء، فقد وسع الله ، وهذا المعنى في الآية الأولى التي في أول السورة، وتارة لا يكون له فيها رغبة [لدمامتها](٦) عنده أو في نفس الأمر، فنهاه الله ريك أن يعضلها عن الأزواج خشية أن يشركوه في ماله الذي بينه وبينها، كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿فِى يَتَمَى النِّسَاءِ الَّتِى لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ﴾ فكان الرجل في الجاهلية تكون عنده اليتيمة فيلقي (١) كذا في (مح) وصحيح البخاري، وسقطت من الأصل. (٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ١٢٧] ح ٤٦٠٠). (٣) صحيح مسلم، كتاب التفسير (ح ٣٠١٧). (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه مقطعاً، وهو متفق عليه كما يلي. (٥) صحيح البخاري، الوصايا، باب قول الله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ الَْ أَمَهُمْ﴾ [النساء: ٢] (ح ٥٠٦٤)، وصحيح مسلم، کتاب التفسير (ح٣٠١٨). (٦) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: ((لزمامتها)) وهو تصحيف. ٢٣١ سُورَةُ الْنِسَاءِ (١٢٨، ١٣٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 عليها ثوبه، فإذا فعل ذلك لم يقدر أحد أن يتزوجها أبداً فإن كانت جميلة وهويها، تزوجها وأكل مالها، وإن كانت دميمة منعها الرجال أبداً حتى تموت، فإذا ماتت ورثها فحرم الله ذلك ونهى عنه(١). وقال في قوله: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِيَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾ كانوا في الجاهلية لا يورثون الصغار ولا البنات، وذلك قوله: ﴿لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ فنهى الله عن ذلك وبين لكل ذي سهم سهمه، فقال: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنَ﴾ [النساء: ١١] صغيراً أو كبيراً، وكذا قال سعيد بن جبير وغيره، وقال سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَى بِالْقِسْطٍ﴾ كما إذا كانت ذات جمال ومال نكحتها واستأثرت بها، كذلك إذا لم تكن ذات مال ولا جمال فأنكحها واستأثر بها(٢). وقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ، عَلِيمًا﴾ تهييج على فعل الخيرات وامتثالاً للأوامر، وإن الله ◌َ عالم بجميع ذلك، وسيجزي عليه أوفر الجزاء وأتمه. - ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةُ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعَرَاضًا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالضُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴿ وَلَنْ تَسْتَطِيعُواْ أَنْ تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُواْ كُلَ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةٍ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴿ وَإِن يَنَفَرَّقَا يُغْنِ اَللَّهُ كُلَّ مِّن سَعَتِهِ، وَكَانَ اللَّهُ وَسِعًا حَكِيمًا (٣)﴾ يقول تعالى مخبراً ومشرعاً من حال الزوجين تارة في حال نفور الرجل عن المرأة، وتارة في حال اتفاقه معها، وتارة في حال فراقه لها، فالحالة الأولى ما إذا خافت المرأة من زوجها أن ينفر عنها أو يعرض عنها، فلها أن تسقط عنه حقها أو بعضه من نفقة أو كسوة أو مبيت أو غير ذلك من حقها عليه، وله أن يقبل ذلك منها فلا حرج عليها في بذلها ذلك له، ولا عليه في قبوله منها، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾، ثم قال: ﴿وَالضُّلْحُ خَيْرٌ﴾ أي: من الفراق، وقوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحُّ﴾ أي: الصلح عند المشاحة خير من الفراق، ولهذا لما كبرت سودة بنت زمعة عزم رسول الله ﴿ على فراقها فصالحته على أن يمسكها وتترك يومها لعائشة، فقبل ذلك منها وأبقاها على ذلك. (ذكر الرواية بذلك) قال أبو داود الطيالسى: حدثنا سليمان بن معاذ، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: خشيت سودة أن يطلقها رسول الله وسلم فقالت: يا رسول الله، لا تطلقني واجعل يومي لعائشة ففعل، ونزلت هذه الآية ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةُ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعَرَاضًا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ ... ) الآية. قال ابن عباس: فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز(٣). ورواه الترمذي عن محمد بن المثنى، عن أبي داود الطيالسي به، وقال: حسن غريب(٤). (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده الثابت ومتنه. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عبد الله بن كثير الداري عن ابن جبير. (٣) أخرجه الطيالسي بسنده ومتنه (المسند ح ٢٦٨٣)، وفيه سماك بن حرب وروايته عن عكرمة فيها اضطراب لكن يشهد له حديث عائشة في الصحيحين الذي سيأتي بعد رواية الشافعي. (٤) أخرجه الترمذي من طريق الطيالسي به (السنن، تفسير سورة النساء ح ٣٠٤٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، وأخرجه الحاكم من طريق سماك به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١٨٦/٢). ٢٣٢ • سُوَدَّةُ النِّسَاءِ (١٢٨، ١٣٠) قال الشافعي: أخبرنا مسلم، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس أن رسول الله وَله توفي عن تسع نسوة وكان يقسم لثمان(١). وفي الصحيحين من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: لما كبرت سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة، فكان النبي وَلجم يقسم لها بيوم سودة(٢). وفي صحيح البخاري من حديث الزهري عن عروة، عن عائشة نحوه ( ١). وقال سعيد بن منصور: أنبأنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام، عن أبيه عروة، قال: أنزل الله في سودة وأشباهها ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةُ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ وذلك أن سودة كانت امرأة قد أسنت، ففرقت (٤) أن يفارقها رسول الله و الفر وضنت بمكانها منه، وعرفت من حب رسول الله* عائشة ومنزلتها منه، فوهبت يومها من رسول الله وثق﴿ لعائشة، فقبل ذلك رسول الله ◌َ ﴾(٥). قال البيهقي: وقد رواه أحمد بن يونس، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد موصولاً (٦)، وهذه الطريق رواها الحاكم في مستدركه فقال: حدثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا الحسن بن علي بن زياد، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت له: يا ابن أختي، كان رسول الله وعليه لا يفضل بعضنا على بعض في مكثه عندنا، وكان قل يوم إلا وهو يطوف علينا فيدنو من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ إلى من هو يومها فيبيت عندها، ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت وفرقت أن يفارقها رسول الله له: يا رسول الله، يومي هذا لعائشة، فقبل ذلك رسول الله وَ القول، قالت عائشة: ففي ذلك أنزل الله ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةُ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعَرَاضًا﴾(٧). وكذلك رواه أبو داود عن أحمد بن يونس به(٨)، والحاكم في مستدركه، ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه(٩). وقد رواه ابن مردويه من طريق أبي بلال الأشعري عن عبد الرحمن بن أبي الزناد به نحوه ومن رواية عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن هشام بن عروة بنحوه مختصراً، والله أعلم. وقال أبو العباس محمد بن عبد الرحمن الدغولي في أول معجمه: حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا هشام الدستوائي، حدثنا القاسم بن أبي بزة، قال: بعث النبي وَطلحه إلى سودة بنت زمعة بطلاقها، فلما أن أتاها جلست له على طريق عائشة، فلما رأته قالت له: أنشدك بالذي أنزل عليك كلامه واصطفاك على خلقه لما راجعتني، فإني قد كبرت ولا حاجة لي (١) أخرجه الشافعي بسنده ومتنه (الأم ٩٨/٥)، ويشهد له الحديث التالي المتفق عليه. (٢) صحيح البخاري، النكاح، باب المرأة تهب يومها من زوجها (ح٥٢١٢)، وصحيح مسلم، الرضاع، باب جواز هبتها نوبتها لضرتها (ح ١٤٦٣). (٣) صحيح البخاري، الهبة، باب هبة المرأة لغير زوجها (ح٢٥٩٣). (٤) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: ((فعرفت)) ومعنى فرقت؛ أي: خافت. (٥) أخرجه سعید بن منصور بسنده ومتنه (السنن ح ٧٠٢)، وسنده حسن. (٦) السنن الكبرى ٢٩٧/٧. (٧) المستدرك ١٨٦/٢. (٨) السنن، النكاح، باب في القسم بين النساء (ح٢١٣٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن داود (ح ١٨٦٨). (٩) المستدرك ١٨٦/٢. ٢٣٣ • سُوَدَّةُ الْنِسَخّاءِ (١٢٨، ١٣٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 في الرجال، لكن أريد أن أبعث مع نسائك يوم القيامة، فراجعها فقالت: فإني جعلت يومي وليلتي لِحبَّ رسول الله وَل﴾(١)، وهذا غريب مرسل. وقال البخاري: حدثنا محمد بن مقاتل، أنبأنا عبد الله، أنبأنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةُ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ قال: الرجل تكون عنده المرأة المسنة ليس بمستكثر منها يريد أن يفارقها فتقول: أجعلك من شأني في حِلّ، فنزلت هذه الآية(٢). وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﴿وَإِنِ أَمْرَةُ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعَرَاضًا فَلَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحَأْ وَالضُّلْحُ خَيْرٌ﴾ قالت: هذا في المرأة تکون عند الرجل، فلعله لا یکون بمستکثر منها، ولا یکون لها ولد ويكون لها صحبة فتقول: لا تطلقني وأنت في حل من شأني(٣). حدثني المثنى، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام، عن عروة، عن عائشة، في قوله: ﴿وَإِنِ أَمْرَةُ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ قالت: هو الرجل يكون له امرأتان: إحداهما قد كبرت، أو هي دميمة، وهو لا يستكثر منها فتقول: لا تطلقني وأنت في حل من شأني(٤)، وهذا الحديث ثابت في الصحيحين من غير وجه عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، بنحو ما تقدم(٥)، ولله الحمد والمنة. قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد وابن وكيع، قالا: حدثنا جرير، عن أشعث، عن ابن سيرين قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فسأله عن آية، فكرهه فضربه بالدرة، فسأله آخر عن هذه الآية ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةُ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ ثم قال: عن مثل هذا فاسألوا، ثم قال: هذه المرأة تكون عند الرجل قد خلا من سنها، فيتزوج المرأة الشابة يلتمس ولدها، فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز(٦). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسن الهسنجاني، حدثنا مسدد، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن خالد بن عرعرة، قال: جاء رجل إلى علي بن أبي طالب، فسأله عن قول الله رَى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةُ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَاً﴾ ، قال علي: يكون الرجل عنده المرأة فتنبو عيناه عنها من دمامتها أو كبرها، أو سوء خلقها، أو قذذها فتكره فراقه، فإن وضعت له من مهرها شيئاً حل له، وإن جعلت له من أيامها فلا حرج(٧). وكذا رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة وحماد بن سلمة وأبي الأحوص، ورواه ابن جرير من طريق إسرائيل، أربعتهم عن سماك به. وكذا فسرها ابن عباس وعبيدة السلماني ومجاهد بن جبير (١) أخرجه ابن سعد من طريق مسلم بن إبراهيم به (الطبقات الكبرى ٥٤/٨) وسنده صحيح لكنه مرسل. (٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةُ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا ... ﴾ [النساء: ١٢٨] ح ٤٦٠١). (٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن وكيع وهو سفيان وهو ضعيف ويشهد له الحديث السابق. (٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وله شاهد كسابقه. (٥) تقدم تخريجه من الصحيحين في بداية تفسير الآية نفسها . (٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده انقطاع لأن ابن سيرين لم يسمع عمر. ويشهد لآخره ما سبق. (٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وأخرجه الحاكم من طريق سماك به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢٩٣/٢). ٢٣٤ سُورَةِ النِّسَاءِ (١٢٨، ١٣٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 والشعبي وسعيد بن جبير وعطاء وعطية العوفي ومكحول والحسن والحكم بن عتيبة وقتادة (١) وغير واحد من السلف والأئمة، ولا أعلم في ذلك خلافاً أن المراد بهذه الآية هذا، والله أعلم. وقال الشافعي: أنبأنا ابن [عيينة] (٢)، عن الزهري، عن ابن المسيب أن بنت محمد بن مسلم كانت عند رافع بن خديج، فكره منها أمراً إما كبراً أو غيره، فأراد طلاقها فقالت: لا تطلقني وأقسم لي ما بدا لك، فأنزل الله وَ ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةُ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا ... ) الآية(٣)، وقد رواه الحاكم في مستدركه من طريق عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار بأطول من هذا السياق(٣). وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: حدثنا سعيد بن أبي عمرو، حدثنا أبو محمد أحمد بن عبد الله المزني، أنبأنا علي بن محمد بن عيسى، أنبأنا أبو اليمان، أخبرني شعيب بن أبي حمزة عن الزهري، أخبرني سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار أن السنة في هاتين الآيتين اللتين ذكر الله فيهما نشوز الرجل وإعراضه عن امرأته في قوله: ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا ... ﴾ إلى تمام الآيتين، أن المرء إذا نشر عن امرأته وآثر عليها، فإن من الحق أن يعرض عليها أن يطلقها أو تستقر عنده على ما كانت من أثرة في القسم من ماله ونفسه فإن استقرت عنده على ذلك فكرهت أن يطلقها فلا حرج عليه فيما آثر عليها من ذلك فإن لم ترض عليها الطلاق وصالحها على أن يعطيها من ماله ما ترضاه وتقر عنده على الأثر في القسم من ماله ونفسه صلح له ذلك وكان صلحها عليه كذلك، ذكرٍ سعيد بن المسيب وسليمان: الصلح الذي قال الله رَّ: ﴿فَلَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحَاً وَالضُّلْحُ خَيْرٌ﴾ وقد ذكر لي أن رافع بن خديج الأنصاري وكان من أصحاب النبي ◌َ ليم كانت عنده امرأة حتى إذا كبرت تزوج عليها فتاة شابة، وآثر عليها الشابة، فناشدته الطلاق فطلقها تطليقة، ثم أمهلها حتى إذا كادت تحل راجعها، ثم عاد فآثر عليها الشابة فناشدته الطلاق، فطلقها تطليقة أخرى ثم أمهلها حتى إذا كادت تحل راجعها ثم عاد فآثر الشابة عليها فناشدته الطلاق، فقال لها: ما شئت، إنما بقيت لك تطليقة واحدة، فإن شئت استقررت على ما ترين من الأثرة، وإن شئت [فارقتك](٤)، فقالت: لا بل أستقر على الأثرة فأمسكها على ذلك، فكان ذلك صلحهما ولم ير رافع عليه إثماً حين رضيت أن تستقر عنده على الأثرة فيما آثر به عليها . وهكذا رواه بتمامه عبد الرحمن بن أبي حاتم، عن أبيه، عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار ... فذكره بطوله(٥)، والله أعلم. وقوله: ﴿وَالضُّلْحُ خَيْرٌ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني التخيير أن يخير الزوج لها بين الإقامة والفراق خير من تمادي الزوج على أثرة غيرها عليها(٦). (١) ذكر أغلبهم ابن أبي حاتم بحذف السند. (٢) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: ((عبد)) وهو تصحيف. (٣) أخرجه الواحدي من طريق الشافعي به (أسباب النزول ص١٧٨)، وأخرجه الحاكم من طريق عبد الرزاق به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٠٨/٢). (٤) كذا في (حم) و(مح) والسنن الكبرى للبيهقي، وفي الأصل: ((فارقيني)). (٥) أخرجه البيهقي بسنده ومتنه (السنن الكبرى ٢٩٦/٧)، وأخرجه ابن أبي حاتم عن أبيه به، وسنده صحيح. (٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به. ٢٣٥ سُورَةُ الْنَشَاءِ (١٢٨، ١٣٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 والظاهر من الآية أن صلحهما على ترك بعض حقها للزوج وقبول الزوج ذلك خير من المفارقة بالكلية، كما أمسك النبي و 98 سودة بنت زمعة على أن تركت يومها لعائشة رضينا ولم يفارقها، بل تركها من جملة نسائه وفعله ذلك لتتأسى به أمته في [شرعية] (١) ذلك وجوازه، فهو أفضل في حقه عليه الصلاة والسلام، ولما كان الوفاق أحب إلى الله من الفراق. قال: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ بل الطلاق بغيض إليه ، ولهذا جاء في الحديث الذي رواه أبو داود وابن ماجه، جميعاً عن كثير بن عبيد، عن محمد بن خالد، عن معروف بن واصل، عن محارب بن دثار، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله : ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق)). ثم رواه أبو داود عن أحمد بن يونس، عن معروف، عن محارب، قال: قال رسول الله وَله ... فذكره معناه مرسلاً(٢). وقوله: ﴿وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ وإن تتجشموا مشقة الصبر على ما تكرهون منهن وتقسموا لهن أسوة أمثالهن، فإن الله عالم بذلكٍ وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء. وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ أي: لن تستطيعوا أيها الناس أن تساووا بين النساء من جميع الوجوه، فإنه وإن وقع القسم الصوري ليلة وليلة، فلا بدّ من التفاوت في المحبة والشهوة والجماع كما قاله ابن عباس وعبيدة السلماني ومجاهد والحسن البصري والضحاك بن مزاحم(٣). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا ابن أبي شيبة، حدثنا حسين الجعفي، عن زائدة، عن عبد العزيز بن رفيع، عن ابن أبي مليكة، قال: نزلت هذه الآية ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَصْتُمْ﴾ في عائشة (٤). يعني: أن النبي ◌َّ كان يحبها أكثر من غيرها، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث حماد بن سلمة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عبد الله بن يزيد، عن عائشة قالت: كان رسول الله وَلٌ يقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول: ((اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك)) يعني: القلب، هذا لفظ أبي داود، وهذا إسناد صحيح، لكن قال الترمذي: رواه حماد بن زيد وغير واحد عن أيوب، عن أبي قلابة مرسلاً، قال: وهذا أصح(٥). وقوله: ﴿فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ اُلْمَيْلِ﴾ أي: فإذا ملتم إلى واحدة منهن فلا تبالغوا في الميل بالكلية ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةٍ﴾ أي: فتبقى هذه الأخرى معلقة. قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن والضحاك والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان: معناها: لا ذات زوج ولا مطلقة (٦). (١) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: ((شريعة)) وهو تصحيف. (٢) سنن أبي داود، النكاح، باب في كراهية الطلاق (ح٢١٧٧)، وسنن ابن ماجه، كتاب الطلاق (ح٢٠١٨)، ورجح الألباني أنه مرسل (إرواء الغليل ح ٢٠٤٠). (٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول عَبيدة السلماني أخرجه الطبري والبيهقي بسند صحيح من طريق ابن سيرين عنه (السنن الكبرى ٢٩٨/٧)، وقول الحسن البصري أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق مبارك بن فضالة عنه. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح. (٥) المسند ١٤٤/٦، وسنن الترمذي، النكاح، باب ما جاء في التسوية بين الضرائر (ح ١١٤٠)، وتتمة كلام الترمذي: وهذا أصح من حديث حماد بن سلمة. اهـ. والصحيح أنه مرسل كما سيأتي في سورة الأحزاب آية ٥١. (٦) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عكرمة عنه، وبقية المفسرين ذكرهم ابن أبي = ٢٣٦ سُورَةُ النِّسَاءِ (١٣١، ١٣٤) · وقال أبو داود الطيالسي: أنبأنا همام، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط))(١)، وهكذا رواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث همام بن يحيى، عن قتادة به. وقال الترمذي: إنما أسنده همام ورواه هشام الدستوائي، عن قتادة، قال: كان يقال: ولا يعرف هذا الحديث مرفوعاً إلا من حديث همام(٢) . وقوله: ﴿وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا زَحِيمًا﴾ أي: وإن أصلحتم في أموركم وقسمتم بالعدل فيما تملكون واتقيتم الله في جميع الأحوال غفر الله لكم ما كان من ميل إلى بعض النساء دون بعض، ثم قال تعالى: ﴿وَإِن يَنَفَرَّقَا يُغْنِ اَللَّهُ كُلَّ مِّن سَعَتِهِ، وَكَانَ اللَّهُ وَسِعًا حَكِيمًا (٣)﴾ وهذه هي الحالة الثالثة، وهي حالة الفراق وقد أخبر الله تعالى أنهما إذا تفرقا فإن الله يغنيه عنها ويغنيها عنه بأن يعوضه من هو خير له منها، ويعوضها عنه بمن هو خير لها منه، ﴿وَكَانَ اَللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ أي: واسع الفضل عظيم المن حكيماً في جميع أفعاله وأقداره وشرعه. ﴿ ﴿وَلِلَّهِ مَا فِى السَمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضَِّ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَن أَتَّقُواْ اللَّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضَِّ وَكَانَ الَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا ﴿١٣) وَلِلَّهِ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨) إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِثَاخِرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا مَن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ ثَّوَابُ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٣٢) يخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض وأنه الحاكم فيهما، ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا أَلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِنَّاكُمْ﴾ أي: وصيناكم بما وصيناهم به من تقوى الله ريك بعبادته وحده لا شريك له. ثم قال: ﴿وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضَِّ وَكَانَ اَللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ كما قال تعالى إخباراً عن موسى أنه قال لقومه: ﴿إِن تَكْفُرُواْ أَنْتُمْ وَمَنْ فِ الْأَرْضِ جَيْعًا فَإِنَّ اللَّهَ ◌َغَنِىُّ حِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨]. [وقال: ﴿فَكَفَرُواْ وَتَوَلََّأْ وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِىُّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن: ٦]](٣)؛ أي: غني عن عباده، ﴿حَميدٌ﴾ أي: محمود في جميع ما يقدره ويشرعه، قوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٣)﴾؛ أي: هو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب الشهيد على كل شيء. وقوله: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بَِاخِرِينَ وَكَانَ اَللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا أي: هو قادر على إذهابكم وتبديلكم بغيركم إذا عصيتموه، وكما قال: ﴿وَإِنِ تَتَوَلَّوْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُواْ أَمْتَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] وقال بعض السلف: ما أهون العباد على الله إذا = حاتم بحذف السند، وقد أخرج الطبري معظمها بأسانيد يقوي بعضها بعضاً. (١) أخرجه الطيالسي بسنده ومتنه (المسند ح ٢٤٥٤)، وسنده صحيح كما يلي. (٢) المسند ٣٤٧/٢، وسنن أبي داود، النكاح، باب القسمة بين النساء (ح٢١٣٣)، وسنن الترمذي، النكاح، باب ما جاء في التسوية (ح١١٥٠)، وسنن النسائي، عشرة النساء، باب ميل الرجل إلى بعض نسائه ٧/ ٦٣، وسنن ابن ماجه، النكاح، باب القسمة بين النساء (ح١٩٦٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح١٦٠٣)، والأرناؤط (جامع الأصول ٥١٣/١١). (٣) زيادة من (حم) و(مح). ٢٣٧ سُورَةُ النِّسَاءِ (١٣٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أضاعوا أمره. وقال تعالى: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ يِخَلْقِ جَدِيدٍ ﴿﴿ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ ٢٠ [إبراهيم] أي: وما هو عليه بممتنع، وقوله: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ الَّهِ ثَوَابُ الذُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾ أي: يا من ليس له همة إلا الدنيا، اعلم أن عند الله ثواب الدنيا والآخرة، وإذا سألته من هذه وهذه أغناك وأعطاك وأقناك، كما قال تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ﴿ وَمِنْهُم مَنْ يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِ الدُّنْيَا حَسَنَّةً وَفِى الذُّنْيَا وَمَا لَهُ فِى الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَقٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَا كَسَبُواْ﴾ [البقرة: ٢٠٠ - ٢٠٢]، وقال اُلْأَخِرَةِ حَسَنَّةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ فَزِدْ لَهُ فِي حَرْئٌِ ... ) الآية [الشورى: ٢٠]، وقال تعالى: ﴿مَّنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَنْ تُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَتَّمَ يَصْلَئِهَا مَذْهُومًا مَّدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الْأَخِرَةَ وَسَعَى لَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَشْكُورًا (٨ كُلَّا نُّمِدُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكْ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٣٥) أَنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَى بَعْضِّ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَتٍ وَأَكْبَرُ تَّفْضِيلًا (4)﴾ [الإسراء]. وقد زعم ابن جرير أن المعنى في هذه الآية ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ أي: من المنافقين الذين أظهروا الإيمان لأجل ذلك ﴿فَعِندَ اللَّهِ ثَّوَابُ الذُّنْيَا﴾ وهو ما حصل من المغانم وغيرها مع المسلمين(١)، وقوله: ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ أي: وعند الله ثواب الآخرة وهو ما ادخر لهم من العقوبة في نار جهنم وجعلها كقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوةَ الذُّنْيَا وَزِينَنَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِهَا وَهُمْ فَِهَا لَا يُبْخَسُونَ ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِىِ الْآَخِرَةِ إِلَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيَهَا وَبَطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (١)﴾ [هود] ولا شك أن هذه الآية معناها ظاهر، وأما تفسيره الآية الأولى بهذا ففيه نظر، فإن قوله: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنِّيَا وَالْآَخِرَةَ﴾ ظاهر في حصول الخير في الدنيا والآخرة؛ أي بيده هذا وهذا، فلا يقتصرن قاصر الهمة على السعي للدنيا فقط، بل لتكن همته [سامية](٢) إلى نيل المطالب العالية في الدنيا والآخرة، فإن مرجع ذلك كله إلى الذي بيده الضر والنفع، وهو الله الذي لا إله إلا هو الذي قد قسم السعادة والشقاوة بين الناس في الدنيا والآخرة، وعدل بينهم فيما علمه فيهم ممن يستحق هذا وممن يستحق هذا. ولهذا قال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ . ] ﴿﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَلِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِنَّ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَّا فَلَا تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا يأمر تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا قوامين بالقسط؛ أي: بالعدل، فلا يعدلوا عنه يميناً ولا شمالاً، ولا تأخذهم في الله لومة لائم ولا يصرفهم عنه صارف، وأن يكونوا متعاونين متساعدين متعاضدين متناصرين فيه، وقوله: ﴿شُهَدَآءَ لِلَّهِ﴾ كما قال: ﴿وَأَقِيمُواْ الشَّهَدَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢] أي: ليكن أداؤها ابتغاء وجه الله، فحينئذٍ تكون صحيحة عادلة حقاً خالية من التحريف والتبديل والكتمان، ولهذا قال: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ أي: اشهد الحق ولو عاد ضررها عليك، وإذا سئلت (١) تفسير الطبري ٢٩٩/٩ - ٣٠٠. (٢) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: ((شابية)) وهو تصحيف. ٢٣٨ • سُورَةُ النِّسَاءِ (١٣٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 عن الأمر فقل الحق فيه ولو عادت مضرته عليك، فإن الله سيجعل لمن أطاعه فرجاً ومخرجاً من كل أمر يضيق عليه. وقوله: ﴿أَوِ الْوَلِدَيْنِ وَالْأَثْرَبِينَ﴾ أي: وإن كانت الشهادة على والديك وقرابتك فلا تراعهم فيها بل اشهد بالحق وإن عاد ضررها عليهم، فإن الحق حاكم على كل أحد، وهو مقدم على كل أحد. وقوله: ﴿إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيْرًا قَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَّ﴾ أي: لا ترعاه لغناه ولا تشفق عليه لفقره، الله يتولاهما بل هو أولى بهما منك وأعلم بما فيه صلاحهما. وقوله: ﴿فَلَا تَتَّبِعُواْ الْمَوَىَ أَنْ تَعْدِلُواْ﴾ أي: فلا يحملنكم الهوى والعصبية وبغضة الناس إليكم على ترك العدل في أموركم وشؤونکم، بل ألزموا العدل على أي حال كان، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمِنَّكُمْ شَََانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُواْ أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىَ﴾ [المائدة: ٨]، ومن هذا القبيل قول عبد الله بن رواحة لما بعثه النبي (وَل﴿ يخرص على أهل خيبر ثمارهم وزروعهم، فأرادوا أن يرشوه ليرفق بهم، فقال: والله لقد جئتكم من عند أحب الخلق إلي، ولأنتم أبغض إلي من أعدادكم من القردة والخنازير وما يحملني حبي إياه، وبغضي لكم على أن لا أعدل فيكم، فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض، وسيأتي الحديث مسنداً في سورة المائدة(١) إن شاء الله تعالى. وقوله: ﴿وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُوا﴾ قال مجاهد وغير واحد من السلف: تلووا؛ أي: تحرفوا الشهادة (٢) وتغيروها، واللّي هو: التحريف وتعمد الكذب، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَغَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِنَبِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَبِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨]، والإعراض هو كتمان الشهادة وتركها، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ: مَائِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. وقال النبي ◌َّل: ((خير الشهداء الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها))(٣)، ولهذا توعدهم الله بقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ أي: وسيجازيكم بذلك. ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ ءَامِنُواْ بِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالْكِنَبِ الَّذِى نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ، وَاُلْكِتَبِ الَّذِىّ أَنْزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرُ بِاللَّهِ وَمَلَكَتِهِ، وَكُنُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَ ضَلَلَا بَعِيدًا ١٣٦ يأمر تعالى عباده المؤمنين بالدخول في جميع شرائع الإيمان وشعبه وأركانه [ودعائمه](٤)، وليس هذا من باب تحصيل الحاصل، بل من باب تكميل الكامل وتقريره وتثبيته والاستمرار عليه، كما يقول المؤمن في كل صلاة: ﴿أَهْدِنَ الْصِرَطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾﴾ [الفاتحة] أي: بصرنا فيه وزدنا هدى وثبتنا عليه، فأمرهم بالإيمان به وبرسوله، كما قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ﴾ [الحديد: ٢٨]. (١) آية ٨. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٣) أخرجه مسلم من حديث زيد بن خالد الجهني ظه مرفوعاً (الصحيح، الأقضية، باب بيان خير الشهود ح ١٧١٩). (٤) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: (دعامته)). ٢٣٩ • سُورَةُ الْنِشَكَّاءِ (١٣٧، ١٤٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقوله: ﴿وَالْكِنَبِ الَّذِى نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ يعني: القرآن، ﴿وَالْكِتَبِ الَّذِىّ أَنْزَلَ مِن قَبْلٌ﴾ وهذا جنس يشمل جميع الكتب المتقدمة، وقال في القرآن: ﴿نَزَّلَ﴾ لأنه نزل مفرقاً منجماً على الوقائع بحسب ما يحتاج إليه العباد في معاشهم ومعادهم، وأما الكتب المتقدمة، فكانت تنزل جملة واحدة، لهذا قال تعالى: ﴿وَالْكِتَبِ الَّذِىّ أَنْزَلَ مِن قَبْلٌ﴾، ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرُ بِاللَّهِ وَمَلَكَتِهِ، وَكُنُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاَلْيَوْمِ الْآَخِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلَا بَعِيدًا﴾ أي: فقد خرج عن طريق الهدى وبعد عن القصد كل البعد. ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُنَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ أَزْدَادُواْ كُفْرَا لَّمْ يَكُنِ اَللَّهُ لِيَغْفِرَ لَّمْ وَلَا الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ اُلْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً * بَشْرِ الْمُنَفِقِينَ بِأَنَّ لَمْ عَذَابًا أَلِيمًا اَلْمُؤْمِنِينُّ أَيَبْنَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَِّ جَمِيعًا (١٣) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى الْكِنَبِ أَنْ إِذَا سَمِعْنُمْ ءَايَتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْنَهْزَأُ بِهَا فَلَ نَفْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهَِّ إِنَّكُمْ إِذَا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ اُلْمُنَفِقِينَ وَاَلْكَفِرِينَ فِ جَهَنَّمَ كَمِيعًا (®﴾. یخبر تعالی عمن دخل في الإیمان، ثم رجع عنه، ثم رجع واستمر على ضلاله وازداد حتى مات، فإنه لا توبة بعد موته ولا يغفر الله له ولا يجعل له مما هو فيه فرجاً ولا مخرجاً ولا طريقاً إلى الهدى، ولهذا قال: ﴿لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِّرَ لَمُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن عبدة، حدثنا حفص بن جميع، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَزْدَادُواْ كُفْرًا﴾ قال: تمادوا على كفرهم حتى ماتوا(١). وكذا قال مجاهد(٢). وروى ابن أبي حاتم من طريق جابر الجعفي، عن عامر الشعبي، عن علي ظ به، أنه قال: يستتاب المرتد ثلاثاً، ثم تلا هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ أَزْدَادُواْ كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اَللَّهُ لِيَغْفِّرَ لَّمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً (٦﴾﴾(٣). ثم قال: ﴿بَشْرِ الْمُنَفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا يعني أن المنافقين من هذه الصفة، فإنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم، ثم وصفهم بأنهم يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، بمعنى أنهم معهم في الحقيقة يوالونهم ويسرون إليهم بالمودة، ويقولون لهم إذا خلوا بهم: إنما نحن معكم، إنما نحن مستهزئون؛ أي: بالمؤمنين، في إظهارنا لهم الموافقة، قال الله تعالى منكراً عليهم فيما سلكوه من موالاة الكافرين ﴿أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ﴾، ثم أخبر الله تعالى بأن العزة كلها له وحده لا شريك له ولمن جعلها (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن واضطراب سماك عن عكرمة لا يضر لأنه ثبت عن مجاهد أيضاً كما يلي. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق شريك عن جابر الجعفي به وسنده ضعيف بسبب سوء حفظ شريك وضعف جابر ويتقوى بالشواهد إذ ورد عن عمر وعثمان وابن عمر رؤية والزهري وعمر بن عبد العزيز (ينظر: مصنف عبد الرزاق ١٦٤/١٠ - ١٦٥)، ومصنف ابن أبي شيبة ١٣٧/١٠، ١٣٨ و٢٧٣/١٢، والموطأ ٢/ ٧٣٧، والطبقات الكبرى لابن سعد ٣٥١/٥، والسنن الكبرى ٣٠٧/٨. ٢٤٠ • سُوَّرَةُ النِّسَخَّاءِ (١٣٧، ١٤٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 له، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠]. وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨]، والمقصود من هذا التهييج على طلب العزة من [جناب](١) الله والالتجاء إلى عبوديته والانتظام في جملة عباده المؤمنين الذين لهم النصرة في الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد، ويناسب هنا أن نذكر الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن حميد الكندي، عن عبادة بن نسيء، عن [أبي ريحانة](٢) أن النبي وَ لو قال: ((من انتسب إلى تسعة آباء كفار يريد بهم عزاً [وكرماً] (٣) فهو عاشرهم في النار)) (٤) تفرد به أحمد، وأبو ريحانة هذا هو أزدي، ويقال: أنصاري، واسمه شمعون، بالمعجمة، فيما قاله البخاري، وقال غيره: بالمهملة، والله أعلم. وقوله: ﴿وَقَّدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِ الْكِنَبِ أَنْ إِذَا سَمِعْنُمْ ءَايَتِ الَِّ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَ نَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَّ يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِوَّةٍ إِنَّكُمْ إِذَا مِثْلُهُمْ﴾ أي: إنكم إذا ارتكبتم النهي بعد وصوله إليكم ورضيتم بالجلوس معهم في المكان الذي يكفر فيه بآيات الله ويستهزأ وينتقصٍ بها وأقررتموهم على ذلك، فقد شاركتموهم في الذي هم فيه، فلهذا قال تعالى: في المآثم، كما جاء في إِذَا مِثْلُهُمْ﴾ ﴿إِنَّكُمْ الحديث: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر))(٥). والذي أحيل عليه في هذه الآية من النهي في ذلك هو قوله تعالى في سورة الأنعام، وهي مكية ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيّ ءَايَئِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِ، وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَئِنُ فَلَ نَّقْعُدْ بَعْدَ ٨)﴾ [الأنعام]، قال مقاتل بن حيان: نسخت هذه الآية التي في سورة النَّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الَّلِينَ الأنعام(٦)، يعني: نسخ قوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذَا مِثْلُهُمْ﴾ لقوله: ﴿وَمَا عَلَ الَّذِينَ يَنَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّنْ شَىْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٦٩]. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَفِقِينَ وَالْكَفِرِينَ فِى جَهَنَّمَ ◌َمِيعًا﴾ أي: [كما اشتركوا](٧) في الكفر كذلك شارك الله بينهم في الخلود في نار جهنم [أبداً] (٨)، ويجمع بينهم في دار العقوبة والنكال والقيود والأغلال وشراب الحميم والغسلين لا الزلال. (١) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: ((جانب)). (٢) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل: ((أبي ركان)) وهو تصحيف. (٣) كذا في المسند وفي النسخ: ((وكبرا)). (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٣٤/٤)، وسنده ضعيف لأن عبادة لم يسمع من أبي ريحانة (العلل المتناهية ١٢٩٥/٢). (٥) أخرجه الترمذي من طريق ليث بن أبي سليم، عن طاوس، عن جابر ثم قال: حديث حسن غريب (السنن، الأدب، باب ما جاء في دخول الحمام ح٢٨٠١)، وفي سنده ليث فيه مقال ويتقوى بالمتابعات فقد روي من طريق أخرى، وعن أبي الزبير عن جابر، وقد أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٢٨٨) وقال الحافظ ابن حجر: إسناده جيد (الفتح ٩/ ٢٥٠). (٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عن مقاتل. (٧) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: ((بما أشركوا)). (٨) كذا في (حم) و(مح) وسقطت من الأصل.