النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
• سُوَرَُّ النِّسَخَّاءِ (٤٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
[وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا أبو زيد، عمر بن شَبّة](١)، حدثنا سهاد بن عباد، حدثنا مندل بن
علي، عن ليث، عن عطاء، عن عائشة، وعن أبي روق، عن إبراهيم التيمي، عن عائشة.
ـج.
قالت: كان النبي 18ّ ينال مني القبلة بعد الوضوء، ثم لا يعيد الوضوء(٢).
وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن أبي روق الهمداني، عن إبراهيم التيمي،
عن عائشة ثنا، أن رسول الله وَّهُ قبّل ثم صلى ولم يتوضأ(٣)، رواه أبو داود والنسائي، من
حديث يحيى القطان، زاد أبو داود: وابن مهدي، كلاهما عن سفيان الثوري به. ثم قال أبو داود
والنسائي: لم سمع إبراهيم التيمي من عائشة(٤).
وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثنا أبي، حدثنا يزيد بن سنان، عن
عبد الرحمن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أم سلمة، أن رسول الله واله
كان يقبلها وهو صائم، ثم لا يفطر ولا يحدث وضوءاً(٥). وقال أيضاً: حدثنا أبو كريب،
حدثنا حفص بن غياث، عن حجاج، عن عمرو بن شعيب، عن زينب السهمية، عن عائشة،
عن النبي ◌ّير: أنه كان يقبل ثم يصلي ولا يتوضأ (٦). وقد رواه الإمام أحمد، عن محمد بن
فضيل، عن حجاج بن أرطأة، عن عمرو بن شعيب، عن زينب السهمية، عن عائشة، عن
النبي وَلُّ به(٧) .
وقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءٍ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ استنبط كثير من الفقهاء من هذه الآية: أنه
لا يجوز التیمم لعادم الماء إلا بعد طلب الماء، فمتی طلبه فلم یجده، جاز له حينئذٍ التيمم، وقد
ذكروا كيفية الطلب في كتب الفروع، كما هو مقرر في موضعه، كما هو في الصحيحين من
حديث عمران بن حصين: أن رسول الله وَله رأى رجلاً معتزلاً لم يصل في القوم، فقال: ((يا
فلان ما منعك أن تصلي مع القوم، ألست برجل مسلم؟)) قال: بلى يا رسول الله، ولكن أصابتني
جنابة ولا ماء، قال: ((عليك بالصعيد فإنه يكفيك))(٨). ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ
صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ فالتيمم في اللغة، هو القصد، تقول العرب: [تيممك](٩) الله بحفظه؛ أي: قصدك،
ومنه قول امرئ القيس شعراً (١٠) :
ولما رأتْ أن المنيةَ وردُها
وأن الحصى من تحت أقدامها دام
(١) ما بين معقوفين سقط، واستدرك من (حم) و(مح) وتفسير الطبري.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وإبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة ولكنه توبع بالروايات السابقة.
(٣) المسند ٦/ ٦٢ بنحوه وسنده كسابقه.
(٤) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه وتعليقه السنن (ح١٧٨).
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب ضعف يزيد بن سنان الرهاوي (مجمع الزوائد ٢٤٧/١).
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٧) المسند ٦٢/٦، وفيه حجاج بن أرطأة مدلس ولم يصرح بالسماع، وقد توبع فيتقوى بحديث عائشة المتقدم.
(٨) صحيح البخاري، التيمم، باب الصعيد الطيب وضوء المسلم ... (ح ٣٤٤)، وصحيح مسلم، المساجد
ومواضع الصلاة، باب قضاء الفائتة ... (ح ٦٨٢).
(٩) كذا في النسخة الأزهرية حسب طبعة الشعب، وفي الأصل و(حم) و(مح): ((نواك)). والمثبت هو الصحيح.
(١٠) في ديوان امرئ القيس ص٤٧٥.

١٢٢
سُورَةُ النِّسَاءِ (٤٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
يفيئ عليها الفيء عرمضها (٢) طامٍ
(١)
تيممت العين عند ضارج
والصعيد قيل: هو كل ما صعد على وجه الأرض، فيدخل فيه التراب والرمل والشجر والحجر
والنبات، وهو قول مالك، وقيل: ما كان من جنس التراب، كالرمل والزرنيخ والنورة، وهذا
مذهب أبي حنيفة، وقيل: هو التراب فقط، وهو قول الشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهما،
واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَنُصْيِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠] أي: تراباً أملس طيباً، وبما ثبت في
صحيح مسلم، عن حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله وَ له: ((فضلنا على الناس بثلاث:
جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً، وجعلت تربتها لنا طهوراً
إذا لم نجد الماء)) وفي لفظ: ((وجعل ترابها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء))(٣).
قالوا: فخصص الطهورية بالتراب، في مقام الامتنان، فلو كان غيره يقوم مقامه لذكره معه،
والطيب ههنا قيل: الحلال، وقيل: الذي ليس بنجس، كما رواه الإمام أحمد وأهل السنن، إلا
ابن ماجه من حديث أبي قلابة، عن عمرو بن [بُجْدان](٤)، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله وَ له :
((الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر حجج، فإذا وجده فليمسه بشرته فإن ذلك
خير)) وقال الترمذي: حسن صحيح(٥)، وصححه ابن حبان أيضاً، ورواه الحافظ أبو بكر البزار
في مسنده، عن أبي هريرة وصححه الحافظ أبو الحسن القطان.
وقال ابن عباس: أطيب الصعيد تراب الحرث، رواه ابن أبي حاتم(٦)، ورفعه ابن مردويه في
تفسيره.
وقوله: ﴿فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ التيمم بدل عن الوضوء في التطهر به، لا أنه بدل منه في
جميع أعضائه، بل يكفي مسح الوجه واليدين فقط بالإجماع، ولكن اختلف الأئمة في كيفية
التيمم على أقوال:
أحدها: وهو مذهب الشافعي في الجديد: أنه يجب أن يمسح الوجه واليدين إلى المرفقين
بضربتين، لأن لفظ اليدين يصدق إطلاقهما على ما يبلغ المنكبين، وعلى ما يبلغ المرفقين، كما
في آية الوضوء، ويطلق ويراد بهما ما يبلغ الكفين، كما في آية السرقة ﴿فَأَقْطَمُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾
[المائدة: ٣٨] قالوا: وحمل ما أطلق ههنا على ما قيد في آية الوضوء أولى لجامع الطهورية، وذكر
بعضهم: ما رواه الدارقطني عن ابن عمر، قال: قال رسول الله وَلا ير: ((التيمم ضربتان: ضربة
للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين))(٧)، ولكن لا يصح، لأن في أسانيده ضعفاء، لا يثبت
(١) ضارج: اسم مكان اختلف في موضعه (معجم البلدان ٣/ ٤٥٠).
(٢) العرمض: عشب أخضر يعلو الماء.
(٣) صحيح مسلم، المساجد ومواضع الصلاة (ح ٥٢٢).
(٤) كذا في (حم)، والمسند والتخريج، وفي (مح): ((مجدان))، وفي الأصل: ((نجران)) وكلاهما تصحيف.
(٥) تقدم تخريجه وصحته قبل خمس صفحات.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس، وقابوس لين
الحديث كما في التقريب.
(٧) سنن الدارقطني ١٨٠/١ (ح١٦)، وضعفه الحافظ ابن حجر (الفتح ٤٤١/١)، وضعفه الحافظ ابن كثير
أيضاً .

١٢٣
• سُوَرَّةُ الْنِسَاءِ (٤٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الحديث بهم، وروى أبو داود عن ابن عمر، في حديث، أن رسول الله وَ ﴿، ضرب بيديه على
الحائط ومسح بهما وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه(١)، ولكن في إسناده محمد بن
ثابت العبدي، وقد ضعفه بعض الحفاظ، ورواه غيره من الثقات، فوقفوه على فعل ابن عمر،
قال البخاري وأبو زرعة وابن عدي: وهو الصواب، وقال البيهقي: رفع هذا الحديث منكر،
واحتج الشافعي بما رواه عن إبراهيم بن محمد، عن أبي الحويرث، عن عبد الرحمن بن معاوية،
عن الأعرج، عن ابن الصمة: أن رسول الله وسلم تيمم فمسح وجهه وذراعيه(٢).
وقال ابن جرير: حدثني موسى بن سهل الرملي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا خارجة بن
مصعب، عن عبد الله بن عطاء، عن موسى بن عقبة، عن الأعرج، عن أبي جهيم، قال: رأيت
رسول الله ◌َ* يبول، فسلمت عليه، فلم يردّ عليّ حتى فرغ، ثم قام إلى الحائط فضرب بيديه
عليه، فمسح بهما وجهه، ثم ضرب بيديه على الحائط فمسح بهما يديه إلى المرفقين، ثم ردّ عليّ
السلام(٣) .
والقول الثاني: أنه يجب مسح الوجه واليدين إلى الكفين بضربتين، وهو القول القديم
للشافعي .
والثالث: أنه يكفي مسح الوجه والكفين بضربة واحدة.
قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن ذر، عن ابن
عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، أن رجلاً أتى عمر، فقال: إني أجنبت فلم أجد ماء، فقال عمر
لا تصل، فقال عمار: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية فأجنبنا فلم نجد ماء، فأما
أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت في التراب فصليت، فلما أتينا النبي ◌َ ◌ّ ذكرت ذلك له، فقال:
((إنما كان يكفيك)) وضرب النبي ◌ّيل بيده الأرض، ثم نفخ فيها ومسح بها وجهه وكفيه(٤). وقال
أحمد أيضاً: حدثنا عفان، حدثنا أبان، حدثنا قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن عبد الرحمن بن
أبزى، عن أبيه، عن عمار، أن رسول الله وَله قال في التيمم: ((ضربة الوجه والكفين))(١٧.
(١) أخرجه أبو داود من طريق محمد بن ثابت عن نافع، عن ابن عمر، وضعفه بقوله: سمعت أحمد بن حنبل
يقول: روى محمد بن ثابت حديثاً منكراً في التيمم ... لم يتابع محمد بن ثابت في هذه القصة على
ضربتين عن النبي * ورووه فعل ابن عمر (السنن، الطهارة، باب التيمم في الحضر ح ٣٣٠). وضعفه
الحافظ ابن كثير أيضاً.
(٢) أخرجه الشافعي بسنده ومتنه (الأم ٤٢/١)، وفي سنده إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي: متروك
(التقريب ص٩٣) ويشهد له الحديث الصحيح التالي.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده خارجة بن مصعب وهو السرخسي متروك كان يدلس عن الكذابين
(التقريب ص١٨٦)، وضعفه أحمد شاكر وقد توبع في رواية البخاري فأخرجه عن يحيى بن بكير عن الليث
عن جعفر بن ربيعة عن الأعرج به (الصحيح، التيمم، باب التيمم في الحضر ح٣٣٧).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٦٥/٤)، وأخرجه البخاري من طريق شعبة به (الصحيح،
التيمم، باب التيمم في الحضر ح٣٣٨).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٦٣/٤)، وأخرجه الدارمي من طريق عفان به وصححه (السنن
ح٧٥١)، وأخرجه الترمذي من طريق قتادة به وقال: حسن صحيح (السنن الطهارة، باب التيمم ح١٤٤)،
وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح١٢٥).

١٢٤
• سُورَةُ النِّسَاءِ (٤٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
(طريق أخرى) قال أحمد: حدثنا عفان، حدثنا عبد الواحد، عن سليمان الأعمش، حدثنا
شقيق، قال: كنت قاعداً مع عبد الله وأبي موسى، فقال أبو موسى لعبد الله: لو أن رجلاً لم يجد
الماء لم يصل؟ فقال عبد الله: لا، فقال أبو موسى: أما تذكر إذ قال عمار لعمر: ألا تذكر إذ
بعثني رسول الله وَ﴿ وإياك في إبل، [فأصابتني] (١) جنابة فتمرغت في التراب، فلما رجعت إلى
رسول الله ﴿ أخبرته، فضحك رسول الله وَ ﴿ وقال: ((إنما كان يكفيك أن تقول هكذا، وضرب
بكفيه إلى الأرض، ثم مسح كفيه جميعاً، ومسح وجهه مسحة واحدة بضربة واحدة؟» فقال
عبد الله: لا جرم، ما رأيت عمر قنع بذاك، قال: فقال له أبو موسى: فكيف بهذه الآية في سورة
النساء ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءٍ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِبًا﴾؟ قال: فما درى عبد الله ما يقول، وقال: لو رخصنا
لهم في التيمم لأوشك أحدهم إذا برد الماء على جلده أن يتيمم(٢).
وقال تعالى في آية المائدة: ﴿فَأَمْسَحُواْ بُوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] استدل بذلك
الشافعي، على أنه لا بدّ في التيمم، أن يكون بتراب طاهر، له غبار يعلق بالوجه واليدين منه
شيء، كما رواه الشافعي بإسناده المتقدم عن ابن الصمّة: أنه مرّ بالنبي وَّ وهو يبول، فسلم عليه
فلم يرد عليه، حتى قام إلى جدار فحته بعصا كانت معه، فضرب يده عليه، ثم مسح وجهه
وذراعيه(٣) .
وقوله: ﴿مَا يُرِيدُ اَللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦] أي: في الدين الذي شرعه لكم
﴿وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فلهذا أباح لكم، إذا لم تجدوا الماء، أن تعدلوا إلى التيمم
بالصعيد، ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦] ولهذا كانت هذه الأمة مختصة
[بشرعية] (٤) التيمم، دون سائر الأمم، كما ثبت في الصحيحين، عن جابر بن عبد الله
ـّ، قال:
قال رسول الله يقول: ((أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت
لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل)) وفي لفظ: ((فعنده طهوره
ومسجده))، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى
قومه وبعثت إلى الناس عامة))(٥) .
وتقدم في حديث حذيفة عند مسلم: ((فضلنا على الناس بثلاث، جعلت صفوفنا كصفوف
الملائكة، وجعلت لنا الأرض مسجداً وتربتها طهوراً إذا لم نجد الماء))(٦)، وقال تعالى في هذه
الآية الكريمة: ﴿فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ أي: ومن عفوه عنكم وغفره
لكم أن شرع التيمم، وأباح لكم فعل الصلاة به إذا فقدتم الماء، توسعة عليكم ورخصة لكم،
(١) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: ((فأصابني)).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٦٥/٤)، وأخرجه البخاري من طريق سليمان الأعمش به نحوه
(الصحيح، التيمم باب إذا خاف الجنب على نفسه المرض ... ح٣٤٦).
(٣) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة، وأصله صحيح.
(٤) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: بشريعة.
(٥) صحيح البخاري، التيمم (ح٣٣٥)، وصحيح مسلم، المساجد ومواضع الصلاة (ح ٥٢١).
(٦) صحيح مسلم، المساجد ومواضع الصلاة (ح ٥٢٢).

١٢٥
• سُورَةُ النِّسَّةِ (٤٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وذلك أن هذه الآية الكريمة فيها تنزيه الصلاة، أن تفعل على هيئة ناقصة، من سكر حتى يصحو
المكلف ويعقل ما يقول، أو جنابة حتى يغتسل، أو حدث حتى يتوضأ، إلا أن يكون مريضاً أو
عادماً للماء، فإن الله رقم قد أرخص في التيمم، والحالة هذه رحمة بعباده ورأفة بهم، وتوسعة
عليهم، ولله الحمد والمنة.
(ذكر سبب نزول مشروعية التيمم) وإنما ذكرنا ذلك ههنا لأن هذه الآية التي في النساء متقدمة
النزول على آية المائدة، وبيانه أن هذه نزلت قبل تحتّم تحريم الخمر، والخمر إنما حرم بعد أُحد
بيسير يقال: في محاصرة النبي وَلّ لبني النضير، وأما المائدة فإنها من أواخر ما نزل ولا سيما
صدرها، فناسب أن نذكر السبب ههنا، وبالله الثقة.
قال أحمد: حدثنا ابن نمير عن [هشام] (١) عن أبيه، عن عائشة أنها استعارت من أسماء
قلادة فهلكت، فبعث رسول الله ( * رجالاً في طلبها فوجدوها، فأدركتهم الصلاة وليس معهم
ماء فصلوا بغير وضوء، فشكوا ذلك إلى رسول الله، فأنزل الله آية التيمم، فقال أسيد بن
الحضير لعائشة: جزاك الله خيراً، فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله لك وللمسلمين فيه
خيراً(٢).
(طريق أخرى) قال البخاري: حدثنا عبد الله بن يوسف، أنبأنا مالك، عن عبد الرحمن بن
القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول الله و18َ في بعض أسفاره حتى إذا كنا
بالبيداء أو بذات الجيش، انقطع عقد لي، فأقام رسول الله وسلم على التماسه، وأقام الناس معه
وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر فقالوا: ألا ترى إلى ما صنعت
عائشة، أقامت برسول الله و 98 وبالناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء؟ فجاء أبو بكر
ورسول الله 18 واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبست رسول الله وَله والناس وليسوا
على ماء وليس معهم ماء؟ قالت عائشة: فعاتبني أبو بكر، وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل
يطعن بيده في خاصرتي ولا يمنعني من التحرك إلا مكان رأس رسول الله يسير على فخذي فقام
رسول الله وَ﴾ حين أصبح على غير ماء فأنزل الله آية التيمم، فتيمموا، فقال أسيد بن الحضير: ما
هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته(٣)، وقد
رواه [البخاري أيضاً عن قتيبة وإسماعيل(٤)، ورواه مسلم عن يحيى بن يحيى، عن مالك](٥) (٦).
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن صالح قال، قال ابن شهاب:
حدثني عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن عمار بن ياسر: أن رسول الله وَل عرس
(١) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل: ((هاشم)) وهو تصحيف.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥٧/٦)، وسنده صحيح أخرجه البخاري من طريق عبد الله بن
نمير به (الصحيح، التيمم، باب إذا لم يجد ماءً ولا تراباً ح٣٣٦).
(٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التيمم ح٣٣٤).
(٤) صحيح البخاري، فضائل الصحابة (ح٣٦٧٢)، وكتاب التفسير (ح ٤٦٠٧).
(٥) ما بين معقوفين استدرك من (حم) و(مح).
(٦) صحيح مسلم، الحيض، باب التيمم (ح ٣٦٧).

١٢٦
• سُورَةِ النِّسَكَّاءِ (٤٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
بأولات الجيش(١) ومعه زوجته عائشة، فانقطع عقد لها من جزع ظفار (٢)، فحبس الناس ابتغاء
عقدها ذلك حتى أضاء الفجر، وليس مع الناس ماء، فأنزل الله على رسوله رخصة التطهر
بالصعيد الطيب، فقام المسلمون مع رسول الله وسل ﴿ فضربوا بأيديهم إلى الأرض، ثم رفعوا أيديهم
ولم يقبضوا من التراب شيئاً، فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب، ومن بطون أيديهم إلى
الأباط(٣). وقد رواه ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا صيفي بن ربعي، عن ابن أبي ذئب،
عن الزهري، عن عبيد الله، عن أبي اليقظان، قال: كنا مع رسول الله وَلقر فهلك عقد لعائشة،
فأقام رسول الله وَلقر حتى أضاء الفجر، فتغيظ أبو بكر على عائشة، فنزلت عليه رخصة المسح
بالصعيد الطيب، فدخل أبو بكر فقال لها: إنك لمباركة نزلت فيك رخصة، فضربنا بأيدينا ضربة
لوجوهنا، وضربة لأيدينا إلى المناكب والأباط(٤).
(حديث آخر) قال الحافظ أبو بكر بن مردویه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا
الحسن بن أحمد بن الليث، حدثنا محمد بن مرزوق، حدثنا [العلاء](٥) بن أبي سَويّة، حدثني
الهيثم بن رُزيق المالكي من بني مالك بن كعب بن سعد وعاش مائة وسبع عشرة سنة، عن أبيه،
عن الأسلع بن شريك، قال: كنت أرحل ناقة رسول الله وَ﴿ فأصابتني جنابة في ليلة باردة، وأراد
رسول الله﴿ الرحلة، فكرهت أن أرحل ناقة رسول الله وَليل وأنا جنب، وخشيت أن أغتسل
بالماء البارد فأموت أو أمرض، فأمرت رجلاً من الأنصار فرحلها، ثم رضفت(٦) أحجاراً
فأسخنت بها ماء فاغتسلت ثم لحقت رسول الله وَطهر وأصحابه، فقال: ((يا أسلع ما لي أرى
رحلتك تغيرت)) قلت: يا رسول الله لم أرحلها، رحلها رجل من الأنصار، قال: ((ولم؟)) قلت:
إني أصابتني جنابة فخشيت القرّ(٧) على نفسي، فأمرته أن يرحلها، ورضفت أحجاراً فأسخنت بها
ماء فاغتسلت به، فأنزل الله تعالى ﴿لَا تَقْرَبُواْ الضَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَقَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ وَلَا جُنُبًّا
إِلَّا عَاِ سَبِيلٍ حَّى تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُم ◌َّضَ أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَآَةَ أَحَدٌ مِّنْكُم مِّنَ الْغَبِطِ أَوْ لَمَسْهُمُ
النِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَتِّبًا فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (١)﴾(٨)،
.
وقد روي من وجه آخر عنه(٩)
(١) عرس باولات الجيش: أي نزل آخر الليل في موضع قرب المدينة المنورة.
(٢) أي: قلادة من خرز يماني لأن ظفار بلدة بسواحل اليمن.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٦٠/٣٠ ح ١٨٣٢٢)، وصححه محققوه. وما ورد من صيغة هذا
المسح قد وجهه الحافظ ابن حجر في الفتح (٤٤٥/١).
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصححه أحمد شاكر.
(٥) في الأصل: ((العباس))، والتصويب من المختارة ٢١٦/٤، وأسد الغابة ٩١/١، والتقريب.
(٦) الرضف: واحدتها رضفة، وهي الحجارة المحماة على النار (النهاية ٢٣١/٢).
(٧) أي: البرد.
(٨) أخرجه الضياء المقدسي من طريق ابن مردويه به (المختارة ٢١٦/٤ - ٢١٧)، وأخرجه الطبراني (المعجم
الكبير ح ٨٧٧)، والبيهقي (السنن الكبرى ٥/١ -٦)، كلاهما من طريق محمد بن مرزوق به. وسنده ضعيف
لأن الهيثم بن زريق، قال العقيلي: لا يتابع على حديثه (لسان الميزان ٢٠٦/٦)، وقال الأثير: فيه نظر
(أسد الغابة ٩١/١).
(٩) أخرجه الطبري بسند فيه الربيع بن بدر: متروك (التقريب ص٢٠٦).

١٢٧
• سُورَةُ الْنَسَّْاءِ (٤٤، ٤٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
وَاللَّهُ
﴿أَلَمَّ تَّرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ يَشْتَرُونَ الضَّلَلَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُواْ السَّبِيلَ
أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِلَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِلَِّ نَصِيرًا ﴿ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ، وَيَقُولُونَ
سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأَسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَعِنَا لَيَّأَ بِأَلْسِنَئِهِمْ وَطَعْنَا فِ الدِّينَّ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأَسْمَعْ
وَأَنْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ يَكُفْرِهِمٍ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّ قَلِيلًا
يخبر تعالى عن اليهود - عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة - أنهم يشترون الضلالة
بالهدى، ويعرضون عما أنزل الله على رسوله، ويتركون ما بأيديهم من العلم عن الأنبياء الأقدمين
في صفة محمد وَّه، ليشتروا به ثمناً قليلاً من حطام الدنيا، ﴿وَيُرِدُونَ أَنْ تَضِلُواْ السَّبِيلَ﴾ أي:
يودون لو تكفرون بما أنزل عليكم أيها المؤمنون وتتركون ما أنتم عليه من الهدى والعلم النافع،
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ أي: هو أعلم بهم ويحذركم منهم، ﴿وَكَفَى بِلَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيًا﴾ أي:
كفى به ولياً لمن لجأ إليه ونصيراً لمن استنصره. ثم قال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ ((من)) في هذا
لبيان الجنس كقوله: ﴿فَاجْتَلِبُواْ الْرّْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠].
وقوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ﴾ أي: يتأولون الكلام على غير تأويله، ويفسرونه بغير
مراد الله رَك قصداً منهم وافتراء ﴿ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ أي: يقولون: سمعنا ما قلته يا محمد
ولا نطيعك فيه، هكذا فسره مجاهد وابن زيد (١)، وهو المراد، وهذا أبلغ في كفرهم وعنادهم
وأنهم يتولون عن كتاب الله بعدما عقلوه وهم يعلمون ما عليهم في ذلك من [الإثم] (٢) والعقوبة،
وقوله: ﴿وَأَسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ أي: اسمع ما نقول، لا سمعت، رواه الضحاك عن ابن عباس(٣).
وقال مجاهد والحسن: واسمع غير مقبول منك(٤)، قال ابن جرير: والأول أصح، وهو كما
قال: وهذا استهزاء منه واستهتار، عليهم لعنة الله.
﴿وَرَعِنَا لَيَّأَ بِأَلْسِلَئِهِمْ وَطَعْنًا فِى الدِّينِ﴾ أي: يوهمون أنهم يقولون: راعنا سمعك بقولهم:
راعنا، وإنما يريدون الرعونة، وقد تقدم الكلام على هذا عند قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
تَقُولُواْ رَعِنَا وَقُولُواْ أَنْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] ولهذا قال تعالى: عن هؤلاء اليهود الذين يريدون
بكلامهم خلاف ما يظهرونه ﴿لَيَّ بِأَلْسِنَئِمْ وَطَعْنَا فِى الْدِينَ﴾ يعني: بسبهم النبي ◌َّز، ثم قال
تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَعْنَا وَأَسْمَعْ وَانُظْهَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لََّنَهُمُ اللَّهُ يَكُفْرِهِمْ فَلَ
يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: قلوبهم مطرودة عن الخير مبعدة منه، فلا يدخلها من الإيمان شيء نافع
لهم، وقد تقدم قوله تعالى: ﴿فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨] والمقصود أنهم لا يؤمنون إيماناً
نافعاً .
(١) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند
صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.
(٢) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: ((الملائم)).
(٣) أخرجه الطبري من طريق الضحاك به، وهو لم يسمع ابن عباس.
(٤) قول مجاهد أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الحسن أخرجه عبد الرزاق
بسند صحيح عن معمر عنه.

١٢٨
• سُورَةُ النِّسَاءِ (٤٧، ٤٨)
﴿بَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِنَبَ ءَامِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَرُدَّهَا
إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ،
عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَبَ السَّبْتِّ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا
وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِالَّهِ فَقَدِ آَفْتَ إِثْمًا عَظِيمًا
يقول تعالى آمراً أهل الكتاب بالإيمان بما نزل على عبده ورسوله محمد رير من الكتاب
العظيم الذي فيه تصديق الأخبار التي بأيديهم من البشارات، ومتهدداً لهم إن لم يفعلوا بقوله:
﴿مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَرُدَّهَا عَلَى أَدَبَارِهَا﴾ قال بعضهم: معناه من قبل أن نطمس وجوهاً،
فطمسها هو ردها إلى الأدبار وجعل أبصارهم من ورائهم، ويحتمل أن يكون المراد: من قبل أن
نطمس وجوهاً فلا نبقي لها سمعاً ولا بصراً ولا أثراً، ونردها مع ذلك إلى ناحية الأدبار.
قال العوفي، عن ابن عباس في الآية وهي ﴿مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا﴾: وطمسها أن تعمى
﴿فَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ يقول: نجعل وجوههم من قبل أقفيتهم، فيمشون القهقرى، ونجعل لأحدهم
عينين من قفاه(١)، وكذا قال قتادة وعطية العوفي(٢)، وهذا أبلغ في العقوبة والنكال، وهو مثل
ضربه الله لهم في صرفهم عن الحق وردهم إلى الباطل، ورجوعهم عن المحجة البيضاء إلى
[سُبُل](٣) الضلالة، يهرعون ويمشون القهقرى على أدبارهم، وهذا كما قال بعضهم في قوله:
﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِىّ أَعْنَقِهِمْ أَغْلَلًا فَهِىَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُم ◌ُقْمَحُونَ ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيَدِهِمْ سَنَّا وَمِنْ خَلْفِرْ
سَدَّا فَغْشَيْنَهُمْ فَهُمْ لَا يُصِرُونَ ﴾﴾ [يس]: هذا مثل ضربه الله لهم في ضلالهم، ومنعهم عن
الهدى.
قال مجاهد: من قبل أن نطمس وجوهاً، [يقول: عن صراط الحق](٤) فنردها على أدبارها؛
أي: في الضلالة(٥).
قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عباس والحسن نحو هذا(٦).
قال السدي: فنردها على أدبارها، فنمنعها عن الحق، قال: نرجعها كفاراً ونردهم قردة (٧)،
وقال ابن زيد: نردهم إلى بلاد الشام من أرض الحجاز(٨). وقد ذُكر أن كعب الأحبار أسلم حين
سمع هذه الآية.
قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا جابر بن نوح، عن عيسى بن المغيرة، قال: تذاكرنا
عند إبراهيم إسلام كعب، فقال: أسلم كعب زمان عمر، أقبل وهو يريد بيت المقدس، فمر على
المدينة، فخرج إليه عمر فقال: يا كعب، أسلم. فقال: ألستم تقرأون في كتابكم ﴿مَثَلُ الَّذِينَ
(١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.
(٢) قول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول عطية العوفي أخرجه الطبري.
(٣) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: ((سبيل)).
(٤) سقط في الأصل واستدرك من (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم.
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.
(٦) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي به لكن بدون ذكر: ونردهم قردة.
(٨) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه لكن بدون ذكر: أرض الحجاز.

١٢٩
سُورَةُ النَّسَاءِ (٤٧، ٤٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
حُمِلُواْ النَّوْرَنَةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥] وأنا قد حملت التوراة،
قال: فتركه عمر ثم خرج حتى انتهى إلى حمص، فسمع رجلاً من أهلها حزيناً وهو يقول: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ ءَامِنُواْ بِمَا نَِّنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَنْ نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا ... ﴾
الآية، قال كعب: يا رب أسلمت مخافة أن تصيبه هذه الآية، ثم رجع فأتى أهله في اليمن، ثم
جاء بهم مسلمين(١). وقد رواه ابن أبي حاتم بلفظ آخر من وجه آخر، فقال: حدثنا أبي، حدثنا
ابن نفيل، حدثنا عمرو بن واقد، عن يونس بن حَلْبَس، عن أبي إدريس عائذ الله الخولاني، قال:
كان أبو مسلم الجليلي معلم كعب، وكان يلومه في إبطائه عن رسول الله وَالر، قال: فبعثه إليه
لينظر أهو هو؟ قال كعب: فركبت حتى أتيت المدينة، فإذا تال يقرأ القرآن يقول: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
أُوتُوا الْكِنَبَ ءَامِنُواْ بِمَا نَّْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَآَ﴾ فبادرت
الماء فاغتسلت، وإني لأمسح وجهي مخافة أن أطمس ثم أسلمت(٢).
وقوله: ﴿أَوْ تَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَبَ السَّبْتِ﴾ يعني: الذين اعتدوا في سبتهم بالحيلة [على
الاصطياد](٣) وقد مسخوا قردة وخنازير، وسيأتي بسط قصتهم في سورة الأعراف(٤). وقوله:
﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ أي: إذا أمر بأمر فإنه لا يخالف ولا يمانع. ثم أخبر تعالى أنه ﴿لَا يَغْفِرُ
أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ أي: لا يغفر لعبد لقيه وهو مشرك به، ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: من الذنوب ﴿لِمَن
يَشَآءً﴾ أي: من عباده، وقد وردت أحاديث متعلقة بهذه الآية الكريمة فلنذكر منها ما تيسر:
(الحديث الأول): قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا صدقة بن موسى، حدثنا [أبو
عمران](٥) الجوني، عن يزيد بن بابَنوس، عن عائشة، قالت: قال رسول الله وَله: ((الدواوين عند الله
ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به شيئاً، وديوان لا يترك الله منه شيئاً، وديوان لا يغفره الله، فأما الديوان
الذي لا يغفره الله فالشرك بالله، قال الله رَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ وقال: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ
بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة: ٧٢]، وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئاً، فظلم العبد
نفسه فيما بينه وبين ربه من صوم يوم تركه أو صلاة تركها، فإن الله يغفر ذلك ويتجاوز إن شاء، وأما
الديوان الذي لا يترك الله منه شيئاً فظلم العباد بعضهم بعضاً، القصاص لا محالة)) (٦) تفرد به أحمد.
(الحديث الثاني): قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا أحمد بن مالك، حدثنا زائدة بن
أبي الرّقاد، عن زياد النميري، عن أنس بن مالك، عن النبي وسلم قال: ((الظلم ثلاثة: فظلم لا
يغفره الله، وظلم يغفره الله، وظلم لا يتركه الله، فأما الظلم الذي لا يغفره الله فالشرك، وقال:
﴿إِنَ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، وأما الظلم الذي يغفره الله فظلم العباد لأنفسهم فيما
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب ضعف جابر بن نوح وهو: الحماني (التقريب ص١٣٦).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جداً بسبب أن عمرو بن واقد متروك (التقريب ٨١/٢).
(٤) آية ١٦٣ - ١٦٦.
(٣) زيادة من (حم) و(مح).
(٥) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل: ((عمران)).
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٢٤٠)، وسنده ضعيف بسبب ضعف صدقة بن موسى، وجهالة
ابن بابنوس إذا أخرجه الحاكم من طريق صدقه به. كما قرر الذهبي في استدراكه على الحاكم (المستدرك
٤ /٥٧٥ - ٥٧٦).

١٣٠
سُورَةُ النَشَاءِ (٤٧، ٤٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
بينهم وبين ربهم، وأما الظلم الذي لا يتركه فظلم العباد بعضهم بعضاً حتى يدين لبعضهم من
بعض))(١).
(الحديث الثالث): قال الإمام أحمد: حدثنا صفوان بن عيسى، حدثنا ثور بن يزيد، عن أبي
عون، عن أبي إدريس، قال: سمعت معاوية يقول: سمعت رسول الله وَلا يقول: ((كل ذنب
عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافراً، أو الرجل يقتل مؤمناً متعمداً)) (٢) ورواه النسائي عن
محمد بن مثنى، عن صفوان بن عيسى به(٣).
(الحدیث الرابع): قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا عبد الحمید، حدثنا
شهر، حدثنا ابن غنم أن أبا ذر حدثه عن رسول الله وسير، قال: ((إن الله يقول: يا عبدي ما
عبدتني ورجوتني، فإني غافر لك على ما كان منك، يا عبدي إنك إن لقيتني بقراب الأرض
خطيئة ما لم تشرك بي، لقيتك بقرابها مغفرة)) (٤) تفرد به أحمد من هذا الوجه.
(الحديث الخامس): قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا حسين، عن
ابن بريدة أن [يحيى بن يعمر](6) حدثه أن أبا الأسود الديلي، حدثه أن أبا ذر، حدثه قال: أتيت
رسول الله * فقال: ((ما من عبد قال: لا إله إلا الله ثم مات على ذلك، إلا دخل الجنة)).
قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: ((وإن زنى وإن سرق)). قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: ((وإن
زنى وإن سرق)) ثلاثاً، ثم قال في الرابعة: ((على رغم أنف أبي ذر))، قال: فخرج أبو ذر وهو
يجر إزاره وهو يقول: وإن رغم أنف أبي ذر، وكان أبو ذر يحدث بهذا ويقول: وإن رغم أنف
أبي ذر(٦). أخرجاه من حديث حسين، به(٧).
(طريق أخرى) عنه: قال أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن
أبي ذر، قال: كنت أمشي مع النبي و ﴿ في حرة المدينة عشاء، ونحن ننظر إلى أُحد، فقال: ((يا
أبا ذر)) قلت: لبيك يا رسول الله. قال: ((ما أحب أن لي أُحداً ذاك عندي ذهباً أمسي ثالثة
وعندي منه دينار إلا ديناراً أرصده - يعني لدين -، إلا أن أقول به في عباد الله هكذا))، وحثا عن
يمينه وبين يديه وعن يساره، قال: ثم مشينا، فقال: ((يا أبا ذر [إن الأكثرين هم الأقلون يوم
(١) ذكره الهيثمي في كشف الأستار (ح٣٤٣٩)، وسنده ضعيف بسبب زائدة بن أبي الرقاد: منكر الحديث كما
في التقريب ص٢١٣.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٩٩/٤)، وسنده صحيح كما يلي:
(٣) أخرجه النسائي من طريق صفوان بن عيسى به (السنن، باب تعظيم الدم ٧/ ٨٣)، وصححه الألباني في
صحيح سنن النسائي (ح٣٧١٩)، وحسنه الأرناؤوط (جامع الأصول ٢٠٨/١٠)، وأخرجه الحاكم من طريق
صفوان به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٥١/٤).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٥٤/٥)، وسنده حسن لغيره إذ فيه شهر وهو ابن حوشب:
صدوق كثير الأوهام والإرسال، وقد صرح بالسماع وله شواهد في الصحيحين تقدمت.
(٥) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل: ((يحيى بن معمر)) وهو تصحيف.
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٦٦/٥)، وسنده صحيح كما يلي.
(٧) صحيح البخاري، اللباس، باب الثياب البيض (ح٥٨٢٧)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب من مات لا
يشرك بالله شيئاً دخل الجنة (ح ١٥٤).

١٣١
• سُوَّرَةُ النَّسَّاءِ (٤٧، ٤٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
القيامة، إلا من قال: هكذا وهكذا))، فحثا عن يمينه ومن بين يديه وعن يساره، قال: ثم مشينا،
فقال: ((يا أبا ذر](١) كما أنت حتى آتيك)) قال: فانطلق حتى توارى عني، قال: فسمعت لغطاً
وصوتاً، فقلت: لعل رسول الله وَّ ر عرض له، قال: فهممت أن أتبعه، ثم ذكرت قوله: لا تبرح
حتى آتيك، فانتظرته حتى جاء، فذكرت له الذي سمعت، فقال: ((ذاك جبريل أتاني فقال: من
مات من أمتك لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة)) قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: ((وإن زنى وإن
سرق))(٢)، أخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمش به(٣)، وقد رواه البخاري ومسلم أيضاً،
كلاهما عن قتيبة، عن جرير بن عبد الحميد، عن عبد العزيز بن رفيع، عن زيد بن وهب، عن
أبي ذر، قال: خرجت ليلة من الليالي فإذا رسول الله ولو يمشي وحده ليس معه إنسان، قال:
فظننت أنه يكره أن يمشي معه أحد، قال: فجعلت أمشي في ظل القمر، فالتفت فرآني، فقال:
((من هذا؟)) فقلت: أبو ذر، جعلني الله فداك. قال ((يا أبا ذر تعال)). قال: فمشيت معه ساعة،
فقال: ((إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة، إلا من أعطاه الله خيراً فنفخ فيه عن يمينه وشماله
وبين يديه ووراءه وعمل فيه خيراً)) قال: فمشيت معه ساعة، فقال لي: ((اجلس ههنا))، فأجلسني
في قاع حوله حجارة، فقال لي: ((اجلس ههنا حتى أرجع إليك)). قال: فانطلق في الحرة حتى لا
أراه، فلبث عني فأطال اللبث، ثم إني سمعته وهو مقبل وهو يقول: ((وإن زنى وإن سرق)) قال:
فلما جاء لم أصبر حتى قلت: يا نبي الله، جعلني الله فداك من تكلم في جانب الحرة، ما سمعت
أحداً يرجع إليك شيئاً، قال: ((ذاك جبريل عرض لي من جانب الحرة، فقال: بشّر أمتك أنه من
مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، قلت: يا جبريل، وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم. قلت:
وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم، قلت: وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم، وإن شرب الخمر))(٤).
(الحديث السادس): قال عبد بن حميد في مسنده: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن ابن أبي
ليلى، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: جاء رجل إلى رسول الله و 18 فقال: يا رسول الله، ما
الموجبتان، قال: ((من مات لا يشرك بالله شيئاً وجبت له الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئاً
وجبت له النار))(٥)، وذكر تمام الحديث تفرد به من هذا الوجه.
(طريق أخرى): قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن عمرو بن خلاد الحراني،
حدثنا منصور بن إسماعيل القرشي، حدثنا موسى بن عبيدة الرَّبذِي، أخبرني عبد الله بن عبيدة،
عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله وَله: ((ما من نفس تموت لا تشرك بالله شيئاً إلا حلت
(١) سقط في الأصل، واستدرك من (حم) و(مح) والمسند.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٥٢/٥)، وسنده صحيح كما يلي.
(٣) صحيح البخاري، الاستقراض، باب أداء الديون (ح٢٣٨٨)، وصحيح مسلم، الزكاة، باب الترغيب في
الصدقة (ح٩٤).
(٤) صحيح البخاري، الرقاق، باب المكثرون هم المقلّون (ح٦٤٤٣)، وصحيح مسلم، الزكاة، باب الترغيب
في الصدقة (ح٩٤).
(٥) أخرجه عبد بن حميد كما في المنتخب (ح١٠٦٠)، وفي سنده عنعنة أبي الزبير عن جابر وابن أبي ليلى
وهو: محمد بن عبد الرحمن فيه مقال، وكلاهما توبع فأخرجه مسلم من طريق الأعمش عن أبي سفيان عن
جابر (الصحيح، الإيمان، باب من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة ح١٥١).

١٣٢
سُورَةُ النِّسَاءِ (٤٧، ٤٨)
لها المغفرة، إن شاء الله عذبها وإن شاء غفر لها ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ
لِمَن يَشَاءُ﴾))(١)، ورواه الحافظ أبو يعلى في مسنده من حديث موسى بن عبيدة، عن أخيه
عبد الله بن عبيدة، عن جابر: أن النبي وَّ قال: ((لا تزال المغفرة على العبد ما لم يقع
الحجاب)) قيل: يا نبي الله وما الحجاب؟ قال: ((الإشراك بالله قال: ما من نفس تلقى الله لا
تشرك به شيئاً إلا حلت لها المغفرة من الله تعالى، إن يشاء أن يعذبها وإن يشاء أن يغفر لها)) ثم
قرأ نبي الله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءٌ﴾(٢).
(الحديث السابع): قال الإمام أحمد: حدثنا أبو نعيم، حدثنا زكريا، عن عطية، عن أبي
سعيد الخدري، قال: قال رسول الله وَله: ((من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة))(٣) تفرد به
من هذا الوجه.
(الحديث الثامن): قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو
قبيل، عن عبد الله بن ناشر من بني سريع، قال: سمعت أبا رَهْم قاصّ أهل الشام يقول: سمعت
أبا أيوب الأنصاري يقول: إن رسول الله وسل*، خرج ذات يوم إليهم، فقال لهم: ((إن ربكم ◌َ
خيرني بين سبعين ألفاً يدخلون الجنة غفراً (٤) بغير حساب وبين الخبيئة عنده لأمتي))، فقال له
بعض أصحابه: يا رسول الله، أيخبأ ذلك ربك؟ فدخل رسول الله وَله ثم خرج وهو يكبر فقال:
((إن ربي زادني مع كل ألف سبعين ألفاً والخبيئة عنده) قال أبو رهم: يا أبا أيوب: وما تظن خبيئة
رسول الله ﴿، فأكله الناس بأفواههم، فقالوا: وما أنت وخبيئة رسول الله وَّر؟ فقال أبو أيوب:
دعوا الرجل عنكم أخبركم عن خبيئة رسول الله وس﴿ كما أظن، بل كالمستيقن إن خبيئة رسول الله
أن يقول: ((رب من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله مصدقاً
لسانه قلبه أدخله الجنة))(٥).
(الحديث التاسع): قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا المؤمل بن الفضل الحراني، حدثنا
عيسى بن يونس (ح)، وأخبرنا هاشم بن القاسم الحراني فيما كتب إليّ، قال: حدثنا عيسى بن
يونس نفسه، عن واصل بن السائب الرقاشي، عن أبي سورة ابن أخي أبي أيوب الأنصاري، عن
أبي أيوب، قال: جاء رجل إلى النبي ◌َّير، فقال: إن لي ابن أخ لا ينتهي عن الحرام. قال:
((وما دينه؟)) قال: يصلي ويوحد الله تعالى. قال: ((استوهب منه دينه، فإن أبى فابتعه منه)) فطلب
الرجل ذاك منه فأبى عليه، فأتى النبي وَ ل﴿ فأخبره، فقال: ((وجدته شحيحاً على دينه)) قال: فنزلت
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءٍ﴾ (٦).
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف موسى بن عبيدة الربذي كما في التقريب.
(٢) في سنده أيضاً موسى الربذي.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٧٩/٣)، وفي سنده عطية وهو العوفي صدوق يخطئ كثيراً كما في
التقريب، ويشهد له ما اتفق عليه في الحديث الخامس السابق.
(٤) كذا في الأصل: و(حم) و(مح)، وفي المسند: ((عفوا)).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤١٣/٥)، وضعفه الهيثمي (مجمع الزوائد ٤٠٩/١٠).
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ولفظه، وسنده ضعيف لضعف واصل الرقاشي وضعف أبي سورة كما في
التقريب.

١٣٣
سُورَةُ الْنِسَاءِ (٤٧، ٤٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
(الحديث العاشر): قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا عمرو بن الضحاك، حدثنا أبي، حدثنا
مستور أبو همام الهنائي، حدثنا ثابت، عن أنس، قال: جاء رجل إلى رسول الله وص له فقال: يا
رسول الله، ما تركت حاجة ولا داجة(١) إلا قد أتيت، قال: ((أليس تشهد أن لا إله إلا الله، وأن
محمداً رسول الله؟)) ثلاث مرات قال: نعم، قال: ((فإن ذلك يأتي على ذلك كله))(٢).
(الحديث الحادي عشر): قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر، حدثنا عكرمة بن عمار، عن
ضمضم بن جوش اليمامي (٣)، قال: قال لي أبو هريرة: يا يمامي لا تقولن لرجل: والله لا
يغفر الله لك، أو لا يدخلك الجنة أبداً. قلت: يا أبا هريرة، إن هذه كلمة يقولها أحدنا
[لأخيه](٤) وصاحبه إذا غضب قال: لا تقلها، فإني سمعت رسول الله وسلم يقول: (كان في بني
إسرائيل رجلان: كان أحدهما مجتهداً في العبادة، وكان الآخر مسرفاً على نفسه، وكانا متآخيين،
وكان المجتهد لا يزال يرى الآخر على ذنب، فيقول: يا هذا أقصر، فيقول: خلني وربي أبعثت
عليّ رقيباً؟ قال: إلى أن رآه يوماً على ذنب استعظمه، فقال له: ويحك، أقصر! قال: خلني
وربي، أبعثت عليّ رقيباً؟ فقال والله لا يغفر الله لك أو لا يدخلك الله الجنة أبداً، قال: فبعث الله
إليهما ملكاً فقبض أرواحهما، واجتمعا عنده، فقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال
للآخر: أكنت عالماً، أكنت على ما في يدي قادراً؟ اذهبوا به إلى النار - قال : - فوالذي نفس
أبي القاسم بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته))(٥)، ورواه أبو داود من حديث عكرمة بن
عمار، حدثني ضمضم بن جوش به(٦) .
(الحديث الثاني عشر): قال الطبراني: [حدثنا أبو شيخ محمد] (٧) بن الحسين بن عجلان
الأصبهاني، حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان، عن أبيه، عن عكرمة، عن
ابن عباس، عن رسول الله وَّه قال: قال الله ريك: ((من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب
غفرت له ولا أبالي، ما لم يشرك بي شيئاً)(٨).
(الحديث الثالث عشر): قال الحافظ أبو بكر البزار والحافظ أبو يعلى: حدثنا هدبة بن خالد،
(١) أي ما تركت شيئاً دعتني نفسي إليه من المعاصي إلا وقد ركبته ... والداجة: الحاجة الكبيرة (النهاية ١/
٤٥٦ - ٤٥٧).
(٢) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ١٥٥/٦ ح٣٤٣٣)، وصححه محققه، وقال الهيثمي: رجاله ثقات
(مجمع الزوائد ٨٣/١٠).
(٣) كذا في (مح)، وفي الأصل و(حم): ((الهنائي)).
(٤) زيادة من (حم) و(مح).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٦/١٤ ح٨٢٩٢)، قال محققوه: إسناده حسن ومتنه غريب تفرد به
عكرمة.
(٦) السنن، الأدب، باب في النهي عن البغي (ح ٤٩٠١)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود
(ح ٤٠٩٧).
(٧) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: ((حدثنا شيخ عن محمد)).
(٨) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٢٤١/١١ ح١١٦١٥)، وسنده ضعيف لضعف إبراهيم بن
الحكم كما في التقريب، وأخرجه الحاكم من طريق حفص بن عمر العدني عن الحكم به وصححه وتعقبه
الذهبي بأن حفص بن عمر العدني واوٍ (المستدرك ٢٦٢/٤).

١٣٤
• سُورَةُ النَّسَاءِ (٤٧، ٤٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
حدثنا سهل بن أبي حزم، عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله وَ له: ((من وعده الله على
عمل ثواباً، فهو منجزه له، ومن توعده على عمل عقاباً، فهو فيه بالخيار)) تفردا به (١).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا بحر بن نصر الخولاني، حدثنا خالد - يعني: ابن عبد الرحمن
الخراساني -، حدثنا الهيثم بن جمَّاز عن سلام بن أبي مطيع، عن بكر بن عبد الله المزني، عن ابن
عمر، قال: كنا أصحاب النبي وَّ لا نشك في قاتل النفس، وآكل مال اليتيم، وقاذف المحصنات،
وشاهد الزور، حتى نزلت هذه الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِّرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءً﴾
فأمسك أصحاب النبي وَّر عن الشهادة(٢). ورواه ابن جرير من حديث الهيثم بن جمَّاز به(٣).
وقال ابن أبي حاتم أيضاً: حدثنا عبد الملك بن أبي عبد الرحمن المقري، حدثنا عبد الله بن
عاصم، حدثنا صالح - يعني: [المري] (٤) -، حدثنا أبو بشر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن
عمر، قال: كنا لا نشك فيمن أوجب الله له النار في الكتاب، حتى نزلت علينا هذه الآية ﴿إِنَّ
اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَةٌ﴾ قال: فلما سمعناها كففنا عن الشهادة
وأرجينا الأمور إلى الله رقميت(٥) .
وقال البزار: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا شيبان بن أبي شيبة، حدثنا حرب بن سُريج،
عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: قال: كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا
نبينا وَّهُ يقول: ((﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءٍ﴾ وقال: ((أخرت شفاعتي
لأهل الكبائر من أمتي يوم القيامة))(٦).
وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع، أخبرني مُجَبّر، عن عبد الله بن عمر أنه قال: لما نزلت
﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ... ﴾ إلى آخر الآية [الزمر: ٥٣]، قام
رجل فقال: والشرك بالله يا نبي الله؟ فكره ذلك رسول الله وَّه فقال: ((﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ
بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن كَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ آَفْتَرَى إِثْمَا عَظِيمًا (®﴾)) رواه ابن جرير (٧)، وقد
رواه ابن مردويه من طرق عن ابن عمر.
(١) أخرجه البزار بسنده ومتنه (مختصر زوائد مسند البزار ٤٥٦/٢ ح٢٢٠٤)، وقال الحافظ ابن حجر: سُهيل لا
يتابع على حديثه، وكذا أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٦٦/٦ ح٣٣١٦)، وضعفه محققة لضعف
سهيل بن أبي حزم، وهو كما قال فقد ضعفه الحافظ ابن حجر في التقريب ص٢٥٩.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وفي سنده الهيثم بن جماز ضعفه ابن معين وأحمد وأبو حاتم وأبو زرعة
(تاريخ ابن معين ٦٢٦/٢، وميزان الاعتدال ٢٠٤/٦، والجرح والتعديل ٨١/٩، وقد توبع كما سيأتي في
الرواية الثانية ورواية البزار بعدها .
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه.
(٤) كذا في (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: ((المزني)) وهو تصحيف.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده صالح المري وهو ضعيف كما في التقريب، وقد توبع كما
في رواية البزار التالية.
(٦) أخرجه البزار بسنده ومتنه (مختصر زوائد مسند البزار ٤٦٣/٢ ح٢٢١٩)، قال الهيثمي: وسنده جيد (مجمع
الزوائد ٢١٣/١٠ - ٢١٤).
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن أبي جعفر الرازي عن أبيه به، وأخرجه الطبري من الطريق نفسه =

١٣٥
• سُوَّرَةُ الْنِسَاءِ (٤٩، ٥٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وهذه الآية التي في سورة تنزيل مشروطة بالتوبة، فمن تاب من أي ذنب وإن تكرر منه،
تاب الله عليه، ولهذا قال: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَ أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ
الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] أي بشرط التوبة، ولو لم يكن كذلك لدخل الشرك فيه، ولا يصح ذلك
لأنه تعالى قد حتم ههنا بأنه لا يغفر الشرك، وحكم بأنه يغفر ما عداه لمن يشاء، أي: وإن لم
يتب صاحبه فهذه أرجى من تلك من هذا الوجه، والله أعلم. وقوله: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدٍ اُفْتَرَىّ
إِثْمًا عَظِيمًا﴾ كقوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، وثبت في الصحيحين عن ابن
مسعود أنه قال: قلت: يا رسول الله، أي: الذنب أعظم؟ قال: ((أن تجعل لله نداً وهو
خلقك ... )) وذكر تمام الحديث(١)، وقال ابن مردويه: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد، حدثنا
أحمد بن عمرو، حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا معن، حدثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن
الحسن، عن عمران بن حصين: أن رسول الله وَ لري قال: ((أخبركم بأكبر الكبائر الشرك بالله)) ثم
قرأ ﴿وَمَن يُشْرِ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىَ إِثْمًا عَظِيمًا﴾، وعقوق الوالدين، ثم قرأ ﴿أَنِ أُشْكُرْ لِ وَلَوْلِدَيْكَ
إِلَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤](٢).
] ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّى مَن يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ﴿ أَنْظُرْ كَيْفَ
يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمَّا مُّبِينًا ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ اُلْكِتَبِ يُؤْمِنُونَ
بِأَلْجِبْتِ وَالَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلًا ﴿﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنْهُمُ اللَّهُ
﴾.
(٥٣)
وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيًّا
قال الحسن وقتادة: نزلت هذه الآية وهِي قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَُّونَ أَنفُسَهُمْ﴾ في اليهود
والنصارى حين قالوا: ﴿فَحْنُ أَبْتَوَأْ اللَّهِ وَأَحِبَُّهُ﴾ [المائدة: ١٨](٣).
وقال ابن زيد: نزلت في قولهم: ﴿فَحْنُ أَبْكَوْ اَللَّهِ وَأَحِبَُّهُ﴾، وفي قولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ اُلْجَنَّةَ إِلَّا
مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَرَىَ﴾ [البقرة: ١١١] (٤).
وقال مجاهد: كانوا يقدمون الصبيان أمامهم في الدعاء والصلاة يؤمونهم ويزعمون أنهم لا
ذنب لهم، وكذا قال عكرمة وأبو مالك، وروى ذلك ابن جرير (٥) .
لكن لم يصرح باسم شيخه، وفي سنديهما مجبر مسكوت عنه (تعجيل المنفعة ص٣٩٣، والإكمال لابن
ماكولا ٢٠٨/٧، والمشتبه للذهبي ٥٧١/٢)، وقد حسّن روايته أحمد شاكر لأنه تابعي، كما في تعليقه على
تفسير الطبري.
(١) تقدم تخريجه في سورة البقرة آية ٢٢.
(٢) في سنده سعيد بن بشير وهو ضعيف كما في التقريب، والحسن البصري اختلف في سماعه من عمران
(جامع التحصيل ص١٩٧).
(٣) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الحسن أخرجه عبد الرزاق
بسند صحيح من طريق معمر عنه، وهذان المرسلان يقوي أحدهما الآخر.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه، وهو معضل ويتقوى بالمرسلين السابقين.
(٥) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عكرمة وأبي مالك أخرجهما
الطبري بسندين فيهما سفيان بن وكيع وهو ضعيف ويتقوى بسابقه.

١٣٦
سُورَةُ السََّاءِ (٤٩، ٥٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُونَ أَنفُسَهُمَّ ... ﴾ وذلك أن اليهود
قالوا: إن أبناءنا توفوا وهم لنا قربة وسيشفعون لنا ويزكوننا، فأنزل الله على محمد ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى
الَّذِينَ يُزَكُونَ أَنفُسَهُمَّ ... ) الآية، رواه ابن جرير(١).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن مصفى، حدثنا ابن حمير، عن ابن لهيعة،
عن بشير بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان اليهود يقومون صبيانهم يصلون
بهم، ويقربون قربانهم ويزعمون أنهم لا خطايا لهم ولا ذنوب، وكذبوا، قال الله: إني لا أطهر
ذا ذنب بآخر لا ذنب له، وأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُونَ أَنفُسَهُمْ﴾(٢). ثم قال: وروي عن
مجاهد وأبي مالك والسدي وعكرمة والضحاك، نحو ذلك(٣).
وقال الضحاك: قالوا: ليس لنا ذنوب كما ليس لأبنائنا ذنوب، فأنزل الله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ
◌ُزَكُونَ أَنفُسَهُمْ﴾ فيهم(٤).
وقيل: نزلت في ذم التمادح والتزكية، وقد جاء في الحديث الصحيح عند مسلم عن المقداد بن
الأسود قال: أمرنا رسول الله و القر أن نحثو في وجوه المداحين التراب(٥).
وفي الحديث الآخر المخرج في الصحيحين من طريق خالد الحذاء، عن عبد الرحمن بن أبي
بكرة، عن أبيه: أن رسول الله وَلير، سمع رجلاً يثني على رجل، فقال: ((ويحك قطعت عنق
صاحبك))، ثم قال: ((إن كان أحدكم مادحاً صاحبه لا محالة، فليقل: أحسبه كذا، ولا يزكي
على الله أحداً))(٦).
وقال الإمام أحمد: حدثنا معتمر، عن أبيه، عن نعيم بن أبي هند قال: قال عمر بن
الخطاب: من قال: أنا مؤمن فهو كافر، ومن قال: هو عالم فهو جاهل، ومن قال: هو في
الجنة فهو في النار (٧). ورواه ابن مردويه من طريق موسى بن عبيدة، عن طلحة بن عبيد الله بن
كريز، عن عمر أنه قال: إن أخوف ما أخاف عليكم إعجاب المرء برأيه فمن قال إنه مؤمن فهو
[كافر، ومن قال هو عالم فهو](٨) جاهل، ومن قال إنه في الجنة فهو في النار(٩) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة وحجاج، أنبأنا شعبة، عن سعد بن
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه بنحوه، وسنده ضعيف مسلسل بالضعفاء ويتقوى بالآثار اللاحقة.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده ابن لهيعة ولم يصرح بالسماع وتشهد له الآثار اللاحقة.
(٣) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وهذه الآثار أخرجها الطبري بأسانيد بعضها ثابت.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق علي بن الحكم عن الضحاك.
(٥) صحيح مسلم، الزهد والرقائق، باب النهي عن المدح إذا كان فيه إفراط (ح ٣٠٠٢).
(٦) صحيح البخاري، الشهادات، باب إذا زكى رجلاً كفاه (ح ٢٦٦٢)، وصحيح مسلم، الزهد والرقائق
(ح ٠ ٣٠٠).
(٧) أخرجه حنبل بن إسحاق عن الإمام أحمد به (شرح السنة للالكائي ٩٧٥/٣ ح ١٧٧٧)، وكذا صرح الحافظ
ابن كثير في مسند الفاروق (٥٧٤/٢).
(٨) زيادة من (حم) و(مح).
(٩) أخرجه مسدد من طريق موسى بن عبيدة به (كما في المطالب العالية ١/ ١٦٠ ح٢١١) وفي سنده موسى بن
عبيدة وهو: الربذي ضعيف كما في التقريب.

١٣٧
سُورَةُ الْنِسَاءِ (٤٩، ٥٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
إبراهيم، عن معبد الجهني، قال: كان معاوية قلما يحدث عن النبي ◌َّ قال: وكان قلما يكاد أن
يدع يوم الجمعة هؤلاء الكلمات أن يحدث بهن عن النبي ◌َّلهم يقول: ((من يرد الله به خيراً يفقهه
في الدين، وإن هذا المال حلو خضر، فمن يأخذه بحقه يبارك له فيه، وإياكم والتمادح فإنه
الذبح)) (١)، وروى ابن ماجه منه: ((إياكم والتمادح فإنه الذبح)) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن
غندر، عن شعبة به(٢)، ومعبد هذا هو ابن عبد الله بن عُليم البصري القدري.
وقال ابن جرير: حدثنا يحيى بن إبراهيم المسعودي، حدثنا أبي، عن أبيه، عن جده، عن
الأعمش، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال: قال عبد الله بن مسعود: إن الرجل
ليغدو بدينه ثم يرجع وما معه منه شيء، يلقى الرجل ليس يملك له نفعاً ولا ضراً، فيقول له:
إنك والله [كيت](٣) وكيت، فلعله أن يرجع ولم يَحْل من حاجته بشيء، وقد أسخط الله، ثم قرأ
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُونَ أَنفُسَهُمَّ ... ) الآية(٤). وسيأتي الكلام على ذلك مطولاً عند قوله تعالى:
﴿فَلَ تُزَّكُواْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَ﴾ ولهذا قال تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِى مَن يَشَآءُ﴾ أي: المرجع في
ذلك إلى الله رَك لأنه أعلم بحقائق الأمور وغوامضها .
ثم قال تعالى: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ أي: ولا يترك لأحد من الأجر ما يوازن مقدار الفتيل،
قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وعطاء والحسن وقتادة وغير واحد من السلف: هو ما يكون في
شق النواة(٥). وعن ابن عباس أيضاً: هو ما فتلت بين أصابعك(٦). وكلا القولين متقارب.
وقوله: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ اَلْكَلِبِّ﴾ أي: في تزكيتهم أنفسهم ودعواهم أنهم أبناء الله
وأحباؤه، وقولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودَا أَوْ نَصَرَىَ﴾ [البقرة: ١١١]، وقولهم: ﴿لَنْ
تَمَثَنَا النَّارُ إِلَّ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران: ٢٤] واتكالهم على أعمال آبائهم الصالحة، وقد حكم الله
أن أعمال الآباء لا تجزي عن الأبناء شيئاً في قوله: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَثّ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا
[البقرة]، قال: ﴿وَكَفَى بِهِ إِثْمَّا قُِّينًا﴾ أي: وكفى
كَسَبْتُوٌ وَلَا تُسْئَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
بصنيعهم هذا كذباً وافتراء ظاهراً.
وقوله: ﴿أَلَمَّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالَّغُوتِ﴾ أما الجبت،
فقال محمد بن إسحاق، عن حسان بن فائد، عن عمر بن الخطاب أنه قال: الجبت السحر،
والطاغوت الشيطان(٧).
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٩٣) وسنده حسن.
(٢) أخرجه ابن ماجه (السنن، الأدب، باب المدح ح٣٧٤٣)، وحسنه البوصيري في مصباح الزجاجة (٣/
١٨١)، والألباني في السلسلة الصحيحة (ح ١٢٨٤).
(٣) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: ((كذبت)) وهو تصحيف.
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الحاكم من طريق قيس بن مسلم به وصححه ووافقه الذهبي
(المستدرك ٤ / ٤٣٧).
(٥) قول ابن عباس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وبقية الآثار
ذكرها ابن أبي حاتم بحذف السند، وأخرج بعضها عبد الرزاق والطبري بأسانيد صحيحة.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق مجاهد عنه بنحوه.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن إسحاق به، وأخرجه البخاري معلقاً عن عمر (الصحيح، تفسير سورة =

١٣٨
• سُوَرَّةُ النِّسَّاءِ (٤٩، ٥٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وهكذا روي عن ابن عباس وأبي العالية ومجاهد وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير والشعبي
والحسن والضحاك والسدي(١).
وعن ابن عباس وأبي العالية ومجاهد وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير والشعبي والحسن
وعطية: الجبت الشيطان، وزاد ابن عباس: بالحبشية(٢) وعن ابن عباس أيضاً: الجبت الشرك (٣).
وعنه: الجبت الأصنام(٤).
وعن الشعبي: الجبت الكاهن(٥).
وعن ابن عباس: الجبت حيي بن أخطب(٦)، وعن مجاهد: الجبت كعب بن الأشرف(٧)،
وقال العلامة أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري في كتابه الصحاح: الجبت كلمة تقع على
الصنم والكاهن والساحر ونحو ذلك. وفي الحديث: ((الطيرة والعيافة والطّرْق من الجبت)).
قال: وليس هذا من محض العربية لاجتماع الجيم والتاء في كلمة واحدة من غير حرف
ذَوْلَقِيّ(٨) .
وهذا الحديث الذي ذكره رواه الإمام أحمد في مسنده، فقال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا
عوف [عن حيان أبي العلاء، حدثنا قطن](4) بن قبيصة عن أبيه وهو قبيصة بن مخارق أنه سمع
النبي ◌َّل﴾ قال: ((إن العيافة(١٠) والطرق (١١) والطيرة (١٢) من الجبت)) وقال عوف: العيافة زجر
الطير، والطرق الخط يخط في الأرض، والجبت، قال الحسن: إنه الشيطان(١٣). وهكذا رواه
النساء، باب ﴿وَإِن كُنُم قَّرْضَ﴾ [النساء: ٤٣]) قال الحافظ ابن حجر: وصله عبد بن حميد في تفسيره
=
ومسدد في مسنده وعبد الرحمن بن رسته في كتاب الإيمان كلهم من طريق ابن إسحاق عن حسان بن فائد
عن عمر مثله وإسناده قوي، وقد وقع التصريح بسماع ابن إسحاق له من حسان وسماع حسان من عمر في
رواية ابن رسته (الفتح ٢٥٢/٨، وتهذيب التهذيب ٢٥٢/٢).
(١) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند وأخرج الطبري وابن المنذر بعضها بأسانيد صحيحة، وقول عكرمة قال
الحافظ ابن حجر: وصله عبد بن حميد بإسناد صحيح (الفتح ٢٥٢/٨).
(٢) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند معلق، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن
قتادة، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق العوفي عنه.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق حنش بن الحارث عنه.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسند ثابت عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق ليث بن أبي سليم عن مجاهد.
(٨) الصحاح ٢٤٥/١.
(٩) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل: ((عن الحسان بن العلاء حدثنا قطر)) وهو تصحيف.
(١٠) العيافة: زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها (لسان العرب ٢٦١/٩).
(١١) الطّرق: الضرب بالحصى، وهو ضرب من التكهن (لسان العرب ٢١٥/١٠).
(١٢) الطيرة: التشاؤم بالشيء (النهاية ١٥٢/٣).
(١٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٠٨/٣٤ ح ٢٠٦٠٤)، وضعفه محققوه، وسنده حسن فقد أخرجه
ابن حبان (الإحسان ح ٦١٣١)، وحسنه النووي وصححه السيوطي كما في فيض القدير شرح الجامع الصغير
(٣٩٦/٤)، وحسنه الأرناؤوط (جامع الأصول ٦٣٩/٧).

١٣٩
سُورَةُ الْنَسْتَاءِ (٤٩، ٥٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أبو داود في سننه، والنسائي وابن أبي حاتم في تفسيريهما من حديث عوف الأعرابي به(١).
وقد تقدم الكلام على الطاغوت في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته ههنا (٢).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إسحاق بن الضيف، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، أخبرني
أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله أنه سئل عن الطواغيت، فقال: هم كهان تنزل عليهم الشياطين(٣) .
وقال مجاهد: الطاغوت الشيطان في صورة إنسان يتحاكمون إليه، وهو صاحب أمرهم(٤).
وقال الإمام مالك: الطاغوت هو كل ما يعبد من دون الله رَت(٥).
وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلًا﴾ أي: يفضلون الكفار على
المسلمين بجهلهم، وقلة دينهم، وكفرهم بكتاب الله الذي بأيديهم.
وقد روى ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، حدثنا سفيان، عن
عمرو، عن عكرمة، قال: جاء حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف إلى أهل مكة فقالوا لهم: أنتم
أهل الكتاب وأهل العلم، فأخبرونا عنا وعن محمد، فقالوا: ما أنتم وما محمد؟ فقالوا: نحن
نصل الأرحام، وننحر الكوماء(٦)، ونسقي الماء على اللبن، ونفك العُناة (٧)، ونسقي الحجيج،
ومحمد صُنبور(٨) قطع أرماحنا، واتبعه سراق الحجيج بنو غفار، فنحن خير أم هو؟ فقالوا: أنتم
خير وأهدى سبيلاً، فأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ
وَاَلَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلًا (﴾﴾(٩)، وقد روي هذا من غير
وجه عن ابن عباس وجماعة من السلف. [وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن
داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما قدم كعب بن الأشرف مكة قالت قريش: ألا ترى
هذا الصنبور المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا ونحن أهل الحجيج وأهل السدانة، وأهل السقاية؟
قال: أنتم خير، قال: فنزلت ﴿إِنَّ شَانِتَكَ هُوَ الْأَبَْ ﴾﴾ [الكوثر] ونزل ﴿أَلَزَّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ
أُوتُواْ نَصِيبًا مِنَ الْكِتَبِ﴾ إلى ﴿نَصِيرًا﴾(١٠)](١١).
(١) سنن أبي داود، الطب، باب الخط وزجر الطير (ح٣٩٠٧)، والسنن الكبرى (ح١١١٠٨)، وتفسير ابن أبي
حاتم.
(٢) آية ٢٥٦.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.
(٦) الكوماء: الناقة العظيمة السنام (لسان العرب ٥٢٩/١٢).
(٧) العناة: جمع عاني أي: الأسير (لسان العرب ١٠٢/١٥).
(٨) صنبور: بضم الصاد أي: الرجل الفرد الضعيف الذليل بلا أهل وعقب وناصر (ترتيب القاموس المحيط ٢/.
٨٥٦).
2
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح لكنه مرسل ويشهد له ما يليه إذ رواه ابن أبي حاتم
موصولاً كما يلي.
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق محمد بن أبي عدي به.
(١١) زيادة من (حم) و(مح).

١٤٠
• سُؤَدَّةُ النِّسَاءِ (٥٥،٥٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال ابن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن
عباس، قال: كان الذين حَزّبوا الأحراب من قريش وغطفان وبني قريظة حيي بن أخطب وسلام بن
أبي الحقيق أبو رافع والربيع بن الربيع بن أبي الحقيق وأبو عمار ووحوح بن عامر وهوذة بن قيس
فأمّا وحوح وأبو عمار وهوذة فمن بني وائل، وكان سائرهم من بني النضير، فلما قدموا على
قريش قالوا: هؤلاء أحبار يهود وأهل العلم بالكتب الأول فاسألوهم أدينكم خير أم دين محمد؟
فسألوهم فقالوا: بل دينكم خير من دينه وأنتم أهدى منه وممن اتبعه، فأنزل الله وم: ﴿أَلَمَّ تَرَ إِلَى
الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ اَلْكِتَبِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالَّغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ سَبِيلًا ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنْهُمُ اللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ اَللَّهُ فَلَن ◌َجِدَ لَهُ نَصِيًّا (3﴾﴾ إلى قوله: ﴿وَءَاتَيْنَهُم
مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥٤](١) .
وهذا لعن لهم وإخبار بأنهم لا ناصر لهم في الدنيا ولا في الآخرة لأنهم إنما ذهبوا يستنصرون
بالمشركين، وإنما قالوا: لهم ذلك، ليستميلوهم إلى نصرتهم، وقد أجابوهم وجاءوا معهم يوم
الأحزاب حتى حفر النبي ◌َ﴿ وأصحابه حول المدينة الخندق، فكفى الله شرهم ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ
كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْرً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْفِتَالَّ وَكَانَ اللّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٥)﴾ [الأحزاب].
﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلَّكِ فَإِذَا لَّا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيًّا ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآ ءَاتَلُهُمُ اللَّهُ
مِن فَضْلِ، فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَهِيَمَ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَءَاتَّيْنَهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا
﴿﴿ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ بِهِ، وَمِنْهُم مَّن
صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا
يقول تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ﴾، وهذا استفهام إنكاري؛ أي: ليس لهم نصيب من
الملك ثم وصفهم بالبخل، فقال: ﴿فَإِذَا لَّا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ أي: لأنهم لو كان لهم نصيب في
الملك والتصرف لما أعطوا أحداً من الناس ولا سيما محمداً وَ ل﴿ شيئاً، ولا ما يملأ النقير وهو
النقطة التي في النواة في قول ابن عباس(٢) والأكثيرين.
وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآيِنَ رَحْمَةٍ رَبِ إِذَا لَّأَمْسَكْتُ خَشْيَةَ الْإِفَائِ﴾
[الإسراء: ١٠٠] أي: خوف أن يذهب ما بأيديكم مع أنه لا يتصور نفاده وإنما هو من بخلكم
وشحكم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَكَانَ اُلْإِسَنُ قَتُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٠] أي: بخيلاً، ثم قال: ﴿أَمْ
يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآ ءَاتَئُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ يعني: بذلك حسدهم النبي ◌َّر على ما رزقه الله من
النبوة العظيمة، ومنعهم من تصديقهم إياه حسدهم له، لكونه من العرب وليس من بني إسرائيل.
وقال الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا يحيى الحماني، حدثنا قيس بن
الربيع، عن السدي، عن عطاء، عن ابن عباس في قوله: ﴿أَمْ يَحْسُّدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآ ءَاتَنُهُمُ اللَّهُ مِن
فَضْلِهِ﴾، قال ابن عباس: نحن الناس دون الناس، قال الله تعالى: ﴿فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَهِيمَ اَلْكِنَبَ
(١) أخرجه ابن إسحاق في سيرته (كما في سيرة ابن هشام ١٠٢٤/٣)، وأخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق
به ونسبه السيوطي إلى ابن إسحاق والطبري (الدر المنثور ١٧٢/٢) وسنده حسن، وقد فصلت دراسة هذا
الإسناد في مقدمة التفسير الصحيح.
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وذكر ابن أبي حاتم
خمسة من المفسرين الذين رووه بنحوه.