النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
• سُوَّرَُّ النِّسَاءِ (٧٥، ٧٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُرْ لَمَنْ لَّيْبَطْئَةٌ﴾ قال مجاهد وغير واحد: نزلت في المنافقين(١).
وقال مقاتل بن حيان: ﴿لَّيْطِئَةٌ﴾ أي: ليتخلفن عن الجهاد(٢). ويحتمل أن يكون المراد أنه
يتباطأ هو في نفسه، ويبطئ غيره عن الجهاد كما كان عبد الله بن أبي بن سلول - قبحه الله -
يفعل، يتأخر عن الجهاد ويثبط الناس عن الخروج فيه. وهذا قول ابن جريج وابن جرير(٣)،
ولهذا قال تعالى إخباراً عن المنافق أنه يقول إذا تأخر عن الجهاد: ﴿فَإِنْ أَصَبَتَّكُ مُصِيبَةٌ﴾ أي:
قتل وشهادة وغلب العدو لكم لما لله في ذلك من الحكمة ﴿قَالَ قَدْ أَنْهُمَ اَللَّهُ عَلَىَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَعَهُمْ
شَهِيدًا﴾ أي: إذ لم أحضر معهم وقعة القتال يعد ذلك من نعم الله عليه، ولم يدر ما فاته من
الأجر في الصبر أو الشهادة إن قتل.
﴿وَلَبِنْ أَصَبَّكُمْ فَضْلٌ مِّنَ اَللَّهِ﴾ أي: نصر وظفر وغنيمة ﴿لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ, مَوَدَّةٌ ﴾
أي: كأنه ليس من أهل دينكم ﴿يَلَيَّتَنِ كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ أي: بأن يضرب لي
بسهم معهم فأحصل عليه. وهو أكبر قصده وغاية مراده.
ثم قال تعالى: [﴿فَلْيُقَتِلْ﴾ أي: المؤمن النافر](٤) ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَوَةَ
الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةَ﴾ أي: يبيعون دينهم بعرض قليل من الدنيا، وما ذلك إلا لكفرهم وعدم إيمانهم،
ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُقَتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُّؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي: كل من
قاتل في سبيل الله سواء قتل أو غلب وسلب فله عند الله مثوبة عظيمة وأجر جزيل، كما ثبت في
الصحيحين: وتكفل الله للمجاهد في سبيله إن توفاه أن يدخله الجنة أو يرجعه إلى مسكنه الذي
خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة))(٥).
﴿وَمَا لَكُمْ لَا نُقَائِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْرِجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَنِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ
أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ التَّالِ أَهْلُهَا وَأَجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَأَجْعَل لَّنَا مِن لَُّنكَ نَصِيرًا
يُقَائِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَائِلُونَ فِى سَبِيلِ الَّاغُوتِ فَقَدِلُواْ أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَِّنَّ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَنِ كَانَ
ضَعِيفًا
يحرض تعالى عباده المؤمنين على الجهاد في سبيله، وعلى السعي في استنقاذ المستضعفين
﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا
بمكة من الرجال والنساء والصبيان المتبرمين من المقام بها، ولهذا قال تعالى:
أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ يعني: مكة، كقوله تعالى: ﴿وَأْنِ مِّنْ قَرْيَةٍ هِىَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرِيَئِكَ الَّتِّ
أَخْرَجَنْكَ﴾ [محمد: ١٣]، ثم وصفها بقوله: ﴿اَلَّالِمِ أَهْلُهَا وَأَجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنِكَ وَلِيًّا وَأَجْعَل لَّنَا مِن لَُّنكَ
نَصِيرًا﴾ أي: سخر لنا من عندك ولياً وناصراً، قال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عن مقاتل.
(٣) أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو سنيد: ضعيف.
(٤) ما بين معقوفين زيادة من (مح).
(٥) صحيح البخاري، فرض الخمس، باب قول النبي ◌َّار: ((أحلت لكم الغنائم)) (ح٣١٢٣)، وصحيح مسلم،
الإمارة، باب فضل الجهاد (ح١٨٧٦).

١٦٢
• سُورَةُ النِّسَاءِ (٧٧، ٧٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
سفيان عن [عبيد الله](١)، قال: سمعت ابن عباس قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين(٢).
حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة أن ابن عباس تلا
﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَنِ﴾ [النساء: ٩٨] قال: كنت أنا وأمي ممن عذر الله رَقَ(٣).
ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقَائِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَدِلُونَ فِى سَبِيلِ الَّغُونِّ﴾ أي:
المؤمنون يقاتلون في طاعة الله ورضوانه، والكافرون يقاتلون في طاعة الشيطان، ثم هيج تعالى
المؤمنين على قتال أعدائه بقوله: ﴿فَقَائِلُواْ أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِّ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾.
- ﴿أَلَ قَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَمْ كُّواْ أَيَدِيَّكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ فَلَمَا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْفِنَالُ إِذَا فِقٌ
مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَنَبْتَ عَلَيْنَا اُلْفِنَالَ لَوْلَا أَخَّرْنَنَآ إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ
قُلّ مَنَعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ أَنَّقَى وَلَا نُظْلَمُونَ فَئِيلًا (49) أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِكِكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُمْ فِ
بُوُج ◌ُشَيَدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَ إِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكْ قُلْ كُلٌّ مِنْ
عِندِ اللَّهِ فَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٨َ ◌ََّ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فِنَ اللهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَبِّئَةٍ فَمِن
﴾.
نَّفْسِلَةً وَأَرْسَلْتَكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بَِِّ شَهِيدًا
كان المؤمنون في ابتداء الإسلام وهم بمكة مأمورين بالصلاة والزكاة، وإن لم تكن ذات
النصب، وكانوا مأمورين بمواساة الفقراء منهم وكانوا مأمورين بالصفح والعفو عن المشركين
والصبر إلى حين، وكانوا يتحرقون ويودون لو أمروا بالقتال ليشتفوا من أعدائهم ولم يكن الحال إذ
ذاك مناسباً لأسباب كثيرة منها: قلة عددهم بالنسبة إلى كثرة عدد عدوهم، ومنها: كونهم كانوا في
بلدهم، وهو بلد حرام، أشرف بقاع الأرض، فلم يكن الأمر بالقتال فيه ابتداء كما يقال، فلهذا
لم يؤمر بالجهاد إلا بالمدينة لما صارت لهم دار ومنعة وأنصار، ومع هذا لما أمروا بما كانوا
يودونه، جزع بعضهم منه، وخافوا مواجهة الناس خوفاً شديداً ﴿ وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَثَبْتَ عَلَيْنَا الْفِنَالَ لَوْلَاً
أَخَّرْنَنَآ إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أي لو ما أخرت فرضه إلى مدة أخرى، فإن فيه سفك الدماء، ويتم الأولاد،
وتأيّم النساء، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْلَا نُزِلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ تُحْكَمَةٌ
وَذُكِرَ فِهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم ◌َرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْنِّ فَأَوْلَى لَهُمْ
طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُواْ اللَّهَ لَكَنَ خَيْرَاً لَّهُمْ (®﴾ الآيات [محمد].
قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة وعلي بن
زنجة، قالا: حدثنا علي بن الحسن، عن الحسين بن واقد، عن عمرو بن دينار، وعن عكرمة،
عن ابن عباس: أن عبد الرحمن بن عوف وأصحاباً له أتوا النبي ونَ﴿ بمكة، فقالوا: يا نبي الله،
كنا في عزة ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة، قال: ((إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم)) فلما
حوله الله إلى المدينة، أمره بالقتال فكفوا، فأنزل الله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَْ كُفُّواْ أَيَدِيَّكُمْ وَأَقِيمُواْ
(١) كذا في (حم) و(مح) وصحيح البخاري، وفي الأصل: ((عبد الله)) وهو تصحيف.
(٢) صحيح البخاري، تفسير سورة النساء، باب قوله: ﴿وَمَا لَكُرْ لَا نُقَدِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٥]
(ح ٤٥٨٧).
(٣) المصدر السابق (ح٤٥٨٨).

١٦٣
• سُورَةُ النِّسَاءِ (٧٧، ٧٩)
000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 00000000000000 0 0
الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ فَلَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْفِنَالُ إِذَا فَرِقٌّ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾(١)،
ورواه النسائي والحاكم (٢) وابن مردويه من حديث علي بن الحسن بن شقيق به، وقال أسباط،
عن السدي: لم يكن عليهم إلا الصلاة والزكاة، فسألوا الله أن يفرض عليهم القتال، فلما فرض
عليهم القتال ﴿إِذَا فَيْقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اَللَّهِ أَوْ أَشَدَ خَشْيَةٌ وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَنَبْتَ عَلَيْنَا الْفِنَالَ لَوْلَاً
أَخَرْنَنَآَ إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ وهو الموت.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنَعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَّمَنِ أَنَّقَى﴾(٣). وقال مجاهد: إن هذه الآية نزلت
في اليهود، رواه ابن جرير (٤).
وقوله: ﴿قُلّ مَثَحُ الذُّنْيَا قَلِيلٌ وَاَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ أَنَّقَى﴾ أي: آخرة المتقي خير من دنياه. ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ
فَئِيلًا﴾ أي: من أعمالكم بل توفونها أتم الجزاء، وهذه تسلية لهم عن الدنيا وترغيب لهم في
الآخرة وتحريض لهم على الجهاد. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يعقوب بن إبراهيم
الدورقي، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا حماد بن زيد، عن هشام، قال: قرأ الحسن ﴿قُلّ
مَنَعُ الذُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ قال: رحم الله عبداً صحبها على حسب ذلك، وما الدنيا كلها أولها وآخرها إلا
كرجل نام نومة فرأى في منامه بعض ما يحب ثم انتبه(٥).
[وقال ابن معين: كان أبو مصهر ينشد:
من الله في دار المقام نصيب
ولا خير في الدنيا لمن لم يكن
متاع قليل والزوال قريب](٦)
فإن تُعجب الدنيا رجالاً فإنها
وقوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِكِكُمُ اَلْمَوْتُ وَلَوْ كُمْ فِ بُرُوجِ مُشَيِّدَةٍ﴾ أي: أنتم صائرون إلى الموت
لا محالة ولا ينجو منه أحد منكم، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانِ ﴿ وَيَبْقَى وَجْهُ رَيِّكَ ذُو الْجَلِ
وَالْإِكْرَامِ ﴾﴾ [الرحمن]، وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْوَّتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، وقال تعالى:
﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَّ﴾ [الأنبياء: ٣٤] والمقصود أن كل أحد صائر إلى الموت لا محالة،
ولا ينجيه من ذلك شيء سواء جاهد أو لم يجاهد، فإن له أجلاً محتوماً، ومقاماً مقسوماً، كما
قال خالد بن الوليد حين جاء الموت على فراشه: لقد شهدت كذا وكذا موقفاً، وما من عضو من
أعضائي إلا وفيه جرح من طعنة أو رمية، وها أنا أموت على فراشي، فلا نامت أعين الجبناء(٧).
وقوله: ﴿وَلَوْ كُمْ فِ بُرُوجِ تُشَيَّدَةٍ﴾ أي: حصينة منيعة عالية رفيعة، وقيل: هي بروج في السماء
قاله السدي(٨)، وهو ضعيف، والصحيح أنها المنيعة؛ أي: لا يغني حذر وتحصن من الموت،
كما قال زهير بن أبي سلمی:
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسند صحيح.
(٢) سنن النسائي، الجهاد، باب وجوب الجهاد ٣/٦، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (ح٢٨٩١)،
وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٠٧/٢).
(٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط به.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد وهو مرسل.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٦) زيادة من (حم) و(مح).
(٧) أخرجه ابن عساكر من طريق أبي الزناد عن خالد (مختصر تاريخ ابن عساكر لابن منظور ٢٦/٨).
(٨) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.

١٦٤
• سُرَّةُ الْنِسَاءِ (٧٧، ٧٩)
ولو رام أسباب السماء بسلّم(١)
ومن خاف أسباب المنايا يلقها
ثم قيل: المشيَّدة هي المشيدة كما قال: وقصر مشيد، وقيل: بل بينهما فرق، وهو أن المشيدة
بالتشديد هي المطولة، وبالتخفيف هي المزينة بالشيد وهو الجص، وقد ذكر ابن جرير وابن أبي
حاتم - ههنا - حكاية مطولة عن مجاهد، أنه ذكر أن امرأة فيمن كان قبلنا أخذها الطلق، فأمرت
أجيرها أن يأتيها بنار، فخرج فإذا هو برجل واقف على الباب، فقال: ما ولدت المرأة؟ فقال:
جارية، فقال: أما إنها ستزني بمائة رجل ثم يتزوجها أجيرها ويكون موتها بالعنكبوت. قال: فكرّ
راجعاً، فبعج بطن الجارية بسكين فشقه ثم ذهب هارباً، وظن أنها قد ماتت، فخاطت أمها بطنها
فبرئت وشبت وترعرعت ونشأت أحسن امرأة ببلدتها، فذهب ذاك الأجير ما ذهب ودخل البحور
فاقتنى أموالاً جزيلة، ثم رجع إلى بلده وأراد التزوج، فقال العجوز: أريد أن أتزوج بأحسن امرأة
بهذه البلدة، فقالت: ليس ههنا أحسن من فلانة، فقال: اخطبيها علي، فذهبت إليها فأجابت،
فدخل بها فأعجبته إعجاباً شديداً، فسألته عن أمره ومن أين مقدمه، فأخبرها خبره وما كان من
أمره في الجارية، فقالت: أنا هي وأرته مكان السكين، فتحقق ذلك، فقال: لئن كنت إياها فلقد
أخبرني باثنتين لا بد منهما :
(إحداهما) أنك قد زنيت بمائة رجل، فقالت: لقد كان شيء من ذلك ولكن لا أدري ما
عددهم فقال: هم مائة.
(والثاني) أنك تموتين بالعنكبوت فاتخذ لها قصراً منيعاً شاهقاً ليحرزها من ذلك، فبينما هم
يوماً فإذا بالعنكبوت في السقف فأراها، فقالت: أهذه هي التي تحذرها علي، والله لا يقتلها إلا
أنا، فأنزلوها من السقف، فعمدت إليها فوطئتها بإبهام رجلها فقتلتها، فطار من سمها شيء فوقع
بين ظفرها ولحمها واسودت رجلها، فكان في ذلك أجلها، فماتت(٢).
ونذكر ههنا قصة صاحب الحضر وهو الساطرون لما احتال عليه [سابور](٣) حتى حصره فيه
وقتل من فيه بعد محاصرة سنتين، وقالت العرب في ذلك أشعاراً منها:
ـمة تجبى إليه والخابور
وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجـ
فللطير في ذراه وكور
شاده مرمراً وجلله كلساً.
ملك عنه فبابه مهجور
لم تهبه أيدي المنون فباد الـ
ولما دخل على عثمان جعل يقول: اللهم اجمع أمة محمد ثم تمثل بقول الشاعر:
لعاد ملاذاً في البلاد ومربعاً
أرى الموت لا يبقى عزيزاً ولم يدع
ويأتي الجبال في شماريخها معاً
يبيت أهل الحصن والحصن مغلق
[قال ابن هشام: وكان كسرى سابور ذو الأكتاف قتل الساطرون ملك الحضر، وقال ابن
هشام: إن الذي قتل صاحب الحضر سابور بن أردشير بن بابك أول ملوك بني ساسان، وأذل
(١) ديوان زهير ص ٣٠.
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم كلاهما من طريق أبي همام عيسى بن حميد الراسبي عن كثير أبي الفضل عن
مجاهد، وأبو همام ذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه (الجرح والتعديل ٢٧٤/٦)، والقصة فيها غرابة كيف
قتلها بذلك السبب، وكيف تزوجها وعرف أنها وقعت في ذلك المنكر.
(٣) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: ((سابر)) وهو تصحيف.

١٦٥
سُورَةُ النَّسَاءِ (٧٧، ٧٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ملوك الطوائف، ورد الملك إلى الأكاسرة، فأما سابور ذو الأكتاف فهو من بعد ذلك بزمن
طويل، والله أعلم، ذكره السهيلي، قال ابن هشام: فحصره سنتين وذلك لأنه كان أغار على بلاد
سابور في غيبته وهو في العراق، وأشرفت بنت الساطرون وكان اسمها النضيرة، فنظرت إلى
سابور وعليه ثياب ديباج، وعلى رأسه تاج من ذهب مكلل بالزبرجد والياقوت واللؤلؤ، فدست
إليه أن تتزوجني إن فتحت لك باب الحصن، فقال: نعم، فلما أمسى ساطرون شرب حتى سكر
وكان لا يبيت إلا سكران، فأخذت مفاتيح باب الحصن من تحت رأسه فبعثت بها مع مولى لها
ففتح الباب، ويقال: دلتهم على طلسم كان في الحصن لا يفتح حتى تؤخذ حمامة ورقاء فتخضب
رجلاها بحيض جارية بكر زرقاء، ثم ترسل، فإذا وقعت على سور الحصن سقط ذلك ففتح
الباب، ففعل ذلك، فدخل سابور، فقتل ساطرون واستباح الحصن وخربه، وسار بها معه
وتزوجها، فبينما هي نائمة على فراشها ليلاً إذ جعلت تتململ لا تنام، فدعا لها بالشمع ففتش
فراشها فوجد فيه ورقة آس، فقال لها سابور: هذا الذي أسهرك فما كان أبوك يصنع بك؟ قالت:
كان يفرش لي الديباج ويلبسني الحرير، ويطعمني المخ، ويسقيني الخمر، قال الطبري(١): كان
يطعمني المخ والزبد، وشهد أبكار النحل، وصفو الخمر! وذكر أنه كان يرى مخ ساقها، قال:
فكان جزاء أبيك ما صنعت به؟! أنت إلي بذاك أسرع، ثم أمر بها فربطت قرون رأسها بذنب
فرس، فركض الفرس حتى قتلها، وفيه يقول عدي بن زيد العبادي أبياته المشهورة:
أيها الشامت المعير بالدهر
أم لديك العهد الوثيق من الأيـ
من رأيت المنون خلد أم من
أين كسرى كسرى الملوك
وينو الأصفر الكرام ملوك
وأخو الحضر إذا بناه
شاده مرمراً وجلله
لم تهبه ريب المنون فباد الـ
وتذكر رب الخورنق إذا شرف
سرَّه ماله وكثرة ما يملك
فارعوى قلبه وقال فما
ثم أضحوا كأنهم ورق جف
ثم بعد الفلاح والملك والأمة
أأنت المبرأ الموفور
ـم بل أنت جاهل مغرور
ذا عليه من أن يضام خفير
أنوشروان أم أين قبله سابور
الروم لم يبق منهم مذكور
وإذ دجلة تجبى إليه والخابور
كلساً فللطير في ذراه وكور
ملك عنه فبــابــه مـهـجـور
يوماً وللهدى تفكير
والبحر معرض والسدير
غبطة حي إلى الممات يصير
فألوت به الصبا والدبور
وارتهم هناك القبور](٢)
وقوله: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ أي: خصب ورزق من ثمار وزروع وأولاد ونحو ذلك، هذا معنى قول
ابن عباس وأبي العالية والسدي(٣): ﴿يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ أي: قحط وجدب
ونقص في الثمار والزروع أو موت أولاد أو إنتاج أو غير ذلك كما يقوله أبو العالية والسدي(٤)،
(١) لم أجده في تفسير الطبري.
(٢) ما بين معقوفين زيادة من (مح).
(٣) (٤) قول أبي العالية أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عنه، وقول السدي أخرجه ابن
أبي حاتم بسند حسن.

١٦٦
• سُوَّرَةُ الْنِسَاءِ (٧٧، ٧٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
﴿يَقُولُواْ هَذِهِ، مِنْ عِندِكٌ﴾ أي: من قبلك وبسبب اتباعنا لك واقتدائنا بدينك، كما قال تعالى عن قوم
فرعون: ﴿فَإِذَا جَآءَتْهُمُ الْحَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَذِّهِ، وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَعَطََّّرُواْ بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف:
١٣١] وكما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍّ فَإِنْ أَصَابَهُ خَرُّ الْمَأَنَّ ◌ِهِ، وَإِنْ أَصَابَهُ فِئْنَةُ
أَنْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ، خَسِرَ الذُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ﴾ [الحج: ١١]، وهكذا قال هؤلاء المنافقون الذين دخلوا في
الإسلام ظاهراً وهم كارهون له في نفس الأمر، ولهذا إذا أصابهم شر إنما يسندونه إلى اتباعهم
النبي و ﴾. وقال السدي: وإن تصبهم حسنة، قال: والحسنة الخصب، تنتج مواشيهم وخيولهم
وأنعامهم، ويحسن حالهم وتلد نساؤهم الغلمان، قالوا: ﴿هَذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾
والسيئة الجدب والضرر في أموالهم، تشاءموا بمحمد ◌َ﴿ وقالوا: ﴿هَذِهِ، مِنْ عِندِكَ﴾ يقولون:
بتركنا ديننا واتباعنا محمداً أصابنا هذا البلاء، فأنزل الله رَك: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِندِ الَهُ﴾(١).
وقوله: ﴿قُلْ كُلُّ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ أي: الجميع بقضاء الله وقدره، وهو نافذ في البر والفاجر
والمؤمن والكافر.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿قُلْ كُلّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾، أي: الحسنة والسيئة(٢).
وكذا قال الحسن البصري.
ثم قال تعالى منكراً على هؤلاء القائلين هذه المقالة الصادرة عن شك وريب، وقلة فهم وعلم
وكثرة جهل وظلم: ﴿فَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِينًا﴾ .
ذكر حديث غريب يتعلق بقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلِّ مِنَ عِندِ اللَّهِ﴾ .
قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا السكن بن سعيد، حدثنا عمر بن يونس، حدثنا إسماعيل بن
حماد، عن مقاتل بن حيان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: كنا جلوساً عند
رسول الله ◌َ، فأقبل أبو بكر وعمر في قبيلتين من الناس وقد ارتفعت أصواتهما، فجلس أبو
بكر قريباً من النبي وَلّ، وجلس عمر قريباً من أبي بكر، فقال رسول الله وير: (لم ارتفعت
أصواتكما؟)) فقال رجل: يا رسول الله، قال أبو بكر: يا رسول الله الحسنات من الله والسيئات
من أنفسنا، فقال رسول الله وصله: ((فما قلت يا عمر؟)) فقال: قلت: الحسنات والسيئات من الله
فقال رسول الله وقال: ((إن أول من تكلم فيه جبريل وميكائيل، فقال مكيائيل مقالتك يا أبا بكر،
وقال جبريل مقاتلك يا عمر)) فقال: ((نختلف فيختلف أهل السماء وإن يختلف أهل السماء يختلف
أهل الأرض، فتحاكما إلى إسرائيل فقضى بينهم أن الحسنات والسيئات من الله)). ثم أقبل على
أبي بكر وعمر فقال: ((احفظا قضائي بينكما، لو أراد الله أن لا يعصى لما خلق إبليس))(٣).
قال شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس بن تيمية: هذا حديث موضوع(٤) مختلق باتفاق أهل
المعرفة .
(١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق رجل مبهم عن السدي وسنده ضعيف بسبب الإبهام والإرسال.
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عن علي بن أبي طلحة به.
(٣) أخرجه البزار بسنده ومتنه كما في مختصر زوائد مسند البزار، وقال الحافظ ابن حجر: هذا خبر منكر وفي
الإسناد ضعف (ح ١٥٩٧).
(٤) وكذلك جعله ابن الجوزي في الموضوعات (٢٧٣/١).

•
سُورَةُ النِّسَاءِ (٨٠، ٨١)
١٦٧
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ثم قال تعالى مخاطباً لرسوله ﴿﴿ والمراد جنس الإنسان ليحصل الجواب: ﴿مَّ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَّةِ
فَنَ اللَّ﴾ أي: من فضل الله ومنه ولطفه ورحمته ﴿وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَن نَّفْسٌِ﴾ أي: فمن قبلك،
ومن عملك أنت، كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أَصَبَكُمْ مِّن ◌ُصِيبَةٍ فَيِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ
﴾ [الشورى] قال السدي والحسن البصري وابن جريج وابن زيد: ﴿فَن نَّفْسِكٌ﴾ أي: بذنبك(١).
وقال قتادة في الآية ﴿فَن نَّفْسِكٌ﴾: عقوبة لك يا ابن آدم بذنبك. قال: وذكر لنا أن النبي وَلّ قال:
((لا يصيب رجلاً خدش عود ولا عثرة قدم، ولا اختلاج عرق إلا بذنب، وما يعفو الله أكثر))(٢)،
وهذا الذي أرسله قتادة قد روي متصلاً في الصحيح: ((والذي نفسي بيده لا يصيب المؤمن هم ولا
حزن، ولا نصب، حتى الشوكة يشاكها إلا كفّر الله عنه بها من خطاياه))(٣).
وقال [أبو صالح}(٤): ﴿وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَن نَّفْسِكٌ﴾ أي: بذنبك وأنا الذي قدرتها عليك، رواه
ابن جرير(٥). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار، حدثنا سھل ۔ یعني: ابن بکار ۔، حدثنا
الأسود بن شيبان، حدثني عقبة بن واصل ابن أخي مطرف، عن مطرف بن عبد الله، قال: ما تريدون
من القدر أما تكفيكم الآية التي في سورة النساء ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِّ وَإِن تُصِبْهُمْ
سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ، مِنْ عِندِلَكَ﴾ أي: من نفسك، والله ما وكلوا إلى القدر وقد أمروا وإليه يصيرون (٦).
وهذا كلام متين قوي في الرد على القدرية والجبرية أيضاً. ولبسطه موضع آخر.
وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْتَكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً﴾ أي: تبلغهم شرائع الله وما يحبه الله ويرضاه، وما يكرهه
ويأباه ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ أي: على أنه أرسلك وهو شهيد أيضاً بينك وبينهم، وعالم بما تبلغهم إياه
وبما يردون عليك من الحق كفراً وعناداً.
﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ﴿ وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ
فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِى تَقُولٌ وَاَللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَّ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى
اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا
يخبر تعالى عن عبده ورسوله محمد 98 بأن من أطاعه فقد أطاع الله ومن عصاه فقد عصى الله،
وما ذاك إلا لأنه ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
(١) قول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند حسن من
طريق معمر عنه، وقول ابن جريج أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق الحسين، وهو: سنيد، وقول ابن
زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.
(٢) أخرجه الطبري بسند حسن لكنه مرسل ويشهد ما يليه.
(٣) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري (صحيح البخاري، المرضى، باب ما جاء في
كفارة المرض ح ٥٦٤١، ٥٦٤٢)، وصحيح مسلم، البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض
(ح ٢٥٧٣).
(٤) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: (ابن صالح)) وهو تصحيف.
(٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه عقبة بن واصل، ذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه (الجرح والتعديل
٣١٨/٦).

١٦٨
• سُوَّةُ الِكَّاءِ (٨٣،٨٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد
عصى الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني))(١)، وهذا الحديث
ثابت في الصحيحين عن الأعمش [به](٢)(٣).
وقوله: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى فَمَآ أَرْسَلْنَكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أي: ما عليك منه إن عليك إلا البلاغ فمن
اتبعك سعد ونجا، وكان لك من الأجر نظير ما حصل له، ومن تولى عنك خاب وخسر وليس
عليك من أمره شيء، كما جاء في الحديث: ((من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله
ورسوله فإنه لا يضر إلا نفسه» (٤).
وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ يخبر تعالى عن المنافقين بأنهم يظهرون الموافقة والطاعة ﴿فَإِذَا
بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ﴾ أي: خرجوا وتواروا عنك ﴿بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِىِ تَقُولٌ﴾ أي: استسروا ليلاً
فيما بينهم بغير ما أظهروه لك، فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّئُونَ﴾ أي: يعلمه ويكتبه عليهم
بما يأمر به حفظته الكاتبين الذي هم موكلون بالعباد، يعلمون ما يفعلون والمعنى في هذا التهديد
أنه تعالى يخبر بأنه عالم بما يضمرونه ويسرونه فيما بينهم، وما يتفقون عليه ليلاً من مخالفة
الرسول * وعصيانه وإن كانوا قد أظهروا له الطاعة والموافقة، وسيجزيهم على ذلك، كما قال
تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِلَهِ وَيِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِقٌ مِنْهُم مِنْ بَعْدِ ذَلِكَّ وَمَآ أُؤْلَئِكَ بِالْمُؤْمِينَ
[النور]، وقوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي: اصفح عنهم واحلم عليهم ولا تؤاخذهم، ولا
تكشف أمورهم للناس، ولا تخف منهم أيضاً ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِلَّهِ وَكِيلًا﴾ أي: كفى به ولياً
وناصراً ومعيناً لمن توكل عليه وأناب إليه.
﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَّ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَفًا كَثِيرًا (٨) وَإِذَا جَآءَهُمْ
أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوفِ أَذَاعُواْ بِّ، وَلَوَ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَ أُوْلِ الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنَِّطُوْنَهُ
مِنْهُمُّ وَلَوْلَا فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَأَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّ قَلِيلًا ﴾﴾.
يقول تعالى آمراً لهم بتدبر القرآن وناهياً لهم عن الإعراض عنه وعن تفهم معانيه المحكمة
وألفاظه البليغة، ومخبراً لهم أنه لا اختلاف فيه ولا اضطراب، ولا تعارض لأنه تنزيل من حكيم
حميد فهو حق من حق، ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا
[محمد]، ثم قال: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ﴾ أي: لو كان مفتعلاً مختلفاً، كما يقوله من يقول من
جهلة المشركين والمنافقين في بواطنهم لوجدوا فيه اختلافاً؛ أي: اضطراباً وتضاداً كثيراً؛ أي:
وهذا سالم من الاختلاف، فهو من عند الله، كما قال تعالى مخبراً عن الراسخين في العلم حيث
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٢) (به) سقطت من الأصل واستدركت من (حم) و(مح).
(٣) صحيح البخاري، الأحكام، باب قوله تعالى: ﴿أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] (ح ٧١٣٧)، وصحيح
مسلم، الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية (ح ١٨٣٥).
(٤) أخرجه مسلم من حديث عدي بن حاتم بنحوه (الصحيح، الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة ح ٨٧٠).

١٦٩
• سُوَّدَةُ النِّسَخّاءِ (٨٣،٨٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قالوا: ﴿ءَامَنَّا بِهِ، كُلُّ مِنْ عِنْدِ رَيْنَا﴾ [آل عمران: ٧] أي: محكمه ومتشابهه حق، فلهذا ردوا المتشابه
إلى المحكم فاهتدوا، والذين في قلوبهم زيغ ردوا المحكم إلى المتشابه فغووا، ولهذا مدح تعالى
الراسخين وذم الزائغين.
قال الإمام أحمد: حدثنا أنس بن عياض، حدثنا أبو حازم، حدثنا عمرو بن شعيب، عن
أبيه، عن جده قال: لقد جلست أنا وأخي مجلساً ما أحب أن لي به حمر النعم، أقبلت أنا
وأخي وإذا مشيخة من صحابة رسول الله ﴿ على باب من أبوابه، فكرهنا أن نفرق بينهم،
فجلسنا حجرة إذ ذكروا آية من القرآن فتماروا فيها حتى ارتفعت أصواتهم فخرج رسول الله والده
مغضباً قد احمرّ وجهه يرميهم بالتراب ويقول: ((مهلاً يا قوم بهذا أهلكت الأمم من قبلكم،
باختلافهم على أنبيائهم، وضربهم الكتب بعضها ببعض، إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه
بعضاً، إنما نزل يصدق بعضه بعضاً، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى
عالمه))(١). وهكذا رواه أيضاً عن أبي معاوية، عن داود بن أبي هند، عن عمرو بن شعيب،
عن أبيه، عن جده، قال: خرج رسول الله وَّر ذات يوم والناس يتكلمون في القدر، فكأنما
يفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب، فقال لهم: ((ما لكم تضربون كتاب الله بعضه
ببعض، بهذا هلك من كان قبلكم)) قال: فما غبطت نفسي بمجلس فيه رسول الله وَل ولم
أشهده ما غبطت نفسي بذلك المجلس أني لم أشهده(٢)، ورواه ابن ماجه من حديث داود بن
أبي هند به نحوه(٣).
وقال أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا حماد بن زيد، عن أبي عمران الجوني، قال:
كتب إليَّ [عبد الله](٤) بن رباح يحدث عن عبد الله بن عمرو، قال: هجرت إلى رسول الله وَيّ
يوماً، فإنا لجلوس إذ اختلف اثنان في آية، فارتفعت أصواتهما، فقال: ((إنما هلكت الأمم قبلكم
باختلافهم في الكتاب)»(٥). ورواه مسلم والنسائي من حديث حماد بن زيد به (٦).
وقوله: ﴿وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِّ﴾ إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل
تحققها فيخبر بها ويفشيها وينشرها، وقد لا يكون لها صحة. وقد قال مسلم في مقدمة صحيحه:
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا علي بن حفص، حدثنا شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن،
عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة، عن النبي وَّ، قال: ((كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما
سمع))(٧). وكذا رواه أبو داود في كتاب الأدب من سننه عن محمد بن الحسين بن إشكاب، عن
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح٦٧٠٢)، وسنده حسن.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٧٨/٢)، وسنده حسن.
(٣) السنن، المقدمة، باب في القدر (ح ٨٥)، وقال البوصيري: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات (مصباح الزجاجة
٥٨/١)، وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن ابن ماجه ح٦٩).
(٤) زيادة من (حم) و(مح) والتخريج.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٩٢/٢)، وسنده صحيح.
(٦) صحيح مسلم، العلم، باب النهي عن اتباع متشابه القرآن (ح٢٦٦٦)، والسنن الكبرى للنسائي، كتاب
فضائل القرآن (ح٨٠٩٥).
(٧) صحيح مسلم، المقدمة، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع (ح٥).

١٧٠
• سُوَدَّةُ النِّسَّاء (٨٢، ٨٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
علي بن حفص عن شعبة مسنداً، ورواه مسلم أيضاً من حديث معاذ بن هشام العنبري
وعبد الرحمن بن مهدي، وأخرجه أبو داود أيضاً من حديث حفص بن عمرو النمري، ثلاثتهم
عن شعبة، عن خبيب، عن حفص بن عاصم به، مرسلاً(١).
وفي الصحيحين، عن المغيرة بن شعبة: أن رسول الله وَّه، نهى عن قيل وقال(٢)؛ أي: الذي
يكثر من الحديث عما يقول الناس من غير تثبت، ولا تدبر، ولا تبين.
وفي سنن أبي داود أن رسول الله وَ ﴿ ﴿ قال: ((بئس مطية الرجل زعموا))(٣).
وفي الصحيح: ((من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين)) (٤).
ولنذكر ههنا حديث عمر بن الخطاب المتفق على صحته حين بلغه أن رسول الله وَ ل ، طلق
نساءه، فجاء من منزله حتى دخل المسجد فوجد الناس يقولون ذلك، فلم يصبر حتى استأذن على
النبي 9َّ، فاستفهمه: أطلقت نساءك؟ فقال: ((لا)) فقمت: الله أكبر ... وذكر الحديث بطوله(٥).
وعند مسلم فقلت: أطلقتهن؟ فقال: ((لا)). فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي، لم
يطلق رسول الله وَ﴿ نساءه، ونزلت هذه الآية ﴿وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِّ. وَلَوْ
رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَ أُوْلِى الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمّ﴾ فكنت أنا استنبطت ذلك
الأمر(٦). ومعنى يستنبطونه؛ أي: يستخرجونه من معادنه، يقال: استنبط الرجل العين إذا حفرها
واستخرجها من قعورها .
وقوله: ﴿لَأَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني
المؤمنون (٧) .
وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: ﴿لَأَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ يعني: كلكم(٨).
واستشهد من نصر هذا القول بقول الطّرمَّاح بن حكيم في مدح يزيد بن المهلب:
اشَّ كثير يدي النوال قليل المثالب والقادحة (٩)
يعني: لا مثالب له ولا قادحة فیه.
(١) المصدر السابق وسنن أبي داود، الأدب، باب التشديد في الكذب (ح ٤٩٩٢).
(٢) صحيح البخاري، الزكاة، باب قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْعَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] (ح ١٤٧٧)،
وصحيح مسلم، الأقضية، باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة (ح٥٩٣).
(٣) السنن، الأدب، باب قول الرجل: زعموا (ح٤٩٧٢)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود
و(ح ٤١٥٨).
(٤) صحيح مسلم، المقدمة ص٩.
(٥) صحيح البخاري، العلم، باب التناوب في العلم (ح٨٩)، وصحيح مسلم، الطلاق، باب في الإيلاء
واعتزال النساء (ح١٤٧٩).
(٦) المصدر السابق.
(٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عن ابن أبي طلحة به.
(٨) أخرجه عبد الرزاق بسنده ولفظه، وسنده صحيح.
(٩) ديوان الطرماح ص ٨٣.

١٧١
• سُوْرَةُ النَّسَاءِ (٨٤، ٨٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
] ﴿فَقَئِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ المُؤْمِنِنَّ عَسَى اَللّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ
مَّن يَشْفَعْ شَفَعَةً حَسَنَةُ يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ
كَفَرُواْ وَاَللَّهُ أَشَذُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا
شَفَعَةُ سَيْئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُّقِينًا (٥﴾ وَإِذَا حُبِّيِثُم بِنَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ
أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَسِيبًا ﴿٨ اَللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ لَا رَيْبَ
فِيهُ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اُللَّهِ حَدِيثًا
يأمر تعالى عبده ورسوله محمداً * بأن يباشر القتال بنفسه، ومن نكل عنه فلا عليه منه،
ولهذا قال: ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عمرو بن
زنيج، حدثنا حكام، حدثنا الجراح الكندي، عن أبي إسحاق، قال: سألت البراء بن عازب عن
الرجل يلقى مائة من العدو فيقاتل فيكون ممن قال الله فيه: ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيَكُ إِلَى الَُّلْكَةِ﴾ [البقرة:
١٩٥]؟ قال: قد قال الله تعالى لنبيه: ﴿فَقَئِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَّ وَحَرِضِ الْمُؤْمِينَّ﴾(١).
ورواه الإمام أحمد عن سليمان بن داود، عن أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، قال:
قلت للبراء: الرجل يحمل على المشركين، أهو ممن ألقى بيده إلى التهلكة؟ قال: لا، إن الله
بعث رسوله ◌َ﴿ وقال: ﴿فَقَئِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكً﴾ إنما ذلك في النفقة(٢). وكذا
رواه ابن مردويه من طريق أبي بكر بن عياش وعلي بن صالح، عن أبي إسحاق، عن البراء به.
ثم قال ابن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا أحمد بن النضر العسكري، حدثنا
مسلم بن عبد الرحمن الجرمي، حدثنا محمد بن حمير، حدثنا سفيان الثوري، عن أبي إسحاق،
عن البراء، قال: لما نزلت على النبي ◌َّهُ ﴿فَقَئِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ المُؤْمِينَّ﴾
الآية، قال لأصحابه: ((وقد أمرني ربي بالقتال فقاتلوا)) حديث غريب(٣).
وقوله: ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ ... ﴾ أي: على القتال ورغبهم فيه وشجعهم عليه، كما قال لهم وَيّـ
يوم بدر وهو يسوي الصفوف: ((قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض)) (٤).
وقد وردت أحاديث كثيرة في الترغيب في ذلك، فمن ذلك ما رواه البخاري عن أبي هريرة
قال: قال رسول الله وَله: ((من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة وآتى الزكاة، وصام رمضان، كان
حقاً على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها)). قالوا: يا
رسول الله أفلا نبشر الناس بذلك؟ فقال: ((إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في
سبيل الله، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه وسط
الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة))(٥) وروي من حديث عبادة
ومعاذ وأبي الدرداء، نحو ذلك.
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٨١/٤)، وسنده صحيح وقد أخرجه البخاري من حديث حذيفة
(الصحيح، تفسير سورة البقرة، باب ﴿وَأَنْفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٥] ح٤٥١٦).
(٣) في سنده محمد بن حمير تُكلم فيه (لسان الميزان ١٥٠/٥).
(٤) أخرجه مسلم من حديث أنس مطولاً (الصحيح، الإمارة، باب ثبوت الجنة للشهيد ح ١٩٠١).
(٥) صحيح البخاري، الجهاد، باب درجات المجاهدين في سبيل الله (ح ٢٧٩٠).

١٧٢
سُورَةُ النِّسَاءِ (٨٤، ٨٧)
000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 0 0 00 0 0 0
وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﴿ ﴿ قال: ((يا أبا سعيد، من رضي بالله رباً، وبالإسلام
ديناً، وبمحمد وَّليه رسولاً ونبياً، [وجبت له الجنة](١))، قال: فعجب لها أبو سعيد، فقال:
أعدها عليّ يا رسول الله، ففعل، ثم قال رسول الله رَّه: ((وأخرى يرفع الله العبد بها مائة درجة
في الجنة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض)). قال: وما هي يا رسول الله؟ قال:
((الجهاد في سبيل الله))، رواه مسلم(٢) .
وقوله: ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: بتحريضك إياهم على القتال تنبعث هممهم
على مناجزة الأعداء. ومدافعتهم عن حوزة الإسلام وأهله، ومقاومتهم ومصابرتهم.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُ تَنكِيلًا﴾ أي: هو قادر عليهم في الدنيا والآخرة كما
قال تعالى: ﴿وَلَوْ بَشَاءُ اللَّهُ لَأَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّبْلُواْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضِّ وَالَّذِينَ قُئِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ
أَعْمَلَهُمْ﴾ [محمد: ٤].
وقوله: ﴿مَّن يَشْفَعَ شَفَعَةً حَسَنَةُ يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِنْهًا﴾ أي: من يسعى في أمر فيترتب عليه خير
كان له نصيب من ذلك، ﴿وَمَن يَشْفَعْ شَفَعَةُ سَيِئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا﴾ أي: يكون عليه وزر من
ذلك الأمر الذي ترتب على سعيه ونيته، كما ثبت في الصحيح عن النبي وَلقر، أنه قال: ((اشفعوا
تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء))(٣).
وقال مجاهد بن جبر: نزلت هذه الآية في شفاعات الناس بعضهم لبعض (٤).
وقال الحسن البصري: قال الله تعالى: ﴿مَّنْ يَشْفَعْ﴾ ولم يقل: من يشفّع(٥).
وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُّقِينًا﴾ .
قال ابن عباس وعطاء وعطية وقتادة ومطر الوارق ﴿مُقِينًا﴾ أي: حفيظاً(٦).
وقال مجاهد: شهيداً، وفي رواية عنه: حسيباً(٧) .
وقال سعيد بن جبير والسدي وابن زيد: قديراً(٨).
(١) سقط من الأصل واستدرك من (حم) و(مح) والتخريج.
(٢) صحيح مسلم، الإمارة، باب بيان ما أعده الله تعالى للمجاهد في الجنة (ح ١٨٨٤).
(٣) أخرجه الشيخان من حديث أبي موسى الأشعري (صحيح البخاري، الزكاة، باب التحريض على الصدقة
والشفاعة فيها ح١٤٣٢)، وصحيح مسلم، البر والصلة، باب استحباب الشفاعة (ح ٢٦٢٧).
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق حميد الطويل عن الحسن بنحوه، وأخرجه الطبري بسند
ضعيف لم يصرح باسم شيخه بلفظه.
(٦) قول ابن عباس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وبقية الأقوال
ذكرها أبي حاتم بحذف السند.
(٧) القول الأول عن مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، والقول الثاني عن
مجاهد أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق شريك عن خُصيف عنه.
(٨) قول سعيد بن جبير أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عنه وقول السدي أخرجه
الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن
وهب عنه.

١٧٣
سُورَةُ الْنَشْتَاءِ (٨٤، ٨٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال عبد الله بن كثير: المقيت: الواصب(١).
وقال الضحاك: المقيت: الرزاق(٢).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحيم بن مطرف، حدثنا عيسى بن يونس، عن
إسماعيل، عن رجل، عن عبد الله بن رواحة، وسأله رجل عن قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ
شَىْءٍ مُّقِينًا﴾ قال: مقيت لكل إنسان بقدر عمله(٣).
وقوله: ﴿وَإِذَا حُبِّيِثُم ◌ِنَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَاً﴾ أي: إذا سلم عليكم المسلم فردوا عليه
أفضل مما سلم، أو ردوا عليه بمثل ما سلم، فالزيادة مندوبة، والمماثلة مفروضة.
قال ابن جرير: حدثنا موسى بن سهل الرملي، حدثنا عبد الله بن [السري](٤) الأنطاكي،
حدثنا هشام بن لاحق، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي،
قال: جاء رجل إلى النبي وَّيقول فقال: السلام عليك يا رسول الله، فقال: ((وعليك السلام
ورحمة الله))، ثم جاء آخر فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله، فقال له رسول الله وَله:
((وعليك السلام ورحمة الله وبركاته)) ثم جاء آخر فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله
وبركاته، فقال له: ((وعليك))، فقال له الرجل: يا نبي الله، بأبي أنت وأمي، أتاك فلان وفلان
فسلما عليك فرددت عليهما أكثر مما رددت عليّ فقال: ((إنك لم تدع لنا شيئاً، قال الله تعالى:
﴿وَإِذَا حُِّيْتُمْ بِنَحِيَّةِ فَحَيُواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَاً﴾ فرددناها عليك))(٥). وهكذا رواه ابن أبي حاتم
معلقاً، فقال: ذكر عن أحمد بن الحسن الترمذي، حدثنا عبد الله بن السري أبو محمد
الأنطاكي، قال أبو الحسن - وكان رجلاً صالحاً -: حدثنا هشام بن لاحق ... فذكره بإسناده
مثله(٦)، ورواه أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الباقي بن قانع، حدثنا عبد الله بن أحمد بن
حنبل، حدثنا أبي، حدثنا هشام بن لاحق أبو عثمان ... فذكره مثله(٧)، ولم أره في المسند،
والله أعلم.
وفي هذا الحديث دلالة على أنه لا زيادة في السلام على هذه الصفة، السلام عليكم ورحمة الله
وبركاته، إذ لو شرع أكثر من ذلك لزاده رسول الله ولاته.
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن كثير أخو سليمان بن كثير، حدثنا جعفر بن سليمان بن
عوف، عن أبي رجاء العطاردي، عن عمران بن حصين أن رجلاً جاء إلى رسول الله وَ له، فقال:
السلام عليكم يا رسول الله، فرد عليه ثم جلس، فقال: ((عشر))، ثم جاء آخر فقال: السلام
عليكم ورحمة الله يا رسول الله، فرد عليه ثم جلس، فقال: ((عشرون))، ثم جاء آخر فقال:
(١) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو سند ضعيف.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق جويبر عنه.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإبهام شيخ إسماعيل.
(٤) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: ((السدي)) وهو تصحيف.
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن عبد الله بن السري روى مناكير كثيرة (التقريب ص٣٠٥).
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتن، وحكمه کسابقه.
(٧) في سنده هشام بن لاحق ضعفه العقيلي، وترك حديثه الإمام أحمد (لسان الميزان ١٩٨/٦).

١٧٤
سُورَةُ النَّاءِ (٨٤، ٨٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 000 000
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه، ثم جلس فقال: ((ثلاثون)» (١)، وكذا رواه أبو داود
عن محمد بن كثير، وأخرجه الترمذي والنسائي والبزار من حديثه، ثم قال الترمذي: حسن غريب
من هذا الوجه. وفي الباب عن أبي سعيد وعلي وسهل بن حنيف(٢).
وقال البزار: قد روي هذا عن النبي ◌َّم من وجوه هذا أحسنها إسناداً.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي،
عن الحسن بن صالح، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: من سلم عليك من
خلق الله فاردد عليه وإن كان مجوسياً، ذلك بأن الله يقول: ﴿فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَاً﴾(٣).
وقال قتادة: فحيوا بأحسن منها؛ يعني للمسلمين، أو ردوها؛ يعني لأهل الذمة (٤). وهذا
التنزيل فيه نظر كما تقدم في الحديث من أن المراد أن يرد بأحسن مما حياه به، فإن بلغ المسلم
غاية ما شرع في السلام، رد عليه مثل ما قال، فأما أهل الذمة فلا يبدؤون بالسلام ولا يزادون،
بل يرد عليهم بما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر، أن رسول الله وَلو قال: ((إذا سلم عليكم
اليهود فإنما يقول أحدهم: السام عليكم، فقل: وعليك))(٥) .
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله وسلم قال: ((لا تبدءوا اليهود والنصارى
بالسلام وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه))(٦).
وقال سفيان الثوري، عن رجل، عن الحسن البصري، قال: السلام تطوع والرد فريضة (٧) .
وهذا الذي قال، هو قول العلماء قاطبة، أن الرد واجبٍ على من سلم عليه، فيأثم إن لم يفعل،
لأنه خالف أمر الله في قوله: ﴿فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾ [وقد جاء في الحديث الذي رواه أبو
داود بسنده إلى أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَلاير: ((والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتى
تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أفلا أدلكم على أمر إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم))](٨)(٩).
وقوله: ﴿اللَّهُ لَاّ إِلَهَ إِلَّ هُوَ﴾ إخبار بتوحيده وتفرده بالإلهية لجميع المخلوقات وتضمن قسماً
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٣٩/٤)، وسنده حسن، وسيأتي تخريجه.
(٢) سنن أبي داود، الأدب، باب كيف السلام؟ (ح٥١٩٥)، وسنن الترمذي، الاستئذان، باب ما ذكر في فضل
السلام وقال: حسن صحيح غريب من هذا الوجه، والسنن الكبرى للنسائي (ح١٠١٦٩)، وصححه الألباني
في صحيح سنن الترمذي (ح٢١٦٣).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وأخرجه البخاري من طريق سماك به (الأدب المفرد ح ١١٠٧)، وحسنه
الألباني في صحيح الأدب المفرد (ح ٨٤٣).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٥) صحيح البخاري، الاستئذان، باب كيف يرد على أهل الذمة السلام؟ (ح٦٢٥٧)، وصحيح مسلم، السلام،
باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب السلام (ح٢١٦٤).
(٦) المصدر السابق (ح ٢١٦٧).
(٧) أخرجه الطبري من طريق الثوري به، وفي سنده انقطاع لإبهام شيخ الثوري، وأخرجه البخاري متصلاً عن
الحسن (الأدب المفرد ح ١٠٤٠)، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ح٧٩٤).
(٨) سنن أبي داود، الأدب، باب في إفشاء السلام (ح٥١٩٣)، وهو حديث صحيح أخرجه مسلم من حديث
أبي هريرة أيضاً (الصحيح، الإيمان، باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون ح٩٣).
(٩) ما بين معقوفين لا يوجد في النسخ واستدرك من نسخة دار الكتب حسب طبعة البابي الحلبي.

١٧٥
• سُوَرَّةُ النَّةِ (٨٨، ٩١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
لقوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيْ﴾ وهذه اللام موطئة للقسم، فقوله: ﴿اَللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا
هُوَ﴾ خبر وقسم أنه سيجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيجازي كل عامل بعمله، وقوله
تعالى: ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ أي: لا أحد أصدق منه في حديثه وخبره ووعده ووعيده،
فلا إله إلا هو ولا رب سواه.
﴿ فَمَا لَكُمْ فِى الْمُكَفِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَزَكَسَهُم بِمَا كَسَبُوَاْ أَتْرِيدُونَ أَنْ تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ
وَمَنْ يُضْلِلِ اَللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا ﴿ وَذُوْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاءٌ فَلَ نَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَّةَ
حَتَّى يُهَاجِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدَ ثُمُوهُمٌّ وَلَا نَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًَّا وَلَا نَصِيًّا
إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَتْنَهُمْ مِيْتَقُّ أَوْ جَاءُوَكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَئِلُوكُمْ أَوْ يُقَئِلُواْ
(٨٩
قَوَّمَهُمَّ وَلَوْ شَآءَ اَللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَقَلُوَّكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَدِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السََّمَ فَمَا جَعَلَ اَللَّهُ لَكُنْ
عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (@)
سَتَجِدُونَ مَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّواْ إِلَى الْفِئْنَةِ أُرَّكِسُواْ فِيهَا
فَإِن لَّمْ يَعْتَِّلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْهُ السََّمَ وَيَكُفُّواْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَأَقْنُلُوهُمْ حَيْثُ تَقِفْتُمُوهُمَّ وَأُوْلَّكُمْ جَعَلْنَا
لَكُمْ عَلَتِهِمْ سُلْطَنَا مُبِينًا
يقول تعالى منكراً على المؤمنين في اختلافهم في المنافقين على قولين، واختلف في سبب
ذلك فقال الإمام أحمد: حدثنا بهز، حدثنا شعبة، قال عدي بن ثابت: أخبرني عبد الله بن يزيد
عن زيد بن ثابت: أن رسول الله وَ﴿ خرج إلى أُحد فرجع ناس خرجوا معه، فكان أصحاب
رسول الله ﴿ فيهم فرقتين: فرقة تقول: نقتلهم، وفرقة تقول: لا، هم المؤمنون، فأنزل الله:
﴿فَمَا لَكُمْ فِىِ الْمُفِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ فقال رسول الله وَيّى: ((إنها طيبة وإنها تنفي الخبث كما ينفي الكير
خبث الفضة))(١) أخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة(٢).
وقد ذکر محمد بن إسحاق بن يسار في وقعة أُحد أن عبد الله بن أبي بن سلول رجع يومئذٍ
بثلث الجيش، رجع بثلاثمائة وبقي النبي وّر في سبعمائة(٣).
وقال العوفي، عن ابن عباس: نزلت في قوم كانوا بمكة قد تكلموا بالإسلام، وكانوا يظاهرون
المشركين، فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم فقالوا: إن لقينا أصحاب محمد فليس علينا منهم
بأس، وإن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجوا من مكة، قالت فئة من المؤمنين: اركبوا إلى
الجبناء فاقتلوهم، فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم، وقالت فئة أخرى من المؤمنين: سبحان الله،
أو كما قالوا: أتقتلون قوماً قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به من أجل أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا
ديارهم، نستحل دماءهم وأموالهم؟ فكانوا كذلك فئتين، والرسول عندهم لا ينهى واحداً من
الفريقين عن شيء، فنزلت ﴿فَمَا لَكُمْ فِىِ الْمُفِقِينَ فِئَتَيِِّ﴾. رواه ابن أبي حاتم (٤).
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح٩٩٢١)، وهو حديث متفق عليه كما يلي.
(٢) صحيح البخاري، تفسير سورة النساء، باب ﴿فَمَا لَكُمْ فِى الْمُفِقِينَ﴾ [النساء: ٨٨] (ح٤٥٨٩)، وصحيح
مسلم، صفات المنافقين (ح٢٧٧٦).
(٣) ذكره ابن إسحاق بدون سند (سيرة ابن هشام ٢/ ٦٤).
(٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق العوفي به وسنده ضعيف، ولد شواهد تالية.

١٧٦
• سُوَرَّةُ النِّسَنَّاءِ (٨٨، ٩١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقد روي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعكرمة ومجاهد والضحاك وغيرهم قريب من
هذا (١).
وقال زيد بن أسلم، عن ابن لسعد بن معاذ: أنها نزلت في تقاول الأوس والخزرج في شأن
عبد الله بن أبي، حين استعذر من رسول الله ومقر على المنبر في قضية الإفك(٢). وهذا غريب،
وقيل غير ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُواْ﴾ أي: ردهم وأوقعهم في الخطأ.
قال ابن عباس: ﴿أَرَكَسَهُم﴾ أي: أوقعهم(٣).
وقال قتادة: أهلكهم(٤).
وقال السدي: أضلهم(٥).
وقوله: ﴿بِمَا كَسَبُواْ﴾ أي: بسبب عصيانهم ومخالفتهم الرسول واتباعهم الباطل ﴿أَثُرِيدُونَ أَنْ
تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَ اَللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ اَللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ أي: لا طريق له إلى الهدى ولا مخلص له
إليه، وقوله: ﴿وَدُوْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاءٌ﴾ أي: هم يودون لكم الضلالة لتستووا أنتم
وإياهم فيها وما ذاك إلا لشدة عدواتهم وبغضهم لكم، ولهذا قال: ﴿فَلَا نَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوَلِيَآءَ حَتَّى
يُهَاجِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِّ فَإِن تَوَلَوْ﴾ أي: تركوا الهجرة، قاله العوفي عن ابن عباس(٦).
وقال السدي: أظهروا كفرهم(٧). ﴿فَخُذُوهُمْ وَأَقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدَ تُّمُوهُمِّ وَلَا نَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًَّا وَلَا
نَصِيرًا﴾ أي: لا توالوهم ولا تستنصروا بهم على أعداء الله ما داموا كذلك، ثم استثنى الله من
هؤلاء، فقال: ﴿إِلَّ اٌلَِّيْنَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْعِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِِّتَقُّ﴾ أي: إلا الذين لجأوا وتحيزوا إلى قوم
بينكم وبينهم مهادنة، أو عقد ذمة فاجعلوا حكمهم كحكمهم، وهذا قول السدي وابن زيد وابن
(٨)
جرير(٨).
وقد روى ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن
زيد بن جدعان، عن الحسن أن سراقة بن مالك المدلجي حدثهم قال: لما ظهر النبي وَّ على
أهل بدر وأحد وأسلم من حولهم، قال سراقة: بلغني أنه يريد أن يبعث خالد بن الوليد إلى قومي
بني مدلج، فأتيته فقلت: أنشدك النعمة، فقالوا: صه، فقال النبي وَليقول: (دعوه، ما تريد؟)) قال:
(١) قول أبي سلمة بن عبد الرحمن أخرجه ابن أبي حاتم والإمام أحمد (المسند ١٩٢/١)، بسند حسن، وقول
عكرمة أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح لكنه مرسل، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح لكنه
مرسل وهذه المراسيل يقوي بعضها بعضاً .
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبد العزيز بن محمد عن زيد بن أسلم به.
(٣) أخرجه الطبري وابن حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٤) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.
(٥) أخرجه الطبري وأبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف عن العوفي به.
(٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٨) قول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح
من طريق ابن وهب عنه.

١٧٧
، سُورَةُ الْنِشَكَاءِ (٨٨، ٩١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
بلغني أنك تريد أن تبعث إلى قومي وأنا أريد أن توادعهم، فإن أسلم قومي أسلموا ودخلوا في
الإسلام، وإن لم يسلموا [لم تخشن](١) قلوب قومك عليهم، فأخذ رسول الله (وَلو بيد خالد بن
الوليد فقال: ((اذهب معه فافعل ما يريد)) فصالحهم خالد على ألا يعينوا على رسول الله وص له وإن
أسلمت قريش أسلموا معهم، فأنزل الله ﴿وَدُوْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاءٌ فَلَا نَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ
أولیآء﴾(٢)
ورواه ابن مردويه من طريق حماد بن سلمة، وقال: فأنزل الله: ﴿إِلَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ
وَبَيْنَهُم مِِّتَقُّ﴾ فكان من وصل إليهم كان معهم على عهدهم(٣)، وهذا أنسب لسياق الكلام.
وفي صحيح البخاري في قصة صلح الحديبية: فكان من أحب أن يدخل في صلح قريش
وعهدهم، ومن أحب أن يدخل في صلح محمد وَلّر وأصحابه وعهدهم (٤).
وقد روي عن ابن عباس أنه قال: نسخها قوله: ﴿فَإِذَا أُنْسَلَخَ آلْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْئُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ
وَجَدْ تُمُوهُمْ ... ) الآية(٥) [التوبة: ٥].
وقوله: ﴿أَوْ جَاءُوَكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَئِلُوكُمْ أَوْ يُقَدِلُواْ قَوْمَهُمْ﴾، هؤلاء قوم آخرون من
المستثنين عن الأمر بقتالهم وهم الذي يجئيون إلى المصاف وهم حصرة صدروهم؛ أي: ضيقة
صدروهم مبغضين أن يقاتلوكم، ولا يهون عليهم أيضاً أن يقاتلوا قومهم معكم بل هم لا لكم ولا
عليكم ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَسَلَّطَّهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَلُكُمْ﴾ أي: من لطفه بكم أن كفهم عنكم ﴿فَإِنِ أَعْتََّلُوكُمْ فَلَمْ
يُقَدِلُوكُمْ وَأَلْقَوْ إِلَيْكُمُ السََّمَ﴾ أي: المسالمة ﴿فَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ أي: فليس لكم أن
تقاتلوهم ما دامت حالهم كذلك، وهؤلاء كالجماعة الذين خرجوا يوم بدر من بني هاشم مع
المشركين فحضروا القتال وهم كارهون كالعباس ونحوه، ولهذا نهى النبي وَّر يومئذٍ عن قتل
العباس وأمر بأسره.
وقوله: ﴿سَتَجِدُونَ مَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوَاْ إِلَى الْفِئْنَةِ أُزَكِسُواْ فِيهَا﴾،
هؤلاء في الصورة الظاهرة كمن تقدمهم، ولكن نية هؤلاء غير نية أولئك، فإن هؤلاء قوم منافقون
يظهرون للنبي ول﴿ ولأصحابه الإسلام ليأمنوا بذلك عندهم على دمائهم وأموالهم وذراريهم،
ويصانعون الكفار في الباطن فيعبدون معهم ما يعبدون ليأمنوا بذلك عندهم وهم في الباطن مع
أولئك، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ [البقرة: ١٤]،
وقال ههنا: ﴿كُلَّ مَا رُدُّواْ إِلَى الْفِئْنَةِ أُزَكِسُواْ فِيهَا﴾ أي: انهمكوا فيها.
وقال السدي: الفتنة - ههنا - الشرك (٦).
وحكى ابن جرير عن مجاهد أنها نزلت في أقوام من أهل مكة كانوا يأتون النبي وكل ور فيسلمون
(١) كذا في (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وسقط من الأصل.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب ضعف علي بن زيد بن جدعان.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة من طريق حماد به (المصنف ٢٣٢/١٤)، وفي سنده أيضاً علي بن زيد بن جدعان.
(٤) صحيح البخاري، الشروط، باب الشروط في الجهاد (ح٢٧٣١).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عطاء الخراساني عن ابن عباس، وسنده ضعيف لأن عطاء لم يسمع من ابن عباس.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.

١٧٨
• سُورَةُ النِّسََّّاءِ (٩٢، ٩٣)
00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000001
رياء ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان، يبتغون بذلك أن يأمنوا ههنا وههنا، فأمر
بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا(١). ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ [المهادنة
والصلح](٢) ﴿وَيَكُفُواْ أَيْدِيَهُمْ﴾ أي: عن القتال، ﴿فَخُذُوهُمْ﴾ [إسراء](٣) ﴿وَأَقْخُلُوهُمْ حَيْثُ
تَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أي: أين لقيتموهم، ﴿ وَأُوْلَّكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ أي: بيناً واضحاً.
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأْ وَمَن قَثَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ
وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِ: إِلََّ أَنْ يَضَدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوِّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَّبَةٍ
◌ُؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ، وَتَحْرِثُ رَقَّبَةٍ
مُؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا
وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اَللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَّهُ, وَأَعَدَّ لَهُ
عَذَابًا عَظِيمًا (شَهَا﴾
يقول تعالى: ليس لمؤمن أن يقتل أخاه المؤمن بوجه من الوجوه، وكما ثبت في الصحيحين
عن ابن مسعود: أن رسول الله وسلم قال: ((لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني
رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة)) (٤)
ثم إذا وقع شيء من هذه الثلاث، فليس لأحد من آحاد الرعية أن يقتله، وإنما ذلك إلى الإمام أو
نائبه، وقوله: ﴿ إِلَّا خَطَا﴾ قالوا: هو استثناء منقطع، كقول الشاعر(٥):
من البيض لم تظعن بعيداً ولم تطأ على الأرض إلا ريط مُرَّّل(٦)
ولهذا شواهد كثيرة. واختلف في سبب نزول هذه، فقال مجاهد وغير واحد: نزلت في عياش بن
أبي ربيعة أخي أبي جهل لأمه وهي أسماء بنت مخرمة، وذلك أنه قتل رجلاً كان يعذبه مع أخيه على
الإسلام وهو الحارث بن يزيد العامري، فأضمر له عياش السوء، فأسلم ذلك الرجل وهاجر وعياش
لا يشعر، فلما كان يوم الفتح رآه فظن أنه على دينه فحمل عليه فقتله، فأنزل الله هذه الآية(٧).
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: نزلت في أبي الدرداء لأنه قتل رجلاً وقد قال كلمة الإيمان
حين رفع عليه السيف، فأهوى به إليه فقال كلمته، فلما ذكر ذلك للنبي وَل9، قال: إنما قالها
متعوذاً فقال له: ((هل شققت عن قلبه؟))(٨)، وهذه القصة في الصحيح لغير أبي الدرداء.
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد لكنه مرسل.
(٢)(٣) ما بين معقوفين زيادة من نسخة دار الكتب المصرية كما في طبعة البابي الحلبي.
(٤) صحيح البخاري، الديات، باب قول الله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ... ﴾ [المائدة: ٤٥] (ح ٦٨٧٨)،
وصحيح مسلم، القسامة، باب ما يباح به دم المسلم (ح١٦٧٦).
(٥) هو جرير بن عطية الغطفي كما صرح الطبري في تفسيره.
(٦) ديوان جرير بن عطية ٢/ ٩٤٥، والمرحل: نوع من ملابس اليمن سُمي مرحلاً لأن عليه تصاوير رحل (لسان
العرب: رح ل)
(٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد لكنه مرسل ويتقوى بمرسل رواه ابن أبي
حاتم بسند حسن عن سعيد بن جبير.
(٨) أخرجه الطبري من طريق عبد الرحمن بن زيد به، وسنده ضعيف لضعف عبد الرحمن وانقطاعه لأنه لم =

١٧٩
• سُورَةُ الْنِسَاءِ (٩٢، ٩٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000 0000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00
وقوله: ﴿وَمَنْ قَثَلَ مُؤْمِنَا خَطَا فَتَحِْيُ رَقَّبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِ﴾ هذان واجبان في
قتل الخطأ، أحدهما الكفارة لما ارتكبه من الذنب العظيم وإن كان خطأ، ومن شرطها أن تكون
عتق رقبة مؤمنة فلا تجزئ [الكافرة](١) وحكى ابن جرير عن ابن عباس والشعبي وإبراهيم النخعي
والحسن البصري أنهم قالوا: لا يجزئ الصغير حتى يكون قاصداً للإيمان(٢).
وروي من طريق عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة، قال: في حرف، فتحرير رقبة مؤمنة لا
يجزئ فيها صبي(٣). واختار ابن جرير أنه إن كان مولوداً بين أبوين مسلمين أجزأ وإلا فلا،
والذي عليه الجمهور أنه متى كان مسلماً صح عتقه عن الكفارة سواء كان صغيراً أو كبيراً.
قال الإمام أحمد: أنبأنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله،
عن رجل من الأنصار: أنه جاء بأمة سوداء، فقال: يا رسول الله، إن علي عتق رقبة مؤمنة، فإن
كنت ترى هذه مؤمنة أعتقتها، فقال لها رسول الله: ((أتشهدين أن لا إله إلا الله؟)) قالت: نعم.
قال: ((أتشهدين أني رسول الله؟)) قالت: نعم. قال: ((أتؤمنين بالبعث بعد الموت؟)) قالت: نعم.
قال: ((أعتقها))(٤). وهذا إسناد صحيح وجهالة الصحابي لا تضره.
وفي موطأ مالك ومسندي الشافعي وأحمد وصحيح مسلم وسنن أبي داود والنسائي من طريق
هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم: أنه لما جاء بتلك الجارية
السوداء، قال لها رسول الله وَّل : ((أين الله؟)) قالت: في السماء. قال: ((من أنا؟)) قالت:
رسول الله وَ ﴿، قال: ((أعتقها، فإنها مؤمنة))(٥).
وقوله: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِ=﴾ هو الواجب الثاني فيما بين القاتل وأهل القتيل عوضاً لهم
عما فاتهم من قتليهم، وهذه الدية إنما تجب أخماساً، كما رواه الإمام أحمد وأهل السنن من
حديث الحجاج بن أرطأة، عن زيد بن جبير، عن خشف بن مالك، عن ابن مسعود، قال: قضى
رسول الله وَ﴿ في دية الخطأ عشرين بنت مخاض(٦)، وعشرين بني مخاض ذكوراً، وعشرين بنت
لبون(٧)، وعشرين جذعة (٨)، وعشرين حقة (٩)، لفظ [النسائي](١٠) قال الترمذي: لا نعرفه مرفوعاً
= يسمع من أبي الدرداء، ومتنه مخالف لما في الصحيح.
(١) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: ((الكفارة)) وهو تصحيف.
(٢) قول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق معمر عن قتادة، وقول إبراهيم النخعي أخرجه الطبري
بأسانيد يقوي بعضها بعضاً.
(٣) سنده صحيح.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٥١/٣)، وصحّح سنده الحافظ ابن كثير، وأخرجه عبد الرزاق به
(المصنف رقم ١٦٨١٤)، وقال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٢٨/١).
(٥) الموطأ، العتق، باب ما يجوز من العتق ٥٩٥/٢، ومسند الشافعي (ح١١٩٦)، ومسند أحمد ٤٤٧/٥،
وصحيح مسلم، المساجد، باب تحريم الكلام في الصلاة (ح٥٣٧)، مطولاً، وكفي بتصحيح مسلم.
(٦) هي التي أتى عليها الحول (سنة).
(٨) هي التي دخلت في السنة الخامسة.
(٩) هي التي دخلت في السنة الرابعة.
(٧) هي التي أتى عليها حولان (سنتان).
(١٠) كذا في (حم) و(مح) وسنن النسائي وفي الأصل: (الثاني)) وهو تصحيف.

١٨٠
• سُوْرَةُ الْنِسَاءِ (٩٢، ٩٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
إلا من هذا الوجه، وقد روي عن عبد الله موقوفاً (١)، كما روي عن علي وطائفة (٢).
وقيل: يجب أرباعاً وهذه الدية على العاقلة لا في ماله، قال الشافعي تَُّ: لم أعلم مخالفاً
أن رسول الله ﴿ قضى بالدية على العاقلة وهو أكثر من حديث الخاصة(٣)، وهذا الذي أشار
إليه تَخْلُهُ قد ثبت في غير ما حديث، فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال:
اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها فاختصموا إلى
رسول الله ﴿ فقضى أن دية جنينها غرة عبد أو أمة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها (٤).
وهذا يقتضي أن حكم عمد الخطأ المحض في وجوب الدية، لكن هذا تجب فيه الدية أثلاثاً
لشبهه بالعمد.
وفي صحيح البخاري عن عبد الله عمر قال: بعث رسول الله ﴿ خالد بن الوليد إلى بني
جذيمة فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا،
فجعل خالد يقتلهم فبلغ ذلك رسول الله وَ ﴿، فرفع يديه وقال: ((اللهم إني أبرأ إليك مما صنع
خالد)) وبعث علياً فودى قتلاهم وما أتلف من أموالهم حتى ميلغة الكلب(6)(٦). وهذا الحديث
يؤخذ منه أن خطأ الإمام أو نائبه يكون في بيت المال.
وقوله: ﴿إِلَّ أَنْ يَضَذَّقُوا﴾ أي: فتجب فيه الدية مسلمة إلى أهله إلا أن يتصدقوا بها فلا
تجب، وقوله: ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ أي: إذا كان
القتيل مؤمناً ولكن أولياؤه من الكفار أهل حرب، فلا دية لهم، وعلى القاتل تحرير رقبة مؤمنة لا
غير، وقوله: ﴿وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَقٌّ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ، وَتَحْرِثُ
رَقَّبَةٍ مُؤْمِنَةٌ﴾ أي: فإن كان القتيل أولياؤه أهل ذمة أو هدنة فلهم دية قتيلهم، فإن كان مؤمناً
فدية كاملة، وكذا إن كان كافراً أيضاً عند طائفة من العلماء، وقيل: يجب في الكافر نصف دية
المسلم، وقيل: ثلثها كما هو مفصل في كتاب الأحكام، ويجب أيضاً على القاتل تحرير رقبة
مؤمنة ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنٍ﴾ أي: لا إفطار بينهما بل يسرد صومهما إلى
آخرهما، فإن أفطر من غير عذر من مرض أو حيض أو نفاس استأنف، واختلفوا في السفر هل
يقطع أم لا؟ على قولين. وقوله: ﴿تَوْبَةٌ مِّنَ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي: هذه توبة
(١) المسند ٣٢٨/٧ - ٣٢٩، وسنن أبي داود، الديات، باب الدية كم هي؟ (ح٤٥٤٥)، وقال: هو قول
عبد الله. اهـ. أي لم يصح رفعه وسنن الترمذي، الديات (ح١٣٨٦)، وسنن النسائي، الديات، باب ذكر
أسنان دية الخطأ ٤٣/٨، وسنن ابن ماجه، الديات، باب دية الخطأ (ح٢٦٣١)، وسنن الدارقطني ٣/
١٧٣، وقال: هذا حديث ضعيف غير ثابت عند أهل المعرفة بالحديث من وجوه عدة، وسرد علله في
العلل ٦٩٤/٥. وأخرجه البيهقي وجزم أنه من قول ابن مسعود (السنن الكبرى ٧٥/٨).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة بسند حسن من طريق عاصم بن ضمرة عن علي بلفظ آخر: ((إذ جعلها أرباعاً خمسة
وعشرين ثم خمسة وعشرين ... )) وهكذا (المصنف ٢٧٣/٦).
(٣) ذكره في الأم ٦/ ١٠١.
(٤) صحيح البخاري، الطب، باب الكهانة (ح٥٧٥٨)، وصحيح مسلم، القسامة، باب دية الجنين (ح ١٦٨١).
(٥) ميلغة الكلب: أي الإناء الذي يلغ فيه، أي يشرب فيه الكلب.
(٦) صحيح البخاري، المغازي، باب بعث النبي وَّر خالد بن الوليد (ح٤٣٣٩).