النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ سُورَةُ النِّسَاءِ (٢٣، ٢٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقوله تعالى: ﴿كِتَبَ الَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أي: هذا التحريم كتاب كتبه الله عليكم، فالزموا كتابه، ولا تخرجوا عن حدوده، والزموا شرعه وما فرضه. وقال عبيدة وعطاء والسدي في قوله: ﴿كِنَبَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾: [يعني: الأربع(١). وقال إبراهيم: ﴿كِنَبَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾](٢) يعني: ما حرم عليكم (٣). وقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ﴾ أي: ما عدا من ذكرن من المحارم، هن لكم حلال، قاله عطاء(٤) وغيره: وقال عبيدة والسدي: ﴿وَأُحِلَ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ﴾ ما دون الأربع(٥)، وهذا بعيد، والصحيح قول عطاء كما تقدم. وقال قتادة: ﴿وَأُحِلَ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ﴾ يعني: ما ملكت أيمانكم(٦). وهذه الآية هي التي احتج بها من احتج على تحليل الجمع بين الأختين، وقول من قال: أحلتهما آية وحرمتهما آية. وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُواْ بِأَمْوَلِكُم ◌ُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينٌ﴾ أي: تحصلوا بأموالكم من الزوجات إلى أربع، أو السراري ما شئتم بالطريق الشرعي، ولهذا قال: ﴿تُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينٌ﴾ . وقوله تعالى: ﴿فَمَا أُسْتَمْتَعْثُمُ بِهِ، مِنْهُنَّ فَاتُوُهُنَّ أُجُورَهُنَّ ◌َرِيضَةٌ﴾ أي: كما تستمتعون بهن فآتوهن مهورهن في مقابلة ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١] وكقوله تعالى: ﴿وَءَاتُوْ اَلِسَاءَ صَدُقَئِنَّ غِلَةٌ﴾ [النساء: ٤] وكقوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٢٩] وقد استدل بعموم هذه الآية على نكاح المتعة، ولا شك أنه كان مشروعاً في ابتداء الإسلام، ثم نسخ بعد ذلك، وقد ذهب الشافعي وطائفة من العلماء إلى أنه أبيح ثم نسخ. ثم أبيح ثم نسخ مرتين، وقال آخرون أكثر من ذلك. وقال آخرون: إنما أبيح مرة ثم نسخ مرة، ولم يبح بعد ذلك. وقد روي عن ابن عباس وطائفة من الصحابة القول بإباحتها للضرورة، وهو رواية عن الإمام أحمد، وكان ابن عباس وأبي بن كعب وسعيد بن جبير والسدي يقرؤون (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن فريضة)(٧)، وقال مجاهد: نزلت في نكاح المتعة، ولكن الجمهور على خلاف ذلك. والعمدة ما ثبت في الصحيحين عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رَظُبه قال: نهى رسول الله وَّر عن نكاح المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر (٨). ولهذا الحديث ألفاظ مقررة هي في كتاب الأحكام. وفي (١) قول عبيدة أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن سيرين عنه، وقول عطاء أخرجه الطبري بسند فيه سنيد: وهو ضعيف، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه. (٢) ما بين معقوفين سقط، واستدرك من (ح) و(حم) و(مح). (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق منصور عن إبراهيم النخعي. (٤) أخرجه الطبري بسند فيه سنید. (٥) قول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول عبيدة أخرجه الطبري بسند فيه سفيان بن وكيع: ضعيف. (٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه. (٧) هذه القراءة شاذة تفسيرية ذكرها الطبري عن أبي وابن عباس بحذف السند، ورواها عن سعيد بن جبير من طريق عمرو بن مرة عنه. (٨) صحيح البخاري، المغازي، باب غزوة خيبر (ح٤٢١٦)، وصحيح مسلم، النكاح، باب نكاح المتعة وبيان أنه أبيح ثم نسخ ... (ح ١٤٠٦/٣٠). ٦٢ سُورَةُ النِّسَاءِ (٢٥) صحيح مسلم عن الربيع بن سبرة بن معبد الجهني، عن أبيه، أنه غزا مع رسول الله وَ ل يوم فتح مكة، فقال: ((يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً))(١)، وفي رواية لمسلم: في حجة الوداع، وله ألفاظ موضعها كتاب الأحكام. وقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَضَيْتُم بِهِ، مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ من حمل هذه الآية على نكاح المتعة إلى أجل مسمى، قال: فلا جناح عليكم إذا انقضى الأجل أن تراضوا على زيادة به، وزيادة للجعل، قال السدي: إن شاء أرضاها من بعد الفريضة الأولى، يعني: الأجر الذي أعطاها على تمتعه بها قبل انقضاء الأجل بينهما، فقال: أتمتع منك أيضاً بكذا وكذا، فإن زاد قبل أن يستبرئ رحمها يوم تنقضي المدة، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَضَيْتُمْ بِهِ، مِنْ بَعْدِ اٌلْفَرِيضَةِ﴾(٢). قال السدي: إذا انقضت المدة فليس له عليها سبيل، وهي منه بريئة وعليها أن تستبرئ ما في رحمها، وليس بينهما ميراث، فلا يرث واحد منهما صاحبه، ومن قال بالقول الأول جعل معناه كقوله تعالى: ﴿وَءَاتُوْ اَلْنِّسَاءٍ صَدُقَئِنَ عِلَةٌ فَإِن ◌ِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَىْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُوهُ هَنِيْئًا [النساء] أي: إذا فرضت لها صداقاً فأبرأتك منه أو عن شىء منه، فلا جناح عليك ولا عليها في ذلك. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: زعم الحضرمي أن رجالاً كانوا يفرضون المهر، ثم عسى أن يدرك أحدهم العسرة، فقال: ولا جناح عليكم أيها الناس فيما تراضيتم به من بعد الفريضة(٣). يعني: إن وضعت لك منه شيئاً فهو لك سائغ. واختار هذا القول ابن جرير. وقالٍ علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَضَيْتُم بِهِ، مِنْ بَعْدِ اٌلْفَرِيضَةِ﴾ والتراضي أن يوفيها صداقها ثم يخيرها (٤)، يعني: في المقام أو الفراق. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ مناسب ذكر هذين الوصفين بعد شرع هذه المحرمات. ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَن يَنَكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ فَمِن ◌َّا مَلَكَتْ أَيْمَنْكُم مِّن فَيَِّكُمُ الْمُؤْمِنَتِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَنِكُمْ بَعْضُكُم مِّنْ بَعْضَِّ فَأَنْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَفِحَتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ ٢٥) . مِنَ الْعَذَابِّ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ الْعَنَتَ مِنكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ يقول تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ أي: سعة وقدرة ﴿أَن يَنْكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ﴾ أي: الحرائر العفائف المؤمنات. وقال ابن وهب: أخبرني عبد الجبار عن ربيعة ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ (١) صحيح مسلم، الباب السابق (ح٢١ /١٤٠٦). (٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، وما ذكره منسوخ ولا يؤخذ من السدي ما يؤيد بدعته . (٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن. (٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بالإسناد الثابت عن علي بن أبي طلحة به. ٦٣ سُورَةُ السَتَّاء (٢٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 مِنْكُمْ طَوْلًّا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَتِ﴾ قال ربيعة: الطول الهوى، يعني: ينكح الأمة إذا كان هواه فيها، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير(١)، ثم أخذ يشنع على هذا القول ويرده ﴿فَمِن ◌َّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ مِّن فَنَيَتِّكُمُ الْمُؤْمِنَتِ﴾ أي: فتزوجوا من الإيماء المؤمنات اللاتي يملكهن المؤمنون، ولهذا قال: ﴿مِّن فَيَتِكُمُ الْمُؤْمِنَتِ﴾، قال ابن عباس وغيره: فلينكح من إماء المؤمنين(٢)، وكذا قال السدي ومقاتل بن حيان(٣) ثم اعترض بقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَنِكُمْ بَعْضُكُمْ مِّنْ بَعْضَِّ﴾ أي: هو العالم بحقائق الأمور وسرائرها، [وإنما لكم](٤) أيها الناس الظاهر من الأمور، ثم قال: ﴿فَأَنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ فدل على أن السيد هو ولي أمته لا تزوج إلا بإذنه، وكذلك هو ولي عبده ليس له أن يتزوج بغير إذنه، كما جاء في الحديث ((أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر))(٥) أي: زانٍ. فإن كان مالك الأمة امرأة زوجها من يزوج المرأة بإذنها لما جاء في الحديث ((لا تزوج المرأة المرأة ولا المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها))(٦). وقوله تعالى: ﴿وَءَاتُوهُنَ أُجُورَهُنَّ بِلْمَعْرُوفِ﴾ أي: وادفعوا مهورهن بالمعروف، أي: عن طيب نفس منكم، ولا تبخسوا منه شيئاً استهانة بهن لكونهن إماء مملوكات. وقوله تعالى: ﴿الْمُحْصَنَتِ﴾ أي: عفائف عن الزنا لا يتعاطينه، ولهذا قال: ﴿غَيْرَ مُسَفِحَتٍ﴾ وهن الزواني اللاتي لا يمنعن من أرادهن بالفاحشة. وقوله تعالى: ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾، قال ابن عباس: المسافحات هن الزواني المعلنات(٧)، يعني: الزواني اللاتي لا يمنعن أحداً أرادهن بالفاحشة. و﴿مُتَّخِذَاتٍ أَخْدَانٍ﴾ يعني: أخلاء، وكذا روي عن أبي هريرة ومجاهد والشعبي والضحاك وعطاء الخراساني ويحيى بن أبي كثير ومقاتل بن حيان والسدي، قالوا: أخلاء(٨). وقال الحسن البصري: يعني: الصديق(٩). وقال الضحاك أيضاً: ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ ذات الخليل الواحد المقرة به، نهى الله عن ذلك(١٠). يعني تزويجها ما دامت كذلك. (١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق ابن وهب به، وفي سنده عبد الحبار وهو ابن عمر الأيلي: ضعيف (التقريب ص٣٣٢). (٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. (٣) قول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول مقاتل بن حيان أخرجه ابن أبي حاتم بحذف السند. (٤) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((وإيمانكم)) وهو تصحيف. (٥) أخرجه أبو داود (السنن، النكاح، باب في نكاح العبد بغير إذن سيده ح ٢٠٧٨)، والترمذي (السنن، النكاح، باب في نكاح العبد بغير إذن سيده ح١١١١ - ١١١٢)، وقال: حسن صحيح، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١٩٤/٢)، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٨٨٧). (٦) أخرجه ابن ماجه (السنن، النكاح، باب لا نكاح إلا بولي ح ١٨٨٢)، وأخرجه الدارقطني بنحوه (السنن ٣/ ٢٢٧ ح٢٦)، وصححه ابن الملقن (خلاصة البدر المنير ١٨٧/٢ ح ١٩٣٨)، والألباني (الإرواء ٢٤٩/٦). (٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. (٨) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند. (١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه. (٩) ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند. ٦٤ • سُورَةُ الْنِسَاءِ (٢٥) وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَحِشَةٍ فَعَلَتِهِنَ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ اختلف القراءة في أحصن، فقرأه بعضهم بضم الهمزة وكسر الصاد مبني لما لم يسم فاعله، وقرئ بفتح الهمزة والصاد فعل لازم(١)، ثم قيل: معنى القراءتين واحد، واختلفوا فيه على قولين: (أحدهما): أن المراد بالإحصان ههنا الإسلام، وروي ذلك عن عبد الله بن مسعود وابن عمر وأنس والأسود بن يزيد وزر بن حبيش وسعيد بن جبير وعطاء وإبراهيم النخعي والشعبي والسدي(٢)، وروى نحوه الزهري عن عمر بن الخطاب وهو منقطع، وهذا هو القول الذي نص عليه الشافعي في رواية الربيع، قال: وإنما قلنا ذلك، استدلالاً بالسنة، وإجماع أكثر أهل العلم. وقد روى ابن أبي حاتم في ذلك حديثاً مرفوعاً، قال: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله، حدثنا أبي، عن أبيه، عن أبي حمزة، عن جابر، عن رجل، عن أبي عبد الرحمن، عن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله وَّهِ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ قال: ((إحصانها إسلامها وعفافها)) وقال: المراد به هاهنا التزويج. قال: وقال علي: اجلدوهن، ثم قال ابن أبي حاتم: وهو حديث منكر(٣). (قلت): وفي إسناده ضعف، وفيه من لم يسم، ومثله لا تقوم به حجة. وقال القاسم وسالم: إحصانها إسلامها وعفافها(٤). وقيل: المراد به ههنا التزويج، وهو قول ابن عباس ومجاهد وعكرمة وطاوس وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وغيرهم(٥). ونقله أبو علي الطبري في كتابه [الإفصاح](٦) عن الشافعي، فيما رواه أبو الحكم بن عبد الحكم عنه. وقد روى ليث بن أبي سليم عن مجاهد أنه قال: إحصان الأمة أن ينكحها الحر، وإحصان العبد أن ينكح الحرة (٧)، وكذا روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس(٨)، رواهما ابن جرير في تفسيره. وذكره ابن أبي حاتم عن الشعبي والنخعي(٩). وقيل: بل معنى القراءتين متباين. فمن قرأ: (أحصن) بضم الهمزة فمراده التزويج، ومن قرأ بفتحها فمراده الإسلام. اختاره أبو جعفر بن جرير في تفسيره وقرره ونصره، والأظهر - والله أعلم - أن المراد بالإحصان ههنا التزويج، لأن سياق الآية يدل عليه حيث يقول تَل: ﴿وَمَنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ فَمِن ◌َّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُم مِّن فَنَيَتِّكُمُ الْمُؤْمِنَتِّ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَنِكُمْ بَعْضُكُم مِّنْ بَعْضِّ فَأَنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءَانُوهُنَ أُجُورَهُنَّ ◌ِلْمَعْرُوفِ مُحْصَنَتٍ غَيْرَ مُسَفِحَتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِنَ (١) كلاهما قراءتان متواترتان. (٢) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وحكمه، وفيه أيضاً رجل مبهم. (٤) أخرجه الطبري عن سفيان بن وكيع بسنده إليهما، وسفيان ضعيف. (٥) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عنه، وبقية التابعين ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند. (٦) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((الإيضاح)) وهو تصحيف. (٧) أخرجه الطبري من طريق عبد الله بن إدريس عن ليث به، ورجاله ثقات إلا ليث بن أبي سليم وقد توبع كما في الرواية التالية فسنده حسن. (٨) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عنه. (٩) ذكرهما ابن أبي حاتم بحذف السند. ٦٥ سُورَةُ النِّسَاءِ (٢٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 الْعَذَابُّ ... ) الآية، فالسياق كله في الفتيات المؤمنات فتعين أن المراد بقوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ أي: تزوجن، كما فسره ابن عباس ومن تبعه، وعلى كل من القولين إشكال على مذهب الجمهور، وذلك أنهم يقولون: إن الأمة إذا زنت فعليها خمسون جلدة، سواء كانت مسلمة أو كافرة، مزوجة أو بكراً، مع أن مفهوم الآية يقتضي أنه لا حد على غير المحصنة ممن زنى من الإماء. وقد اختلفت أجوبتهم عن ذلك. (الجواب الأول): فأما الجمهور فقالوا: لا شك أن المنطوق مقدم على المفهوم. وقد وردت أحاديث عامة في إقامة الحد على الإماء، فقدمناها على مفهوم الآية. فمن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن علي به أنه خطب فقال: يا أيها الناس أقيموا على أرقائكم الحد من أحصن منهم ومن لم يحصن، فإن أمة لرسول الله - 98 زنت، فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديثة عهد بنفاس فخشيت إن جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك لنبي الله وسلم فقال: ((أحسنت أتركها حتى تماثل))(١)، وعند عبد الله بن أحمد عن غير أبيه: ((فإذا تعالت من نفاسها(٢) فاجلدها خمسين))(٣)، وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله وَ * يقول: ((إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها؛ فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثانية، فليجلدها الحد، ولا يثرب (٤) عليها، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها؛ فليبعها ولو بحبل من شعر)) أخرجاه(٥)، ولمسلم: ((إذا زنت ثلاثاً فليبعها في الرابعة))(٦)، وروى مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي قال: أمرني عمر بن الخطاب في فتية من قريش، فجلدنا ولائد من ولائد الإمارة خمسين خمسين في الزنا(٧). (الجواب الثاني): جواب من ذهب إلى أن الأمة إذا زنت ولم تحصن فلا حدّ عليها، وإنما تضرب تأديباً وهو المحكي عن ابن عباس ظُه. وإليه ذهب طاوس وسعيد بن جبير وأبو عبيد القاسم بن سلام وداود بن علي الظاهري في رواية عنه وعمدتهم مفهوم الآية، وهو من مفاهيم الشرط، وهو حجة عند أكثرهم فقدم على العموم عندهم، وحديث أبي هريرة وزيد بن خالد ◌ًا أن رسول الله وَل سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن؟ قال: ((إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير)). قال ابن شهاب: لا أدري بعد الثالثة أو الرابعة وأخرجاه في الصحيحين(٨). وعند مسلم قال ابن شهاب: الضفير الحبل. قالوا: فلم يؤقت فيه عدد كما أقت في المحصنة، وكما وقت في القرآن بنصف ما على المحصنات من العذاب، (١) صحيح مسلم، الحدود، باب تأخير الحد عن النفساء (ح ١٧٠٥)، والذي بعده. (٢) كذا في (ح) و(حم) و(مح) وفي الأصل: ((عن نفاسها)). ومعنى تعالت: أي: طهرت (النهاية ٢٩٣/٣). (٣) أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد بسنده عن علي (المسند ٣٥٤/٢ ح ١١٤٢)، وقال محققوه: صحيح لغيره. (٤) أي لا يوبخ بعد الضرب (النهاية ٢٠٩/١). (٥) صحيح البخاري، الحدود، باب لا يثرب على الأمة إذا زنت (ح٦٨٣٩)، وصحيح مسلم، الحدود، باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنى (ح ١٧٠٣). (٦) المصدر السابق بعد ١٧٠٣ بحديث. (٧) أخرجه الإمام مالك بسنده ومتنه (الموطأ، الحدود، باب ما جاء في حد الزنا ٨٢٧/٢)، وسنده صحيح. (٨) تقدم تخريجه قبل حاشيتين. ٦٦ سُورَةُ النِّسَاءِ (٢٥) فوجب الجمع بين الآية والحديث بذلك، - والله أعلم - وأصرح من ذلك ما رواه سعيد بن منصور، عن سفيان، عن مسعر، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله : ((ليس على أمة حد حتى تحصن - أو حتى تزوج - فإذا أحصنت بزوج فعليها نصف ما على المحصنات))(١) وقد رواه ابن خزيمة عن عبد الله بن عمران العابدي، عن سفيان به مرفوعاً، وقال: رفعه خطأ إنما هو من قول ابن عباس. وكذا رواه البيهقي من حديث عبد الله بن عمران وقال مثل ما قاله ابن خزيمة. قالوا: وحديث علي وعمر قضايا أعيان، وحديث أبي هريرة عنه أجوبة: (أحدها): أن ذلك محمول على الأمة المزوجة جمعاً بينه وبين هذا الحديث. (الثاني): أن لفظة الحد في قوله: ((فليجلدها الحد)» مقحمة من بعض الرواة بدليل. (الجواب الثالث): وهو أن هذا من حديث صحابيين وذلك من رواية أبي هريرة فقط، وما كان عن اثنين فهو أولى بالتقديم من رواية واحد، وأيضاً فقد رواه النسائي بإسناد على شرط مسلم من حديث عباد بن تميم، عن عمه - وكان قد شهد بدراً - أن رسول الله و ل﴿ل قال: ((إذا زنت الأمة فاجلدوها، ثم إذا زنت فاجلدوها، ثم إذا زنت فاجلدوها، ثم إذا زنت فبيعوها ولو بضفير))(٢). (الرابع): أنه لا يبعد أن بعض الرواة أطلق [لفظة](٣) الحد في الحديث على الجلد، لأنه لما كان الجلد اعتقد أنه حد، أو أنه أطلق لفظة الحد على التأديب، كما أطلق الحد على ضرب [من زنى من المرضى بعثكال نخل فيه مائة شمراخ، وعلى جلد](٤) من زنى بأمة امرأته إذا أذنت له فيها مائة، وإنما ذلك تعزير وتأديب عند من يراه كأحمد وغيره من السلف. وإنما الحد الحقيقي هو جلد البكر مائة. ورجم الثيب أو اللائط، والله أعلم. وقد روى ابن جرير في تفسيره: حدثنا ابن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة أنه سمع سعيد بن جبير يقول: لا تضرب الأمة إذا زنت ما لم تتزوج(٥)، وهذا إسناد صحيح عنه، ومذهب غريب إن أراد أنها لا تضرب الأمة أصلاً لا حداً، وكأنه أخذ بمفهوم الآية ولم يبلغه الحديث، وإن أراد أنها لا تضرب حداً، ولا ينفي ضربها تأديباً فهو كقول ابن عباس ◌ُبه ومن تبعه في ذلك، والله أعلم. (الجواب الثالث): أن الآية دلّت على أن الأمة المحصنة تحد نصف حد الحرة، فأما قبل الإحصان فعمومات الكتاب والسنة شاملة لها في جلدها مائة، كقوله تعالى: ﴿الزَِّيَةُ وَالزَِّ فَلَجْلِدُوا كُلَّ وَجِدٍ مِنْهُمَا مِْتَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، وكحديث عبادة بن الصامت: ((خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة ورجمها بالحجارة))(٦)، والحديث في صحيح مسلم وغير ذلك من الأحاديث. وهذا القول هو المشهور (١) أخرجه سعيد بن منصور بسنده ومتنه (السنن ح٦١٦)، والصحيح وقفه على ابن عباس، وأخرجه البيهقي من طريقه به وقال: رفعه خطأ والوقف أصح (السنن الكبرى ٢٤٣/٨)، وكذا قال ابن خزيمة كما سيأتي في روايته. (٢) السنن الكبرى، الرجم، باب حد الزاني البكر (ح٧٢٣٨). (٣) زيادة من (ح) و(حم) و(مح). (٤) زيادة من (ح) و(حم) و(مح). (٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح كما قال الحافظ ابن كثير. (٦) صحيح مسلم، الحدود، باب حد الزنى (ح ١٦٩٠). ٦٧ سُورَةُ النِّسََّّاءِ (٢٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 عن داود بن علي الظاهري وهو في غاية الضعف، لأن الله تعالى إذا كان أمر بجلد المحصنة من الإماء بنصف ما على الحرة من العذاب، وهو خمسون جلدة، فكيف يكون حكمها قبل الإحصان أشد منه بعد الإحصان وقاعدة الشريعة في ذلك عكس ما قال؟ وهذا الشارع معظلّا سأله أصحابه عن الأمة إذا زنت ولم تحصن، فقال: ((اجلدوها))، ولم يقل: مائة، فلو كان حكمها كما زعم داود لوجب بيان ذلك لهم، لأنهم إنما سألوا عن ذلك لعدم بيان حكم جلد المائة بعد الإحصان في الإماء بعد نزول بيان حكم جلد الأمة وإلا فما الفائدة في قولهم: ولم تحصن لعدم الفرق بينهما لو لم تكن الآية نزلت، لكن لما علموا حكم أحد الحكمين سألوا عن حكم الآخر فبينه لهم، كما في الصحيحين أنهم لما سألوه عن الصلاة عليه فذكرها لهم، ثم قال: ((والسلام ما قد علمتم))، وفي لفظ: لما أنزل الله قوله: ﴿يَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] قالوا: هذا السلام عليك قد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟ .. وذكر الحديث(١). وهكذا هذا(٢) السؤال. (الجواب الرابع): عن مفهوم الآية جواب أبي ثور فإن مذهبه ما هو أغرب من قول داود من وجوه، وذلك أنه يقول: فإذا أحصن فإن عليهن نصف ما على المحصنات، أي: المزوجات وهو الرجم، وهو لا ينصف فيجب أن ترجم الأمة المحصنة إذا زنت، وأما قبل الإحصان فيجب جلدها خمسين، فأخطأ في فهم الآية وخالف الجمهور في الحكم، بل قد قال أبو عبد الله الشافعي تَّهُ: ولم يختلف المسلمون في أن لا رجم على مملوك في الزنا، وذلك لأن الآية دلّت على أن عليهن نصف ما على المحصنات من العذاب، والألف واللام في المحصنات للعهد، وهن المحصنات المذكورات في أول الآية: ﴿وَمَنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ﴾ والمراد بهن الحرائر فقط من غير تعرض لتزويج غيره، وقوله: ﴿نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ يدل على أن المراد من العذاب الذي يمكن تنصيفه وهو الجلد لا الرجم، والله أعلم. وقد روى أحمد نصاً في رد مذهب أبي ثور من رواية الحسن بن سعد عن أبيه: أن صفيّة كانت قد زنت برجل من الخمس، فولدت غلاماً، فادعاه الزاني، فاختصما إلى عثمان بن عفان فرفعهما إلى علي بن أبي طالب، فقال علي: أقضي فيهما بقضاء رسول الله (صلى: ((الولد للفراش، وللعاهر الحجر))، وجلدهما خمسين خمسين(٣)، وقيل: بل المراد من المفهوم التنبيه بالأعلى على الأدنى؛ أي: إن الإماء على النصف من الحرائر في الحد وإن كن محصنات وليس عليهن رجم أصلاً لا قبل النكاح ولا بعده، وإنما عليهن الجلد في الحالتين بالسنة، قال ذلك صاحب الإفصاح(٤)، وذكر هذا عن الشافعي فيما رواه ابن عبد الحكم عنه، وقد ذكره البيهقي في كتاب السنن والآثار(٥)، وهو بعيد من لفظ الآية، لأنا إنما استفدنا تنصيف الحد من الآية لا من سواها فكيف يفهم منها التنصيف (١) صحيح مسلم، الصلاة، باب، الصلاة على النبي ◌َّر بعد التشهد (ح ٤٠٥). (٢) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((هو)). (٣) أخرجه الإمام أحمد من طريق الحجاج بن أرطأة عن الحسن بن سعد عن أبيه أن يُحتَّس وصفية كانا من سبي الخمس، فزنت صفية برجل ... (المسند ١٩١/٢ ح ٨٢٠)، وضعفه محققوه. (٤) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((الإيضاح)). وهو تصحيف. (٥) معرفة السنن والآثار ٣٦٥/٦. ٦٨ • سُورَةُ الْنِسَاءِ (٢٦، ٢٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 فيما عداها وقال: بل أريد بأنها في حال الإحصان لا يقيم الحد عليها إلا الإمام ولا يجوز لسيدها إقامة الحد عليها والحالة هذه وهو قول فى مذهب أحمد تخمّثهُ، فأما قبل الإحصان فله ذلك، والحد في كلا الموضعين نصف حد الحرة، وهذا أيضاً بعيد لأنه ليس في لفظ الآية ما يدل عليه، ولولا هذه لم ندر ما حكم الإماء في التنصيف، ولوجب دخولهن في عموم الآية في تكميل الحد مائة، أو رجمهن كما ثبت في الدليل عليه، وقد تقدم عن علي ظُه أنه قال: أيها الناس أقيموا الحد على أرقائكم من أحصن منهم ومن لم يحصن، وعموم الأحاديث المتقدمة ليس فيها تفصيل بين المزوجة وغيرها لحديث أبي هريرة الذي احتج به الجمهور: ((إذا زنت أمة أحدكم، فتبين زناها، فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها))(١)، فتلخص في الأمة: أنها إذا زنت أقوال: أحدها: تجلد خمسين قبل الإحصان وبعده. وهل تنفى؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: إنها تنفى(٢) عنه. والثاني: لا تنفى عنه مطلقاً . والثالث: أنها تنفى نصف سنة وهو نصف نفي الحرة، وهذا الخلاف في مذهب الشافعي، وأما أبو حنيفة فعنده أن النفي تعزير ليس من تمام الحد، وإنما هو رأي الإمام إن شاء فعله وإن شاء تركه في حق الرجال والنساء، وعند مالك أن النفي إنما هو على الرجال وأما النساء فلا، لأن ذلك مضاد لصيانتهن وما ورد شيء من النفي في الرجال ولا النساء. نعم حديث عبادة وحديث أبي هريرة أن رسول الله وَّة، قضى فيمن زنى ولم يحصن بنفي عام وبإقامة الحد عليه(٣)، رواه البخاري وذلك مخصوص بالمعنى وهو أن المقصود من النفي الصون، وذلك مفقود في نفي النساء، والله أعلم. والثاني: أن الأمة إذا زنت تجلد خمسين بعد الإحصان وتضرب تأديباً غير محدود بعدد محصور، وقد تقدم ما رواه ابن جرير عن سعيد بن جبير أنها لا تضرب قبل الإحصان، وإن أراد نفيه فيكون مذهباً بالتأويل وإلا فهو كالقول الثاني. القول الآخر: أنها تجلد قبل الإحصان مائة، وبعده خمسين، كما هو المشهور عن داود. وهو أضعف الأقوال: أنها تجلد قبل الإحصان خمسين، وترجم بعده، وهو قول أبي ثور وهو ضعيف أيضاً، والله ◌َّ أعلم بالصواب (٤). وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ الْعَنَتَ مِنكُمْ﴾ أي: إنما يباح نكاح الإماء بالشروط المتقدمة لمن خاف على نفسه الوقوع في الزنا، وشق عليه الصبر عن الجماع، وعنت بسبب ذلك كله، فله حينئذٍ أن يتزوج بالأمة، وإن ترك تزوجها وجاهد نفسه في الكف عن الزنا فهو خير له لأنه إذا تزوجها جاء أولاده أرقاء لسيدها إلا أن يكون الزوج عربيّاً، فلا تكون أولاده منها أرقاء في قول قديم للشافعي، ولهذا قال: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، ومن هذه الآية الكريمة (١) تقدم تخريجه في بداية تفسير هذه الآية. (٢) في الأصل: ((لا تنفى)) ولفظ لا مقحم. (٣) صحيح البخاري، الحدود، باب البكران يجلدان وينفيان (ح ٦٨٣٣). (٤) بعد هذا النص ورد في الأصل نص بورقه كاملة مقحم من سورة المائدة، وسيذكر هناك إن شاء الله تعالى. ٦٩ • سُورَةُ النِّسَاءِ (٢٦، ٢٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 استدل جمهور العلماء في جواز نكاح الإماء على أنه لا بدّ من عدم الطول لنكاح الحرائر ومن خوف العنت لما في نكاحهن من مفسدة رق الأولاد، ولما فيهن من الزنا (١) في العدول عن الحرائر إليهن، وخالف الجمهور أبو حنيفة وأصحابه في اشتراط الأمرين، فقالوا: متى لم يكن الرجل مزوجاً بحرة، جاز له نكاح الأمة المؤمنة والكتابية أيضاً سواء كان واجداً الطول حرة أُم لا، وسواء خاف العنت أم لا، وعمدتهم فيما ذهبوا إليه عموم قوله تعالى: ﴿وَأَخُصَنَكُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] أي: العفائف وهو يعم الحرائر والإماء، وهذه الآية عامة وهذه أيضاً ظاهرة في الدلالة على ما قاله الجمهور. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيٌ حَكِيمٌ وَاَللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَتِ أَنْ تِيِلُواْ مَيْلًا عَظِيمًا ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا (﴾﴾. يخبر تعالى أنه يريد أن يبين لكم أيها المؤمنون ما أحل لكم وحرم عليكم مما تقدم ذكره في هذه السورة وغيرها، ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ يعني: طرائقهم الحميدة واتباع شرائعه التي يحبها ويرضاها، ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: من الإثم والمحارم، ﴿وَاللَّهُ عَلِيهُ حَكِيمٌ﴾ أي: في شرعه وقدره وأفعاله وأقواله. وقوله: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَتِ أَنْ تِيِلُواْ مَيْلًا عَظِيمًا﴾ أي: يريد أتباع الشياطين مِن اليهود والنصارى والزناة أن تميلوا عن الحق إلى الباطل ميلاً عظيماً ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ أي: في شرائعه وأوامره ونواهيه وما يقدره لكم، ولهذا أباح الإماء بشروط، كما قال مجاهد وغيره ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَنُ ضَعِيفًا﴾ فناسبه التخفيف لضعفه في نفسه وضعف عزمه وهمته. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ أي: في أمر النساء(٢). وقال وكيع: يذهب عقله عندهن. وقال موسى الكليم عليّ لنبينا محمد ◌َ﴾، [ليلة الإسراء](٣) حين مر عليه راجعاً من عند سدرة المنتهى، فقال له: ((ماذا فرض عليكم، فقال: أمرني بخمسين صلاة في كل يوم وليلة، فقال له: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا تطيق ذلك، [فإني قد بلوت](٤) الناس قبلك على ما هو أقل من ذلك فعجزوا، وإن أمتك أضعف أسماعاً وأبصاراً وقلوباً، فرجع، فوضع عشراً. ثم رجع إلى موسى فلم يزل كذلك حتى بقيت خمساً ... )) الحديث(٥) . (١) كذا في الأصل و(ح) و(حم)، وفي (مح) بلفظ: ((الدناءة)). (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح. (٣) زيادة من (ح) و(حم) و(مح). (٤) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((فإنه قد تكون))، وهو تصحيف. (٥) سيأتي تخريجه في الصحيحين عند بداية سورة الإسراء مفصلاً. ٧٠ • سُوَرَّةُ النِّسَكَاءِ (٣١،٢٩) ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِّ إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَن ◌َرَاضٍ مِّنكُّ وَلَا نَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اَللَّهِ يَبِيًّا ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا نُنْهَوَّنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيْئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا ينهى تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن أن يأكلوا أموال بعضهم بعضاً بالباطل؛ أي: بأنواع المكاسب التي هي غير شرعية كأنواع الربا والقمار، وما جرى مجرى ذلك من سائر صنوف الحيل، وإن ظهرت في [غالب الحكم الشرعي](١) مما يعلم الله أن متعاطيها إنما يريد الحيلة على الربا، حتى قال ابن جرير: حدثني ابن المثنى، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس في الرجل يشتري من الرجل الثوب فيقول: إن رضيته أخذته، وإلا رددته ورددت معه درهماً، قال: هو الذي قال الله وَت فيه: ﴿لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِلْبَطِلِّ﴾(٢). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا ابن فضيل، عن داود الأودي، عن عامر، عن علقمة، عن عبد الله في الآية، قال: إنها محكمة ما نسخت ولا تنسخ إلى يوم القيامة(٣). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: لما أنزل الله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُوا أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَطِلِّ﴾ قال المسلمون: إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، والطعام هو أفضل أموالنا، فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد، فكيف للناس؟ فأنزل الله بعد ذلك ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ ... ﴾ الآية [النور: ٦١](٤). وكذا قال قتادة(٥). وقوله تعالى: ﴿إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَرَةً عَن تَرَاضِ مِّنْكُمْ﴾ قرئ (تجارة) بالرفع وبالنصب (٦)، وهو استثناء منقطع، كأنه يقول: لا تتعاطوا الأسباب المحرمة في اكتساب الأموال، ولكن المتاجر المشروعة التي تكون عن تراض من البائع والمشتري فافعلوها وتسببوا بها في تحصيل الأموال، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُواْ النَّفْسَ أَلَّتِى حَرَّمَ اَللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١]، وكقوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا أَلْمَوْتَ إِلَّ اُلْمَوْقَةَ الْأُولَىّ﴾ [الدخان: ٥٦]. ومن هذه الآية الكريمة احتج الشافعي تَظُّْ على أنه لا يصح البيع إلا بالقول، لأنه يدل على التراضي نصاً بخلاف المعاطاة، فإنها قد لا تدل على الرضى ولا بدّ، وخالف الجمهور في ذلك مالك وأبو حنيفة وأحمد وأصحابهم، فرأوا أن الأقوال كما تدل على التراضي فكذلك الأفعال تدل في بعض المحال (١) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((غالب الشرع)). (٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق حماد عن داود بن أبي هند به، وسنده حسن . (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن، وأخرجه الطبراني وصححه السيوطي (الدر ١٤٣/٢)، وقال الهيثمي: رجاله ثقات (المجمع ٣/٧). (٤) أخرجه ابن حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة به. (٥) أخرجه ابن حاتم بسند ضعيف فيه محمد بن أبي حماد: مقبول ويشهد له سابقه. (٦) كلاهما قراءتان متواترتان. ٧١ • سُورَةُ الْنِسَاءِ (٢٩، ٣١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 قطعاً، فصححوا بيع المعاطاة مطلقاً، ومنهم من قال: يصح في المحقرات وفيما يعده الناس بيعاً وهو احتياط نظر من محققي المذهب، والله أعلم. وقال مجاهد: ﴿إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَرَةً عَن تَرَاضِ مِّنَكُمْ﴾ بيعاً أو عطاء يعطيه أحد أحداً، ورواه ابن جرير(١)، ثم قال: وحدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي، عن القاسم، عن سليمان الجعفي، عن أبيه، عن ميمون بن مهران، قال: قال رسول الله وَّيقول: ((البيع عن تراض والخيار بعد الصفقة، ولا يحل لمسلم أن يغش مسلماً))(٢). هذا حديث مرسل. ومن تمام التراضي إثبات خيار المجلس، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله وسلم قال: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا))(٣)، وفي لفظ البخاري: ((إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا))، وذهب إلى القول بمقتضى هذا الحديث أحمد والشافعي وأصحابهما وجمهور السلف والخلف، ومن ذلك مشروعية خيار الشرط بعد العقد إلى ثلاثة أيام بحسب ما يتبين فيه حال البيع ولو إلى سنة في القرية ونحوها، كما هو المشهور عن مالك تَُّ، وصححوا بيع المعاطاة مطلقاً وهو قول في مذهب الشافعي، ومنهم من قال: يصح بيع المعاطاة في المحقرات فيما يعده الناس بيعاً، وهو اختيار طائفة من متأخري الأصحاب. والله أعلم. كما هو متفق عليه. وقوله: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: بارتكاب محارم الله، وتعاطي معاصيه، وأكل أموالكم بينكم بالباطل ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ أي: فيما أمركم به ونهاكم عنه. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عمرو بن العاص عنه أنه قال لما بعثه النبي ◌َّ، عام ذات السلاسل، قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال: فلما قدمنا على رسول الله وَّر، ذكرت ذلك له، فقال: ((يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب)) قال: قلت: يا رسول الله، إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فذكرت قول الله رغمَى: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فتيممت ثم صليت، فضحك رسول الله وَله ولم يقل شيئاً(٤)، وهكذا رواه أبو داود من طريق يحيى بن أيوب عن يزيد بن أبي حبيب [به. ورواه أيضاً عن محمد بن أبي سلمة، عن ابن وهب، عن ابن لهيعة وعمرو بن الحارث، كلاهما عن يزيد بن أبي حبيب](٥) عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير المصري، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص (١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف سفيان بن وكيع وإرسال ميمون بن مهران. (٣) صحيح البخاري، البيوع، باب كم يجوز الخيار (ح٢١٠٧)، وصحيح مسلم، البيوع، باب ثبوت خيار المجلس للمتبایعین (ح١٥٣١). (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٠٣/٤، ٢٠٤)، وفي سنده ابن لهيعة وقد توبع في رواية أبي داود فأخرجه من طريق ابن لهيعة وعمرو بن الحارث عن يزيد بن أبي حبيب به (السنن، الطهارة، باب إذا خاف الجنب البرد أيتيمم؟ ح٣٣٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٢٤)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١٧٧/١). (٥) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (ح) و(حم) و(مح). ٧٢ • سُوَرَّةُ الْنِسْكَّاء (٢٩، ٣١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 عنه ... فذكر نحوه، وهذا (١) - والله أعلم - أشبه بالصواب. وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن حامد البلخي، حدثنا محمد بن صالح بن سهل البلخي، حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، حدثنا يوسف بن خالد، حدثنا زياد بن سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس أن عمرو بن العاص صلى بالناس وهو جنب، فلما قدموا على رسول الله وَ ﴿ ذكروا ذلك له فدعاه فسأله عن ذلك، فقال: يا رسول الله، خفت أن يقتلني البرد، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ... ) الآية، فسكت عنه رسول الله وَطي(٢)، ثم أورد ابن مردويه عند هذه الآية الكريمة من حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده، يجأ بها بطنه يوم القيامة في نار جهنم خالداً مُخلداً فيها أبداً، ومن قتل نفسه بسم تردى به فسمه في يده، يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تردّى من جبل فقتل نفسه، فهو مترد في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً)) وهذا الحديث ثابت في الصحيحين (٣)، وكذلك رواه أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّل بنحوه، وعن أبي قلابة، عن ثابت بن الضحاك به، قال: قال رسول الله وَل : ((من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة)) (٤)، وقد أخرجه الجماعة في كتبهم من طريق أبي قلابة. وفي الصحيحين من حديث الحسن، عن جندب بن عبد الله البجلي، قال: قال رسول الله صل﴾: ((كان رجل ممن كان قبلكم وكان به جرح فأخذ سكيناً نحر بها يده، فما رقأ الدم حتى مات))، قال الله : ((عبدي بادرني بنفسه، حرمت عليه الجنة))(٥). ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا﴾ أي: ومن يتعاطى ما نهاه الله عنه معتدياً فيه ظالماً في تعاطيه؛ أي: عالماً بتحريمه متجاسراً على انتهاكه ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا ... ) الآية، وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، فليحذر منه كل عاقل لبيب ممن ألقى السمع وهو شهيد. وقوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا تُنْهَوَّنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَمِئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا (﴾﴾، أي: إذا اجتنبتم كبائر الآثام التي نهيتم عنها، كفرنا عنكم صغائر الذنوب وأدخلناكم الجنة، ولهذا قال: ﴿وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا﴾ وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا مؤمل بن هشام، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا الجلد بن أيوب، عن معاوية بن قرة، عن أنس رفعه قال: لم نر مثل الذي بلغنا عن ربنا ◌َك، ثم لم نخرج له عن كل أهل ومال أن تجاوز لنا عما دون الكبائر، يقول الله: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا نُنْهَوَّنَ وقد وردت أحاديث متعلقة بهذه الآية عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلًا كَرِيمًا (١) المصدر السابق. (٢) في سنده يوسف بن خالد بن عمير: متروك (التقريب ص٦١٠)، وتقدم تخريجه وتصحيحه في الحديث السابق من طرق أخرى. (٣) صحيح البخاري، الطب، باب شرب السم والدواء (ح٥٧٧٨)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب بيان غلظ تحريم قتل الإنسان (ح١٠٩). (٤) صحيح البخاري، الجنائز، باب ما جاء في قاتل النفس (ح ١٣٦٣). (٥) صحيح البخاري، الجنائز، باب ما جاء في قاتل النفس (ح١٣٦٤)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب بيان غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه ١٨٠. (٦) أخرجه البزار بسنده ومتنه كما في مختصر زوائد مسند البزار للحافظ ابن حجر (٧٨/٢ ح ١٤٥٦)، ثم قال : = ٧٢ • سُوَرَةُ النِّسَاءِ (٢٩، ٣١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 الكريمة، فلنذكر منها ما تيسر، قال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن قُرْثع الضبي، عن سلمان الفارسي، قال: قال لي النبي ◌َّهِ: ((أتدري ما يوم الجمعة؟)) قلت: هو اليوم الذي جمع الله فيه أباكم، قال: ((لكن أدري ما يوم الجمعة، لا يتطهر الرجل فيحسن طهوره، ثم يأتي الجمعة فينصت حتى يقضي الإمام صلاته إلا كانت كفارة له ما بينه وبين الجمعة المقبلة ما اجتنبت [الكبائر](١))(٢)، وقد روى البخاري من وجه آخر عن سلمان نحوه (٣). وقال أبو جعفر بن جرير: حدثني المثنى بن إبراهيم، حدثنا أبو صالح، حدثنا الليث، حدثني خالد، عن سعيد بن أبي هلال، عن نعيم المجمر، أخبرني صهيب مولى العُثْواري، أنه سمع أبا هريرة وأبا سعيد يقولان: خطبنا رسول الله ﴿ ﴿ يوماً، فقال: ((والذي نفسي بيده)) ثلاث مرات، ثم أكب فأكب كل رجل منا يبكي لا ندري ماذا حلف عليه، ثم رفع رأسه وفي وجهه البشر، فكان أحب إلينا من حمر النعم، فقال: ((ما من عبد يصلي الصلوات الخمس، ويصوم رمضان، ويخرج الزكاة، ويجتنب الكبائر السبع، إلا فتحت له أبواب الجنة، ثم قيل له: ادخل بسلام))، وهكذا رواه النسائي والحاكم في مستدركه من حديث الليث بن سعد به، ورواه الحاكم أيضاً وابن حبان في صحيحه من حديث عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال به ثم قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه(٤). تفسير هذه السبع وذلك بما ثبت في الصحيحين من حديث سليمان بن بلال، عن ثور بن زيد، عن سالم أبي الغيث، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَ﴿، قال: ((اجتنبوا السبع الموبقات)). قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال: ((الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات)) (٥). (طريق أخرى عنه) قال ابن أبي حاتم: [حدثنا أبي](٦)، حدثنا فهد بن عوف، حدثنا أبو عوانة، عن عمرو بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَ له، قال: ((الكبائر سبع: أولها الإشراك بالله، ثم قتل النفس بغير حقها، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم إلى أن يكبر، الجلد: ضعيف، وكذا ضعفه الهيثمي (كشف الأستار ح ٢٢٠٠)، وقد توبع فأخرجه الطبري من طريق زياد بن = مخراق، عن معاوية بن قرة به، وسنده صحيح. (١) كذا في الأصل و(مح)، وفي (ح) و(حم): ((المقتلة)). (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٣٩/٥)، وحسنه المنذري (الترغيب ٤٨٧/١)، والهيثمي (مجمع الزوائد ١٧٧/٢)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢٧٧/١). (٣) صحيح البخاري، الجمعة، باب الدهن للجمعة (ح ٨٨٣). (٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصححه أحمد شاكر (ح٩١٨٥)، وأخرجه النسائي، الزكاة، باب وجوب الزكاة ٨/٥، وابن حبان (الإحسان ١٧٤٨/٥)، والحاكم (المستدرك ٢٠٠/٢)، وصححه ووافقه الذهبي. (٥) صحيح البخاري، الوصايا، باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اَلْيَتَى ... ﴾ [النساء: ١٠] (ح٢٧٦٦)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها (ح١٤٥). (٦) ما بين معقوفين سقط من الأصل، واستدرك من تفسير ابن أبي حاتم ونسخة (ح) و(حم) و(مح). ٧٤ سُورَةُ النَّسَاءِ (٣١،٢٩) والفرار من الزحف، ورمي المحصنات، والانقلاب إلى الأعراب بعد الهجرة))(١)، فالنص على هذه السبع بأنهن كبائر، لا ينفي ما عداهن إلا عند من يقول بمفهوم اللقب، وهو ضعيف عند عدم القرينة ولا سيما عند قيام الدليل بالمنطوق على عدم المفهوم، كما سنورده من الأحاديث المتضمنة من الكبائر غير هذه السبع، فمن ذلك ما رواه الحاكم في مستدركه حيث قال: حدثنا أحمد بن كامل القاضي إملاء، حدثنا أبو قلابة عبد الملك بن محمد، حدثنا معاذ بن هانئ، حدثنا حرب بن شداد، حدثنا يحيى بن أبي كثير عن عبد الحميد بن سنان، عن عبيد بن عمير، عن أبيه - يعني عمير بن قتادة ربه -، أنه حدثه - وكانت له صحبة - أن رسول الله وَلقر قال في حجة الوداع: ((ألا إن أولياء الله المصلون من يقم الصلوات الخمس التي كتبت عليه، ويصوم رمضان ويحتسب صومه، يرى أنه عليه حق، ويعطي زكاة ماله يحتسبها ويجتنب الكبائر التي نهى الله عنها))، ثم إن رجلاً سأله فقال: يا رسول الله، ما الكبائر؟ فقال: (([تسع] (٢): الشرك بالله، وقتل نفس مؤمن بغير حق، وفرار يوم الزحف، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، وقذف المحصنة، وعقوق الوالدين المسلمين، واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياءً وأمواتاً، ثم قال: لا يموت رجل لا يعمل هؤلاء الكبائر، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة إلا كان مع النبي (وَّر في دار أبوابها مصاريع من ذهب))، هكذا رواه الحاكم مطولاً (٣)، وقد أخرجه أبو داود والترمذي مختصراً من حديث معاذ بن هانئ به. وكذا رواه ابن أبي حاتم من حديثه مبسوطاً (٤)، ثم قال الحاكم: رجاله كلهم يحتج بهم في الصحيحين إلا عبد الحميد بن سنان. (قلت): وهو [حجازي](6) لا يعرف إلا بهذا الحديث، وقد ذكره ابن حبان في كتاب الثقات. وقال البخاري: في حديثه نظر، وقد رواه ابن جرير عن سليمان بن ثابت الجحدري، عن سلم بن سلام، عن أيوب بن عتبة، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبيد بن عمير، عن أبيه ... فذكره، ولم يذكر في الإسناد عبد الحميد بن سنان(٦)، والله أعلم. (حديث آخر في معنى ما تقدم) قال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا عبد العزيز بن مسلم بن الوليد، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن ابن عمرو، قال: صعد النبي ◌َّلفي المنبر، فقال: ((لا أقسم، لا أقسم))، ثم نزل فقال: ((أبشروا أبشروا، من صلى الصلوات الخمس واجتنب الكبائر السبع، نودي من (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وفي سنده فهد بن عوف كذب (ميزان الاعتدال ٤٥٥/٤)، والكبائر كلها تقدمت في الصحيحين إلا السابقة وهي: الانقلاب إلى الأعراب بعد الهجرة. (٢) كذا في المستدرك ونسخه (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((السبع)). وهو تصحيف. (٣) أخرجه الحاكم بسنده ومتنه وصححه وتعقبه بأن عبد الحميد بن سنان مجهول (المستدرك ٥٩/١)، وفي التقريب (ص٣٣٣)، مقبول، ويشهد لمعظمه حديث ابن عمر التالي، ولهذا حسن هذا الحديث المنذري (الترغيب ٥٣٥/١)، وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون (المجمع ٥٣/١). (٤) أخرجه أبو داود (السنن، الوصايا، باب ما جاء في التشديد في أكل مال اليتيم (ح ٢٨٧٥)، والنسائي (السنن، تحريم الدم، باب ذكر الكبائر ٨٩/٧)، ولم يخرجه الترمذي، وأخرجه ابن أبي حاتم أيضاً كلهم من طريق عبد الحميد بن سنان به. ويشهد لمعظمه حديث ابن عمر في تفسير الطبري كما سيأتي بعد الحديث الآتي. (٥) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((بخاري)). وهو تصحيف. (٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسقط منه: عبد الحميد بن سنان، ويشهد له ما بعد الحديث الآتي. ٧٥ • سُورَةُ النِّسَاءِ (٣١،٢٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أبواب الجنة: ادخل)). قال عبد العزيز: لا أعلمه. إلا قال: ((بسلام)). وقال المطلب: سمعت من سأل عبد الله بن عمرو، أسمعت رسول الله ( * يذكرهن؟ قال: نعم ((عقوق الوالدين، وإشراك بالله، وقتل النفس، وقذف المحصنات، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف، وأكل الربا))(١). (حديث آخر في معناه) قال أبو جعفر بن جرير في التفسير: حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية، حدثنا زياد بن مخراق، عن [طيسلة بن مياس] (٢) قال: كنت مع النجدات(٣) فأصبت ذنوباً لا أرها إلا من الكبائر، فلقيت ابن عمر، فقلت له: إني أصبت ذنوباً لا أراها إلا من الكبائر، قال: ما هي؟ قلت: أصبت كذا وكذا قال: ليس من الكبائر. قلت: وأصبت كذا وكذا. قال: ليس من الكبائر. قال - بشي لم يسمه طيسلة - قال: هي تسع وسأعدهن عليك ((الإشراك بالله، وقتل النفس بغير حقها، والفرار من الزحف، وقذف المحصنة، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم ظلماً، وإلحاد في المسجد الحرام، والذي يستسحر، وبكاء الوالدين من العقوق)). قال زياد: وقال طيسلة: لما رأى ابن عمر فرقي قال: أتخاف النار أن تدخلها؟ قلت: نعم. قال: وتحب أن تدخل الجنة؟ قلت: نعم. قال: أحي والداك؟ قلت: عندي أمي. قال: فوالله لئن أنت ألنت لها الكلام، وأطعمتها الطعام لتدخلن الجنة ما اجتنبت الموجبات (٤)(٥). (طريق أخرى) قال ابن جرير: حدثنا سليمان بن ثابت الجحدري الواسطي، حدثنا سلم بن سلام، حدثنا أيوب بن عتبة، عن طيسلة بن علي النهدي، قال: أتيت ابن عمر وهو في ظل أراك يوم عرفة وهو يصب الماء على رأسه ووجهه، قلت: أخبرني عن الكبائر؟ قال: هي [تسع](٦) قلت: ما هي؟ قال: (الإشراك بالله، وقذف المحصنة)) قال: قلت: قبل القتل؟ قال: ((نعم ورغماً، وقتل النفس المؤمنة، والفرار من الزحف، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين المسلمين، وإلحاد بالبيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتاً)) (٧) هكذا رواه من هذين الطريقين موقوفاً. وقد رواه علي بن الجعد عن أيوب بن عتبة، عن طيسلة بن علي، قال: أتيت ابن عمر عشية عرفة، وهو تحت ظل أراكة، وهو يصب الماء على رأسه فسألته عن الكبائر؟ فقال: سمعت رسول الله وَل﴿ يقول: (هن سبع)) قال: قلت: وما هن؟ قال: ((الإشراك بالله، وقذف المحصنة)) قال: قلت: قبل الدم؟ قال: ((نعم، ورغماً، وقتل النفس المؤمنة، والفرار من الزحف، والسحر وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين، وإلحاد بالبيت الحرام قبلتكم (١) ذكره الهيثمي وقال: رواه الطبراني في الكبير، وفيه مسلم بن الوليد بن العباس، ولم أر من ذكره (المجمع ١٠٨/١ - ١٠٩)، وقال نحوه المنذري في (الترغيب ٣٠٣/١). (٢) كذا في تفسير الطبري ونسخة (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((طيلة بن حساس)). وهو تصحيف. (٣) النجدات: فرقة من الخوارج من أصحاب نجدة بن عامر الخارجي. (٤) قوله: ((الموجبات)) كذا في تفسير الطبري ونسخة (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((الموبقات)). (٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه البخاري من طريق ابن علية به (الأدب المفرد ح٨)، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ح٦)، وحسنه السيوطي في الدر المنثور ٢٦٢/٢. (٦) كذا في تفسير الطبري ونسخة (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: (سبع))، وهو تصحيف. (٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وضعفه البخاري في التاريخ الكبير ٣٦٧/٤، وقال الحافظ ابن حجر: مداره على أيوب بن عتبة وهو: ضعيف (التلخيص الحبير ١٠٨/٢)، ولمعظمه شواهد تقدمت. ٧٦ سُوَرَّةُ الْنِسَشَاءِ (٣١،٢٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أحياءً وأمواتاً))(١). وهكذا رواه الحسن بن موسى الأشيب، عن أيوب بن عتبة اليماني وفيه ضعف، والله أعلم. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا بقية، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان أن أبا رُهم السمعي حدثهم عن أبي أيوب، قال: قال رسول الله وَخاله: (من عبد الله لا يشرك به شيئاً، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام رمضان، واجتنب الكبائر فله الجنة - أو دخل الجنة -)) فسأله رجل ما الكبائر؟ فقال: ((الشرك بالله، وقتل نفس مسلمة، والفرار يوم الزحف)) ورواه أحمد أيضاً، والنسائي من غير وجه عن بقية(٢). (حديث آخر) روى ابن مردويه في تفسيره من طريق سليمان بن داود اليماني - وهو ضعيف - عن الزهري، عن الحافظ أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، قال: كتب رسول الله * إلى أهل اليمن كتاباً فيه الفرائض والسنن والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم قال: وكان في الكتاب: ((إن أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة: إشراك بالله، وقتل النفس المؤمنة بغير حق، والفرار في سبيل الله يوم الزحف، وعقوق الوالدين، ورمي المحصنة، وتعلم السحر، وأكل الربا وأكل مال اليتيم)) (٣) . (حديث آخر فيه ذكر شهادة الزور): قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، حدثني عُبيد الله بن أبي بكر، قال: سمعت أنس بن مالك: قال: ذكر رسول الله بَّه الكبائر، أو سُئل عن الكبائر، فقال: ((الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين))، وقال: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟)) قال: قول ((الزور - أو شهادة الزور -))(٤) قال شعبة: أكبر ظني أنه قال: شهادة الزور أخرجاه من حديث شعبة به(٥). وقد رواه ابن مردويه [من طريقين آخرين غريبين عن أنس بنحوه](٦). (حديث آخر) أخرجه الشيخان من حديث عبد الرحمن بن أبي بَكْرة، عن أبيه، قال: قال النبي : ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟)) قلنا: بلى يا رسول الله. قال: ((الإشراك بالله، وعقوق الوالدين)) وكان متكئاً، فجلس فقال: ((ألا وشهادة الزور، ألا وقول الزور)) فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت(٧). (حديث آخر فيه ذكر قتل الولد) وهو ثابت في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: قلت: يا رسول الله؛ أي الذنب أعظم؟ وفي رواية: أكبر، قال: ((أن تجعل لله نداً وهو خلقك)). قلت: (١) أخرجه علي بن الجعد (الجعديات ح٣٤٢٦)، وفيه أيضاً أيوب بن عتبة، ولمعظمه شواهد تقدمت. (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤١٣/٥، ٤١٤)، وأخرجه النسائي من طريق بقية به (السنن، تحريم الدم، باب ذكر الكبائر ٨٨/٧)، وصححه الألباني في صحيحه سنن النسائي (ح٣٧٤٣)، وحسنه الأرناؤوط في جامع الأصول ٦٢٦/١٠. (٣) في سنده سليمان بن داود اليماني: ضعيف، ولمعظمه شواهد تقدمت. (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٣١/٣)، وهو متفق عليه. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، الشهادات، باب ما قيل في شهادة الزور (ح٢٦٥٣)، ومسلم في صحيحه، الإيمان، باب بیان الكبائر (ح٨٨). (٦) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل من طريق أخرى عن سفيان عن أنس بنحوه. (٧) صحيح البخاري، الباب السابق (ح٢٦٥٤)، وصحيح مسلم، الباب السابق (ح ٨٧). ٧٧ • سُوْرَةُ النَّسَاءِ (٣١،٢٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ثم أي؟ قال: ((أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك)). قلت: ثم أي؟ قال: ((أن تزاني حليلة(١) جارك)) ثم قرأ ﴿وَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَن تَابَ﴾(٢) [الفرقان: ٧٠]. (حديث آخر فيه ذكر شرب الخمر) قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، حدثني أبو صخر أن رجلاً حدثه عن عمارة بن حزم أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص وهو بالحجر بمكة، وسأله رجل عن الخمر فقال: والله إن عظيماً عند الله الشيخ مثلي يكذب في هذا المقام على رسول الله وَل#، فذهب فسأله، ثم رجع فقال: سألته عن الخمر، فقال: ((هي أكبر الكبائر، وأم الفواحش، من شرب الخمر ترك الصلاة ووقع على أمه وخالته وعمته))(٣) غريب من هذا الوجه. (طريق أخرى) رواها الحافظ أبو بكر بن مردويه من حديث عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن داود بن صالح، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه أن أبا بكر الصديق حظوته وعمر بن الخطاب وأناساً من أصحاب رسول الله وَلـ ـ رضي الله عنهم أجمعين-، جلسوا بعد وفاة رسول الله وَلهم فذكروا أعظم الكبائر، فلم يكن عندهم ما ينتهون إليه، فأرسلوني إلى عبد الله بن عمرو بن العاص أسأله عن ذلك، فأخبرني أن أعظم الكبائر شرب الخمر، فأتيتهم فأخبرتهم، فأنكروا ذلك، فوثبوا(٤) إليه حتى أتوه في داره، فأخبرهم أنهم تحدثوا عند رسول الله وسل ﴿ أن ملكاً من بني إسرائيل أخذ رجلاً فخيره بين أن يشرب خمراً، أو يقتل نفساً، أو يُزاني، أو يأكل لحم خنزير، أو يقتله، فاختار شرب الخمر، وإنه لما شربها لم يمتنع من شيء أراده منه، وإن رسول الله وليه قال لنا مجيباً: ((ما من أحد يشرب خمراً إلا لم تقبل له صلاة أربعين ليلة، ولا يموت أحد وفي مثانته(٥) منها شيء إلا حرم الله عليه الجنة، فإن مات في أربعين ليلة مات ميتة جاهلية))(٦). هذا حديث غريب من هذا الوجه جداً، وداود بن صالح هذا هو [التمار](٧) المدني مولى الأنصار، قال الإمام أحمد: لا أرى به بأساً. وذكره ابن حبان في الثقات ولم أر أحداً [جرحه](٨). (حديث آخر) عن عبد الله بن عمرو وفيه ذكر اليمين الغموس. قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن فراس، عن الشعبي، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي وَلير أنه قال: ((أكبر الكبائر الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، أو قتل النفس - شعبة الشاك - واليمين (١) كذا في الصحيحين ونسخة (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((تزني بحليله جارك)). (٢) متفق عليه، تقدم تخريجه في سورة البقرة آية ٢٢. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإبهام شيخ ابن صخر. (٤) أي نهضوا وقاموا مسرعين (النهاية: وث ب). (٥) أي العضو الذي يجتمع فيه البول أسفل البطن (النهاية: م ث ن). (٦) أخرجه الحاكم من طريق الدراوردي به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١٤٧/٤)، وقال المنذري: رواه الطبراني بإسناد صحيح (الترغيب ٢٥٨/٣)، وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٧٠/٥). وأخشى أن يكون متنه من الزاملتين اللتين اشتهر بهما عبد الله بن عمرو بن العاص . (٧) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((اليماني))، وهو تصحيف. (٨) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((أخرجه))، وهو تصحيف. ٧٨ سُورَةُ النَّسَاءِ (٣١،٢٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 الغموس))(١) ورواه البخاري والترمذي والنسائي من حديث شعبة، وزاد البخاري وشيبان كلاهما (٢) عن فراس به ١١ . (حديث آخر في اليمين الغموس) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح كاتب الليث، حدثنا الليث بن سعد، حدثنا هشام بن سعد، عن محمد بن زيد بن مهاجر بن [قنفذ](٣) التيمي، عن أبي أمامة الأنصاري، عن عبد الله بن أنيس الجهني، عن رسول الله اليهود قال: ((أكبر الكبائر الشرك بالله، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، وما حلف حالف بالله يمين صبر فأدخل فيها مثل جناح البعوضة إلا كانت وكتة في قلبه إلى يوم القيامة))(٤)، وهكذا رواه أحمد في مسنده وعبد بن حميد في تفسيره، كلاهما عن يونس بن محمد المؤدب عن الليث بن سعد به، وأخرجه الترمذي عن عبد بن حميد به، وقال: حسن غريب(٥)، وأبو أمامة الأنصاري هذا هو ابن ثعلبة ولا يعرف اسمه، وقد روى عن النبي ◌َّ أحاديث. قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي: وقد رواه عبد الرحمن بن إسحاق المدني عن محمد بن زيد، عن عبد الله بن أبي أمامة، عن أبيه، عن عبد الله بن أنيس، فزاد عبد الله بن أبي أمامة. (قلت): هكذا وقع في تفسير ابن مردويه وصحيح ابن حبان من طريق عبد الرحمن بن إسحاق كما ذكره شيخنا تَخَّته(٦). (حديث آخر) عن عبد الله بن عمرو في التسبب إلى شتم الوالدين، قال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي، حدثنا وكيع عن مسعر وسفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن حميد بن عبد الرحمن، عن عبد الله [بن عمرو](٧) رفعه سفيان إلى النبي وص له، ووقفه مسعر على عبد الله بن عمرو، قال: ((من الكبائر أن يشتم الرجل والديه))، قالوا: وكيف يشتم الرجل والديه؟ قال: (يسب الرجل أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه، فيسب أمه))(٨) أخرجه البخاري عن أحمد بن يونس، عن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن عمه حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله وَله: ((إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه)) قالوا: وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: ((يسب الرجل أبا الرجل، فيسب أباه ويسب أمه، فيسب أمه))(٩) وهكذا رواه مسلم من حديث سفيان وشعبة ويزيد بن الهاد، ثلاثتهم (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٢٠١)، وسنده صحيح. (٢) صحيح البخاري، الأيمان والنذور، باب اليمين الغموس (ح ٦٦٧٥)، وسنن الترمذي، تفسير سورة النساء (ح٣٠٢١)، وسنن النسائي كتاب تحريم الدم، باب ذكر الكبائر ٨٩/٧. (٣) كذا في تفسير ابن أبي حاتم ونسخة (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((سعد)). وهو تصحيف. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن كما سيأتي. (٥) المسند ٤٩٥/٣، وسنن الترمذي، باب ومن سورة النساء (ح٣٠٢٠)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه (المستدرك ٢٩٦/٤)، وحسنه الحافظ ابن حجر (فتح الباري ١١٠/١). (٦) كذا في الأصل وفي (ح) و(حم) و(مح): ((فسح الله في أجله)). (٧) زياد من (ح) و(حم) و(مح). (٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح. (٩) صحيح البخاري، الأدب، باب لا يسب الرجل والديه (ح ٥٩٧٣). ٧٩ • سُرَّةُ النِّسَتَّاءِ (٣١،٢٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 عن سعد بن إبراهيم به مرفوعاً بنحوه (١)، وقال الترمذي: صحيح (٢)، وثبت في الصحيحين(٣) أن رسول الله (َيقر قال: ((سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر))(٤). (حديث آخر في ذلك) قال ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم دُحيم، حدثنا عمرو بن أبي سلمة، حدثنا زهير بن محمد عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، [أن رسول الله (وَل﴾ قال](٥): ((من أكبر الكبائر استطالة المرء في عرض الرجل المسلم، والسبّتان والسبّة))(٦). هكذا روي هذا الحديث، وقد أخرجه أبو داود في كتاب الأدب من سننه عن جعفر بن مسافر، عن عمرو بن أبي سلمة، عن زهير بن محمد، عن العلاء عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َ ﴾ قال: ((من أكبر الكبائر استطالة المرء في عرض رجل مسلم بغير حق، ومن الكبائر السبتان بالسبة))(٧) وكذا رواه ابن مردويه من طريق عبد الله بن العلاء، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي وَلّ ... فذكر مثله. (حديث آخر فيه ذكر الجمع بين الصلاتين من غير عذر) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا معتمر بن سليمان عن أبيه، عن [حنش](٨)، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ◌َّر قال: ((من جمع بين صلاتين من غير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر)»(٩)، وهكذا رواه أبو عيسى الترمذي عن أبي سلمة يحيى بن خلف، عن المعتمر بن سليمان به، ثم قال: حنش هو أبو علي الرحبي، وهو حسين بن قيس، وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه أحمد وغيره(١٠). وروى ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا إسماعيل بن علية عن خالد الحذاء، عن حميد بن هلال، عن أبي قتادة - يعني العدوي -، قال: قُرئ علينا كتاب عمر بن الخطاب به: من الكبائر جمع بين الصلاتين - يعني بغير عذر - والفرار من الزحف، والنهبة(١١). وهذا إسناد صحيح. والغرض أنه إذا كان الوعيد فيمن جمع بين الصلاتين كالظهر (١) صحيح مسلم، الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها (ح١٤٦). (٢) سنن الترمذي، البر والصلة، باب ما جاء في عقوق الوالدين (ح١٩٠٢). (٣) كذا في الأصل و(حم)، وفي (مح): ((الصحيح)). (٤) صحيح البخاري، الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله (ح٤٨). (٥) زيادة من (ح) و(حم) و(مح). (٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وفي سنده عمرو بن أبي سلمة صدوق، وروايته عن زهير بن محمد ضعيفه، ولكنه توبع في رواية ابن التالية، فسنده حسن. (٧) أخرجه أبو داود برواية الحسن بن العبد وبرواية ابن داسة كلاهما عن أبي داود، قال المزي: هذا الحديث في رواية الحسن بن العبد وابن داسة ولم يذكره أبو القاسم (تحفة الإشراف ٣٢٨/١) لذا لم أجده برواية اللؤلؤي عنه وهي السنن المشهورة بين أيدينا . (٨) كذا في تفسير ابن أبي حاتم ونسخة (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((حسن)) وهو تصحيف. (٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده حنش: ضعيف، والأصح وقفه كما سيأتي موقوفاً على عمر . (١٠) السنن، الصلاة، باب ما جاء في الجمع بين الصلاتين في الحضر (ح١٨٨). (١١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وصححه الحافظ ابن كثير. ٨٠ • سُورَةُ الْنِسَّاءِ (٣١،٢٩) والعصر، تقديماً أو تأخيراً، وكذا المغرب والعشاء هما من شأنه أن يجمع بسبب من الأسباب الشرعية، فإذا تعاطاه أحد بغير شيء من تلك الأسباب يكون مرتكباً كبيرة، فما ظنك بترك الصلاة بالكلية، ولهذا روى مسلم في صحيحه عن رسول الله وَ لقول أنه قال: ((بين العبد وبين الشرك ترك الصلاة))(١). وفي السنن مرفوعاً عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر))(٢)، وقال: ((من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله))(٣)، وقال: ((من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله»(٤). (حديث آخر) فيه اليأس من روح الله، والأمن من مكر الله. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل، حدثنا أبي، حدثنا شبيب بن بشر(6)، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رسول الله - 38 كان متكئاً، فدخل عليه رجل فقال: ما الكبائر؟ فقال: ((الشرك بالله، واليأس من روح الله، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله، وهذا أكبر الكبائر)) (٦)، وقد رواه البزار عن عبد الله بن إسحاق العطار، عن أبي عاصم النبيل، عن شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رجلاً قال: يا رسول الله ما الكبائر؟ قال: ((الإشراك بالله واليأس من روح الله، والقنوط من رحمة الله رَك))(٧) وفي إسناده نظر، والأشبه أن يكون موقوفاً، فقد روي عن ابن مسعود نحو ذلك. قال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، أخبرنا مطرف، عن وبرة بن عبد الرحمن، عن أبي الطفيل قال: قال ابن مسعود: أكبر الكبائر الإشراك بالله، واليأس من روح الله، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله، وكذا رواه من حديث الأعمش وأبي إسحاق عن وبرة عن أبي الطفيل، عن ابن مسعود به(٨)، ثم رواه من طرق عدة عن أبي الطفيل، عن ابن مسعود وهو صحيح إليه بلا شك. (حديث آخر) فيه سوء الظن بالله. قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن إبراهيم بن بندار، حدثنا أبو حاتم بكر بن عبدان، حدثنا محمد بن عمر بن مهاجر، حدثنا أبو حذيفة إسحاق البخاري، عن محمد بن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال: أكبر الكبائر سوء الظن بالله رغميت (٩). حديث غريب جداً. (١) صحيح مسلم، الإيمان، باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة (ح ١٣٤). (٢) سنن الترمذي، الإيمان، باب ما جاء في ترك الصلاة (ح٢٦٢١)، وسنن النسائي، الصلاة، باب الحكم في تارك الصلاة ٢٣١/١، وسنن ابن ماجه، إقامة الصلاة، باب ما جاء فيمن ترك الصلاة (ح١٠٧٩)، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٧٢٦/١). (٣) صحيح البخاري، مواقيت الصلاة، باب من ترك العصر (ح٥٥٣). (٤) صحيح مسلم، المساجد، باب التغليظ في تفويت صلاة العصر (ح٦٢٦). (٥) في الأصل: ((بسر)) والتصويب من تفسير ابن أبي حاتم ونسخة (ح) و(حم) و(مح). (٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده شبيب بن بشر: صدوق يخطئ كما في التقريب، ولعله هو الذي رفع الحديث والأصح وقفه. (٧) كشف الأستار (ح ١٠٦). (٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ومن طرق أخرى وجزم الحافظ ابن كثير بصحته. (٩) في سنده إسحاق بن بشر قال ابن عدي: أحاديثه كلها غير محفوظة ومنكرة إما إسناداً أو متناً، لا يتابعه أحد عليها (الكامل ٣٣١/١).