النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
سُورَةُ الَ عَنْزَانَ (١٣٠، ١٣٦)
يكون في مكان، وإن كنا لا نعلمه، وكذلك النار تكون حيث يشاء الله ربك، وهذا أظهر كما تقدم
في حديث أبي هريرة عن البزار.
(الثاني): أن يكون المعنى أن النهار إذا تغشى وجه العالم من هذا الجانب، فإن الليل يكون
من الجانب الآخر، فكذلك الجنة في أعلى عليين فوق السموات تحت العرش وعرضها، كما
قال الله رَى: ﴿كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ٢١] والنار في أسفل سافلين فلا تنافي بين كونها
كعرض السموات والأرض وبين وجود النار، والله أعلم.
ثم ذكر تعالى صفة أهل الجنة فقال: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَالضَّرَآءِ﴾ أي: في الشدة والرخاء
والمنشط والمكره والصحة والمرض وفي جميع الأحوال، كما قال: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَقْوَلَهُم
◌ِلَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرَّا وَعَلَانِيَةٌ﴾ [البقرة: ٢٧٤] والمعنى: أنهم لا يشغلهم أمر عن طاعة الله تعالى
والإنفاق في مراضيه. والإحسان إلى خلقه من قراباتهم وغيرهم بأنواع البر.
وقوله تعالى: ﴿وَالْكَظِنَ الْغَيْظَ وَاَلْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ أي: إذا ثار بهم الغيظ كظموه بمعنى
كتموه فلم يعملوه، وعفى مع ذلك عمن أساء إليه. وقد ورد في بعض الآثار: ((يقول الله تعالى:
يا ابن آدم اذكرني إذا غضبت، أذكرك إذا غضبت فلا أهلكك فيمن أهلك)) رواه ابن أبي حاتم(١).
وقد قال أبو يعلى في مسنده: حدثنا أبو موسى الزمن، حدثنا عيسى بن شعيب الضرير أبو
الفضل، حدثني الربيع بن سليمان النميري، عن أبي عمرو بن أنس بن مالك، عن أبيه، قال:
قال رسول الله وَله: ((من كفَّ غضبه، كفَّ الله عنه عذابه، ومن خزن لسانه، ستر الله عورته،
ومن اعتذر إلى الله، قبل الله عذره))(٢). وهذا حديث غريب، وفي إسناده نظر.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا مالك، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب،
عن أبي هريرة ظُه، عن النبي وَّ قال: ((ليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه
عند الغضب))(٣). وقد رواه الشيخان من حديث مالك(٤).
وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن
الحارث بن سويد، عن عبد الله وهو ابن مسعود نظابه، قال: قال رسول الله: ((أيكم مال وارثه
أحب إليه من ماله))؟ قال: قالوا: يا رسول الله ما منا أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه، قال:
((اعلموا أنه ليس منكم أحد إلا مال وارثه أحب إليه من ماله، مالك من مالك إلا ما قدمت، ومالُ
وارثك ما أخرْتَ)) قال: وقال رسول الله وَظله: ((ما تعدون الصرعة فيكم؟)) قلنا: الذي لا تصرعه
الرجال. قال: ((لا، ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب)). قال: قال رسول الله وَيقول: ((ما تعدون
فيكم الرقوب؟)) قلنا: الذي لا ولد له. قال: ((لا، ولكن الرقوب الذي لم يقدم من ولده شيئاً))(٥)
(١) لم أجده في تفسير ابن أبي حاتم.
(٢) أخرجه أبو يعلى الموصلي بسنده ومتنه (المسند ٣٠٢/٧ ح ٤٣٣٨) وحكم الحافظ ابن كثير على سنده ومتنه.
قال الهيثمي: فيه الربيع بن سليمان الأزدي وهو ضعيف (مجمع الزوائد ٣٠١/١٠).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٣٦/٢) وسنده صحيح.
(٤) صحيح البخاري، الأدب، باب الحذر من الغضب (ح٦١١٤)، وصحيح مسلم، البر والصلة، باب فضل
من يملك نفسه عند الغضب (ح٢٦٠٩).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٨٢/١) وسنده صحيح.

٤٢٢
• سُورَةُ الِ عَثْرَانَ (١٣٠، ١٣٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أخرج البخاري الفصل الأول منه(١)، وأخرج مسلم أصل هذا الحديث، من رواية الأعمش به(٢).
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت عروة بن عبد الله
الجعفي يحدث، عن أبي حصبة(٣) أو ابن حصبة، عن رجل شهد النبي وَلوهو يخطب، فقال:
(تدرون ما الرقوب؟)) قلنا: الذي لا ولد له، قال: ((الرقوب كل الرقوب الذي له ولد فمات ولم
يقدم منهم شيئاً)) قال: ((تدرون ما الصعلوك؟)) قالوا: الذي ليس له مال، فقال النبي اَلر:
((الصعلوك كل الصعلوك الذي له مال فمات ولم يقدم منه شيئاً)) قال: ثم قال النبي وَله: ((ما
الصرعة؟)) قالوا: الصريع. قال: فقال ◌َّل: ((الصرعة كل الصرعة الذي يغضب فيشتدّ غضبه
ويحمرّ وجهه ويقشعرّ شعره فيصرع غضبه)) (٤).
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن
الأحنف بن قيس، عن عمِّ له يقال له: حارثة بن قدامة السعدي، أنه سأل رسول الله وَ يته، فقال:
يا رسول الله، قل لي قولاً ينفعني وأقلل عليّ لعلي أعيه، فقال رسول الله وَله: ((لا تغضب)) فأعاد
عليه حتى أعاد عليه مراراً كل ذلك يقول: ((لا تغضب))(٥). وهكذا رواه عن أبي معاوية عن هشام
به، ورواه أيضاً عن يحيى بن سعيد القحطان عن هشام به أن رجلاً قال: يا رسول الله، قل لي
قولاً وأقلل عليّ لعلي أعقله، فقال: ((لا تغضب)) الحديث، انفرد به أحمد.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن الزهري، عن حميد بن
عبد الرحمن، عن رجل من أصحاب النبي ◌َّه قال: قال رجل: يا رسول الله أوصني، قال: ((لا
تغضب)). قال الرجل: ففكرت حين قال النبي ◌َّر ما قال، فإذا الغضب يجمع الشرَّ كله(٦). انفرد
به أحمد.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا داود بن أبي هند، عن أبي حرب بن
أبي الأسود، عن أبي الأسود، عن أبي ذرّ ◌ُه عنه قال: كان يسقي على حوض له فجاء قوم،
فقالوا: أيكم يورد على أبي ذرّ ويحتسب شعرات من رأسه؟ فقال رجل: أنا، فجاء الرجل
فأورد(٧) عليه الحوض فدقه، وكان أبو ذرّ قائماً فجلس ثم اضطجع، فقيل له: يا أبا ذر لم
(١) الصحیح، الرقاق، باب ما قدم من ماله فهو له (ح ٦٤٤٢).
(٢) الصحيح، البر والصلة، باب فضل من يملك نفسه عند الغضب (ح٢٦٠٨) وأصل الرقوب الذي لا يعيش له
ولد، ومعنى الحديث: ((إنكم تعتقدون أن الرقوب المحزون هو المصاب بموت أولاده))، وليس هو كذلك،
بل هو من لم يمت أحد من أولاده في حياته فيحتسبه ويكتب له ثواب مصيبته به (حاشية المصدر السابق).
(٣) في الأصل: ((أبي حفصة))، والتصويب من (عف) و(مح) والمسند كما سيأتي.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسند ومتنه (المسند ٣٦٧/٥)، وفيه أبو حصبة أو ابن حصبة أو ابن حصبة: وهو
مجهول (تعجيل ص٤٧٦). والثلث الأول من الحديث له شاهد تقدم في الصحيحين.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٤/٥) قال الهيثمي: وجال أحمد رجال الصحيح (مجمع الزوائد
٦٩/٨)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير ٦/ ١٦٣.
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٧٣/٥) قال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح (مجمع
الزوائد ٦٩/٨) وشطره الأول له شاهد تقدم.
(٧) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((فادرك)) وهو تصحيف.

٠
سُورَةُ العَقْرَانَ (١٣٠، ١٣٦)
٤٢٣
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
جلست ثم اضطجعت، فقال: إن رسول الله بَل﴿ قال لنا: ((إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس،
فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع)»(١). ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل بإسناده إلا أنه وقع
في روايته عن أبي حرب عن أبي ذرّ(٢)، والصحيح أبو حرب(٣) عن أبيه، عن أبي ذرّ، كما رواه
عبد الله بن أحمد عن أبيه.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن خالد، حدثنا أبو وائل الصنعاني، قال: كنا
جلوساً عند عروة بن محمد إذا دخل عليه رجل فكلمه بكلام أغضبه، فلما أن غضب قام ثم عاد
إلينا وقد توضأ، فقال: حدثني أبي عن جدي عطية هو ابن سعد السعدي (٤) - وقد كانت له
صحبة - قال: قال رسول الله: ((إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ
النار بالماء فإذا أغضب أحدكم فليتوضأ))(٥). وهكذا رواه أبو داود من حديث إبراهيم بن خالد
الصنعاني عن أبي وائل القاص المرادي الصنعاني، قال أبو داود: أراه عبد الله بن بحير.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا نوح بن جَعْونة السلمي، عن
ـّ، قال: قال رسول الله وَله: ((من أنظر معسراً أو
مقاتل بن حيان، عن عطاء، عن ابن عباس
وضع له، وقاه الله من فيح جهنم، ألا إن عمل الجنة حزن(٦) بربوة - ثلاثاً - ألا إن عمل النار
سهل بسهوة(٧). والسعيد من وقي الفتن، وما من جرعة أحبّ إلى الله من جرعة غيظ يكظمها عبد
ما كظمها عبد الله إلا ملأ الله جوفه إيماناً)) (٨)، انفرد به أحمد، وإسناده حسن ليس فيه مجروح،
[ومتنه](٩) حسن.
(حديث آخر في معناه) قال أبو داود: حدثنا عقبة بن مكرم، حدثنا عبد الرحمن يعني ابن
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٥٢/٥)، وأخرجه أبو داود من طريق الإمام أحمد به، ثم أخرجه
من طريق داود بن أبي هند عن بكر أن النبي 98 بعث أبا ذرّ بهذا الحديث. ثم قال أبو داود: وهذا أصح
الحديثين. (السنن، الأدب، باب ما يقال عند الغضب ح٤٧٨٢ - ٤٧٨٣)، وصححه الألباني في صحيح
سنن أبي داود (ح ٤٠٠٠ - ٤٠٠١).
(٢) المصدر السابق.
(٣) كذا في (عف) و(مح)، وفي الأصل: ((ابن حرب)) وهو تصحيف.
(٤) في الأصل: ((ابن سعيد السعدي)) وهو تصحيف والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٢٦/٤) وأخرجه أبو داود من طريق إبراهيم بن خالد به (السنن،
الأدب، باب ما يقال عند الغضب ح٤٧٨٤)، وحسنه الأرناؤوط (جامع الأصول ٤٣٩/٨)، وضعفه الألباني
في السلسلة الضعيفة (ح٥٨٢). وله شاهد صحيح تقدم.
(٦) حزن: بفتح فسكون، ما غلظ من الأرض وخشن والمراد أن يصعب على النفوس. قاله السندي في حاشية
المسند .
(٧) السهوة: الأرض اللينة التربة، شبه المعصية في سهولتها على مرتكبيها بالأرض السهلة (النهاية في غريب
الحديث ٤٣٠/٢).
(٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (١٤٩/٥ - ١٥١ ح٣٠١٥) وقال محققوه: إسناده ضعيف جداً. وأخرجه
إسحاق بن راهويه في مسنده (انظر: لسان الميزان ١٧٢/٦)، والقضاعي (المسند ح ١٤٢٣ والمصدر
السابق) من طريق نوح به قال الذهبي: أجوز أن يكون نوح بن أبي مريم أتى بخبر منكر وذكر هذا الحديث
(ميزان الاعتدال ٢٧٥/٤) ووافقه الحافظ ابن حجر (لسان الميزان ٦/ ١٧٢).
(٩) في الأصل: ((سنده) وهو تصحيف والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).

٤٢٤
• سُورَةُ اَلِ عَقْرَانَ (١٣٠، ١٣٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
مهدي عن بشر - يعني ابن منصور -، عن محمد بن عجلان، عن سويد بن وهب، عن رجل من
أبناء أصحاب النبي وَ ﴿، [عن أبيه](١) قال: قال رسول الله وَله: ((من كظم غيظاً وهو قادر على
أن ينفذه، ملأه الله أمناً وإيماناً، ومن ترك لبس ثوب جمال وهو يقدر عليه - قال بشر: أحسبه
قال: تواضعاً - كساه الله حلة الكرامة ومن زوّج [لله](٢) كساه الله تاج الملك)) (٣).
(حديث آخر) قال الأمام أحمد: حدثنا عبد الله بن يزيد قال: حدثنا سعيد، حدثني أبو مرحوم
عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه أن رسول الله قال: ((من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه
دعاه الله على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي الحور شاء))(٤). ورواه أبو داود [والترمذي وابن
ماجه من حديث سعيد بن أبي أيوب به، وقال الترمذي: حسن غريب(٥)](٦).
(حديث آخر) قال عبد الرزاق: أنبأنا داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، عن رجل من أهل
الشام يقال له: عبد الجليل، عن عمِّ له، عن أبي هريرة ◌ُبه في قوله تعالى: ﴿وَالْكَظِينَ الْغَيْظَ﴾
أن النبي و ﴿ قال: ((من كظم غيظاً وهو يقدر (٧) على إنفاذه ملأه الله أمناً وإيماناً)) رواه ابن
(٨) .
جرير.
(حديث آخر) قال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن محمد بن زياد، أنبأنا يحيى بن أبي طالب،
أنبأنا علي بن عاصم، أخبرني يونس بن عبيد، عن الحسن، عن ابن عمر ◌ًا، قال: قال
رسول : ((ما تجرع عبد من جرعة أفضل أجراً من جرعة غيظ كظمها ابتغاء وجه الله)) وكذا
رواه ابن ماجه عن بشر بن عمر، عن حماد بن سلمة، عن يونس بن عبيد به (٩).
فقوله تعالى: ﴿وَالْكَظِمِنَ الْغَيْظَ﴾ أي: لا يعملون غضبهم في الناس بل يكفون عنهم شرهم،
ويحتسبون ذلك عند الله رَك. ثم قال تعالى: ﴿وَاَلْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ أي مع كف الشر يعفون
عمن ظلمهم في أنفسهم فلا يبقى في أنفسهم [موجِدة](١٠) على أحد، وهذا أكمل الأحوال،
(١) هذه الزيادة من (ح) و(حم)، وهي في سنن أبي داود (ح ٤٣٧٨).
(٢) في الأصل: ((ومن زوج فيه)) أي في الله. والمثبت من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٣) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الأدب، باب ما يقال عند الغضب ح ٤٧٧٨)، وفي سنده جهالة شيخ
سويد بن وهب، وسويد نفسه مجهول (التقريب ص٢٦١)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود
(ح ١٠٢٣).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٤٠/٣) وسنده حسن كما سيأتي.
(٥) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٦) سنن أبي داود، الأدب، باب من كظم غيطاً (ح ٤٧٧٧)، وسنن الترمذي، البر والصلة، باب في كظم الغيط
(ح٢٠٢١)، وسنن ابن ماجه، الزهد، باب الحلم (ح٤١٨٦)، وحسنه الترمذي بقوله: حسن غريب، وحسنه
الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٣٧٥).
(٧) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((قادر)).
(٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب إبهام شيخ زيد بن أسلم، وعمه.
(٩) أخرجه ابن ماجه عن زيد بن أخرم عن بشر بن عمر به (السنن، الزهد، باب الحلم ح٤١٨٩) قال
البوصيري: إسناده صحيح رجاله ثقات (مصباح الزجاجة ٢٩١/٣)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن
ماجه (ح ٣٣٧٧).
(١٠) كذا في (ح) و(حم) و(مح) و(عف)، وجاء تحتها: ((معناها: غضب))، وفي الأصل: ((مؤاخذة)) وهو تصحيف.

٤٢٥
سُورَةُ الغَزَانَ (١٣٠، ١٣٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فهذا من مقامات الإحسان، وفي الحديث: ((ثلاث أقسم
عليهن: ما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، ومن تواضع لله رفعه الله))(١)،
وروى الحاكم في مستدركه من حديث موسى بن عقبة عن إسحاق بن يحيى بن طلحة القرشي،
عن عبادة بن الصامت، عن أبي بن كعب أن رسول الله وَّر، قال: ((من سره أن يشرف له البنيان
وترفع له الدرجات، فليعف عمن ظلمه، ويعط من حرمه، ويصل من قطعه)) ثم قال: صحيح على
شرط الشيخين، ولم يخرجاه (٢). وقد أورده ابن مردويه من حديث علي(٣) وكعب بن عجرة(٤)
وأبي هريرة(٥) وأم سلمة رؤية بنحو ذلك.
وروي عن طريق الضحاك عن ابن عباس رضيًا، قال: قال رسول الله وَلي: ((إذا كان يوم القيامة
نادى مناد يقول: أين العافون عن الناس؟ هلمّوا إلى ربكم وخذوا أجوركم، وحق على كل امرئ
مسلم إذا عفا أن يدخل الجنة))(٦).
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَأَسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ﴾ أي: إذا
صدر منهم ذنب أتبعوه بالتوبة والاستغفار.
قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا همام بن يحيى، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة،
عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة ربه، عن النبي وَ ﴿ قال: ((إن رجلاً أذنب ذنباً،
فقال: ربِّ إني أذنبت ذنباً فاغفره، فقال الله ريك: عبدي [عمل](٧) ذنباً فعلم أن له رباً يغفر
الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي، ثم عمل ذنباً آخر، فقال: ربِّ إني عملت ذنباً فاغفره، فقال
تبارك وتعالى: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي، ثم عمل ذنباً آخر
فقال: ربِّ إني عملت ذنباً فاغفره لي، فقال الله رَبّت: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به
قد غفرت لعبدي ثم عمل ذنباً آخر فقال: ربِّ، إني عملت ذنباً فاغفره، فقال ◌َ: عبدي علم
أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، أشهدكم أني قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء)» (٨). أخرجاه في
الصحيحين من حديث إسحاق بن أبي طلحة بنحوه (٩).
(١) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة بلفظه تقريباً (الصحيح، البر، باب استحباب العفو والتواضع ح٢٥٨٨)
وورد في حاشيته: ما نقصت صدقة من مال: ذكروا فيه وجهين: أحدهما معناه أنه يبارك فيه ويدفع عنه
المضرات فينجبر نقص الصورة بالبركة الخفية، وهذا مدرك بالحس والعادة، والثاني: أنه وإن نقصت
صورته، كان في الثواب المرتب عليه جبر لنقصه وزيادة إلى أضعاف كثيرة.
(٢) وقد تعقبه الذهبي لأن الراوي عن موسى بن عقبة هو أبو أمية بن يعلى الثقفي، ضعفه الدار قطني، وإسحاق لم يدرك
عبادة (المستدرك ٢٩٥/٢)، وضعفه الحافظ ابن حجر (لسان الميزان ٧/ ١٣)، والهيثمي (المجمع ١٩٢/٨).
(٣) ذكره الهيثمي ونسبه إلى الطبراني في الأوسط وفيه الحارث الأعور وهو ضعيف (المجمع ١٩١/٨).
(٤) ذكره الهيثمي ونسبه إلى الطبراني وقال: وفيه محمد بن جابر السحيمي: وهو متروك (المجمع ١٩١/٨).
(٥) ذكره الهيثمي ونسبه إلى الطبراني في الأوسط ثم قال: وفيه سليمان بن داود اليامي وهو ضعيف (المجمع
٨/ ١٩٢).
(٦) في سنده الضحاك لم يسمع من ابن عباس وسنده ضعيف.
(٧) في الأصل: ((أذنب)) وما أثبت من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والمسند كما في التخريج.
(٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح٧٩٣٥) وسنده صحيح.
(٩) صحيح البخاري، التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُواْ كَمَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥] (ح ٧٥٠٧)، =

٤٢٦
• سُورَةُ الْ عَثْرَانَ (١٣٠، ١٣٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر وأبو عامر، قالا: حدثنا زهير، حدثنا سعد
الطائي، حدثنا أبو المدله مولى أم المؤمنين، سمع أبا هريرة، قلنا: يا رسول الله، إذا رأيناك
رقت قلوبنا، وكنا من أهل الآخرة، وإذا فارقناك أعجبتنا الدنيا، وشممنا النساء والأولاد، فقال:
((لو أنكم تكونون على كل حال على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة بأكفّهم،
ولزارتكم في بيوتكم. ولو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون كي يغفر لهم)). قلنا: يا رسول الله،
حدثنا عن الجنة، ما بناؤها؟ قال: ((لبنة ذهب ولبنة فضة، وملاطها المسك الأذفر، وحصباؤها
اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران، من يدخلها ينعم ولا يبأس، ويخلد ولا يموت لا تبلى ثيابه،
ولا يفنى شبابه، ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم تحمل
على الغمام وتفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين)) (١). ورواه
الترمذي وابن ماجه من وجه آخر من حديث سعد به (٢).
ويتأكد الوضوء وصلاة ركعتين عند التوبة لما رواه الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا وكيع، حدثنا
مسعر وسفيان الثوري، عن عثمان بن المغيرة الثقفي، عن علي بن ربيعة، عن أسماء بن الحكم
الفزاري عن علي بن أبي طالب ظُبه، قال: كنت إذا سمعت من رسول الله وَّر حديثاً، نفعني الله
، حدثني
بما شاء منه. وإذا حدثني عنه غيره استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، وإن أبا بكر .
- وصدق أبو بكر - أنه سمع رسول الله وَ ل﴿، قال: ((ما من رجل يذنب ذنباً فيتوضأ فيحسن
الوضوء - قال مسعر : - فيصلي - وقال سفيان : - ثم يصلي ركعتين، فيستغفر الله رَك إلا غفر
له))(٣). وهكذا(٤) رواه علي بن المديني والحميدي وأبو بكر بن أبي شيبة وأهل السنن وابن حبان
في صحيحه والبزار والدارقطني من طرق عن عثمان بن المغيرة [به](٥)، وقال الترمذي: هو
حديث حسن(٦)، وقد ذكرنا طرقه، والكلام عليه مستقصى في مسند أبي بكر الصديق څته،
وبالجملة فهو حديث حسن، وهو من رواية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عن خليفة النبي أبي
بكر الصديق ﴿يا. ومما يشهد بصحة هذا الحديث ما رواه مسلم في صحيحه عن أمير المؤمنين
عمر بن الخطاب عنه، عن النبي ولو قال: ((ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ - أو فيسبغ -
الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله،
إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء))(٧).
وصحيح مسلم، التوبة، باب قبول التوبة من الذنوب (ح٢٧٥٨).
=
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٨٠٣٠) وصححه أحمد شاكر، وأخرجه الترمذي من طريق سعد
الطائي به وحسنه (السنن، الدعوات، باب في العفو والعافية ح٣٥٩٨).
(٢) المصدر السابق وسنن ابن ماجه، الصيام، باب في الصائم لا ترد دعوته (ح ١٧٥٢).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح٢) وسنده حسن كما قال الحافظ ابن كثير وصححه أحمد شاكر،
وحسنه الترمذي (السنن، التفسير، سورة آل عمران ح٣٠٠٩)، وقال الحافظ ابن حجر: جيد الإسناد (تهذيب
التهذيب ٢٦٨/١)، وقال ابن عدي: أرجو أن يكون صحيحاً (الكامل المجلد الثاني ق٢٢٨ - ٢٢٩).
(٤) في الأصل: ((وهذا)) والمثبت من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٥) سقط من الأصل واستدرك كسابقه.
(٦) تقدم في الحاشية السابقة.
(٧) أخرجه مسلم من حديث عقبة بن عامر (الصحيح، الطهارة، باب الذكر المستحب عقب الوضوء ح٢٣٤).

٤٢٧
• سُوْرَةِ العَقْرَانَ (١٣٠، ١٣٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وفي الصحيحين عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ظه: أنه توضأ لهم وضوء النبي ◌َّر، [ ثم
قال: سمعت النبي ◌َل#](١) يقول: ((من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما
نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه))(٢) فقد ثبت هذا الحديث من رواية الأئمة الأربعة الخلفاء
الراشدين، عن سيد الأولين والآخرين، ورسول رب العالمين كما دلَّ عليه الكتاب المبين، من
أن الاستغفار من الذنب ينفع العاصين، وقد قال عبد الرزاق: أنبأنا جعفر بن سليمان، عن
ثابت، عن أنس بن مالك ه، قال: بلغني أن إبليس لعنه الله حين نزلت هذه الآية ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا
فَعَلُواْ فَحِشَةً أَوْ ظَلَمُوْاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَأَسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ ... ) الآية، بكى(٣).
وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا محرز بن عون، حدثنا عثمان بن مطر، حدثنا عبد الغفور، عن أبي
نُصَيرة، عن أبي رجاء، عن أبي بكر ◌َظ ◌ُه، عن النبي ◌ََّ، قال: ((عليكم بلا إله إلا الله، والاستغفار،
فأكثروا منهما، فإن إبليس قال: أهلكت الناس بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار، فلما
رأيت ذلك أهلكتهم بالأهواء، فهم يحسبون أنهم مهتدون)) (٤) عثمان بن مطر وشيخه ضعيفان.
وروى الإمام أحمد في مسنده من طريق عمرو بن أبي عمرو وأبي الهيثم العتواري عن أبي
سعيد، عن النبي ◌َّه قال: ((قال إبليس: يا ربّ، وعزتك لا أزال أغويهم ما دامت أرواحهم في
أجسادهم، فقال الله تعالى: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني)) (٥).
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عمر بن أبي خليفة، سمعت أبا
بدر يحدث، عن ثابت، عن أنس، قال: جاء رجل، فقال: يا رسول الله، أذنبت ذنباً، فقال
رسول الله : ((إذا أذنبت فاستغفر ربك)). قال: فإني أستغفر ثم أعود فأذنب، قال: ((فإذا أذنبت
فعد فاستغفر ربك))، فقالها في الرابعة: (استغفر ربك حتى يكون الشيطان هو [المحسور](٦)(٧).
وهذا حديث غريب من هذا الوجه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ أي: لا يغفرها أحد سواه، كما قال الإمام
أحمد: حدثنا محمد بن مصعب، حدثنا سلام بن مسكين والمبارك، عن الحسن، عن الأسود بن
(١) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح).
(٢) صحيح البخاري، الوضوء، باب الوضوء ثلاثاً ثلاثاً (ح١٥٩)، وصحيح مسلم، الطهارة، باب صفة الوضوء
و کماله (ح٢٢٦).
(٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره بدون ذكر أنس بن مالك (١٣٣/١)، وأخرجه الطبري وعبد بن حميد في
تفسيريهما من طريق عبد الرزاق به بدون ذكر أنس أيضاً (تفسير عبد بن حميد في حاشية تفسير ابن أبي
حاتم، سورة آل عمران) في النسخة الخطية الفريدة.
(٤) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ١٢٣/١ ح١٣٦)، وحكم عليه الحافظ ابن كثير بالضعف.
(٥) أخرجه الإمام أحمد من طريق عمرو بن أبي عمرو به ومن طريق دراج عن أبي الهيثم به (المسند ٣٣٣/١٧
- ٣٣٧ ح ١١٢٣٧ وح١١٢٤٤) وفي سنده درّاج وفي حديثه عن أبي الهيثم ضعف (التقريب ص٢٠١)
وعمرو بن أبي لم يسمع من أبي سعيد الخدري كما قرر الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة (ح١٠٤).
(٦) في الأصل: ((الحسرت)) وما أُثبت من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٧) كشف الأستار بزوائد البزار (ح٣٢٤٩)، وفي سنده أبو بدر، وهو بشار بن الحكم الضبي، قال أبو زرعة:
منكر الحديث. وقال ابن حبان: ينفرد عن ثابت بأشياء ليست من حديثه (لسان الميزان ١٦/٢).

٤٢٨
• سُورَةُ الِ غَزْرَانَ (١٣٠، ١٣٦)
سريع أن النبي * أُتي بأسير، فقال: اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد، فقال
النبي وَ ﴾: ((عرف الحق لأهله))(١).
وقوله: ﴿وَلَمْ يُصِرُوا عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: تابوا من ذنوبهم ورجعوا إلى الله عن
قريب، ولم يستمروا على المعصية ويصروا عليها غير مقلعين عنها، ولو تكرر منهم الذنب تابوا
عنه، كما قال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل وغيره،
قالوا: حدثنا أبو يحيى عبد الحميد الحماني، عن عثمان بن واقد، عن أبي نُصَيرة، عن مولى
لأبي بكر، [عن أبي بكر(٢) ﴿به، قال: قال رسول الله وَّهِ: ((ما أصرَّ من استغفر وإن عاد في
اليوم سبعين مرة)) (٣). ورواه أبو داود والترمذي والبزار في مسنده من حديث عثمان بن واقد(2)
- وقد وثقه يحيى بن معين به - وشيخه أبو نُصَيرة الواسطي واسمه: مسلم بن عبيد، وثقه الإمام
أحمد وابن حبان، وقول علي بن المديني والترمذي: ليس إسناد هذا الحديث بذاك، فالظاهر أنه
لأجل جهالة مولى أبي بكر(٥)، ولكن جهالة مثله لا تضر لأنه تابعي كبير، ويكفيه نسبته إلى أبي
بكر، فهو حديث حسن، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ قال مجاهد وعبد الله بن عبيد بن عمير ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أن من تاب
تاب الله عليه(٦)، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [التوبة: ١٠٤]
وكقوله: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوْءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ, ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا (٣)﴾ [النساء] ونظائر
هذا كثيرة جداً. وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أنبأنا جرير، حدثنا حبان هو ابن زيد الشرعبي،
عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ◌َّ أنه قال وهو على المنبر: ((ارحموا ترحموا، واغفروا يغفر
لكم، ويلٌ لأقماع(٧) القول، ويلٌ للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون)) (٨) تفرد به
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٥٣/٢٤ ح ١٥٥٨٧) وسنده ضعيف لأن الحسن لم يسمع من
الأسود بن سريع، ومحمد بن مصعب صدوق كثير الغلط (التقريب ص٥٠٧) قال السندي: قوله: عرف
الحق لأهله؛ أي: التوبة حق له تعالى فمن قال ذلك فقد عرفها لمستحقها (حاشية المسند).
(٢) ما بين معقوفين سقط واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والتخريج.
(٣) أخرجه الموصلي بسنده ومتنه (المسند ١٢٤/١ ح١٣٧) وسنده ضعيف كما سيأتي.
(٤) سنن أبي داود، الصلاة، باب في الاستغفار (ح١٥١٤)، وسنن الترمذي، الدعوات، باب ما أصرّ من
استغفر (ح٣٥٥٩)، ومسند البزار (ح٩٣) قال الترمذي: هذا حديث غريب إنما نعرفه من حديث أبي
نُصيرة، وليس إسناده بالقوي، وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (ح٣٢٦).
(٥) ليس لأجل جهالة أبي بكر بل بسبب عثمان بن واقد أيضاً فهو صدوق ربما وهم (التقريب ص ٣٨٧) ولم
يتابع عليه فقد أخرجه المروزي في مسند أبي بكر (ح١٢٢)، والترمذي وأبو داود والبزار كما تقدم في
الحاشية السابقة، والطبري وابن أبي حاتم في تفسيريهما وابن السني في عمل اليوم والليلة (ح٣٦١)،
البيهقي في شعب الإيمان (ح٦٤٢)، والبغوي في شرح السنة كلهم من طريق عثمان بن واقد به.
(٦) قول مجاهد أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن، وقول عبد الله بن عبيد أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح.
(٧) الإقماع: جمع قمع وهو الإناء الذي يترك في رؤوس الظروف لتملأ بالمائعات من الأشربة والأدهان
(النهاية ١٠٩/٤).
(٨) أخرجه الإمام بسنده ومتنه (المسند ح٦٥٤١) وصححه أحمد شاكر، وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح
(المجمع ١٩١/١٠)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير ٣٠٨/١.

٤٢٩
• سُورَةُ اَلِ عَمْرَانَ (١٣٧، ١٤٣)
أحمد. ثم قال تعالى بعد وصفهم بما وصفهم به: ﴿أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّيِّهِمْ﴾ أي: جزاؤهم
على هذه الصفات ﴿مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِى مِن تَّحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾ أي: من أنواع المشروبات
﴿خَلِينَ فِيهًا﴾ أي: ماكثين فيها ﴿ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ﴾ يمدح تعالى الجنة.
هَذَا
١٣٧
- ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌّ فَسِيرُوا فِىِ الْأَرْضِ فَأَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ
بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدَّى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٣٨) وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْ مِنِينَ
٣٩
إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَدْعٌ مِثْلُهُ, وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اَللّهُ الَّذِينَ
وَلِيُمَحِصَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَفِينَ
ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءٌ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِينَ
أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اَللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّبِينَ (9) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوَّنَ
اَلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ نَنْظُرُونَ (٣٢)﴾
يقول تعالى مخاطباً عباده المؤمنين الذين أصيبوا يوم أُحد وقتل منهم سبعون: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن
قَبْلِكُمْ سُنَنٌّ﴾ أي: قد جرى نحو هذا على الأمم الذين كانوا من قبلكم من أتباع الأنبياء، ثم
كانت العاقبة لهم، والدائرة على الكافرين، ولهذا قال تعالى: ﴿فَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ
كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ ثم قال تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ يعني: القرآن فيه بيان الأمور على جليتها
وكيف كان الأمم الأقدمون مع أعدائهم ﴿وَهُدَّى وَمَوْعِظَةٌ﴾ يعني: القرآن فيه خبر ما قبلكم.
﴿وَهُدَّى﴾ لقلوبكم، ﴿ وَمَوْعِظَةُ لِلْمُثَّقِينَ﴾ أي: زاجر عن المحارم والمآثم.
ثم قال تعالى مسلياً للمؤمنين: ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾ أي: لا تضعفوا بسبب ما جرى ﴿وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَنْتُمُ
اُلْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُمِ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: العاقبة والنصرة لكم أيها المؤمنون ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ فَرْجُ فَقَدْ مَسَّ
الْقَوْمَ فَرْعٌ مِثْلُهُ﴾ أي: إن كنتم قد أصابتكم جراح وقتل منكم طائفة، فقد أصاب أعداءكم
قريب من ذلك من قتل وجراح ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ أي: نديل عليكم الأعداء تارة،
وإن كانت لكم العاقبة لما لنا في ذلك من الحكمة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾
قال ابن عباس: في مثل هذا لنرى من يصبر على مناجزة الأعداء ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءٌ﴾ يعني يقتلون
في سبيله ويبذلون مُهجهم في مرضاته ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الَّلِينَ ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي:
يكفر عنهم من ذنوبهم إن كانت لهم ذنوب. وإلا رفع لهم في درجاتهم بحسب ما أصيبوا به.
وقوله: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَفِرِينَ﴾ أي: فإنهم إذا ظفروا بغوا وبطروا فيكون ذلك سبب دمارهم
وهلاكهم ومحقهم وفنائهم، ثم قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ
جَهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّبِينَ ﴾﴾ أي: أحسبتم أن تدخلوا الجنة ولم تبتلوا بالقتال والشدائد،
كما قال تعالى في سورة البقرة ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِّكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ
مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّةُ وَزُلْزِلُواْ حَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَاَلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَدُ, مَ نَصْرُ اَللَّهُ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ
(٣)﴾ [البقرة]. وقال تعالى: ﴿الَّ ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُواْ أَنْ يَقُولُواْ ءَامَنَا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ()
وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمِّ فَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَذِبِينَ ﴾﴾ [العنكبوت]، ولهذا قال
ههنا: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اَللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّبِينَ (®)﴾ أي: لا
يحصل لكم دخول الجنة حتى تُبتلوا ويرى الله منكم المجاهدين في سبيله، والصابرين على

٤٣٠
سُورَةُ العَقْرَانَ (١٤٤، ١٤٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
مقاومة الأعداء. وقوله: ﴿وَلَقَدْ كُنُمْ تَمَنَّوْنَ أَلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ نَنْظُرُونَ
١٤٣)
أي: قد كنتم أيها المؤمنون قبل هذا اليوم، تتمنون لقاء العدو وتتحرّقون عليهم وتودون مناجزتهم
ومصابرتهم، فها قد حصل لكم الذي تمنيتموه وطلبتموه، فدونكم فقاتلوا وصابروا، وقد ثبت في
الصحيحين أن رسول الله وسلم قال: ((لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقتموهم
فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف)»(١). ولهذا قال تعالى: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ يعني:
الموت شاهدتموه وقت لمعان السيوف وحدّ الأسنة، واشتباك الرماح، وصفوف الرجال للقتال،
والمتكلمون يعبرون عن هذا بالتخييل. وهو مشاهدة ما ليس بمحسوس كالمحسوس كما تتخيل
الشاة صداقة الكبش، وعداوة [الذئب]٢) .
- ﴿وَمَا تُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِ الرُّسُلُّ أَفَإِيْنِ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ أَنْقَبْتُمْ عَّ أَعْقَبِكُمّْ وَمَنْ
يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِى اَللَّهُ الشَّكِرِينَ ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَنْ تَمُوتَ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ
كِتَبَا مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوَبَ الذُّنْيَا تُؤْتِ مِنْهَا وَمَن يُرِدَّ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ، مِنْهَا وَسَنَجْزِى الشَّكِرِينَ
وَكَيِّن مِّن نَّبِيِّ قَتَلَ مَعَهُ رِبُِّّونَ كَثِّرُ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا أَسْتَكَانُواْ وَاللَّهُ يُحِبُ
(١) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِىّ أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَأَنصُرْنَا عَلَى
الصَّبِرِينَ
اُلْقَوْمِ الْكَفِرِينَ (٣٦) فَانَهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابٍ الْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
لما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أحد وقتل من قتل منهم، نادى الشيطان: ألا إن محمداً
قد قتل، ورجع [ابن قميئة (٣) إلى المشركين، فقال لهم: قتلت محمداً، وإنما كان قد ضرب
رسول الله ﴿ فشجه في رأسه، فوقع ذلك في قلوب كثير من الناس واعتقدوا أن رسول الله واله
قد قتل، وجَوّزوا عليه ذلك، كما [قد قصَّ الله عن](٤) كثير من الأنبياء لل﴾، فحصل ضعف
ووهن وتأخر عن القتال، ففي ذلك أنزل الله تعالى على رسوله وَله: ﴿وَمَا تُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ
مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾(٥) أي: له أسوة بهم في الرسالة وفي جواز القتل عليه.
قال ابن أبي نجيح، عن أبيه: أن رجلاً من المهاجرين مر على رجل من الأنصار وهو يتشحط
في دمه، فقال له: يا فلان أشعرت أن محمداً وَل ﴿ قد قتل، فقال الأنصاري: إن كان محمد قد
قتل فقد بلغ، فقاتلوا عن دينكم، فنزل ﴿وَمَا مُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ رواه الحافظ
أبو بكر البيهقي في دلائل النبوة(٦).
(١) صحيح البخاري، الجهاد، باب كان النبي ول﴿ إذا لم يُقاتل أول النهار أخر القتال حتى تزول الشمس
(ح ٢٩٦٥ - ٢٩٦٦)، وصحيح مسلم، الجهاد، والسير (ح ١٧٤٢).
(٢) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((الزبيب)) وهو تصحيف.
(٣) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والتخريج، وفي الأصل: ((ابن أمية))، هو تصحيف.
(٤) كذا في (عف) و(ح) و(مح) والتخريج، وفي الأصل: ((قد قضى الله على)) وهو تصحيف.
(٥) أخرجه ابن المنذر من طريق أبي بكر عن عاصم بن كليب عن أبيه عن عمر بنحوه (التفسير ص٤٠٢ رقم
٩٧٥)، وفي سنده أبو بكر وهو ابن عياش ثقة إلا أنه لما كبر ساء حفظه (التقريب ص٦٢٤).
(٦) أخرجه البيهقي من طريق آدم بن أبي إياس، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح به (دلائل النبوة ٢٤٨/٣ - ٢٤٩)
وسنده مرسل.

٤٣١
سُورَةُ العَقْرَانَ (١٤٤، ١٤٨)
0100001111100000000000000000 00000000000000000000000000000000000000000 0000 0 0 0 0 0 0 0 0 0
ثم قال تعالى منكِراً على من حصل له ضعف: ﴿أَفَإِن ◌َاتَ أَوْ قُتِلَ أَنْقَبْتُمْ عَلَى أَعْقَلِكُمْ﴾ أي:
رجعتم القهقري ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِى اللَّهُ الشَّكِرِينَ﴾ أي: الذين
قاموا بطاعته وقاتلوا عن دينه، واتبعوا رسوله حياً وميتاً. وكذلك ثبت في الصحاح والمساند
والسنن وغيرها من كتب الإسلام من طرق متعددة تفيد القطع، وقد ذكرت ذلك في مسندي
الشيخين أبي بكر وعمر ها أن الصديق حظ ه، تلا هذه الآية لما مات رسول الله وَله.
وقال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، أخبرني أبو
سلمة، أن عائشة ﴿يا، أخبرته أن أبا بكر ظه، أقبل على فرس من مسكنه بالسُنح(١) حتى نزل
فدخل المسجد، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة، فتيمم رسول الله وَله وهو مغشى بثوب
حبرة، فكشف عن وجهه ثم أكبَّ عليه وقبّله وبكى، ثم قال: بأبي أنت وأمي واللهِ لا يجمع الله
عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد منها، وقال الزهري: حدثني أبو سلمة عن ابن
عباس أن أبا بكر خرج وعمر يحدّث الناس، فقال: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس فأقبل
الناس إليه وتركها عمر فقال أبو بكر: أما بعد من كان يعبد محمداً، فإن محمداً قد مات، ومن
كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. قال الله تعالى: ﴿وَمَا تُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ
الرُّسُلُ﴾ إلى قوله: ﴿الشَِّكِينَ﴾ قال: فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى
تلاها عليهم أبو بكر، فتلاها منه الناس كلهم فما سمعها بشر من الناس إلا يتلوها، وأخبرني
سعيد بن المسيب أن عمر قال: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فَعَقِرتُ حتى ما تقلني
رجلاي، وحتى هَوَيت إلى الأرض(٢).
وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا عمرو بن حماد بن طلحة القناد،
حدثنا أسباط بن نصر، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن علياً كان يقول في
حياة رسول الله وَاليه: ﴿أَفَإِن ◌َّاتَ أَوْ قُتِلَ أَنْقَلَبْتُمْ عَّ أَعْقَلِكُمْ﴾ والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ
هدانا الله، والله لئن مات أو قتل لأقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت، والله إني لأخوه ووليه
وابن عمه ووارثه، فمن أحق به مني(٣)؟
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَبًا مُؤَجَّلاً﴾ أي: لا يموت أحد إلا
بقدر الله وحتى يستوفي المدة التي [ضربها] (٤) الله له، ولهذا قال: ﴿كِنَبًا مُؤَجَّلاً﴾ كقوله: ﴿وَمَا
يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِ كِنَبٍ﴾ [فاطر: ١١] وكقوله: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ثُمَّ
قَضَوَ أَجَلَا وَأَجَلُّ ◌ُسَمَّى عِندَهْ﴾ [الأنعام: ٢]، وهذه الآية فيها تشجيع للجبناء وترغيب لهم في القتال،
فإن الإقدام والإحجام لا ينقص من العمر ولا يزيد فيه، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا العباس بن
يزيد العبدي قال: سمعت أبا معاوية، عن الأعمش، عن حبيب بن صُهبان، قال: قال رجل من
المسلمين وهو حُجْر بن عدي: ما يمنعكم أن تعبروا إلى هؤلاء العدو وهذه النطفة - يعني دجلة -
(١) السنح - بضم السن والنون -: موضع بعوالي المدينة فيه منازل بني الحارث بن الخزرج (النهاية ٢/ ٤٠٧).
(٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، المغازي، باب مرض النبي (وَلفر ووفاته ح ٤٤٥٢ - ٤٤٥٤).
(٣) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١٠٧/١ ح١٧٦) وفي سنده سماك بن حرب وروايته عن عكرمة
فيها اضطراب.
(٤) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((صيرها)).

٤٣٢
سُورَة العَقْرَانَ (١٤٤، ١٤٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِنَبًا مُؤَجَّلَا﴾ ثم أقحم فرسه دجلة، فلما أقحم، أقحم
الناس، فلما رآهم العدو قالوا: ديوان(١) فهربوا(٢).
وقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ، مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَبَ آلَخِرَةِ نُؤْتِهِ، مِنْهَا﴾ أي: من كان
عمله للدنيا فقط نال منها ما قدره الله له، ولم يكن له في الآخرة نصيب، ومن قصد بعمله الدار
الآخرة أعطاه الله منها مع ما قسم له في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ
نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِ، وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ، مِنْهَا وَمَا لَهُ فِ اْأَخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ (﴾﴾ [الشورى]
وقال تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَبَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَنْ تُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَئِهَا مَذْهُومًا
) وَمَنْ أَرَادَ اُلْأَخِرَةَ وَسَعَى لَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم ◌َشْكُورًا
مَّدْهُورًا
[الإسراء] ولهذا قال ههنا: ﴿وَسَنَجْزِى الشَّكِرِينَ﴾ أي: سنعطيهم من فضلنا ورحمتنا في الدنيا
والآخرة بحسب شكرهم وعملهم.
ثم قال تعالى مسلياً للمؤمنين عمّا كان وقع في نفوسهم يوم أُحد: ﴿وَكَّ مِن نَّبٍِ فَتَلَ مَعَهُ
رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ قيل: معناه كم من نبي قتل وقتل معه ربيّون من أصحابه كثير. وهذا القول هو اختيار
ابن جرير فإنه قال: وأما الذين قرأوا: ﴿قُتِلَ(٣) مَعَهُ رِيِّتُونَ كَثِيرٌ﴾ فإنهم قالوا: إنما عنى بالقتل:
النبي وبعض من معه من الربيين دون جميعهم، وإنما نفى الوهن والضعف عمّن بقي من الربيين
ممن لم يقتل، قال: ومن قرأ قاتل فإنه اختار ذلك، لأنه قال: لو قتلوا لم يكن لقول الله: ﴿فَمَا
وَهَنُوا﴾ وجه معروف لأنه يستحيل أن [يوصفوا] (٤) بأنهم لم يهنوا ولم يضعفوا بعد ما قتلوا، ثم
اختارِ قراءة من قرأ ﴿قَتَلَ مَعَهُ رِبُِّّونَ كَثِيرٌ﴾ لأن الله عاتب بهذه الآيات والتي قبلها من انهزم
يوم أحد وتركوا القتال لما سمعوا الصائح يصيح بأن محمداً قد قتل، فعذلهم الله على فرارهم
وتركهم القتال، فقال لهم: ﴿أَفَإِيْنِ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ أيها المؤمنون ارتددتم عن دينكم و﴿أَنقَلَبْتُمْ عَلَى
أَعْقَلِكُمْ﴾ وقيل: وكم من نبي قتل بين يديه من أصحابه ربيون كثير، وكلام ابن إسحاق في السيرة
يقتضي قولاً آخر، فإنه قال: أي: وكأين من نبي أصابه القتل ومعه ربيون أي: جماعات فما
وهنوا بعد نبيهم، وما ضعفوا عن عدوهم، وما استكانوا لما أصابهم في الجهاد عن الله وعن
دينهم، وذلك الصبر ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَِّرِينَ﴾(٥) فجعل قوله: ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ حالاً، وقد نصر
هذا القول السهيلي وبالغ فيه (٦)، وله اتجاه لقوله: ﴿فَمَا وَهَنُواْ لِمَّ أَصَابَهُمْ ... ﴾ الآية، وكذا
حكاه الأُموي(٧) في مغازيه عن كتاب محمد بن إبراهيم ولم يحكِ غيره، وقرأ بعضهم ﴿قَتَلَ
مَعَهُ رِبِيُّونَ كَثِيرٌ﴾ قال سفيان الثوري، عن عاصم، عن زرّ(٨) عن ابن مسعود ﴿رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ أي:
(١) ديوان: أي: شيطان (انظر: المعرب ص٢٠٢).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٣) قراءة (قُتل) و(قاتل) كلتاهما متواترتان.
(٤) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((يوهنوا)) وهو تصحيف.
(٥) أخرجه الطبري بسنده المتكرر عن ابن إسحاق.
(٦) قال السهيلي: وهذا أصح التفسيرين (الروض الأنف ١٩٤/٣).
(٧) وهو موسى بن عقبة الأُموي صاحب كتاب المغازي.
(٨) في الأصل: ((عن ذر)) وهو تصحيف.

٤٣٣
سُورَة العَقْرَانَ (١٤٤، ١٤٨)
000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0
ألوف(١)، وقال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والحسن وقتادة والسدي والربيع
وعطاء الخراساني: الربيون الجموع الكثيرة(٢).
وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن: ﴿رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ أي: علماء كثير(٣)، وعنه أيضاً:
علماء صبر أبرار وأتقياء(٤). وحكى ابن جرير عن بعض نحاة البصرة أن الربيين هم الذين يعبدون
الرب ◌ّك. قال: وردَّ بعضهم عليه، فقال: لو كان كذلك لقيل: الرَبيون بفتح الراء (٥).
وقال ابن زيد: الربيون: الأتباع والرعية، والربانيون: الولاة (٦).
﴿فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ﴾ [قال قتادة والربيع بن أنس: ﴿وَمَا
ضَعُفُواْ﴾ بقتل نبيهم ﴿وَمَا أُسْتَكَانُواْ﴾](٧) يقول: فما ارتدوا عن نصرتهم ولا عن دينهم أن قاتلوا
على ما قاتل عليه نبي الله حتى لحقوا بالله(٨) .
وقال ابن عباس: ﴿وَمَا أَسْتَكَانُواْ﴾ تخشعوا(٩) .
وقال السدي وابن زيد: وما ذلوا لعدوهم (١٠).
(١١)
وقال محمد بن إسحاق والسدي وقتادة: أي ما أصابهم ذلك حين قتل نبيهم
.
﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّبِرِينَ ﴿ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّ أَن قَالُواْ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَتَا فِىّ أَمْرِنَا وَثَبِّتْ
أَقْدَامَنَا وَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ اَلْكَفِرِينَ (٣٧)﴾ أي: لم يكن لهم هجير إلا ذلك ﴿فَهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾
أي: النصر والظفر والعاقبة ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآَخِرَةِ﴾ أي: جمع لهم ذلك مع هذا ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ
اُلْمُحْسِنِينَ﴾.
(١) أخرجه الثوري بسنده ومتنه (التفسير ص ٤٠) وسنده حسن.
(٢) ذكرهم ابن أبي حاتم جميعاً بحذف الإسناد سوى قول ابن عباس، وقول ابن عباس وسعيد بن جبير أخرجه
الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن
أبي نجيح عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أبي رجاء عنه، وقول عكرمة أخرجه
الطبري بسند صحيح من طريق عمرو عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي
عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول عطاء الخراساني ورد
ذلك في تفسيره بتحقيقي.
(٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أبي الأشهب ومبارك عنه.
(٥) ذكره الطبري قولي البصريين والكوفيين.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.
(٧) ما بين معقوفين زيادة من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٨) قول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول الربيع أخرجه الطبري بسند
حسن من طريق ابن أبي جعفر الرازي عنه.
(٩) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم سند ضعيف من طريق ابن جريج عن ابن عباس.
(١٠) قول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري وابن أبي حاتم
بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.
(١١) قول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند
حسن من طريق أسباط عنه، وقول ابن إسحاق ورد في سيرة ابن هشام ١١٢/٢.

٤٣٤
• سُورَةِ العَقْرَانَ (١٤٩، ١٥٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
] ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُذُّوكُمْ عَلَى أَعْقَبِكُمْ فَتَنْقَلِبُواْ
﴿ سَنُلْقِى فِىِ قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا
بَلِ اَللَّهُ مَوْلَئِكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّصِرِينَ
خَسِرِينَ وَ
وَلَقَدْ
أَشْرَكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلَ بِهِ، سُلْطَانَأْ وَمَأْوَنَّهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (@
مَدَّفَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهٌِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَزَعْتُمْ فِى الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّنْ بَعْدِ
مَا أَرَكُمْ مَّا تُحِبُّونٌَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُمْ مَن يُرِيدُ الْآَخِرَةَّ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ
إِذْ تَضْعِدُونَ وَلَا تَلْؤُنَ عَلَى
لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِىّ أُخْرَانِكُمْ فَأَثَبَكُمْ غَمَّا بِغَمٍ لِكَيْلَا تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَانَكُمْ وَلَا
(١٥٣
مَآ أَصَبَكُمُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
يحذر تعالى عباده المؤمنين عن طاعة الكافرين والمنافقين، فإن طاعتهم تورث الردى في الدنيا
والآخرة، ولهذا قال تعالى: ﴿إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَرُذُوكُمْ عَلَى أَعْقَيِكُمْ فَتَنْقَلِبُواْ
خَسِرِينَ﴾ ثم أمرهم بطاعته وموالاته والاستعانة به والتوكل عليه، فقال تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَنَكُمٌ
وَهُوَ خَيْرُ النَّصِرِينَ ﴾﴾ ثم بشرهم بأنه سيلقي في قلوب أعدائهم الخوف منهم والذلة لهم بسبب
كفرهم وشركهم، مع ما ادخره(١) لهم في الدار الآخرة من العذاب والنكال، فقال: ﴿سَنُلْقِى فِى
قُلُوبٍ اُلَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، سُلْطَنَّأْ وَمَأْوَنَهُمُ النَّارِّ وَبِئْسَ
مَثْوَى الظَّالِمِينَ (3) وقد ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد الله أن رسول الله قال: ((أُعطيت
خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً
وطهوراً، وأُحلت لي الغنائم، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبُعثتُ إلى
الناس عامة))(٢).
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عدي عن سليمان يعني: التيمي، عن سيار(٣)، عن أبي
أمامة أن رسول الله وسلم قال: ((فضلني ربي على الأنبياء - أو قال على الأمم - بأربع: قال: أُرسلت
إلى الناس كافة، وجُعلت لي الأرض كلها ولأُمتي مسجداً وطهوراً فأينما أدركت رجلاً من أُمتي
الصلاة فعنده مسجده وعنده وطهوره، ونُصرت بالرعب مسيرة شهر يقذفه في قلوب أعدائي،
وأُحلت لي الغنائم))(٤). ورواه من حديث سليمان التيمي عن سيار القرشي الأموي مولاهم الدمشقي
سكن البصرة، عن أبي أمامة [صُدي](٥) بن عجلان ظُه به، وقال: حسن صحيح(٦).
وقال سعيد بن منصور: أنبأنا ابن وهب، أخبرني [عمرو بن](٧) الحارث، أن أبا يونس حدثه،
(١) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((ادخر)) - بدون هاء -.
(٢) صحيح البخاري، التيمم، باب قول الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ ... ﴾ [النساء: ٤٣] (ح٣٣٥)،
وصحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة (ح ٥٢١).
(٣) في الأصل: ((عن يسار)) وهو تصحيف.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٤٨/٥)، وأخرجه الترمذي من طريق سليمان التيمي به وصححه
(السنن، السير، باب ما جاء في الغنيمة ح١٥٥٣)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ١٢٥٦).
(٦) المصدر السابق.
(٥) في الأصل: ((أخبرني))، وهو تصحيف.
(٧) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).

٤٣٥
• سُورَةُ العَقْرَانَ (١٤٩، ١٥٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
عن أبي هريرة أن رسول الله (وَلفر، قال: ((نُصرت بالرعب على العدو))، ورواه مسلم من حديث
ابن وهب(١).
وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة،
عن أبيه أبي موسى، قال: قال رسول الله وَله: ((أُعطيت خمساً: بُعثت إلى الأحمر والأسود،
وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لمن كان قبلي، ونصرت
بالرعب شهراً، وأعطيت الشفاعة، وليس من نبي إلا وقد سأل شفاعته وإني اختبأت شفاعتي ثم
جعلتها لمن مات لا يشرك بالله شيئاً)(٢). تفرد به أحمد.
وروى العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿سَنُلْقِى فِ قُلُوبٍ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ﴾ قال:
قذف الله في قلب أبي سفيان الرعب فرجع إلى مكة، فقال النبي ◌َّر: ((إن أبا سفيان قد أصاب
منكم طرفاً، وقد رجع وقذف الله في قلبه الرعب)) رواه ابن أبي حاتم(٣).
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَّكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ، إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهٌِ﴾ قال ابن عباس: وعدهم الله
النصر (٤).
وقد يستدل بهذه الآية على أحد القولين المتقدمين في قوله تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَن
بَلَّ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِن فَوْرِهِمْ
يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَكُمْ رَبُّكُمْ بِثَثَةِ ءَالَفٍ مِّنَ الْمَلَئِكَةِ مُنْزَلِينَ
هَذَا يُمْدِذْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ ءَالَفٍ مِّنَ اُلْمَلَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ (19)﴾ [آل عمران] أن ذلك كان يوم أُحد، لأن
عددهم كان ثلاثة آلاف مقاتل، فلما واجهوهم كان الظفر والنصر أول النهار للإسلام، فلما
حصل ما حصل من عصيان الرماة وفشل بعض المقاتلة، تأخر الوعد الذي كان مشروطاً بالثبات
والطاعة، ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ أي: أول النهار ﴿إِذْ تَحُسُونَهُم﴾ أي:
تقتلونهم ﴿بِإِذْنِهٌِ﴾ أي: بتسليطه إياكم عليهم ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾.
وقال ابن جريج: قال ابن عباس: الفشل الجبن(٥) ﴿وَتَنَزَعْتُمْ فِ اٌلْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ﴾ كما وقع
للرماة ﴿مِّنُ بَعْدِ مَآ أَرَكُمْ مَّا تُحِبُّونٌَ﴾ وهو الظفر منهم ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الذُّنْيَا﴾ وهم الذين
رغبوا في المغنم حين [رأوا](٦) الهزيمة ﴿وَمِنكُم ◌َن يُرِيدُ الْآَخِرَةَّ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِبْتَلِيَّكُمْ﴾
ثم أدالهم عليكم ليختبركم ويمتحنكم ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ﴾ أي: غفر لكم ذلك الصنيع،
وذلك، والله أعلم، لكثرة عدد العدو وعددهم وقلة عدد المسلمين وعددهم.
قال ابن جريج: قوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ﴾ قال: لم يستأصلكم، وكذا قال محمد بن
إسحاق: رواهما ابن جرير (٧) ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ .
(١) صحيح مسلم، المساجد ومواضع الصلاة (ح ٥٢٣).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥١٢/٣٢ ح ١٩٧٣٥) وقال محققوه: صحيح لغيره. ويشهد له
حديث جابر المتقدم المتفق عليه.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم وسنده ضعيف.
(٤) كسابقه.
(٥) سنده ضعيف لأن ابن جريج لم يسمع من ابن عباس.
(٦) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((ولو)).
(٧) قول ابن جريج أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق سنيد، وقول ابن إسحاق ورد في سيرة ابن هشام ٦٧/٣.

٤٣٦
سُورَةُ الغَزَانَ (١٤٩، ١٥٣)
00000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 000 000000
وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن
عُبيد الله، عن ابن عباس أنه قال: ما نصر الله في موطن كما نصر يوم أُحد، قال: فأنكرنا ذلك،
فقال ابن عباس: بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله، إن الله يقول في يوم أُحد: ﴿وَلَقَدْ
صَدَقَّكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُُونَهُم بِإِذْنِهٌِ﴾ يقول ابن عباس الحس: القتل ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ
وَتَنَزَعْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا﴾ الله ﴿عَنكُمُ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية، وإنما
عنى بهذا الرماة، وذلك أن النبي وير أقامهم(١) في موضع ثم قال: ((احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا
نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا [قد غنمنا](٢) فلا تشركونا)) فلما غنم النبي وَلّ، وأباحوا عسكر
المشركين، أكبَّت الرماة جميعاً فدخلوا في العسكر ينهبون، ولقد التقت صفوف أصحاب
رسول الله * فهم هكذا - وشبك بين يديه - وانتشبوا، فلما أخلَّ الرماة تلك الخلّة التي كانوا
فيها، دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب رسول الله وسل *، فضرب بعضهم بعضاً،
والتبسوا وقُتل من المسلمين، ناس كثير، وقد كان لرسول الله وماهو وأصحابه أول النهار حتى قتل
من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة، وجال المسلمون جولة نحو الجبل، ولم يبلغوا حيث
يقول الناس الغار، إنما كانوا تحت المهراس(٣)، وصاح الشيطان: قُتل محمد، فلم يشك فيه أنه
حق، فلا زلنا كذلك ما نشك أنه حق حتى طلع رسول الله وَل و بين السعدين نعرفه بتكفئه إذا
مشى، قال: ففرحنا حتى كأنه لم يصبنا ما أصابنا، قال: فرقى نحونا وهو يقول: ((اشتد غضب الله
على قوم دَمَّوا وجه رسول الله)) ويقول مرة أخرى: ((اللهم إنه ليس لهم أن يعلونا)) حتى انتهى إلينا
فمكث ساعة، فإذا أبو سفيان يصيح في أسفل الجبل اعلُ هبل - مرتين يعني إلهه - أين ابن أبي
كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر ظله: يا رسول الله ألا أُجيبه؟ قال:
((بلى)). فلما قال: اعلُ هبل. قال عمر: الله أعلى وأجلّ. فقال أبو سفيان: قد أنعمت [عينها
فعاد عنها أو فَعَالَ عنها](٤) فقال: أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟
فقال عمر: هذا رسول الله وَ ل﴿، وهذا أبو بكر، وها أنا ذا عمر. قال: فقال أبو سفيان، يوم بيوم
بدر، الأيام دول، وإن الحرب سجال، قال: فقال عمر: لا سواء قتلانا في الجنة، وقتلاكم في
النار. قال: إنكم لتزعمون ذلك، لقد خبنا وخسرنا إذن، فقال أبو سفيان: إنكم ستجدون في
قتلاكم مثلة ولم يكن ذلك عن رأي سراتنا. قال: ثم أدركته حمية الجاهلية، فقال: أما إنه إن
كان ذلك لم نكرهه(٥). هذا حديث غريب وسياق عجيب، وهو من مرسلات ابن عباس، فإنه لم
(١) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((أقامه)).
(٢) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((نقتل)) وهو تكرار ما سبق من الجملة الشرطية.
(٣) تحت المهراس - بكسر الميم وسكون الهاء -: ماء بجبل أحد (معجم البلدان ٢٣٢/٥).
(٤) الزيادة من المسند، وفي (عف) فعال عنها، وكذا في (حم) و(ح) و(مح)، وفي الأصل: ((فعال عني)).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح٢٦٠٩) وصححه أحمد شاكر، وعلى الرغم ما قاله الحافظ ابن
كثير فإن سنده حسن فرجاله ثقات إلا ابن أبي الزناد: وهو عبد الرحمن بن أبي الزناد صدوق فتغير لكن
علي بن المديني قال: ما رواه سليمان الهاشمي عنه فهي حسان، نظرت فيها فإذا هي مقاربة (انظر شرح
علل الترمذي ص٦٠٦) وله شواهد كثيرة سردها الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية ٢٥/٤ وأخرجه الحاكم
من طريق سليمان بن داود به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢٩٦/٢) وله شاهد في صحيح البخاري =

٤٣٧
سُورَةُ آلعمران (١٤٩، ١٥٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
يشهد أُحداً ولا أبوه، وقد أخرجها الحاكم في مستدركه عن أبي النضر الفقيه، عن عثمان بن
سعيد، عن سليمان بن داود بن علي بن عبد الله بن عباس به (١).
وهكذا رواه ابن أبي حاتم والبيهقي في دلائل النبوة من حديث سليمان بن داود الهاشمي به.
ولبعضه شواهد في الصحاح وغيرها، فقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد، عن عطاء بن
السائب، عن الشعبي، عن ابن مسعود، قال: إن النساء كن يوم أُحد خلف المسلمين يجهزنَّ
على جرحى المشركين، فلو حلفت يومئذ رجوت أن أبرّ أنه ليس منا أحد يريد الدنيا، حتى
أنزل الله: ﴿مِنكُم مَن يُرِيدُ الذُّنْيَا وَمِنكُمْ مَن يُرِيدُ الْآَخِرَةً ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِبْتَلِيَكُمْ﴾
فلما خالف أصحاب رسول الله صل﴿، وعصوا ما أمروا به، [أفرد] (٢) النبي ◌َّ في تسعة: سبعة
من الأنصار، ورجلين من قريش، وهو عاشرهم ◌َّر، فلما رهقوه [قال: ((رحم الله رجلاً ردهم
عنا)) قال: فقام رجل من الأنصار فقاتل ساعة حتى قتل، فلما رهقوه](٣) أيضاً قال: ((رحم الله
رجلاً ردّهم عنا)) فلم يزل يقول ذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله وَله لصاحبيه: ((ما أنصفنا
أصحابنا)) فجاء أبو سفيان فقال: اعلُ هبل: فقال رسول الله وَّه: ((قولوا: الله أعلى وأجلّ))،
فقالوا: الله أعلى وأجلّ. فقال أبو سفيان لنا العزى ولا عزى لكم. فقال رسول الله وَليقول: ((قولوا:
الله مولانا والكافرون لا مولى لهم)) فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر:
يوم نساء ويوم نّسَر
فيوم علينا ويوم لنا
حنظلة بحنظلة وفلان بفلان وفلان بفلان. فقال رسول الله وعليه: ((لا سواء: أما قتلانا فأحياء
يرزقون، وأما قتلاكم ففي النار يعذبون)) فقال أبو سفيان: لقد كان في القوم مثلة، وإن كان لَعَنْ
غير ملأ منا، ما أمرت ولا نهيت، ولا أحببت ولا كرهت، ولا ساءني ولا سرني، قال: فنظروا
فإذا حمزة قد بقر بطنه، وأخذت هند كبده فلاكتها فلم تستطع أن تأكلها. فقال: رسول الله ويتليفون :
((أكلت شيئاً))؟ قالوا: لا. قال: ((ما كان الله ليدخل شيئاً من حمزة في النار)) قال: فوضع
رسول الله صل: حمزة فصلى عليه، وجيء برجل من الأنصار فوضع إلى جنبه فصلى عليه، فرفع
الأنصاري وترك حمزة حتى جيء بآخر فوضع إلى جنب حمزة فصلى عليه، ثم رفع وترك حمزة،
حتى صلى عليه يومئذٍ سبعين صلاة (٤). تفرد به أحمد أيضاً. وقال البخاري: حدثنا عبيد الله بن
موسى عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: لقينا المشركين يومئذٍ وأجلس النبي وَلَّه
جيشاً من الرماة وأمر عليهم عبد الله بن جبير، وقال: ((لا تبرحوا إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا
تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا)) فلما لقيناهم هربوا حتى رأيت النساء يشتددن في
= من حديث البراء بن عازب (كتاب المغازي، باب غزوة أُحد (١٢٠/٥ - ١٢١).
(١) المستدرك ٢٩٦/٢ - ٢٩٧).
(٢) في الأصل: ((أفرض))، وهو تصحيف والتصويب من المسند و(عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٣) ما بين معقوفين سقط واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والمسند كما في التخريج.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح٤٤١٤) وصححه أحمد شاكر، وسنده حسن لأن رجاله ثقات إلا
عطاء بن السائب صدوق اختلط لكن رواية حماد عنه قبل الاختلاط (انظر: تهذيب التهذيب ٢٠٥/٧ -
٢٠٧).

٤٣٨
• سُورَةُ العَقْرَانَ (١٤٩، ١٥٣)
الجبل رفعن عن سوقهن، قد بدت خلاخلهن، فأخذوا يقولون: الغنيمة الغنيمة. فقال عبد الله بن
جبير: عهد إليّ النبي ◌َّل ولو أن لا تبرحوا فأبوا، فلما أبوا صرف وجوههم فأصيب سبعون قتيلاً،
فأشرف أبو سفيان، فقال: أفي القوم محمد؟ فقال: ((لا تجيبوه)). فقال: أفي القوم ابن أبي
قحافة؟ قال: ((لا تجيبوه)). فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: إن هؤلاء قد قتلوا فلو كان
أحياء لأجابوا. فلم يملك عمر نفسه، فقال له: كذبت يا عدو الله قد أبقى الله لك ما يحزنك،
قال أبو سفيان: اعلُ هبل. فقال النبي وَلير: ((أجيبوه)) قالوا: ما نقول قال: ((قولوا: الله أعلى
وأجلّ)). قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم. فقال النبي ◌َّ: ((أجيبوه)) قالوا: ما نقول؟
قال: ((قولوا: الله مولانا، ولا مولى لكم)). قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال،
وتجدون مثلة لم آمر بها ولم تسؤني(١). تفرد به البخاري من هذا الوجه، ثم رواه عن عمرو بن
خالد، عن زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن البراء بنحوه(٢)، وسيأتي بأبسط من هذا.
وقال البخاري أيضاً: حدثنا عبيد الله بن سعيد، حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن
أبيه، عن عائشة ﴿ا قالت: لما كان يوم أحد هزم المشركون، فصرخ إبليس: أي: عباد الله
أخراكم، فرجعت أولاهم فاجتلدت هي وأخراهم، فبصر حذيفة، فإذا هو بأبيه اليمان، فقال: أي
عباد الله أبي أبي. قال: قالت: فوالله ما احتجزوا حتى قتلوه، فقال حذيفة: يغفر الله لكم. قال
عروة: فوالله ما زالت في حذيفة بقية خير حتى لحق بالله رغمين (٣).
وقال محمد بن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن جده أن
الزبير بن العوام قال: واللهِ لقد رأيتني أنظر إلى خدم هِند وصواحباتها مشمرات هوارب ما دون
أخذهن كثير ولا قليل، ومالت الرماة إلى العسكر حين كشفنا القوم عنه يريدون النهب، وخلوا
ظهورنا للخيل، فأتتنا من أدبارنا، وصرخ صارخ: ألا إن محمداً قد قتل، فانكفأنا وانكفأ علينا
القوم بعد أن أصبنا أصحاب اللواء حتى ما يدنو منه أحد من القوم(٤).
قال محمد بن إسحاق: فلم يزل لواء المشركين صريعاً حتى أخذته عمرة بنت علقمة الحارثية
فدفعته لقریش فلاثوا بها(٥).
وقال السدي، عن عبد خير قال: قال عبد الله بن مسعود: ما كنت أرى أن أحداً من أصحاب
رسول الله ◌َ﴿ يريد الدنيا حتى نزل فينا ما نزل يوم أُحد ﴿مِنكُم مَن يُرِيدُ الذُّنْيَا وَمِنكُم مَّن
يُرِيدُ الََّخِرَةَ﴾(٦)، وقد روي من غير وجه عن ابن مسعود، وكذا روي عن عبد الرحمن بن
عوف وأبي طلحة، رواهن ابن مردويه في تفسيره.
(١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، المغازي، غزوة أحد ح٤٠٤٣).
(٢) أخرجه البخاري بسنده، صحيح البخاري، الجهاد، باب ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب (ح٣٠٣٩).
(٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، المغازي، باب ﴿إِذْ هَمَّت طَآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَنْ تَفْسَلَا﴾ [آل عمران:
١٢٢] (ح ٤٠٦٥).
(٤) أخرجه ابن إسحاق بسنده ومتنه كما في الروض الأنف ١٥٥/٣ وسنده صحيح.
(٥) كذا في (عف) و(مح)، و(ح): ((فلاذوا بها)): أي هربوا بها، وفي الأصل: ((فلاقوا)) وهو تصحيف.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أسباط عن السدي به، وسنده حسن. وحسنه العراقي في تخريجه للإحياء
(٢١٩/٤)، وصححه السيوطي (الدر المنثور ٤/ ٧٠).

٤٣٩
سُورَةُ العَقْرَانَ (١٤٩، ١٥٣)
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِبْتَلِيَّكُمْ﴾ قال ابن إسحاق: حدثني القاسم بن
عبد الرحمن بن رافع أحد بني عدي بن النجار، قال: انتهى أنس بن النضر عمّ أنس بن مالك
إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار قد ألقوا ما بأيديهم،
فقال: ما يجلسكم؟ فقالوا: قتل رسول الله وَله، قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا
﴾(١).
على ما مات عليه، ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل
وقال البخاري: حدثنا حسان بن حسان، حدثنا محمد بن طلحة، حدثنا حميد، عن أنس بن
مالك، أن عمَّه - يعني: أنس بن النضر -، غاب عن بدر فقال: غبت عن أول قتال النبي وَلّ لئن
أشهدني الله مع رسول الله ليرين الله ما أجد، فلقي يوم أُحد فهزم الناس، فقال: اللهم إني أعتذر
إليك مما صنع هؤلاء - يعني المسلمين - وأبرأ إليك مما جاء به المشركون، فتقدم بسيفه فلقي
سعد بن معاذ، فقال: أين يا سعد إني أجد ريح الجنة دون أحد، فمضى فقتل، فما عرف حتى
عرفته أخته ببنانه أو بشامة، وبه بضع وثمانون من طعنة وضربة ورمية بسهم(٢). هذا لفظ
البخاري، وأخرجه مسلم من حديث ثابت عن أنس بنحوه(٣).
وقال البخاري أيضاً: حدثنا عبدان، حدثنا أبو حمزة، عن عثمان بن موهب، قال: جاء رجل
حجَّ البيت فرأى قوماً جلوساً، فقال: من هؤلاء القعود؟ قالوا: هؤلاء قريش. قال: من الشيخ؟
قالوا: ابن عمر، فأتاه فقال: إني سائلك عن شيء فحدثني، قال: سل، قال: أنشدك بحرمة هذا
البيت، أتعلم أن عثمان بن عفان فرّ يوم أُحد؟ قال: نعم. قال: فتعلمه تغيَّب عن بدر فلم
يشهدها؟ قال: نعم. قال: فتعلم أنه تخلف عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم. فكبر،
فقال ابن عمر: تعالى لأخبرك ولأبيّن لك عما سألتني عنه، أما فراره يوم أُحد فأشهد أن الله عفا
عنه، وأما تغيّبه عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول الله ﴿ ﴿ وكانت مريضة، فقال له رسول الله:
((إن لك أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه)) وأما تغيّبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعزّ ببطن
مكة من عثمان لبعثه مكانه فبعث عثمان، فكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة، فقال
النبي ◌َّ بيده اليمنى: ((هذه يد عثمان)) فضرب بها على يده فقال: ((هذه يد عثمان اذهب بها الآن
معك))(٤). ثم رواه البخاري من وجه آخر عن أبي عوانة، عن عثمان بن عبد الله بن موهب(٥).
وقوله تعالى: ﴿إِذْ تُمْعِدُونَ وَلَا تَلْوُنَ عَلَى أَحَدٍ﴾ أي: صرفكم عنهم ﴿إِذْ نُصْعِدُونَ﴾؛ أي
في الجبل هاربين من أعدائكم. وقرأ الحسن وقتادة (إذا تَصْعَدون)(٦) أي: في الجبل ﴿وَلَا
(١) أخرجه ابن إسحاق بسنده ومتنه، وسنده منقطع بين القاسم وأنس.
(٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، المغازي، باب غزوة أحد ح ٤٠٤٨).
(٣) صحيح مسلم، الإمارة، باب ثبوت الجنة للشهيد (ح ١٩٠٣).
(٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، المغازي، باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَّقَىَ
اَلْجَمْعَانِ ... ﴾ [آل عمران: ١٥٥] ح٤٠٦٦).
(٥) صحيح البخاري، فضائل الصحابة، باب مناقب عثمان بن عفان ظه (ح٣٦٩٨).
(٦) هذه قراءة شاذة ذكرها الطبري ونسبها إلى الحسن. وقد أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن
عروبة عن الحسن وقتادة.

٤٤٠
• سُوْرَةِ الِ غَقْرَانَ (١٤٩، ١٥٣)
تَلْوُنَ عَّ أَحَدٍ﴾ أي: وأنتم لا تلوون على أحد من الدهش والخوف والرعب ﴿ وَالرَّسُولُ
يَدْعُوكُمْ فِيَّ أُخْرَائِكُمْ﴾ أي: وهو قد خلفتموه وراء ظهوركم يدعوكم إلى ترك الفرار من الأعداء،
وإلى الرجعة والعودة والكرة.
قال السدي: لما شدّ المشركون على المسلمين بأحد فهزموهم دخل بعضهم المدينة، وانطلق
بعضهم إلى الجبل فوق الصخرة فقاموا عليها. فجعل الرسول وَل# يدعو الناس: ((إليّ عباد الله،
إليَّ عباد الله)) فذكر [الله](١) صعودهم إلى الجبل، ثم ذكر دعاء النبي وَلّ إياهم، فقال: ﴿إِذْ
تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيَّ أُخْرَكُمْ﴾(٢). وكذا قال ابن عباس وقتادة
والربيع وابن زيد(٣).
وقال عبد الله بن الزبعري(٤): يذكر هزيمة المسلمين يوم أُحد في قصيدته وهو مشرك بعد لم
يسلم التي يقول في أولها :
إنما تنطبق شيئاً قد فعل
يا غراب البين أسمعت فقل
وكلا ذلك وجه وقَبَل
إن للخير وللشر مدى
إلى أن قال:
جزع الخزرج من وقع الأسل
ليت أشياخي ببدر شهدوا
واستحرّ القتل في عبد الأشل
حين حكّت بقباء بركها
وقصّ الحفّان يعلو في الجبل
ثم خفّوا عند ذاكم رُقّصا
وعدلنا ميل بدر فاعتدل(٥)
فقتلنا الضعف من إشرافهم
الحفان: صغار النعم.
وقد كان النبي ◌ّ﴿ قد أفرد في اثني عشر رجلاً من أصحابه كما قال الإمام أحمد: حدثنا
حسن بن موسى، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق، عن البراء بن عازب ظُته، قال: جعل
رسول الله وَير على الرماة يوم أُحد - وكانوا خمسين رجلاً - عبد الله بن جبير قال: ووضعهم
موضعاً، وقال: ((إن رأيتمونا تخطفنا الطير، فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم)) [وإن رأيتمونا ظهرنا
على العدو وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم](٦)، قال: فهزموهم قال: فأنا واللهِ رأيت
النساء يشتددن على الجبل وقد بدت أسواقهن وخلاخلهن رافعات ثيابهن، فقال: أصحاب عبد الله
الغنيمة، أي قوم الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ قال عبد الله بن جبير: أفنسيتم ما قاله
(١) لفظ الجلالة لم يرد في الأصل، وقد ورد في (عف) و(ح) و(مح).
(٢) أخرجه الطبري بسند حسن عن السدي لكنه مرسل، ويتقوى بالمراسيل التالية.
(٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عنه، وقول قتادة والربيع بن أنس أخرجهما
الطبري بأسانيد حسان، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح عنه لكنه معضل.
(٤) في الأصل: ((الربعي)) وهو تصحيف والمثبت من (عف) و(ح) و(مح)، وسيرة ابن هشام كما سيأتي.
(٥) ذكره ابن إسحاق وذكر ردًّ حسان بن ثابت عليه (انظر: سيرة ابن هشام ١٣٦/٣ - ١٣٧).
(٦) ما بين معقوفين زيادة من المسند كما في التخريج، ولم تذكر في النسخ التي بين يدي.