النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
• سُورَةُ النَّسَاءِ (١٠١)
عن قتيبة، أربعتهم عن مالك به(١).
قالوا: فإذا كان أصل الصلاة في السفر هي الثنتين، فكيف يكون المراد بالقصر ههنا قصر
الكمية، لأن ما هو الأصل لا يقال فيه: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ﴾ وأصرح من ذلك
دلالة على هذا ما رواه الإمام أحمد: حدثنا وكيع، [حدثنا](٢) سفيان وعن عبد الرحمن، عن
سفيان، عن زبيد اليامي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عمر ظبه، قال: صلاة السفر
ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر،
على لسان محمد #(٣)، وهكذا رواه النسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه من طرق عن
زبيد اليامي به، وهذا إسناد على شرط مسلم(٤).
وقد حكم مسلم في مقدمة كتابه بسماع ابن أبي ليلى عن عمر، وقد جاء مصرحاً به في هذا
الحديث وفي غيره، وهو الصواب إن شاء الله، وإن كان يحيى بن معين وأبو حاتم والنسائي قد
قالوا: إنه لم يسمع منه، وعلى هذا أيضاً: فقد وقع في بعض طرق أبي يعلى الموصلي من طريق
الثوري عن زبيد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن [الثقة](٥) عن عمر ... فذكره، وعند ابن
ماجه من طريق يزيد بن أبي زياد بن أبي الجعد عن زبيد، عن عبد الرحمن، عن كعب بن عجرة،
عن عمر(٦)، فالله أعلم.
وقد روى مسلم في صحيحه وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث أبي عوانة الوضاح بن
عبد الله اليشكري، زاد مسلم والنسائي: وأيوب بن عائد، كلاهما عن بكير بن الأخنس، عن
مجاهد، عن عبد الله بن عباس، قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم محمد ◌َّ في الحضر
أربعاً، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة وهكذا رواه وكيع وروح بن عبادة عن
أسامة بن زيد الليثي، حدثني الحسن بن مسلم بن يناف، عن طاوس، عن ابن عباس قال:
فرض الله ورسوله وس18 الصلاة في الحضر أربعاً، وفي السفر ركعتين، فكما يصلى في الحضر
قبلها وبعدها فكذلك يصلي في السفر. ورواه ابن ماجه من حديث أسامة بن زيد عن طاوس
نفسه(٧). فهذا ثابت عن ابن عباس ﴿ه، ولا ينافي ما تقدم عن عائشة ﴿إنا، لأنها أخبرت أن
(١) صحيح البخاري، الصلاة، باب كيف فُرضت الصلاة؟ (ح ٣٥٠)، وصحيح مسلم، الباب السابق (ح٦٨٥)،
وسنن أبي داود، الصلاة، باب صلاة السفر (ح١١٩٨)، وسنن النسائي الصلاة، باب كيف فرضت الصلاة؟
٢٢٥/١.
(٢) كذا في المسند وسقط من الأصل (حم) و(مح).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (٣٦٧/١ ح ٢٥٧)، وصححه محققوه.
(٤) سنن النسائي، كتاب تقصير الصلاة ١٨٣/٣، وسنن ابن ماجه، إقامة الصلاة (ح ١٠٦٣)، والإحسان بترتيب
صحيح ابن حبان ١٩٧/٤ (ح٢٧٨٣)، وصححه الحافظ ابن كثير.
(٥) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: ((البقية)) وهو تصحيف.
(٦) سنن ابن ماجه، إقامة الصلاة، باب تقصير الصلاة في السفر (ح ١٠٦٤).
(٧) صحيح مسلم، صلاة المسافرين (ح ٦٨٧)، وسنن أبي داود، الصلاة، باب من قال: يصلي بكل طائفة
ركعتين (ح١٢٤٧)، وسنن النسائي: الصلاة، باب كيف فرضت الصلاة ٢٢٦/١، وسنن ابن ماجه، إقامة
الصلاة، باب تقصير الصلاة في السفر (ح ١٠٦٨).

٢٠٢
• سُوَّرَةِ النِّسَّاءِ (١٠١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أصل الصلاة ركعتان، ولكن زيد في صلاة الحضر، فلما استقر ذلك، صح أن يقال: إن فرض
صلاة الحضر أربع، كما قاله ابن عباس - والله أعلم -، لكن اتفق حديث ابن عباس وعائشة على
أن صلاة السفر ركعتان، وأنها تامة غير مقصورة، كما هو مصرح به في حديث عمر نظرته، وإذا
كان كذلك فيكون المراد بقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ﴾ قصر الكيفية كما
في صلاة الخوف، ولهذا قال: ﴿إِنْ خِفْتُ أَنْ يَفْيِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ اُلْكَفِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا ◌ُِّينًا﴾،
ولهذا قال بعدها: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقِّمْتَ لَهُمُ الصَّلَوَةَ فَلْلَهُمْ طَآئِفَةٌ مِنْهُم مَّعَكَ ... ﴾ إلى
آخرها [النساء: ١٠٢]، فبين المقصود من القصر ههنا، وذكر صفته وكيفيته، ولهذا لما عقد
البخاري كتاب صلاة الخوف صدره بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَيُمْ فِ الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُرْ جُنَامُ أَنْ نَقْصُرُوا
مِنَ الصَّلَوَةِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٠٢]، وهكذا قال جويبر عن
الضحاك في قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوةِ﴾ قال: ذاك عند القتال يصلي الرجل
الراكب تكبيرتين حيث كان وجهه (١).
وقال أسباط، عن السدي في قوله: ﴿وَإِذَا ضَرَيْتُمْ فِ الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُرْ جُنَامُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوةِ
إِنْ خِفْتُ أَنْ يَفْئِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوَأْ ... ﴾ الآية. إن الصلاة إذا صليت ركعتين في السفر، فهي تمام
التقصير لا يحل إلا أن يخاف من الذين كفروا أن يفتنوه عن الصلاة فالتقصير ركعة(٢).
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُرْ جُنَامُ أَنْ نَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَوَةِ﴾ يوم كان النبي ◌َّلـ
وأصحابه بعُسفان(٣)، والمشركون بضَجنان(٤)، فتوافقوا، فصلى النبي ◌َّ بأصحابه صلاة الظهر
أربع ركعات بركوعهم، وسجودهم، وقيامهم معاً جميعاً فهم بهم المشركون أن يغيروا على
أمتعتهم وأثقالهم، روى ذلك ابن أبي حاتم(٥)، ورواه ابن جرير عن مجاهد والسدي وعن جابر
وابن عمر(٦)، واختار ذلك أيضاً فإنه قال بعدما حكاه من الأقوال في ذلك: وهو الصواب.
وقال ابن جرير: حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا ابن أبي فديك، حدثنا ابن
أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد أنه قال [لعبد](٧) الله بن عمر:
إنا نجد في كتاب الله قصر صلاة الخوف، ولا نجد قصر صلاة المسافر، فقال عبد الله: إنا
(١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق جويبر به، وسنده ضعيف لضعف جويبر.
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط به.
(٣) عسفان: بضم أوله وإسكان ثانية قرية جامعة لبني المصطلق من خزاعة (معجم ما استعجم ٩٤٤/٨)، وما
زالت موجودة وتبعد عن مكة حوالي (٨٠) كيلاً شمالاً.
(٤) ضَجنان: بفتح أوله وإسكان ثانية .. جبل بناحية مكة على طريق المدينة (المصدر السابق ٨٥٦/٢).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد لكنه مرسل ووصله أيضاً من طريق
ورقاء عن مصنور عن مجاهد عن أبي عياش الزرقي، وأخرجه سعيد بن منصور (السنن، التفسير رقم
٦٨٦)، وأبو داود (السنن، الصلاة، باب صلاة الخوف ح١٢٣٦)، والحاكم (المستدرك ٣٣٧/١)،
وصححه ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح١٠٩٦)، وصححه الحافظ ابن كثير
كما سيأتي في الآية ١٠٢ من هذه السورة.
(٦) قول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه لكنه مرسل ويتقوى بسابقه وبقول جابر الذي
أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق يزيد الفقير عنه، وقول ابن عمر أخرجه ابن أبي شيبة من طريق
سماك الحنفي عنه (المصنف ٤٤٩/٢). وسنده حسن.
(٧) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: (لسعد)) وهو تصحيف.

٢٠٣
• سُوَّرَةُ النِّسَّاءِ (١٠٢)
وجدنا نبينا وَ * يعمل عملاً عملنا به (١).
فقد سمى صلاة الخوف مقصورة وحمل الآية عليها لا على قصر صلاة المسافر، وأقره ابن
عمر على ذلك، واحتج على قصر الصلاة في السفر بفعل الشارع لا بنص القرآن، وأصرح من
هذا ما رواه ابن جرير أيضاً: حدثنا أحمد بن الوليد القرشي، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا
شعبة، عن سماك الحنفي قال: سألت ابن عمر عن صلاة السفر، فقال: ركعتان تمام غير قصر،
إنما القصر في صلاة المخافة، فقلت: وما صلاة المخافة؟ فقال: يصلي الإمام بطائفة ركعة، ثم
[يجيء] (٢) هؤلاء إلى مكان هؤلاء، ويجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء، فيصلي بهم ركعة، فيكون
للإمام ركعتان، ولكل طائفة ركعة ركعة(٣)، ولقوله تعالى بعدها:
، ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيِهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوةَ فَلْنَقُمْ طَآئِفٌَ مِنْهُم مَّعَكَ وَلَيَأْخُذُوَاْ أَسْلِحَتَهُمَّ فَإِذَا سَجَدُواْ
فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآبِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةُ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيَُلُواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ
كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً وَحِدَةٌ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذَى
مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنْتُم مَّرْضَى أَنْ تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا ([®)﴾ .
صلاة الخوف أنواع كثيرة، فإن العدو تارة يكون تجاه القبلة، وتارة يكون في غير صوبها،
والصلاة تارة تكون رباعية، وتارة تكون ثلاثية كالمغرب، وتارة تكون ثنائية كالصبح وصلاة
السفر، ثم تارة يصلون جماعة، وتارة يلتحم الحرب فلا يقدرون على الجماعة، بل يصلون
فرادى مستقبلي القبلة وغير مستقبليها ورجالاً وركباناً، ولهم أن يمشوا والحالة هذه ويضربوا
الضرب المتتابع في متن الصلاة. ومن العلماء من قال: يصلون والحالة هذه ركعة واحدة لحديث
ابن عباس المتقدم، وبه قال أحمد بن حنبل. قال المنذري في الحواشي. وبه قال عطاء وجابر
والحسن ومجاهد والحكم وقتادة وحماد، وإليه ذهب طاوس والضحاك.
وقد حكى أبو عاصم العبادي عن محمد بن نصر المروزي: أنه يرى رد الصبح إلى ركعة في
الخوف، وإليه ذهب ابن حزم أيضاً. وقال إسحاق بن راهويه: أما عند المسايفة فيجزيك ركعة
واحدة تومئ بها إيماء، فإن لم تقدر فسجدة واحدة لأنها ذكر الله، وقال آخرون: تكفي تكبيرة
واحدة، فلعله أراد ركعة واحدة. كما قاله الإمام أحمد بن حنبل وأصحابه، وبه قال جابر بن
عبد الله وعبد الله بن عمر وكعب وغير واحد من الصحابة والسدي، ورواه ابن جرير، ولكن
الذي حكوه إنما حكوه على ظاهره في الاجتزاء بتكبيرة واحدة، كما هو مذهب إسحاق بن راهويه
وإليه ذهب الأمير عبد الوهاب [بن](٤) بخت المكي، حتى قال: فإن لم يقدر على التكبير فلا
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه عبد الرزاق (المصنف رقم ٤٢٧٦)، وأحمد في المسند (ح٥٣٣٣)،
كلاهما من طريق الزهري به، وسنده صحيح.
(٢) سقط في الأصل وأثبت من (حم) و(مح).
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق مسعر عن سماك به (المصنف ٤٤٩/٢)، وسنده
حسن.
(٤) سقط في الأصل وأثبت من (حم) و(مح).

٢٠٤
سُورَةِ النَّسَّْاءِ (١٠٢)
00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
يتركها في نفسه؛ يعني بالنية. رواه سعيد بن منصور في سننه عن إسماعيل بن عياش، عن
شعيب بن دينار عنه، فالله أعلم.
ومن العلماء من أباح تأخير الصلاة لعذر القتال والمناجزة، كما أخر النبي وَله يوم الأحزاب
الظهر والعصر فصلاهما بعد الغروب(١)، ثم صلى بعدهما المغرب، ثم العشاء، وكما قال بعدها
يوم بني قريظة حين جهز إليهم الجيش: ((لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة))،
فأدركتهم الصلاة في أثناء الطريق، فقال منهم قائلون: لم يرد منا رسول الله وَل إلا تعجيل
المسير، ولم يرد منا تأخير الصلاة عن وقتها، فصلوا الصلاة لوقتها في الطريق، وأخر آخرون
منهم صلاة العصر فصلوها في بني قريظة بعد الغروب، ولم يعنف رسول الله أحداً من
(٢)
الفريقين(٢).
وقد تكلمنا على هذا في كتاب «السيرة»، وبيّنا أن الذين صلوا العصر لوقتها أقرب إلى إصابة
الحق في نفس الأمر، وإن كان الآخرون معذورين أيضاً، والحجة ههنا في عذرهم في تأخير
الصلاة لأجل الجهاد والمبادرة إلى حصار الناكثين للعهد من الطائفة الملعونة اليهود.
وأما الجمهور فقالوا: هذا كله منسوخ بصلاة الخوف، فإنها لم تكن نزلت بعد، فلما نزلت
نسخ تأخير الصلاة لذلك، وهذا بينٌ في حديث أبي سعيد الخدري الذي رواه الشافعي ◌َظُّهُ
وأهل السنن(٣). ولكن يشكل عليه ما حكاه البخاري في صحيحه حيث قال:
(باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو) قال الأوزاعي: إن كان تهيأ الفتح ولم يقدروا
على الصلاة صلوا إيماء كل امرئ لنفسه، فإن لم يقدروا على الإيماء، أخروا الصلاة حتى
ينكشف القتال، أو يأمنوا فيصلوا ركعتين، فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين، فإن لم يقدروا
فلا يجزئهم التكبير ويؤخرونها حتى يأمنوا، وبه قال مکحول:
وقال أنس بن مالك: حضرت مناهضة حصن تُستَر(٤) عند إضاءة الفجر، واشتد اشتعال
القتال، فلم يقدروا على الصلاة، فلم نصل إلا بعد ارتفاع النهار فصليناها ونحن مع أبي موسى،
ففتح لنا، قال أنس: وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها(٥). انتهى ما ذكره، ثم أتبعه بحديث
(١) وذلك كما قال ◌َّهو: ((شغلونا عن الصلاة الوسطى ... )) (أخرجه مسلم، الصحيح، المساجد، باب الدليل
لمن قال: ((الصلاة الوسطى هي صلاة العصر)) ح ٦٢٧).
(٢) صحيح البخاري، الخوف، باب صلاة الطالب والمطلوب (ح٩٤٦).
(٣) مسند الشافعي (ح٥٥٣)، وسنن النسائي، الأذان، باب الأذان للفائت من الصلوات ١٧/٢، وصححه
الألباني في صحيح النسائي (ح٦٣٨).
(٤) تُستر: أعظم مدينة خوستان (مراصد الاطلاع ٢٦٢/١).
(٥) قول الأوزاعي رواه البخاري معلقاً وقال الحافظ ابن حجر: ذكره الوليد بن مسلم عنه في كتاب السير
(الفتح ٤٣٤/٢)، وقول مكحول وصله الحافظ ابن حجر فذكر رواية عبد بن حميد في تفسيره عن عمر بن
سعيد الدمشقى، عن سعيد بن عبد العزيز عن مكحول (تغليق التعليق ٣٧١/٢ - ٣٧٢)، وأما قول أنس رواه
البخاري معلقاً ووصله بواسطة ابن أبي شيبة وابن سعد في الطبقات عن عفان بن مسلم ثنا همام بن يحيى،
عن قتادة عن أنس ... (تغليق التعليق ٣٧٢/٢).

٢٠٥
• سُورَةُ النِّسَاءِ (١٠٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
تأخير الصلاة يوم الأحزاب، ثم بحديث أمره إياهم أن لا يصلوا العصر إلا في بني قريظة(١)،
وكأنه كالمختار لذلك، والله أعلم.
ولمن جنح إلى ذلك له أن يحتج بصنيع أبي موسى وأصحابه يوم فتح تُستَر فإنه يشتهر غالباً،
ولكن كان ذلك في إمارة عمر (٢) بن الخطاب، ولم ينقل أنه أنكر عليهم ولا أحد من الصحابة،
والله أعلم.
قال هؤلاء: وقد كانت صلاة الخوف مشورعة في الخندق لأن غزوة ذات الرقاع كانت قبل
الخندق في قول الجمهور، علماء السير والمغازي، وممن نص على ذلك محمد بن إسحاق
وموسى بن عقبة والواقدي ومحمد بن سعد كاتبه وخليفة بن الخياط وغيرهم (٣).
وقال البخاري وغيره: كانت ذات الرقاع بعد الخندق لحديث أبي موسى وما قدم إلا في
خيبر(٤)، والله أعلم.
والعجب كل العجب أن المزني وأبا يوسف القاضي وإبراهيم بن إسماعيل بن علية، ذهبوا إلى
أن صلاة الخوف منسوخة بتأخيره عليه الصلاة والسلام، الصلاة يوم الخندق وهذا غريب جداً،
وقد ثبتت الأحاديث بعد الخندق بصلاة الخوف، [والحمل على](٥) تأخير الصلاة يومئذٍ على ما
قاله مكحول والأوزاعي أقوى وأقرب، والله أعلم.
فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوةَ﴾ أي: إذا صليت بهم إماماً في صلاة
الخوف، وهذه حالة غير الأولى، فإن تلك قصرها إلى ركعة كما دل عليه الحديث - فرادى
ورجالاً وركباناً مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، ثم ذكر حال الاجتماع والائتمام بإمام واحد، وما
أحسن ما استدل به من ذهب إلى وجوب الجماعة من هذه الآية الكريمة حيث اغتفرت أفعال
كثيرة لأجل الجماعة، فلولا أنها واجبة لما ساغ ذلك، وأما من استدل بهذه الآية على أن صلاة
الخوف منسوخة بعد النبي ◌َّ﴿ لقوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِهِمْ﴾ فبعده تفوت هذه الصفة، فإنه استدلال
ضعيف، ويرد عليه مثل قول مانعي الزكاة الذين احتجوا بقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَفَّةً تُطَهِّرُهُمْ
وَتُزَكْبِهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَّهِمْ إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنٌ لَمُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] قالوا: فنحن لا ندفع زكاتنا بعده وَّ إلى
أحد، بل نخرجها نحن بأيدينا على من نراه، وندفعها إلى من صلاته؛ أي: دعاؤه سكن لنا، ومع
هذا رد عليهم الصحابة، وأبوا عليهم هذا الاستدلال، وأجبروهم على أداء الزكاة وقتلوا من
منعها منهم.
ولنذكر سبب نزول هذه الآية الكريمة أولاً قبل ذكر صفتها، قال ابن جرير: حدثني ابن
(١) صحيح البخاري، الخوف، باب صلاة الطالب والمطلوب (ح٩٤٦)، وباب التبكير والغلس بالصبح
(ح ٩٤٧).
(٢) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: ((زمن عمر)).
(٣) السيرة لابن هشام ٢٠٣/٢، والمغازي للواقدي ٣٣٥/١، والطبقات الكبرى لابن سعد ٦١/٢.
(٤) صحيح البخاري، المغازي، باب غزوة ذات الرقاع (ح٤١٢٨). وقوله: وما قدم إلا في خيبر؛ أي ما قدم
من الحبشة.
(٥) زيادة من (حم) و(مح).

٢٠٦
سُورَةُ النِّسَاءِ (١٠٢)
00 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
المثنى، حدثني إسحاق، حدثنا عبد الله بن هاشم، أنبأنا سيف عن أبي روق، عن أبي أيوب،
عن علي رَظُه، قال: سأل قوم من بني النجار رسول الله وَ﴿ فقالوا: يا رسول الله، إنا نضرب
في الأرض فكيف نصلي؟ فأنزل الله وَّ: ﴿وَإِذَا ضَرَيُ فِ اٌلْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ
الصَّلَوَةِ﴾ ثم انقطع الوحي، فلما كان بعد ذلك [بحول}(١) [غزا(٢) النبي ◌َّ فصلى الظهر، فقال
المشركون: لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم هلا شددتم عليهم؟ فقال قائل منهم: إن
لهم أخرى مثلها في أثرها، قال: فأنزل الله رَّ بين الصلاتين ﴿إِنْ خِفْتُ أَن يَفْئِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِنَّ
اَلْكَفِينَ كَانُوْ لَكُمْ عَدُوًّا ◌ُِّنًا (﴿ وَإِذَا كُنْتَ فِهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوَةَ فَلْنَهُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَعَكَ ﴾ إلى
قوله: ﴿أَعَدَّ لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾، فنزلت صلاة الخوف(٣)، وهذا سياق غريب جداً، ولكن
لبعضه شاهد من رواية أبي عياش الزرقي واسمه زيد بن الصامت به عند الإمام أحمد وأهل
السنن، فقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا الثوري عن منصور، عن مجاهد، عن أبي
عياش الزرقي، قال: كنا مع رسول الله وَّ﴿ بعسفان، فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد،
وهم بيننا وبين القبلة، فصلى بنا رسول الله * الظهر، فقالوا: لقد كانوا على حال لو أصبنا
غرتهم، ثم قالوا: تأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم، قال: فنزل
جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوةَ﴾ قال: فحضرت،
فأمرهم رسول الله ◌َّل﴿ فأخذوا السلاح، قال: فصففنا خلفه صفين، قال: ثم ركع فركعنا جميعاً،
ثم رفع فرفعنا جميعاً، ثم سجد النبي وير بالصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم، فلما
سجدوا وقاموا، جلس الآخرون فسجدوا في مكانهم، ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، [وجاء
هؤلاء إلى مصاف هؤلاء}(٤)، ثم ركع فركعوا جميعاً، ثم رفع فرفعوا جميعاً، ثم سجد النبي وَلـ
والصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم، فلما جلسوا جلس الآخرون فسجدوا، ثم سلم
عليهم، ثم انصرف، قال: فصلاها رسول الله وَّ ر مرتين: مرة بعسفان، ومرة بأرض بني
سليم(٥) .
ثم رواه أحمد عن غندر، عن شعبة، عن منصور به نحوه، وهكذا رواه أبو داود عن سعيد بن
منصور، عن جرير بن عبد الحميد، والنسائي من حديث شعبة، وعبد العزيز بن عبد الصمد،
كلهم عن منصور به، وهذا إسناد صحيح وله شواهد كثيرة(٦)، فمن ذلك ما رواه البخاري حيث
قال: حدثنا حيوة بن شريح، حدثنا محمد بن حرب، عن الزبيدي، عن الزهري، عن عبيد الله بن
عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس ﴿يًا، قال: قام النبي ◌َّ وقام الناس معه، فكبر وكبروا معه،
(١) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: ((تحول)) وهو تصحيف.
(٢) سقط في الأصل، ((وأثبت)) من (حم) و(مح) وتفسير الطبري.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده سيف وهو ابن عمر التميمي: ضعيف (التقريب ص٢٦٢)، ولبعض
روايته شواهد كما قال الحافظ ابن كثير.
(٤) سقط في الأصل وأثبت من (حم) و(مح) والتخريج.
(٥) تقدم تخريجه وتصحيحه في آخر تفسير آية ١٠١ من هذه السورة الكريمة.
(٦) تقدم عزوه لمصادره كسابقه.

٢٠٧
• سُوَرَّةُ النِّسَاءِ (١٠٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وركع وركع ناس منهم، ثم سجد وسجدوا معه، ثم قام للثانية فقام الذين سجدوا وحرسوا
إخوانهم، وأتت الطائفة الأخرى فركعوا وسجدوا معه والناس كلهم في الصلاة، ولكن يحرس
بعضهم بعضاً(١).
وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن سليمان
اليشكري أنه سأل جابر بن عبد الله عن إقصار الصلاة؛ أي: يوم أنزل أو أي يوم هو، فقال
جابر: انطلقنا نتلقى عير قريش آتية من الشام حتى إذا كنا بنخل، جاء رجل من القوم إلى
رسول الله ﴿ فقال: يا محمد، قال: نعم. قال: هل تخافني؟ قال: ((لا)) قال: فمن يمنعك
مني؟ قال: ((الله يمنعني منك)) قال: فسل السيف، ثم تهدده وأوعده، ثم نادى بالرجل وأخذ
السلاح، ثم نودي بالصلاة فصلى رسول الله وَالله بطائفة من القوم وطائفة أخرى تحرسهم، فصلى
بالذين يلونه ركعتين، ثم تأخر الذين يلونه على أعقابهم، فقاموا في مصاف أصحابهم، ثم جاء
الآخرون فصلى بهم ركعتين، والآخرون يحرسونهم، ثم سلم فكانت للنبي وَّل أربع ركعات،
وللقوم ركعتين ركعتين، فيومئذٍ أنزل الله في إقصار الصلاة وأمر المؤمنين بأخذ السلاح(٢).
ورواه الإمام أحمد فقال: حدثنا سريج، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سليمان بن قيس
هو اليشكري، عن جابر بن عبد الله، قال: قاتل رسول الله وَل﴿ محارب خصفة، فجاء رجل منهم
يقال له: غورث بن الحارث حتى قام على رسول الله - ﴿ بالسيف، فقال: من يمنعك مني؟
[قال: ((الله))، فسقط السيف من يده، فأخذه رسول الله وَ ل﴿، فقال: ((ومن يمنعك مني؟))](٣)،
قال: كن خير آخذ. قال: ((أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟)) قال: لا، ولكن أعاهدك
أن لا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلى سبيله، [فأتى قومه](٤) فقال: جئتكم من عند
خير الناس، فلما حضرت الصلاة، صلى رسول الله ( 98 صلاة الخوف، فكان الناس طائفتين:
طائفة بإزاء العدو، وطائفة صلوا مع رسول الله وَله، فصلى بالطائفة الذين معه ركعتين وانصرفوا،
فكانوا مكان الطائفة الذين كانوا بإزاء العدو، ثم انصرف الذين كانوا بإزاء العدو فصلوا مع
رسول الله ◌َ﴿ ركعتين، فكان لرسول الله صل أربع ركعات، وللقوم ركعتين ركعتين(٥). تفرد به من
هذا الوجه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو قطن عمرو بن الهيثم، حدثنا
المسعودي، عن يزيد الفقير، قال: سألت جابر بن عبد الله عن الركعتين في السفر أقصرهما؟
فقال: الركعتان في السفر تمام، إنما القصر واحدة عند القتال، بينما نحن مع رسول الله وَله
في قتال، إذ أقيمت الصلاة، فقام رسول الله ﴿ فصف طائفة، وطائفة وجهها قبل العدو،
(١) صحيح البخاري، الخوف، باب يَحرس بعضهم بعضاً في صلاة الخوف (ح ٩٤٤).
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده قتادة لم يصرح بالسماع ولكنه توبع بوسطة أبي بشر وهو جعفر بن
أبي وحشية، كما سيأتي في الرواية التالية.
(٣) سقط في الأصل وأُثبت من (حم) و(مح) والمسند.
(٤) زيادة من المسند.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وصححه سنده محققوه (المسند ٣٦٩/٢٣ - ٣٧٠ ح ١٥١٩٠).

٢٠٨
سُوَدَّةُ النِّسَاءِ (١٠٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فصلى بهم ركعة وسجد بهم سجدتين، ثم الذين خلفوا انطلقوا إلى أولئك فقاموا مقامهم
ومكانهم نحو ذا، وجاء أولئك فقاموا خلف رسول الله وَ﴿ فصلى بهم ركعة وسجد بهم
سجدتين، ثم إن رسول الله * جلس فسلم، [وسلم](١) الذين خلفه، وسلم أولئك، فكانت
لرسول الله ◌َ﴿ ركعتين، وللقوم ركعة ركعة، ثم قرأ ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ
الصَّلَوَةَ ... ﴾ الآية (٢).
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن يزيد الفقير، عن
جابر بن عبد الله أن رسول الله وَير، صلى بهم صلاة الخوف، فقام صف بين يديه وصف خلفه،
فصلى بالذين خلفه ركعة وسجدتين، ثم تقدم هؤلاء حتى قاموا في مقام أصحابهم، وجاء أولئك
حتى قاموا في مقام هؤلاء، فصلى بهم رسول الله وَ ◌ّ ركعة وسجدتين ثم سلم، فكانت للنبي وَليه
ركعتين، ولهم ركعة(٣)، ورواه النسائي من حديث شعبة، ولهذا الحديث طرق عن جابر، وهو في
صحيح مسلم من وجه آخر بلفظ آخر(٤)، وقد رواه عن جابر جماعة كثيرون في الصحيح والسنن
والمسانید.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا عبد الله بن المبارك، أنبأنا
معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوَةَ﴾ قال: هي
صلاة الخوف، صلى رسول الله وَله بإحدى الطائفتين ركعة، والطائفة الأخرى مقبلة على العدو،
وأقبلت الطائفة الأخرى التي كانت مقبلة على العدو فصلى بهم رسول الله ومي و [ركعة أخرى ثم
سلم بهم، ثم قامت كل طائفة منهم فصلت(٥) ركعة ركعة(٦)، وقد روى هذا الحديث الجماعة
في كتبهم من طريق معمر به (٧)، ولهذا الحديث طرق كثيرة عن جماعة من الصحابة، وقد أجاد
الحافظ أبو بكر بن مردويه في سرد طرقه وألفاظه، وكذا ابن جرير، ولنحرره في كتاب الأحكام
الكبير، إن شاء الله وبه الثقة.
وأما الأمر بحمل السلاح في صلاة الخوف فمحمول عند طائفة من العلماء على الوجوب
لظاهر الآية، وهو أحد قولي الشافعي، ويدل عليه قول الله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ
بِكُمْ أَذَى مِّن ◌َّطَرٍ أَوْ كُنْتُم مَّرْضَ أَنْ تَضَعُوْاْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾ أي: بحيث تكونون على
أهبة إذا احتجتم إليها لبستموها بلا كلفة ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَفِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ .
(١) زيادة من (حم) و(مح).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٩٨/٣)، وسنده صحيح، وتخريجه كما يلي:
(٤) سنن النسائي، صلاة الخوف ١٧٤/٣، وصحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب صلاة الخوف (ح ٨٤٠).
(٥) سقط في الأصل، وأثبت من (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وأخرجه البخاري من طريق الزهري به مختصراً (صحيح البخاري،
الصلاة، صلاة الخوف)، وأخرجه مسلم من طريق معمر به مختصراً (صحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب
صلاة الخوف ح٨٣٩).
(٧) تقدم في الحاشية تخريجه من الصحيحين وكفى بهما .

٢٠٩
◌ُوَّرَةُ الْنِسَاءِ (١٠٣، ١٠٤)
2- ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَوَةَ فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا أَطْمَأْتَنْتُمْ فَقِيمُوا الصَّلَوَّةَ
إِنَّ الصَّلَوَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا تَّوْقُوتًا (٨٣) وَلَا تَهِنُواْ فِ ابْتِغَاءِ الْقَوْءِّ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ
)﴾.
يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونٌَ وَتَرْجُونَ مِنَ اَللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَُ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا
يأمر الله تعالى بكثرة الذكر عقيب صلاة الخوف وإن كان مشروعاً مرغباً فيه أيضاً بعد غيرها،
ولكن ههنا آكد لما وقع فيها من التخفيف في أركانها، ومن الرخصة في الذهاب فيها والإياب،
وغير ذلك مما ليس يوجد في غيرها، كما قال تعالى في الأشهر الحرم: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ
أَنْفُسَكُمْ﴾ وإن كان هذا منهياً عنه في غيرها، ولكن فيها آكد لشدة حرمتها وعظمتها، ولهذا قال
تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَوَةَ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ أي: في سائر أحوالكم، ثم
قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَطْمَأْتَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَةَ﴾ أي: فإذا أمنتم وذهب الخوف، وحصلت الطمأنينة
﴿فَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ﴾ أي: فأتموها وأقيموها كما أمرتم بحدودها، وخشوعها، وركوعها، وسجودها،
وجميع شؤونها .
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَوَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا مَّوْقُوتًا﴾ قال ابن عباس: أي: مفروضاً (١)،
وكذا روي عن مجاهد وسالم بن عبد الله وعلي بن الحسين ومحمد بن علي والحسن ومقاتل
والسدي وعطية العوفي(٢).
قال عبد الرزاق: عن معمر، عن قتادة ﴿إِنَّ الصَّلَوَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا مَّوْقُوتًا﴾ قال ابن
مسعود: إن للصلاة وقتاً كوقت الحج(٣).
وقال زيد بن أسلم: ﴿إِنَّ الصَّلَوَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا قَّوْقُوتًا﴾ قال: منجماً كلما مضى
نجم جاء نجم(٤)؛ يعني: كلما مضى وقت جاء وقت.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُواْ فِى أَبْتِغَاءِ الْقَوْمِّ﴾ أي: لا تضعفوا في طلب عدوكم، بل جدوا فيهم
وقاتلوهم، واقعدوا لهم كل مرصد ﴿إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونٌَ﴾ أي: كما
يصيبكم الجراح والقتل كذلك يحصل لهم، كما قال تعالى: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ فَوْجٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ
فَرْجٌ مِّثْلُهُ﴾ [آل عمران: ١٤٠]، ثم قال تعالى: ﴿وَرْجُونَ مِنَ اَللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ أي: أنتم وإياهم
سواء فيما يصيبكم وإياهم من الجراح والآلام، ولكن أنتم ترجون من الله المثوبة والنصر والتأييد
كما وعدكم إياه في كتابه وعلى لسان رسوله وَّلير وهو وعد حق، وخبر صدق، وهم لا يرجون
شيئاً من ذلك، فأنتم أولى بالجهاد منهم وأشد رغبة فيه، وفي إقام كلمة الله وإعلائها .
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي: هو أعلم وأحكم فيما يقدره ويقضيه وينفذه ويمضيه من
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٢) ذكر ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه،
وقول الحسن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند
حسن من طريق أسباط عنه، وقول عطية العوفي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق فضيل بن مرزوق عنه.
(٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لعدم سماع قتادة من ابن مسعود (المراسيل ص١٦٨،
١٧٤).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أبي جعفر الرازي عن زيد بن أسلم.

٢١٠
سُورَةُ الْنِسَاءِ (١٠٩،١٠٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أحكامه الكونية [والشرعية](١)، وهو المحمود على كل حال.
- ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ اَلنَّاسِ بِمَآ أَرَكَ اَللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِّلْخَلِّنِينَ
خَصِيمًا (® وَأَسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (﴿ وَلَا تُحَدِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمَّ إِنَّ
اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانَا أَثِمًا (﴿ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ
هَأَنتُمْ هَؤُلَاءِ جَدَلْتُمْ عَنْهُمْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا
مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا
فَمَن يُجَدِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ أَم ◌َن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا ا
يقول تعالى: مخاطباً لرسوله محمد ◌َّهِ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ﴾ أي: هو حق من الله،
وهو يتضمن الحق في خبره وطلبه، وقوله: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَكَ اَللَّهُ﴾ احتج به من ذهب
من علماء الأصول إلى أنه كان ◌َّ ر له أن يحكم بالاجتهاد بهذه الآية، وبما ثبت في الصحيحين
من رواية هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أُم سلمة، عن أم سلمة أن رسول الله وَليل،
سمع جلبة خصم بباب حجرته، فخرج إليهم فقال: ((ألا إنما أنا بشر وإنما أقضي بنحو مما
أسمع، ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما
هي قطعة من النار فليحملها أو ليذرها))(٢).
وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا أسامة بن زيد، عن عبد الله بن رافع، عن أُم سلمة،
قالت: جاء رجلان من الأنصار [يختصمان إلى رسول الله ير في مواريث بينهما قد درست،
ليس عندهما بينة](٣). فقال رسول الله وَ له: ((إنكم تختصمون إليّ وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم أن
يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق
أخيه شيئاً فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها إسطاماً في عنقه يوم القيامة)) فبكى
الرجلان، وقال كل منهما: حقي لأخي، فقال رسول الله ويتليفون: ((أما إذا قلتما فاذهبا فاقتسما، ثم
توخيا الحق بينكما ثم استهما، ثم ليحلل كل منكما صاحبه)) (٤)، وقد رواه أبو داود من حديث
أسامة بن زيد به، وزاد: ((إني إنما أقضي بينكما برأي فيما لم ينزل علي فيه))(٥).
وقد روى ابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس: أن نفراً من الأنصار غزوا مع
رسول الله 18 في بعض غزواته، فسرقت درع لأحدهم، فأظن بها رجل من الأنصار، فأتى
صاحب الدرع رسول الله ص84* فقال: إن طعمة بن أبيرق سرق درعي، فلما رأى السارق ذلك عمد
إليها فألقاها في بيت رجل بريء، وقال لنفر من عشيرته: إني غيبت الدرع وألقيتها في بيت فلان
(١) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: ((والشريعة)) وهو تصحيف.
(٢) صحيح البخاري، الشهادات، باب من أقام البينة بعد اليمين (ح ٢٦٨٠)، وصحيح مسلم، الأقضية، باب
الحكم بالظاهر (ح ١٧١٣).
(٣) ما بين معقوفين سقط من الأصل و(مح)، وأُثبت من (حم).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٢٠/٦)، متفق عليه تقدم تخريجه في الحديث السابق بنحوه.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح٤٥٥).
(٥) أخرجه أبو داود من طريق أسامة به (السنن، الأقضية، باب في قضاء القاضي إذا أخطأ ح٣٥٨٥).

٢١١
سُوَدَّةُ النِّسَّْاءِ (١٠٩،١٠٥)
وستوجد عنده، فانطلقوا إلى نبي الله ◌َ * ليلاً فقالوا: يا نبي الله إن صاحبنا بريء وإن صاحب
الدرع فلان، وقد أحطنا بذلك علماً، فأعذر صاحبنا على رؤوس الناس، وجادل عنه، فإنه إن لم
يعصمه الله بك يهلك، فقام رسول الله وَلقه، فبرأه وعذره على رؤوس الناس، فأنزل الله ﴿إِنّا
أَنَْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِآلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَآ أَرَئِكَ اللَّهُ وَلَا تَكُن لِلْخَلْبِنِينَ خَصِيمًا (® وَأَسْتَغْفِرِ
اللّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴿ وَلَا تُجَدِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ
خَوَّانًا أَشِيمًا (®)﴾(١).
ثم قال تعالى للذين أتوا رسول الله وَ﴿ مستخفين بالكذب: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ
مِنَ اَللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطَا (جَ هَأَنتُمْ هَؤُلاءِ
جَدَلْتُمْ عَنْهُمْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَدِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا
(١٠٩)
يعني: الذين أتوا رسول الله وَطهر مستخفين يجادلون عن الخائنين، ثم قال ◌َ: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا
أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ, ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اَللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا (٣)﴾ [النساء] يعني: الذين أتوا رسول الله وَلَيه
مستخفين بالكذب ثم قال: ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيَةً أَوْ إِنْمَا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ، بَرِيْئًا فَقَدِ أَحْتَمَلَ بُهْتَنَّا وَإِثْمًا مُّبِينًا
(1﴾ [النساء] يعني: السارق والذين جادلوا عن السارق، وهذا سياق غريب، وكذا ذكر مجاهد
وعكرمة وقتادة والسدي وابن زيد وغيرهم في هذه الآية: إنها نزلت في سارق بني أبيرق على
اختلاف سياقاتهم وهي متقاربة(٢).
وقد روى هذه القصة محمد بن إسحاق مطولة، فقال أبو عيسى الترمذي عند تفسير هذه الآية
من جامعه، وابن جرير في تفسيره: حدثنا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب أبو مسلم الحراني،
حدثنا محمد بن سلمة الحراني، حدثنا محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن
أبيه، عن جده قتادة بن النعمان ﴿به، قال: كان أهل بيت منا يقال لهم: بنو أبيرق بشر(٣)
وبشير(٤) ومبشر(٥)، وكان بشير رجلاً منافقاً يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله وَطقية، ثم
ينحله لبعض العرب، ثم يقول: قال فلان: كذا وكذا، وقال فلان: كذا وكذا، فإذا سمع
أصحاب رسول الله ﴿ ذلك الشعر قالوا: والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الرجل الخبيث أو
كما قال الرجل، وقالوا: ابن الأبيرق قالها، قالوا: وكانوا أهل بيت حاجة وفاقة في الجاهلية
والإسلام، وكان الناس إنما طعامهم بالمدينة التمر والشعير، وكان الرجل إذا كان له يسار فقدمت
ضافطة(٦) من الشام من الدَّرمَك(٧) ابتاع الرجل منها فخص بها نفسه، وأما العيال فإنما طعامهم
(١) أخرجه الطبري من طريق العوفي عن ابن عباس، وسنده ضعيف.
(٢) أخرج هذه الآثار الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضاً ويتقوى أيضاً بالرواية المرفوعة التالية.
(٣) بشر هو ابن الحارث بن عمرو بن حارثة الظفري الأنصاري صحابي (الاستيعاب ١٥٤/١).
(٤) بشير هو أبو طعمة بن الحارث الأنصاري الشاعر وكان منافقاً يهجو النبي ێے، أسلم وشهد أُحد ثم ارتد
سنة أربع (السيرة لابن هشام ٥٢٤/١)، والاستيعاب ١٥٤/١.
(٥) هو ابن الحارث بن عمرو الأنصاري شهد أحداً صحابي (الاستيعاب ٤٥٦/٣).
(٦) ضافطة: الضافط الذي يجلب الميرة والمتاع إلى المدن (النهاية ٩٤/٣).
(٧) الدرمك: الدقيق النقي الأبيض (النهاية ١١٤/٢).

٢١٢
• سُوَرَُّ النِّسَاءِ (١٠٩،١٠٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
التمر والشعير، فقدمت ضافطة من الشام فابتاع عمي رفاعة بن زيد حملاً من الدرمك فجعله في
مشربة له، وفي المشربة(١) سلاح ودرع وسيف، فعدي عليه من تحت البيت، فنقبت المشربة،
وأخذ الطعام والسلاح. فلما أصبح أتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي، إنه قد عدي علينا في
ليلتنا هذه، فنقبت مشربتنا، فذهب بطعامنا وسلاحنا، قال: فتحسسنا في الدار وسألنا، فقيل لنا:
قد رأينا بني أبيرق استوقدوا في هذه الليلة ولا نرى فيما نرى إلا على بعض طعامكم، قال:
وكان بنو أبيرق قالوا - ونحن نسأل في الدار -: والله ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل (٢) رجلاً
منا له صلاح وإسلام، فلما سمع لبيد اخترط سيفه وقال: أنا أسرق؟! والله ليخالطنكم هذا
السيف أو لتبينن هذه السرقة، قالوا: إليك عنا أيها الرجل فما أنت بصاحبها، فسألنا في الدار
حتى لم نشك أنهم أصحابها، فقال لي عمي: يا ابن أخي لو أتيت رسول الله - * فذكرت ذلك
له، قال قتادة: فأتيت رسول الله وَلقر فقلت: إن أهل بيت منا أهل جفاء عمدوا إلى عمي رفاعة بن
زيد فنقبوا مشربة له، وأخذوا سلاحه وطعامه فليردوا علينا سلاحنا، فأما الطعام، فلا حاجة لنا
فيه، فقال النبي ◌ّجر: ((سآمر في ذلك))، فلما سمع بذلك بنو أبيرق أتوا رجلاً منهم يقال له:
أسير بن عروة(٣) فكلموه في ذلك، فاجتمع في ذلك أناس من أهل الدار فقالوا: يا رسول الله،
إن قتادة بن النعمان (٤) وعمه، عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من
غير بينة ولا ثبت، قال قتادة: فأتيت النبي ◌َ﴿ فكلمته، فقال: ((عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم
إسلام وصلاح، ترميهم بالسرقة على غير بينة ولا ثبت))، قال: فرجعت ولوددت أني خرجت من
بعض مالي ولم أكلم رسول الله وَ ير في ذلك، فأتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي ما صنعت؟
فأخبرته بما قال لي رسول الله وَ ﴿، فقال: ((الله المستعان))، فلم نلبث أن نزل القرآن ﴿إِنَّ أَنزَلْنَآَ
إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِآلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَّا أَرَكَ اَللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَيِنِينَ خَصِيمًا (٣)﴾ يعني: بني
أبيرق، ﴿وَأَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ أي: مما قلت لقتادة ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا زَّحِيمًا (٨) وَلَا تُحَدِلْ عَنِ
الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمَّ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (﴿ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ
اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿رَّحِيمًا﴾ أي: لو استغفروا الله لغفر لهم ﴿وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا
يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [النساء: ١١١] إلى قوله: ﴿وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ قولهم للبيد ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ
وَرَحْمَتُهُ﴾ إلى قوله: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيدٍ أَبْرًا عَظِيمًا﴾ فلما نزل القرآن أتى رسول الله ربَطّر بالسلاح فرده إلى
رفاعة، فقال قتادة: لما أتيت عمي بالسلاح وكان شيخاً قد عسى أو عشي - الشك من أبي
عيسى - في الجاهلية وكنت أرى إسلامه مدخولاً(٥) لما أتيته بالسلاح قال: يا ابن أخي هو في
سبيل الله، فعرفت أن إسلامه كان صحيحاً، فلما نزل القرآن لحق بشير بالمشركين، فنزل على
(١) المشربة: الغرفة (النهاية ٤٥٥/٢).
(٢) لبيد بن سهل بن الحارث بن عروة الظفري الأنصاري صحابي جليل (الاستيعاب ٣١١/٣ والإصابة ٣/
٣٠٩).
(٣) أسير بن عروة بن سواد بن الهيثم الظفري الأنصاري صحابي جليل (الاستيعاب ٤٠/١ والإصابة ٦٥/١).
(٤) قتادة بن النعمان بن زيد بن عامر الظفري الأنصاري صحابي جليل (الاستيعاب ٣٨/٣، والإصابة ٢١٧/٣).
(٥) أي غشاً وخدعة.

٢١٣
• سُدَّةُ الْنِسَاءِ (١٠٩،١٠٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
سلافة بنت سعد بن سمية، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ
﴿١) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ
غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ، جَهَتَّمٌ وَسَآءَتْ مَصِيرًا
﴾ [النساء] فلما نزل على سلافة
مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَا بَعِيدًا
بنت سعد(١)، رماها(٢) حسان بن ثابت بأبيات من شعر فأخذت رحله فوضعته على رأسها ثم
خرجت به، فرمته في الأبطح، ثم قالت: أهديت لي شعر حسان ما كنت تأتيني بخير. لفظ
الترمذي، ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعلم أحداً أسنده غير محمد بن سلمة
الحراني(٣). ورواه يونس بن بكير وغير واحد عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة
مرسلاً لم يذكروا فيه، عن أبيه، عن جده(٤).
ورواه ابن أبي حاتم عن هاشم بن القاسم الحراني، عن محمد بن سلمة به ببعضه. ورواه ابن
المنذر في تفسيره: حدثنا محمد بن إسماعيل - يعني الصائغ -، حدثنا الحسن بن أحمد بن شعيب
الحراني، حدثنا محمد بن سلمة ... فذكره بطوله. ورواه أبو الشيخ الأصبهاني في تفسيره عن
محمد بن العباس بن أيوب والحسن بن يعقوب، كلاهما عن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب
الحراني، عن محمد بن سلمة به، ثم قال في آخره: قال محمد بن سلمة: سمع مني هذا
الحديث يحيى بن معين وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إسرائيل، وقد روى هذا الحديث الحاكم
أبو عبد الله النيسابوري في كتابه المستدرك عن أبي العباس الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار
العطاردي، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق بمعناه أتم منه وفيه الشعر، ثم قال: وهذا
حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه(٥).
وقوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيْتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ
اُلْقَوْلِ﴾، هذا إنكار على المنافقين في كونهم يستخفون بقبائحهم من الناس لئلا ینکروا علیھم،
ويجاهرون الله بها، لأنه مطلع على سرائرهم وعالم بما في ضمائرهم، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ
إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ تهديد لهم ووعيد. وقد قال الطبراني:
ثنا الحسين بن إسحاق التُستري، ثنا يعقوب بن حميد، ثنا عبد الله بن موسى، عن عبد الحميد بن
جعفر، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سعيد بن جبير الأزدي أنه قال للنبي وَّ: أوصني. قال:
((أوصيك أن تستحي من الله كما تستحي من الرجل الصالح من قومك))(٦). ثم قال تعالى:
(١) سلافة بنت سعد بن شهيد بن عمرو بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك الأنصارية صحابية جليلة (ينظر: سيرة
ابن هشام ٢/ ٦٢، ٧٤، وجمهرة أنساب العرب ٣٣٤/٢).
(٢) أي هجاها .
(٣) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وتعليقه (السنن، تفسير سورة النساء ح٣٠٣٦)، وسنده حسن وصححه الألباني
في صحيح سنن الترمذي، وتخريجه كما يلي.
(٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم وابن المنذر في تفاسيرهم بالأسانيد المذكورة مع تفاوت في بعض الألفاظ،
وأخرجه الحاكم من طريق يونس بن بكير به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٨٥/٤)، وتشهد له
الآثار السابقة لهذا الحديث.
(٥) زيادة من (مح) ولا يوجد في النسخ المطبوعة، وسنده مرسل.
(٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.

٢١٤
سُورَةُ الْنِسْخَاءِ (١١٠، ١١٣)
﴿هَأَنْتُمْ هَؤُلَاءٍ جَدَلْتُمْ عَنْهُمْ فِى الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَدِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ أَمْ مَن يَكُونُ عَلَهِمْ
وَكِيلًا ﴾﴾ أي: هب أن هؤلاء انتصروا في الدنيا بما أبدوه أو أبدي لهم عند الحكام الذين
يحكمون بالظاهر وهم متعبدون بذلك، فماذا يكون صنيعهم يوم القيامة بين يدي الله تعالى الذي
يعلم السر وأخفى؟ ومن ذا الذي يتوكل لهم يومئذٍ يوم القيامة في ترويج دعواهم؟ أي: لا أحد
يومئذٍ يكون لهم وكيلاً، ولهذا قال: ﴿أَم مَن يَكُونُ عَلَهِمْ وَكِيلًا﴾ .
- ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ, ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴿ وَمَن يَكْسِبْ
إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ, عَلَى نَفْسِهِ، وَكَانَ اَللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴿ وَمَن يَكْسِبْ خَطِيَّةً أَوْ إِنَّمَا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ، بَرِيّنًا
فَقَدِ أَحْتَمَلَ بُهَّْا وَإِنَّمَا مُّبِينًا ( وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَمَّت ◌َآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُوكَ وَمَا
يُضِلُّونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمَّ وَمَا يَضُرُونَكَ مِن شَىْءٍ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن
تَعْلَمْ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا
يخبر تعالى عن كرمه وجوده أن كل من تاب إليه، تاب عليه من أي ذنب كان. فقال تعالى:
﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾﴾ قال علي بن أبي
طلحة، عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: أخبر الله عباده بعفوه وحلمه وكرمه، وسعة رحمته،
ومغفرته فمن أذنب ذنباً صغيراً كان أو كبيراً ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ولو كانت
ذنوبه أعظم من السموات والأرض والجبال رواه ابن جرير(١).
وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا محمد بن مثنى، حدثنا محمد بن أبي عدي، حدثنا شعبة، عن
عاصم، عن أبي وائل، قال: قال عبد الله: كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم ذنباً أصبح قد كتب
كفارة ذلك الذنب على بابه، وإذا أصاب البول منه شيئاً قرضه بالمقاريض فقال رجل: لقد آتى الله
بني إسرائيل خيراً، فقال عبد الله : ما آتاكم الله خير مما آتاهم، جعل الماء لكم طهوراً،
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:
١٣٥]، وقال: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا (٥)﴾ (٢).
وقال أيضاً: حدثني يعقوب، حدثنا هشيم، عن ابن عون، عن حبيب بن أبي ثابت، قال:
جاءت امرأة إلى عبد الله بن مغفل فسألته عن امرأة فجرت فحبلت، فلما ولدت قتلت ولدها، قال
عبد الله بن مغفل: لها النار، فانصرفت وهي تبكي فدعاها ثم قال: ما أرى أمرك إلا أحد
أمرين: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ, ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾ قال:
فمسحت عينها ثم مضت(٣).
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شعبة، عن عثمان بن المغيرة، قال:
سمعت علي بن ربيعة من بني أسد يحدث عن أسماء أو ابن أسماء من بني فزارة، قال: قال
علي ظُه: كنت إذا سمعت من رسول الله وَ لقول شيئاً نفعني الله بما شاء أن ينفعني منه. وحدثني
(١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة به.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحبيب بن أبي ثابت لم يصرح بالسماع وهو كثير الإرسال والتدليس كما في التقريب.

٢١٥
• سُوَرَةُ الْنِشَكَّاءِ (١١٠، ١١٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أبو بكر - وصدق أبو بكر - قال: قال رسول الله وييقول: (ما من مسلم يذنب ذنباً، ثم يتوضأ ثم
يصلي ركعتين ثم يستغفر الله لذلك الذنب، إلا غفر له)) وقرأ هاتين الآيتين ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ
﴾، ﴿﴿وَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ فَظَلَمُواْ
يَظْلِمْ نَفْسَهُ, ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا
أَنْفُسَهُمْ ... ﴾ [آل عمران: ١٣٥] الآية. وقد تكلمنا على هذا الحديث وعزيناه إلى من رواه من
◌ُه، وقد تقدم بعض
أصحاب السنن، وذكرنا ما في سنده من مقال في مسند أبي بكر الصديق
ذلك في سورة آل عمران أيضاً (١).
وقد رواه ابن مردويه في تفسيره من وجه آخر عن علي فقال: حدثنا أحمد بن محمد بن زياد،
حدثنا إبراهيم بن إسحاق الحربي، حدثنا داود بن مهران الدباغ، حدثنا عمر بن يزيد، عن أبي
إسحاق، عن عبد خير، عن علي، قال: سمعت أبا بكر - هو الصدوق - يقول: سمعت
رسول الله وَ﴿ يقول: ((ما من عبد أذنب فقام فتوضأ فأحسن وضوءه، ثم قام فصلى واستغفر من
ذنبه، إلا كان حقاً على الله أن يغفر له)) لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ, ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ
اَللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾﴾ ثم رواه من طريق أبان بن أبي عياش عن أبي إسحاق السبيعي،
عن الحارث، عن علي، عن الصديق، بنحوه، وهذا إسناد لا يصح(٢).
وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن علي بن دُحيم، حدثنا أحمد بن حازم، حدثنا موسى بن
مروان الرقي، حدثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي، عن تمام بن نجيح، حدثني كعب بن ذهل
الأزدي قال: سمعت أبا الدرداء يحدث قال: كان رسول الله ﴿ إذا جلسنا حوله، وكانت له
حاجة فقام إليها وأراد الرجوع، ترك نعليه في مجلسه أو بعض ما عليه، وأنه قام فترك نعليه، قال
أبو الدرداء: فأخذ ركوة من ماء فاتبعته فمضى ساعة ثم رجع ولم يقض حاجته، فقال: ((إنه أتاني
آت من ربي فقال: إنه ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ, ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا
( فأردت أن أبشر أصحابي)).
قال أبو الدرداء: وكانت قد شقَّت على الناس الآية التي قبلها ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾
[النساء: ١٢٣] فقلت: يا رسول الله، وإن زنى وإن سرق، ثم استغفر ربه غفر له؟ قال: ((نعم)). ثم
قلت الثانية، قال: ((نعم)). قلت الثالثة، قال: ((نعم، وإن زنى وإن سرق ثم استغفر الله، غفر الله
له على رغم أنف عويمر)). قال: فرأيت أبا الدرداء يضرب أنف نفسه بأصبعه، هذا حديث غريب
جداً من هذا الوجه بهذا السياق، وفي إسناده ضعف(٣).
وقوله: ﴿وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ, عَلَى نَفْسِهِ، ... ) الآية، كقوله تعالى: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ
وِزْدَ أُخْرَىَّ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةُ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبٌ﴾ [فاطر: ١٨] يعني: أنه لا
يغني أحد عن أحد، وإنما على كل نفس ما عملت لا يحمل عنها غيرها، ولهذا قال تعالى:
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي: من علمه وحكمته، وعدله ورحمته كان ذلك، ثم قال: ﴿وَمَنْ
(١) تقدم تخريجه وتحسينه في تفسير سورة آل عمران آية ١٣٥.
(٢) ولكن له شواهد تقدمت في تفسير سورة آل عمران آية ١٣٥.
(٣) وهو كما قال، فإن تمام بن نجيح ضعيف، وكعب بن ذهل فيه لين (التقريب ص ١٣٠ و٤٦١).

٢١٦
• سُورَةُ الْنِسَاءِ (١١٤، ١١٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
يَكْسِبْ خَطِيْئَةً أَوْ إِنْمَا ثُمَّ يَرْمِ ◌ِهِ، بَرِيْئًا فَقَدِ أَحْتَمَلَ بُهْتَنَا وَإِثْمًا مُّبِينًا (1)﴾ يعني: كما اتهم بنو أبيرق
بصنيعهم القبيح ذلك الرجل الصالح وهو لبيد بن سهل كما تقدم في الحديث(١) أو زيد بن
السمين اليهودي على ما قاله الآخرون، وقد كان بريئاً وهم الظلمة الخونة، كما أطلع الله على
ذلك رسوله *، ثم هذا التقريع وهذا التوبيخ عام فيهم وفي غيرهم ممن اتصف بصفتهم فارتكب
مثل خطيئتهم، فعليه مثل عقوبتهم.
وقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَمَّت ◌َآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوَكَ وَمَا يُضِلُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمّ
وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْءٍ﴾.
وقال الإمام ابن أبي حاتم: أنبأنا هاشم بن القاسم الحراني فيما كتب إلي، حدثنا محمد بن
سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري، عن أبيه، عن جده
قتادة بن النعمان، وذكر قصة بني أبيرق، فأنزل الله: ﴿لََّّت ظَائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا
يُضِلُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمّ وَمَا يَضُرُونَكَ مِن شَىْءٍ﴾ يعني: أسير بن عروة وأصحابه(٢)، يعني بذلك لما
أثنوا على بني أبيرق ولاموا قتادة بن النعمان في كونه اتهمهم وهم صلحاء برآء، ولم يكن الأمر
كما أنهوه إلى رسول الله وَ له، ولهذا أنزل الله فصل القضية وجلاءها لرسول الله وحضر ثم امتن عليه
بتأييده إياه في جميع الأحوال، وعصمته له، وما أنزل عليه من الكتاب وهو القرآن والحكمة،
وهي السنة ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمَّ﴾ أي: قبل نزول ذلك عليك، كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ
رُمَا مِنْ أَمْرِنَأْ مَا كُنْتَ تَدْرِى مَا الْكِتَبُ وَلَ الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَهُ نُورًا تَهْدِى بِهِ، مَنْ ثَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَأْ وَإِنَّكَ
(يَا صِرَطِ اللَّهِ اَلَّذِى لَهُ مَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِّ أَلَاّ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ
لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ
﴾ [الشورى]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كُتَ تَرْجُوَاْ أَنْ يُلْقَىَ إِلَيْكَ الْكِتَبُ إِلَّا رَحْمَةٌ مِّنْ زَيِّكٌ﴾
[القصص: ٨٦] ولهذا قال: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ .
﴿﴿ لَّا خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَئُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَحِ بَيْنَ
النَّاسِّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْثِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (3) وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا
نَبَيَّنَ لَهُ اُلْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ، جَهَنَّمٌ وَسَآءَتْ مَصِيرًا
يقول تعالى: ﴿لَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَئُهُمْ﴾ يعني: كلام الناس ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ
مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَحِ بَيْنَ النَّاسِِّ﴾ أي: إلا نجوى من قال ذلك: كما جاء في الحديث الذي رواه
ابن مردويه: حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم، حدثنا محمد بن سليمان بن الحارث، حدثنا
محمد بن يزيد بن خُنيس، قال: دخلنا على سفيان الثوري نعوده، فدخل عليه سعيد بن حسان
المخزومي، فقال له سفيان الثوري: الحديث الذي كنت حدثتنيه عن أم صالح، أردده علي،
فقال: حدثتني أُم صالح، عن صفية بنت شيبة، عن أم حبيبة، قالت: قال رسول الله وَلفي: ((كلام
ابن آدم كله عليه لا له ما خلا أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، وذكر الله)) فقال محمد بن یزید:
ما أشد هذا الحديث فقال سفيان وما شدة هذا الحديث؟ إنما جاءت به امرأة عن امرأة هذا في
(١) تقدم تحسينه في تفسير الآية ١٠٦ - ١٠٨ من هذه السورة.
(٢) تقدم تخريجه وتحسينه مطولاً كاملاً.

٢١٧
سُورَةُ الْنِسَخَّاء (١١٤، ١١٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
كتاب الله الذي أرسل به نبيكم وَ له: أَوَ ما سمعت الله يقول في كتابه: ﴿لَّ خَيْرَ فِ كَثِيرٍ مِّن
نَجْوَهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِِ﴾؟ فهو هذا بعينه، أَوَ ما سمعت الله
يقول: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَئِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٨)﴾ [النبأ] فهو
هذا بعينه، أَوَ ما سمعت الله يقول في كتابه: ﴿وَاَلْعَصْرِ ﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ ﴾ إِلَّا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَتَوَصَوْاْ بِالْحَقِّ وَنَوَاصَوْ بِالصَّبْرِ ﴾﴾ [العصر] فهو هذا بعينه(١).
وقد روى هذا الحديث الترمذي وابن ماجه من حديث محمد بن يزيد بن خُنَيس، عن سعيد بن
حسان به، ولم يذكر أقوال الثوري إلى آخرها، ثم قال الترمذي: حديث غريب، لا يعرف إلا من
حديث ابن خُنَيس(٢).
وقال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، حدثنا صالح بن كيسان، حدثنا محمد بن
مسلم بن عبيد الله بن شهاب أن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أخبره أن أمه أم كلثوم بنت عقبة
أخبرته أنها سمعت رسول الله وسلم يقول: ((ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيراً، أو
يقول خيراً))، وقالت: لم أسمعه يرخص في شيء مما يقوله الناس إلا في ثلاث: في الحرب
والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها، قال: وكانت أم كلثوم
بنت عقبة من المهاجرات اللاتي بايعن رسول الله صل﴾(٣). وقد رواه الجماعة سوى ابن ماجه من
طرق عن الزهري به نحوه(٤).
قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مُرة، عن سالم بن أبي
الجعد، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله وَله: ((ألا أخبركم بأفضل من
درجة الصيام، والصلاة، والصدقة؟)) قالوا: بلى يا رسول الله. قال: ((إصلاح ذات البين))، قال:
((وفساد ذات البين هي الحالقة)). ورواه أبو داود والترمذي من حديث أبي معاوية، وقال
الترمذي: حسن صحيح (٥).
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن عبد الرحیم، حدثنا سریج بن یونس، حدثنا
عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر، حدثنا أبي، عن حميد، عن أنس أن النبي وَّ و قال لأبي أيوب:
((ألا أدلك على تجارة؟)) قال: بلى يا رسول الله. قال: ((تسعى في إصلاح بين الناس إذا تفاسدوا،
وتقارب بينهم إذا تباعدوا)) ثم قال البزار: وعبد الرحمن بن عبد الله العمري: لين، وقد حدث
(١) في سنده سعيد بن حسان المخزومي: صدوق له أوهام (التقريب ص٢٣٤)، ومحمد بن يزيد بن خُنيس:
مقبول (التقريب ص٥١٣).
(٢) سنن الترمذي، كتاب الزهد، باب رقم ٦٢ (ح ٢٤١٢)، وسنن ابن ماجه، الفتن، باب كف اللسان في الفتن
(ح٣٩٧٤)، وسنده ضعيف كسابقه في رواية ابن مردويه.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٠٣/٦) وهو حديث متفق عليه كما يلي.
(٤) صحيح البخاري، الصلح، باب ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس (ح٢٦٩٢)، وصحيح مسلم، البر
والصلة، باب تحریم الكذب وبيان المباح منه (ح٢٦٠٥).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٤٤/٦ و٤٤٥)، وأخرجه أبو داود (السنن، الأدب، باب في
إصلاح ذات البين ح٤٩١٩)، والترمذي كلاهما عن أبي معاوية به، وصححه الترمذي (السنن، كتاب صفة
القيامة ح٢٥٠٩) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٠٣٧).

٢١٨
• سُورَةُ النِّسَّاءِ (١١٦، ١٢٢)
بأحاديث لم يتابع عليها(١). ولهذا قال: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ أي: مخلصاً في
ذلك محتسباً ثواب ذلك عند الله وَت: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي: ثواباً جزيلاً كثيراً واسعاً.
وقوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ أي: ومن سلك غير طريق الشريعة التي
جاء بها الرسول و ، فصار في شق، والشرع في شق، وذلك عن عمد منه بعدما ظهر له الحق
وتبین له واتضح له.
وقوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا ملازم للصفة الأولى، ولكن قد تكون المخالفة لنص
الشارع، وقد تكون لما اجتمعت عليه الأمة المحمدية فيما علم اتفاقهم عليه تحقيقاً، فإنه قد
ضمنت لهم العصمة في اجتماعهم من الخطأ تشريفاً لهم وتعظيماً لنبيهم، وقد وردت أحاديث
صحيحة كثيرة في ذلك، قد ذكرنا منها طرفاً صالحاً في كتاب أحاديث الأصول، ومن العلماء من
ادعى تواتر معناها، والذي عول عليه الشافعي تَُّ في الاحتجاج على كون الإجماع حجة(٢)
تحرم مخالفته هذه الآية الكريمة بعد التروي والفكر الطويل، وهو من أحسن الاستنباطات
وأقواها، وإن كان بعضهم قد استشكل ذلك فاستبعد الدلالة منها على ذلك، ولهذا توعد تعالى
على ذلك بقوله: ﴿نُوَلّهِ، مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ، جَهَنَّمٌ وَسَآءَتْ مَصِيرًا﴾ أي: إذا سلك هذه الطريق جازيناه
على ذلك بأن نحسنها في صدره ونزينها له استدراجاً له، كما قال تعالى: ﴿فَذَرْنِ وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا
اْحَدِيثِّ سَفَتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [القلم]، وقال تعالى: ﴿فَلَمَا زَاغُواْ أَزَاغَ اَللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:
٥]، وقوله: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِى ◌ُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠] وجعل النار مصيره في الآخرة، لأن من
أَحْشُرُواْ الَّذِينَ ظَلَمُوا
خرج عن الهدى لم يكن له طريق إلا إلى النار يوم القيامة، كما قال تعالى:
وَأَزْوَجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ (١٨٧ مِن دُونِ اللَّهِ فَأَهْدُوهُمْ إِلَى صِرَطِ الْجَحِيمِ (َ﴾ [الصافات]، وقال تعالى: ﴿وَرَءَ
اُلْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّواْ أَنَّهُم ◌ُّوَافِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفًا (13)﴾ [الكهف].
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ
1
ضَلَلَا بَعِيدًا (٣٦) إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلَّ إِنَثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَنَّا قَرِيدًا ( لَعَنَهُ اللَّهُ
وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمِنِيَنَّهُمْ وَلَمُرَنَّهُمْ فَيُبَيْكُنَّ ءَاذَانَ
وَقَالَـ لَأَتَّخِذَنَ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا (4)
اُلْأَنْعَمِ وَلَمُهَنَّهُمْ فَيُغَيُِّنَ خَلْقَ اَللَّهِّ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيَا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ
خُسْرَانًا مُبِينًا ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيِهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُرًا (١٢) أُوْلَكَ مَأْوَنَهُمْ جَهَنَّهُ وَلَا
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصََّلِحَتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ
يَجِدُونَ عَنْهَا مِيصًا
١٣٢
خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا
قد تقدم الكلام على هذه الآية الكريمة، وهي قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا
دُونَ ذَلِكَ ... ﴾ الآية(٣)، وذكرنا ما يتعلق بها من الأحاديث في صدر هذه السورة، وقد روى
الترمذي: حديث ثوير بن أبي فاختة سعيد بن علاقة، عن أبيه، عن علي نظرته أنه قال: ما في
(١) أخرجه البزار بسند ومتنه وتعليقه وتضعيفه (مختصر زوائد مسند البزار ٢٢٢/٢ ح ١٧٤١).
(٢) ينظر: ((الرسالة)) للإمام الشافعي ص ٤٧١.
(٣) تقدم في هذه السورة آية ٤٨.

٢١٩
• سُوَّرَةُ النَّسَاءِ (١١٦، ١٢٢)
000000000000000000000000000000000000 000000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 000 000
القرآن آية أحب إليّ من هذه الآية ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾،
ثم قال: هذا حسن غريب (١).
وقوله: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَا بَعِيدًا﴾ أي: فقد سلك غير الطريق الحق، وضل عن
الهدى وبعد عن الصواب، وأهلك نفسه وخسرها في الدنيا والآخرة، وفاتته سعادة الدنيا
والآخرة.
وقوله: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِ: إِلَّ إِنَاثًا﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمود بن
غيلان، أنبأنا الفضل بن موسى، أخبرنا الحسن بن واقد، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية،
عن أبي بن كعب قال: مع كل صنم جنية(٢).
وحدثنا أبي، حدثنا محمد بن سلمة الباهلي، عن عبد العزيز بن محمد، عن هشام - يعني ابن
عروة -، عن أبيه، عن عائشة ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ: إِلَّ إِنَثًا﴾ قالت: أوثاناً (٣). وروي عن أبي
سلمة بن عبد الرحمن وعروة بن الزبير ومجاهد وأبي مالك والسدي ومقاتل بن حيان، نحو
ذلك (٤).
وقال جويبر، عن الضحاك في الآية: قال المشركون: إن الملائكة بنات الله، وإنما نعبدهم
ليقربونا إلى الله زلفى، قال: فاتخذوهن أرباباً، وصوروهن جواري فحكموا وقلدوا، وقالوا:
هؤلاء يشبهن بنات الله الذي نعده؛ يعنون: الملائكة(٥).
وَمَنَّوَةَ الثَّالِثَةَ الْأَخْرَى ٣ أَلَكُمُ
وهذا التفسير شبيه بقول الله تعالى: ﴿أَفَرَّيْتُمُ الَّتَ وَالْعُزَّى )
الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنَ ® ◌ِّكَ إِذَا قِسْمَةٌ ضِيرَةٌ ﴿ إِنْ هِىَ إِلَّ أَسْمَاءٌ سَيْتُهُوهَا أَنتُمْ وَءَآبَا ؤُكُمْ مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن
سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ١٩ - ٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ الْمَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ إِنَتَأْ أَشَهِدُواْ
(1)﴾ [الزخرف]، وقال: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اَلِنَّةِ فَسَبَّأَ وَلَقَدْ عَلِمَتِ اَلِنَّةُ
خَلْقَهُمْ سَتُكْنَبُ شَهَدَتُهُمْ وَيُسْتَلُونَ
﴾ [الصافات].
إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ﴿١٢ سُبْحَنَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ
وقال علي بن أبي طلحة والضحاك، عن ابن عباس ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ: إِلَّ إِنَاثًا﴾ قال:
يعني موتى (٦). وقال مبارك - يعني: ابن فضالة -، عن الحسن: إن يدعون من دونه إلا إناثاً. قال
الحسن: الإناث كل شيء ميت ليس فيه روح، إما خشبة يابسة وإما حجر يابس. ورواه ابن أبي
حاتم وابن جرير(٧)، وهو غريب.
(١) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وتعليقه (السنن، تفسير سورة النساء ح ٣٠٣٧) وسنده ضعيف بسبب ثوير:
ضعيف ورمي بالرفض (التقريب ص١٣٥).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده الحسين بن واقد: صدوق يهم لكنه يتقوى بالشاهد التالي.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٤) ذكرهم ابن حاتم كلهم بحذف السند، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح
عنه، وقول أبي مالك وهو الغفاري أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق حصين عنه، وقول السدي
أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق جويبر به، وسنده ضعيف لضعف جويبر.
(٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.

٢٢٠
• سُورَةُ الْنِسَاءِ (١١٦، ١٢٢)
000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0
وقوله: ﴿وَإِن يَدْعُونَ إِلَّ شَيْطَنَا قَرِيدًا﴾ أي: هو الذي أمرهم بذلك وحسنه وزينه لهم،
﴿ أَلَمْ أَعْهَذْ إِلَيْكُمْ يَلَبَنِيّ ءَادَمَ أَن لَا
وهم إنما يعبدون إبليس في نفس الأمر، كما قال تعالى:
تَعْبُدُواْ الشَّيْطَنِّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾﴾ [يس]. وقال تعالى إخباراً عن الملائكة أنهم يقولون يوم
القيامة عن المشركين الذين ادعوا عبادتهم في الدنيا: ﴿بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ آلْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِم ◌ُؤْمِنُونَ﴾
[سبأ: ٤١].
وقوله: ﴿لَّعَنَّهُ اللَّهُ﴾ أي: طرده وأبعده من رحمته، وأخرجه من جواره، وقال: ﴿لَأَتَّخِذَنَ مِنْ
عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾ أي: معيناً مقدراً معلوماً.
قال مقاتل بن حيان: من كل ألف، تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة(١).
﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ أي: عن الحق، ﴿وَلَأُمِنِّيَنَّهُمْ﴾ أي: أزين لهم ترك التوبة، وأعدهم الأماني، وآمرهم
بالتسويف والتأخير، وأغرهم من أنفسهم، وقوله: ﴿وَلَ مُرَنَّهُمْ فَيُبَتِكُنَّ ءَاذَانَ اُلْأَنْعَِ﴾.
قال قتادة والسدي وغيرهما: يعني تشقيقها وجعلها سمة وعلامة للبحيرة والسائبة والوصيلة (٢).
﴿وَلَ مُهُنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَ خَلْقَ اَللَّهِ ﴾، قال ابن عباس: يعني بذلك خصي الدواب(٣)، وقد روي
عن ابن عمر وأنس وسعيد بن المسيب وعكرمة وأبي عياض وقتادة وأبي صالح والثوري(٤).
وقد ورد في حديث النهي عن ذلك، وقال الحسن بن أبي الحسن البصري: يعني بذلك
الوشم (٥).
وفي صحيح مسلم، النهي عن الوشم في الوجه، وفي لفظ: لعن الله من فعل ذلك(٦).
وفي الصحيح عن ابن مسعود أنه قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات
والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله ، ثم قال: ألا ألعن من لعن
رسول الله وَّهُ وهو في كتاب الله رَكُ(٧)؛ يعني قوله: ﴿وَمَآ ءَائَنَّكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنْكُمْ عَنْهُ
فَأَنْتَهُواْ﴾ [الحشر: ٧]. وقال ابن عباس في رواية عنه ومجاهد وعكرمة وإبراهيم النخعي والحسن
وقتادة والحكم والسدي والضحاك وعطاء الخراساني في قوله: ﴿وَلَّمُنَّهُمْ فَلَيُغَيَُِّ خَلْقَ اَللَّهِ ﴾
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عن مقاتل لكنه معضل منقطع ويشهد له الحديث
القدسي: يقول الله من يوم القيامة: يا آدم فيقول: لبيك ربنا وسعديك. فيُنادَي بصوت: إن الله يأمرك أن
تخرج ذريتك بعثاً إلى النار. قال: يا رب وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعين .. (أخرجه
البخاري في صحيحة، التفسير باب ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكََرَى﴾ [الحج: ٢] ح ٤٧٤١).
(٢) قول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وقول السدي أخرجه ابن أبي حاتم بسند
حسن من طريق أسباط عنه.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عمار بن أبي عمار عن ابن عباس.
(٤) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وأخرج الطبري بعض الآثار بأسانيد ثابتة.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق يونس بن أبي إسحاق السبيعي عن الحسن.
(٦) أخرجهما مسلم من حديث جابر مرفوعاً (الصحيح، اللباس والزينة، باب النهي عن ضرب الحيوان ح٢١١٦
و ٢١١٧).
(٧) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَمَآ ءَالَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] (ح٤٨٨٦)، وصحيح مسلم،
اللباس، باب تحريم فعل الواصلة والمستوصلة (ح٢١٢٥).