النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ • سُورَةُ الَقَةِ (٢٦١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 بسبعمائة ضعف))(١) . (حديث آخر) قال أبو داود: أنبأنا محمد بن عمرو بن السرح، حدثنا ابن وهب، عن يحيى بن أيوب وسعيد بن أبي أيوب، عن زبان بن فائد، عن سهل بن معاذ، عن أبيه، قال: قال رسول الله وَّل : ((إن الصلاة والصيام والذكر يضاعف على النفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف))(٢) . (حديث آخر) قال ابن أبي حاتم: أنبأنا أبي، حدثنا هارون بن عبد الله بن مروان، حدثنا ابن أبي فديك، عن الخليل بن عبد الله، عن الحسن، عن عمران بن حصين، عن رسول الله وَله، قال: ((من أرسل بنفقة في سبيل الله وأقام في بيته، فله بكل درهم سبعمائة درهم يوم القيامة، ومن غزا في سبيل الله وأنفق في جهة ذلك، فله بكل درهم سبعمائة ألف درهم، ثم تلا هذه الآية ﴿وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾)) (٣)، وهذا حديث غريب، وقد تقدم حديث أبي عثمان النهدي عن أبي هريرة في تضعيف الحسنة إلى ألفي ألف حسنة، عند قوله: ﴿مَّن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَحِفَهُ لَهُ: أَضْعَافًا كَثِيرَةٌ ... ) الآية [البقرة: ٢٤٥]. (حديث آخر) قال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن عبيد الله بن العسكري البزاز، أخبرنا الحسن بن علي بن شبيب، أخبرنا محمود بن خالد الدمشقي، أخبرنا أبي عن عيسى بن المسيب، عن نافع، عن ابن عمر: لما نزلت هذه الآية ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِي سَبِيلِ الَّهِ﴾ قال النبي ◌َّه: ((ربِّ زِد أمتي)) قال: فأنزل الله: ﴿مَّن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] قال: ((رب زد أمتي) قال: فأنزل الله: ﴿إِنَّا يُؤَنَّ الصَّبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾(٤) [الزمر: ١٠]، وقد رواه أبو حاتم بن حبان في صحيحه عن حاجب بن أركين، عن أبي عمر حفص بن عمر بن عبد العزيز المقري، عن أبي إسماعيل المؤدب، عن عيسى بن المسيب، عن نافع، عن ابن عمر ... فذكره(٥) . وقوله(٦) ههنا: ﴿وَلَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءٌ﴾ أي: بحسب إخلاصه في عمله ﴿وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمُ﴾ أي: فضله واسع كثير أكثر من خلقه، عليم بمن يستحق ومن لا يستحق، سبحانه وبحمده . (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٤٥/٤)، وأخرجه الترمذي من طريق الركين به، وحسنه (السنن، فضائل الجهاد، باب ما جاء في فضل النفقة في سبيل الله ح١٦٢٥)، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح١٣٢٦). (٢) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الجهاد، باب في تضعيف الذكر في سبيل الله تعالى ح٣٤٩٨). وفي سنده زبان بن فائد وهو ضعيف (التقريب ص٢١٣). (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده الخليل بن عبد الله: وهو مجهول (التقريب)، وقال الذهبي: لا يعرف (ميزان الاعتدال ٦٦٧/١). (٤) في سنده عيسى بن المسيب: وهو ضعيف (الجرح والتعديل ٢/ ١٥٧، والتقريب ٦٥/١). (٥) موارد الظمآن في زوائد ابن حبان (ح١٦٤٨). وفي سنده أيضاً عيسى بن المسيب. (٦) لفظ: (قوله)) في الأصل بياض. ٢٦٢ سُورَةُ الََّقَرَّة (٢٦٢، ٢٦٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 42 ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَآ أَنَفَقُواْ مَنَّا وَلَا أَذٌَّ لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةُ خَيْرٌ مِّنِ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذَىُّ رَبِّهِمْ وَلَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ وَاللَّهُ غَنِىُّ حَلِيٌ ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِأَلْمَنِّ وَاَلْأَذَى كَلَّذِى يُنفِقُ مَالَهُ رِقَآءَ النَّاسِ وَلَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِّ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلَّدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّمَا كَسَبُواْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِينَ يمدح تبارك وتعالى الذين ينفقون في سبيله، ثم لا يتبعون ما أنفقوا من الخيرات والصدقات مناً على من أعطوه، فلا يمنّون به على أحد، ولا يمنّون به لا بقول ولا بفعل. وقوله: ﴿وَلَآ أَذْىٌ﴾ أي: لا يفعلون مع من أحسنوا إليه مكروهاً يحبطون به ما سلف من الإحسان، ثم وعدهم الله تعالى الجزاء الجزيل على ذلك، فقال: ﴿لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ أي: ثوابهم على الله لا على أحد سواه ﴿وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: فيما يستقبلونه من أهوال يوم القيامة. ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي: على ما خلفوه من الأولاد، ولا ما فاتهم من الحياة الدنيا وزهرتها لا يأسفون عليها، لأنهم قد صاروا إلى ما هو خير لهم من ذلك. ثم قال تعالى: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾ أي: من كلمة طيبة ودعاء لمسلم ﴿ وَمَغْفِرَةُ﴾ أي: عفو وغفر عن ظلم قولي أو فعلي ﴿خَيْرٌ مِّنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُّهَآ أَذَىُّ﴾ . قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن فضيل، قال: قرأت على معقل بن عبد الله، عن(١) عمرو بن دينار، قال: بلغنا أن رسول الله وَ له قال: ((ما من صدقة أحبّ إلى الله من قول معروف(٢)، ألم تسمع قوله: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةُ خَيْرٌ مِّنِ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذَىَّ﴾))(٣). ﴿وَاللَّهُ غَنِىُّ﴾ عن خلقه، ﴿حَلِيمٌ﴾ أي: يحلم ويغفر ويصفح ويتجاوز عنهم، وقد وردت الأحاديث بالنهي عن المن في الصدقة، ففي صحيح مسلم من حديث شعبة، عن الأعمش، عن سليمان بن مسهر، عن خرشة بن الحرّ، عن أبي ذرِّ، قال: قال رسول الله وَليون: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المنَّان بما أعطى، والمسبل إزاره، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب))(٤) . وقال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن عثمان بن يحيى، أخبرنا عثمان بن محمد الدوري، أخبرنا هشيم بن خارجة، أخبرنا سليمان بن عقبة، عن يونس بن ميسرة، عن أبي إدريس، عن أبي الدرداء، عن النبي ◌َ * قال: ((لا يدخل الجنة عاق، ولا منّان، ولا مدمن خمر، ولا مكذب بقدر))(٥)، وروى أحمد وابن ماجه من حديث يونس بن ميسرة نحوه(٦). ثم روى ابن مردويه وابن (١) في الأصل: ((بن)) والتصويب من (عف) و(ح) والتخريج. (٢) لفظ: ((معروف)) سقط من الأصل واستدرك كسابقه. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف مرسل. (٤) صحيح مسلم، الإيمان، باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار .. (ح١٠٦). (٥) لبعضه شاهد تقدم في صحيح مسلم. (٦) المسند ٦/ ٤٤١، وسنن ابن ماجه مختصراً من طريق يونس بن ميسره به، كتاب الأطعمة، باب مدمن الخمر (ح٣٣٧٦)، وحسنه البوصيري، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح٢٧٢١). ٢٦٣ سُورَةُ الََّقَرَّة (٢٦٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 حبان والحاكم في مستدركه، والنسائي من حديث عبد الله بن يسار الأعرج، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، قال: قال رسول الله وَله: ((ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، ومدمن خمر، والمنَّان بما أعطى)) (١)، وقد روى النسائي، عن مالك بن سعد، عن عمه روح بن عبادة، عن عتاب بن بشير، عن خُصيف الجزري، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي وَّ قال: ((لا يدخل الجنة مدمن خمر، ولا عاق لوالديه، ولا منَّان))(٢). وقد رواه ابن أبي حاتم عن الحسن بن المنهال، عن محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي، عن عتّاب، عن خُصيف، عن مجاهد، عن ابن عباس(٣)، ورواه النسائي من حديث عبد الكريم بن مالك الجزري(٤)، عن مجاهد قوله، وقد روي عن مجاهد، عن أبي سعيد، وعن مجاهد، عن بِالْمَنّ وَالْأَذَى﴾ بَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ أبي هريرة نحوه، ولهذا قال الله تعالى: فأخبر أن الصدقة تبطل بما يتبعها من المنِّ والأذى، فما يفي ثواب الصدقة بخطيئة المنِّ والأذى، ثم قال تعالى: ﴿كَلَّذِى يُنفِقُ مَالَهُ رِئََّ النَّاسِ﴾ أي: لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كما تبطل صدقة من راءى بها الناس، فأظهر لهم أنه يريد وجه الله، وإنما قصده مدح الناس له أو شهرته بالصفات الجميلة ليشكر بين الناس، أو يقال: إنه كريم، ونحو ذلك من المقاصد الدنيوية، مع قطع نظره عن معاملة الله تعالى وابتغاء مرضاته وجزيل ثوابه، ولهذا قال: ﴿وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِرِ﴾، ثم ضرب تعالى مثل ذلك المرائي بإنفاقه. قال الضحاك: والذي يتبع نفقته مناً أو أذى، فقال: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾ وهو جمع صفوانة، فمنهم من يقول: الصفوان يستعمل مفرداً أيضاً وهو الصفا وهو الصخر الأملس، ﴿عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ. وَابِلٌ﴾ وهو المطر الشديد ﴿فَكَهُ صَلَّدًا﴾ أي: فترك الوابل ذلك الصفوان صلداً أي: أملس يابساً، أي لا شيء عليه من ذلك التراب، بل قد ذهب كله، أي: وكذلك أعمال المرائين تذهب وتضمحل عند الله، وإن ظهر لهم أعمال فيما يرى الناس كالتراب، ولهذا قال: ﴿لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّمَا كَسَبُواْ وَاللّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَّفِرِينَ﴾ . ] ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَقْبِيتًا مِّنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَِّمْ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَانَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وهذا مثل المؤمنين المنفقين أموالهم ابتغاء مرضاة الله عنهم في ذلك، ﴿وَتَثْبِيْتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: وهم متحققون متثبتون أن الله سيجزيهم على ذلك أوفر الجزاء، ونظير هذا في معنى قوله ظلَّلة في الحديث الصحيح المتفق على صحته: ((من صام رمضان إيماناً واحتساباً))(٥) أي: يؤمن أن الله شرعه ویحتسب عند الله ثوابه. (١) المستدرك ١٤٦/٤ - ١٤٧، وصححه ووافقه الذهبي. (٢) في سنده خُصيف الجزري: وهو صدوق سيء الحفظ، خلط بآخره (التقريب ص١٩٣). (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه أيضاً خُصيف. (٤) فيه متابعة عبد الكريم الخُصيف. (٥) صحيح البخاري، الصوم، باب من صام رمضان إيمانا واحتساباً (ح١٩٠١)، وصحيح مسلم، الصيام، باب الترغيب في قيام رمضان (ح ٧٦٠). ٢٦٤ • سُوَرَّةُ الْبَقَة (٢٦٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 قال الشعبي: ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: تصديقاً ويقيناً (١)، وكذا قال قتادة وأبو صالح وابن زید(٢)، واختاره ابن جرير. وقال مجاهد والحسن: أي يتثبتون أين يضعون صدقاتهم (٣). وقوله: ﴿كَمَثَلِ جَنَتِم بِرَبْوَةٍ﴾، وهو عند الجمهور: المكان المرتفع من الأرض، وزاد ابن عباس والضحاك وتجري فيه الأنهار(٤). قال ابن جرير نَّثهُ: وفي الربوة ثلاثة لغات: هن ثلاث قراءات: بضم الراء، وبها قرأ عامة أهل المدينة والحجاز والعراق، وفتحها وهي قراءة بعض أهل الشام، والكوفة، ويقال: إنها لغة تميم، وكسر الراء، ويذكر أنها قراءة ابن عباس(٥). وقوله: ﴿أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾ وهو المطر الشديد، كما تقدم، فآتت ﴿أُكُلَهَا﴾ أي: ثمرتها ﴿ضِعْفَيْنِ﴾ أي: بالنسبة إلى غيرها من الجنان ﴿فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلُ فَطَلٌ﴾ قال الضحاك: هو الرذاذ وهو: اللَّين من المطر(٦)، أي: هذه الجنة بهذه الربوة لا تمحل أبداً، لأنها إن لم يصبها وابل فطل، وأياً ما كان فهو كفايتها، وكذلك عمل المؤمن لا يبور أبداً، بل يتقبله الله ويكثره وينميه كل عامل بحسبه، ولهذا قال: ﴿وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرُ﴾ أي: لا يخفى عليه من أعمال عباده شيء. 2- ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُرْ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِيَّةٌ مُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَأَحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَُّونَ ﴾﴾. قال البخاري عند تفسير هذه الآية: حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام هو: ابن يوسف، عن ابن جريج، سمعت عبد الله بن أبي مليكة، يحدث عن ابن عباس، وسمعت أخاه أبا بكر بن أبي مليكة يحدث عن عبيد بن عمير، قال: قال عمر بن الخطاب يوماً لأصحاب النبي ◌َّ: فيمن ترون هذه الآية نزلت؟ ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ قالوا: الله أعلم. فغضب عمر، فقال: قولوا: نعلم أو لا نعلم، فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين، فقال عمر: يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك، فقال ابن عباس ﴿هًا: ضربت مثلاً بعمل، قال عمر: أي عمل؟ قال ابن عباس: لرجل غني يعمل بطاعة الله، ثم بعث الله له (١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق أبي موسى الأسدي عن الشعبي، ويشهد له قول قتادة وأبي صالح وابن زید کما یلیه. (٢) أخرجه الطبري بسند حسن عن قتادة بلفظ: ((ثقة من أنفسهم))، وأخرجه أيضاً بسند صحيح عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم بلفظ: ((يقينا من أنفسهم)) . (٣) قول مجاهد أخرجه وابن أبي حاتم بسنده صحيح من طريق عثمان بن الأسود عنه، وقول الحسن ذكره ابن أبي حاتم وأخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر. (٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن ابن عباس والضحاك بلفظ: ((ولا تجري فيه الأنهار)). (٥) ذكره الطبري في تفسيره وقراءة الضم والفتح متواترتان، وقراءة الكسر شاذة (الشواذ لابن خالويه ص٢٣)، وما ورد عن ابن عباس أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢٨٣/٢). (٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عنه. ٢٦٥ • سُوْرَةُ الََّمَّةِ (٢٦٧، ٢٦٩) 0000000000000000000000000000000800000000000000000000000000000000000000000000000000 الشيطان فعمل بالمعاصي، حتى أغرق أعماله(١). ثم رواه البخاري عن الحسن بن محمد الزعفراني، عن حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج ... فذكره، وهو من أفراد البخاري تَخُّْهُ، وفي هذا الحديث كفاية في تفسير هذه الآية، وتبيين ما فيها من المثل بعمل من أحسن العمل أولاً ثم بعد ذلك انعكس سيره فبدل الحسنات بالسيئات عياذاً بالله من ذلك، فأبطل بعمله الثاني ما أسلفه فيما تقدم من الصالح، واحتاج إلى شيء من الأول في أضيق الأحوال، فلم يحصل منه شيء وخانه أحوج ما كان إليه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَمُ ذُرِيَّةٌ ضُعَفَاءٍ فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ﴾ وهو الريح الشديد ﴿فِيهِ نَارٌ فَأَخْتَرَقَتْ﴾ أي: أحرق ثمارها وأباد أشجارها، فأي حال يكون حاله؟ وقد روى ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس، قال: ضرب الله مثلاً حسناً وكل أمثاله حسن، قال: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَمُ جَنَّهُ بِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَانٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ﴾ يقول: صنعه في شيبته ﴿وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ﴾ وولده وذريته ضعاف عند آخر عمره، فجاءه إعصار فيه نار فاحترق بستانه، فلم يكن عنده قوة أن يغرس مثله، ولم يكن عند نسله خير يعودون به عليه، وكذلك الكافر يكون يوم القيامة إذا ردّ إلى الله ربك، ليس له خير فيستعتب، كما ليس لهذا قوة فيغرس مثل بستانه، ولا يجده قدم لنفسه خيراً يعود عليه، كما لم يغن عن هذا ولده، وحرم أجره عند أفقر ما كان إليه، كما حرم هذا جنته عندما كان أفقر ما كان إليها عند كبره وضعف ذريته(٢). وهكذا روى الحاكم في مستدركه أن رسول الله وَليو كان يقول في دعائه: ((اللَّهم اجعل أوسع رزقك عليّ عند كبر سني وانقضاء عمري))(٣)، ولهذا قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: تعتبرون وتفهمون الأمثال والمعاني وتنزلونها على المراد منها. كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِيُّهَا لِلنَّاسِّ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَلِمُونَ ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِّ وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِفَاخِذِيهِ إِلَّ أَنْ تُغْمِضُواْ فِيَةٍ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَنِىُّ حَمِيدُ ( الشَّيْطَنُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاَللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًاْ وَاَللَّهُ وَسِعُ عَلِيرٌ ﴿ يُؤْتِى الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوِيَ خَيْرً كَثِيرَاً وَمَا يَذَّكَرُ إِلَّ أُوْلُواْ الْأَلْبُبِ يأمر تعالى عباده المؤمنين بالإنفاق والمراد به الصدقة ههنا، قاله ابن عباس: من طيبات ما رزقهم من الأموال التي اكتسبوها (٤). قال مجاهد: يعني التجارة(٥). بتيسيره إياها لهم. (١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، تفسير سورة البقرة، باب قوله: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ ... ﴾ [البقرة: ٢٦٦] ح ٤٥٣٨). (٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف. (٣) أخرجه الحاكم من طريق عيسى بن ميمون عن القاسم بن محمد عن عائشة مرفوعاً، المستدرك ١/ ٥٤٢، وحسنه الحاكم، وتعقبه الذهبي بأن عيسى متهم. (٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم، بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: ((تصدقوا من أطيب أموالكم وأنفسه)). (٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. ٢٦٦ • سُورَةُ الَقَة (٢٦٧، ٢٦٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال علي والسدي: ﴿مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ يعني: الذهب والفضة، ومن الثمار والزروع التي أنبتها لهم من الأرض (١)، قال ابن عباس: أمرهم بالإنفاق من أطيب المال وأجوده وأنفسه (٢)، ونهاهم عن التصدق برذالة المال ودنيئه وهو خبيثه، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، ولهذا قال: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾ أي: تقصدوا الخبيث ﴿مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِفَاخِذِيهِ﴾ أي: لو أعطيتموه ما أخذتموه، إلا أن تتغاضوا فيه، فالله أغنى عنه منكم، فلا تجعلوا لله ما تكرهون، وقيل: معناه ﴿وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ أي: لا تعدلوا عن المال الحلال وتقصدوا إلى الحرام فتجعلوا نفقتكم منه، ویذکر ههنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا إسحاق، عن الصباح بن محمد، عن مرة الهمداني، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله وَلاير: ((إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا لمن أحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، والذي نفسي بيده لا يسلم عبد، حتى يسلم قلبه ولسانه ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه)) قالوا: وما بوائقه يا نبي الله؟ قال: ((غشه وظلمه، ولا يكسب عبد مالاً من حرام فينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتصدق فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان إلى النار، إن الله لا يمحو السيء بالسيء، ولكن يمحو السيء بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث)»(٣). والصحيح القول الأول، قال ابن جرير تَّلهُ: حدثنا الحسين بن عمرو العنقزي، حدثني أبي، عن أسباط، عن السدي، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب رَظُه، في قول الله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ أَنفِقُواْ مِن طَيِبَتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِّنَ الْأَرْضِّ وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَيْثَ مِنْهُ تُنِفِقُونَ ... ﴾ الآية، قال: نزلت في الأنصار، كانت الأنصار إذا كانت أيام جذاذ النخل (٤) أخرجت من حيطانها البسر فعلقوه على حبل، بين الأسطوانتين في مسجد رسول الله وعلي، فيأكل فقراء المهاجرين منه، فيعمد الرجل منهم إلى الحشف (٥) فيدخله مع أقناء البسر(٦)، يظن أن ذلك جائز، فأنزل الله فيمن فعل ذلك ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾، ثم رواه ابن جرير وابن ماجه وابن مردويه، والحاكم في مستدركه من طريق السدي، عن عدي بن ثابت، عن البراء بنحوه، وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري ومسلم، ولم يخرجاه(٧) . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عن (١) قول علي بن أبي طالب أخرجه الطبري بسند ضعيف، فيه أبو بكر الهذلي وهو متروك (التقريب ص٦٢٥)، بلفظ: ((من الحب والثمر كل شيء عليه زكاة))، وقول السدي: أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه بلفظ: ((من الذهب والفضة)). (٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. (٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٨٧/١)، ورجاله ثقات إلا الصباح بن محمد: وهو ضعيف. (٤) جذاذ النخل: أي قطعه. (٥) الحشف: اليابس الفاسد من التمر، وقيل: الضعيف الذي لا نوى له (النهاية ٣٩١/١). (٦) البسر أوله طلع ثم خَلَال ثم بسر ثم رطب (مختار الصحاح ص٥١). (٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه ابن ماجه من طريق عمرو العنقزي به (السنن، الزكاة، باب النهي أن يخرج في الصدقة شر ماله ح ١٨٢٢)، وصححه البوصيري (مصباح الزجاجة ح ٦٥٥)، والألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح١٤٧٥)، وأخرجه الحاكم من طريق عمرو به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢٨٥/٢). ٢٦٧ • سُورَةُ الَقَةِ (٢٦٧، ٢٦٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وُه، ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِفَاخِذِيهِ إِلَّ أَنْ تُغْمِضُواْ فِيَةٍ﴾ أبي مالك، عن البراء قال: نزلت فينا، كنا أصحاب نخل فكان الرجل يأتي من نخله بقدر كثرته وقلته، فيأتي الرجل بالقنو فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصفة ليس لهم طعام فكان أحدهم إذا جاء فضربه بعصاه فسقط منه البسر والتمر، فيأكل، وكان أناس ممن لا يرغبون في الخير يأتي بالقنو(١) الحشف والشيص(٢)، فيأتي بالقنو قد انكسر فيعلقه، فنزلت: ﴿وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِعَاخِذِيهِ إِلَّ أَنْ تُغْمِضُواْ فِيهٍ﴾ قال: لو أن أحدكم أهدي له مثل ما أعطى ما أخذه إلا على إغماض وحياء، فكنا بعد ذلك يجيء الرجل منا بصالح ما عنده(٣). وكذا رواه الترمذي عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن عبيد الله هو ابن موسى العبسي، عن إسرائيل، عن السدي، وهو إسماعيل بن عبد الرحمن، عن أبي مالك الغفاري واسمه غزوان، عن البراء ... فذكر نحوه، ثم قال: وهذا حديث حسن غريب [صحيح](٤)(٥). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الوليد، حدثنا سليمان بن كثير، عن الزهري، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه، أن رسول الله وَّر، نهى عن لونين من التمر الجعرور(٦) ولون الحبيق(٧)، وكان الناس يتيممون شرار ثمارهم، ثم يخرجونها في الصدقة، فنزلت: ﴿وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾(٨). ورواه أبو داود من حديث سفيان بن حسين عن الزهري، ثم قال: أسنده أبو الوليد عن سليمان بن كثير، عن الزهري، ولفظه نهى رسول الله ومقر عن الجعرور ولون الحبيق أن يؤخذ في الصدقة(٩)، وقد روى النسائي هذا الحديث من طريق عبد الجليل بن حميد اليحصبي، عن الزهري، عن أبي أمامة، ولم يقل: عن أبيه، فذكر نحوه، وكذا رواه ابن وهب، عن عبد الجليل(١٠). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن معقل، في هذه الآية ﴿وَلَا تَيَعَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ قال: كسب المسلم لا يكون خبيثاً، ولكن لا يصدق بالحشف والدرهم الزيف وما لا خير فيه(١١). (١) القنو: العِذق بما فيه من الرطب (النهاية ١١٦/٤). (٢) الشيص: التمر الذي لا يشتد نواه ويقوى (النهاية ٥١٨/٢). (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن وسيأتي تخريجه. (٤) لفظ: ((صحيح)) أضيف من سنن الترمذي. (٥) السنن، تفسير سورة البقرة (ح ٢٩٨٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح٢٣٨٩). (٦) الجعرور: نوع من التمر صغار لا ينتفع به (لسان العرب ١٤١/٤). (٧) الحبيق: ضرب من الدقل رديء. وهو مصغر وهو نوع من التمر رديء (لسان العرب ٣٨/١٠). (٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وقد تُكلم في رواية سليمان بن كثير (تهذيب التهذيب ٣١٥/٤)، وقد تابعه سفيان بن حسين واليحصبي كما سيأتي. (٩) سنن أبي داود، الزكاة، باب ما لا يجوز من التمرة في الصدقة (ح ١٦٠٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح١٤١٨). (١٠) سنن النسائي، الزكاة، قوله : ﴿وَلَا تَيَعَّمُواْ الْخَيْثَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] ٤٣/٥، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (ح٢٣٣٦). (١١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن، وأخرجه الطبري من طريق جرير به. ٢٦٨ سُورَةُ الََّقَرّة (٢٦٧، ٢٦٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد، حدثنا حماد بن سلمة، عن حماد هو: ابن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: أتى رسول الله ◌َ ﴿ بضب، فلم يأكله ولم ينه عنه، قلت: يا رسول الله، نطعمه المساكين؟ قال: ((لا تطعموهم مما لا تأكلون))(١). ثم رواه عن عفان، عن حماد بن سلمة به، فقلت: يا رسول الله، ألا أطعمه المساكين؟ قال: ((لا تطعموهم مما لا تأكلون)). وقال الثوري: عن السدي، عن أبي مالك، عن البراء ﴿وَلَسْتُمْ بِفَاخِذِيهِ إِلَّ أَنْ تُغْمِضُواْ فِيَةٍ﴾ يقول: لو كان لرجل على رجل فأعطاه ذلك، لم يأخذه إلا أن يرى أنه قد نقصه من حقه، رواه .(٢) ابن جرير (٢). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَلَسْتُم بِفَاخِذِيهِ إِلَّ أَنْ تُغْمِضُواْ فِيَةٍ﴾ يقول: لو كان لكم على أحد حق فجاءكم بحق دون حقكم، لم تأخذوه بحساب الجيد حتى تنقصوه، قال: فذلك قوله: ﴿إِلَّ أَنْ تُقْمِضُواْ فِيهٍ﴾ فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم، وحقي عليكم من أطيب أموالكم وأنفسه؟ رواه ابن أبي حاتم، وابن جرير(٣)، وزاد: وهو قوله: ﴿لَن نَنَالُواْ الْبِرَّ حَقَّ تُنفِقُواْ مِنَا تُبُّونَ﴾(٤) [آل عمران: ٩٢]، ثم روي عن طريق العوفي وغيره، عن ابن عباس، نحو ذلك(٥) ، وكذا ذكر غير واحد. وقوله: ﴿وَأَعْلَمُوَاْ أَنَّ اللَّهَ غَنِىُّ حَمِيدٌ﴾ أي: وإن أمركم بالصدقات وبالطيب منها، فهو غني عنها، وما ذاك إلا أن يساوي الغني الفقير، كقوله: ﴿لَن يَنَالَ اَللَّهَ لُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالَّهُ النَّقْوَى مِنكُمْ﴾ [الحج: ٣٧] وهو غني عن جميع خلقه وجميع خلقه فقراء إليه، وهو واسع الفضل، لا ينفد ما لديه، فمن تصدق بصدقة من كسب طيب، فليعلم أن الله غني واسع العطاء، كريم جواد، ويجزيه بها، ويضاعفها له أضعافاً كثيرة، من يقرض غير عديم ولا ظلوم، وهو الحميد؛ أي المحمود في جميع أفعاله وأقواله وشرعه وقدره، لا إله إلا هو، ولا رب سواه. وقوله: ﴿الشَّيْطَنُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشََةِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَّغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا هناد بن السري، حدثنا أبو الأحوص، عن عطاء بن السائب، عن مُرَّة الهمداني، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله وَله: ((إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة، فأما لمة (٦) الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملَك فإيعاد بالخير والتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله، فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ من الشيطان)) ثم قرأ: ﴿الشَّيْطَنُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَآَةِ وَاَللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً ... ) الآية(٧) ، وهكذا رواه الترمذي والنسائي في كتابي التفسير من سننهما جميعاً، )﴾. (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، ورجاله ثقات إلا حماد بن أبي سليمان الأشعري وهو صدوق له أوهام كما في التقريب، والنصف الأول من الحديث له شواهد في الصحيحين، في صحيح البخاري، كتاب الصيد، باب الضب، وصحيح مسلم، الصيد، باب إباحة الضب. (٢) أخرجه الطبري من طريق سفيان به، وسنده حسن. (٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. (٥) أخرجه الطبري بعد رواية علي بن أبي طلحة. (٦) لمة الشيطان: همه وخطره في القلب (النهاية ٢٧٣/٤). (٤) هذه الزيادة وردت في الطبري. (٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، والرواية الآتية الموقوفة على ابن مسعود أصح. ٢٦٩ • سُوْرَةُ الََّمَّة (٢٦٧، ٢٦٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 عن هناد بن السري. وأخرجه ابن حبان في صحيحه، عن أبي يعلى الموصلي، عن هناد به، وقال الترمذي: حسن غريب، وهو حديث أبي الأحوص، يعني: سلام بن سليم، لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديثه(١)، كذا قال: وقد رواه أبو بكر بن مردويه في تفسيره، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن عبد الله بن رسته، عن هارون الفروي، عن أبي ضمرة، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن مسعود مرفوعاً نحوه ولكن رواه مسعر عن عطاء بن السائب، عن أبي الأحوص عوف بن مالك بن نضلة، عن ابن مسعود، فجعله من قوله، والله أعلم، ومعنى قوله تعالى: ﴿الشَّيْطَنُ يَعِدُكُمُ اٌلْفَقْرَ﴾ أي: يخوفكم الفقر لتمسكوا ما بأيديكم فلا تنفقوه في مرضاة الله. ﴿وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَةِ﴾ أي: مع نهيه إياكم عن الإنفاق خشية الإملاق، يأمركم بالمعاصي والمآثم والمحارم ومخالفة الخلاق، قال تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِنْهُ﴾ أي: في مقابلة ما أمركم الشيطان بالفحشاء. ﴿وَفَضْلًا﴾ أي: في مقابلة ما خوفكم الشيطان من الفقر ﴿وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾ . وقوله: ﴿يُؤْتِى الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءٍ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني المعرفة بالقرآن، ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه، وأمثاله(٢). وروى جويبر عن الضحاك، عن ابن عباس مرفوعاً ((الحكمة: القرآن)) يعني: تفسيره، قال ابن عباس: فإنه قد (٣) قرأه البَّر والفاجر، رواه ابن مردويه (٤). وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: يعني بالحكمة: الإصابة في القول (٥). وقال ليث بن أبي سُليم(٦)، عن مجاهد: ﴿يُؤْتِى الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءٍ﴾ ليست بالنبوة، ولكنه العلم والفقه والقرآن(٧). وقال أبو العالية: الحكمة خشية الله، فإن خشية الله رأس كل حكمة(٨) وقد روى ابن مردويه من طريق بقية عن عثمان ابن زفر الجهني، عن أبي عمار الأسدي، عن ابن مسعود مرفوعاً: ((رأس الحكمة مخافة الله))(٩). وقال أبو العالية في رواية عنه: الحكمة: الكتاب والفهم. وقال إبراهيم النخعي: الحكمة: الفهم(١٠). وقال أبو مالك: الحكمة السنة (١١). (١) سنن الترمذي، التفسير (ح٩٨٨)، وتفسير النسائي (ح٧١)، ومسند أبي يعلى ٤١٧/٨ (ح٤٩٩٩)، والإحسان ٢٧٨/٣ (ح٩٩٧)، وضعفه الألباني في ضعيف (ح ٥٧٢). (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده الثابت عن علي به. (٣) لفظ: ((قد)) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج (٤) في سنده جويبر: وهو ابن سعيد الأزدي متروك. (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق الثوري عن ابن أبي نجيح به. (٦) في الأصل: (ليث عن أبي سليم)) وهو تصحيف. (٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف ليث به. (٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عنه. (٩) في سنده بقية لم يصرح بالسماع، وعثمان بن زفر الجهني مجهول (التقريب ص ٣٨٣). (١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسند فيه أبو حمزة ميمون القصاب وهو ضعيف كما في التقريب. (١١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق السدي عنه. ٢٧٠ سُورَةُ الََّرَةِ (٢٧٠، ٢٧١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال ابن وهب، عن مالك، قال زيد بن أسلم: الحكمة العقل، قال مالك: وإنه ليقع في قلبي أن الحكمة هو الفقه في دين الله، وأمر يدخله الله في القلوب من رحمته وفضله، ومما يبين ذلك أنك تجد الرجل عاقلاً في أمر الدنيا إذا نظر فيها، وتجد آخر ضعيفاً في أمر دنياه، عالماً بأمر دينه بصيراً به، يؤتيه الله إياه ويحرمه هذا، فالحكمة: الفقه في دين الله(١). وقال السدي: الحكمة النبوة (٢) . والصحيح أن الحكمة كما قال الجمهور: لا تختص بالنبوة بل هي أعمُّ منها، وأعلاها النبوة، والرسالة أخصّ، ولكن لأتباع الأنبياء حظ من الخير على سبيل التبع، كما جاء في بعض الأحاديث: ((من حفظ القرآن فقد أدرجت النبوة بين كتفيه غير أنه لا يوحى إليه)) رواه وكيع بن الجراح في تفسيره، عن إسماعيل بن رافع، عن رجل لم يسمه، عن عبد الله بن عمرو (٣)، قوله. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع ويزيد، قالا: حدثنا إسماعيل - يعني: ابن أبي خالد - عن قيس ؟، يقول: ((لا حسد إلا في اثنين: وهو ابن أبي حازم، عن ابن مسعود، قال: سمعت رسول الله ﴾ رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها))(٤). وهكذا رواه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه من طرق متعددة عن إسماعيل أبي خالد به(٥) . وقوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ أي: وما ينتفع بالموعظة والتذكار إلا من له لبُّ وعقل، يعي به الخطاب ومعنى الكلام. ] ﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ, وَمَا لِظَّلِينَ مِنْ أَنصَارٍ (١٨) إِن تُبْدُوأ الصَّدَقَتِ فَنِعِمَا مِّ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوَهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمّْ وَيُكَفِرُ عَنكُم مِّن سَهْخَائِكُمْ وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (َ)﴾. يخبر تعالى بأنه عالم بجميع ما يفعله العاملون من الخيرات من النفقات والمنذورات، وتضمن ذلك مجازاته على ذلك أوفر الجزاء للعاملين لذلك ابتغاء وجهه ورجاء موعوده، وتوعد من لا يعمل بطاعته، بل خالف أمره، وكذب خبره، وعبد معه غيره، فقال: ﴿وَمَا لِلَّلِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ أي: يوم القيامة ينقذونهم من عذاب الله ونقمته. وقوله: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ فَنِعِمَا هِىِّ﴾ أي: إن أظهرتموها فنعم شيء هي. وقوله: ﴿وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوُهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمُّ﴾ فيه دلالة على أن إسرار الصدقة أفضل من إظهارها، لأنه أبعد عن الرياء إلا أن يترتب على الإظهار مصلحة راجحة من اقتداء الناس به، فيكون أفضل من هذه الحيثية، وقال رسول الله وَله: ((الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة والمسر (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أبي الطاهر أحمد بن عمرو عن ابن وهب به. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي. (٣) سنده ضعيف بسبب الرجل المبهم. (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٣٢/١)، وسنده صحيح. (٥) صحيح البخاري، العلم، باب الاغتباط في العلم والحكمة (ح٧٣)، وصحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه (ح٨١٦). ٢٧١ • سُورَةُ الْبَدَّة (٢٧١،٢٧٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 بالقرآن كالمسر بالصدقة)»(١)، والأصل أن الإسرار أفضل لهذه الآية، ولما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظلَّ إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يرجع إليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه))(٢). وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا العوام بن حوشب، عن سليمان بن أبي ، قال: ((لما خلق الله الأرض جعلت تميد، فخلق سليمان، عن أنس بن مالك، عن النبي الجبال فألقاها عليها، فاستقرت، فتعجبت الملائكة من خلق الجبال، فقالت: يا ربِّ هل في خلقك شيء أشد من الجبال؟ قال: نعم الحديد. قالت: يا ربِّ فهل من خلقك شيء أشد من الحديد؟ قال: نعم النار، قالت: يا ربِّ فهل من خلقك شيء أشد من النار؟ قال: نعم الماء. قالت: يا ربِّ فهل من خلقك شيء أشد من الماء؟ قال: نعم الريح؟ قالت: يا ربِّ فهل من خلقك شيء أشد من الريح؟ قال: نعم ابن آدم يتصدق بيمينه فيخفيها من شماله))(٣). وقد ذكرنا في فضل آية الكرسي عن أبي ذرّ، قال: قلت: يا رسول الله، [أي الصدقة أفضل](٤)؟ قال: ((سر إلى فقير أو جهد من مقلّ)) رواه أحمد(٥)، ورواه ابن أبي حاتم من طريق علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن أبي ذرّ ... فذكره وزاد: ثم نزع في هذه الآية ﴿ إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ فَنِعِمَّا مِّ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمّْ ... ) الآية (٦). وفي الحديث المروي: ((صدقة السر تطفئ غضب الربِّ ◌َ))(٧). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الحسين بن زياد المحاربي مؤدب محارب، أنا موسى بن عمير، عن عامر الشعبي في قوله: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ فَنِعِمَا هِىِّ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوُهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ قال: أنزلت في أبي بكر وعمر - رضي الله تعالى عنهما -، أما عمر فجاء بنصف ماله حتى دفعه إلى النبي وق له، فقال له النبي ◌َلجر: ((ما خلفت وراءك لأهلك يا عمر؟)) قال: خلفت لهم نصف مالي، وأما أبو بكر فجاء بماله كله يكاد أن يخفيه من نفسه، حتى دفعه إلى النبي وَّر، فقال له النبي وَله: ((ما خلفت وراءك لأهلك يا أبا بكر؟)) فقال: عدة الله (١) أخرجه الترمذي من حديث عقبة بن عامر مرفوعاً، قال: حسن غريب (السنن، فضائل القرآن ح٢٩١٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح٢٣٣١). (٢) صحيح البخاري، الآذان، باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة (ح ٦٦٠)، وصحيح مسلم، الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة (ح ١٠٣١). (٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٢٤/٣)، أخرجه الترمذي من طريق يزيد بن هارون به، ثم قال؛ هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه (السنن، التفسير ح٣٣٦٩). (٤) ما بين قوسين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج. (٥) المسند ١٧٨/٥، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٨٢). (٦) في سنده علي بن يزيد الألباني صاحب القاسم: وهو ضعيف (التقريب ص٤٠٦). (٧) أخرجه الطبراني من طريق علي بن يزيد به (المعجم الكبير ٢٦٩/٨)، وسنده كسابقه. ٢٧٢ سُورَةُ الَّقَةِ (٢٧٢، ٢٧٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وعدة رسوله، فبكى عمر به وقال: بأبي أنت وأُمي يا أبا بكر، والله ما استبقنا إلى باب خير قط إلا كنتَ سابقاً (١). وهذا الحديث روي من وجه آخر عن عمر به، وإنما أوردناه ههنا لقول الشعبي: إن الآية نزلت في ذلك، ثم إن الآية عامة في أن إخفاء الصدقة أفضل، سواء كانت مفروضة أو مندوبة، لكن روى ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسيره هذه الآية، قال: جعل الله صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها، فقال: بسبعين ضعفاً، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها، فقال: بخمسة وعشرين ضعفاً(٢). وقوله: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَبَِّانِكُمْ﴾ أي: بدل الصدقات ولا سيما إذا كانت سراً، يحصل لكم الخير في رفع الدرجات ويكفر عنكم السيئات وقد قرئ: ﴿وَيُگفِرُ عَنكُم﴾ بالضم، وقرئ: ويكفرْ بالجزم عطفاً على محل جواب الشرط وهو قوله: ﴿فَنِعِئًا مِّ﴾ كقوله: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ﴾ [المنافقون: ١٠]، ﴿وَأَكُنْ﴾. وقوله: ﴿وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: لا يخفى عليه من ذلك شيء وسيجزيكم عليه. - ﴿﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَكَةُ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلِأَشُسِكُمْ وَمَا تُنِفِقُونَ إِلَّا أَبْتِغَاءَ وَجْدِ اللَّهَّ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (َ لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحْصِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ لَا يَسْعَلُونَ النَّاسَ إِلْحَانَأْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ، عَلِيةُ ﴿ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَقْوَلَهُم ◌ِلَيْلِ وَالتَّهَارِ سِرًّا وَعَلَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا . خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ قال أبو عبد الرحمن النسائي: أنبأنا محمد بن عبد السلام بن عبد الرحيم، أنبأنا الفريابي، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كانوا يكرهون أن يرضخوا(٣) لأنسابهم من المشركين، فسألوا فرخص لهم، فنزلت هذه الآية لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَنهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَدَةُ وَمَا تُنِفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا أَبْتِغَاءَ وَجْدِ اللَّهَّ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٣)﴾(٤). وكذا رواه أبو حذيفة وابن المبارك وأبو أحمد الزبيدي وأبو داود الحفري(٥) عن سفيان، وهو الثوري به. وقال ابن أبي حاتم: أنبأنا أحمد بن القاسم بن عطية، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن - يعني: (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه موسى بن عمير القرشي، وهو متروك كما في التقريب، فالإسناد ضعيف جداً. (٢) أخرجه الطبري بسنده الثابت عنه بلفظه. (٣) رضخ له من ماله: أعطاه القليل منه. (٤) أخرجه النسائي بسنده ومتنه (السنن الكبرى، التفسير قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٢] ح٧٢)، وأخرجه الحاكم من طريق سفيان به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١٥٦/٤، ١٥٧). (٥) في الأصل: ((الحيري)) والتصويب من (عف) و(ح). ٢٧٣ • سُورَةُ الْبَقَةِ (٢٧٢، ٢٧٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 الدشتكي -، حدثني أبي، عن أبيه، حدثنا أشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي و 8 أنه كان يأمر بأن لا يتصدق إلا على أهل الإسلام، حتى نزلت هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ ... ) إلى آخرها، فأمر بالصدقة بعدها على كل من سألك من كل دين(١). وسيأتي عند قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَنَكُ اَللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَِلُوكُمْ فِ اَلِيْنِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَّرِكُمْ ... ﴾ الآية [الممتحنة: ٨]، حديث أسماء بنت الصديق في ذلك. وقوله: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ﴾ كقوله: ﴿مَّنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلِنَفْسِهِ،﴾ [فصلت: ٤٦] ونظائرها في القرآن كثيرة. وقوله: ﴿وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا أَبْتِغَاءَ وَجْدِ اللَّهُ﴾ قال الحسن البصري: نفقة المؤمن لنفسه ولا ينفق المؤمن إذا أنفق إلا ابتغاء وجه الله(٢). وقال عطاء الخراساني: يعني إذا عطيت لوجه الله فلا عليك ما كان عمله(٣). وهذا معنى حسن وحاصله أن المتصدق إذا تصدق ابتغاء وجه الله، فقد وقع أجره على الله، ولا عليه في نفس الأمر لمن أصاب برّ أو فاجر أو مستحق أو غيره، وهو مثاب على قصده، ومستند هذا تمام الآية ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ... ﴾ والحديث المخرج في الصحيحين من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ له: ((قال رجل: لأتصدقنّ الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبح الناس يتحدثون: تصدق على زانية، فقال: اللَّهم لك الحمد على زانية، لأتصدقنَّ الليلة بصدقة فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على غني، قال: اللَّهم لك الحمد على غني، لأتصدقنَّ الليلة بصدقة، فخرج فوضعها في يد سارق فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على سارق، فقال: اللَّهم لك الحمد على زانية وعلى غني وعلى سارق، فأتي فقيل له: أما صدقتك فقد قبلت، وأما الزانية فلعلها أن تستعفف بها عن زنا، ولعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله، ولعل السارق أن يستعفّ بها عن سرقته)) (٤). وقوله: ﴿لِلْغُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحْصِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني: المهاجرين الذين انقطعوا إلى الله وإلى رسوله وسكنوا المدينة، وليس لهم سبب يردون به على أنفسهم ما يغنيهم و﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الْأَرْضِ﴾ يعني: سفراً للتسبب في طلب المعاش والضرب في الأرض هو السفر. قال الله تعالى: [﴿وَإِذَا ضَرَُّمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ﴾ [النساء: ١٠١] وقال تعالى](٥): ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُ مَرَْىٌّ وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ الَّهِ وَءَاخَرُونَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ ... ) الآية [المزمل: ٢٠]. (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن، وأخرجه الضياء المقدسي من طريق أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي به (المختارة ١١٥/١٠ ح١١٣). (٢) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق موسى بن محلم عن أبي بكر الحنفي عن عباد بن منصور عن الحسن. وموسى لم أقف على ترجمة له. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي شيبة عن عطاء الخراساني. (٤) صحيح البخاري، الزكاة، باب إذا تصدق على غني وهو لا يعلم (ح١٤٢١) وصحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب ثبوت أجر المتصدق .. (ح ١٠٢٢). (٥) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم). ٢٧٤ • سُورَةُ الَقَةِ (٢٧٢، ٢٧٤) 0000000000000000000 000000000000000 000000000000000000000000000000000000000000000000 وقوله: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ أي: الجاهل بأمرهم وحالهم يحسبهم أغنياء من تعففهم في لباسهم وحالهم ومقالهم، وفي هذا المعنى الحديث المتفق على صحته عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: «ليس المسكين بهذا الطوّاف الذي ترده التمرة والتمرتان، واللّقمة واللّقمتان: [والأكلة والأكلتان](١)، ولكن المسكين الذي لا يجد غنّى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس شيئاً))(٢). رواه أحمد من حديث ابن مسعود أيضاً(٣). وقوله: ﴿تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ﴾ أي: بما يظهر لذوي الألباب من صفاتهم، كما قال تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم﴾ [الفتح: ٢٩]، وقال: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِىِ لَحْنِ اَلْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] وفي الحديث الذي في السنن: ((اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله)) ثم قرأ: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتِ لِلْمُتَوَسّمِينَ ﴾ [الحجر](٤). وقوله: ﴿لَا يَسْلُونَ النَّاسَ إِلْحَافَأْ﴾ أي: لا يلحون في المسألة ويكلفون الناس ما لا يحتاجون إليه، فإن سأل وله ما يغنيه عن المسألة، فقد ألحق في المسألة. قال البخاري: حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شَريك بن أبي نمر، أن عطاء بن يسار وعبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري، قالا: سمعنا أبا هريرة يقول: قال رسول الله وجو: ((ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، ولا اللّقمة واللّقمتان، إنما المسكين الذي يتعفف، اقرؤوا إن شئتم؛ يعني قوله: ﴿لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ إِلَحَافً﴾))(٥). وقد رواه مسلم من حديث إسماعيل بن جعفر المديني، عن شَريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار وحده، عن أبي هريرة به(٦)، وقال أبو عبد الرحمن النسائي: أخبرنا علي بن حجر، حدثنا إسماعيل، أخبرنا شَريك وهو ابن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة به، عن النبي ◌َّ- قال: ((ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، واللّقمة واللّقمتان، إنما المسكين المتعفف، اقرؤوا إن شئتم ﴿لَا يَسْلُونَ النَّاسَ إِلْحَافَأُ ... ) وروى البخاري من حديث شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، عن النبي وَلتر .. نحوه(٧). وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن أبي ذئب، عن أبي الوليد، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَ لقر قال: ((ليس المسكين بالطوَّاف عليكم فتطعمونه لقمة لقمة، إنما المسكين المتعفف الذي لا يسأل الناس إلحافاً))(٨). (١) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم). (٢) صحيح البخاري، التفسير، سورة البقرة، باب ﴿لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ إِلَحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] (ح٤٥٣٩)، وصحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب المسكين الذي لا يجد غنى (ح١٠٣٩). (٣) المسند ٣٨٤/١. (٤) أخرجه الترمذي من طريق عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً ثم قال: هذا حديث غريب، إنما نعرفه من هذا الوجه (السنن، تفسير القرآن، باب ومن سورة الحجر ح٣١٢٧)، وفي سنده عطية العوفي وهو ضعيف. (٥) تقدم تخريجه في الحديث قبل السابق. (٧) صحيح البخاري، الزكاة (ح ١٤٧٦). (٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح. (٦) تقدم في الحديث قبل السابق. ٢٧٥ سُورَةُ الْبَقَة (٢٧٢، ٢٧٤) وقال ابن جرير: حدثني معتمر عن [أيمن بن نابل](١)، عن صالح بن سويد، عن أبي هريرة، قال: ليس المسكين بالطوَّاف الذي ترده الأكلة والأكلتان، ولكن المسكين المتعفف في بيته لا يسأل الناس شيئاً تصيبه الحاجة، اقرؤوا إن شئتم ﴿لَا يَسْعَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافَأْ﴾. وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا أبو بكر الحنفي، حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن رجل من مُزينة أنه قالت له أُمه: ألا تنطلق فتسأل رسول الله وسل﴿ كما يسأله الناس؟ فانطلقت أسأله فوجدته قائماً يخطب، وهو يقول: ((ومن استعفَّ أعفَّه الله، ومن استغنى أغناه الله، ومن يسأل الناس وله عدل خمس أواق، فقد سأل الناس إلحافاً))(٢)، فقلت بيني وبين نفسي لناقة: لهي خير من خمس أواق، ولغلامه ناقة أخرى فهي خير من خمس أواق، فرجعت ولم أسأل(٣). وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الرجال، عن عمارة بن غزية(٤)، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، قال: سرحتني أُمي إلى رسول الله وَّرَ أسأله، فأتيته فقعدت، قال: فاستقبلني فقال: ((من استغنى أغناه الله، ومن استعفَّ أعفَّه الله، ومن استكف كفاه الله، ومن سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف))، قال: فقلت: ناقتي الياقوتة خير من أوقية، فرجعت فلم أسأله(٥). وهكذا رواه أبو داود والنسائي كلاهما عن قتيبة، زاد أبو داود وهشام بن عمار كلاهما، عن عبد الرحمن بن أبي الرجال بإسناده .. نحوه(٦). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الجماهر، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الرجال، عن عمارة بن غزية، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، قال: قال أبو سعيد الخدري، قال رسول الله وَله : ((من سأل وله قيمة أوقية فهو مُلِحف)). والأوقية: أربعون درهماً (٧). وقال أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن رجل من بني أسد، قال: قال رسول الله وَجه: ((ومن سأل أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافاً))(٨). وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن حكيم بن جبير، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله وَله: ((من سأل وله ما يغنيه، جاءت مسألته يوم القيامة خدوشاً أو كدوحاً في وجهه)) قالوا: يا رسول الله وما غناه؟ (١) في الأصل: ((الحسن بن ماتك)) والتصويب من (عف) و(ح) و(م) والتخريج. (٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأصله في الصحيحين كما تقدم. (٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٣٨/٤)، ورجاله ثقات إلا عبد الحميد بن جعفر: صدوق ربما وهم، وجهالة رجل من مزينة لا تضر لأنه صحابي، وله شاهد رواه أبو داود من حديث أبي سعيد الخدري (السنن، الزكاة، باب من يعطي من الصدقة وحد الغنى ح ١٦٢٨). (٤) في الأصل: ((عرفه)) وهو تصحيف والتصويب من (عف) و(ح) و(م) والتخريج. (٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٩/٣) وسنده حسن. (٦) سنن أبي داود، الزكاة، باب مَنْ يُعطي من الصدقة؟ (ح١٦٢٧)، وسنن النسائي، الزكاة، باب مَنْ المُلحِف؟ ٩٨/٥، وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن النسائي ح ٢٤٣٢) وحسنه الأرناؤوط في جامع الأصول ١٥٣/١٠. (٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن. (٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٦/٤)، وسنده صحيح. ٢٧٦ • سُوَّرَّةُ الَقَةِ (٢٧٢، ٢٧٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 قال: ((خمسون درهماً أو حسابها من الذهب))(١). وقد رواه أهل السنن الأربعة من حديث حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وقد تركه شعبة بن الحجاج، وضعفه غير واحد من الأئمة من جراء (٢) هذا الحديث. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا أبو حصين(٣) عبد الله بن أحمد بن يونس، حدثني أبي، حدثنا أبو بكر بن عياش عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، قال: بلغ الحارث رجلاً كان بالشام من قريش، أن أبا ذرِّ كان به عَوَز فبعث إليه ثلاثمائة دينار، فقال: ما وجد عبداً لله أهون عليه مني، سمعت رسول الله وَّيقول يقول: ((من سأل وله أربعون فقد ألحف)) ولآل أبي ذرِّ أربعون درهماً وأربعون شاة وماهنان، قال أبو بكر بن عياش: يعني: خادمين (٤). وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، أخبرنا إبراهيم بن محمد، أنبأنا عبد الجبار، أخبرنا سفيان، عن داود بن شابور، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ◌َّ، قال: ((من سأل وله أربعون درهماً فهو مُلِحف وهو مثل سفّ الملة)) يعني: الرمل، ورواه النسائي عن أحمد بن سليمان، عن أحمد بن آدم، عن سفيان وهو: ابن عيينة بإسناده نحوه(٥) . قوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَ اللَّهَ بِهِ، عَلِيمٌ﴾ أي: لا يخفى عليه شيء منه وسيجزي عليه أوفر الجزاء وأتمه يوم القيامة أحوج ما يكون إليه. وقوله: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُم بِلَيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (69)﴾ هذا مدح منه تعالى للمنفقين في سبيله وابتغاء مرضاته في جميع الأوقات من ليل ونهار، والأحول من سر وجهر، حتى أن النفقة على الأهل تدخل في ذلك أيضاً، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله وَلي قال لسعد بن أبي وقاص حين عاده مريضاً عام الفتح، وفي رواية: عام حجة الوداع: ((وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت بها درجة ورفعة حتى ما تجعل في فيّ امرأتك)) (٦). وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر وبهز، قال: حدثنا شعبة، عن عدي بن ثابت، (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٨٨/١)، وحكم عليه الحافظ ابن كثير بالضعف، وقد أخرجه الترمذي وحسنه (السنن، الزكاة، باب ما جاء من تحل له الزكاة ح ٦٥٠)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير ٢٩٨/٥، والأرناؤوط في جامع الأصول ١٥١/١٠. (٢) في الأصل: ((جرى)) وهو تصحيف. (٣) في الأصل: ((أبو حصن)) والتصويب من (عف) و(ح) والتخريج. (٤) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٢/ ١٥٠)، وفي سنده أبو بكر بن عياش الكوفي: وهو ثقة إلا إنه لما كبر ساء حفظه (التقريب ص٦٢٤). (٥) سنن النسائي، الزكاة، باب الإلحاف في المسألة ٩٧/٥، وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن النسائي ح ٢٤٣١). (٦) صحيح البخاري، الإيمان (ح٥٦)، وصحيح مسلم، الوصية (ح ١٦٢٨). ٢٧٧ سُورَةُ الشََّقَة (٢٧٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 قال: سمعت عبد الله بن يزيد الأنصاري يحدث عن أبي مسعود ظه، عن النبي وَّر، أنه قال: ((إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة يحتسبها كانت له صدقة))(١). أخرجاه من حديث شعبة به (٢)، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن، حدثنا محمد بن شعيب، قال: سمعت سعيد بن سنان، عن يزيد بن عبد الله بن عريب المليكي، عن أبيه، عن جده، عن النبي ◌َّ﴿، قال: نزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُم بِلَيْلِ وَالنَّهَارِ سِنَّا وَعَلَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَيِّهِمْ﴾ في أصحاب الخيل(٣) . وقال حنش الصنعاني، عن ابن عباس في هذه الآية، قال: هم الذين يعلفون الخيل في سبيل الله، رواه ابن أبي حاتم ثم قال: وكذا روى عن أبي أمامة وسعيد بن المسيب ومكحول(٤). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، أخبرنا يحيى بن يمان، عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن ابن جُبير، عن أبيه، قال: كان لعلي أربعة دراهم، فأنفق درهماً ليلاً ودرهماً نهاراً ودرهماً سراً ودرهماً علانية، فنزلت: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُم بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَنِيَةً﴾(٥)، وكذا رواه ابن جرير من طريق عبد الوهاب بن مجاهد(٦)، وهو ضعيف، ولكن رواه ابن مردويه من وجه آخر عن ابن عباس، أنها نزلت في علي بن أبي طالب(٧). وقوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ أي: يوم القيامة على ما فعلوا من الإنفاق في الطاعات ﴿وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُنَ﴾ تقدم تفسيره. 6 ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الْرِبَوْ لَا يَقُومُونَ إِلَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسَِّّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَوْ وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَزَّمَ الرِّيَوْ فَمَنْ جَهُ مَوْعِظَةٌ مِنِ زَيِّهِ، فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِّدُونَ (َ)﴾. لما ذكر تعالى الأبرار المؤدين النفقات، المخرجين الزكوات، المتفضلين بالبر والصدقات لذوي الحاجات والقرابات في جميع الأحوال والأوقات، شرع في ذكر أكلة الربا وأموال الناس بالباطل وأنواع الشبهات، فأخبر عنهم يوم خروجهم من قبورهم وقيامهم منها، إلى بعثهم ونشورهم، فقال: ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَوْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسَِّّ﴾ (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٢٢/٤)، وسنده صحيح. (٢) صحيح البخاري، الإيمان، باب إنما الأعمال بالنيات (ح٥٥) وصحيح مسلم، الزكاة، باب فضل النفقة (ح ١٠٠٢). (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده سعيد بن سنان وهو متروك كما في التقريب ورماه الدار قطني وغيره بالوضع (تهذيب التهذيب ٤٦/٤). (٤) أخرجه ابن أبي حاتم سنده ومتنه وتعليقه، وسنده حسن. (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف. (٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف. (٧) أخرجه الطبراني من طريق عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس به (المعجم الكبير ١١/ ٩٧ ح١١١٦٤)، وفي سنده عبد الوهاب بن مجاهد وهو ضعيف وهو كسابقه. ٢٧٨ سُورَةُ الَقَة (٢٧٥) أي: لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صرعه، وتخبط الشيطان له، وذلك أنه يقوم قياماً منكراً . وقال ابن عباس: آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنوناً يخنق، رواه ابن أبي حاتم(١)، قال: وروي عن عوف بن مالك وسعيد بن جبير والسدي والربيع بن أنس وقتادة ومقاتل بن حيان نحو ذلك(٢)، وحكي عن عبد الله بن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة ومقاتل بن حيان أنهم قالوا، في قوله: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَوْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُ الشَّيْطَانُ مِنَ اُلْمَسَِّّ﴾ : يعني لا يقومون يوم القيامة(٣). وكذا قال ابن أبي نجيح عن مجاهد والضحاك وابن زيد (٤). وروى ابن أبي حاتم من حديث أبي بكر بن أبي مريم، عن ضمرة بن حبيب، عن ابن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، أنه كان يقرأ: (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس يوم القيامة)(٥). وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا ربيعة بن كلثوم، حدثنا أبي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب، وقرأ: ﴿اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَوْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسَِّّ﴾ وذلك حين يقوم من قبره(٦) . وفي حديث أبي سعيد في الإسراء، كما هو مذكور في سروة سبحان، أنه ظلكل مر ليلتئذ بقوم لهم أجواف مثل البيوت، فسأل عنهم، فقيل: هؤلاء أكلة الربا. رواه البيهقي مطولاً (٧). وقال ابن ماجه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا الحسن بن موسى، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي الصلت، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((أتيت ليلة أسري بي على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات تجري من خارج بطونهم فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا))(٨). ورواه الإمام أحمد، عن حسن وعفان وكلاهما عن حماد بن سلمة به(٩)، وفي إسناده ضعف. وقد روى البخاري، عن سمرة بن جندب في حديث المنام الطويل: فأتينا على نهر، حسبت (١) أخرجه بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس. (٢) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه. (٣) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند إلا قول سعيد بن جبير أخرجه بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عنه . (٤) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح، وقول عبد الرحمن بن زيد، أخرجه الطبري بسند صحيح، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف. (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه أبو بكر بن أبي مريم وهو ضعيف كما في التقريب. (٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه ربيعة بن كلثوم: وهو صدوق يهم، وأبوه كلثوم وهو ابن جبر، وهو مقبول كما في التقريب. (٧) سيأتي في تفسير أول آية من سورة الإسراء. (٨) سنن ابن ماجه، التجارات، باب التغليظ في الربا (ح٢٢٧٣)، وفي سنده علي بن زيد بن جدعان: وهو ضعيف. (٩) المسند ٣٥٣/٢، وسنده ضعيف كسابقه. ٢٧٩ سُورَةُ الَقَة (٢٧٥) أنه كان يقول: أحمر مثل الدم، وإذا في النهر رجل سابح يسبح، وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح، ثم يأتي الذي قد جمع الحجارة عنده، فيفغر له فاه فيلقمه حجراً، وذكر في تفسيره أنه آكل الربا (١) . وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الْرَّوَأْ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَّمَ الْرِيَوْ﴾ أي: إنما جوزوا بذلك لاعتراضهم على أحكام الله في شرعه، وليس هذا قياساً منهم للربا غلى البيع، لأن المشركين لا يعترفون بمشروعية أصل البيع الذي شرعه الله في القرآن ولو كان هذا من باب القياس لقالوا: إنما الربا مثل البيع، وإنما قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الْرِبَواْ﴾ أي: هو نظيره، فلم حُرِّم هذا وأبيح هذا؟ وهذا اعتراض منهم على الشرع، أي: هذا مثل هذا، وقد أحلَّ هذا وحرم هذا، وقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَزَّمَ اُلرِّبَواْ﴾ يحتمل أن يكون من تمام كلام الله(٢) ردّاً عليهم، أي: على ما قالوه من الاعتراض، مع علمهم بتفريق الله بين هذا وهذا حكماً، وهو العليم الحكيم الذي لا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وهو العالم بحقائق الأمور ومصالحها وما ينفع عباده فيبيحه لهم، وما يضرهم ينهاهم عنه، وهو أرحم بهم من الوالدة بولدها الطفل، ولهذا قال: ﴿فَمَن ◌َُّ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ، فَأَنْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اَللَّهِ﴾ أي: من بلغه نهي الله عن الربا فانتهى حال وصول الشرع إليه، فله ما سلف من المعاملة، لقوله: ((عفا الله عما سلف)) وكما قال النبي وَ له يوم فتح مكة: ((وكل ربا في الجاهلية موضوع تحت قدميّ هاتين، وأول ربا أضع ربا العباس)» (٣)، ولم يأمرهم بردّ الزيادات المأخوذة في حال الجاهلية بل عفا عما سلف، كما قال تعالى: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ﴾. قال سعيد بن جبير والسدي: فله ما سلف ما كان أكل من الربا قبل التحريم(٤). وقال ابن أبي حاتم: قُرئ على محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أخبرنا ابن وهب، أخبرني جرير بن حازم، عن أبي إسحاق الهمداني، عن أُم يونس - يعني امرأته العالية بنت أيفع -، أن عائشة زوج النبي و ﴿ قالت لها أُم محبة أُم ولد لزيد بن أرقم: يا أُم المؤمنين أتعرفين زيد بن أرقم؟ قالت: نعم، قالت: فإني بعته عبداً إلى العطاء بثمانمائة، فأحتاج إلى ثمنه، فاشتريته قبل محل الأجل بستمائة، فقالت: بئس ما شريت وبئس ما اشتريت، أبلغي زيداً أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله و *، إن لم يتب، قال: فقلت: أرأيت إن تركت المائتين وأخذت الستمائة؟ قالت: نعم ﴿فَمَنْ (٥) جَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّهِ، فَأَنْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾(٦)، وهذا الأثر مشهور وهو دليل لمن حرَّم مسألة العينة، مع ما جاء فيها من الأحاديث المذكورة المقررة في كتاب الأحكام، ولله الحمد والمنة. (١) صحيح البخاري، التعبير، باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح (ح ٧٠٤٧). (٢) سقط لفظ: ((الجلالة))، واستدرك من (عف) و(ح) و(م). (٣) أخرجه مسلم في صحيحه من حديث جابر الطويل كتاب الحج، باب حجة النبي وٍَّ (ح١٢١٨). (٤) قول سعيد بن جبير أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عنه، وقول السدي أخرجه الطبري من طريق أسباط عن السدي بسند حسن. (٥) في الأصل: ((من)) والتصويب من التخريج. (٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وقال عنه الحافظ ابن كثير: مشهور. ٢٨٠ • سُوْرَةُ الْبََّقَةُ (٢٧٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ أي: إلى الربا ففعله بعد بلوغه نهي الله عنه، فقد استوجب العقوبة، وقامت عليه الحجّة، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ عَدَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾ وقد قال أبو داود: حدثنا يحيى أبو داود، حدثنا يحيى بن معين، أخبرنا عبد الله بن رجاء المكي، عن عبد الله بن عثمان خثيم، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: لما نزلت ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَوْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسَِّّ﴾ قال رسول الله وَّ: ((من لم يذر المخابرة فليؤذن بحرب من الله ورسوله))(١). ورواه الحاكم في مستدركه من حديث ابن خثيم، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه (٢). وإنما حرمت المخابرة وهي المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض والمزابنة: وهي اشتراء الرطب في رؤوس النخل وبالتمر على وجه الأرض، والمحاقلة وهي اشتراء الحبّ في سنبله في الحقل بالحبّ على وجه الأرض، إنما حُرِّمت هذه الأشياء وما شاكلها [حسماً لمادة الربا](٣)، لأنه لا يعلم التساوي بين الشيئين قبل الجفاف، ولهذا قال الفقهاء: الجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة، ومن هذا حرموا أشياء بما فهموا من تضييق المسالك المفضية إلى الربا والوسائل الموصلة إليه، وتفاوت نظرهم بحسب ما وهب الله لكل منهم من العلم، وقد قال تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِ ذِى عِلْيٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] وباب الربا من أشكل الأبواب على كثير من أهل العلم، وقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضائه : ثلاث وددت أن رسول الله ﴿ عهد إلينا فيهن عهداً ننتهي إليه: الجد، والكلالة، وأبواب من أبواب - يعني بذلك بعض المسائل التي فيها شائبة الربا - والشريعة شاهدة بأن كل حرام فالوسيلة إليه الربا(٤) مثله، لأن ما أفضى إلى الحرام حرام، كما أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وقد ثبت في الصحيحين عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله وَله يقول: ((إن الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبين ذلك أمور مشتبهات، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه))(٥). وفي السنن عن الحسن بن علي ﴿ًا قال: سمعت رسول الله وَلل يقول: (دعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك)) (٦) وفي الحديث الآخر: ((الإثم ما حاك في القلب وتردَّدت فيه النفس، وكرهت أن يطلع عليه الناس)) وفي رواية: (استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك))(٧). (١) سنن أبي داود، البيوع، باب في المخابرة (ح٣٤٠٦)، وقد عرّف الحافظ ابن كثير: المخابرة. ولم يذكره الألباني في صحيح سنن أبي داود. (٢) المستدرك ٢٨٥/٢ - ٢٨٦، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. (٣) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(م). (٤) متفق عليه أخرجه البخاري في صحيحه، الأشربة، باب ما جاء في أن الخمر من خامر العقل من الشراب (ح٥٥٨٨)، ومسلم في صحيحه، التفسير (ح ٣٠٣٢). (٥) صحيح البخاري، الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه (ح٥٢)، وصحيح مسلم، كتاب المساقاة (ح ١٥٩٩). (٦) أخرجه الترمذي، السنن، صفة القيامة (ح٢٦٥٠)، وصححه أحمد شاكر، والألباني في صحيح سنن الترمذي (ح٢٠٤٥). (٧) أخرج الإمام أحمد بسند ضعيف من حديث وابصة بن معبد الأسدي: البر ما انشرح له صدرك، والإثم ما =