النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
سُورَةُ البَفقرة (٢٣٨، ٢٣٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وفي صحته أيضاً نظر، والعجب أن هذا القول اختاره الشيخ أبو عمرو بن عبد البر النمري إمام ما وراء
البحر، وإنها لإحدى الكُبَر إذا اختار مع اطلاعه وحفظه ما لم يقم عليه دليل من كتاب ولا سنة ولا
أثر. وقيل: إنها صلاة العشاء وصلاة الفجر. وقيل: بل هي صلاة الجماعة. وقيل: صلاة الجمعة.
وقيل صلاة الخوف. وقيل: بل صلاة عيد الفطر. وقيل: بل صلاة الأضحى، وقيل: الوتر. وقيل:
الضحى. وتوقف (١) فيها آخرون لما تعارضت عندهم الأدلة، ولم يظهر لهم وجه الترجيح، ولم يقع
الإجماع على قول واحد، بل لم يزل النزاع (٢) فيها موجوداً من زمان الصحابة وإلى الآن.
قال ابن جرير: حدثني محمد بن بشار وابن المثنی، قالا : حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا
شعبة، قال: سمعت قتادة يحدث عن سعيد بن المسيب، قال: كان أصحاب رسول الله وَله
مختلفين في الصلاة الوسطى هكذا وشبك بين أصابعه(٣) .
وكل هذه الأقوال فيها ضعف بالنسبة إلى التي قبلها، وإنما المدار ومعترك النزاع في الصبح
والعصر، وقد ثبت السنة بأنها العصر فتعيَّن المصير إليها. وقد روى الإمام أبو محمد
عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي - رحمهما الله - في كتاب الشافعي تَّتُهُ، حدثنا أبي سمعت
حرملة بن يحيى التجيي يقول: قال الشافعي: كل ما قلت فكان عن النبي ◌َّر بخلاف قولي مما
يصح، فحديث النبي ◌َ ﴿ أولى ولا تقلدوني، وكذا روى الربيع والزعفراني وأحمد بن حنبل عن
الشافعي، وقال موسى أبو الوليد بن أبي الجارود عن الشافعي: إذا صحَّ الحديث وقلت قولاً، فأنا
راجع عن قولي وقائل بذلك، فهذا من سيادته وأمانته، وهذا نفس إخوانه من الأئمة - رحمهم الله
ورضي الله عنهم أجمعين - آمين، ومن هاهنا قطع القاضي الماوردي بأن مذهب الإمام الشافعي أن
صلاة الوسطى هي صلاة العصر، وإن كان قد نصَّ في الجديد وغيره أنها الصبح لصحة الأحاديث
أنها العصر، وقد وافقه على هذه الطريقة جماعة من محدثي المذهب، ولله الحمد والمنة.
ومن الفقهاء في المذهب من ينكر أن تكون هي العصر مذهب الشافعي، وصمموا على أنها
الصبح قولاً واحداً، قال الماوردي: ومنهم من حكى في المسألة قولين ولتقرير المعارضات
والجوابات موضع آخر غير هذا وقد أفردناه على حدة، ولله الحمد الحمد والمنة.
وقوله تعالى: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ أي: خاشعين ذليلين مستكينين بين يديه، وهذا الأمر مستلزم
ترك الكلام في الصلاة لمنافاته إياها، ولهذا لما امتنع النبي ◌ّر من الرد على ابن مسعود حين
سلّم عليه وهو في الصلاة، اعتذر إليه بذلك وقال: ((إن في الصلاة لشغلاً))(٤). وفي صحيح مسلم
أنه وسلم قال لمعاوية بن الحكم السلمي حين تكلم في الصلاة: ((إن هذه الصلاة لا يصلح فيها
شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وذكر الله))(٥).
= صدوق له أوهام ورمي بالتشيع (التقريب ص ٥٧٢).
(١) في الأصل: ((ويتوقف)).
(٢) في الأصل: ((التنازع)).
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٤) متفق عليه أخرجه البخاري، الصحيح، العمل في الصلاة، باب ما ينهى من الكلام في الصلاة (ح١١٩٩)،
وصحيح مسلم، المساجد، باب تحريم الكلام في الصلاة (ح ٥٣٨).
(٥) صحيح مسلم، الموضع السابق (ح ٥٣٧).

٢٢٢
• سُوَدَّةُ الْبَقَةُ (٢٣٨، ٢٣٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا يحيى بن سعيد، عن إسماعيل، حدثني الحارث بن شبيل،
عن أبي عمرو الشيباني، عن زيد بن أرقم، قال: كان الرجل يكلم صاحبه في عهد النبي وَلّ في
الحاجة في الصلاة، حتى نزلت هذه الآية ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَلِتِينَ﴾ فأمرنا بالسكوت(١)، رواه الجماعة
سوى ابن ماجه من طرق عن إسماعيل به، وقد أشكل هذا الحديث على جماعة من العلماء حيث
ثبت عندهم أن تحريم الكلام في الصلاة كان بمكة قبل الهجرة إلى المدينة وبعد الهجرة إلى
أرض الحبشة، كما دلَّ على ذلك حديث ابن مسعود الذي في الصحيح، قال: كنا نسلم على
النبي ◌َ﴿ قبل أن نهاجر إلى الحبشة وهو في الصلاة فيردّ علينا، قال: فلما قدمنا سلمت عليه فلم
يردّ عليَّ، فأخذني ما قرب وما بعد، فلما سلَّم قال: ((إني لم أرد عليك إلا أني كنت في
الصلاة، وإن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة))(٢)، وقد
كان ابن مسعود ممن أسلم قديماً وهاجر إلى الحبشة، ثم قدم منها إلى مكة مع من قدم فهاجر
إلى المدينة، وهذه الآية ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَلِتِينَ﴾ مدنية بلا خلاف، فقال قائلون: إنما أراد زيد بن
أرقم بقوله: كان الرجل يكلم أخاه في حاجته في الصلاة، الإخبار عن جنس الناس، واستدل
على تحريم ذلك بهذه الآية بحسب ما فهمه (٣) منها، والله أعلم.
وقال آخرون: إنما أراد أن ذلك قد وقع بالمدينة بعد الهجرة إليها، ويكون ذلك قد أبيح مرتين
وحرم مرتين، كما اختار ذلك قوم من أصحابنا وغيرهم، والأول أظهر، والله أعلم.
وقال الحافظ أبو يعلى: أخبرنا بشر بن الوليد، أخبرنا إسحاق بن يحيى، عن المسيب، عن
ابن مسعود، قال: كنا يسلم بعضنا على بعض في الصلاة، فمررت برسول الله صل فسلمت عليه،
فلم يرد علي، فوقع في نفسي أنه نزل في شيء فلما قضى النبي ◌َّ صلاته قال: ((وعليك السلام
أيها المسلم ورحمة الله، إن الله رَّك يحدث من أمره ما يشاء، إذا كنتم في الصلاة فاقنتوا ولا
تكلموا)»(٤) .
وقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَجَالًا أَوْ رُكْبَانًاً فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم ◌َا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ
(1)﴾، لما أمر تعالى عباده بالمحافظة على الصلوات والقيام بحدودها، وشدد الأمر بتأكيدها
ذكر الحال الذي يشتغل الشخص فيها عن أدائها على الوجه الأكمل، وهي حال القتال والتحام
الحرب، فقال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ أي: فصلوا على أي حال كان رجالاً أو ركباناً؛
يعني مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، كما قال مالك عن نافع: أن ابن عمر كان إذا سئل عن
صلاة الخوف وصفها، ثم قال: فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالاً على أقدامهم، أو
ركباناً مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها، قال نافع: لا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٦٨/٤) وهو متفق عليه، أخرجه البخاري في صحيحه، العمل
في الصلاة، باب ما ينهى عن الكلام في الصلاة (ح ١٢٠٠)، وصحيح مسلم، المساجد، باب تحريم الكلام
في الصلاة (ح ٥٣٩).
(٢) أخرجه البخاري بنحوه (الصحيح، العمل في الصلاة، باب لا يرد السلام في الصلاة ح ١٢١٧).
(٣) في الأصل: ((ما فهم)).
(٤) يشهد له الحديث المتفق عليه المتقدم عن ابن مسعود.

٢٢٣
سُورَةُ الََّرة (٢٣٨، ٢٣٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
النبي ◌ِّ﴾(١)، ورواه البخاري وهذا لفظ مسلم(٢)، ورواه البخاري من وجه آخر عن ابن جريج،
عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمرو، عن النبي وَلّ نحوه أو قريباً منه، ولمسلم أيضاً
عن ابن عمر، قال: فإن كان خوف أشد من ذلك، فصل(٣) راكباً أو قائماً تومى إيماءً(٤)، وفي
حديث عبد الله بن أنيس الجهني لما بعثه النبي وَّه إلى خالد بن سفيان الهذلي ليقتله، وكان نحو
عرفة أو عرفات، فلما واجهه حانت صلاة العصر، قال: فخشيت أن تفوتني فجعلت أصلي وأنا
أومئ إيماءً. الحديثِ بطوله رواه أحمد وأبو داود(٥) بإسناد جيد، وهذا من رخص الله التي
رخص لعباده ووضعه الأصار والأغلال عنهم، وقد روى ابن أبي حاتم من طريق شبيب بن بشر،
عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: في هذه الآية يصلي الراكب على دابته والراجل على رجليه،
قال: وروي عن الحسن ومجاهد ومكحول والسدي والحكم ومالك والأوزاعي والثوري
والحسن بن صالح، نحو ذلك وزاد: ويومئ برأسه أينما توجه، ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا
غسان، حدثنا فؤاد - يعني ابن علية(٦) - عن مطرف، عن عطية، عن جابر بن عبد الله، قال: إذا
كانت المسايفة فليومئ برأسه حيث كان وجهه، فذلك قوله: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾، وروي عن
الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير وعطاء وعطية والحكم وحماد وقتادة نحو ذلك(٧)، وقد ذهب
الإمام أحمد فيما نص عليه إلى أن صلاة الخوف تفعل في بعض الأحيان ركعة واحدة إذا تلاحم
الجيشان، وعلى ذلك ينزل الحديث الذي رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن جرير
من حديث أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري - زاد مسلم والنسائي وأيوب بن عائذ -
كلاهما عن بكير بن الأخنس الكوفي، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: فرض الله الصلاة على
لسان نبيكم * في الحضر أربعاً، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة (٨)، وبه قال: الحسن
البصري وقتادة والضحاك وغيرهم.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن مهدي عن شعبة، قال: سألت الحكم وحماداً
وقتادة عن صلاة المسايفة، فقالوا: ركعة(٩)، وهكذا روى الثوري عنهم سواء.
وقال ابن جرير أيضاً: حدثني سعيد بن عمرو السكوني، حدثنا بقية بن الوليد، حدثنا المسعودي،
حدثنا يزيد الفقير، عن جابر بن عبد الله، قال: صلاة الخوف ركعة(١٠). واختار هذا القول ابن جرير.
(١) أخرجه الإمام مالك بسنده ومتنه (الموطأ، صلاة الخوف ١٨٤/١) وهو متفق عليه كما يأتي.
(٢) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] (ح ٤٥٣٥)، وصحيح مسلم،
صلاة المسافرين، باب صلاة الخوف (ح٣٠٦).
(٣) في الأصل: ((فصلي)).
(٤) المصدر السابق.
(٥) المسند ٤٩٦/٣، وسنن أبي داود، الصلاة، باب صلاة الطالب (ح١٢٤٩)، وحكم الحافظ بجودة سنده.
(٦) في الأصل: ((داود بن علية)) والتصويب من (عف) و(حم) والتخريج.
(٧) ذكر ابن أبي حاتم الروايتين وبقية المفسرين بحذف الإسناد، أما رواية ابن عباس فالسند حسن، وأما رواية
جابر ففي السند عطية العوفي: ضعيف.
(٨) أخرجه مسلم في صحيح، صلاة المسافرين، باب صلاة المسافرين وقصرها (ح ٦٨٧).
(٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(١٠) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ويشهد له حديث ابن عباس المتقدم في صحيح مسلم.

٢٢٤
سُورَةُ البَّقَة (٢٤٠، ٢٤٢)
000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 052200 506000
وقال البخاري: (باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو). وقال الأوزاعي: إن كان
تهيأ الفتح ولم يقدروا على الصلاة، صلوا إيماء كل امرئ لنفسه، فإن لم يقدروا على الإيماء
أخَّروا الصلاة حتى ينكشف القتال، ويأمنوا فيصلوا ركعتين، فإن لم يقدروا صلوا ركعة
وسجدتين، فإن لم يقدروا لا يجزيهم التكبير ويؤخرونها حتى يأمنوا. وبه قال مكحول.
وقال أنس بن مالك: حَضرتُ مناهضة حصن تُستَر(١) عند قضاءة الفجر واشتد اشتعال القتال، فلم
يقدروا على الصلاة، فلم نصلِّ إلا بعد ارتفاع النهار، فصليناها ونحن مع أبي موسى، ففُتح لنا.
قال أنس: وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها (٢). هذا لفظ البخاري، ثم استشهد على
ذلك بحديث تأخيره و للر صلاة العصر يوم الخندق بعذر المحاربة إلى غيبوبة الشمس، وبقوله وال
بعد ذلك لأصحابه لما جهزهم إلى بني قريظة: ((لا يصلينَّ أحد منكم العصر إلا في بني قريظة»
فمنهم من أدركته الصلاة في الطريق فصلوا وقالوا: لم يُرِد منا رسول الله وَلّ إلا تعجيل السير،
ومنهم من أدركته فلم يصلِّ إلى أن غربت الشمس في بني قريظة، فلم يعنف واحداً من
الفريقين (٣)، وهذا يدل على اختيار البخاري لهذا القول، والجمهور على خلافه، ويعولون على
أن صلاة الخوف على الصفة التي ورد بها القرآن في سورة النساء، ووردت بها الأحاديث، لم
تكن مشروعة في غزوة الخندق، وإنما شرعت بعد ذلك، وقد جاء مصرحاً بهذا في حديث أبي
سعيد وغيره، وأما مكحول والأوزاعي والبخاري فيجيبون بأن مشروعية صلاة الخوف بعد ذلك لا
تنافي جواز ذلك، لأن هذا حال نادر خاص، فيجوز فيه مثل ما قلنا بدليل صنيع الصحابة زمن
عمر في فتح تُستَر وقد اشتهر ولم ينكر، والله أعلم.
وقوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ﴾ أي: أقيموا صلاتكم كما أمرتم، فأتموا ركوعها وسجودها
وقيامها وقعودها وخشوعها وهجودها، ﴿كَمَا عَلَّمَكُم ◌َا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: مثل ما أنعم
عليكم وهداكم وعلمكم ما ينفعكم في الدنيا والآخرة فقابلوه بالشكر والذكر، كقوله بعد صلاة
الخوف: ﴿فَإِذَا أَطْمَأْتَنْتُمْ فَقِيمُواْ الصَّلَوَةُ إِنَّ الصَّلَوَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]
وستأتي الأحاديث الواردة في صلاة الخوف وصفاتها في سورة النساء عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا
كُنْتَ فِهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوةَ﴾ الآية [النساء: ١٠٢].
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَجِهِمِ مَّتَعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجْ فَإِنّ
خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِى مَا فَعَلْنَ فِى أَنفُسِهِنَ مِن مَّعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِزُ حَكِيمٌ ﴿ وَلِلْمُطَلَّقَتِ
مَتَعٌ بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
قال الأكثرون: هذه الآية منسوخة بالتي قبلها، وهي قوله: ﴿يَتَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ
(١) بضم التاء وسكون السين وفتح التاء، بلد من بلاد الأهواز في إيران (ينظر: فتح الباري ٤٣٥/٢).
(٢) قال الحافظ ابن حجر: وأما قول مكحول فقال عبد بن حميد في تفسيره: أنا عمر بن سعيد الدمشقي، ثنا
سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول .. وأما قصة أنس فقال ابن أبي شيبة وابن سعد في الطبقات: حدثنا
عثمان بن مسلم، ثنا همام بن يحيى عن قتادة عن أنس (تغليق التعليق ٣٧٢/٢) وسنده صحيح.
(٣) صحيح البخاري، كتاب الخوف، باب الصلاة عند مناهضة العدو (ح٩٤٦).

٢٢٥
• سُورَةُ الََّقَة (٢٤٢،٢٤٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وَعَثْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. قال البخاري: حدثنا أُمية، حدثنا يزيد بن زريع، عن حبيب، عن ابن أبي
مليكة، قال ابن الزبير: قلت لعثمان بن عفان: ﴿ وَأَلَّذِينَ يُتَوَقَوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا﴾ قد
نسختها الآية الأخرى، فلم تكتبها أو تدعها، قال: يا ابن أخي، لا أغير شيئاً منه من مكانه(١).
ومعنى هذا الإشكال الذي قاله ابن الزبير لعثمان: إذا كان حكمها قد نسخ بالأربعة الأشهر
فما الحكمة في إبقاء رسمها مع زوال حكمها، وبقاء رسمها بعد التي نسختها يوهم بقاء حكمها؟
فأجابه أمير المؤمنين، بأن هذا أمر توقيفي، وأنا وجدتها مثبتة في المصحف كذلك بعدها، فأثبتها
حیث وجدتها .
قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن
جريج وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ
أَزْوَجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَجِهِمِ مَّتَعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجْ﴾ فكان للمتوفى عنها زوجها نفقتها وسكناها في
الدار سنة، فتنسخها آية المواريث فجعل لهن الثمن أو الربع مما ترك الزوج (٢)، ثم قال: وروي
عن أبي موسى الأشعري وابن الزبير ومجاهد وإبراهيم وعطاء والحسن وعكرمة وقتادة والضحاك
وزيد بن أسلم والسدي ومقاتل بن حيان وعطاء الخراساني والربيع بن أنس أنها منسوخة (٣).
وروي من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، قال: كان الرجل إذا مات وترك امرأته
اعتدت سنة في بيته ينفق عليها من ماله، ثم أنزل الله بعد ﴿ وَاُلَّذِينَ يُتَوَقَوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا يَتَرَبَّصْنَ
بِأَنْفُسِهِنَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَثْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] فهذه عدة المتوفى عنها زوجها، إلا أن تكون حاملاً،
فعدتها أن تضع ما في بطنها، وقال: ﴿وَلَهُنَّ الْرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدْ فَإِن
كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ أُلُثُّمُنُ مِمَّا تَرَكٌْ﴾ [النساء: ١٢] فبين ميراث المرأة وترك الوصية
والنفقة (٤).
قال: وروي عن مجاهد والحسن وعكرمة وقتادة والضحاك والربيع ومقاتل بن حيان، قالوا:
نسختها ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَثْرًا﴾. قال: وروي عن سعيد بن المسيب، قال: نسختها التي في
الأحزاب ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَتِ﴾ الآية(٥) [الأحزاب: ٤٩].
(قلت): وروي عن [مقاتل](٦) وقتادة أنها منسوخة بآية الميراث.
(١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، تفسير سورة البقرة، باب ﴿ وَلَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا ... ﴾
[البقرة: ٢٣٤] ح ٤٥٣٠).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، في سنده عطاء الخراساني صدوق يهم كثيراً ولم يسمع من ابن عباس
شيئاً (المراسيل ١٥٧)، وسنده ضعيف وقد توبع فقد أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة
عن ابن عباس بنحوه ويشهد له الروايات التالية.
(٣) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول ابن الزبير تقدم في رواية البخاري السابقة، وقول مجاهد
وإبراهيم النخعي أخرجه الطبري بأسانيد صحيحة، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر
عنه.
(٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عنه. (٥) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٦) سقط من الأصل لفظ: ((مقاتل))، واستدرك من (عف) و(حم) و(ح).

٢٢٦
• سُوَرَّةُ الْبَقَرَة (٢٤٠، ٢٤٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال البخاري: حدثنا إسحاق بن راهويه(١)، حدثنا روح، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن
مجاهد ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا﴾ قال: كانت هذه للمعتدة، تعتد عند أهل زوجها
واجب. فأنزل الله ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَجِهِم مَّتَعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجْ
فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِى مَا فَعَلْنَ فِى أَنفُسِهِننَ مِن مَّعْرُوفٍ﴾ قال: جعل الله تمام السنة سبعة
أشهر وعشرين ليلة، وصية إن شاءت سكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت، وهو قول الله: ﴿غَيْرَ
إِخْرَاجْ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ فالعدة كما هي واجب عليها، زعم ذلك عن مجاهد رَُّهُ .
وقال عطاء: قال ابن عباس: نسخت هذه الآية عدتها عند أهلها، فتعتد حيث شاءت، وهو
قول الله تعالى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجْ﴾ قال عطاء: إن شاءت اعتدت عند أهلها وسكنت في وصيتها، وإن
شاءت خرجت، لقول الله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِى مَا فَعَلْنَ﴾ قال عطاء: ثم جاء الميراث، فنسخ
السكنى فتعتد حيث شاءت، ولا سكنى لها(٢). ثم أسند البخاري عن ابن عباس مثل ما تقدم عنه
بهذا القول(٣)، الذي عول عليه مجاهد وعطاء، من أن هذه الآية لم تدل على وجوب الاعتداد سنة،
كما زعمه الجمهور، حتى يكون ذلك منسوخاً بالأربعة الأشهر وعشر، وإنما دلت على أن ذلك كان
من باب الوصاة بالزوجات بأن يمكّنْ من السكنى في بيوت أزواجهن بعد وفاتهم حولاً كاملاً إن
اخترن ذلك، ولهذا قال: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَجِهِم﴾ أي: يوصيكم الله بهن وصية كقوله: ﴿يُصِيكُ اللَّهُ فِىّ
أَوْلَدِكُمْ﴾ الآية [النساء: ١١]، وقوله: ﴿وَصِيَّةُ مِّنَ اُللَّهُ﴾ [النساء: ١٢] وقيل: إنما انتصب على
معنى: فلتوصوا بهن وصية. وقرأ آخرون بالرفع وصية على معنى: كتب عليكم وصية (٤)، واختارها
ابن جرير، ولا يمنعنه من ذلك لقوله: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجْ﴾ فأما إذا انقضت عدتهن بالأربعة أشهر
والعشر، أو بوضع الحمل، واخترن الخروج والانتقال من ذلك المنزل، فإنهن لا يمنعن من ذلك
لقوله: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِ مَا فَعَلْنَ فِىَ أَنفُسِهِرَ مِن مَّعْرُوفٍ﴾ وهذا القول له اتجاه،
وفي اللفظ مساعدة له، وقد اختاره جماعة منهم الإمام أبو العباس بن تيمية ورده آخرون، منهم
الشيخ أبو عمر بن عبد البر، وقول عطاء ومن تابعه، على أن ذلك منسوخ بآية الميراث، إن أرادوا
ما زاد على الأربعة أشهر والعشر فمسلّم، وإن أرادوا أن سكنى الأربعة أشهر وعشر لا تجب في
تركة الميت، فهذا محل خلاف بين الأئمة وهما قولان للشافعي تَّتُهُ، وقد استدلوا على وجوب
السكنى في منزل الزوج، بما رواه مالك في موطئه، عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن
عمته زينب بنت كعب بن عجرة، أن الفريعة بنت مالك بن سنان وهي أخت أبي سعيد الخدري ◌ًا،
أخبرتها أنها جاءت إلى رسول الله و ير تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة، فإن زوجها خرج في
طلب أعبد له أبقوا (٥) حتى إذا كان بطرف القدوم لحقهم فقتلوه، قالت: فسألت رسول الله وَ ل و أن
أرجع إلى أهلي في بني خدرة، فإن زوجي لم يتركني في مسكن(٦) يملكه ولا نفقة، قالت: فقال
(١) كلمة ((راهويه)) بياض في الأصل.
(٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، تفسير سورة البقرة، باب ﴿وَأَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ .. ﴾ [البقرة: ٢٣٤]
ح ٤٥٣١).
(٣) المصدر السابق.
(٥) أي: عبيد له هربوا .
(٦) في الأصل: ((منزل))، وما أثبت من (عف) و(حم) والتخريج.
(٤) وهي قراءة متواترة أيضاً.

٢٢٧
سُورَةُ الَورة (٢٤٣، ٢٤٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
رسول الله وَلقر: ((نعم)) قالت: فانصرفت حتى إذا كنت في الحجر ناداني رسول الله وَليّ أو أمر بي
فنوديت له فقال: ((كيف قلت؟)) فرددت عليه القصة التي ذكرت له من شأن زوجي، فقال: ((امكثي
في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله)) قالت: فاعتددتُ فيه أربعة أشهر وعشراً، قالت: فلما كان
عثمان بن عفان أرسل إليَّ فسألني عن ذلك، فأخبرته فاتبعه وقضى به(١). وكذا رواه أبو داود
والترمذي والنسائي من حديث مالك به. ورواه النسائي أيضاً وابن ماجه من طرق عن سعد بن
إسحاق به، وقال الترمذي: حسن صحيح(٢) .
وقوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَتِ مَتَعٌ بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى الْمُنَّقِينَ ﴾﴾ قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم
لما نزل قوله تعالى: ﴿مَتَعَّا بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]: قال رجل: إن شئت
أحسنت ففعلت، وإن شئت لم أفعل، فأنزل الله هذه الآية ﴿وَلِلْمُطَلَّقَتِ مَتَعٌ بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى
٣)
الْمُتَّقِينَ
وقد استدل بهذه الآية، من ذهب من العلماء، إلى وجوب المتعة لكل مطلقة، سواء كانت
مفوضة، أو مفروضاً لها، أو مطلقة قبل المسيس، أو مدخولاً بها، وهو قول عن الشافعي تَُّهُ،
وإليه ذهب سعيد بن جبير، وغيره من السلف(٤)، واختاره ابن جرير، ومن لم يوجبها مطلقاً،
يخصص من هذا العموم مفهوم قوله تعالى: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَقْتُمُ الْنِسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ
لَهُنَّ فَرِيضَةٌ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْوُسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُفْتِرِ قَدَرُؤُ مَتَعَا بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٣)﴾ [البقرة]
وأجاب الأولون بأن هذا من باب ذكر بعض أفراد العموم، فلا تخصيص على المشهور
المنصوص، والله أعلم.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ،﴾ أي: في إحلاله وتحريمه وفروضه وحدوده، فيما
أمركم ونهاكم عنه، بينه ووضحه وفسره، ولم يتركه مجملاً في وقت احتياجكم إليه ﴿لَعَلَّكُمْ
تَعْقِلُونَ﴾ أي: تفهمون وتتدبرون.
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَهُمْ أُلُوَفُّ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ
أَحْيَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٤٣) وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ
وَأَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيٌ ﴿ مَن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَحِفَهُ لَهُو أَضْعَافًا كَثِيرَةٌ وَاللَّهُ
يَقْبِضُ وَيَبْضُّطٌ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
روي عن ابن عباس أنهم كانوا أربعة آلاف(٥). وعنه كانوا ثمانية آلاف.
(١) أخرجه الإمام مالك بسنده ومتنه (الموطأ، الطلاق، باب مقام المتوفى عنها زوجها .. ٥٩١/٢ ح ٨٧).
(٢) سنن أبي داود، الطلاق، باب في المتوفى عنها تنتقل (ح٢٣٠٠)، وسنن الترمذي، الطلاق، باب ما جاء
أين تعتد المتوفى عنها زوجها (ح ١٢٠٤)، وسنن النسائي، الطلاق، باب مقام المتوفى عنها زوجها في بيتها
(ح٣٥٢٨)، وسنن ابن ماجه، الطلاق، باب أين تعتد المتوفى عنها زوجها؟ (ح٢٠٣١)، وصححه الترمذي،
والألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح١٦٥١).
(٣) أخرجه الطبري من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد به، وسنده معضل ضعيف.
(٤) تقدم هذا القول في الآية ٣٦، من هذه السورة.
(٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ميسرة النهدي عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عنه.

٢٢٨
• سُورَةُ الََّقَة (٢٤٣، ٢٤٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال أبو صالح: تسعة آلاف(١)، وعن ابن عباس: أربعون ألفاً.
وقال وهب بن منبه(٢) وأبو مالك: كانوا بضعة وثلاثين ألفاً(٣).
وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال: كانوا أهل قرية يقال لها: داوردان (٤). وكذا قال
السدي وأبو صالح وزاد: من قِبَل واسط.
وقال سعيد بن عبد العزيز: كانوا من أهل أذرعات(٥).
وقال ابن جريج، عن عطاء قال: هذا مثل(٦). وقال علي بن عاصم: كانوا من أهل داوردان
قرية على فرسخ من قِبَل واسط.
وقال وكيع بن الجراح في تفسيره: حدثنا سفيان عن ميسرة بن حبيب النهدي، عن المنهال بن
عمرو الأسدي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوُفُ
حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ قال: كانوا أربعة آلاف خرجوا فراراً من الطاعون قالوا: نأتي أرضاً ليس بها موت
حتى إذا كانوا بموضع كذا وكذا قال الله لهم: ﴿مُوتُوا﴾ فماتوا، فمر عليهم نبي من الأنبياء، فدعا
ربه أن يحييهم فأحياهم، فذلك قوله رَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَهُمْ أُوُفُ حَذَرَ
اُلْمَوْتِ﴾ الآية(٧). وذكر غير واحد من السلف، أن هؤلاء القوم، كانوا أهل بلدة في زمان بني
إسرائيل استوخموا أرضهم، وأصابهم بها وباء شديد، فخرجوا فراراً من الموت، إلى البرية، فنزلوا
وادياً أفيح، فملؤوا ما بين عدوتيه، فأرسل الله إليهم ملكين، أحدهما من أسفل الوادي، والآخر
من أعلاه، فصاحا بهم صيحة واحدة، فماتوا عن آخرهم موتة رجل واحد، فحيزوا إلى حظائر،
وبني عليهم جدران وقبور، وفنوا (٨) وتمزقوا وتفرقوا، فلما كان بعد دهر، مرّ بهم نبي من أنبياء بني
إسرائيل، يقال له: حزقيل، فسأل الله أن يحييهم على يديه، فأجابه إلى ذلك، وأمره أن يقول:
أيتها العظام البالية، إن الله يأمرك أن تجتمعي، فاجتمع عظام كل جسد بعضها إلى بعض، ثم أمره
فنادى: أيتها العظام إن الله يأمرك أن تكتسي لحماً وعصباً وجلداً، فكان ذلك وهو يشاهده، ثم
أمره فنادى: أيتها الأرواح، إن الله يأمرك أن ترجع كل روح إلى الجسد الذي كانت تعمره فقاموا
أحياءً ينظرون قد أحياهم الله بعد رقدتهم الطويلة وهم يقولون: سبحانك لا إله إلا أنت(٩).
وكان في إحيائهم عبرة ودليل قاطع على وقوع المعاد الجسماني يوم القيامة، ولهذا قال:
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق إسماعيل بن أبي خالد عنه.
(٢) أخرج الطبري بسند حسن عن وهب بن منبه أنهم أربعة آلاف.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق السدي عن أبي مالك.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق النضر بن عبد الرحمن عن عكرمة عنه، والنضر متروك (ميزان
الاعتدال ٢٦٠/٤، والتقريب ٣٠٢/٢)، وداوردان بين أنها قرية قريبة من واسط، وهي مدينة جنوب بغداد.
(٥) أذرعات: مدينة قرب عمان في الشام. وهذه الأقوال الثلاثة ذكرها ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق إبراهيم بن عبد الله الهروي عن ابن جريج به.
(٧) سنده حسن، وهذه الرواية من الإسرائيليات التاريخية المسكوت عنها في شريعتنا.
(٨) سقط لفظ: ((وفنوا))، واستدرك من (عف) و(حم) و(ح).
(٩) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، والخبر من الإسرائيليات وقد ساقها الحافظ ابن
كثير للعبرة والموعظة، إذ صرح بذلك مرتين.

٢٢٩
سُورَةُ الََّقَةِ (٢٤٣، ٢٤٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ أي: فيما يريهم من الآيات الباهرة والحجج القاطعة والدلالات
الدامغة ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ أي: لا يقومون بشكر ما أنعم الله به عليهم في دينهم
ودنياهم. وفي هذه القصة عبرة ودليل، على أنه لن يغني حذر من قدر، وأنه لا ملجأ من الله إلا
إليه، فإن هؤلاء خرجوا فراراً(١) من الوباء، طلباً لطول الحياة، فعوملوا بنقيض قصدهم، وجاءهم
الموت سريعاً في آن واحد.
ومن هذا القبيل، الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، أخبرنا
مالك وعبد الرزاق، أخبرنا معمر كلاهما، عن الزهري، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن
زيد بن الخطاب، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن عبد الله بن عباس، أن عمر بن
الخطاب خرج إلى الشام حتى إذا كان بسرغ (٢)، لقيه أمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح
وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام ... فذكر الحديث، فجاءه عبد الرحمن بن عوف،
وكان متغيباً لبعض حاجته فقال: إن عندي من هذا علماً، سمعت رسول الله وَله يقول: ((إذا كان
بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه، وإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه)) فحمد الله عمر ثم
انصرف (٣)، وأخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري به [بطريق أخرى لبعضه(٤).
قال أحمد: حدثنا حجاج ويزيد العمى، قالا: أخبرنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سالم
عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، أن عبد الرحمن بن عوف أخبر عمر وهو في الشام، عن
النبي : ((أن هذا السقم عذب به الأمم قبلكم فإذا سمعتم به في أرض، فلا تدخلوها، وإذا
وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه)) قال: فرجع عمر من الشام(٥). وأخرجاه في
الصحيحين من حديث مالك، عن الزهري بنحوه.
وقوله: ﴿وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ (®)﴾ أي: كما أن الحذر لا يغني من
القدر، كذلك الفرار من الجهاد وتجنبه، لا يقرب أجلاً ولا يباعده، بل الأجل المحتوم والرزق
المقسوم مقدر مقنن لا يزاد فيه ولا ينقص منه، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُواْ لِإِخْوَنِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ
أَطَاعُونَا مَا قُتِلُواْ قُلْ فَأَدْرَءُواْ عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَدِّقِينَ (٣)﴾ [آل عمران]، وقال تعالى:
﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَثَبْتَ عَلَيْنَا اٌلْفِنَالَ لَوْلَاٌ أَخَّرْنَنَآَ إِلَى أَجَلِ فَرِبِتٍ قُلّ مَنَعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ أَنَّقَى وَلَا
تُظْلَمُونَ فَئِيلًا ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِكِكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُمْ فِ بُرُوَجٍ تُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء] وروينا عن أمير
الجيوش، ومقدم العساكر، وحامي حوزة الإسلام، وسيف الله المسلول على أعدائه: أبي سليمان
خالد بن الوليد نظريته، أنه قال وهو في سياق الموت: لقد شهدت كذا وكذا موقفاً، وما من عضو
(١) في الأصل: ((فروا)) والمثبت من (عف) و(حم) و(مح).
(٢) سَرْغ - بفتح السين وسكون الراء -: وادي بالقرب من مدينة تبوك يبعد عن المدينة ثلاث عشرة مرحلة
(ينظر: فتح الباري ١٠/ ١٨٤).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢١٤/٣ ح١٦٨٣)، وهو متفق عليه أخرجه البخاري من مالك به
(صحيح البخاري، الطب، باب ما يذكر في الطاعون ح ٥٧٣٠)، وصحيح مسلم، السلام (ح٢٢١٩).
(٤) تقدم تخريجه في الحاشية السابقة.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢١١/٣ ح١٦٧٨)، وأخرجه الشيخان كما في الحديث السابق
المتقدم.

٢٣٠
• سُوَرَّةُ الَّقَرَة (٢٤٣، ٢٤٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
من أعضائي إلا وفيه رمية [أو طعنة أو ضربة وها أنا ذا أموت على فراشي كما يموت العير، فلا
نامت أعين الجبناء، يعني: أنه يتألم لكونه ما مات قتيلاً في الحرب، ويتأسف على ذلك، ويتألم
أن يموت على فراشه.
وقوله: ﴿َّن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَحِفَهُ لَهُمْ أَضْعَافًا كَثِيرَةٌ﴾، يحث تعالى عباده
على الإنفاق في سبيل الله، وقد كرر تعالى هذه الآية في كتابه العزيز في غير موضع، وفي حديث
النزول أنه يقول تعالى: ((من يقرض غير عديم ولا ظلوم)) (١).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا خلف بن خليفة، عن حميد الأعرج، عن
عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن مسعود، قال: لما نزلت ﴿مَن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا
فَيُضَحِفَهُ لَهُ﴾، قال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول الله، وإن الله رشَمَ ليريد منا القرض؟ قال:
((نعم يا أبا الدحداح)). قال: أرني يدك رسول الله. قال: فناوله يده، قال: فإني قد أقرضت
ربي ◌ّ حائطي، قال: وحائط له فيه ستمائة نخلة، وأم الدحداح فيه وعيالها. قال فجاء أبو
الدحداح فنادها: يا أم الدحداح. قالت: لبيك. قال: اخرجي، فقد أقرضته ربي رَ(٢). وقد رواه
ابن مردويه من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه، عن عمر ظُبه مرفوعاً بنحوه (٣).
وقوله: ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ روي عن عمر وغيره من السلف: هو النفقة في سبيل الله (٤).
وقيل: هو النفقة على العيال(٥).
وقيل: هو التسبيح والتقديس (٦).
وقوله: ﴿فَيُضَحِفَهُ لَهُ: أَضْعَافًا كَثِيرَةٌ﴾ كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنِفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ
كَمَثَلِ حَّةٍ أَثْبَتَتْ سَبْعَ سَنَائِلَ فِ كُلِّ سُتْلَةٍ مِّأْتَةُ حَّةُ وَلَهُ يُضَنِعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾ الآية [البقرة: ٢٦١]،
وسيأتي الكلام عليها .
وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا مبارك بن فضالة، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان
النهدي، قال: أتيت أبا هريرة ظُه، فقلت له: إنه بلغني أنك تقول: إن الحسنة تضاعف ألف
ألف حسنة، قال: وما أعجبك من ذلك، لقد سمعته من النبي ◌َّو يقول: ((إن الله يضاعف
الحسنة ألفي ألف حسنة))(٧).
(١) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة (الصحيح، صلاة المسافرين، باب الترغيب في الدعاء والذكر ح١٧١).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده حميد بن عطاء الأعرج: ضعيف (الجرح والتعديل ٢٢٦/٣)،
ولقصة أبي الدحداح أصل في صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب ركوب المصلي على الجنازة إذا انصرف
(ح ٩٦٥).
(٣) في سنده عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ضعيف ويتقوى بما سبق.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق موسى بن أبي كثير الأنصاري عن عمر بن الخطاب وموسى لم يسمع من
عمر، وسنده ضعيف.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن زيد بن أسلم، وسنده حسن.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن حيان التيمي عن شيخ لهم.
(٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (٧٩٣٢)، وصححه أحمد شاكر وضعفه الحافظ ابن كثير، وهو كما قال
وقد روي من وجه آخر كما سيأتي.

٢٣١
• سُورَةُ البَقَة (٢٤٥،٢٤٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
هذا حديث غريب، وعلي بن زيد بن جدعان عنده مناكير، لكن رواه ابن أبي حاتم من وجه
آخر فقال: حدثنا أبو خلاد سلیمان بن خلاد المؤدب، حدثنا يونس بن محمد المؤدب، حدثنا
محمد بن عقبة الرفاعي، عن زياد الجصاص، عن أبي عثمان النهدي، قال: لم يكن أحد أكثر
مجالسة لأبي هريرة مني، فقدم قبلي حاجاً، قال: وقدمت بعده، فإذا أهل البصرة يأثرون عنه أنه
قال: سمعت رسول الله وَله، يقول: ((إن الله يضاعف الحسنة ألف ألف حسنة)) فقلت: ويحكم،
والله ما كان أحد أكثر مجالسة لأبي هريرة مني، فما سمعت هذا الحديث، قال: فتحملت أريد
أن ألحقه فوجدته قد انطلق حاجاً، فانطلقت إلى الحج ألقاه في هذا الحديث، فلقيته لهذا،
فقلت: يا أبا هريرة، ما حديث سمعت أهل البصرة يأثرون عنك؟ قال: ما هو؟ قلت: زعموا
أنك تقول: إن الله يضاعف الحسنة ألف ألف حسنة، قال: يا أبا عثمان، وما تعجب من ذا،
والله يقول: ﴿مَّن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَعِفَهُ لَهُ: أَضْعَافًا كَثِيرَةٌ﴾ ويقول: ﴿فَمَا مَتَعُ
اُلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا فِى الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨]؟ والذي نفسي بيده لقد سمعت رسول الله وَّل،
يقول: ((إن الله يضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة))(١). وفي معنى هذا الحديث ما رواه الترمذي
وغيره من طريق عمرو بن دينار، عن سالم، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، أن رسول الله وَلتر،
قال: ((من دخل سوقاً من الأسواق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله
الحمد، وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة))
الحديث(٢).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة إسماعيل بن إبراهيم بن بسام، حدثنا أبو إسماعيل
المؤدب، عن عيسى بن المسيب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: لما نزلت ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ
أَمْوَلَهُمْ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ كَعَثَلِ حَبَّةٍ أَثْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ ... ﴾ [البقرة: ٢٦١] إلى آخرها، فقال
رسول الله وَ﴾: (ربِّ زد أمتي))، فنزلت ﴿مَّن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَعِفَهُ لَهُمْ أَضْعَافًاً
كَثِيرَةٌ﴾. قال: ((ربِّ زد أمتي))، فنزلت ﴿إِنََّا يُوَّى الصَِّرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠](٣).
وروى ابن أبي حاتم أيضاً، عن كعب الأحبار: أنه جاءه رجل فقال: إني سمعت رجلاً يقول:
من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾﴾ [الإخلاص] مرة واحدة، بنى الله له عشرة آلاف ألف غرفة من
درّ وياقوت في الجنة، أفأصدق بذلك؟ قال: نعم، أو عجبت من ذلك؟ قال: نعم، وعشرين
ألف ألف وثلاثين ألف ألف وما لا يحصي ذلك إلا الله، ثم قرأ ﴿مَّن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا
حَسَنًا فَيُضَعِفَهُ لَهُ: أَضْعَافًا كَثِيرَةٌ﴾ فالكثير من الله لا يحصى (٤).
وقوله: ﴿وَاَللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُّطٌ﴾ أي: أنفقوا ولا تبالوا، فالله هو الرازق يضيق على من يشاء من
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده زياد بن أبي زياد الجصاص: ضعيف (التقريب ٢٦٧/١).
(٢) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه ثم قال: عمرو بن دينار شيخ بصري وهو ليس بالقوي في الحديث (السنن،
الدعوات ح٣٤٢٩ وضعفه الحافظ ابن حجر في التقريب ص ٤٢١).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده عيسى بن المسيب البجلي: وهو ضعيف (ميزان الاعتدال
٣٢٣/٣).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق همام بن الحارث عن كعب به.

٢٣٢
سُورَةُ الََّقَةِ (٢٤٦)
عباده في الرزق، ويوسعه على آخرين، له الحكمة البالغة في ذلك ﴿وَإِلَيْهِ تُجَعُونَ﴾ أي: يوم
القيامة .
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَاِ مِنْ بَنِّ إِسْرَِّيلَ مِنْ بَعْدٍ مُوسَىَ إِذْ قَالُوْ لِنَِّ لَّهُمُ أَبْعَثْ لَنَا مَلِكًا تُقَلِتِلْ
فِى سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْفِتَالُ أَلَّا نُقَتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَتِلَ فِى
سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَرِنَا وَأَبْنَآَيِنَّا فَلَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمُْ وَاللَّهُ
عَلِيمٌمُ بِلَّلِمِين
قال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: هذا النبي هو يوشع بن نون(١).
قال ابن جرير: يعني: ابن أفرائيم بن يوسف بن يعقوب.
وهذا القول بعيد لأن هذا كان بعد موسى بدهر طويل، وكان ذلك في زمان داودعلَّله، كما
هو مصرح به في القصة، وقد كان بين داود وموسى ما ينيف عن ألف سنة، والله أعلم.
وقال السدي: هو شمعون (٢) .
,(٣)
وقال مجاهد: هو شمويل علَّا(٣).
وكذا قال محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه: وهو شمويل بن بالي بن علقمة بن برخان بن
اليهو بن تهو بن صوف بن علقمة بن ماحث بن عموصا بن عزريا بن صفية بن علقمة بن أبي
ـية (٤) .
ياسف بن قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل
وقال وهب بن منبه وغيره: كان بنو إسرائيل بعد موسىظلَّلا على طريق الاستقامة مدة من
الزمان، ثم أحدثوا الأحداث، وعبد بعضهم الأصنام، ولم يزل بين أظهرهم من الأنبياء من
يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويقيمهم على منهج التوراة، إلى أن فعلوا ما فعلوا،
فسلط الله عليهم أعداءهم، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وأسروا خلقاً كثيراً، وأخذوا منهم بلاداً
كثيرة، ولم يكن أحد يقاتلهم إلا غلبوه، وذلك أنهم كان عندهم التوراة، والتابوت الذي كان في
قديم الزمان، وكان ذلك موروثاً لخلفهم عن سلفهم إلى موسى الكليم - عليه الصلاة والسلام -،
فلم يزل بهم تماديهم على الضلال حتى استلبه منهم بعض الملوك في بعض الحروب، وأخذوا
التوراة من أيديهم، ولم يبق من يحفظها فيهم إلا القليل، وانقطعت النبوة من أسباطهم، ولم يبق
من سبط لاوي الذي يكون فيه الأنبياء إلا امرأة حامل من بعلها وقد قتل، فأخذوها فحبسوها في
بيت، واحتفظوا بها لعلَّ الله يرزقها غلاماً يكون نبياً لهم، ولم تزل المرأة تدعو الله رغم أن يرزقها
غلاماً، فسمع الله لها ووهبها غلاماً، فسمته: شمويل؛ أي سمع الله دعائي، ومنهم من يقول:
(١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه سنيد بلفظ: شمؤل.
(٤) هذه رواية ابن إسحاق أخرجها الطبري بسند ضعيف فيه محمد بن حميد الرازي. وأما لفظ: ((وهب)) أخرجه
الطبري بلفظ: شمويل. بدون النسب الذي سرده ابن إسحاق.

٢٣٣
• سُورَةُ الْبَوَّة (٢٤٧، (٢٤٨)
0008500000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
شمعون، وهو بمعناه، فشبَّ ذلك الغلام، ونشأ فيهم، أنبته الله نباتاً حسناً، فلما بلغ سن الأنبياء
أوحى الله إليه، وأمره بالدعوة إليه وتوحيده، فدعا بني إسرائيل، فطلبوا منه أن يقيم لهم ملكاً
يقاتلون معه أعداءهم، وكان الملك أيضاً قد باد فيهم، فقال لهم النبي: فهل عسيتم إن أقام الله
لكم ملكاً ألا تقاتلوا وتفوا بما التزمتم من القتال معه، ﴿قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَتِلَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ
وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَرِنَا وَأَبْنَآَيِنَا﴾ أي: وقد أخذت منا البلاد وسبيت الأولاد، قال الله تعالى:
﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمٌ وَاللَّهُ عَلِيمٌْ بِلَّلِينَ﴾ أي: ما وفوا بما وعدوا بل
نكل عن الجهاد أكثرهم، والله عليم بهم(١) .
] ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكَأْ قَالُواْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ
عَلَيَّنَا وَتَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةٌ مِنَ الْمَالِّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَنَهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً
فِى الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ (يَا﴾.
أي: لما طلبوا من نبيهم أن يعين لهم ملكاً منهم، فعين لهم طالوت، وكان رجلاً من
أجنادهم، ولم يكن من بيت الملك فيهم، لأن الملك كان في سبط يهوذا، ولم يكن هذا من
ذلك السبط، فلهذا قالوا: ﴿أَنَّ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾ أي: كيف يكون ملكاً علينا ﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ
بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ﴾؟ أي: هو مع هذا فقير لا مال له يقوم بالملك، وقد ذكر
بعضهم أنه كان سقاء، وقيل: دباغاً، وهذا اعتراض منهم على نبيهم وتعنت، وكان الأولى بهم
طاعة وقول معروف، ثم قد أجابهم النبي قائلاً: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَلَهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: اختاره لكم من
بينكم، والله أعلم به منكم، يقول: لست أنا الذي عينته من تلقاء نفسي، بل الله أمرني به لما
طلبتم مني ذلك، ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةُ فِى الْعِلْمِ وَالْجِسْؤُ﴾ أي: وهو مع هذا، أعلم منكم، وأنبل،
وأشكل منكم، وأشد قوة وصبراً في الحرب ومعرفة بها، أي: أتمّ علماً وقامة منكم، ومن ههنا
ينبغي أن يكون الملك ذا علم وشكل حسن وقوة شديدة في بدنه ونفسه ثم قال: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِ
مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ﴾ أي: هو الحاكم الذي ما شاء فعل، ولا يُسأل عما يفعل] (٢) وهم يسألون
لعلمه وحكمته ورأفته بخلقه، ولهذا قال: ﴿وَلَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾ أي: هو واسع الفضل، يختص
برحمته من يشاء، عليم بمن يستحق الملك ممن لا يستحقه.
-- ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِ: أَنْ يَأْنِيَكُمُ الثَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ
وَبَقِيَّةٌ مِّمَا تَرَكَ ءَالُ مُوسَى وَءَالُ هَدُرُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَتْبِكَةُ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآَيَةٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم
مُؤْمِنِینَ
يقول لهم نبيهم: إن علامة بركة ملك طالوت عليكم، أن يرد الله عليكم التابوت الذي كان
أخذ منكم ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ قيل: معناه: فيه وقار وجلالة.
(١) هذه الرواية من الإسرائيليات التي تنقل عن وهب بن منبه وهو مشهور برواية الإسرائيليات.
(٢) ما بين معقوفين سقط من الأصل وهو قدر لوحة واستدرك من (عف) و(حم) و(مح) و(ح) وفي (عف)
نصف لوحة فيها بياض.

٢٣٤
• سُوَدَّةُ البَقَة (٢٤٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ﴾ أي: وقار(١).
وقال الربيع: رحمة(٢)، وكذا روي عن العوفي، عن ابن عباس(٣).
وقال ابن جريج: سألت عطاء عن قوله: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّيِّكُمْ﴾؟ قال: ما يعرفون من
آيات الله فيسكنون إليه (٤)، وقيل: السكينة طست من ذهب، كانت تغسل فيه قلوب الأنبياء(٥)،
أعطاها الله موسى عليَّل، فوضع فيها الألواح، ورواه السدي عن أبي مالك، عن ابن عباس(٦).
وقال سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الأحوص، عن علي، قال: السكينة لها
وجه كوجه الإنسان، ثم هي روح هفافة (٧).
وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة وحماد بن سلمة وأبو الأحوص
كلهم، عن سماك، عن خالد بن عرعرة، عن علي، قال: السكينة ريح خجوج، ولها رأسان(٨).
وقال مجاهد: لها جناحان وذنب(٩).
وقال محمد بن إسحاق، عن وهب بن منبه: السكينة رأس هرة ميتة إذا صرخت في التابوت
بصراخ هرٍ، أيقنوا بالنصر، وجاءهم الفتح (١٠).
وقال عبد الرزاق: أخبرنا بكار بن عبد الله، أنه سمع وهب بن منبه يقول: السكينة روح من الله
تتكلم، إذا اختلفوا في شيء تكلم، فتخبرهم ببيان ما يريدون(١١).
وقوله: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِّمَا تَرَكَ ءَالُ مُوسَى وَءَالُ هَدُرُونَ﴾ قال ابن جرير: أخبرنا ابن مثنى، حدثنا
أبو الوليد، حدثنا حماد، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، في هذه الآية
﴿وَبَقِيَّةٌ مِّمَا تَرَكَ ءَالُ مُوسَى وَءَالُ هَدُرُونَ﴾ قال: عصاه، ورضاض الألواح (١٢)، وكذا قال
قتادة والسدي والربيع بن أنس وعكرمة (١٣)، وزاد: والتوراة (١٣).
(١) أخرجه عبد الرزاق بسنده ولفظه، وسنده صحيح.
(٢) أخرجه الطبري بسند فيه شيخ الطبري مبهم ويتقوى بالرواية في الحاشية التالية، والربيع هو ابن أنس.
(٣) هذا القول أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق سنيد عن حجاج عن ابن جريج به وسنيد: ضعيف.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عيسى بن عمر عن السدي، وهذه الرواية من الإسرائيليات
المسكوت عنها .
(٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف جداً من طريق الحكم بن ظهير عن السدي به، والحكم بن ظهير متروك ورمي
بالرفض واتهمه ابن معين بالكذب (ينظر التقريب ص١٧٥).
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سفيان به، وعلي هو ابن أبي طالب.
(٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وهو يخالف سابقه.
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(١٠) وهذه من الإسرائيليات التي لا داعي لذكرها إلا على سبيل بيان ضعفها وغرابتها .
(١١) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه وهو كسابقه. وفي سنده بكار بن عبد الله قال ابن أبي حاتم: ليس بالقوي.
ينظر لسان الميزان (٤٣/٢).
(١٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وفيه داود بن أبي هند ثقة لكنه لم يجزم أنه عن ابن عباس بل قال: أحسبه عن
ابن عباس.
(١٣) هذه الأقوال الأربعة أخرجها الطبري بأسانيد حسان.

٢٣٥
• سُؤَدَّةُ الْبَقَةِ (٢٤٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال أبو صالح: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَّكَ ءَالُ مُوسَى﴾ يعني: عصا موسى، وعصا هارون، ولوحين
من التوراة، والمن(١).
(٢)
وقال عطية بن سعد: عصا موسى، وعصا هارون، وثياب موسى، وثياب هارون، ورضاض الألواح
.
وقال عبد الرزاق: سألت الثوري عن قوله: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَى وَءَالُ هَرُونَ﴾،
فقال: منهم من يقول: قفيز من مَنّ، ورضاض الألواح، ومنهم من يقول: العصا والنعلان(٣).
وقوله: ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلَتِكَةُ﴾ قال ابن جريج: قال ابن عباس: جاءت الملائكة تحمل التابوت
بين السماء والأرض حتى وضعته بين يدي طالوت والناس ينظرون (٤).
قال السدي: أصبح التابوت في دار طالوت، فآمنوا بنبوة شمعون، وأطاعوا طالوت (٥).
وقال عبد الرزاق، عن الثوري، عن بعض أشياخه، جاءت به الملائكة تسوقه على عجلة على
بقرة(٦)، وقيل: على بقرتين(٧). وذكر غيره: أن التابوت كان بأريحا، وكان المشركون لما أخذوه
ووضعوه في بیت آلهتهم تحت صنمهم الكبير فأصبح التابوت على رأس الصنم فأنزلوه فوضعوه تحته،
فأصبح كذلك، فسمروه تحته، فأصبح الصنم مكسور القوائم، ملقى بعيداً، فعلموا أن هذا أمر من الله
لا قبل لهم به، فأخرجوا التابوت من بلدهم، فوضعوه في بعض القرى، فأصاب أهلها داء في رقابهم،
فأمرتهم جارية من سبي بني إسرائيل أن يردّوه إلى بني إسرائيل حتى يخلصوا من هذا الداء، فحملوه
على بقرتين فسارتا به، لا يقربه أحد إلا مات، حتى اقتربتا من بلد بني إسرائيل، فكسرتا النيرين
ورجعتا، وجاء بنو إسرائيل فأخذوه، فقيل: إنه تسلّمه داودلعلَّلا، وإنه لما قام إليهما خجل من فرحه
بذلك (٨)، وقيل: شابان منهم، فالله أعلم وقيل: كان التابوت بقرية من قرى فلسطين يقال لها: أزدرد.
وقوله: ﴿إِنَّ فِ ذَالِكَ لَيَةٌ لَّكُمْ﴾ أي: على صدقي فيما جئتكم به من النبوة، وفيما
أمرتكم به من طاعة طالوت ﴿إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾ أي: بالله واليوم الآخر.
- ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّ وَمَن
لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِىَ إِلَّا مَنِ أَغْتَرَفَ غُرْفَةٌ بِيَدِهِ، فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمَّ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ مَعَهٍُ قَالُواْ لَا طَاقَةَ لَنَا أَلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِيةٌ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُونَ أَنَّهُمْ تُلَقُواْ اللَّهِ كَم
◌َمِّن فِئَةٍ فَلِيلَةٍ غَلَتْ فِئَةً كَثِيرَةُ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّبِينَ
يقول تعالى مخبراً عن طالوت ملك بني إسرائيل حين خرج في جنوده، ومن أطاعه من ملأ
(١) أخرجه سعيد بن منصور عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح (السنن، التفسير رقم ٤٢٢) وسنده
صحيح إلى أبي صالح، وأخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح عن إسماعيل به.
(٢) أخرجه الطبري من طريق عبد الله بن إدريس عن أبيه عن عطية، وسنده صحيح.
(٣) أخرجه عبد الرزاق عن الثوري، وسنده صحيح.
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وابن جريج لم يدرك ابن عباس.
(٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٦) أخرجه عبد الرزاق عن الثوري به، وسنده صحيح.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح عن وهب بن منبه.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح عن وهب، وهذه الرواية من الإسرائيليات.

٢٣٦
• سُورَةُ البَقَرَّة (٢٥٢،٢٥٠)
بني إسرائيل، وكان جيشه يومئذٍ فيما ذكره السدي ثمانين ألفاً(١)، فالله أعلم، أنه قال: ،
اَللَّهَ مُبْتَلِيكُم ﴾ أي: مختبرکم بنهر .
قال ابن عباس وغيره: وهو نهر بين الأردن وفلسطين(٢)، يعني: نهر الشريعة المشهور، ﴿فَمَن
شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنٍِّ﴾ أي: فلا يصحبني اليوم في هذا الوجه ﴿وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّىَ إِلَّا مَنِ
أُغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهٍ﴾ أي: فلا بأس عليه، قال الله تعالى: ﴿فَشَرِيبُواْ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمّ﴾ .
قال ابن جريج: قال ابن عباس: من اغترف منه بيده روي، ومن شرب منه لم يرو (٣). وكذا
رواه السدي عن أبي مالك، عن ابن عباس(٤). وكذا قال قتادة وابن شوذب(٥) .
وقال السدي: كان الجيش ثمانين ألفاً، فشرب منه ستة وسبعون ألفاً، وتبقى معه أربعة آلاف،
كذا قال(٦).
وقد روى ابن جرير من طريق إسرائيل وسفيان الثوري ومسعر بن كدام، عن أبي إسحاق
السبيعي، عن البراء بن عازب، قال: كنا نتحدث أن أصحاب محمد ◌َّو، الذي كانوا يوم بدر
ثلاثمائة وبضعة عشر على عدة أصحاب طالوت الذين جازوا معه النهر، وما جازه معه إلا مؤمن.
ورواه البخاري عن عبد الله بن رجاء، عن إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق، عن جده، عن
البراء قال: (كنا أصحاب محمد ◌ّلّ نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت
الذين جاوزوا معه النهر ولم يجاوز معه إلا مؤمن بضعة عشر وثلاثمائة) ثم رواه من حديث سفيان
الثوري، وزهير عن أبي إسحاق عن البراد بنحوه (٧)، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمَا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ مَعَدُ، قَالُواْ لَا طَاقَةً لَنَا أَلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِيَةً﴾ أي: استقلوا أنفسهم عن لقاء عدوهم
لكثرتهم، فشجعهم علماؤهم العالمون بأن وعد الله حق، فإن النصر من عند الله ليس عن كثرة عَدد
ولا عُدد. ولهذا قالوا: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَتْ فِئَةٌ كَثِيَرَةُ بِإِذْنِ اللهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّبِينَ﴾.
- ﴿وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ، قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَأَنصُْنَا
فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَءَاتَلُهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ
(٢٥٠)
عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِينَ
وَعَلَّمَهُ، مِمَا يَشَاءُ وَلَوَّلَا دَفْعُ اُللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو
فَضْلٍ عَلَى الْعَلَمِينَ ﴿َ تِلْكَ ءَايَتُ اَللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
٢٥٢
أي: لما واجه حزب الإيمان، وهم قليل من أصحاب طالوت، لعدوهم أصحاب جالوت،
(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عنه. وتعقبهُ الحافظ ابن كثير فقال: وقول
السدي: إن عدة الجيش كانوا ثمانين ألف. فيه نظر، لأن أرض بيت المقدس لا تحتمل أن يجتمع فيها
جيش مقاتلته يبلغون ثمانون ألفاً (البداية والنهاية ٢٩٥/٢).
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن ابن عباس، وابن جريج لم يسمع ابن عباس.
(٣) أخرجه الطبري كسابقه.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق رجل مبهم عن السدي به. وسنده ضعيف وهو مخالف لما في الصحيح:
ثلاثمائة وبضعة عشر.
(٥) قول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر، وقول ابن شوذب، أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن
من طريق ضمرة بن ربيعة عنه.
(٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح وأخرجه البخاري من طريق إسرائيل به (الصحيح، المغازي ح ٣٩٥٧).

٢٣٧
• سُورَةُ النََّرَّة (٢٥٢،٢٥٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وهم عدد كثير ﴿قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ أي: أنزل علينا صبراً من عندك ﴿وَثَبِّتْ
أَقْدَامَنَا﴾ أي: في لقاء الأعداء، وجنبنا الفرار والعجز ﴿ وَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ﴾.
قال الله تعالى: ﴿فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: غلبوهم وقهروهم بنصر الله لهم ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ
جَالُونَ﴾ ذكروا في الإسرائيليات(١) أنه قتله بمقلاع كان في يده، رماه به فأصابه فقتله، وكان
طالوت قد وعده إن قتل جالوت أن يزوِّجه ابنته، ويشاطره نعمته، ويشركه في أمره، فوفى له ثم
آل الملك إلى داودظلّل مع ما منحه الله به من النبوة العظيمة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَءَاتَلُهُ اللَّهُ
اَلْمُلْكَ﴾ الذي كان بيد طالوت ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ أي: النبوة بعد شمويل ﴿وَعَلَّمَهُ مِنَا يَشَاءٍ﴾ أي:
مما يشاء الله من العلم الذي اختصّ به وَ له ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ
لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ أي: لولاه يدفع عن قوم بآخرين كما دفع عن بني إسرائيل بمقاتلة طالوت
وشجاعة داود لهلكوا كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضِ لَّذِّمَتْ صَوَمِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَتٌ
وَمَسَجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرً﴾ الآية [الحج: ٤٠].
وقال ابن جرير: حدثني أبو حميد الحمصي أحمد بن المغيرة، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا
حفص بن سليمان، عن محمد بن سوقة، عن وبرة بن عبد الرحمن، عن ابن عمر، قال: قال
رسول الله وسير: ((إن الله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء)) ثم قرأ ابن
عمر: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اَللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ (٢) وهذا إسناد ضعيف، فإن
يحيى بن سعيد هذا، هو ابن العطار الحمصي، وهو ضعيف جداً.
ثم قال ابن جرير: حدثنا أبو حميد الحمصي، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عثمان بن
عبد الرحمن، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله وَاليقول: ((إن الله
ليصلح بصلاح الرجل المسلم ولده، وولد ولده، وأهل دويرته، ودويرات حوله، ولا يزالون في
حفظ الله وَك، ما دام فيهم))(٣)، وهذا أيضاً غريب ضعيف لما تقدم أيضاً.
وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا علي بن إسماعيل بن
حماد، أخبرنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد، أخبرنا زيد بن الحباب، حدثني حماد بن
زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان رفع الحديث، قال: ((لا يزال فيكم
سبعة بهم تُنصرون، وبهم تُمطرون، وبهم تُرزقون، حتى يأتي أمر الله))(٤).
وقال ابن مردويه أيضاً (٥): وحدثنا محمد بن أحمد، حدثنا محمد بن جرير بن يزيد، حدثنا أبو
معاذ نهار بن معاذ بن عثمان الليثي، أخبرنا زيد بن الحباب، أخبرني عمر البزار عن عنبسة
الخواص، عن قتادة، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن عبادة بن الصامت، قال
(١) ورد هذا الخبر في تفسير عبد الرزاق والطبري من طريق بكار بن عبد الله عن وهب بن منبه. وبكار قال ابن
أبي حاتم فيه: ليس بالقوي (ينظر: لسان الميزان ٤٣/٢).
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكم عليه الحافظ ابن كثير بضعف الإسناد.
(٣) كسابقه.
(٤) في سنده زيد بن الحباب: وهو كثير الخطأ (ينظر: تهذيب التهذيب ٤٠٤/٣).
(٥) قوله: ((وقال ابن مردويه أيضاً))، زيادة من (عف).

٢٣٨
سُورَةُ الْبَفَرَةَ (٢٥٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
رسول الله ◌َيج: ((الأبدال في أمتي ثلاثون، بهم تُرزقون، وبهم تُمطرون، وبهم تُنصرون)) قال
قتادة: إني لأرجو أن يكون الحسن منهم(١).
وقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾ أي: ذو منّ عليهم ورحمة بهم، يدفع عنهم
ببعضهم بعضاً، وله الحكم والحكمة والحجة على خلقه في جميع أفعاله وأقواله.
ثم قال تعالى: ﴿يَلْكَ ءَايَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (®)﴾ أي: هذه
آيات الله التي قصصناها عليك من أمر الذين ذكرناهم بالحق، أي: بالواقع الذي كان عليه الأمر
المطابق لما بأيدي أهل الكتاب من الحق الذي يعلمه علماء بني إسرائيل، ﴿وَإِنَّكَ﴾ يا محمد
﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ وهذا توكيد وتوطئة للقسم.
﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضُِ مِّنْهُم ◌َن كَلَّمَ اَللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَتٍّ وَءَاتَيْنَا
عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ اٌلْبَيِّنَتِ وَأَيِّدْنَهُ بِرُوجِ الْقُدُسِنُّ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا أَقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا
جَآءَتْهُمُ الْبَيَِّتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم ◌َنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَن كَفَرَّ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا أُقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ
ما يُريدُ
يخبر تعالى أنه فضل بعض الرسل على بعض، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبْنَ عَلَى بَعْضٍّ وَءَاتَيْنَا
دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥]، وقال ههنا: ﴿ِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضُِ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اَللَّهُ ﴾ يعني موسى
ومحمداً وَّي، وكذلك آدم كما ورد به الحديث المروي في صحيح ابن حبان عن أبي ذرِّ ◌َظُهُ(٢).
﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ كما ثبت في حديث الإسراء حين رأى النبي ◌َّ، الأنبياء في السماوات
بحسب تفاوت منازلهم عند الله بت (٣)، (فإن قيل): فما الجمع بين هذه الآية وبين الحديث
الثابت في الصحيحين عن أبي هريرة، قال: استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود، فقال
اليهودي في قسم يقسمه: لا والذي اصطفى موسى على العالمين. فرفع المسلم يده، فلطم بها
وجه اليهودي، فقال: أي خبيث، وعلى محمد وَّيه؟ فجاء اليهودي إلى النبي ◌َّل، فاشتكى على
المسلم، فقال رسول الله وَله: ((لا تفضلوني على الأنبياء، فإن الناس يُصعقون يوم القيامة، فأكون
أول من يفيق، فأجد موسى باطشاً بقائمة العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور؟
فلا تفضلوني على الأنبياء)) وفي رواية: ((لا تفضلوا بين الأنبياء؟))(٤).
فالجواب من وجوه:
(أحدها): أن هذا كان قبل أن يعلم بالتفضيل، وفي هذا نظر.
(الثاني): أن هذا قاله من باب الهضم والتواضع.
(١) أخرجه الإمام أحمد من طريق الحسن بن ذكوان عن عبد الواحد بن قيس عن عبادة بنحوه ثم قال: وهو
منكر (المسند ٤١٣/٣٧ ح ٢٢٧٥١).
(٢) سيأتي تخريجه في مطلع سورة الإسراء آية ٥٥.
(٣) سيأتي ذكره في مطلع سورة الإسراء بعدة روايات.
(٤) صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب وفاة موسى، وذكره بعد (ح٣٤٠٨)، وصحيح مسلم، كتاب
الفضائل (ح٢٣٧٣).

٢٣٩
• سُورَةُ الشََّقَةِ (٢٥٤، (٢٥٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
(الثالث): أن هذا نهي عن التفضيل في مثل هذه الحال التي تحاكموا فيها عند التخاصم
والتشاجر.
(الرابع): لا تفضلوا بمجرد الآراء والعصبية.
(الخامس): ليس مقام التفضيل إليكم، وإنما هو إلى الله ، وعليكم الانقياد والتسليم له،
والإيمان به.
وقوله: ﴿وَءَاتَيْنَا عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ الْبَيْنَتِ﴾ أي: الحجج والدلائل القاطعات على صحة ما جاء
بني إسرائيل به من أنه عبد الله ورسوله إليهم ﴿وَأَيَّدْنَهُ بُوجِ الْقُدُسُِ﴾ يعني: أن الله أيده
بجبريل عليّله، ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا أَقْتَتَلَ اُلَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَتُ
وَلَكِنِ اُخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم ◌َنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم ◌َن كَفَرَّ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا أَقْتَتَلُواْ﴾ أي: بل كل ذلك عن قضاء الله
وقدره، لهذا قالوا: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ .
﴿ ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ أَنفِقُواْ مِمَا رَزَقْتَكُم مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَعَةٌ
٢٥٤)
وَاُلْكَفِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ
يأمر تعالى عباده بالإنفاق مما رزقهم في سبيله، سبيل الخير، ليدّخروا ثواب ذلك عند ربهم
ومليكهم، وليبادروا إلى ذلك في هذه الحياة الدنيا، ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ﴾ يعني: يوم القيامة ﴿لَّا بَيْعٌ
فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَعَةٌ﴾ أي: لا يباع أحد من نفسه ولا يفادي بمال لو بذله، ولو جاء بملء الأرض
ذهباً، ولا تنفعه خلة أحد، يعني: صداقته بل ولا نسابته، كما قال: ﴿فَإِذَا نُفِيخَ فِ الصُّورِ فَلَا أَسَابَ
﴾ [المؤمنون: ١٠١] ولا شفاعة: أي: ولا تنفعهم شفاعة الشافعين.
بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَآءَلُونَ
وقوله: ﴿وَاُلْكَفِرُونَ هُمُ الَّلِمُونَ﴾ مبتدأ محصور في خبره، أي: ولا ظالم أظلم ممن وافى الله
يومئذٍ كافراً، وقد روى ابن أبي حاتم عن عطاء بن دينار أنه قال: الحمد لله الذي قال:
وَالْكَفِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ولم يُقل: والظالمون: هم الكافرون(١).
42 ﴿اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُمْ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمُّ لَّهُ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِّ مَنْ
ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنٍِ، يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمَّ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَآء
.
وَسِعَ كُرُسِتُّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَلَا يَُودُهُ حِفْظُهُمَاً وَهُوَ اُلْعَلِىُّ الْعَظِيمُ
هذه آية الكرسي، ولها شأن عظيم، وقد صحَّ الحديث عن رسول الله وَله، بأنها أفضل آية في
کتاب الله .
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا سفيان، عن سعيد الجريري، عن أبي السليل،
عن عبد الله بن رباح، عن أبي هو: ابن كعب، أن النبي وَ له، سأله: ((أي آية في كتاب الله
أعظم))؟ قال الله ورسوله أعلم، فردّدها مراراً (٢)، ثم قال: آية الكرسي، قال: «ليهنكَ العلم أبا
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق عمر بن سليمان عن عطاء بن دينار.
(٢) في الأصل: ((مرر)).

٢٤٠
• سُورَةُ الَقَةُ (٢٥٥)
المنذر، والذي نفسي بيده، إن لها لساناً وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش)) (١)، وقد رواه
مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن الجريري به، وليس عنده
زيادة: ((والذي نفسي بيده ... )) إلخ(٢).
(حديث آخر) عن أبي أيضاً في فضل آية الكرسي، قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا
أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا مبشر عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبدة بن أبي
لبابة، عن عبد الله بن أبي بن كعب، أن أباه أخبره أنه كان له ◌ُرْن(٣) فيه تمر، قال: فكان أبي
يتعاهده، فوجده ينقص، قال: فحرسه ذات ليلة، فإذا هو بدابة شبيه الغلام المحتلم، فسلمت
عليه، فردّ السلام، قال: فقلت: ما أنت؟ جنّي أم أنسي؟ قال: جنّي. قال: ناولني يدك، قال:
فناولني يده، فإذا يد كلب وشعر كلب، فقلت: هكذا خلق الجنّ. قال: لقد علمت الجنّ ما فيهم
أشد مني. قلت: فما حملك على ما صنعت؟ قال: بلغني أنك رجل تحب الصدقة، فأحببنا أن
نصيب من طعامك. قال: فقال له أبي: فما الذي يجيرنا منكم؟ قال: هذه الآية، آية الكرسي،
ثم غدا إلى النبي فأخبره، فقال النبي بَله: ((صدق الخبيث))(٤)، وهكذا رواه الحاكم في مستدركه
من حديث أبي داود الطيالسي، عن حرب بن شداد، عن يحيى بن أبي كثير، عن الحضرمي بن
لاحق، عن محمد بن عمرو بن أبي بن كعب، عن جده به، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم
يخرجاه(٥) .
(طريق آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عثمان بن غياث(٦)، قال:
سمعت أبا السليل، قال: كان رجل من أصحاب النبي وَلهو يحدث الناس حتى يكثروا عليه،
فيصعد على سطح بيت، فيحدث الناس، قال: قال رسول الله وَ الر الله: ((أي آية في القرآن
أعظم؟» فقال رجل: ﴿اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُمْ﴾ قال: فوضع يده بين كتفي، فوجدت بردها
بين ثدبي، أو قال: فوضع يده بين ثديي فوجدت بردها بين كتفي، وقال: «ليهنكَ العلم يا أبا
المنذر))(٧) .
(حديث آخر) عن الأسقع البكري. قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أبو يزيد
القرطيسي، حدثنا يعقوب بن أبي عباد المكي، حدثنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، أخبرني
عمر بن عطاء، أن مولى ابن الأسقع رجل صدق، أخبره عن الأسقع البكري، أنه سمعه يقول:
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٤١/٥، ١٤٢) وسنده صحيح.
(٢) صحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي (ح ٨١٠).
(٣) الجُرْن: هو موضع التمر الذي يجفف فيه (مختار الصحاح ص١٠١).
(٤) قال المنذري: سنده جيد (ينظر: الفتح القدسي في آية الكرسي للبقاعي ص٥٨)، الحاكم وأخرجه ووافقه
الذهبي (المستدرك ٥٦٢/١)، وأخرجه ابن حبان من طريق يحيى بن أبي كثير عن ابن لأبي بن كعب عن
أبيه (موارد الظمآن ص٤٢٦ ح ١٧٢٤).
(٥) المستدرك ١/ ٥٦٢.
(٦) في الأصل: ((عتاب)) .
(٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥٨/٥) وفيه أبو السليل وهو: ضُريب القيسي من السادسة
(التقريب ص ٢٨٠)، وهو لم يدرك أحداً من الصحابة فالإسناد منقطع ويشهد له الحديث الأول.