النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ • سُورَّةُ الَقَةِ (٢٣٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 الرضاع وفيما يتعلق برضاع الكبير، عن قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِيَّ أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. وقوله: ﴿وَعَلَى الْمَلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِلْعْرُوفِ﴾ أي: وعلى والد الطفل نفقة الوالدات وكسوتهن بالمعروف، أي بما جرت به عادة أمثالهنَّ من غير إسراف ولا إقتار، بحسب قدرته في يساره، وتوسطه وإقتاره، كما قال تعالى: ﴿لِنُفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِةٍ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَيُنفِقْ مِمَّآ ءَانَنَهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَآ ءَاتَنَهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُتْرًا ﴾﴾ [الطلاق] قال الضحاك: إذا طلق زوجته وله منها ولد، فأرضعت له ولده، وجب على الوالد نفقتها وكسوتها بالمعروف(١). وقوله: ﴿لَا تُضَارَ وَلِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ أي: بأن تدفعه عنها لتضر أباه بتربيته، ولكن ليس لها دفعه إذا ولدته حتى تستقيه اللبن الذي لا يعيش بدون تناوله غالباً، ثم بعد هذا لها دفعه عنها إذا شاءت، ولكن إن كانت مضارة لأبيه، فلا يحلّ لها ذلك، كما لا يحلّ له انتزاعه منها لمجرد الضرار لها، ولهذا قال: ﴿وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهٍ﴾ أي: بأن يريد أن ينتزع الولد منها إضراراً بها، قاله مجاهد وقتادة والضحاك والزهري والسدي والثوري وابن زيد(٢) وغيرهم. وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قيل: في عدم الضرار لقريبه، قاله مجاهد والشعبي والضحاك(٣)، وقيل: عليه مثل ما على والد الطفل من الإنفاق على والدة الطفل والقيام بحقوقها وعدم الإضرار بها، وهو قول الجمهور، وقد استقصى(٤) ذلك ابن جرير في تفسيره، وقد استدل بذلك من ذهب من الحنفية والحنبلية إلى وجوب نفقة الأقارب بعضهم على بعض، وهو مروي عن عمر بن الخطاب وجمهور السلف، ويرشح ذلك بحديث الحسن عن سمرة مرفوعاً: ((من ملك ذا رحم محرم، عتق عليه)) (٥)، وقد ذكر أن الرضاعة بعد الحولين ربما ضرت الولد إما في بدنه أو في عقله. وقال سفيان الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة: أنه رأى امرأة ترضع بعد الحولين، فقال: لا ترضعيّه(٦ (١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عنه. (٢) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر، وقول الزهري أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عُقيل عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه. (٣) قول مجاهد أخرجه الثوري في تفسيره من طريق عيسى بن ميمون عنه، وقول الشعبي أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عاصم الأحول عنه، وقول الضحاك أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح من طريق علي بن الحكم عنه (المصنف ٢٤٥/٥). (٤) في الأصل ذكر ذلك، والتصويب من (عف) و(حم) و(ح) والتخريج. (٥) أخرجه أبو داود (السنن، العتق، باب فيمن ملك ذا رحم ح٣٩٤٩)، والترمذي (السنن، الأحكام، باب ما جاء فيمن ملك ذا رحم محرَم ح١٣٦٥). وقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه مسنداً إلا من حديث حماد بن سلمة ... وقد روي عن ابن عمر عن النبي ◌َّه قال: ((من ملك ذا رحم فهو حر)) رواه ضمرة بن ربيعة عن الثوري عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي وَّر، ولم يتابع ضمرة على هذا الحديث. وهو حديث خطأ عند أهل الحديث (المصدر السابق). (٦) سنده صحيح. ٢٠٢ سُورَةُ الْبَقَرة (٢٣٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقوله: ﴿فَإِنْ أَرَدَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَهِمَا﴾ أي: فإن اتفق والدا الطفل على فطامه قبل الحولين، ورأيا في ذلك مصلحة له، وتشاورا في ذلك وأجمعا عليه، فلا جناح عليهما في ذلك، فيؤخذ منه أن انفراد أحدهما بذلك دون الآخر لا يكفي، ولا يجوز لواحد منهما أن يستبد بذلك من غير مشاورة الآخر، قاله الثوري وغيره، وهذا فيه احتياط للطفل وإلزام للنظر في أمره، وهو من رحمة الله بعباده حيث حجر على الوالدين في تربية طفلهما، وأرشدهما إلى ما يصلحهما ويصلحه، كما قال في سورة الطلاق: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَتُوُهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتِرُواْ بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ: أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدِتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلَدَكُمْ فَلَ جُنَاحَ عَلَيْكُنْ إِذَا سَلَّمْتُم ◌َّآ ءَانَيْتُ بِلْغُرُوفِّ﴾ أي: إذا اتفقت الوالدة والوالد على أن يستلم منها الولد إما لعذر منها أو العذر له، فلا جناح عليهما في بذله، ولا عليه في قبوله منها إذا سلمها أجرتها الماضية بالتي هي أحسن، واسترضع لولده غيرها بالأجرة بالمعروف، قاله غير واحد. وقوله: ﴿وَأَنَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: في جميع أحوالكم ﴿وَأَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ ◌ِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: فلا يخفى عليه شيء من أحوالكم وأقوالكم. ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِىّ أَنْفُسِهِنَ بِلْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَيرٌ (َ)﴾. هذا أمر من الله للنساء اللاتي يتوفى عنهن أزواجهن، أن يعتددن أربعة أشهر وعشر ليال، وهذا الحكم يشمل الزوجات المدخول بهن وغير المدخول بهن بالإجماع، ومستنده في غير المدخول بها عموم الآية الكريمة، وهذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي: أن ابن مسعود سئل عن رجل تزوج امرأة فمات عنها، ولم يدخل بها ولم يفرض لها، فترددوا إليه شهراً في ذلك، فقال أقول فيها برأيي، فإن يك صواباً فمن الله، وإن يك خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه: لها الصداق كاملاً، وفي لفظ: لها صداق مثلها لا وكس ولا شطط(١)، وعليها العدة، ولها الميراث، فقام معقل بن يسار الأشجعي فقال: سمعت رسول الله ◌َّر، قضى به في بروع بنت واشق، ففرح عبد الله بذلك فرحاً شديداً(٢). وفي رواية: فقام رجال من أشجع فقالوا: نشهد أن رسول الله وَّ قضى به في بروع بنت واشق(٣)، ولا يخرج من ذلك إلا المتوفى عنها زوجها، وهي حامل، فإن عدتها بوضع الحمل ولو لم تمكث بعده سوى لحظة لعموم قوله: ﴿وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ [الطلاق: ٤]، وكان ابن عباس يرى أن عليها أن تتربص بأبعد الأجلين من الوضع، أو أربعة أشهر وعشر (١) أي لا نقص ولا ظلم. (٢) أخرجه أحمد (المسند ٢٨٠/٤)، وأبو داود (السنن، النكاح، باب فيمن تزوج ولم يسم صداقاً حتى مات ح ٢١١٤٦)، والترمذي (السنن، النكاح، باب ما جاء في الرجل يتزوج المرأة فيموت عنها قبل أن يفرض لها ح ١١٤٥)، وابن ماجه (السنن، النكاح، باب الرجل يتزوج ولا يفرض لها فيموت على ذلك ح ١٨٩١)، وصححه الترمذي، والألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٥٣٤). (٣) هذه الرواية في المسند (ح٤٠٩٩)، وفي سنن أبي داود، الموضع السابق. ٢٠٣ سُورَةُ الَقَة (٢٣٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 للجمع بين الآيتين، وهذا مأخذ جيد ومسلك قوي، لولا ما ثبتت به السنة في حديث سَبيعة الأسلمية المخرج في الصحيحين من غير وجه، أنها توفي عنها زوجها سعد بن خولة وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، وفي رواية: فوضعت حملها بعده بليال، فلما تعلت(١) من نفاسها، تجملت للخُطّاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك، فقال لها: ما لي أراك متجملة لعلك ترجين النكاح؟ والله ما أنت بناكح حتى يمرّ عليك أربعة أشهر وعشر. قالت سَبيعة: فلما قال لي ذلك، جمعت عليَّ ثيابي حين أمسيت، فأتيت رسول الله رسله فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزويج إن بدا لي(٢). قال أبو عمر بن عبد البر: وقد روي أن ابن عباس رجع إلى حديث سَبيعة، يعني لما احتج عليه به، قال: ويصحح ذلك عنه، أن أصحابه أفتوا بحديث سَبيعة، كما هو قول أهل العلم قاطبة. وكذلك يستثنى من ذلك الزوجة إذا كانت أمة، فإن عدتها على النصف من عدة الحرة، شهران وخمس ليال على قول الجمهور، لأنها لما كانت على النصف من الحرة في الحد، فكذلك فلتكن على النصف منها في العدة. ومن العلماء كمحمد بن سيرين وبعض الظاهرية من يسوي بين الزوجات الحرائر والإماء في هذا المقام لعموم الآية، ولأن العدة من باب الأمور الجبلية التي تستوي فيها الخليقة. وقد ذكر سعيد بن المسيب، وأبو العالية(٣) وغيرهما، أن الحكمة في جعل عدة الوفاة أربعة أشهر وعشراً، لاحتمال اشتمال الرحم على حمل، فإذا انتظر به هذه المدة، ظهر إن كان موجوداً، كما جاء في حديث ابن مسعود الذي في الصحيحين وغيرهما: ((إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة(٤)، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه الملك فينفح فيه الروح))(٥)، فهذه ثلاث أربعينات بأربعة أشهر، والاحتياط بعشر بعدها لما قد ينقص بعض الشهور، ثم لظهور الحركة بعد نفخ الروح فيه، والله أعلم. قال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: سألت سعيد بن المسيب: ما بال العشر؟ قال: فيه ينفخ الروح(٦). وقال الربيع بن أنس: قلت لأبي العالية: لمَ صارت هذه العشر مع الأشهر الأربعة؟ قال: لأنه ينفخ فيه الروح (٧)، رواهما ابن جرير، ومن ههنا ذهب الإمام أحمد في رواية عنه إلى أن عدة أُم الولد عدة الحرة ههنا، لأنها صارت فراشاً كالحرائر، وللحديث الذي رواه الإمام أحمد عن يزيد بن هارون، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن رجاء بن حيوة، عن قبيصة بن ذؤيب، (١) أي انتهت من نفاسها . (٢) صحيح البخاري، الطلاق، باب ﴿وَأَِّى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ أَرْتَبْتُمْ﴾ [الطلاق: ٤] (ح ٥٣١٨ - ٥٣٢٠)، وصحيح مسلم، الطلاق، باب انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها (ح ١٤٨٤). (٤) لفظ: ((نطفة)) سقط من الأصل. (٣) سيأتي نصهما بعد حديث ابن مسعود التالي. (٥) صحيح البخاري، بدء الخلق (ح٣٢٠٨)، وصحيح مسلم، القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أُمه (ح ٢٦٤٣). (٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق سُنيد عن أبي عاصم عن سعيد بن أبي عروبة به. (٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع به. ٢٠٤ سُورَةُ الْبَقَرّة (٢٣٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000000 عن عمرو بن العاص أنه قال: لا تلبّسوا علينا سنة نبينا، عدة أُم الولد إذا توفي عنها سيدها أربعة أشهر وعشر(١). ورواه أبو داود عن قتيبة (٢)، عن غُندُر، وعن ابن المثنى، عن عبد الأعلى، وابن ماجه عن علي بن محمد، عن وكيع، ثلاثتهم عن سعيد بن أبي عروبة، عن مطر الوراق، عن رجاء بن حيوة، عن قبيصة، عن عمرو بن العاص ... فذكره (٣). وقد روي عن الإمام أحمد أنه أنكر هذا الحديث، وقيل: إن قبيصة لم يسمع عَمراً، وقد ذهب إلى القول بهذا الحديث طائفة من السلف، منهم سعيد بن المسيب ومجاهد وسعيد بن جبير، والحسن وابن سيرين وأبو عياض والزهري وعمر بن عبد العزيز، وبه كان يأمر يزيد بن عبد الملك بن مروان، وهو أمير المؤمنين، وبه يقول الأوزاعي وإسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل في رواية عنه. وقال طاوس وقتادة: عدة أُم الولد إذا توفي عنها سيدها نصف عدة الحرة شهران وخمس لیال. وقال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري والحسن بن صالح بن حيي: تعتد بثلاث حيض، وهو قول علي وابن مسعود وعطاء وإبراهيم النخعي. وقال مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه: عدتها حيضة، وبه يقول ابن عمر والشعبي ومکحول واللیث وأبو عبيد وأبو ثور والجمهور. وقال الليث: ولو مات وهي حائض، أجزأتها . وقال مالك: فلو كانت ممن لا تحيض، فثلاثة أشهر. وقال الشافعي والجمهور: شهر وثلاثة أحب إليّ، والله أعلم. وقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِىَّ أَنفُسِهِنَ بِلْمَعْرُوفِّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَيْرٌ﴾ يستفاد من هذا وجوب الإحداد على المتوفى عنها زوجها مدة عدتها لما ثبت في الصحيحين عن غير وجه [عن أُم حبيبة وزينب بنت جحش أم المؤمنين(٤) أن رسول الله وَالر قال: ((لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً)(٥)، وفي الصحيحين أيضاً عن أم سلمة أن امرأة قالت: يا رسول الله، إني ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفنكحلها؟ فقال: ((لا)) كل ذلك يقول: ((لا)) مرتين أو ثلاثاً، ثم قال: ((إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكم في الجاهلية تمكث سنة)) قالت زينب بنت (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٠٣/٤) وقد حكم عليه الحافظ ابن كثير والصحيح وقفه قال البيهقي: الموقوف أصح (السنن الكبرى ٤٤٧/٧). (٢) في الأصل: ((حذيفة)) والتصويب من (عف) و(حم) والتخريج. (٣) سنن أبي داود، الطلاق، باب في عدة أم الولد (ح٢٣٠٨)، وسنن ابن ماجه، الطلاق، باب عدة أم الولد (ح ٢٠٨٣). (٤) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(حم) والتخريج. (٥) صحيح البخاري، الطلاق، باب عدة المتوفى عنها أربعة أشهر وعشراً (ح ٥٣٣٤ - ٥٣٣٧)، وصحيح مسلم، الطلاق، باب انقضاء عدة المتوفى عنها زواجها (ح١٤٨٦ و١٤٨٨). ٢٠٥ • سُورَةُ الْبَقَة (٢٣٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أم سلمة: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها، دخلت حفشاً ولبست شر ثيابها، ولم تمسَ طيباً ولا شيئاً حتى تمر بها سنة، ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها، ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة أو طير فتفتض به(١). فقلما تفتض بشيء إلا مات(٢). ومن ههنا ذهب كثيرون من العلماء إلى أن هذه الآية ناسخة للآية التي بعدها، وهي قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَجِهِمِ مَّتَعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجْ﴾ [البقرة: ٢٤٠] الآية، كما قاله ابن عباس وغيره، وفي هذا نظر كما سيأتي تقريره. والغرض أن الإحداد هو عبارة عن ترك الزينة من الطيب ولبس ما يدعوها إلى الأزواج من ثياب وحلي وغير ذلك، وهو واجب في عدة (٣) الوفاة قولاً واحداً، ولا يجب في عدة الرجعية قولاً واحداً، وهل يجب في عدة البائن فيه قولان. ويجب الإحداد على جميع الزوجات المتوفى عنهن أزواجهن، سواء في ذلك الصغيرة والآيسة والحرة والأمة والمسلمة والكافرة، لعموم الآية، وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه: لا إحداد على الكافرة، وبه يقول أشهب وابن نافع من أصحاب مالك، وحجة قائل هذه المقالة قوله ◌َ﴾: ((لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً) (٤) قالوا: فجعله تعبداً، وألحق أبو حنيفة وأصحابه والثوري الصغيرة بها لعدم التكليف، وألحق أبو حنيفة وأصحابه الأَمةَ المسلمة لنقصها، ومحل تقرير ذلك كله في كتب الأحكام والفروع، والله الموفق للصواب. [وقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي: انقضت عدتهن، قاله الضحاك والربيع بن أنس(٥). ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ قال الزهري: أي على أوليائها. ﴿فِيمَا فَعَلْنَ﴾ يعني النساء اللاتي انقضت عدتهم، قال العوفي عن ابن عباس: إذا طلقت المرأة أو مات عنها زوجها، فإذا انقضت عدتها فلا جناح عليها أن تتزين وتتصنع وتتعرض للتزويج، فذلك المعروف(٦)، وروي عن مقاتل بن حيان نحوه، وقال ابن جريج عن مجاهد ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِىَّ أَنْفُسِهِنَ بِلْمَعْرُوفِ﴾ قال: النكاح الحلال الطيب(٧)، وروي عن الحسن والزهري والسدي ونحو ذلك(٨)](٩). (١) قال ابن الأثير: أي تكسير ما هي فيه من العدة بأن تأخذ طائراً فتمسح به فرجها وتنبذه فلا يكاد يعيش (النهاية ٤٥٤/٣). (٢) سبق تخريجه في الصفحة السابقة حاشية رقم (٥). (٣) في الأصل: ((هذه) والتصويب من (عف) و(مح) و(حم) و(ح). (٤) تقدم عزوه في الحديث السابق. (٥) قول الضحاك أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق جويبر عنه، وقول الربيع ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند. (٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. (٧) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سفيان الثوري عن ابن جريج به، وأخرجه الطبري من طريق سفيان الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد وسنده صحيح. (٨) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول الزهري والسدي أخرجهما الطبري بسند حسن عن كل واحد منهما . (٩) ما بين معقوفين سقط واستدرك من (عف) و(ح) و(مح). ٢٠٦ سُورَةُ الْبََّقَةِ (٢٣٥) 2] ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ، مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِى أَنفُسِكُمَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُونَهُنَّ وَلَكِن لََّ تُوَاعِدُ وهُنَّ سِرَّا إِلَّ أَنْ تَقُولُواْ قَوْلًا مَّعْرُوفَأُ وَلَا تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ اُلْكِتَبُ أَجَةً، وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِىَّ أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوٌ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورُ حَلِيمٌ يقول تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ أن تعرضوا بخطبة النساء في عدتهن من وفاة أزواجهن من غير تصريح، قال الثوري وشعبة وجرير وغيرهم، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس: في قوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ، مِنْ خِطْبَةِ النِّسَلِ﴾ قال: التعريض أن يقول: إني أريد التزويج، وإني أحب امرأة من أمرها ومن أمرها - يعرض لها بالقول بالمعروف(١) - وفي رواية: وددت أن الله رزقني امرأة، ونحو هذا، ولا ينصب للخطبة، وفي رواية: إني لا أريد أن أتزوج غيرك إن شاء الله، ولوددت أني وجدت امرأة صالحة، ولا ينصب لها ما دامت في عدتها(٢). ورواه البخاري تعليقاً فقال: وقال لي طلق بن غنام، عن زائدة، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَضْتُم بِهِ، مِنْ خِطْبَةِ النِسَآءِ﴾ هو أن يقول: إني أريد التزويج، وإن النساء لمن حاجتي، ولوددت أن ييسر لي امرأة صالحة(٣)، وهكذا قال مجاهد وطاوس وعكرمة وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي والشعبي والحسن وقتادة والزهري ويزيد بن قسيط ومقاتل بن حيان والقاسم بن محمد (٤) وغير واحد من السلف والأئمة في التعريض: إنه يجوز للمتوفى عنها زوجها من غير تصريح لها (6) بالخطبة، وهكذا حكم المطلقة المبتوتة يجوز التعريض لها، كما قال النبي ويل ر لفاطمة بنت قيس حين طلقها زوجها أبو عمرو بن حفص آخر ثلاث تطليقات، فأمرها أن تعتد في بيت ابن أُم مكتوم، وقال لها: فإذا حللت فآذنييني، فلما حلت، خطب عليها أسامة بن زيد مولاه، فزوجها إياه (٦). فأما المطلقة الرجعية فلا خلاف في أنه لا يجوز لغير زوجها التصريح بخطبتها ولا التعريض لها، والله أعلم. وقوله: ﴿أَوْ أَكْتَنْتُمْ فِىَّ أَنفُسِكُمَّ﴾ أي: أضمرتم في أنفسكم من(٧) خطبتهن، وهذا كقوله ﴿4﴾ [القصص] وكقوله: ﴿وَأَنَأْ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ وَمَّآ أَعْلَئُمْ﴾ [الممتحنة: ١] ولهذا قال: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُونَهُنَّ﴾ أي: في أنفسكم، فرفع الحرج عنکم في ذلك. (١) أخرجه ابن أبي شيبة عن جرير بن عبد الحميد عن منصور، وهو ابن عباد الناجي عن مجاهد عن ابن عباس (المصنف ٢٥٧/٤) وسنده حسن. (٢) أخرجه عبد الرزاق عن منصور به (المصنف ١٢١٥٤)، وسنده حسن. (٣) صحيح البخاري، النكاح، باب قول الله رَّ: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ، مِنْ خِطِبَةِ النِّسَآِ ... ﴾ [البقرة: ٢٣٥] (ح٥١٢٤). وهذا الموقوف قد روي نحوه مرفوعاً كما سيأتي في حديث فاطمة بنت قيس الآتي والشاهد فيه: ((فإذا حللت فآذنيني)). (٤) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند. (٥) لفظ: ((لها)) سقط من الأصل وأثبت من (عف) و(مح) و(ح). (٦) أخرجه مسلم، الصحيح، الطلاق، باب المطلقة ثلاثاً لا نفقة لها (ح ١٤٨٠). (٧) لفظ: ((من)) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(مح). ٢٠٧ • سُورَةُ الْبَقَرّة (٢٣٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ثم قال: ﴿وَلَكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ قال أبو مِجلز وأبو الشعثاء جابر بن زيد والحسن البصري وإبراهيم النخعي وقتادة والضحاك والربيع بن أنس وسليمان التيمي ومقاتل بن حيان والسدي: يعني الزنا (١)، وهو معنى رواية العوفي عن ابن عباس(٢)، واختاره ابن جرير(٣). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَلَكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًا﴾ لا تقل لها: إني عاشق وعاهديني أن لا تتزوجي غيري، ونحو هذا (٤)، وكذا روي عن سعيد بن جبير والشعبي وعكرمة وأبي الضحى والضحاك والزهري ومجاهد والثوري، هو أن يأخذ ميثاقها أن لا تتزوج غيره. وعن مجاهد: هو قول الرجل للمرأة: لا تفوتيني بنفسك فإني ناكحك(٥). وقال قتادة: هو أن يأخذ عهد المرأة وهي في عدتها أن لا تنكح غيره، فنهى الله عن ذلك، وقدم فيه وأحل الخطبة، والقول بالمعروف(٦). وقال ابن زيد: ﴿وَلَكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًا﴾ هو أن يتزوجها في العدة سراً (٧)، فإذا حلَّت أظهر ذلك(٨)، وقد يحتمل أن تكون الآية عامة في جميع ذلك، لهذا قال: ﴿إِلَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ قال ابن عباس(٩) ومجاهد وسعيد بن جبير والسدي والثوري وابن زيد: يعني به ما تقدم من إباحة التعريض كقوله: إني فيك لراغب ونحو ذلك. وقال محمد بن سيرين: قلت لعبيدة: ما معنى قوله: ﴿إِلَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾؟ قال: يقول لوليها: لا تسبقني بها، يعني: لا تزوجها حتى تعلمني، رواه ابن أبي حاتم(١٠). وقوله: ﴿وَلَا تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِنَبُ أَجَلَهُ﴾ يعني: ولا تعقدوا العقد بالنكاح حتى تنقضي العدة. قال ابن عباس(١١) ومجاهد والشعبي وقتادة والربيع بن أنس، وأبو مالك وزيد بن أسلم ومقاتل بن حيان والزهري وعطاء الخراساني والسدي والثوري والضحاك: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ اُلْكِنَبُ أَجَلَهُ﴾ يعني: ولا تعقدوا العقد بالنكاح حتى تنقضي العدة (١٢). (١) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند إلا قول أبي مجلز والحسن البصري فأخرجهما ابن أبي حاتم بسند صحيح، وقول إبراهيم النخعي أخرجه سفيان الثوري عن السدي عنه وسنده حسن، وقول أبي الشعثاء أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق صالح الدهان عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه (المصنف رقم ١٢١٦٨). (٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف، ويشهد له ما سبق. (٣) في الأصل: ((ابن خزيمة)) والتصويب من (عف) و(مح) و(ح) والتخريج. (٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت. (٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه. (٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن أبي عروبة عنه. (٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه بنحوه. (٨) لفظ: ((سراً)) سقط من الأصل وأثبت من (عف) و(ح) والتخريج. (٩) تقدم من طريق علي بن أبي طلحة. (١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عبد الله بن عوف عن ابن سيرين. (١١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق عطاء الخراساني عن ابن عباس، وأخرجه الطبري من طريق عطية العوفي عن ابن عباس، وكلا الإسنادين ضعيف ويشهد له الآثار وإجماع العلماء، كما قرر الحافظ ابن كثير. (١٢) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند. ٠ ٢٠٨ سُورَةُ الْبَوَّة (٢٣٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقد أجمع العلماء على أنه لا يصح العقد في العدة. واختلفوا فيمن تزوج امرأة في عدتها، فدخل بها، فإنه يفرق بينهما، وهل تحرم عليه أبداً؟ على قولين: الجمهور على أنها لا تحرم عليه، بل له أن يخطبها إذا انقضت عدتها . وذهب الإمام مالك إلى أنها تحرم عليه على التأبيد، واحتج في ذلك بما رواه عن ابن شهاب وسليمان بن يسار، أن عمر ظ ◌ُبه، قال: أيما امرأة نكحت في عدتها، فإن كان زوجها الذي تزوج بها لم يدخل بها فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول، [وكان خاطباً من الخطاب، وإن كان دخل بها فرق بينهما ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول](١) ثم اعتدت من الآخر، ثم لم ينكحها أبداً(٢). وقالوا: ومأخذ هذا أن الزوج لما استعجل ما أحل الله، عوقب بنقيض قصده، فحرمت عليه على التأبيد كالقاتل يحرم الميراث. وقد روى الشافعي هذا الأثر عن مالك. قال البيهقي: وذهب إليه في القديم ورجع عنه في الجديد، لقول علي أنها تحل له. (قلت): قال: ثم هو منقطع عن عمر. وقد روى الثوري عن أشعث، عن الشعبي، عن مسروق، أن عمر رجع عن ذلك، وجعل لها مهرها وجعلهما يجتمعان(٣). وقوله: ﴿وَأَعْلَمُوْاْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِىَ أَنفُسِكُمْ فَأَعْذَرُوهُ﴾، توعدهم على ما يقع في ضمائرهم من أمور النساء، وأرشدهم إلى إضمار الخير دون الشر، ثم لم يؤيسهم من رحمته، ولم يقنطهم من عائدته، فقال: ﴿وَأَعْلَمُوَاْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ . ﴿ ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن ◌َّقْتُمُ الْنِسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةٌ وَمَتْعُوهُنَّ عَلَى الْوُسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُفْتِ قَدَرُؤُ مَتَمَا بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ أباح تبارك وتعالى طلاق المرأة بعد العقد عليها، وقبل الدخول بها. قال ابن عباس وطاوس وإبراهيم والحسن البصري: المس النكاح(٤)، بل ويجوز أن يطلقها قبل الدخول بها والفرض لها، إن كانت مفوضة وإن كان في هذا إنكسار لقلبها، ولهذا أمر تعالى بإمتاعها وهو تعويضها عما فاتها بشيء تعطاه من زوجها بحسب حاله، على الموسع قدره، وعلى المقتر قدره. وقال سفيان الثوري، عن إسماعيل بن أمية، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: متعة الطلاق أعلاه الخادم، ودون ذلك الورق، ودون ذلك الكسوة(٥) . وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: إن كان موسراً متعها بخادم أو نحو(٦) ذلك، وإن (١) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج. (٢) الموطأ، النكاح، باب جامع ما لا يجوز من النكاح ٥٣٦/٢ (ح٢٧)، وقد حكم عليه الحافظ ابن كثير بالانقطاع. (٣) سنده حسن. (٤) قول ابن عباس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وبقية الرواة ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند. (٥) أخرجه ابن أبي شيبة من طريق سفيان به (المصنف ١٥٦/٥) وسنده صحيح. (٦) في الأصل: ((شبه)) وكلاهما مستقيم المعنى. ٢٠٩ سُورَةُ الجَوَةِ (٢٣٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 كان معسراً أمتعها بثلاثة أثواب (١) . [وقال الشعبي: أوسط ذلك درع وخمار وملحفة وجلباب](٢)، قال: وكان شريح يمتع بخمسمائة(٣) . وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، قال: كان يمتع بالخادم أو بالنفقة أو بالكسوة (٤). قال: ومتع الحسن بن علي بعشرة آلاف، ويروى أن المرأة قالت: متاع قليل من حبيب مفارق(٥) . وذهب أبو حنيفة إلى أنه متى تنازع الزوجان في مقدار المتعة وجب لها عليه نصف مهر مثلها . وقال الشافعي في الجديد: لا يجبر الزوج على قدر معلوم إلا أقل ما يقع عليه اسم المتعة، وأحب ذلك إلي أن يكون أقله ما يجزئ فيه الصلاة. وقال في القديم: لا أعرف في المتعة وقتاً إلا إني أستحسن ثلاثين درهماً، کما روي عن ابن عمر هما. وقد اختلف العلماء أيضاً: هل تجب المتعة لكل مطلقة أو إنما تجب المتعة لغير المدخول بها التي لم يفرض لها؟ على أقوال: (أحدها): أنها تجب المتعة لكل مطلقة لعموم قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَتِ مَتَعٌ بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَىَ الْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة] ولقوله تعالى: ﴿يَأَُهَا النَّبِىُّ قُل لِأَزْوَِكَ إِن كُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جميلًا (٣)﴾ [الأحزاب] وقد كن مفروضاً لهن ومدخولاً بهن، وهذا قول سعيد بن جبير وأبي العالية والحسن البصري(٦)، وهو أحد قولي الشافعي ومنهم من جعله الجديد الصحيح، والله أعلم. (والقول الثاني): أنها تجب للمطلقة إذا طلقت قبل المسيس، وإن كانت مفروضاً لها، لقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا تَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْنَدُونَهَا فَمَنِعُوهُنَّ وَسَرِجُوهُنَ سَرَاحًا جَمِيلًا (٣)﴾ [الأحزاب] قال شعبة وغيره، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال: نسخت هذه الآية التي في الأحزاب الآيةَ التي في البقرة(٧) . وقد روى البخاري في صحيحه، عن سهل بن سعد وأبي أُسيد. أنهما قالا: تزوج رسول الله وَ ل# أميمة بنت سراحيل، فلما أدخلت عليه، بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أُسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رازقيين (٨). (القول الثالث): أن المتعة إنما تجب للمطلقة إذا لم يدخل بها ولم يفرض لها، فإن كان قد (١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة به. (٢) ما بين قوسين زيادة من (عف) و(ح) و(حم). (٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق داود بن أبي هند عن الشعبي. (٤) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه (المصنف رقم ١٢٢٥٦) وسنده صحيح. (٥) أخرجه عبد الرزاق بالسند المتقدم وابن سيرين لم يسمع من الحسن بن علي. (٦) أخرجه الطبري بأسانيد صحيحة عن الثلاثة التابعين. (٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق محمد بن جعفر عن شعبة به. (٨) صحيح البخاري، الطلاق، باب من طلق وهل يواجه الرجل امرأته بالطلاق (ح ٥٢٥٦ - ٥٢٥٧). والثياب الرازقية: ثياب من قطن بيض طوال (ينظر: فتح الباري ٣٥٩/٩). ٢١٠ • سُورَةُ الْبَدَّةَ (٢٣٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 دخل بها، وجب لها مهر مثلها إذا كانت مفوضة وإن كان قد فرض لها وطلقها قبل الدخول، وجب لها عليه شطره، فإن دخل بها استقر الجميع، وكان ذلك عوضاً لها عن المتعة، وإنما المصابة التي لم يفرض لها ولم يدخل بها، فهذه التي دلَّت هذه الآية الكريمة على وجوب متعتها، هذا قول ابن عمر ومجاهد (١)، ومن العلماء من استحبها لكل مطلقة ممن عدا المفوضة المفارقة قبل الدخول، وهذا ليس بمنكور، عليه تحمل آية التخيير في الأحزاب، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلْمُطَلَّقَتِ مَتَعٌ بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى الْمُنَّقِينَ (٣)﴾ [البقرة]. ومن العلماء من يقول: إنها مستحبة مطلقاً. قال ابن أبي حاتم: حدثنا كثير بن شهاب القزويني، حدثنا محمد بن سعيد بن سابق، حدثنا عمرو - يعني ابن أبي قيس - عن أبي إسحاق، عن الشعبي، قال: ذكروا له المتعة، أيحبس (٢) فيها؟ فقرأ: ﴿عَلَى الْوُسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ قال الشعبي: والله ما رأيت أحداً حبس فيها، والله لو كانت واجبة لحبس فيها القضاة(٣). - ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِضَةً فَنِصْفُ مَا فَضْتُمْ إِلَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُواْ الَّذِى بِيَدِهِ، عُقْدَةُ النِّكَاحِّ وَأَنْ تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىُّ وَلَا تَنسَوْ اُلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ .(@) بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيُُّ وهذه الآية الكريمة مما يدل على اختصاص المتعة بما دلَّت عليه الآية الأولى، حيث إنما أوجب في هذه الآية نصف المهر المفروض إذا طلق الزوج قبل الدخول، فإنه لو كان ثم واجب آخر من متعة لبينها لا سيما وقد قرنها بما قبلها من اختصاص المتعة بتلك الحالة، والله أعلم. وتشطير الصداق(٤) والحالة هذه أمر مجمع عليه بين العلماء، لا خلاف بينهم في ذلك، فإنه متى كان قد سمى لها صداقاً ثم فارقها قبل دخوله بها، فإنه يجب لها نصف ما سمى من الصداق، إلا أن عند الثلاثة أنه يجب جميع الصداق إذا خلا بها الزوج وإن لم يدخل بها، وهو مذهب الشافعي في القديم، وبه حكم الخلفاء الراشدون، لكن قال الشافعي: أخبرنا مسلم بن خالد، أخبرنا ابن جريج(٥)، عن ليث بن أبي سُليم، عن طاوس، عن ابن عباس أنه قال في الرجل يتزوج المرأة فيخلو بها ولا يمسها ثم يطلقها: ليس لها إلا نصف الصداق، لأن الله يقول: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَمُنَّ فَرِضَةً فَنِصْفُ مَا فَضْتُمْ﴾ (٦) قال الشافعي: وهذا أقوى(٧)، وهو ظاهر الكتاب. قال البيهقي: وليث بن أبي سُليم، وإن كان غير محتج به، فقد (١) قول مجاهد أخرجه عبد الرزاق (المصنف رقم ١٢٢٣٥)، والطبري كلاهما من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. وسنده صحيح. (٢) في الأصل: ((الحبس فيها)) والتصويب من (عف) و(ح) والتخريج. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن. (٤) في الأصل: ((الطلاق)) والتصويب من (عف) و(ح) و(حم). (٥) في الأصل: ((ابن جرير)) والتصويب من (عف) و(ح) والتخريج. (٦) أخرجه الشافعي بسنده ومتنه (ترتيب مسند الشافعي، النكاح، باب في أحكام الصداق ٩/٢ ح١٢). وفيه لیٹ وقد توبع كما سيأتي. (٧) كذا في الأصل وفي (عف): ((بهذا أقول)). ٢١١ سُورَةُ الْبَقَّة (٢٣٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 رويناه من حديث ابن أبي طلحة عن ابن عباس فهو مقوٍّ له(١). وقوله: ﴿إِلَّ أَنْ يَعْفُونَ﴾ أي: النساء، عما وجب لها على زوجها من النصف، فلا يجب لها عليه شيء. قال السدي، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلَّ أَنْ يَعْفُونَ﴾ قال: إلا أن تعفو الثيب فتدع حقها (٢). قال الإمام أبو محمد بن أبي حاتم تَظْتُ: روي عن شريح وسعيد بن المسيب وعكرمة ومجاهد والشعبي والحسن ونافع وقتادة وجابر بن زيد وعطاء الخراساني والضحاك والزهري ومقاتل بن حيان وابن سيرين والربيع بن أنس والسدي نحو ذلك. قال: وخالفهم محمد بن كعب القرظي فقال: ﴿إِلَّ أَنْ يَعْفُونَ﴾ يعني: الرجال، وهو قول شاذ لم يتابع عليه(٣)، انتهى كلامه. وقوله: ﴿أَوْ يَعْفُواْ الَّذِى بِيَدِهِ، عُقْدَةُ الْنِكَاجْ﴾ قال ابن أبي حاتم: ذُكر عن ابن لهيعة، حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ◌ِّر، قال: ((ولي عقد النكاح الزوج)) وهكذا أسنده ابن مردويه من حديث عبد الله بن لهيعة به، وقد أسنده ابن جرير عن ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب، أن رسول الله وَلچر ... فذكره ولم يقل: عن أبيه، عن جده (٤)، فالله أعلم. ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا جابر - يعني: ابن حازم -، عن عيسى - يعني: ابن عاصم -، قال: سمعت شريحاً يقول: سألني علي بن أبي طالب عن الذي بيده عقدة النكاح، فقلت له: هو ولي المرأة، فقال علي: لا، بل هو الزوج(٥)، ثم قال: وفي إحدى الروايات عن ابن عباس وجبير بن مطعم وسعيد بن المسيب وشريح في أحد قوليه، وسعيد بن جبير ومجاهد والشعبي وعكرمة ونافع ومحمد بن سيرين والضحاك ومحمد بن كعب القرظي وجابر بن زيد وأبي مجلز والربيع بن أنس وإياس بن معاوية ومكحول ومقاتل بن حيان، أنه الزوج(٦). (قلت): وهذا هو الجديد من قولي الشافعي، ومذهب أبي حنيفة وأصحابه، والثوري وابن شبرمة والأوزاعي، واختاره ابن جرير، ومأخذ هذا القول أن الذي بيده عقدة النكاح حقيقة الزوج، فإن بيده عقدها وإبرامها ونقضها وانهدامها، وكما أنه لا يجوز للوليّ، أن يهب شيئاً من مال المولية للغير، فكذلك في الصداق، قال(٧): والوجه الثاني: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا محمد بن مسلم، حدثنا عمرو بن دينار، عن ابن عباس - في الذي ذكر الله بيده (١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم والبيهقي (السنن الكبرى ٧/ ٢٥٢) كلهم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وسنده ثابت، يقوي رواية ليث كما سبق وكما نقل الحافظ ابن كثير عن البيهقي. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق السدي به، وفي سنده أبو صالح وهو باذام أو باذان مولى أم هانئ، وهو ضعيف، ویتقوی بالآثار التي تليه. (٣) ذكره ابن أبي حاتم بنصه وذكر المفسرين كلهم بحذف السند، وقول مجاهد وابن سيرين وشريح والزهري ونافع والسدي والربيع بن أنس أخرجه الطبري بأسانيد ثابتة عنهم. (٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بالأسانيد المتقدمة. قال البيهقي: وهذا غير محفوظ، وابن لهيعة غير محتج به (السنن الكبرى ٢٥٢/٧). (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح. (٦) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند. (٧) أي: ابن أبي حاتم في تفسيره. ٢١٢ • سُورَةُ الْبَقَة (٢٣٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 عقدة النكاح - قال: ذلك أبوها أو أخوها أو من لا تنكح إلا بإذنه. وروي عن علقمة والحسن وعطاء وطاوس والزهري وربيعة وزيد بن أسلم وإبراهيم النخعي وعكرمة في أحد قوليه، ومحمد بن سيرين في أحد قوليه: أنه الولي(١). وهذا مذهب مالك، وقول الشافعي في القديم، ومأخذه أن الولي هو الذي أكسبها إياه، فله التصرف فيه بخلاف سائر مالها . وقال ابن جرير: حدثنا سعيد بن الربيع الرازي، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، قال: أذن الله في العفو وأمر به، فأي امرأة عفت جاز عفوها، فإن شخّت وضنَّت عفا وليها جاز عفوه(٢) . وهذا يقتضي صحة عفو الولي وإن كانت رشيدة، وهو مروي عن شريح، لكن أنكر عليه الشعبي، فرجع عن ذلك وصار إلى أنه الزوج وكان يباهل عليه. وقوله: ﴿وَأَنْ تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. قال ابن جرير: قال بعضهم: خوطب به الرجال والنساء، حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، سمعت ابن جريج يحدث، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس ﴿وَأَنْ تَمْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ قال: أقربهما للتقوى الذي يعفو، وكذا روي عن الشعبي وغيره. وقال مجاهد والضحاك ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس والثوري: الفضل - ههنا - أن تعفو المرأة عن شطرها أو إتمام الرجل الصداق لها، ولهذا قال: ﴿وَلَا تَنسَوُاْ اُلْفَضْلَ﴾ أي: الإحسان، قاله سعید. وقال الضحاك وقتادة والسدي وأبو وائل المعروف: يعني لا تهملوه بل استعملوه بينكم. وقد قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا موسى بن إسحاق، حدثنا عقبة بن مكرم، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا عبد الله بن الوليد الوصّافي، عن عبد الله بن عبيد، عن علي بن أبي طالب، أن رسول الله وَّه قال: ((ليأتينَّ على الناس زمان عضوض، يعَض المؤمن على ما في يديه وينسى الفضل، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنسَوَأْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ شرار(٣) يبايعون كل مضطر)). وقد نهى رسول الله وَّ ل عن بيع المضطر، وعن بيع الغرر، فإن كان عندك خير فعد به على أخيك، ولا تزده هلاكاً إلى هلاكه، فإن المسلم أخو المسلم لا يحزنه ولا يحرمه (٤). وقال سفيان: عن أبي هارون، قال: رأيت عون بن عبد الله في مجلس القرظي، فكان عون يحدثنا ولحيته ترش من البكاء، ويقول: صحبت الأغنياء فكنت من أكثرهم هماً حين رأيتهم أحسن ثياباً، وأطيب ريحاً، وأحسن مركباً، مني وجالست الفقراء فاسترحت بهم، وقال: ﴿وَلَا تَنسَوأ اٌلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ إذا أتاه السائل وليس عنده شيء فليدع له، رواه ابن أبي حاتم(٥). ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرُ﴾ أي: لا يخفى عليه شيء من أموركم وأحوالكم، وسيجزي كل عامل بعمله. (١) ذكره ابن أبي حاتم، وقول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن. (٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه سعيد بن منصور في السنن رقم (٣٨٩) ثم التفسير من طريق سفيان به، وسنده صحيح. (٣) في الأصل: ((سراري)) والتصويب من (عف) و(حم) و(مح) والتخريج. (٤) في سنده عبيد الله بن الوليد الوصّافي: وهو ضعيف (التقريب ص٣٧٥). (٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سفيان به. ٢١٣ سُورَةُ النََّرة (٢٣٨، ٢٣٩) 0000000000000000000000000000000000000000000 000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 000000 فَإِنْ خِفْتُمْ فِجَالًا أَوْ رُكْبَانًّاً - ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالضَلَوْةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ يأمر تعالى بالمحافظة على الصلوات في أوقاتها(١) وحفظ حدودها وأدائها في أوقاتها، كما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود، قال: سألت رسول الله وَله: أي العمل أفضل؟ قال: (الصلاة على وقتها)). قلت: ثم أي؟ قال: ((الجهاد في سبيل الله)). قلت: ثم أي؟ قال: ((برّ الوالدين))، قال: حدثني بهنّ رسول الله وَّه ولو استزدته لزادني(٢). وقال الإمام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا ليث، عن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم، عن القاسم بن غنام، عن جدته أُم أبيه الدنيا، عن جدته أُم فروة، وكانت ممن بايع رسول الله وَل [أنها سمعت رسول الله (وَ ل﴾](٣) وذكر الأعمال، فقال: ((إن أحب الأعمال إلى الله تعجيل الصلاة لأول وقتها))(٤) وهكذا رواه أبو داود والترمذي، وقال: لا نعرفه إلا من طريق العمري وليس بالقوي عند أهل الحديث(٥). وخص تعالى من بينها بمزيد التأكيد الصلاة الوسطى، وقد اختلف السلف والخلف فيها؛ أي: صلاة هي؟ فقيل: إنها الصبح، حكاه مالك في الموطأ بلاغاً عن علي وابن عباس(٦). وقال هشيم وابن علية وغُندُر وابن أبي عدي وعبد الوهاب وشَريك وغيرهم، عن عوف الأعرابي، عن أبي رجاء العطاردي، قال: صلَّيت خلف ابن عباس الفجر، فقنتَ فيها ورفع يديه، ثم قال: هذه الصلاة الوسطى التي أمرنا أن نقوم فيها قانتين، رواه ابن جرير (٧)، ورواه أيضاً من حديث عوف، عن خلاس بن عمرو، عن ابن عباس مثله سواء. وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا عوف، عن أبي المنهال، عن أبي العالية، عن ابن عباس، أنه صلى الغداة في مسجد البصرة، فقنتَ قبل الركوع، وقال: هذه الصلاة الوسطى التي ذكرها الله في كتابه، فقال: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَتِ وَالصَّلَوْةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلَّهِ (٨)، وقال أيضاً: حدثنا محمد بن عيسى الدامغاني، أخبرنا ابن المبارك، أخبرنا قَانِتِينَ الربيع بن أنس، عن أبي العالية، قال: صليت خلف عبد الله بن قيس بالبصرة صلاة الغداة، (١) في الأصل: (وأوقاتها)). (٢) صحيح البخاري، الصلاة، باب فضل الصلاة لوقتها (ح٥٢٧)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال (ح١٣٩). (٣) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(حم) والتخريج. (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦٦/٤٥ ح ٢٧١٠٥) وفي سنده عبد الله بن عمر بن حفص: ضعيف، ويشهد له ما تقدم في الصحيحين. (٥) سنن أبي داود، الصلاة، باب في المحافظة على وقت الصلوات (ح٤٢٦)، وسنن الترمذي أبواب الصلاة، باب ما جاء في الوقت الأول من الفضل (ح١٧٠). (٦) أخرجه الطبري متصلاً عن ابن عباس كما سيأتي. (٧) أخرجه الطبري عن أبي كريب وهو محمد بن العلاء عن هشيم به، وسنده صحيح. (٨) أخرج هذه الروايات بأسانيدها وتقدم صحته عن ابن عباس. ٢١٤ • سُورَةُ النََّوَّةِ (٢٣٨، ٢٣٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 فقلت لرجل من أصحاب رسول الله وقوله إلى جانبي: ما الصلاة الوسطى؟ قال: هذه الصلاة(١). وروى من طريق أخرى عن الربيع، عن أبي العالية، أنه صلى مع أصحاب رسول الله وَال صلاة الغداة فلما فرغوا قال: قلت لهم: أيتهنّ الصلاة الوسطى؟ قالوا: التي قد صليتها قبل (٢). وقال أيضاً: حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن عثمة (٣)، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن جابر بن عبد الله، قال: الصلاة الوسطى صلاة الصبح(٤)، وحكاه ابن أبي حاتم عن ابن عمر وأبي أُمامة وأنس وأبي العالية وعبيد بن عمير وعطاء ومجاهد وجابر بن زيد وعكرمة والربيع بن أنس(٥)، ورواه ابن جرير عن عبد الله بن شداد بن الهاد أيضاً(٦)، وهو الذي نص عليه الشافعي تَّتُهُ، محتجاً بقوله تعالى: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ والقنوت عنده في صلاة الصبح، ومنهم من قال: هي وسطى باعتبار أنها لا تُقصر، وهي بين صلاتين رُباعيتين مقصورتين، وترد المغرب، وقيل: لأنها بین صلاتي ليل(٧) جھریتین وصلاتي نهار سريتين. وقيل: إنها صلاة الظهر، قال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا ابن أبي ذئب، عن الزبرقان - يعني ابن عمرو -، عن زهرة - يعني ابن معبد -، قال: كنا جلوساً عند زيد بن ثابت، فأرسلوا إلى أسامة فسألوه عن الصلاة الوسطى، فقال: هي الظهر، كان رسول الله وَل و يصليها بالهجير(٨). وقال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، حدثني عمرو بن أبي حكيم، سمعت الزبرقان يحدث، عن عروة بن الزبير، عن زيد بن ثابت، قال: كان رسول الله وَلا يصلي الظهر بالهاجرة، ولم يكن يصلي صلاة أشد على أصحاب رسول الله وَّه منها، فنزلت: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الضَلَوَتِ وَالصَّلَوْةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلَّهِ قَلْنِتِينَ (﴿4﴾ وقال: إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين(٩). ورواه أبو داود في سننه من حديث شعبة به (١٠) . وقال أحمد أيضاً: حدثنا يزيد حدثنا ابن أبي ذئب(١١)، عن الزبرقان أن رهطاً من قريش مرّ بهم زيد بن ثابت وهم مجتمعون فأرسلوا إليه غلامين لهم يسألانه عن الصلاة الوسطى، فقال: هي صلاة العصر فقام إليه رجلان منهم فسألاه، فقال: هي الظهر. ثم انصرفا إلى أسامة بن زيد فسألاه، فقال: هي الظهر، إن النبي ◌َّ كان يصلي الظهر بالهجير، فلا يكون وراءه إلا الصفُّ (١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن. (٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وفيه شيخ الطبري لم يصرح باسمه. (٣) في الأصل: ((ابن عثيمة)) والتصويب كسابقه. (٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وفيه سعيد بن بشير: وهو ضعيف. (٥) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند إلا رواية أبي أُمامة فقد أسندها . (٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف إذ فيه شيخ الطبري لم يصرح باسمه. (٧) في الأصل: (ليلتين)). (٨) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه ص٨٧ (ح٦٢٨) وسنده صحيح. (٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه ١٨٣/٥، وسنده صحيح. (١٠) السنن، الصلاة، باب في وقت صلاة العصر (ح ٤١١) وسنده صحيح. (١١) في الأصل: ((ابن أبي وهب)) والتصويب من (عف) و(مح) والتخريج. ٢١٥ سُورَةُ البَقَرَّة (٢٣٨، ٢٣٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 والصفَّان، والناس في قائلتهم وفي تجارتهم، فأنزل الله ﴿حَفِظُواْ عَلَى الضَلَوَتِ وَالضَّلَوَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلَّهِ قَلْنِتِينَ ﴿َ)﴾ قال: فقال رسول الله وَّهُ: ((لينتهينَّ رجال أو لأحرقنَّ بيوتهم))(١). والزبرقان هو: ابن عمرو بن أمية الضمري، لم يدرك أحداً من الصحابة، والصحيح ما تقدم من روايته عن زهرة بن معبد وعروة بن الزبير. وقال شعبة وهمام، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت، قال: الصلاة الوسطى صلاة الظهر(٢) . وقال أبو داود الطيالسي وغيره، عن شعبة: أخبرني عمر (٣) بن سليمان من ولد عمر بن الخطاب، قال: سمعت عبد الرحمن بن أبان بن عثمان يحدث عن أبيه، عن زيد بن ثابت، قال: الصلاة الوسطى هي الظهر، ورواه ابن جرير، عن زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، عن عبد الصمد، عن شعبة، عن عمر بن سليمان، عن زيد بن ثابت قال: الصلاة الوسطى هي الظهر(٤)، ورواه ابن جرير، عن زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، عن عبد الصمد، عن شعبة، عن عمر بن سليمان، عن زيد بن ثابت، في حديث رفعة، قال: ((الصلاة الوسطى صلاة الظهر))(٥). وممن روي عنه أنها الظهر ابن عمر، وأبو سعيد وعائشة، على اختلاف عنهم، وهو قول عروة بن الزبير وعبد الله بن شداد بن الهاد، ورواية عن أبي حنيفة - رحمهم الله -. وقيل: إنها صلاة العصر. قال الترمذي والبغوي - رحمهما الله -: وهو قول أكثر علماء الصحابة وغيرهم(٦) . وقال القاضي الماوردي: هو قول جمهور التابعين. وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر: هو قول أكثر أهل الأثر. وقال أبو محمد بن عطية في تفسيره: وهو قول جمهور الناس. وقال الحافظ أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي في كتابه المسمى بـ((كشف المغطى تبيين الصلاة الوسطى))، وقد نصَّ فيه: أنها العصر، وحكاه عن عمر وعلي وابن مسعود وأبي أيوب وعبد الله بن عمرو وسمرة بن جندب وأبي هريرة وأبي سعيد وحفصة وأُم حبيبة وأُم سلمة وعن ابن عمر، وابن عباس وعائشة على الصحيح عنهم، وبه قال عبيدة وإبراهيم النخعي ورزين وزرّ بن حبيش وسعيد بن جبير وابن سيرين والحسن وقتادة والضحاك والكلبي ومقاتل وعبيد بن مريم وغيرهم، وهو مذهب أحمد بن حنبل. قال القاضي الماوردي والشافعي قال ابن المنذر: وهو الصحيح عن أبي حنيفة، وأبي يوسف ومحمد، واختاره ابن حبيب المالكي - رحمهم الله. ذكر الدليل على ذلك: قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن مسلم بن صبيح أبي الضُحى، عن شتير بن شكل، [عن علي، قال: قال رسول الله وَ لو يوم الأحزاب: ((شغلونا عن الصلاة الوسطى، (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٠٦/٥) وسنده منقطع، كما أشار الحافظ ابن كثير. (٣) في الأصل: ((عمرو)) والتصويب كسابقه. (٢) تقدم صحته عن زيد بن ثابت. (٤) سنده صحيح. (٥) لم يصح رفعه ولعل زكريا وهم في رفعه. (٦) ينظر: سنن الترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء في صلاة الوسطى أنها العصر ٣٤٢/١. ٢١٦ • سُوَدَّةُ الْبَقَة (٢٣٨، ٢٣٩) 00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000001 صلاة العصر، ملأ الله قلوبهم وبيوتهم ناراً)) ثم صلاها بين العشاءين المغرب والعشاء(١)، وكذا رواه مسلم من حديث أبي معاوية محمد بن حازم الضرير، والنسائي من طريق عيسى بن يونس كلاهما عن الأعمش، عن مسلم بن صبيح، عن أبي الضحى، عن شتير بن شكل بن حميد] (٢)، عن علي بن أبي طالب، عن النبي وَ لّ مثله، وقد رواه مسلم أيضاً من طريق شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن يحيى بن الجزار، عن علي بن أبي طالب به(٣)، وأخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي وغير واحد من أصحاب المساند والسنن والصحاح من طرق يطول ذكرها عن عَبيدة السلماني، عن علي به (٤)، ورواه الترمذي والنسائي من طريق الحسن البصري عن علي به، قال الترمذي: ولا يعرف سماعه منه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن عاصم، عن زرّ، قال: قلت لعَبيدة: سل علياً عن الصلاة الوسطى، فسأله، فقال: كنا نراها الفجر أو الصبح، حتى سمعت رسول الله وسلم يقول يوم الأحزاب: ((شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر، ملأ الله قبورهم وأجوافهم أو بيوتهم ناراً)) (٥). ورواه ابن جرير عن بُندار، عن ابن مهدي به(٦). وحديث يوم الأحزاب، وشغل المشركين رسول الله وَلير وأصحابه عن أداء صلاة العصر يومئذٍ، مروي عن جماعة من الصحابة يطول ذكرهم، وإنما المقصود رواية من نصَّ منهم في روايته، أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر. وقد رواه مسلم أيضاً من حديث ابن مسعود (٧) والبراء بن عازب (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا همام، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، أن رسول الله ( عليه قال: ((صلاة الوسطى صلاة العصر)) وحدثنا بهز وعفان قالا: حدثنا أبان، حدثنا قتادة، عن الحسن، عن سمرة أن رسول الله وَ له قال: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الضََّلَوَتِ وَالصَّلَوْةِ الْوُسْطَى﴾ وسماها لنا أنها هي صلاة العصر(٨). وحدثنا محمد بن جعفر وروح، قالا: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، أن رسول الله وَ ليل قال: ((هي العصر)) قال ابن جعفر: سئل عن صلاة الوسطى (٩)، ورواه الترمذي من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، وقال: حسن صحيح، وقد سمع منه (١٠). (حديث آخر) وقال ابن جرير: حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (ح ٦١٧)، وسنده صحيح. (٢) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(مح) و(حم) والتخريج. (٣) صحيح مسلم، المساجد ومواضع الصلاة، باب الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر (ح٢٠٥). (٤) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصََّلَوَتِ وَاَلصَلَوْةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] (ح٤٥٣٣)، وصحيح مسلم، المساجد، باب الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر (ح٢٠٣). (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن وأصله في الصحيحين كما تقدم. (٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه. (٧) صحيح مسلم، المساجد (ح٦٢٨ و٦٣٠). (٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه ٨/٥ وفي سماع الحسن عن سمرة مقال ويشهد له ما تقدم. (٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه ٥/ ٧. (١٠) سنن الترمذي، الصلاة، باب ما جاء في صلاة الوسطى أنها العصر (ح ١٨٢). ٢١٧ • سُورَةُ الْبَقَة (٢٣٨، ٢٣٩) 0002502000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 التيمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((الصلاة الوسطى صلاة العصر))(١). (طريق أخرى، بل حديث آخر) قال ابن جرير: وحدثني المثنى، حدثنا سليمان بن أحمد الجرشي الواسطي، حدثنا الوليد بن مسلم، قال: أخبرني صدقة بن خالد، حدثني خالد بن دهقان، عن خالد بن سبلان، عن كهيل بن حرملة، قال: سئل أبو هريرة عن الصلاة الوسطى، فقال: اختلفنا فيها كما اختلفتم فيها، ونحن بفناء بيت رسول الله صل﴾، وفينا الرجل الصالح أبو هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، فقال: أنا أعلم لكم ذلك، فقام فاستأذن على رسول الله وَ﴾، فدخل عليه ثم خرج إلينا، فقال: أخبرنا أنها صلاة العصر، غريب من هذا الوجه جداً (٢). (حديث آخر) قال ابن جرير: حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا عبد السلام، عن مسلم مولى أبي بصير، حدثني إبراهيم بن يزيد الدمشقي، قال: كنت جالساً عند عبد العزيز بن مروان، فقال: يا فلان اذهب إلى فلان فقل له: أي شيء سمعت من رسول الله وَّ في الصلاة الوسطى؟ فقال رجل جالس: أرسلني أبو بكر وعمر، وأنا غلام صغير، أسأله عن الصلاة الوسطى فأخذ أصبعي الصغيرة، فقال: ((هذه الفجر))، وقبض التي تليها، فقال: ((هذه الظهر)) ثم قبض الإبهام، فقال: ((هذه المغرب))، ثم قبض التي تليها، فقال: ((هذه العشاء))، ثم قال: ((أي أصابعك بقيت؟)) فقلت: الوسطى، فقال: ((أي الصلاة بقيت؟)) فقلت: العصر، فقال: ((هي العصر)) غريب أيضاً جداً (٣). (حديث آخر) قال ابن جرير: حدثنا محمد بن عوف الطائي، حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري، قال: قال رسول الله وَله: ((الصلاة الوسطى صلاة العصر)). إسناده لا بأس به (٤). (حديث آخر) قال أبو حاتم بن حبان في صحيحه: حدثنا أحمد بن يحيى بن زهير، حدثنا الجراح بن مخلد، حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا همام بن مورق العجلي، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: قال رسول الله وَجه: ((صلاة الوسطى صلاة العصر)) (٥). وقد روى الترمذي من حديث محمد بن طلحة بن مصرف عن زبيد اليامي (٦)، عن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله وَله: ((صلاة الوسطى صلاة العصر))، ثم قال: حسن صحيح (٧)، وأخرجه مسلم في صحيحه من طريق محمد بن طلحة به، ولفظه: ((شغلونا عن (١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ويشهد له ما سبق. (٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكم عليه الحافظ ابن كثير. (٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكم عليه الحافظ ابن كثير. (٤) كسابقه. (٥) الإحسان (صحيح ابن حبان ٤١/٥ ح .. ) وسنده صحيح. (٦) في الأصل: ((محمد بن طلحة بن مطرف، عن ربيد)) والتصويب كسابقه. (٧) سنن الترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر (ح ١٨١). ٢١٨ سُورَةُ النََّقَرَةِ (٢٣٨، ٢٣٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 الصلاة الوسطى صلاة العصر)) الحديث (١). فهذه نصوص في المسألة لا تحتمل شيئاً، ويؤكد ذلك الأمر بالمحافظة عليها، وقوله صلّ في الحديث الصحيح من رواية الزهري، عن سالم، عن أبيه، أن رسول الله وَلو قال: ((من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر (٢) أهله وماله))(٣) . وفي الصحيح أيضاً من حديث الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي كثير، عن أبي المهاجر، عن بريدة بن الحصيب، عن النبي وَّ، قال: ((بكِّروا بالصلاة في يوم الغيم، فإنه من ترك صلاة العصر، فقد حبط عمله)) (٤) . وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، أخبرنا ابن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة، عن أبي تميم، عن أبي نصرة الغفاري، قال: صلى بنا رسول الله وَّر في واد من أوديتهم، يقال له: المخمصَّ، صلاة العصر، فقال: ((إن هذه الصلاة عرضت على الذين من قبلكم فضيعوها، ألا ومن صلاها ضعف له أجره مرتين، ألا ولا صلاة بعدها حتى تروا الشاهد)) ثم قال: رواه عن يحيى بن إسحاق، عن الليث، عن جبير بن نعيم، عن عبد الله بن هبيرة به، وهكذا رواه مسلم والنسائي جميعاً عن قتيبة، عن الليث، ورواه مسلم أيضاً من حديث محمد بن إسحاق، حدثني يزيد بن أبي حبيب كلاهما، عن جبير بن نعيم الحضرمي، عن عبد الله بن هبيرة السبائي به (٥)، فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد أيضاً حدثنا إسحاق، أخبرني مالك، عن زيد بن أسلم، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي يونس مولَى عائشة، قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفاً، قالت: إذا بلغت هذه الآية ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالضَلَوَةِ الْوُسْطَى﴾ فآذني، فلما بلغتها آذنتها، فأملت عليّ: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين) قالت: سمعتها من رسول الله (٦)، وهكذا رواه مسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك به(٧). وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا الحجاج، حدثنا حماد عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: كان في المصحف عائشة (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر) (٨)، وهكذا رواه من طريق الحسن البصري أن رسول الله* قرأها كذلك. وقد روى الإمام مالك أيضاً عن زيد بن أسلم، عن عمرو بن رافع، قال: كنت أكتب مصحفاً لحفصة زوج النبي وَلّ، فقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني ﴿حَفِظُواْ عَلَى الضَلَوَتِ وَالضَلَوَةِ الْوُسْطَى﴾ فلما بلغتها آذنتها، (١) صحيح مسلم، المساجد، باب الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر (ح ٦٢٨). (٢) أي نُقِص يقال وترته إذا نقصته (النهاية ١٤٨/٥). (٣) المصدر السابق (ح ٦٢٦). (٤) أخرجه البخاري من طريق هشام عن يحيى بن أبي كثير به (الصحيح، مواقيت الصلاة، باب من ترك صلاة العصر ح ٥٥٣). (٥) المسند ٣٩٦/٦ - ٣٩٧)، وصحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها (ح ٨٣٠)، وفيه بيان: الشاهد. فقال: ((والشاهد: النجم)). (٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٧٣) وسنده صحيح. (٧) صحيح مسلم، المساجد، باب الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر (ح٦٢٩). (٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه. ٢١٩ • سُوَدَّةُ البَدَّة (٢٣٩،٢٣٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 فأملت عليَّ (حافظوا على الصلوات والصلاة والوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين)(١). هكذا رواه محمد بن إسحاق بن يسار فقال: حدثني أبو جعفر محمد بن علي ونافع مولى ابن عمر، أن عمر بن نافع قال ... فذكر مثله، وزاد كما حفظتها من النبي ◌َّ(٢). (طريق أخرى عن حفصة) قال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن عبد الله بن يزيد الأزدي، عن سالم بن عبد الله، أن حفصة أمرت إنساناً أن يكتب لها مصحفاً، فقالت: إذا بلغت هذه الآية ﴿حَفِظُواْ عَلَى الضَّلَوَتِ وَالضَّلَوَةِ الْوُسْطَى﴾ فآذني، فلما بلغ آذنها، فقالت: اكتب (حافظوا على الصلوات والصلاة والوسطى وصلاة العصر). (طريق أخرى) قال ابن جرير: حدثني ابن المثنى، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا عبيد الله عن نافع، أن حفصة أمرت مولى لها أن يكتب لها مصحفاً، فقالت: إذا بلغت هذه الآية ﴿حَفِظُواْ عَلَى الضََّلَوَتِ وَالضَلَوَةِ الْوُسْطَى﴾ فلا تكتبها حتى أمليها عليك كما سمعت رسول الله بَّه يقرؤها، فلما بلغها أمرته فكتبها (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين). قال نافع: فقرأت ذلك المصحف، فوجدت فيه الواو. وكذا روى ابن جرير عن ابن عباس وعبيد بن عمير أنهما قرءا كذلك. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا عبدة بن سليمان حدثنا محمد بن عمرو، حدثني أبو سلمة، عن عمرو بن رافع مولى عمر، قال: كان في مصحف حفصة (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين)(٣). وتقرير المعارضة أنه عطف صلاة العصر على الصلاة الوسطى بواو العطف التي تقتضي المغايرة، فدلَّ ذلك على أنها غيرها، وأجيب عن ذلك بوجوه: (أحدها): أن هذا إن روي على أنه خبر، فحديث عليٍّ أصحّ وأصرح منه، وهذا يحتمل أن تكون الواو زائدة، كما في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ اُلْأَيَتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ اَلْمُجْرِمِينَ (﴾﴾ [الأنعام]، ﴿وَكَذَلِكَ نُرِىٌ إِبْرَهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ اُلْمُوقِنِينَ (١٥)﴾ [الأنعام]، أو تكون لعطف الصفات لا لعطف الذوات، كقوله: ﴿وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيْنُّ﴾ [الأحزاب]، وكقوله: ﴿سَيِّح أَسْمَ رَبِّكَ اٌلْأَعْلَى ﴿ الَّذِ خَقَ فَسَوَّى ﴿ وَّذِى قَدَّرَ فَهَدَى ﴾ وَالَّذِىّ أَخْرَجَ المَرْعَى ﴾﴾ [الأعلى]، وأشباه ذلك كثيرة وقال الشاعر: إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم وقال أبو داود الأيادي: سلط الموت والمنون عليهم فلهم في صدى المقابر هام(٤) (١) أخرجه الإمام مالك بسنده ومتنه (الموطأ، صلاة الجماعة، باب الصلاة الوسطى ١٣٩/١ ح٢٦)، وسنده صحیح. (٢) أخرجه أبو يعلى (المسند ٥٠/١٣ ح٧١٢٩)، وابن حبان (موارد الظمآن ح ١٧٢٢) كلاهما من طريق ابن إسحاق به، وسنده حسن. (٣) ذكر الطبري هذه الروايات الخمس بأسانيده، وأصله في الصحيح كما تقدم. (٤) ذكره ابن منظور في لسان العرب ٦٢٥/١٢. ٢٢٠ • سُورَةُ الْبََّوَةَ (٢٣٨، ٢٣٩) 00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000001 والموت هو المنون، قال عدي بن زيد(١) العبادي: فقدمت الأديم لراهشيه فألفى قوله كذباً ومينا (٢) والكذب هو المين، وقد نصَّ سيبويه شيخ النحاة على جواز قول القائل: مررت بأخيك وصاحبك، ويكون الصاحب هو الأخ نفسه، والله أعلم، وأما إن روي على أنه قرآن، فإنه لم يتواتر فلا يثبت بمثل خبر الواحد قرآن، ولهذا لم يثبته أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي به في المصحف، ولا قرأ بذلك أحد من القراء الذين تثبت الحجة بقراءتهم، لا من السبعة ولا غيرهم. ثم قد روي ما يدل على نسخ هذه التلاوة المذكورة في هذا الحديث، قال مسلم: حدثنا إسحاق بن راهويه، أخبرنا يحيى بن آدم، عن فضيل بن مرزوق، عن شقيق بن عقبة، عن البراء بن عازب، قال: نزلت: (حافظوا على الصلوات وصلاة العصر) فقرأناها على رسول الله وَله ما شاء الله، ثم نسخها الله رَ، فأنزل: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَلَوَاتِ وَالضَّلَوْةِ الْوُسْطَى﴾ فقال له زاهر رجل كان مع شقيق: أفهي العصر؟ قال: قد حدثتك كيف نزلت، وكيف نسخها الله رَّك. قال مسلم: ورواه الأشجعي عن الثوري، عن الأسود، عن شقيق(٣). (قلت): وشقيق هذا لم يرو له مسلم سوى هذا الحديث الواحد، والله أعلم، فعلى هذا تكون هذه التلاوة وهي تلاوة الجادة ناسخة للفظ رواية عائشة وحفصة ولمعناها إن كانت الواو دالّة على المغايرة، وإلا فلفظها فقط، والله أعلم. وقيل: إن الصلاة الوسطى هي صلاة المغرب، رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس، وفي إسناده نظر، فإنه رواه عن أبيه، عن أبي الجماهير، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أبي الخليل، عن عمه، عن ابن عباس، قال: صلاة الوسطى المغرب (٤). وحكى هذا القول ابن جرير، عن قبيصة بن ذؤيب، وحكى أيضاً عن قتادة على اختلاف عنه(٥)، ووجه هذا القول بعضهم بأنها وسطى في العدد بين الرباعية والثنائية، وبأنها وتر المفروضات، وبما جاء فيها من الفضلية، والله أعلم. وقيل: إنها العشاء الأخير، اختاره علي بن أحمد الواحدي في تفسيره المشهور، وقيل: هي واحد من الخمس لا بعينها وأبهمت فيهن، كما أُبهمت ليلة القدر في الحول أو الشهر أو العشر، ويحكى هذا القول عن سعيد بن المسيب وشريح القاضي ونافع مولى ابن عمر، والربيع بن خيثم، ونقل أيضاً عن زيد بن ثابت واختاره إمام الحرمين الجويني في نهايته. وقيل: بل الصلاة الوسطى مجموع الصلوات الخمس، رواه ابن أبي حاتم عن ابن عمر (٦)، (١) في الأصل: ((زيد بن عدي). (٢) البيت ورد ذكره في: الشعر والشعراء ٢٢٧. (٣) أخرجه مسلم بسنده ومتنه (الصحيح، المساجد، باب الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر ح ٦٣٠). (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه سعيد بن بشير: ضعيف. (٥) لم أجده عن قتادة في رواية الطبري، أما رواية قبيصة بن ذؤيب فقد أخرجها الطبري بسند ضعيف من طريق رجل مبهم عن قبيصة. (٦) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق هشام بن سعد عن نافع مولى ابن عمر عنه، وفي سنده هشام بن سعد : =