النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١
سُورَةُ العَقْرَانَ (٩٦، ٩٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وذكر حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ◌ًّا، قال:
مكة من الفخ(١) إلى التنعيم، وبَّة من البيت إلى البطحاء(٢).
وقال شعبة، عن المغيرة، عن إبراهيم: بكّة البيت والمسجد(٣)، وكذا قال الزهري(٤). وقال
عكرمة في رواية وميمون بن مهران: البيت وما حوله بكة، وما وراء ذلك مكة(٥).
وقال أبو صالح وإبراهيم النخعي وعطية العوفي ومقاتل بن حيان: بكّة موضع البيت وما سوى
ذلك مكة (٦). وقد ذكروا لمكة أسماء كثيرة: مكّة، وبكَّة، والبيت العتيق، والبيت الحرام، والبلد
الأمين، والمأمون، وأُم رحم، وأُم القرى، وصلاح، والعرش على وزن بدر، [والقادس](٧)
لأنها تطهر من الذنوب، والمقدسة، والناسة بالنون، وبالباء أيضاً والحاطمة، والنسّاسة،
والرأس، وكوثاء والبلدة، والبنية، والكعبة(٨).
وقوله تعالى: ﴿فِيهِ ءَايَتُ بَيْنَكُ﴾ أي: دلالات ظاهرة أنه من بناء إبراهيم، وأن الله عظَّمه وشرفه،
ثم قال تعالى: ﴿مَّقَامُ إِزَهِيمٌ﴾ يعني: الذي لما ارتفع البناء استعان به على رفع القواعد منه
والجدران، حيث كان يقف عليه ويناوله إسماعيل، وقد كان مُلتصقاً بجدار البيت حتى أخره عمر بن
الخطاب ◌ُبه في إمارته إلى ناحية الشرق بحيث يتمكن الطّواف، ولا [يشوشون](٩) على المصلين
عنده بعد الطواف، لأن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة عنده حيث قال: ﴿وَأَتَّخِذُواْ مِن ◌َّقَامِ إِبْرَهَِ
مُصَلَّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، وقد قدمنا الأحاديث في ذلك فأغنى عن إعادتها ههنا، ولله الحمد والمنة.
وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿فِيهِ ءَايَتُ بَيْنَكُ مَّقَامُ إِزَهِيمٌ﴾: أي فمنهنّ مقام إبراهيم
والمشْعَر(١٠).
وقال مجاهد: أثر قدميه في المقام آية بينة، وكذا روى عن عمر بن عبد العزيز والحسن وقتادة
والسدي ومقاتل بن حيان وغيرهم(١١)، وقال أبو طالب في قصيدته:
على قدميه حافياً غير ناعل
وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد [الأشج](١٢) وعمرو الأودي، قالا: حدثنا وكيع، حدثنا
(١) الفخ: هو وادي الزاهر لكثرة الأشجار والأزهار. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم عن حماد معلقاً.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح عن شعبة به.
(٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق غالب بن عبيد الله عنه وغالب هذا: ضعيف (لسان الميزان ٤/ ٥١٤ -
٥١٥).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق جعفر بن برقان عن عكرمة.
(٦) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وأخرجه بسند حسن عن أبي مالك.
(٧) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: ((الفارس)) وهو تصحيف.
(٨) وقد ذكر الفاسي جملة من أسماء مكة المكرمة (العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين ٣٥/١ - ٣٦).
(٩) كذا في (عف) و(حم) و(ح)، وفي الأصل: ((ولا يُشوش)) وكلاهما صحيح.
(١٠) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف عنه، والمشعر هو: المشعر الحرام في مزدلفة.
(١١) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عباد بن منصور
عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق معمر عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن
من طريق أسباط عنه.
(١٢) الزيادة من (عف) وتفسير ابن أبي حاتم.
٣٨٢
سُورَةُ الَّعَقْرَانَ (٩٦، ٩٧)
سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿مَّقَامِ إِبْرَهِتَمَ﴾ قال: الحرم
كله مقام إبراهيم [والسياق للأشج](١)، ولفظ عمرو: الحج كله مقام إبراهيم(٢)، وروي عن
سعيد بن جبير أنه قال: الحجُّ مقام إبراهيم(٣). هكذا رأيته في النسخة، ولعله: الحجر كله مقام
إبراهيم، وقد صرح بذلك مجاهد(٤).
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنًا﴾ يعني: حرم مكة إذا دخله الخائف يأمن من كل سوء،
وكذلك كان الأمر في حال الجاهلية، كما قال الحسن البصري وغيره: كان الرجل يقتل فيضع في
عنقه صوفة ويدخل الحرم، فيلقاه ابن المقتول فلا يهيِّجه حتى يخرج(٥).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو يحيى التّيْمي، عن عطاء، عن
سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنًا﴾ قال: من عاذ بالبيت أعاذه
البيت، ولكن لا [يؤوى] (٦) ولا يطعم ولا يسقى، فإذا خرج أخذ بذنبه(٧).
وقال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنًا وَيُتَخَطّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمَّ ... ) الآية
[العنكبوت: ٦٧]، وقال تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ جَ الَّذِى أَطْعَمَهُم مِّن جُوعِ وَءَامَنَهُم مِّنْ
خَوْفٍ ﴾﴾ [قريش] وحتى إنه من جملة تحريمها حرمة اصطياد صيدها وتنفيره عن أوكاره،
وحرمة قطع شجرها وقلع حشيشها، كما ثبتت الأحاديث والآثار في ذلك عن جماعة من
الصحابة مرفوعاً وموقوفاً. ففي الصحيحين واللفظ لمسلم عن ابن عباس طًا، قال: قال
رسول الله وَ﴿ يوم فتح مكة: (([لا هجرة](٨) ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا)) (٩).
وقال يوم فتح مكة: ((إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله
إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا في ساعة من نهار، فهو
حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد [شوكه] (١٠)، ولا ينفر صيده، ولا تلتقط لقطته إلا من
عرفها، ولا يختلى خلاها)) فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخَر فإنه لقينهم ولبيوتهم، فقال:
((إلا الإذخَرَ))(١١) .
ولهما عن أبي هريرة مثله أو نحوه (١٢)، ولهما واللفظ لمسلم أيضاً عن أبي شريح العدوي أنه
(١) الزيادة من تفسير ابن أبي حاتم للتوضيح.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ولفظه، وسنده صحيح.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عبد الله بن مسلم بن هرمز عن سعيد.
(٤) لم أجده بهذا اللفظ وإنما أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد
بلفظ: ((الحج كله)).
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق هشام عن الحسن بنحوه.
(٦) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: ((لا يوري)) وهو تصحيف.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده أبو يحيى التيمي وهو إسماعيل بن إبراهيم الأحول: ضعيف،
وقد توبع فقد أخرجه عبد الرزاق من طريق معمر عن ابن طاوس عن أبيه وسنده صحيح.
(٨) سقط واستدرك من (عف) و(حم) و(ح) والتخريج.
(٩) تقدم تخريجه في سورة البقرة آية ٢١٦.
(١١) تقدم تخريجه في سورة البقرة آية ٢١٦.
(١٠) في الأصل: ((شجره))، والتصويب كسابقه.
(١٢) تخريجه كسابقه.
٣٨٣
سُورَةُ العَقْرَانَ (٩٦، ٩٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000000000000000
قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة: [ائذن](١) لي أيها الأمير أن أحدثك قولاً قام به
رسول الله ◌َ* الغد من يوم الفتح سمعته أذناي ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي حين تكلم به؛ إنه
حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ((إن مكة حرمها الله، ولم يحرمها الناس، فلا يحلّ لامرئ يؤمن
بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله وَليه
فيها فقولوا له: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت
حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد الغائب)). فقيل لأبي شريح: ما قال لك؟ قال: أنا
أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصياً، ولا فارّاً بدم، ولا فارَّاً بخَزْية(٢).
وعن جابر ظُه قال: سمعت رسول الله وَلا يقول: ((لا يحلّ لأحدكم أن يحمل بمكة السلاح)) رواه
مسلم (٣). وعن عبد الله بن عدي بن الحمراء الزهري أنه سمع رسول الله وَّه وهو واقف بالحَزْوَرَة في
سوق مكة، يقول: ((والله إنك لخير أرض الله، وأحبّ أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرجت منك ما
خرجت)). رواه الإمام أحمد، وهذا لفظه(٤)، والترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن
صحيح، وكذا صَحّح من حديث ابن عباس نحوه(٥)، وروى أحمد عن أبي هريرة نحوه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا بشر بن آدم ابن بنت أزهر السمان، حدثنا أبو عاصم،
عن رُزيق بن مسلم الأعمى مولى بني مخزوم، حدثني زياد ابن أبي عياش، عن يحيى بن جعدة بن
هبيرة في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَمُ كَانَ مَامِنًا﴾ قال: آمناً من النار(٦). وفي معنى هذا القول الحديث
الذي رواه البيهقي: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، حدثنا أحمد بن عبيد، حدثنا
محمد بن سليمان الواسطي، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا ابن المؤمل، عن ابن محيصن، عن
عطاء، عن عبد الله بن عباس، قال: قال رسول الله (ص): ((من دخل البيت دخل في حسنة، وخرج
من سيئة، وخرج مغفوراً له)) ثم قال: تفرد به عبد الله بن المؤمل، وليس بالقوي (٧) .
وقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ هذه آية وجوب الحج عند الجمهور.
وقيل: بل هي قوله: ﴿وَأَيْقُوْ الْحَّ وَالْعُبْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، والأول أظهر. وقد وردت الأحاديث
المتعددة بأنه أحد أركان الإسلام ودعائمه وقواعده، وأجمع المسلمون على ذلك إجماعاً
ضرورياً، وإنما يجب على المكلف في العمر مرة واحدة بالنصِّ والإجماع.
قال الإمام أحمد تَّتُهُ: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا الربيع بن مسلم القرشي، عن محمد بن
(٢) تخريجه کسابقه.
(١) في الأصل: (ادن))، والتصويب كسابقه.
(٣) تخريجه كسابقه.
(٤) أخرجه الإمام أحمد من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عدي به (المسند ٣٠٥/٤)،
وأخرجه الترمذي من طريق أبي سلمة به وصححه (السنن، المناقب، باب ما جاء في فضل مكة ح ٣٩٢١)د
وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٣٠٨٢)، وأخرجه الحاكم من الطريق نفسه وصححه ووافقه
الذهبي (المستدرك ٤٣١/٣).
(٥) سنن الترمذي (ح ٣٩٢٢).
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده بشر بن آدم وهو صدوق فيه لين كما في التقريب، وزريق بن
مسلم لم أجد له ترجمة.
(٧) السنن الكبرى ١٥٨/٥، وفي سنده عبد الله بن المؤمل وهو ضعيف الحديث (التقريب ص٣٢٥).
٣٨٤
• سُورَةُ آلِ عُقْرَانَ (٩٦، ٩٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
زياد، عن أبي هريرة، قال: خطبنا رسول الله وَله، فقال: ((أيها الناس قد فرض عليكم الحج
فحجوا)) فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً، فقال رسول الله وَليون: (لو
قلت: نعم لوجبت ولما استطعتم)) ثم قال: ((ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة
سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء
فدعوه)(١). ورواه مسلم عن زهير بن حرب، عن يزيد بن هارون به نحوه (٢). وقد روى سفيان بن
حسين وسليمان بن كثير وعبد الجليل بن حميد ومحمد بن أبي حفصة عن الزهري، عن أبي سنان
الدؤلي واسمه: يزيد بن أمية، عن ابن عباس نظ ◌ّته، قال خطبنا رسول الله وَّله فقال: ((يا أيها
الناس إن الله كتب عليكم الحج)) فقام الأقرع بن حابس، فقال: يا رسول الله أفي كل عام؟
فقال: ((لو قلتها لوجبت، ولو وجبت لم تعملوا بها ولم تستطيعوا أن تعملوا بها، الحجّ مرة فمن
زاد فهو تطوع)) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه، والحاكم من حديث الزهري به (٣)،
ورواه شريك عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس بنحوه. وروي من حديث أسامة بن يزيد.
قال الإمام أحمد: حدثنا منصور بن وردان عن علي بن عبد الأعلى(٤)، عن أبيه، عن أبي
البَخْتَري، عن علي ◌َُّه، قال: لما نزلت ﴿وَلِِّ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ قالوا:
يا رسول الله في كل عام؟ فسكت، قالوا: يا رسول الله في كل عام؟ قال: ((لا، ولو قلت: نعم
لوجبت))، فأنزل الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤَّكُمْ﴾(٥) [المائدة:
١٠١]. وكذا رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم من حديث منصور بن وردان به، ثم قال الترمذي:
حسن غريب، وفيما قال نظر، لأن البخاري قال: لم يسمع أبو البختري من علي(٦). وقال ابن
ماجه: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا محمد بن أبي عبيدة، عن أبيه، عن الأعمش، عن
أبي سفيان، عن أنس بن مالك، قال: قالوا: يا رسول الله، الحجّ في كل عام؟ قال: ((لو قلت:
نعم لوجبت، ولو وجبت لم تقوموا بها، ولو لم تقوموا بها، لعذبتم)) (٧) .
وفي الصحيحين من حديث ابن جريج عن عطاء، عن جابر، أن سراقة بن مالك، قال: يا
رسول الله، متعتنا هذه لعامنا هذا، أم للأبد؟ قال: ((لا، بل للأبد))(٨). وفي رواية: ((بل لأبد أبد)).
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥٠٨/٢) وسنده صحيح.
(٢) صحيح مسلم، الحج، باب فرض الحج مرة في العمر (ح ١٣٣٧).
(٣) المسند (ح٢٣٠٤) وصححه أحمد شاكر، وسنن أبي داود، الحج، باب فرض الحج (ح١٧٢١)، وسنن
النسائي، مناسك الحج، باب وجوب الحج ١١١/٥، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك
٢٩٣/٢).
(٤) قوله: ((عن علي بن عبد الأعلى)) تكرر في الأصل.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٩٠٥)، وسنده ضعيف بسبب الانقطاع بين أبي البختري وعلي.
(٦) سنن الترمذي، الحج، باب ما جاء كم فرض الحج (ح٨١٤)، وسنن ابن ماجه، المناسك، باب فرض
الحج (ح٢٨٨٤)، وأشار إلى انقطاعه أيضاً الحافظ ابن حجر (التلخيص الحبير ٢٢٠/٢).
(٧) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، المناسك، باب فرض الحج (ح٢٨٨٥)، وصححه الألباني في
صحيح سنن ابن ماجه (ح٢٣٣٢).
(٨) صحيح البخاري، الشركة، باب اشتراك في الهدي والبدن (ح ٢٥٠٥)، وصحيح مسلم، الحج، باب بيان
وجوه الإحرام (ح ١٢١٦).
٣٨٥
سُورَةُ العَقْرَانَ (٩٦، ٩٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وفي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود من حديث واقد بن أبي واقد الليثي، عن أبيه أن
رسول الله والثر، قال لنسائه في حجته: ((هذه ثم ظهور الحصر (١) - يعني ثم الزمن ظهور
الحصر(١) - ولا تخرجن من البيوت))(٢).
وأما الاستطاعة فأقسام: تارة يكون الشخص مستطيعاً بنفسه، وتارة بغيره كما هو مقرر في
كتب الأحكام.
قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا إبراهيم بن يزيد،
قال: سمعت محمد بن عباد بن جعفر يحدث، عن ابن عمر ﴿يا، قال: قام رجل إلى
رسول الله وي﴿ فقال: من الحاج يا رسول الله؟ قال: ((الشعث التفل))، فقام آخر فقال: أي الحج
أفضل يا رسول الله؟ قال: ((العجّ والثجّ))(٣)، فقام آخر فقال: ما السبيل يا رسول الله؟ قال:
((الزاد والراحلة))(٤). وهكذا رواه ابن ماجه من حديث إبراهيم بن يزيد وهو الخوزي، قال
الترمذي: ولا نعرفه إلا من حديثه، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه، كذا قال:
ههنا، وقال في كتاب الحج: هذا حديث حسن(٥). لا يشك أن هذا الإسناد رجاله كلهم ثقات
سوى الخوزي هذا، وقد تكلموا فيه من أجل هذا الحديث، لكن قد تابعه غيره، فقال ابن أبي
حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله العامري، حدثنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن
عمير الليثي، عن محمد بن عباد بن جعفر، قال: جلست إلى عبد الله بن عمر، قال: جاء رجل
إلى النبي وَّ﴾ فقال له: ما السبيل؟ قال: ((الزاد والراحلة)) (٦). وهكذا رواه ابن مردويه من رواية
محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير به، ثم قال ابن أبي حاتم: وقد روي عن ابن عباس وأنس
والحسن ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والربيع بن أنس وقتادة نحو ذلك(٧)، وقد روي هذا
الحديث من طرق أخرى من حديث أنس وعبد الله بن عباس وابن مسعود وعائشة كلها مرفوعة،
ولكن في أسانيدها مقال، كما هو مقرر في كتاب الأحكام، والله أعلم.
وقد اعتنى الحافظ أبو بكر بن مردويه بجمع طرق هذا الحديث، ورواه الحاكم من حديث أبي
(١) في لفظي الحصر جاء في الأصل: ((الخضر)) وهو تصحيف والتصويب من المسند و(عف) و(ح) و(حم).
(٢) المسند ٢١٩/٥ وسنده حسن، وسنن أبي داود، المناسك، باب فرض الحج (ح١٧٢٢)، وصححه الألباني
في صحيح سنن أبي داود (١٥١٥).
(٣) العج: رفع الصوت بالتلبية، والثج: سيلان دماء الهدي أو الأضاحي. كما في حاشية سنن الترمذي.
(٤) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه (السنن، التفسير، باب ومن سورة آل عمران ح٢٩٩٨ وفي سنده إبراهيم بن
يزيد الخوزي متروك كما في التقريب ص٩٥).
(٥) سنن الترمذي، الحج، باب إيجاب الحج بالزاد والراحلة (ح٨١٣).
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه محمد بن عبد الله بن عبيد الله الليثي ضعيف (الجرح والتعديل ٧/
٣٠٠)، فتكون المتابعة التي ذكرها الحافظ ابن كثير ضعيفة وسيأتي كلام الحافظ ابن كثير: بأن هذه
الأحاديث المرفوعة في أسانيدها مقال.
(٧) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول ابن عباس أخرجه الدارقطني وابن ماجه وابن المنذر بسند
ضعيف (التلخيص الحبير ٢٢١/٢)، وقول أنس أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١٪
٤٤٢) وبقية الأقوال مرسلة. ونقل الحافظ ابن حجر عن ابن المنذر قال: لا يثبت الحديث في ذلك مسنداً،
والصحيح من الروايات، رواية الحسن مرسلة (التلخيص الحبير ٢٢١/٢).
٣٨٦
سُورَةُ العَقْرَانَ (٩٦، ٩٧)
قتادة، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن أنس أن رسول الله وَ ل﴿ سئل عن قول الله رَمَ: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ
سَبِيلًا﴾ فقيل: ما السبيل؟ قال: ((الزاد والراحلة))، ثم قال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه(١).
وقال ابن [جرير](٢): حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، عن يونس، عن الحسن، قال: قرأ
رسول الله وَله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُ الْبَيْتِ مَّنِ اُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ فقالوا: يا رسول الله ما
السبيل؟ قال: ((الزاد والراحلة))(٣)، ورواه وكيع في تفسيره عن سفيان، عن يونس به (٤).
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا الثوري، عن إسماعيل وهو أبو إسرائيل
الملائي، عن فضيل - يعني ابن عمرو - عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال
رسول الله قال : ((تعجلوا إلى الحج - يعني الفريضة - فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له))(٥). وقال
أحمد أيضاً: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الحسن بن عمرو الفقيمي، عن مهران بن أبي صفوان، عن
ابن عباس، قال: قال رسول الله وَلقوله: ((من أراد الحج فليتعجل))(٦). ورواه أبو داود عن مسدد
عن أبي معاوية الضرير به(٧). وقد روى ابن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿مَنِ أُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ
سَبِيلًا﴾ قال: من ملك ثلاثمائة درهم فقد استطاع إليه سبيلاً(٨). وعن عكرمة مولاه أنه قال:
السبيل الصحة (٩). وروى وكيع بن الجراح عن [أبي جناب - يعني الكلبي -] (١٠)، عن الضحاك بن
مزاحم، عن ابن عباس، قال: ﴿مَنِ أَسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ قال: ((الزاد والبعير))(١١).
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: أي
ومن جحد فريضة الحجّ فقد كفر والله غني عنه.
وقال سعيد بن منصور، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن عكرمة، قال: لما نزلت ﴿وَمَن
يَبْتَعْ غَيْرَ اْإِسْلَِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، قالت اليهود: فنحن مسلمون، قال الله رأيك:
فاخصِمهم فحجهم؛ يعني فقال لهم النبي ◌َّ: ((إن الله فرض على المسلمين حج البيت من
(١) المستدرك ١/ ٤٤٢.
(٢) في الأصل: ((ابن جريج)) وهو تصحيف.
(٤) وسنده مرسل أيضاً.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وهو مرسل.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وبأسانيد أخرى (المسند ح١٨٣٣، ١٨٣٤، ٢٨٦٩) وسنده ضعيف،
وضعفه أحمد شاكر بسبب أبي إسرائيل، وهو: إسماعيل بن خليفة العبسي: وهو صدوق سيء الحفظ
(التقريب ص١٠٧) ويتقوى بالرواية التالية.
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٩٧٤) وصححه أحمد شاكر وأخرجه أبو داود من طريق الأعمش
عن الحسن بن عمرو به (السنن، المناسك ح١٧٣٢) وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٥٢٤)
وأخرجه الحاكم من طريق أبي معاوية وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤٤٨/١).
(٧) تقدم عزوه في سابقه.
(٨) أخرجه الطبري من طريق أبي عبد الله البجلي عن سعيد بن جبير به. وأخرجه الإمام أحمد من طريق
النزال بن عمار عن ابن عباس (مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود السجستاني ص٩٧). ورواية النزال عن
ابن عباس مرسلة (التقريب ص ٥٦٠).
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق شرحبيل بن شريك عن عكرمة.
(١٠) في الأصل: ((أبو حيان)) يعني الملكي. وهو تصحيف والتصويب من ترجمته التالية، و(عف) و(ح) و(حم).
(١١) في سنده أبو جناب الكلبي وهو يحيى بن أبي حية ضعفوه لكثرة تدليسه (التقريب ص٥٨٩) ولم يصرح
بالسماع، وفيه الضحاك لم يلق ابن عباس فالإسناد ضعيف.
٣٨٧
سُورَةُ العَقْرَانَ (٩٨، ٩٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
استطاع إليه سبيلاً)) فقالوا: لم يكتب علينا وأبوا أن يحجوا، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ
غَنِىُّ عَنِ الْعَلَيِينَ﴾(١). وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد نحوه.
وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن مسعود،
حدثنا مسلم بن إبراهيم، وشاذ بن فياض، قالا: حدثنا هلال أبو هاشم الخراساني، حدثنا أبو
إسحاق الهمداني عن الحارث، عن علي ظُه، قال: قال رسول الله وَّه: ((من ملك زاداً وراحلة
ولم يحج بيت الله، فلا يضره مات يهودياً أو نصرانياً، ذلك بأن الله قال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ
اَلْبَيْتِ مَنِ اُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾))(٢). ورواه ابن جرير من حديث
مسلم بن إبراهيم به(٣). وهكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبي زرعة الرازي: حدثنا هلال بن
فياض، حدثنا هلال أبو هاشم الخراساني ... فذكره بإسناده مثله(٤)، ورواه الترمذي عن محمد بن
يحيى القطعي عن مسلم بن إبراهيم، عن هلال بن عبد الله مولى ربيعة بن عمرو بن مسلم الباهلي
به، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وفي إسناده مقال، وهلال مجهول،
والحارث يضعف في الحديث(٥). وقال البخاري: هلال هذا منكر الحديث. وقال ابن عدي:
هذا الحديث ليس بمحفوظ. وقد روى أبو بكر الإسماعيلي الحافظ من حديث أبي عمرو
الأوزاعي: حدثني إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر، حدثني عبد الرحمن بن غنم أنه سمع
عمر بن الخطاب ه يقول: من أطاق الحج [فلم يحج](٦)، فسواء عليه يهودياً مات أو
نصرانياً، وهذا إسناد صحيح إلى عمر څه.
وروى سعيد بن منصور في سننه عن الحسن البصري، قال: قال عمر بن الخطاب وظ ه: لقد
هممت أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار، فينظروا كل من كان له جدة فلم يحجّ، فيضربوا عليهم
الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين(٧).
﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِنَبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِثَايَتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَيْدُ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ ﴿٨) قُلْ يَتَأَهْلَ اُلْكِنَبِ
لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
٩٩٦
هذا تعنيف من الله تعالى لكفرة أهل الكتاب على عنادهم للحق، وكفرهم بآيات الله، وصدهم
عن سبيل الله من أراده من أهل الإيمان بجهدهم وطاقتهم، مع علمهم بأن ما جاء به الرسول حق
من الله، بما عندهم من العلم عن الأنبياء الأقدمين والسادة المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم
(١) سنده صحیح إلى عكرمة لكنه مرسل ويتقوی بمرسل مجاهد الذي يليه.
(٢) في سنده هلال فيه مقال كما سيأتي عن الترمذي، والحارث هو الأعور الهمداني وهو ضعيف كما في
التقريب، وضعفه الحافظ ابن كثير كما سيأتي.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده أيضاً الحارث.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده أيضاً الحارث وهلال.
(٥) سنن الترمذي، الحج، باب ما جاء في التغليظ في ترك الحج (ح ٨١٢) ..
(٦) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٧) في سنده الحسن البصري لم يسمع من عمر، ويشهد له سابقه من رواية الإسماعيلي التي صحح الحافظ ابن
کثیر سندها .
٣٨٨
سُورَةُ آلِ عَقْرَانَ (١٠٠، (١٠٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أجمعين، وما بشروا به ونوهوا به من ذكر النبيّ الأميّ الهاشميّ العربي المكي، سيد ولد آدم،
وخاتم الأنبياء، ورسول ربّ الأرض والسماء، وقد توعدهم الله على ذلك، وأخبر بأنه شهيد
على صنيعهم ذلك وما خالفوا ما بأيديهم عن الأنبياء ومقابلتهم الرسول المبشر به بالتكذيب
والجحود والعناد، فأخبر تعالى أنه ليس بغافل عما يعملون، وسيجزيهم على ذلك يوم لا ينفعهم
مال ولا بنون.
] ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إَِيِّكُمْ كَفِرِينَ
١٠٠
وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ ءَايَتُ اَللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْنَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَى صِرَطٍ
مُسْنَقِيم
يحذر تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن أن يطيعوا طائفة من أهل الكتاب الذين يحسدون
المؤمنين على ما آتاهم الله من فضله وما منحهم به من إرسال رسوله، كما قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ
مِّنْ أَهْلِ الْكِنَبِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدٍ إِيمَنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِندِ أَنْفُسِهِم﴾ [البقرة: ١٠٩]،
وهكذا قال ههنا: ﴿إِن تُطِيعُواْ فَرِّقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ يَرُدُوكُمْ بَعْدَ إِيَتِكُمْ كَفِينَ﴾ ثم قال تعالى:
﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ ءَايَتُ اَللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ يعني: أن الكفر بعيد منكم وحاشاكم
منه، فإن آيات الله تنزل على رسوله ليلاً ونهاراً، وهو يتلوها عليكم ويبلغها إليكم، [وهذا كقوله
تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِثُؤْمِنُواْ بِرَتِكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِشَقَّكُمْ إِن كُم ◌ُؤْمِنَ ﴿ هُوَ
الَّذِى يَُّزِّلُ عَى عَبْدِهِ مَايَتٍ بَيْنَتِ لِيُخْرِعَكُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحْمُ جَ﴾
[الحديد]](١)، وكما جاء في الحديث أن النبي وَّ، قال لأصحابه يوماً: ((أي المؤمنين أعجب إليكم
إيماناً؟)) قالوا: الملائكة. قال: ((وكيف لا يؤمنون وهم عند ربهم؟)) وذكروا الأنبياء، قال(٢):
((وكيف لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟)) قالوا: فنحن(٣). قال: ((وكيف لا تؤمنون وأنا بين
أظهركم؟)) قالوا: فأي الناس أعجب إيماناً؟ قال: ((قوم يجيئون من بعدكم يجدون صحفاً يؤمنون
بما فيها)) (٤). وقد ذكرت سند هذا الحديث والكلام عليه في أول شرح البخاري، ولله الحمد.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْنَصِمِ بِلَلَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَى صِرَطٍ مُسْنَقِيمٍ﴾ أي: ومع هذا فالاعتصام بالله
والتوكل عليه هو العمدة في الهداية، والعدّة في مباعدة الغواية، والوسيلة إلى الرشاد، وطريق
السداد وحصول المراد.
وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ
] ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ، وَلَا تَمُثُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم ◌ُسْلِمُونَ
جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءَ فَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ: إِخْوَنًا وَكُنتُمْ
عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَّكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ مَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ نَهْتَدُونَ
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان وشعبة، عن زبيد
اليامي، عن مُرَّة، عن عبد الله هو ابن مسعود ﴿ أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ﴾ قال: أن يطاع فلا يعصى،
(١) ما بين معقوفين زيادة من (عف) و(مح).
(٢) في الأصل: ((قالوا: فالأنبياء)).
(٤) حديث ضعيف تقدم في تفسير الآية رقم (٣).
(٣) في الأصل: ((ونحن)).
٣٨٩
• سُورَةُ الْغَقْرَانَ (١٠٢، ١٠٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر (١). وهذا إسناد صحيح موقوف، [وقد تابع مُرّة عليه
عمرو بن ميمون عن ابن مسعود](٢)، وقد رواه ابن مردويه من حديث يونس بن عبد الأعلى، عن
ابن وهب، عن سفيان الثوري، عن زبيد، عن مُرَّة، عن عبد الله، قال: قال رسول الله وَله:
((﴿ أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ﴾: أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى)) (٣). وكذا رواه
الحاكم في مستدركه من حديث مسعر عن زبيد، عن مرة، عن ابن مسعود مرفوعاً (٤) ... فذكره،
ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه(٥)، كذا قال، والأظهر والأشهر أنه موقوف،
والله أعلم. ثم قال ابن أبي حاتم: وروي نحوه عن مرة الهمداني والربيع بن خُثيم وعمرو بن
ميمون وإبراهيم النخعي وطاوس والحسن وقتادة وأبي سنان والسدي، نحو ذلك(٦). وروي [عن
أنس أنه](٧) قال: لا يتقي الله العبد حق تقاته حتى يخزن لسانه (٨).
وقد ذهب سعيد بن جبير وأبو العالية، والربيع بن أنس وقتادة ومقاتل بن حيان وزيد بن أسلم
والسدي وغيرهم إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَنَّقُواْ اللَّهَ مَا أُسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أَنَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ،﴾ قال: [لم](٩)
تنسخ، ولكن ﴿حَقَّ تُقَائِهِ﴾ أن يجاهدوا في سبيله حق جهاده ولا تأخذهم في الله لومة لائم،
ويقوموا بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم(١٠). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُتُّنَّ إِلَّا وَأَنْتُم ◌ُسْلِمُونَ﴾
أي: حافظوا على الإسلام في حال صحتكم وسلامتكم لتموتوا عليه، فإن الكريم قد أجرى عادته
بكرمه أنه من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بُعث عليه، فعياذاً بالله من خلاف
ذلك.
قال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا شعبة، قال: سمعت سليمان، عن مجاهد: أن الناس
كانوا يطوفون بالبيت وابن عباس جالس معه محجن، فقال: قال رسول الله وَله: ((﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَائِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٣)﴾، ولو أن قطرة من الزقوم قُطِرت لأَمَرّتْ
على أهل الأرض عيشَهم، فكيف بمن ليس له طعام إلا الزقوم؟)) (١١)، وهكذا رواه الترمذي
والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه من طرق عن شعبة به، وقال
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وحكم عليه الحافظ ابن كثير.
(٢) ما بين معقوفين زيادة من (عف) و(مح).
(٣) رجح الحافظ ابن كثير وقفه كما سيأتي في تعليقه على رواية الحاكم.
(٤) الحديث في المستدرك ورد موقوفاً (المستدرك ٢٩٤/٢).
(٥) صححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢٩٤/٢).
(٦) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف الأسانيد، وقد أخرج أقوالهم الطبري بأسانيد ثابتة.
(٧) في الأصل: ((وروى أنس به)) والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عطاء الواسطي عن أنس، وعطاء هذا متروك بل كذب
(التقریب ٢/ ٢٢).
(٩) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(١٠) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عنه.
(١١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٧٣٥) وصححه أحمد شاكر وسبقه النقاد المتقدمون كما سيأتي.
٣٩٠
سُورَةُ العَقْرَانَ (١٠٢، ١٠٣)
الترمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: على شرط الشيخين، ولم يخرجاه(١).
وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الرحمن بن
عبد ربِّ الكعبة، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله وَلفي: ((من أحب أن يزحزح عن
النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى
إليه))(٢).
وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر،
قال: سمعت رسول الله مَّله يقول قبل موته بثلاث: ((لا يموتن(٣) أحدكم إلا وهو يحسن الظن
بالله وَات))(٤)، ورواه مسلم من طريق الأعمش به(٥).
وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو يونس، عن أبي
هريرة، عن رسول الله وَليقول أنه قال: ((إن الله قال: أنا عند ظن عبدي بي، فإن ظنَّ بي خيراً فله،
وإن ظن شراً فله))(٦)، وأصل هذا الحديث ثابت في الصحيحين من وجه آخر عن أبي هريرة قال:
قال رسول الله وَّج: (يقول الله: أنا عند ظن عبدي بي))(٧).
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن عبد الملك القرشي، حدثنا جعفر بن سليمان،
عن ثابت وأحسبه عن أنس، قال: كان رجل من الأنصار مريضاً، فجاءه النبي ◌َّ يعوده، فوافقه
في السوق فسلم عليه، فقال له: ((كيف أنت يا فلان؟)) قال: بخير يا رسول الله، أرجو الله
وأخاف ذنوبي. فقال رسول الله وَّيقول: ((لا يجتمعان في قلب عبد في هذا الموطن إلا أعطاه الله ما
يرجو وآمنه مما يخاف))، ثم قال: لا نعلم رواه عن ثابت غير جعفر بن سليمان، وهكذا رواه
الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديثه، ثم قال الترمذي: [حسن](٨) غريب، وقد رواه بعضهم
عن ثابت مرسلاً(٩). فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة،
عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك، عن حكيم بن حزام، قال: بايعت رسول الله وَل﴿ أن لا أخر
إلا قائماً (١٠). ورواه النسائي في سننه عن إسماعيل بن مسعود، عن خالد بن الحارث، عن شعبة
(١) سنن الترمذي، أبواب صفة النار (ح٢٥٨٥)، وتفسير النسائي ص٣٤، وسنن ابن ماجه، الزهد، باب صفة
النار (ح٤٢٢٥)، وصححه الترمذي، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ٢٩٤/٢).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٦٨٠٧) وصححه أحمد شاكر.
(٣) في الأصل: ((لا يؤمن)) وهو تصحيف والتصحيح من (عف) و(ح) و(حم) والمسند.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣١٥/٣) وسنده صحيح.
(٥) صحيح مسلم، الجنة وصفة نعيمها، باب الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت (ح ٢٨٧٧).
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٩١/٢) وسنده حسن.
(٧) صحيح البخاري، التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَُدِّلُواْ كَلَمَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥] (ح ٧٥٠٥)،
وصحيح مسلم، التوبة، باب في الحض على التوبة (ح ٢٦٧٥).
(٨) زيادة من سنن الترمذي.
(٩) سنن الترمذي، الجنائز، باب ما جاء أن المؤمن يموت بعرق الجبين (ح٩٨٢)، وحسنه أيضاً الألباني في
صحیح الترمذي (ح٧٨٥).
(١٠) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٨/٢٤ ح١٥٣١٢) وقال محققوه: صحيح لغيره.
٣٩١
• سُوَّرَةُ آلِ عُقْرَانَ (١٠٣،١٠٢)
به، وترجم عليه فقال: (باب كيف يخر للسجود؟)، ثم ساقه مثله(١).
فقيل: معناه أن لا أموت إلا مسلماً، وقيل: معناه أن لا أقتل إلا مقبلاً غير مدبر، وهو يرجع
إلى الأول.
وقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ﴾ قيل: ﴿بِحَبْلِ اَللَّهِ﴾ أي: بعهد الله، كما
قال في الآية بعدها: ﴿ضُرِيَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا تُفِقُواْ إِلَّا بِبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:
١١٢] أي: بعهد وذمّة، وقيل: ﴿يِحِبّلٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ يعني: القرآن كما في حديث الحارث الأعور، عن
علي مرفوعاً في صفة القرآن: ((هو حبل الله المتين وصراطه المستقيم))(٢).
وقد ورد في ذلك حديث خاص بهذا المعنى، فقال الإمام الحافظ أبو جعفر الطبري: حدثنا
سعيد بن يحيى الأموي، حدثنا أسباط بن محمد، عن عبد الملك بن أبي سليمان العَرْزَمي(٣)،
عن عطية، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله وَله: ((كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء
إلى الأرض)»(٤) ..
وروى ابن مردويه من طريق إبراهيم بن مسلم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله
قال: قال رسول الله وَ له: ((إن هذا القرآن هو حبل الله المتين، وهو النور المبين، وهو الشفاء
النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه)) (٥)، وروى من حديث حذيفة وزيد بن أرقم نحو
ذلك(٦). [وقال وكيع: حدثنا الأعمش عن أبي وائل قال: قال عبد الله: إن هذا الصراط محتضر
يحضره الشياطين. يا عبد الله هذا الطريق، هلمَّ إلى الطريق فاعتصموا بحبل الله فإن حبل الله
القرآن(٧)](٨).
وقوله: ﴿وَلَا تَفَرَّقُواْ﴾ أمرهم بالجماعة ونهاهم عن الفرقة، وقد وردت الأحاديث المتعددة
بالنهي عن التفرق، والأمر بالاجتماع والائتلاف، كما في صحيح مسلم من حديث سهيل بن
أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله وم * قال: ((إن الله يرضى لكم ثلاثاً
ويسخط لكم ثلاثاً، يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً
(١) سنن النسائي، كتاب الافتتاح ٢٠٥/٢.
(٢) أخرجه الترمذي من طريق الحارث به مطولاً ثم قال: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإسناده
مجهول، وفي الحارث مقال (السنن، فضائل القرآن، باب ما جاء في فضل القرآن ح٢٩٠٦)، ولبعضه
شاهد صحيح عن زيد بن أرقم يأتي بعد روايتين.
(٣) كذا في (عف) و(ح) و(حم) والتخريج، وفي الأصل: ((العدري)) وهو تصحيف.
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه عطية وهو العوفي ضعيف كما في التقريب.
(٥) أخرجه الحاكم من طريق إبراهيم الهجري به وصححه وتعقبه الذهبي بأن إبراهيم بن مسلم ضعيف
(المستدرك ٥٥٥/١)، وذكر ابن الجوزي أنه لا يصح مرفوعاً (العلل المتناهية ١٠١/١) ولبعضه شاهد
صحيح يأتي من حديث زيد بن أرقم.
(٦) أخرجه مسلم وفيه: كتاب الله ربك هو حبل الله من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على ضلالة
(الصحيح، فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب بعد رقم ٢٤٠٨ بحديثين برقم ٣٧)
(٧) سنده صحيح وأخرجه الطبري عن أبي كريب عن وكيع به.
(٨) ما بين معقوفين زيادة من (عف) و(مح).
٣٩٢
• سُورَةُ آلِ عَمْرَانَ (١٠٢، ١٠٣)
000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم، ويسخط لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال،
وإضاعة المال)) (١) .
وقد ضمنت لهم العصمة عند اتفاقهم من الخطأ، كما وردت بذلك الأحاديث المتعددة أيضاً،
وخيف عليهم الافتراق والاختلاف، وقد وقع ذلك في هذه الأمة فافترقوا على ثلاث وسبعين
فرقة، منها فرقة ناجية إلى الجنة ومسلمة من عذاب النار، وهم الذين على ما كان عليه النبي وَيار
وأصحابه.
وقوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءُ فَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ: إِخْوَنًا وَكُنْتُمْ
عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِّنْهًا﴾، وهذا السياق في شأن الأوس والخزرج، فإنه قد كان بينهم
حروب كثيرة في الجاهلية، وعداوة شديدة وضغائن وإحن وذحول(٢)، طال بسببها قتالهم والوقائع
بينهم، فلما جاء الله بالإسلام، فدخل فيه من دخل منهم، صاروا إخواناً متحابين بجلال الله،
متواصلين في ذات الله، متعاونين على البِرّ والتقوى، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَيَّكَ بِنَصْرِهِ.
وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمَّ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ
بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٢]، وكانوا على شفا حفرة من النار بسبب كفرهم، فأنقذهم الله منها أن هداهم
للإيمان، وقد امتن عليهم بذلك رسول الله ( 8* يوم قسم غنائم حُنين، فعتب من عتب منهم،
بما(٣) فضل عليهم في القسمة، بما أراه الله فخطبهم فقال: ((يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلّالاً
فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألّفكم الله بي(٤)، وعالّة فأغناكم الله بي؟)) كلما قال شيئاً قالوا:
الله ورسوله أمنّ(٥) .
وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار وغيره: أن هذه الآية نزلت في شأن الأوس والخزرج،
وذلك أن رجلاً من اليهود مَرّ بملأ من الأوس والخزرج، فساءه ما هم عليه من الاتفاق والألفة،
فبعث رجلاً معه وأمره أن يجلس بينهم ويذكرهم ما كان من حروبهم يوم بُعاث وتلك الحروب،
ففعل، فلم يزل ذلك دأبه، حتى حميت(٦) نفوس القوم، وغضب بعضهم على بعض، وتثاوروا
ونادوا بشعارهم وطلبوا أسلحتهم وتوعدوا إلى الحرة، فبلغ ذلك النبي ◌َّر فأتاهم فجعل يسكنهم
ويقول: ((أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟)) وتلا عليهم هذه الآية، فندموا على ما كان منهم
﴾(٧). وذكر عكرمة أن ذلك نزل فيهم حين تثاوروا في قضية
واصطلحوا وتعانقوا وألقوا السلاح
الإفك(٨)، والله تعالى أعلم.
(١) صحيح مسلم، الأقضية (ح١٧١٥).
(٢) إحن: أي أحقاد، وذحول: أي عداوات.
(٣) في الأصل: ((لما)) والمثبت من (عف) و(مح).
(٤) في الأصل: ((في)) والتصويب كسابقه.
(٥) متفق عليه أخرجه البخاري (الصحيح، المغازي، باب غزوة الطائف ح ٤٣٣٠)، وصحيح مسلم، الزكاة،
باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام (ح ١٠٦١).
(٦) في الأصل: ((حيث)) وهو تصحيف، وتصحيحه كسابقه.
(٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق محمد بن إسحاق: حدثني الثقة عن زيد بن أسلم، ولم يصرح ابن
إسحاق باسم شيخه، وهو مرسل أيضاً.
(٨) وهو مرسل أيضاً.
٣٩٣
• سُورَةُ العَقْرَانَ (١٠٤، ١٠٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
﴿وَلْتَكُنْ مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفٍ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِّ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
(١٤)
وَلَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَأَخْتَلَفُواْ مِنْ بَعْدِ مَا جَهُمُ الْبَيْنَتُ وَأُوْلَكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُ
١٠٦
وُجُوهُ وَتَسْوَذُ وُجُوَةٌ فَأَمَّا الَّذِينَ أَسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُ بَعْدَ إِيمَنِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
وَمَّا الَّذِينَ أَبْيَضَتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةٍ اَللَّهِ هُمْ فِهَا خَالِدُونَ (9َ تِلْكَ ءَايَتُ الَِّ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقُّ وَمَا اللَّهُ
يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَلَمِينَ ﴿ وَلِلَِّ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضِّ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ
١٠٩
يقول تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِّنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ منتصبة للقيام بأمر الله في الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، ﴿وَأُوْلَِّكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، قال الضحاك: هم خاصة الصحابة وخاصة
الرواة (١). يعني: المجاهدين والعلماء.
وقال أبو جعفر الباقر: قرأ رسول الله وَاله ﴿وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ ثم قال: ((الخير
اتباع القرآن وسنتي)) رواه ابن مردويه(٢). والمقصود من هذه الآية، أن تكون فرقة من هذه الأمة
متصدية لهذا(٣) الشأن، وإن كان ذلك واجباً على كل فرد من الأمة بحسبه، كما ثبت في صحيح
مسلم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلجر: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم
يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)) (٤)، وفي رواية: ((وليس وراء ذلك
من الإيمان حبة خردل)»(٥) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان الهاشمي، أنبأنا إسماعيل بن جعفر، أخبرني عمرو بن أبي
عمرو، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأشهلي، عن حذيفة بن اليمان، أن النبي وَير قال: ((والذي
نفسي بيده، لتأمرنّ بالمعروف وتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً من
عنده، ثم لتدعنّه فلا يستجيب لكم)) (٦). ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث عمرو بن أبي عمرو
به، وقال الترمذي: حسن(٧). والأحاديث في هذا الباب كثيرة، مع الآيات الكريمة، كما سيأتي
تفسيرها في أماكنها، ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَذِينَ تَفَرَّقُواْ وَأَخْتَلَفُواْ مِنْ بَعْدِ مَا جَهُمُ الْبِيِّنَُّ
وَأُوْلَكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾﴾، ينهى تبارك وتعالى هذه الأمة أن تكون كالأمم الماضين في
افتراقهم(٨) واختلافهم وتركهم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، مع قيام الحجة عليهم.
قال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، حدثني أزهر بن عبد الله الهوزني، عن أبي
عامر عبد الله بن لُحَيّ(٩)، قال: حججنا مع معاوية بن أبي سفيان فلما قدمنا مكة، قام حين صلى
(١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك.
(٢) سنده معضل لأن أبا جعفر الباقر تابع تابعي.
(٣) في الأصل: ((هكذا لهذا))، بزيادة: ((هكذا)).
(٤) أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري وليس عن أبي هريرة (الصحيح، الأيمان، باب بيان كون النهي
عن المنكر من الإيمان ح٤٩).
(٥) صحيح مسلم بعد الموضع السابق بحديثين.
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٣٢/٣٨ ح ٢٣٣٠١) وقال محققوه: حسن لغيره. وأخرجه
الترمذي من طريق عمرو به وحسنه (السنن، الفتن، باب ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ح٢١٦٩)، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ١٧٦٢).
(٧) المصدر السابق.
(٨) كذا في (عف) و(مح)، وفي الأصل: ((تفرقهم))، وكلاهما صحيح.
(٩) في الأصل: ((یحیی)) وهو تصحيف.
٣٩٤
• سُوَّرَةُ أَلِ غَزْرَانَ (١٠٤، ١٠٩)
الظهر، فقال: إن رسول الله وَلاري قال: ((إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين [مِلّة](١)،
وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين مِلّة - يعني: الأهواء - كلها في النار إلا واحدة، وهي:
الجماعة، وإنه سيخرج في أمتي أقوام تُجَارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب(٢) بصاحبه، لا
يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله)) والله يا معشر العرب، لئن لم تقوموا بما جاء به نبيكم وَّ ر لغيركم
من الناس أحرى أن لا يقوم به(٣). وهكذا رواه أبو داود عن أحمد بن حنبل ومحمد بن يحيى، كلاهما
عن أبي المغيرة واسمه: عبد القدوس بن الحجاج الشامي به، وقد رُوي هذا الحديث من طرق (٤).
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ وَتَسْوَذُ وُجُوَةٌ﴾ يعني: يوم القيامة، حين تبيض وجوه أهل السنة
والجماعة، وتسوّد وجوه أهل البدعة والفرقة قاله ابن عباس ﴿ها(٥). ﴿فَمَّا الَّذِينَ أَسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ
أَكَفَرْتُ بَعْدَ إِيَمَنِكُمْ﴾ قال الحسن البصري: وهم المنافقون(٦). ﴿فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾
وهذا الوصف يعمّ كل كافر ﴿وَمَّا الَّذِينَ أَنْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةٍ اَللَّهِ هُمْ فِهَا خَالِدُونَ (®)﴾ يعني:
الجنة ماكثون فيها أبداً لا يبغون عنها حولاً .
وقد قال أبو عيسى الترمذي عند تفسير هذه الآية: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن ربيع
وهو: ابن صبيح وحماد بن سلمة، عن أبي غالب، قال: رأى أبو أمامة رؤوساً منصوبة على درج
[مسجد](٧) دمشق، فقال أبو أمامة: كلاب النار شر قتلى تحت أديم السماء خير قتلى من قتلوه،
ثم قرأ ﴿يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ وَتَسْوَهُ وُجُوَةً ... ) إلى آخر الآية، قلت لأبي أُمامة: أنت سمعته من
رسول الله وَير؟ قال: لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين أو ثلاثاً أو أربعاً - حتى عد سبعاً - ما
حدثتكموه (٨). ثم قال: هذا حديث حسن. وقد رواه ابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة عن
أبي غالب [وأخرجه أحمد في مسنده عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي غالب بنحوه](٩) (١٠).
(١) في الأصل: ((فرقة)) والمثبت من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) ومسند أحمد كما في التخريج.
(٢) الكلب: داء يعرض للإنسان من عضِّ الكلب الكَلِب، فيصيبه شبه الجنون وتعرض له أعراض رديئة ويمتنع
من شرب الماء حتى يموت عطشاً.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٠٢/٤) وأخرجه أبو داود عن الإمام أحمد به (السنن، السنة،
باب شرح السنة ح٤٥٩٧، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود ح ٣٨٤٣)، وأخرجه الحاكم من طريق
الحكم بن نافع البهراني عن صفوان به ثم قال: هذه أسانيد تقام بها الحجة في تصحيح هذا الحديث،
ووافقه الذهبي (المستدرك ١٢٨/١).
(٤) تقدمت رواية أبي داود في الحاشية السابقة، وذكره الحاكم من طرق أخرى (المستدرك ١٢٨/١ - ١٢٩).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند فيه مجاشع بن عمرو وهو متروك (الجرح والتعديل ٣٩٠/٨).
(٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن عباد بن منصور عن الحسن.
(٧) لفظ: ((مسجد))، سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والتخريج.
(٨) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وحكمه (السنن، التفسير، باب ومن سورة آل عمران ح ٣٠٠٠)، وفي سنده أبو
غالب وهو صاحب أبي أمامة وهو صدوق يخطئ (التقريب ٢٠٤/١) ومدار الحديث متوقف عليه كما سيأتي.
(٩) سنن ابن ماجه، المقدمة، باب في ذكر الخوارج ٦٢/١ (ح١٧٦)، ومسند أحمد ٢٥٣/٥ وقد خرجته في تحقيقي
لتفسير ابن أبي حاتم من طريق كثيرة مدارها كلها على أبي غالب (التفسير، سورة آل عمران رقم ٩٧) ونقلت عن
الخليلي قوله: وروى عن أبي غالب أكثر من بضع وسبعين نفراً (الإرشاد في علماء البلاد ل٦٧ ب و٦٨أ).
(١٠) ما بين معقوفين زيادة من (عف) و(ح) و(مح) و(حم)، وهو في المسند كما تقدم في الحاشية السابقة.
٣٩٥
• سُوَرَةِ الِغَزْرَانَ (١١٢،١١٠)
وقد روى ابن مردويه عند تفسير هذه الآية عن أبي ذر حديثاً مطولاً غريباً عجيباً جداً.
ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ ءَايَتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ﴾ أي: هذه آيات الله وحججه وبيناته نتلوها عليك يا
محمد ﴿بَلْحَقِ﴾ أي: نكشف ما الأمر عليه في الدنيا والآخرة ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَلَمِينَ﴾ أي:
ليس بظالم لهم بل هو الحكم، العدل الذي لا يجور، لأنه القادر على كل شيء، [العالم بكل
شيء](١) فلا يحتاج مع ذلك إلى أن يظلم أحداً من خلقه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِىِ السَّمَوَتِ
وَمَا فِ اٌلْأَرْضِّ﴾ أي: الجميع ملك له، عبيد له ﴿ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ أي: هو المتصرف في
الدنيا والآخرة، الحاكم في الدنيا والآخرة.
﴿كُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ
ءَامَنَ أَهْلُ الْكِتَبِ لَكَانَ خَيْرً لَّهُمَّ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ اُلْفَاسِقُونَ (١٥) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّ أَذَىّ
ضُرِيَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلَّا بِحِبْلٍ مِّنَ اَللَّهِ وَحَبْلٍ
وَإِن يُقَتِلُوكُمْ يُوَلُوَكُمُ الْأَدْبَارِّ ثُمَّ لَا يُصَرُونَ لَّ
مِّنَ النَّاسِ وَبَاءُو بِغَضَبٍ مِّنَ اَللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِثَايَتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ
اُلْأَنَِّيَّةَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ
يخبر تعالى عن هذه الأمة المحمدية بأنهم خير الأمم، فقال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ
لِلنَّاسِ﴾ قال البخاري: حدثنا محمد بن يوسف، عن سفيان، عن ميسرة، عن أبي حازم، عن أبي
هريرة ◌َّهِ ﴿كُمْ خَيْرَ أُمٍَّ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في
أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام(٢).
وهكذا قال ابن عباس ومجاهد وعطية العوفي وعكرمة وعطاء والربيع بن أنس: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمٍَّ
أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ يعني: خير الناس للناس(٣). والمعنى أنهم خير الأمم وأنفع الناس للناس، ولهذا
قال: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾.
قال الإمام أحمد: حدثنا أحمد بن عبد الملك، حدثنا شريك، عن سماك، عن عبد الله بن
عميرة، عن زوج دُرّة بنت أبي لهب، عن دُرَّة بنت أبي لهب قالت: قام رجل إلى النبي ◌َّل وهو على
المنبر، فقال: يا رسول الله أي الناس خير؟ قال: ((خير الناس أقرؤهم وأتقاهم الله، وآمرهم
بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر، وأوصلهم للرحم)» (٤). ورواه أحمد في مسنده، والنسائي في سننه،
والحاكم في مستدركه، من حديث سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى:
﴿كُمْ خَيْرَ أُمٍَّ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: هم الذين هاجروا مع رسول الله وَّه من مكة إلى المدينة(٥).
(١) ما بين معقوفين زيادة من (عف) و(ح) و(مح) و(حم).
(٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]
ح٤٥٥٧).
(٣) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، ورواية الصحيح السابقة المرفوعة تغني عن أسانيد الآثار.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٣٢/٦)، وسنده ضعيف بسبب شريك وهو ابن عبد الله النخعي
وهو: مقبول، كما في التقريب، وعبد الله بن عميرة فيه جهالة (ميزان الاعتدال ٤٦٩/٢).
(٥) مسند أحمد (ح٣٣٢١) وتفسير النسائي ص٣٥، والمستدرك ٢٩٤/٢ وسنده حسن وقد صححه الحاكم =
٣٩٦
سُورَةُ الَّغْرَانَ (١١٢،١١٠)
والصحيح أن هذه الآية عامة في جميع الأمة كل قرن بحسبه، وخير قرونهم الذين(١) بعث
فيهم رسول الله ◌َّ﴿ ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَكَذَلِكَ
جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسًَّا﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: خياراً ﴿لِتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَ النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ
شَهِيدًا﴾ .
وفي مسند الإمام أحمد وجامع الترمذي وسنن ابن ماجه ومستدرك الحاكم من رواية حكيم بن
معاوية بن حيدة، عن أبيه قال: قال رسول الله وَله: ((أنتم [توفون](٢) سبعين أمة، أنتم خيرها
وأكرمها على الله (َ))(٣). وهو حديث مشهور، وقد حسنه الترمذي، ويروى من حديث معاذ بن
جبل وأبي سعيد نحوه، وإنما حازت هذه الأُمة قصب السبق إلى الخيرات بنبيها محمد صلوات الله
وسلامه عليه، فإنه أشرف خلق الله وأكرم الرسل على الله، وبعثه الله بشرع كامل عظيم لم يعطه
نبياً قبله ولا رسول من الرسل، فالعمل على منهاجه وسبيله يقوم القليل منه ما لا يقوم العمل
الكثير من أعمال غيرهم مقامه، كما قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا ابن زهير، عن
عبد الله - يعني ابن محمد بن عقيل -، عن محمد بن علي - وهو: ابن الحنفية -: أنه سمع
علي بن أبي طالب ظُه يقول: قال رسول الله: ((أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء)). فقلنا: يا
رسول الله ما هو؟ قال: ((نُصرت بالرعب، وأُعطيت مفاتيح الأرض، وسُميت أحمد، وجُعل
التراب لي طهوراً، وجُعلت أُمتي خير الأُمم)) (٤) تفرد به أحمد من هذا الوجه، وإسناده حسن.
وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا أبو العلاء الحسن بن سوار، حدثنا ليث، عن معاوية، عن
أبي حَلْبَس يزيد بن ميسرة، قال: سمعت أُم الدرداء فيها تقول: سمعت أبا الدرداء ربه يقول:
(سمعت أبا القاسم ◌َ ﴿ وما سمعته يكنيه قبلها ولا بعدها يقول)): إن الله تعالى يقول: يا عيسى
إني باعث بعدك أمة إن أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا، وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا
وصبروا، ولا حلم ولا علم قال: يا ربِّ كيف هذا لهم ولا حلم ولا علم؟ قال: ((أعطيهم من
حلمي وعلمي)»(٥) .
وقد وردت أحاديث يناسب ذكرها ههنا، قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا
المسعودي، حدثنا بكير بن الأخنس، عن رجل، عن أبي بكر الصديق ظه، قال: قال
ووافقه الذهبي. وقال الحافظ ابن حجر: إسناد جيد (فتح الباري ٢٥٥/٨). وقال الهيثمي: ورجال أحمد
=
رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٣٢٧/٦).
(١) في الأصل: ((الذي))، والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٢) في الأصل: ((تزكون)) وهو تصحيف، والتصويب من (عف) و(ح) و(مح) والمسند.
(٣) المسند ٣/٥، وسنن الترمذي، التفسير، باب سورة آل عمران (ح٣٠٠١)، وسنن ابن ماجه، الزهد، باب
صفة أمة محمد ولد (ح٤٢٨٧)، والمستدرك ٨٤/٤، وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح٧٦٣) وصححه أحمد شاكر، وحسنه الحافظ ابن كثير والسيوطي
(الدر المنثور ٢٩٤/٢).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥٢٩/٤٥ ح٢٧٥٤٥) وسنده حسن، أخرجه البزار من طريق
الحسن بن سوار به (كشف الأستار ح٢٨٤٥)، وأخرجه الحاكم من طريق معاوية بن صالح به وصححه
ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٤٨/١)، وحسنه الحافظ ابن حجر (الآمالي ص٤٨ - ٤٩).
٣٩٧
سُورَةُ العَقْرَانَ (١١٠، ١١٢)
رسول الله قال: ((أعطيت سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب، وجوههم كالقمر ليلة البدر،
قلوبهم على قلب رجل واحد، فاستزدت ربي ◌ّ فزادني مع كل واحد سبعين ألفاً)) قال أبو
بكر ه: فرأيت أن ذلك آت على أهل القرى ومصيب من حافات البوادي(١).
(حديث آخر): قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن بكر السلمي، حدثنا هشام بن حسان،
عن القاسم بن مهران، عن مسوى بن عبيد، عن ميمون بن مهران، عن عبد الرحمن بن أبي بكر:
أن رسول الله ﴿ ﴿ قال: ((إن ربي أعطاني سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب)) فقال عمر: يا
رسول الله فهلا استزدته؟ فقال: ((استزدته فأعطاني هكذا))، وفرج عبد الله بن بكر بين يديه، وقال
عبد الله: وبسط باعيه، وحثا عبد الله، وقال هشام: وهذا من الله لا يدري ما عدده(٢).
(حديث آخر): قال الإمام أحمد: حدثنا أبو اليمان، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن
ضمضم بن زرعة قال: قال شريح بن عبيد: مرض ثوبان بحمص، وعليها عبد الله بن قرط
[الأزدي، فلم يعده، فدخل على ثوبان رجل من الكلاعين عائداً، فقال له ثوبان: أتكتب؟ قال:
نعم، قال: اكتب، فكتب للأمير عبد الله بن قرط ((من](٣) ثوبان مولى رسول الله وَلقر، أما بعد
فإنه لو كان لموسى وعيسى {لَّاها بحضرتك خادم لعدته))، ثم طوى الكتاب وقال له: أتبلغه إياه؟
قال: نعم، فانطلق الرجل بكتابه فدفعه إلى ابن قرط، فلما رآه، قام فزعاً، فقال الناس: ما شأنه
أحدثَ أمر؟ فأتى ثوبان حتى دخل عليه فعاده وجلس عنده ساعة، ثم قام فأخذ ثوبان بردائه،
وقال: اجلس حتى أحدثك حديثاً سمعته من رسول الله، يقول: ((ليدخلن الجنة مِن أُمتّي سبعون
ألفاً لا حساب عليهم ولا عذاب، مع كل ألف سبعون ألفاً)) (٤). تفرد به أحمد من هذا الوجه
وإسناد رجاله كلهم ثقات شامیون حمصيون، فهو حديث صحيح، ولله الحمد.
(طريق آخر): قال الطبراني: حدثنا عمرو بن إسحاق بن زِبْريق(٥) الحمصي، حدثنا محمد بن
إسماعيل - يعني: ابن عياش -، حدثني أبي، عن ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد عن أبي
أسماء الرحبي [عن](٦) ثوبان به، قال: سمعت رسول الله وَّ﴾ يقول: ((إن ربي ◌َ وعدني مِن
◌ُمتي سبعين ألفاً لا يحاسبون، مع كل ألف سبعون ألفاً))(٧) [هذا لعله هو المحفوظ بزيادة] (٨) أبي
أسماء الرحبي بين شريح وبين ثوبان، والله أعلم.
(حديث آخر): قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن قتادة، عن الحسن،
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/١) وسنده ضعيف بسبب إبهام شيخ بكير بن الأخنس.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٣٢/٣ - ٢٣٣ ح ٦ ١٧٠) وفي سنده موسى بن عبيد مجهول كما
في تعجيل المنفعة، ولشطره الأول شاهد في صحيح البخاري من حديث ابن عباس (الصحيح، الرقاق،
باب يدخل الجنة سبعون ألفاً بغير حساب ح٦٥٤١).
(٣) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) ومسند أحمد.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٨٠/٥، ٢٨١) وكفى بتصحيح الحافظ ابن كثير.
(٦) سقط من الأصل واستدرك كسابقه.
(٥) في الأصل: ((زبير بن)) وهو تصحيف.
(٧) المعجم الكبير ٩٢/٢ (ح١٤١٣) وفي سنده ضمضم بن زرعة: وهو صدوق يهم (التقريب ص ٢٨٠)، وقد
توبع في الحديث السابق، وسنده حسن.
(٨) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك كسابقه.
٣٩٨
• سُورَةُ أَلِ ◌ّعَقْرَانَ (١١٠، ١١٢)
عن عمران بن حصين، عن ابن مسعود ظله، قال: أكثرنا الحديث عند رسول الله وسلم ذات ليلة
ثم غدونا إليه، فقال: ((عُرِضَتْ عليّ الأنبياء الليلة بأُممها، فجعل النبي يمرّ ومعه الثلاثة، والنبي
ومعه العصابة، والنبي معه النفر، والنبي وليس معه أحد، حتى مرَّ علي موسى علَّ ومعه كَبْكَبَة(١)
من بني إسرائيل، فأعجبوني فقلت: من هؤلاء؟ فقيل: هذا أخوك موسى معه بنو إسرائيل. قال:
فقلت: فأين أمتي؟ فقيل: انظر عن يمينك، فنظرت فإذا الظراب(٢) قد سدَّ بوجوه الرجال، ثم
قيل لي: انظر عن يسارك. فنظرت فإذا الأفق قد سد بوجوه الرجال، فقيل لي: أرضيت؟ فقلت:
رضيت يا ربِّ، رضيت يا ربِّ - قال : - فقيل لي: إن مع هؤلاء سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير
حساب)). فقال النبي ◌َّه: ((فداكم أبي وأمي إن استطعتم أن تكونوا من السبعين ألفاً فافعلوا، فإن
قصرتم فكونوا من أهل الظِراب، فإن قصرتم فكونوا من أهل الأفق، فإني قد رأيت ثم أناساً
يتهاوشون)) فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم - أي من
السبعين -، فدعا له، فقام رجل آخر فقال: ادع الله يا رسول الله أن يجعلني منهم. فقال:
(([قد](٣) سبقك بها عكاشة)) قال: ثم تحدثنا فقلنا: من ترون هؤلاء السبعين الألف، قوم ولدوا
في الإسلام لم يشركوا بالله شيئاً حتى ماتوا فبلغ ذلك النبي وَ له فقال: ((هم الذين لا يسترقون،
ولا يكتوون ولا يتطيّرون، وعلى ربهم يتوكَّلون)) هكذا رواه أحمد بهذا السند وهذا السياق(٤)،
ورواه أيضاً عن عبد الصمد، عن هشام، عن قتادة بإسناده مثله، وزاد بعد قوله: ((رضيت يا رب،
رضيت يا ربِّ، قال: رضيت، قلت: نعم. قال: انظر عن يسارك ــ قال : - فنظرت فإذا الأفق قد
سدَّ بوجوه الرجال، فقال: رضيت؟ قلت: رضيت)) وهذا إسناد صحيح من هذا الوجه تفرد به
أحمد، ولم يخرجوه.
(حديث آخر): قال أحمد بن منيع: حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز، حدثنا حماد، عن عاصم،
عن زرّ، عن ابن مسعود به، قال: قال النبي وَلّ: ((عرضت عليّ الأُمم بالمواسم فراثت عليّ
أمتي، ثم رأيتهم فأعجبتني كثرتهم وهيئتهم، قد ملؤوا(٥) السهل والجبل، فقال: أرضيت يا محمد؟
فقلت: نعم. قال: فإن مع هؤلاء سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب وهم الذين لا يسترقون ولا
يكتوون وعلى ربهم يتوكلون)) فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم،
فقال: ((أنت منهم)). فقام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم فقال: ((سبقك بها عكاشة))(٦).
رواه الحافظ الضياء المقدسي، وقال: هذا عندي على شرط مسلم.
(حديث آخر) قال الطبراني: حدثنا محمد بن الجذوعي(٧) القاضي، حدثنا عقبة بن مكرم،
حدثنا محمد بن أبي عدي، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عمران بن حصين،
(١) أي جماعة.
(٢) أي التلال: وهي الجبال الصغيرة.
(٣) قوله: (قد)). سقط من الأصل: واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والمسند كما في التخريج.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٥٣/٦ ح ٣٨٠٦) وصححه محققوه، وصححه الحافظ ابن حجر
(الفتح ٤٠٧/١١) والحافظ ابن كثير.
(٥) في الأصل: ((قد ملوا)) وهو تصحيف والتصحيح من (عف) و(مح) والمسند (ح٣٨١٩).
(٦) أخرجه الإمام أحمد من طريق حماد به (المسند ٣٦٩/٦ ح٣٨١٩) وسنده حسن.
(٧) في الأصل: ((الخروعي)) وهو تصحيف والتصحيح من (عف) و(مح) والمعجم الكبير كما سيأتي.
٣٩٩
سُورَةُ الْعُقْرَانَ (١١٢،١١٠)
قال: قال رسول الله وَله: ((يدخل الجنة من أُمتي سبعون ألفاً بغير حساب ولا عذاب)) قيل: من
هم؟ قال: ((هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون، ولا يتطيّرون، وعلى ربهم يتوَّلون))(١)، ورواه
مسلم من طريق هشام بن حسان، وعنده ذكر عكاشة(٢).
(حديث آخر): ثبت في الصحيحين من رواية الزهري عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة حدثه
قال: سمعت رسول الله وَ﴿ يقول: ((يدخل الجنة من أمتي زمرة هم: سبعون ألفاً، تضيء
وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر)) قال أبو هريرة: فقام عكاشة بن محصن الأسدي [يرفع نمرة
عليه](٣) فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، فقال رسول الله وَلفير: ((اللَّهم اجعله
منهم)) ثم قام رجل من الأنصار فقال مثله، فقال: ((سبقك بها عكاشة)) (٤).
(حديث آخر): قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا يحيى بن عثمان، حدثنا سعيد بن أبي مريم،
حدثنا أبو غسان، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، أن النبي ◌َّ- قال: ((ليدخلن الجنة من أمتي
سبعون ألفاً - أو سبعمائة ألف - آخذ بعضهم ببعض حتى يدخل أولهم وآخرهم الجنة، ووجوههم
على صورة القمر ليلة البدر))(٥). أخرجه البخاري ومسلم جميعاً عن قتيبة عن عبد العزيز بن أبي
حازم عن أبيه عن سهل به(٦).
(حديث آخر): قال مسلم بن الحجاج في صحيحه: حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا هشيم،
أنبأنا حصين بن عبد الرحمن، قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي
انقض البارحة؟ قلت: أنا، ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة، ولكني لدغت، قال: فما
صنعت؟ قلت: استرقيت. قال: فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي. قال: وما
حدثكم الشعبي؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب الأسلمي أنه قال: ((لا رقية إلا من عين أو
حمّة))، قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي وَّر أنه قال:
((عرضت عليَّ الأُمم فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه
أحد، إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى
الأفق، فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل (٧) لي: انظر إلى الأفق الآخر، فإذا سواد عظيم، فقيل
[لي](٨): هذه أمتك ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ثم نهض فدخل
منزله، فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب))، فقال بعضهم:
(١) المعجم الكبير ١٨٣/١٨ (ح٤٢٧)، وأخرجه مسلم من طريق ابن سيرين به (الصحيح، الإيمان، باب الدليل
على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ح٢١٨).
(٢) المصدر السابق.
(٣) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والتخريج.
(٤) صحيح البخاري، الرقاق، باب يدخل الجنة سبعون ألفاً بغير حساب (ح٦٥٤٢)، وصحيح مسلم، الأيمان،
باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب (ح٣٦٩).
(٥) المعجم الكبير ١٤٢/٦ (ح ٥٧٨٢)، وهو متفق عليه.
(٦) صحيح البخاري، الموضع السابق (ح٦٥٤٣)، وصحيح مسلم، الموضع السابق (ح ٣٧٣).
(٧) في الأصل: ((فقال)) والمثبت من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والتخريج.
(٨) سقط من الأصل واستدرك كسابقه.
٤٠٠
سُورَةُ الَّعَمْرَانَ (١١٢،١١٠)
فلعلهم الذين صحبوا رسول الله وير، وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا
بالله، وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله وَلّ، فقال: ((ما الذي تخوضون فيه؟)) فأخبروه،
فقال: ((هم الذين لا يرقون ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون)) فقام عكاشة بن
محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. [((قال: أنت منهم))، ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن
يجعلني منهم](١)، قال: ((سبقك بها عكاشة))(٢). وأخرجه البخاري عن أسيد بن زيد عن هشيم،
وليس عنده: لا يرقون(٣).
(حديث آخر): قال أحمد: حدثنا روح بن عبادة، حدثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه
سمع جابر بن عبد الله قال: ((سمعت رسول الله وَ ل﴾ ... فذكر حديثاً، وفيه: «فتنجو أول زمرة
وجوههم كالقمر ليلة البدر سبعون ألفاً لا يحاسبون، ثم الذين يلونهم كأضوأ نجم في السماء)) ثم
كذلك، وذكر بقيته (٤)، رواه مسلم من حديث روح، غير أنه لم يذكر النبي صَلّ(٥).
(حديث آخر): قال الحافظ أبو بكر بن أبي عاصم في كتاب ((السنة)) له: حدثنا أبو بكر بن
أبي شيبة، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن محمد بن زياد، سمعت أبا أمامة الباهلي يقول:
سمعت رسول الله وسلم يقول: ((وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً، مع كل ألف
سبعون ألفاً لا حساب عليهم ولا عذاب، وثلاث حثيات(٦) من حثيات ربي ◌َّ))(٧)، وكذا رواه
الطبراني من طريق هشام بن عمار عن إسماعيل بن عياش به (٨)، وهذا إسناد جيد.
(طريق أخرى): عن أبي أمامة: قال ابن أبي عاصم، حدثنا دُحيم، حدثنا الوليد بن مسلم عن
صفوان بن عمرو، عن سليم بن عامر، عن أبي اليمان الهَوْزني واسمه عامر بن عبد الله بن لُحَيّ،
عن أبي أمامة عن رسول الله، قال: ((إن الله وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً بغير
حساب)) فقال يزيد بن الأخنس: والله ما أولئك في أمتك يا رسول الله إلا مثل الذباب الأصهب
في الذباب، قال رسول الله وَلّ: ((فإن الله وعدني سبعين ألفاً، مع كل ألف سبعون ألفاً وزداني
ثلاث حثيات))(٩)، وهذا أيضاً إسناد حسن.
(حديث آخر): قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن خليد، حدثنا أبو توبة، حدثنا
معاوية بن سلام، عن زيد بن سلام، أنه سمع أبا سلام يقول: حدثني عامر بن زيد البكالي أنه
سمع عتبة بن عبد السلمي عظته، قال: قال رسول الله وَليقول: ((إن ربي ك وعدني أن يدخل الجنة
(١) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك كسابقه. (٢) صحيح مسلم، الموضع السابق (ح ٣٧٤).
(٣) صحيح البخاري، الموضع السابق (ح٦٥٤١).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٨٣/٣) وورد في صحيح مسلم موقوفاً كما سيأتي.
(٥) صحيح مسلم، الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة (ح٣١١).
(٦) كناية عن المبالغة في الكثرة (النهاية في غريب الحديث ٣٣٩/١).
(٧) السنة لابن أبي عاصم ٢٦١/١ (ح٥٨٩)، وجوّد إسناده الحافظ ابن كثير، وصححه الألباني في ظلال الجنة
في تخريج السنة (ح٥٨٩).
(٨) المعجم الكبير ١٨٧/٨ (ح ٧٦٧٢) وحكمه كسابقه.
(٩) السنن لابن أبي عاصم ٢٦٠/١ (ح٥٨٨) وحسْن إسناده الحافظ ابن كثير، وصححه الألباني في ظلال الجنة
(ح٥٨٨).