النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
سُورَةُ الََّقَرَّة (١٥٥ - ١٥٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الصابرون ليدخلوا الجنة قبل الحساب؟ قال: فيقوم عنق من الناس فتتلقاهم الملائكة؟ فيقولون:
إلى أين يا بني آدم؟ فيقولون: إلى الجنة. فيقولون: قبل الحساب؟ قالوا: نعم. قالوا: ومن أنتم؟
قالوا: الصابرون. قالوا: وما كان صبركم؟ قالوا: صبرنا على طاعة الله، وصبرنا على معصية الله
حتى توفانا الله. قالوا: أنتم كما قلتم، ادخلوا الجنة فنِعْم أجر العاملين(١) .
قلت: ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿إِنََّا يُوَّ الصَِّرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].
وقال سعيد بن جبير: الصبر اعتراف العبد لله بما أصاب منه، واحتسابه عند الله رجاء ثوابه،
وقد يجزع الرجل وهو متجلد، لا يرى منه إلا الصبر (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا نَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَقْوَتُ بَلْ أَخْيَّةٌ﴾ يخبر تعالى أن الشهداء في
برزخهم أحياء يرزقون، كما جاء في صحيح مسلم: أن أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر
تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش، فاطلع عليهم ربك اطلاعة
فقال: ماذا تبغون؟ فقالوا: يا ربنا وأي شيء نبغي وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك؟ ثم
عاد إليهم بمثل هذا، فلما رأوا أنهم لا يتركون من أن يسألوا، قالوا: نريد أن تردنا إلى الدار
الدنيا فنقاتل في سبيلك حتى نقتل فيك مرة أخرى، لما يرون من ثواب الشهادة. فيقول الرب
جلّ جلاله: ((إني كتبت أنهم إليها لا يرجعون))(٣).
وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد، عن الإمام الشافعي، عن الإمام مالك، عن الزهري،
عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه قال: قال رسول الله وَليقول: ((نسمة المؤمن طائر تعلق
في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه))(٤).
ففيه دلالة لعموم المؤمنين أيضاً، وإن كان الشهداء قد خصصوا بالذكر في القرآن تشريفاً لهم
وتكريماً وتعظيماً.
. ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَىْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَلِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَتِّ وَبَشِّرِ الصَّبِينَ
(١٥٥)
أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَّوَتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ
الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّ إِلَيْهِ رَجِعُونَ
وَأُوْلَبِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ
١٥٧
أخبر تعالى أنه يبتلي عباده، أي: يختبرهم ويمتحنهم كما قال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَهِدِينَ
(٣)﴾ [محمد]. فتارة بالسرّاء وتارة بالضرّاء من خوف وجوع كما قال
مِنْكُمْ وَالصَّبِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبَارَكُمْ
تعالى: ﴿فَذَاقَهَا اَللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل] فإن الجائع والخائف كلٌّ منهما يظهر ذلك
عليه، ولهذا قال: ﴿لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾(٥)، وقال هاهنا: ﴿بِشَىْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ أي: بقليل
(١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي حمزة الثمالي عن علي بن الحسين، وأبو حمزة هو ثابت بن أبي صفية
الكوفي، ضعيف رافضي (تهذيب التهذيب ٧/٢) فسنده ضعيف.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عنه.
(٣) أخرجه مسلم من حديث ابن مسعود (الصحيح، الإمارة، بيان أن أرواح الشهداء في الجنة ح ١٨٨٧).
(٤) أخرجه الإمام أحمد عن الشافعي به (٥٧/٢٥ ح ١٥٧٧٨) وصححه محققوه.
(٥) في الأصل: ((الجوع والخوف والجوع)).

٢٢
• سُوَرَّةُ البَقَة (١٥٥ -١٥٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
من ذلك ﴿وَنَقْصٍ مِّنَ اُلْأَمْوَلِ﴾ أي: ذهاب بعضها ﴿وَالْأَنْفُسِ﴾ كموت الأصحاب والأقارب
والأحباب، ﴿وَالثَّمَرَتِ﴾ أي: لا تغلّ الحدائق والمزارع كعادتها، كما قال بعض السلف: فكانت
بعض النخيل لا تثمر غير واحدة (١).
وكل هذا وأمثاله مما يختبر الله به عباده، فمن صبر أثابه، ومن قنط أحلَّ به عقابه، ولهذا قال
تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّبِينَ﴾. وقد حكى بعض المفسرين: أن المراد من الخوف هاهنا: خوف الله،
وبالجوع: صيام رمضان.
وبنقص الأموال: الزكاة، والأنفس: الأمراض، والثمرات: الأولاد. وفي هذا نظر، والله
أعلم.
ثم بيَّن تعالى من الصابرين الذين شكرهم فقال: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآَ إِلَيْهِ
رَبِعُونَ ﴾﴾ أي: تسلّوا بقولهم هذا عما أصابهم، وعلموا أنهم مُلك الله يتصرف في عبيده بما
يشاء، وعلموا أنه لا يضيع لديه مثقال ذرة يوم القيامة، فأحدث لهم ذلك اعترافهم بأنهم عبيده
وأنهم إليه راجعون في الدار الآخرة، ولهذا أخبر تعالى عما أعطاهم على ذلك فقال: ﴿أُوْلَئِكَ
عَلَيْهِمْ صَلَوَتٌ مِّنْ زَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ أي: ثناء من الله عليهم ورحمة.
قال سعيد بن جبير: أي: أمنة من العذاب(٢).
﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: نِعم العدلان ونعمت العلاوة.
﴿أُوْلَكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَتُ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ فهذان العدلان، ﴿وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ فهذه العلاوة،
وهي: ما توضع بين العدلين، وهي: زيادة في الحمل، فكذلك هؤلاء أعطوا ثوابهم وزيدوا
أيضاً .
وقد ورد في ثواب الاسترجاع وهو قول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّ إِلَيْهِ رَجِعُونَ﴾ عند المصائب أحاديث
كثيرة. فمن ذلك ما رواه الإمام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا ليث، يعني: ابن سعد، عن يزيد بن
عبد الله بن أسامة بن الهاد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب، عن أم سلمة قالت: أتاني
أبو سلمة يوماً من عند رسول الله وَ ل﴿ فقال: لقد سمعت من رسول الله صل* قولاً سررت به. قال:
((لا يصيب أحداً من المسلمين مصيبة، فيسترجع عند مصيبته، ثم يقول: اللَّهم أجرني في
مصيبتي، وأخلف لي خيراً منها، إلا فعل ذلك به)). قالت أُم سلمة: فحفظت ذلك منه، فلما
توفي أبو سلمة، استرجعت وقلت: اللَّهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيراً منه، ثم رجعت
إلى نفسي، فقلت: من أين لي خير من أبي سلمة؟ فلما انقضت عدتي استأذن عليّ رسول الله وَله
وأنا أدبغ إهاباً(٣) لي، فغسلت يدي من القرظ(٤)، وأذنت له، فوضعت له وسادة أدم حشوها
ليف، فقعد عليها فخطبني إلى نفسي، فلما فرغ من مقالته قلت: يا رسول الله ما بي أن لا يكون
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح عن رجاء بن حيوة.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عنه.
(٣) الإهاب: هو الجلد قبل الدبغ (انظر: النهاية ٨٣/١).
(٤) القرظ: ما يصبغ به.

٢٣
• سُوَرَّةُ الْبَقَة (١٥٥ - ١٥٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
بك الرغبة ولكنني امرأة في غيّرة شديدة، فأخاف أن ترى مني شيئاً يعذبني الله به، وأنا امرأة قد
دخلت في السن، وأنا ذات عيال، فقال: أما ما ذكرت من الغيرة فسوف يذهبها الله ربك عنك،
وأما ما ذكرت من السن فقد أصابني مثل الذي أصابك، وأما ما ذكرت من العيال فإنما عيالك
عيالي. قالت: فقد سلَّمت لرسول الله وَ﴾. فتزوجها رسول الله وسلم فقالت أُم سلمة بعد:
أبدلني الله بأبي سلمة خيراً منه رسول الله وله .
وفي صحيح مسلم عنها أنها قالت: سمعت رسول الله (ص 84* يقول: ((ما من عبد تصيبه مصيبة
فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللَّهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيراً منها إلا آجره الله
في مصيبته، وأخلف له خيراً منها)). قالت: فلما توفي أبو سَلمة قلت: كما أمرني رسول الله وَّل،
فأخلف الله لي خيراً منه رسول الله (وَلِ﴾(١).
وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد وعباد بن عباد قالا: حدثنا هشام بن أبي هشام، حدثنا عباد بن
زياد، عن أمه، عن فاطمة ابنة الحسين، عن أبيها الحسين بن علي، عن النبي ◌َّ قال: ((ما من
مسلم ولا مسلمة يصاب بمصيبة فيذكرها وإن طال عهدها - وقال عباد: قدم عهدها - فيحدث
لذلك استرجاعاً إلا جدّد الله له عند ذلك، فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب))(٢). ورواه ابن ماجه
في سننه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن هشام بن زياد، عن أمه، عن فاطمة بنت
الحسين، عن أبيها(٣). وقد رواه إسماعيل بن علية ويزيد بن هارون، عن هشام بن زياد، عن
أبيه، كذا عن فاطمة، عن أبيها وقال الإمام أحمد: أنا يحيى بن إسحاق السيلحيني، أنا حماد بن
سلمة، عن أبي سنان قال: دفنت ابناً لي، فإني لفي القبر إذ أخذ بيدي أبو طلحة - يعني:
الخولاني -، فأخرجني وقال لي: ألا أبشرك؟ قلت: بلى. قال: حدثني الضحاك بن
عبد الرحمن بن عرزَب (٤)، عن أبي موسى قال: قال رسول الله بَّه: ((قال الله: يا ملك الموت
قبضت ولد عبدي قبضت قرة عينه وثمرة فؤاده، قال: [نعم، قال:](٥) فما قال؟ قال: حمدك
واسترجع، قال: ابنوا له بيتاً في الجنة وسموه: بيت الحمد))(٦).
(١) أخرجه الإمام أحمد عن يونس به (المسند ٢٧/٤، ٢٨) ورجاله ثقات إلا المطلب وهو ابن عبد الله بن
المطلب المخزومي: صدوق كثير التدليس والإرسال (التقريب ٢٥٤/٢) وقد عنعن ولم يصرح بالسماع، وقد
تابعه عمرو بن أبي سلمة عن أم سلمة في رواية ابن ماجه (السنن، الجنائز، باب ما جاء في الصبر على
المصيبة ح١٥٩٨)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٢٩٩).
(٢) سقط من الأصل واستدرك من (عش) و(ح) ورواية الصحيح.
(٣) أخرجه الإمام أحمد عن يزيد وعباد به (المسند ح١٧٣٤) وفيه هشام بن أبي هشام متروك (التقريب
ص٥٧٢)، وأخرجه ابن ماجه من طريق هشام بن زياد وهو هشام بن أبي هشام نفسه عن أمه به (السنن،
الجنائز، باب ما جاء في الصبر على المصيبة ح ١٦٠٠) وإسناده ضعيف جداً.
(٤) في الأصل: ((الضحاك عن عبد الرحمن عن عزرب))، والتصويب من (عش) و(ح) والمسند كما في
التخريج.
(٥) سقط من الأصل و(عش) و(ح) واستدرك من المسند كما في التخريج.
(٦) أخرجه الإمام أحمد عن يحيى بن إسحاق به (المسند ٣٢/ ٥٠٠ ح ١٩٧٢٥) وفي سنده أبو سنان وهو
عيسى بن سنان القسملي، لين الحديث (التقريب ص٤٣٨).

٢٤
• سُورَةُ النََّقَرَّة (١٥٨)
ثم رواه عن علي بن إسحاق، عن عبد الله بن المبارك ... فذكره(١).
وهكذا رواه الترمذي عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك به. وقال: حسن غريب، واسم أبي
سنان: عيسى بن سنان(٢).
2- ﴿﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَنَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَّوَّفَ
بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرُ عَلِيمُ (®)﴾ .
قال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود الهاشمي، أنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن
عروة، عن عائشة قال: قلت: أرأيتَ قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَتَّ
الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَّوَّفَ بِهِمَا﴾؟ قلت: فوالله ما على أحد جناح أن لا يتطوف
بهما. فقالت عائشة: بئسما قلت يا ابن أختي إنها لو كانت على ما أوّلتها عليه كانت: فلا جناح
عليه أن لا يطوف بهما، ولكنها إنما أنزلت أن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا كانوا يهلون لمناة
الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المُشَلَّل(٣)، وكان من أهلّ لها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة،
فسألوا عن ذلك رسول الله وَ﴿ فقالوا: يا رسول الله إنا كنّا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة في
الجاهلية، فأنزل الله وَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَِّرِ اللِّّ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ
أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ قالت عائشة: ثم قد سنّ رسول الله وَّ الطواف بهما، فليس لأحد أن يدع
الطواف بهما. أخرجاه في الصحيحين(٤).
وفي رواية عن الزهري أنه قال: فحدثت بهذا الحديث أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن
هشام فقال [لي: وإن هذا](6) العلم ما كنت سمعته، ولقد سمعت رجالاً من أهل العلم يقولون:
إن الناس إلا من ذكرت عائشة كانوا يقولون: إن طوافنا بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية،
وقال آخرون من الأنصار: إنما أمرنا بالطواف بالبيت ولم نؤمر بالطواف بين الصفا والمروة،
فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآَيِ اللهِ﴾. قال أبو بكر بن عبد الرحمن: فلعلها نزلت
في هؤلاء وهؤلاء(٦). ورواه البخاري من حديث مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن
عائشة بنحو ما تقدم(٧) .
قال البخاري: حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن عاصم بن سليمان، قال: سألت
أنساً عن الصفا والمروة قال: كنا نرى ذلك من أمر الجاهلية، فلما جاء الإسلام أمسكنا عنهما،
(١) أخرجه الإمام أحمد عن علي بن إسحاق به (المسند ح١٩٧٢٦).
(٢) أخرجه الترمذي عن سويد به (السنن، الجنائز، باب فضل المصيبة إذا احتسب ح ١٠٢١).
(٣) المشلل: بضم الميم وفتح الشين وتشديد اللام الأولى وفتحها موضع بين مكة والمدينة.
(٤) أخرجه البخاري، الصحيح، التفسير، باب ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ [البقرة: ١٥٨] (ح٤٤٩٥)، وأخرجه مسلم،
الصحيح، الحج، باب بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركن (ح ١٢٧٧).
(٥) في الأصل: ((لي وهذا)) والتصويب من (عش) و(ح).
(٦) قول الزهري يرويه أبي بكر بن عبد الرحمن أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح (السنن، التفسير، ح٢٩٦٥).
(٧) أخرجه البخاري، الصحيح، العمرة، باب يفعل بالعمرة ما يفعل بالحج (ح ١٧٩٠).

٢٥
• سُورَةُ الْبََّّة (١٥٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فأنزل الله رَّ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ﴾ (١) [وذكر القرطبي في تفسيره عن ابن عباس
قال: كانت الشياطين تتفرق (٢) بين الصفا والمروة الليل كله، وكانت بينهما آلهة، فلما جاء
الإسلام سألوا رسول الله ◌َّر عن الطواف بينهما، فنزلت هذه الآية.
وقال الشعبي: كان أساف على الصفا، وكانت نائلة على المروة، وكانوا يستلمونهما،
فتحرجوا بعد الإسلام من الطواف بينهما فنزلت هذه الآية](٣).
قلت: ذكر محمد بن إسحاق في كتاب السيرة: أن أسافاً ونائلة كانا بشرين، فزنيًّا داخل
الكعبة، فمسخا حجرين فنصبتهما قريش تجاه الكعبة ليعتبر بهما الناس، فلما طال عهدهما عبداً
ثم حولا إلى الصفا والمروة فنصبا هنالك فكان من طاف بالصفا والمروة يستلمهما، ولهذا يقول
أبو طالب في قصيدته المشهورة:
وحيث ينيخ الأشعرون ركابهم لمفضي السيول من إساف ونائل
وفي صحيح مسلم من حديث جابر الطويل وفيه: أن رسول الله وَسير لما فرغ من طوافه بالبيت
عاد إلى الركن، فاستلمه ثم خرج من باب الصفا وهو يقول: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ﴾ ثم
قال: ((أبدأ بما بدأ الله به)) (٤). وفي رواية النسائي: ((ابدؤوا بما بدأ الله به)).
وقال الإمام أحمد: حدثنا سريج، حدثنا عبد الله بن المؤمل، عن عطاء بن أبي رباح، عن
صفية بنت شيبة، عن حبيبة بنت أبي تجْرَاة قالت: رأيت رسول الله وَالر يطوف بين الصفا والمروة
والناس بين يديه وهو وراءهم وهو يسعى حتى أرى ركبتيه من شدة السعي يدور به إزاره وهو
يقول: اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي(٥).
ثم رواه الإمام أحمد عن عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن واصل مولى أبي عيينة، عن موسى بن
عبيدة، عن صفية بنت شيبة أن امرأة أخبرتها أنها سمعت النبي وَله بين الصفا والمروة يقول:
((كتب عليكم السعي فاسعوا))(٦).
وقد استدلّ بهذا الحديث على مذهب من يرى أن السعي بين الصفا والمروة ركن في الحج
كما هو مذهب الشافعي ومن وافقه [ورواية عن أحمد وهو المشهور عن مالك](٧) وقيل: إنه
واجب وليس بركن [فإن تركه عمداً أو سهواً جبره بدم، وهو رواية عن أحمد، وبه يقول
طائفة](٨)، وقيل: بل مستحب [وإليه ذهب أبو حنيفة والثوري والشعبي وابن سيرين ورُوي عن
أنس وابن عمر وابن عباس، وحكى عن مالك في العتيبة.
قال القرطبي: واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾](٩).
(١) أخرجه البخاري عن محمد بن يوسف به (الصحيح، التفسير، ح٤٤٩٦).
(٢) كذا في (عش) و(ح) وفي تفسير القرطبي: تعزف ١٧٩/٢.
(٣) ما بين المعقوفين زيادة من (عش) و(ح) وتفسير القرطبي ١٧٩/٢.
(٤) أخرجه مسلم (الصحيح، الحج، باب حجة النبي ◌َلو ح١٢١٨).
(٥) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٣٦٣/٤٥ ح ٢٧٣٦٧ وفي سنده عبد الله بن المؤمل: ضعيف.
(٦) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٤٥٥/٤٥ ح٢٧٤٦٣ وفي سنده موسى بن عبيدة الربذي: ضعيف.
(٧)(٨)(٩) ما بين معقوفين سقط من الأصل وأثبت من (عش) و(ح).

٢٦
• سُورَةُ الََّرَةَ (١٥٩ - ١٦٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
والقول الأول: أرجح لأنه ظلَّا طاف بينهما وقال: (لتأخذوا عني مناسككم))، فكل ما فعله في
حجته تلك واجب لا بد من فعله في الحج إلّا ما خرج بدليل، والله أعلم.
[وقد تقدم قوله عليّله: ((اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي))](١)، فقد بيّن الله تعالى أن الطواف
بين الصفا والمروة من شعائر الله؛ أي: مما شرع الله تعالى لإبراهيم الخليل في مناسك الحج،
وقد تقدم في حديث ابن عباس: أن أصل ذلك مأخوذ من تطواف هاجر، وتردادها بين الصفا
والمروة في طلب الماء لولدها لما نفذ ماؤهما وزادهما حين تركهما إبراهيم لعلّ هنالك، وليس
عندهما أحد من الناس، فلما خافت الضيعة على ولدها هنالك ونفذ ما عندهما قامت تطلب
الغوث من الله ومك، فلم تزل تتردد في هذه البقعة المشرفة بين الصفا والمروة، متذلّلة، خائفة،
وجِلة، مضطرة، فقيرة إلى الله رَك حتى كشف الله كربتها، وآنس غربتها، وفرّج شدتها، وأنبع لها
زمزم التي ماؤها طعام طعم، وشفاء سقم، فالساعي بينهما ينبغي له أن يستحضر فقره وذلّه
وحاجته إلى الله، في هداية قلبه، وصلاح حاله، وغفران ذنبه. وأن يلتجئ إلى الله مق ليزيح ما
هو به من النقائص والعيوب، وأن يهديه إلى الصراط المستقيم، وأن يثبته عليه إلى مماته، وأن
يحوله من حاله الذي هو عليه من الذنوب والمعاصي، إلى حال الكمال والغفران والسداد
والاستقامة كما فعل بهاجر الشَلاء.
[وقوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ قيل: زاد في طوافه بينهما على قدر الواجب، ثامنة وتاسعة ونحو
ذلك، وقيل: يطوف بينهما في حجة تطوع أو عمرة تطوع، وقيل: المراد تطوع خيراً في سائر
العبادات، حكى ذلك الرازي، وعزى الثالث إلى الحسن البصري، والله أعلم.
وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرُ عَلِيمٌ﴾ أي: يُثيب على القليل بالكثير، عليم بقدر الجزاء فلا يبخس أحداً
ثوابه، و﴿لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَعِفْهَا وَيُؤْتٍ مِن لَّدُنَّهُ أَجْرًّا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]] (٢).
] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيْنَتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيِّنَنَهُ لِلنَّاسِ فِىِ الْكِنَبِّ أُوْلَكَ
يَلْعَنُمُ اللَّهُ وَيَلْعَُّّهُمُ الََّعِنُونَ ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَبِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ
خَالِدِينَ
الرَّحِيمُ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَانُواْ وَهُمْ كُفَّارُ أُوْلَكَ عَلَيْهِمْ لَقَنَّةُ اللَّهِ وَالْمَلَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
فِيهَّا لَا يُحَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُظَرُونَ
هذا وعيد شديد لمن كتم ما جاءت به الرسل من الدلالات البيّنة على المقاصد الصحيحة،
والهدى النافع للقلوب من بعد ما بيّنه الله تعالى لعباده من كتبه التي أنزلها على رسله. قال أبو
العالية: نزلت في أهل الكتاب، كتموا صفة محمد ﴿، ثم أخبر أنهم يلعنهم كل شيء على
صنيعهم ذلك، فكما أن العالم يستغفر له كل شيء حتى الحوت في الماء، والطير في الهواء،
فهؤلاء بخلاف العلماء، فيلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون.
وقد ورد في الحديث المسند من طرق يشدُّ بعضها بعضاً عن أبي هريرة وغيره، أن
(١) سقط من الأصل وأثبت من (عش) و(ح).
(٢) ما بين معقوفين زيادة من نسخة (عش) و(ح).

٢٧
• سُورَةُ الْبَقَة (١٥٩ - ١٦٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
رسول الله ◌َ﴿ قال: ((من سئل عن علم فكتمه، أُلجم يوم القيامة بلجام من نار))(١). والذي في
الصحيح عن أبي هريرة أنه قال: لولا آية في كتاب الله، ما حدثت أحداً شيئاً ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ
مَآ أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيْنَتِ وَالْهُدَى﴾ الآية(٢).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عمار بن محمد، عن ليث بن أبي سُليم،
عن المنهال بن عمرو، عن زاذان أبي عمرو، عن البراء بن عازب، قال: كنّا مع النبي ◌َّر في
جنازة، فقال: ((إن الكافر يضرب ضربة بين عينيه، يسمعها كل دابة غير الثقلين، فتلعنه كل دابة
سمعت صوته، فذلك قول الله تعالى: ﴿أُوْلَنَّكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَتُهُمُ الَّعِنُونَ﴾ يعني: دواب
الأرض)) (٣).
[ورواه ابن ماجه عن محمد بن الصباح، عن عامر بن محمد به](٤).
وقال عطاء بن أبي رباح: كل دابة والجن والإنس(٥).
وقال مجاهد: إذا أجدبت الأرض، قال البهائم: هذا من أجل عصاة بني آدم، لعن الله عصاة
بني آدم(٦) .
وقال أبو العالية(٧) والربيع بن أنس(٨) وقتادة(٩): ﴿وَيَلْعَثُمُ الَّعِنُونَ﴾ يعني: تلعنهم ملائكة الله
والمؤمنون.
[وقد جاء في الحديث: ((أن العالم يستغفر له كل شيء، حتى الحيتان في البحر))(١٠)، وجاء
في هذه الآية: أن كاتم العلم يلعنه الله والملائكة والناس أجمعون واللاعنون أيضاً، وهم كل
فصيح وأعجمي، إما بلسان المقال، أو الحال، أن لو كان له عقل ويوم القيامة، والله
أعلم) (١١).
ثم استثنى الله تعالى من هؤلاء من تاب إليه، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُوا﴾ أي:
رجعوا عما كانوا فيه وأصلحوا أعمالهم وبيّنوا للناس ما كانوا يكتمونه ﴿فَأُوْلَبِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا
(١) أخرجه الإمام أحمد (المسند ١٨/١٣ ح٧٥٧١) وصححه محققوه.
(٢) أخرجه مسلم في الصحيح، فضائل الصحابة، باب فضائل أبي هريرة (ح ٢٤٩٢).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، وفي سنده ليث بن أبي سليم صدوق اختلط جداً ولم يتميز حديثه فترك
(التقريب ص٤٦٤).
(٤) ما بين معقوفين زيادة من (عش) و(ح).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبد الملك بن أبي سليمان عنه.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عنه.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عنه.
(٩) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.
(١٠) حديث ثابت أخرجه ابن حبان (الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ٢٨٩/١)، وأخرجه أبو داود (السنن،
كتاب العلم ح ٣٦٤١)، وحسّنه السيوطي (فيض القدير ٦/ ١٥٤ وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير
٣٠٢/٥).
(١١) ما بين معقوفين زيادة من (عش) و(ح).

٢٨
سُورَةُ الََّوَّةَ (١٦٣)
التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ وفي هذا دلالة على أن الداعية إلى كفر، أو بدعة إذا تاب إلى الله تاب الله عليه،
وقد ورد أن الأمم السالفة لم تكن التوبة تقبل من مثل هؤلاء منهم، ولكن هذا من شريعة نبي
التوبة ونبي الرحمة - صلوات الله وسلامه عليه.
ثم أخبر تعالى عمن كفر به واستمر به الحال إلى مماته بأنّ ﴿عَلَهِمْ لَنَةُ الَّهِ وَالْمَئِكَةِ وَالنَّاسِ
خَلِدِينَ فِيهًا﴾ أي: في اللّعنة البالغة (١) لهم إلى يوم القيامة ثم المصاحبة لهم في نار
أَجْمَعِینَ
جهنم التي ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ فيها؛ أي: [لا]٢) ينقص عما هم فيه ﴿وَلَا هُمْ يُظَرُونَ﴾ أي:
لا يفتر عنهم ساعة واحدة ولا يغير بل هو متواصل دائم، فنعوذ بالله من ذلك.
وقال أبو العالية وقتادة: إن الكافر يوقف يوم القيامة فيلعنه الله ثم تلعنه الملائكة، ثم يلعنه
الناس أجمعون(٣).
نظُّلله ومن بعده من
[فصل: لا خلاف في جواز لعن الكفار، وقد كان عمر بن الخطاب
الأئمة، يلعنون الكفرة في القنوت وغيره(٤)، فأما الكافر المعين، فقد ذهب جماعة من العلماء
إلى أنه لا يلعن لأنّا لا ندري بما يختم الله له، واستدل بعضهم بالآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ
كُفَّارُ أُوْلَكَ عَلَيْهِمْ لَنَّةُ الَّهِ وَالْمَلَكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (1)﴾، وقالت طائفة أخرى: بل يجوز لعن
الكافر المعين، واختاره الفقيه أبو بكر بن العربي المالكي، ولكنه احتج بحديث فيه ضعف(٥)،
واستدل غيره بقوله عليّ في قصة الذي كان يؤتى به سكران فيحده، فقال رجل: لعنه الله، ما أكثر
ما يؤتى به، فقال رسول الله وَله: ((لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله))(٦)، فدلّ على أن من لا
يُحب الله ورسوله يُلعن، والله أعلم(٧) .
٠
﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحٌِّ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ
يخبر تعالى عن تفرُّده بالإلهية، وأنه لا شريك له ولا عديل له، بل هو الله الواحد الأحد الفرد
الصمد الذي لا إله إلا هو، وأنه الرحمن الرحيم، وقد تقدم تفسير هذين الاسمين في أول
[الفاتحة](٨). وفي الحديث عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد بن السكن، عن
(١) كذا في الأصل، وفي نسخة (عش) بلفظ: ((التابعة))، وفي نسخة (ح): ((الباقية)) وكلها متقاربة.
(٢) ((لا)) سقطت من الأصل.
(٣) ينظر تخريح الآثار السابقة عن أبي العالية وقتادة.
(٤) هذا الحديث رواه البراء مرفوعاً: ((اللَّهم إن عمرو بن العاص هجاني وهو يعلم أني لست بشاعر فاهجه
والعنه)). ذكره الذهبي وقال: منكر (ميزان الاعتدال ٣١٨/٣).
(٥) احتج ابن العربي بحديث صحيح آخر في صحيح مسلم عن عائشة ثقا: دخل على النبي و ﴿ رجلان فكلّماه
بشيء فأغضباه فلعنهما، وإنما كان ذلك لعلمه بمآلهما. وهو في صحيح مسلم، البر والصلة، باب من لعنه
النبي ◌َل .. (ح ٢٦٠٠). وانظر: أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٥٠.
(٦) أخرجه البخاري من حديث عمر بن الخطاب ظه، الصحيح، الحدود، باب ما يكره من لعن شارب الخمر
(ح ٦٧٨٠).
(٧) ما بين معقوفين زيادة من (عش) و(ح).
(٨) في الأصل: ((السورة)) وما أثبت من (عش) و(ح).

٢٩
سُورَةُ الْبَقَةُ (١٦٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
رسول الله ◌َ، أنه قال: ((اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ
الَّ ﴿﴿ اللّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ ﴾﴾ [آل عمران]))(١).
الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ
ثم ذكر الدليل على تفرُّده بالإلهية بتفرُّده بخلق السموات والأرض وما فيهما وما بين ذلك مما
ذرأ وبرأ من المخلوقات الدالة على وحدانيته، فقال:
] ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ أَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِى ◌َّجْرِى فِى الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ
النَّاسَ وَمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الشَّمَاءِ مِن ◌َّءٍ فَأَعْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَ فِيهَا مِن كُلِّ دَآَبَّةٍ وَتَصْرِيفِ
الرَّجِ وَالسَحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَآءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
يقول تعالى: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ تلك في [لطافتها](٢) وارتفاعها واتساعها وكواكبها
السيارة والثوابت ودوران فلكها، وهذه الأرض في كثافتها وانخفاضها وجبالها وبحارها وقفارها
ووهادها وعمرانها وما فيها من المنافع، واختلاف الليل والنهار. هذا يجيء ثم يذهب ويخلفه
الآخر ويعقبه، لا يتأخر عنه لحظة، كما قال تعالى: ﴿لَا اُلشَّمْسُ يَتْبَغِى لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا أَلَيْلُ
سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلُّ فِى فَلَكِ يَسْبَحُونَ (®)﴾ [يس]، وتارة يطول هذا ويقصر هذا، وتارة يأخذ هذا من
هذا ثم يتقارضان، كما قال تعالى: ﴿يُولِجُ الَّيْلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِ الَّلِ﴾ [الحج:
(٦] أي: يزيد من هذا في هذا، ومن هذا في هذا، ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِى ◌َّحْرِى فِى الْبَعْرِ بِمَا يَنَفَعُ النَّاسَ﴾
أي: في تسخير البحر بحمل السفن من جانب إلى جانب لمعايش(٣) الناس والانتفاع بما عند
أهل ذلك الإقليم، ونقل هذا إلى هؤلاء وما عند أولئك إلى هؤلاء ﴿وَمَآ أَنَزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن ◌َّآءِ
فَأَعْيَا بِهِ اُلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ كما قال تعالى: ﴿وَءَايَةٌ لَُّمُ الْأَرْضُ الْمَيْنَةُ أَحْبَيْنَهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبَّا فَمِنْهُ
يَأْكُلُونَ
وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّتٍ مِّن تَّخِيلٍ وَأَعْنَبٍ وَفَجَّرْنَا فِيَهَا مِنَ الْعُيُونِ ( لِيَأْكُلُواْ مِنْ ثَمَرِهِ، وَمَا
سُبْحَقَ الَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَجَ كُلَّهَا مِمَا تُنْبِتُ اٌلْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ
١٣٥
عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ
وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾ [يَس].
﴿وَبَثَ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَةٍ﴾ أي: على اختلاف أشكالها وألوانها ومنافعها وصغرها وكبرها،
وهو يعلم ذلك كله ويرزقه، لا يخفى عليه من ذلك شيء، كما قال تعالى: ﴿﴿ وَمَا مِن دَآبَةٍ فِ
اَلْأَرْضِ إِلَّا عَلَى الَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْنَفَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلُّ فِ كِتَبٍ مُّبِينٍ (﴾﴾ [هود].
﴿وَتَصْرِيفِ اَلْيَح﴾ أي: فتارة تأتي بالرحمة، وتارة تأتي بالعذاب، وتارة تأتي مبشرة بين يدي
السحاب، وتارة تسوقه، وتارة تجمعه، وتارة تفرّقه، وتارة تصرفه.
[ثم تارة تأتي من الجنوب وهي الشامية، وتارة تأتي من ناحية اليمن وتارة صباً، وهي الشرقية التي
تصدم وجه الكعبة، وتارة دبوراً وهي: غربية تنفذ من ناحية دبر الكعبة. وقد صنّف الناس في الرياح
والمطر والأنواء كتباً كثيرة فيما يتعلق بلغاتها وأحكامها، وبسط ذلك يطول ههنا، والله أعلم] (٤).
(١) حديث ثابت فصلت تخريجه وشواهده في التفسير الصحيح ١/ ٢٦٧ عند تفسير الآية نفسها.
(٢) سقط في الأصل واستدرك من نسخة (عش) و(ح). (٣) كذا في (عش) و(ح) وفي الأصل: (لمعاش)).
(٤) ما بين معقوفين زيادة من (عش) و(ح).

٣٠
• سُوَرَّةُ الْبَقَةِ (١٦٤)
﴿وَالسَحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ الشَمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: سائر بين السماء والأرض، يسخر(١) إلى ما
يشاء الله من الأراضي والأماكن، كما يصرفه تعالى.
﴿لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي: في هذه الأشياء دلالات بيّنة على وحدانية الله تعالى، كما قال
تعالى: ﴿إِنَّ فِ خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَيَتِ لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ ﴿٣َ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ
اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَنَكَ فَقِنَا
عَذَابَ النَّارِ (٨)﴾ [آل عمران]. [وقال](٢) الحافظ أبو بكر بن مردويه: أخبرنا محمد بن أحمد بن
إبراهيم، حدثنا أبو سعيد الدشتكي، حدثني أبي، عن أبيه، عن أشعث بن إسحاق، عن جعفر بن
أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: أتت قريش محمداً ﴿ فقالوا: يا
محمد، إنا نريد أن تدعو ربك أن يجعل لنا الصفا ذهباً فنشتري به الخيل والسلاح، فنؤمن بك
ونقاتل معك. قال: ((أوثقوا لي لئن دعوت ربي فجعل لكم الصفا ذهباً لتؤمننَّ بي))، فأوثقوا له،
فدعا ربه، فأتاه جبريل فقال: إن ربك قد أعطاهم الصفا ذهباً على أنهم إن لم يؤمنوا بك عذّبهم
عذاباً لم يعذّبه أحداً من العالمين، قال محمد ◌َّ: (رب لا بل دعني وقومي فلأدعهم يوماً
بيوم))، فأنزل الله هذه الآية: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ اَلَيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِى ◌َّحْرِى
فِى الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ﴾ الآية (٣). ورواه ابن أبي حاتم من وجه آخر عن جعفر بن أبي المغيرة
به، وزاد في آخره: وكيف يسألونك عن الصفا وهم يرون من الآيات ما هو أعظم من الصفا (٤)؟
وقال ابن أبي حاتم أيضاً: حدثنا أبي، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا شبل عن [ابن أبي نجيح](٥)،
عن عطاء، قال: نزلت على النبيَّ وَّهِ بالمدينة: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحٌِّ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ
[البقرة] فقال كفار قريش بمكة: كيف يسع الناس إله واحد؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ فِ خَلْقِ
اُلَمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْغُلْكِ الَّتِى ◌َّجْرِى فِى الْبَعْرِ بِمَا يَنَفَعُ النَّاسَ﴾ إلى قوله تعالى:
﴿لَيَتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾(٦).
فبهذا يعلمون أنه إله واحد، وأنه إله كل شيء، وخالق كل شيء.
وقال وكيع: حدثنا سفيان، عن أبيه، عن أبي الضُحى، قال: لما نزلت: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَجِدٌّ﴾
إلى آخر الآية. قال المشركون: إن كان هكذا، فليأتنا بآية، فأنزل الله رَى: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ
وَاَلْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ اَلَيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ إلى قوله: ﴿يَعْقِلُونَ﴾(٧) .
ورواه آدم ابن أبي إياس، عن أبي جعفر هو الرازي، عن سعيد بن مسروق والد سفيان، عن
أبي الضُحى به(٨) .
(١) كذا في الأصل، وفي (ح): ((مسخراً))، وفي (عش): ((مسخر)).
(٢) في الأصل: بياض، والمثبت من (عش) و(ح).
(٣) في سنده جعفر بن أبي المغيرة ليس بالقوي في روايته عن سعيد بن جبير (انظر: تهذيب التهذيب ١٠٨/٢).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره.
(٥) في الأصل: ((عن أبي نجيح)) والتصويب من (عش) و(ح) وتفسير ابن أبي حاتم.
(٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم وسنده مرسل لأن عطاء تابعي.
(٧) أخرجه الطبري عن سفيان بن وكيع عن وكيع به، وهو مرسل، وسفيان بن وكيع ضعيف.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم عن عصام بن رواد عن آدم به، وسنده مرسل لأن أبا الضحى وهو مسلم بن صبيح تابعي.

٣١
• سُوَّرَةُ النََّقَةِ (١٦٥، ١٦٧)
00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَسَدُّ حُبَّا لِلَّهُ وَلَوْ
يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (٨٥) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ أَتُّبِعُواْ مِنَ
وَقَالَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ
الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ وَرَأَوَأْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ لَـ
كَمَا تَبَرَّهُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَلَهُمْ حَسَرَتٍ عَلَيْهِمٌّ وَمَا هُم بِخَرِجِينَ مِنَ النَّارِ ◌َ
يذكر تعالى حال المشركين(١) به في الدنيا وما لهم في الدار الآخرة حيث جعلوا [له](٢)
أنداداً؛ أي أمثالاً ونظراء، يعبدونهم معه ويحبونه كحبه، وهو الله لا إله إلا هو، ولا ضد له،
ولا ندّ له، ولا شريك معه. وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود، قال: قلت: يا رسول الله،
أي الذنب أعظم؟ قال: ((أن تجعل الله ندّاً وهو خلقك))(٣).
وقوله: ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبَّا لِلَّهُ﴾ ولحبهم الله وتمام معرفتهم به وتوقيرهم وتوحيدهم، له، لا
يشركون به شيئاً بل يعبدونه وحده، ويتوكلون عليه، ويلجأون في جميع أمورهم إليه. ثم توعد
تعالى المشركين به الظالمين لأنفسهم بذلك، فقال: ﴿وَلَوَ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ
لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ قال بعضهم: تقدير الكلام، لو عاينوا العذاب لعلموا حينئذٍ أن القوة الله جميعاً؛ أي
أن الحكم له وحده لا شريك له، وأن جميع الأشياء تحت قهره وغلبته وسلطانه ﴿وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ
اٌلْعَذَابِ﴾ كما قال: ﴿فَيَؤْمَيِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابُ، أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (49)﴾ [الفجر]، يقول: لو
علموا ما [يعانونه] (٤) هنالك، وما يحل بهم من الأمر الفظيع المنكر الهائل على شركهم وكفرهم
لانتھوا عمَّا هم فيه من الضلال.
ثم أخبر عن كفرهم بأوثانهم وتبري المتبوعين من التابعين، فقال: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ أَتُّبِعُواْ مِنَ
الَّذِينَ أَتَّبَعُوا﴾ تبرأت منهم الملائكة الذين كانوا يزعمون أنهم يعبدونهم في الدار الدنيا، فيقول
الملائكة: ﴿تَبَأْنَاْ إِلَيْكَ مَا كَانُواْ إِيَّنَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣] ويقولون: ﴿سُبْحَنَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِن
دُونِهِمْ بَلَ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم ◌ُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤١]، والجن أيضاً تتبرأ منهم، ويتنصلون
من عبادتهم لهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُمْ إِلَى يَوْمِ
الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَيِهِمْ غَفِلُونَ ® وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَاءُ وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَفِينَ ﴾﴾ [الأحقاف]،
وقال تعالى: ﴿وَأَخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ ءَالِهَةً لِيَكُونُواْ لَهُمْ عِزَّا (٨ كَلَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ
ضِدًّا (﴾﴾ [مريم]، وقال الخليل لقومه: ﴿إِنَّمَا أَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَنَا قَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِى الْحَيَوَةِ
الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَشُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَنَكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن
نَّصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَ إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوُفُونَ عِندَ رَبِهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ
إِلَى بَعْضِ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ أَسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ أَسْتَكْبَرُواْ لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبرُواْ
لِلَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ أَنَحْنُ صَدَدْنَكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُم تُجِينَ (٣) وَقَالَ الَّذِينَ أَسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ
(١) (خ) و(ح): المشرك.
(٢) سقط من الأصل وأثبت من (عش) و(ح).
(٣) أخرجه البخاري الصحيح، التفسير، باب قوله تعالى: ﴿فَلَا تَّجْعَلُواْ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ٢٢] (ح ٤٤٧٧)،
ومسلم في الصحيح، الإيمان، باب كون الشرك أقبح الذنوب (ح ١٤١، ١٤٢).
(٤) كذا في (عش)، وفي الأصل ((يفتنونه)) وفي (ح): ((ما يعاينوه).

٣٢
سُورَةُ الْبَقَّةِ (١٦٨، ١٦٩)
900000000000000000000000000000 000000 000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 000000
أَسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ الَّلِ وَاَلنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَّ أَنْ تَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْأَ
الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا اُلْأَغَْلَ فِىَ أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴿)﴾ [سبأ]، وقال
تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِىَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدَّتُّكُمْ فَأَخْلَقْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ
مِّنِ سُلْطَانٍ إِلَّ أَنْ دَعَوْتُمْ فَلُسْتَجَبْتُمْ لِ فَلَ تَلُومُونِ وَلُومُواْ أَنْفُسَكُمْ مَّا أَنَأْ بِمُصْرِفِكُمْ وَمَّا أَنْتُم بِمُصْرِىٌَ إِ
كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَِّمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ (®﴾ [إبراهيم].
وقوله: ﴿وَرَأَوَأْ الْعَذَابَ وَتَقَطّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ أي: عاينوا عذاب الله وتقطعت بهم الحيل
وأسباب الخلاص، ولم يجدوا عن النار معدلاً ولا مصرفاً.
قال عطاء، عن ابن عباس: ﴿وَتَقَطّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ قال: المودة(١).
وكذا قال مجاهد في رواية ابن أبي نجيح (٢) .
وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَنَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَتَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّهُواْ مِنَّا﴾ أي: لو أن لنا عودة إلى
الدار الدنيا حتى نتبرأ من هؤلاء ومن عبادتهم، فلا نلتفت إليهم بل نوحّد الله وحده بالعبادة،
وهم كاذبون في هذا، بل لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه كما أخبر تعالى عنهم بذلك، ولهذا قال:
﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَلَهُمْ حَسَرَتٍ عَلَيْهِمٌ﴾ [أي: تذهب وتضمحل كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا
[الفرقان]. وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ
عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ هَبَآءُ مَّنُورًا (®)﴾
أَعْمَلُهُمْ كَرَمَادٍ أَشْتَذَتْ بِهِ الرِّيحُ فِ يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ الآية [إبراهيم: ١٨]، وقال تعالى: ﴿وَأَذِينَ كَفَرُواْ
أَعْمَلُهُمْ كَمَرَبٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ اُلَّمْثَانُ مَآءَ﴾ الآية [النور: ٣٩]، ولهذا قال تعالى:] (٣) ﴿وَمَا هُم بِخَرِجِينَ
مِنَ النَّارِ﴾.
﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَا فِ الْأَرْضِ حَلَا طَيِّبًا وَلَا تَشَّعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطِنَّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ
◌ُّبِينُ ﴿ إِنَّمَا يَأْمُرُّكُمْ بِالسُّوْءِ وَالْفَحْشَآِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ
لما بيّن تعالى أنه لا إله إلا هو، وأنه المستقل بالخلق، شرع يبين أنه الرزاق لجميع خلقه،
فذكر [في](٤) مقام: الامتنان أنه أباح لهم أن يأكلوا مما في الأرض في حال كونه حلالاً من الله
طيباً؛ أي مستطاباً في نفسه غير ضار للأبدان ولا للعقول، ونهاهم عن اتباع خطوات الشيطان وهي
طرائقه ومسالكه فيما أضلّ اتباعه فيه من تحريم البحائر والسوائب والوصائل ونحوها، مما كان
زيّنه لهم في جاهليتهم، كما في حديث عياض بن حمار الذي في صحيح مسلم عن رسول الله وَلؤل
أنه قال: ((يقول الله تعالى: إن كل [مال](٥) منحته عبادي فهو لهم حلال - وفيه : - وإني خلقتُ
عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرَّمت عليهم ما أحللتُ لهم))(٦).
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا محمد بن عيسى بن شيبة
(١) أخرجه ابن أبي حاتم وسنده حسن.
(٣) ما بين معقوفين زيادة من (عش) و(ح).
(٢) أخرجه الطبري وسنده صحيح.
(٤) زيادة من (عش) و(ح).
(٥) في الأصل: ((ما)) والتصويب من (عش) و(ح)، والتخريج التالي.
(٦) أخرجه مسلم في صحيحه، الجنة، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار
(ح ٢٨٦٥).

٣٣
سُورَةُ الْبَرَّةِ (١٦٨، ١٦٩)
المصري، حدثنا الحسين بن عبد الرحمن الاحتياطي، حدثنا أبو عبد الله الجوزجاني رفيق
إبراهيم بن أدهم، حدثنا ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: تليت هذه الآية عند
النبي ◌َّ: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِنَا فِ الْأَرْضِ حَلَا طَيِّبًا﴾ فقام سعد بن أبي وقاص فقال: ((يا
رسول الله، ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، فقال: ((يا سعد أطب مطعمك، تكن مستجاب
الدعوة، والذي نفس محمد بيده، [إن الرجل ليقذف](١) اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل منه
أربعين يوماً، وأيما عبد نبت لحمه من السُّحت والربا فالنار أولى به)»(٢).
وقوله: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ تنفير عنه وتحذير منه، كما قال: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَأَتَّخِذُوهُ
عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِكُونُواْ مِنْ أَصْحَبِ السَّعِيرِ
﴾﴾ [فاطر]. وقال تعالى: ﴿أَفَنَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ، أَوْلِيَآءَ
٥٠﴾ [الكهف].
مِن دُونِ وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌ بِئْسَ لِلظَِّمِينَ بَدَلَّا
وقال قتادة (٣) والسدي(٤) في قوله: ﴿وَلَا تَشَّعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَِّنِّ﴾ قال: كل معصية لله فهي من
خطوات الشيطان.
وقال عكرمة: هي نزغات الشيطان.
وقال مجاهد: خطاه أو قال: خطاياه(٥) .
وقال أبو مجلز: هي النذور في المعاصي(٦).
وقال الشعبي: نذر رجل أن ينحر ابنه، فأفتاه مسروق بذبح كبش، وقال: هذا من خطوات
الشيطان(٧) .
وقال أبو الضُّحى، عن مسروق أتى عبد الله بن مسعود بضرع وملح، فجعل يأكل فاعتزل رجل
من القوم فقال ابن مسعود: ناولوا صاحبكم، فقال: لا أريده، فقال: أصائم أنت؟ قال: لا،
قال: فما شأنك؟ قال: حرمت أن آكل ضرعاً أبداً، فقال ابن مسعود: هذا من خطوات الشيطان،
فاطعم وكفّر عن يمينك. رواه ابن أبي حاتم(٨).
وقال أيضاً: حدثنا أبي، حدثنا حسان بن عبد الله المصري، عن سليمان التيمي، عن أبي
رافع، قال: غضبت [يوماً] (٩) على امرأتي، فقالت: هي يوماً يهودية ويوماً نصرانية، وكل مملوك
لها حر إن لم تطلق امرأتك، فأتيت عبد الله بن عمر فقال: إنما هذه من خطوات الشيطان،
(١) سقط من الأصل واستدرك من (عش) و(ح).
(٢) ضعفه المنذري في الترغيب ٥٤٧/٢، والألباني في السلسلة الضعيفة ٢٩٢/٤ (ح ٦٦٤٠).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق القاسم بن الوليد الهمداني عنه.
(٤) ذكره ابن أبي حاتم وأخرج الطبري بسنده الحسن من طريق أسباط عن السدي قال: طاعته.
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: ((خطيئته))، وأخرجه الطبري بسند
حسن من طريق آخر عن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: ((خطاياه)).
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سليمان التيمي عنه.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن داود بن أبي هند عن الشعبي به.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم، وسنده حسن.
(٩) سقط من الأصل، واستدرك من (عش) وتفسير ابن أبي حاتم.

٣٤
سُورَةُ البَرَةِ (١٧٠، ١٧١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وكذلك قالت زينب بنت أم سلمة، وهي يومئذ أفقه امرأة في المدينة، وأتيت عاصماً وابن عمر
فقالا مثل ذلك(١).
وقال عبد بن حميد(٢): حدثنا أبو نعيم عن شريك، عن عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن
عباس، قال: ما كان من يمين أو نذر في غضب، فهو من خطوات الشيطان، وكفارته كفارة
یمین(٣).
وقوله: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُّكُمْ بِالسُّوْءِ وَالْفَحْشَآِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ (3)﴾ أي: إنما يأمركم
عدوكم الشيطان بالأفعال السيئة، وأغلظ منها الفاحشة؛ كالزنا ونحوه، وأغلظ من ذلك، وهو
القول على الله بلا علم، فيدخل في هذا كل كافر وكل مبتدع أيضاً .
[وقال سنيد بن داود في تفسيره: حدثنا عباد بن عباد المهلبي عن عاصم الأحول، عن عكرمة
في رجل قال لغلامه: إن لم أجلدكَ مائةَ سوطٍ فامرأته طالق، قال: لا يجلد غلامه، ولا تطلق
امرأته، هذا من خطوات الشيطان](٤).
] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ أَنَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ اَللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابََّنَّأُ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءُ وَنِدَةً مُ
يَمْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ
.
بُكْمُّ عُمْىٌّ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ
يقول تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ﴾ لهؤلاء الكفرة من المشركين: ﴿أَتَّبِعُواْ مَآ أَنَزَلَ اَللَّهُ﴾ على رسوله،
واتركوا ما أنتم عليه من الضلال والجهل، قالوا في جواب ذلك: ﴿بَّ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَ﴾ أي: وجدنا
﴿عَلَيْهِ ءَابَآءَنَُّ﴾ أي: من عبادة الأصنام والأنداد، قال الله تعالى منكراً عليهم: ﴿أَوَّلَوْ كَانَ
ءَبَآؤُهُمْ﴾ أي: الذين يقتدون بهم ويقتفون أثرهم ﴿لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ أي: ليس لهم
فهم ولا هداية.
وروى ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس:
أنها نزلت في طائفة من اليهود دعاهم رسول الله وَّرَ إلى الإسلام، فقالوا: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَنَا عَلَيْهِ
ءَابَآءَنَّأْ﴾، فأنزل الله هذه الآية(٥).
ثم ضرب لهم تعالى مثلاً، كما قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ [النحل: ٦٠]
فقال: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: فيما هم فيه من الغي والضلال والجهل، كالدواب السارحة
التي لا تفقه ما يقال لها: بل إذا نعق بها راعيها - أي: دعاها إلى ما يرشدها - لا تفقه ما يقول
(٢) في الأصل: ((عبد)).
(١) أخرجه ابن أبي حاتم وسنده حسن.
(٣) سنده حسن.
(٤) ما بين معقوفين زيادة من (عف) وحاشية نسخة (عش): وهذه الرواية ذكرها ابن القيم (إغاثة اللهفان ٢/
٨٩)، وفي الصواعق المرسلة ٦١/٢، وصحح سندها في إعلام الموقعين ٦٠/٣. وصرح الذهبي أنه من
تفسير سنيد (ميزان الاعتدال ١١٩/٥).
وبعد هذا النص يوجد نقص في نسخة (عش) مقدار تفسير (٢٠) آية من آية ١٧٠ - ١٩٠ من سورة البقرة.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن.

٣٥
• سُورَةُ الْبََّرَةَ (١٧٢، ١٧٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ولا تفهمه، بل إنما تسمع صوته فقط. هكذا روي عن ابن عباس وأبي العالية ومجاهد وعكرمة
وعطاء والحسن وقتادة وعطاء الخراساني والربيع بن أنس نحو هذا (١). [وقيل: إنما هذا مثل
ضرب لهم في دعائهم الأصنام التي لا تسمع ولا تبصر ولا تعقل شيئاً واختاره ابن جرير(٢)،
والأول أولى، لأن الأصنام لا تسمع شيئاً ولا تعقله ولا تبصره ولا بطش لها ولا حياة
فيها](٣). وقوله: ﴿ُّمْ بُكْمُّ عُنىٌ﴾ أي: صم عن سماع الحق، بُكْمٌ لا يتفوّهون به، عميٌ عن
رؤية طريقه ومسلكه ﴿فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أي: لا يعقلون شيئاً ولا يفهمونه، [كما قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَئِنَا صُنَّ وَبُكْمٌ فِ القُلُمَتِّ مَن يَشَلِ اللَّهُ يُضْلِلَةٌ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ
[الأنعام](٤)
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ وَأَشْكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَاهُ تَمْبُدُونَ
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالذَّمَ وَلَحْمَ الْخِزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ، لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاِخْ وَلَا
عَادٍ فَلَّ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيءُ
يقول تعالى آمراً عباده المؤمنين بالأكل من طيبات ما رزقهم تعالى، وأن يشكروه تعالى على ذلك
إن كانوا عبيده، والأكل من الحلال سبب لتقبّل الدعاء والعبادة، كما أن الأكل من الحرام يمنع
قبول الدعاء والعبادة. كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا
[الفضيل](٥) بن مرزوق، عن عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله :
((أيها الناس إن الله طيب لا يقبل، إلا طيباً وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَأَيُّهَا
ـهِ﴾ [المؤمنون] وقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطَِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا إِ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ
كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ﴾، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب،
يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام فأنّى يستجاب لذلك؟))(٦).
ورواه مسلم في صحيحه(٧) والترمذي من ذلك حديث فضيل بن مرزوق(٨).
ولما امتنَّ الله تعالى عليهم برزقه وأرشدهم إلى الأكل من طيبه، ذكر أنه لم يحرم عليهم من
ذلك إلا الميتة، وهي التي تموت حتف أنفها من غير تذكية، وسواء كانت منخنقة أو موقوذة أو
متردية أو نطيحة أو قد عدا عليها السبع، [وقد خصص الجمهور من ذلك ميتة البحر لقوله تعالى:
﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُ﴾ [المائدة: ٩٦] على ما سيأتي إن شاء الله، وحديث العنبر في
(١) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عطية العوفي عنه، وهو ضعيف الإسناد، ويشهد له أقوال
التابعين، وقد ذكرها ابن أبي حاتم كلها .
(٢) تفسير الطبري ٣١٣/٣، ط. أحمد شاكر.
(٣) الزيادة من نسخة (ح) و(حم).
(٤) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(حم).
(٥) في الأصل: ((الفضل))، وانظر: التقريب ص٤٤٨.
(٦) المسند (ح ٨٣٣٠) سورة المؤمنون آية ٥١.
(٧) صحيح مسلم، الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب (ح١٠١٥).
(٨) أخرجه الترمذي في السنن، التفسير سورة البقرة (ح٢٩٨٩).

٣٦
• سُوَرَّةُ الْبَرَةِ (١٧٢، ١٧٣)
الصحيح وفي المسند والموطأ والسنن قوله ظلّلها في البحر: ((هو الطهور ماؤه الحل ميتته))(١).
وروى الشافعي وأحمد وابن ماجه والدارقطني حديث ابن عمر مرفوعاً: ((أحل لنا ميتتان ودمان
السمك والجراد والكبد والطحال))(٢). وسيأتي تقرير ذلك - إن شاء الله - في سورة المائدة.
مسألة (٣): ولبن الميتة وبيضها المتصل بها نجس عند الشافعي وغيره؛ لأنه جزء منها. وقال
مالك في رواية: هو طاهر إلا أنه ينجس بالمجاورة، وكذلك أنفحة الميتة فيها الخلاف،
والمشهور عندهم أنها نجسة، وقد أوردوا على أنفسهم أكل الصحابة من جبن المجوس، فقال
القرطبي في التفسير ههنا يخالط اللبن منها يسير، ويعف عن قليل النجاسة إذا خالط الكثير من
المائع (٤).
وقد روى ابن ماجه من حديث سيف بن هارون عن سليمان التميمي، عن أبي عثمان النهدي،
عن سلمان : سئل رسول الله ◌َ﴿ عن السمن والجبن والفراء، قال: ((الحلال ما أحلَّ الله في
كتابه، والحرام ما حرَّم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه))](٥).
وكذلك حرم عليهم لحم الخنزير سواء ذكي أم مات حتف أنفه، ويدخل شحمه في حكم لحمه
إما تغليباً أو أن اللحم يشمل ذلك أو بطريق القياس على رأي، [وكذلك](٦) حرم عليهم ما أهلّ
به لغير الله، وهو ما ذبح على غير اسمه تعالى من الأنصاب والأنداد والأزلام ونحو ذلك مما
كانت الجاهلية ينحرون له. [وذكر القرطبي عن ابن عطية أنه نقل عن الحسن البصري: أنه سئل
عن امرأة عملت عرساً للعبها فنحرت فيه جزوراً، فقال: لا تؤكل لأنها ذبحت لصنم(٧)، وأورد
القرطبي عن عائشة ﴿ نا: أنها سئلت عما يذبحه العجم لأعيادهم فيهدون منه للمسلمين فقالت:
ما ذبح لذلك اليوم فلا تأكلوا منه، وكلوا من أشجارهم] (٨).
ثم أباح تعالى تناول ذلك عند الضرورة والاحتياج إليها عند فقد غيرها من الأطعمة، فقال:
﴿فَمَنِ أَضْظُرَّ غَيْرَ بَاِخْ وَلَا عَادٍ﴾ أي: في غير بغي ولا عدوان، وهو مجاوزة الحد ﴿فَلَّ إِثْمَ عَلَةُ﴾
أي: في أكل ذلك ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورُ زَّحِيمُ﴾.
وقال مجاهد: فمن اضطر غير باغ ولا عاد، قاطعاً للسبيل أو مفارقاً للأئمة، أو خارجاً في
(١) أخرجه الأمام مالك، الموطأ، كتاب الطهارة، باب الطهور (ح١١)، وأخرجه الترمذي، السنن، الطهارة،
باب ما جاء في ماء البحر (ح٦٩) وصححه وأخرجه الحاكم، وصححه ووافقه الذهبي، (المستدرك ١/
١٤٠) وقال البغوي: متفق على صحته (شرح السنة ١٥٥/٢).
(٢) أخرجه الشافعي في ترتيب مسنده ١٧٣/٢، وأحمد في المسند ٩٧/٢، والموقوف على ابن عمر أصح وله
حكم الرفع، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح١١١٨).
(٣) الزيادة من (حم).
(٤) الجامع لأحكام القرآن (٢٢٠/٢).
(٥) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(حم)، سنن ابن ماجه، الأطعمة، باب الجبن والسمن (ح ٣٣٦٧) وفي سنده
سيف بن هارون: ضعيف (التقريب ص٢٦٢).
(٦) سقط من الأصل وأثبت من (ح) و(عف) و(حم).
(٧) ينظر: الجامع لأحكام القرآن ٢٢٤/٢، فقد ذكره بمعناه.
(٨) ما بين معقوفين من (ح) والنص في الجامع لأحكام القرآن ٢٢٤/٢.

٣٧
• سُوَرَةُ الَّذَّة (١٧٢، ١٧٣)
0000000000000000000000000000000000 000 000 000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00
معصية الله، فله الرخصة، ومن خرج باغياً أو عادياً أو في معصية الله، فلا رخصة له وإن اضطر
إليه (١)، وكذا روي عن سعيد بن جبير(٢).
وقال سعيد ـ في رواية عنه - ومقاتل بن حيان:
﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾؛ يعني: غير مستحله(٣).
وقال السدي: غير باغ، يبتغي فيه شهوة(٤).
وقال [آدم بن أبي إياس: حدثنا ضمرة عن عثمان بن عطاء وهو الخراساني، عن أبيه](٥) في
قوله: ﴿غَيْرَ بَاغْ﴾ قال: لا يشوي من الميتة ليشتهيه، ولا يطبخه، ولا يأكل إلا العلقة (٦)،
ويحمل معه ما يبلغه الحلال، فإذا بلغه ألقاه (٧). [وهو قوله: ﴿وَلَا عَادٍ﴾ ويقول: لا يعدو به
الحلال](٨).
وعن ابن عباس: لا يشبع منها (٩) .
وفسّره السدي بالعدوان(١٠).
وعن ابن عباس: ﴿غَيّرَ بَاغْ وَلَا عَادٍ﴾ قال: غير باغ في الميتة ولا عاد في أكله(١١).
وقال قتادة: فمن اضطر غير باغ ولا عاد، [قال: غير باغ في الميتة؛ أي](١٢) في أكله أن
يتعدى حلالاً إلى حرام، وهو يجد عنه مندوحة (١٣) .
[وحكى القرطبي عن مجاهد في قوله: ﴿فَمَنِ أُضْطُرَّ﴾ أي: أكره على ذلك بغير اختياره(١٤).
ذكر القرطبي إذا وجد المضطر ميتة وطعام الغير بحيث لا قطع فيه ولا أذى، فإنه لا يحل له
أكل الميتة بل يأكل طعام الغير بغير خلاف ــ كذا قال -، ثم قال: وإذا أكله، والحالة هذه، هل
يضمن أم لا؟ فيه قولان هما روايتان عن مالك، ثم أورد من سنن ابن ماجه من حديث شعبة عن
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بروايتين بإسنادين صحيحين أحدهما من طريق القاسم بن أبي بزة، والآخر من طريق
ابن أبي نجيح.
(٢) أخرج ابن أبي حاتم من طريق سالم بن عجلان الأموي عنه، وسنده حسن.
(٣) رواية سعيد أخرجها ابن أبي حاتم بسند حسن، من طريق عطاء بن دينار عنه، ورواية مقاتل ذكرها ابن أبي
حاتم بدون سند.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق إسباط بن نصر عنه.
(٥) في الأصل (وح): ((وقال عطاء الخراساني)) بدون إسناد والزيادة من (عف).
(٦) العلقة: ما يتبلغ من الطعام وإن لم يكن تاماً (لسان العرب ٢٦٣/١٠).
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم عن عصام بن رواد عن آدم به، وفي سنده: عثمان عطاء الخراساني، ضعيف كما في
التقريب.
(٨) الزيادة من (عف) و(مح١).
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة، عن ابن عباس والحكم، ضعيف كما في
التقريب.
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط.
(١١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عطية العوفي عنه وسنده ضعيف، ويشهد له قول قتادة ومجاهد.
(١٢) زيادة من (ح) و(حم).
(١٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.
(١٤) ينظر: الجامع لأحكام القرآن ٢٢٥/٢، فقد ذكره بمعناه.

٣٨
• سُوَرَّةُ الْبَقَة (١٧٤، ١٧٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000
أبي إياس جعفر بن أبي وحشية: سمعت عباد بن شرحبيل الغبري قال: أصابتنا عاماً مخمصة،
فأتيت المدينة، فأتيت حائطاً، فأخذت سنبلاً ففركته وأكلته، وجعلت منه في كسائي، فجاء
صاحب الحائط فضربني وأخذ ثوبي، فأتيت رسول الله وَّر فأخبرته، فقال للرجل: ((ما أطعمته إذ
كان جائعاً ولا ساغباً، ولا علمته إذ كان جاهلاً)) فأمره فردّ إليه ثوبه، فأمر له بوسق من طعام أو
نصف وسق(١). إسناد صحيح قوي جيد وله شواهد كثيرة: من ذلك حديث عمرو بن شُعيب عن
أبيه، عن جده: سئل رسول الله وَ﴿ عن الثمر المعلق، فقال: ((من أصاب منه من ذي حاجة بفيه
غير متخذ خبنة، فلا شيء عليه ... )) الحديث(٢)](٣).
وقال مقاتل بن حيان في قوله: ﴿فَلَّ إِثْمَ عَلَيْهُ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾: فيما أكل من اضطرار،
وبلغنا، والله أعلم. أنه لا يزاد على ثلاث لقم (٤).
وقال سعيد بن جبير: غفور لما أكل من الحرام، رحيم إذ أحلّ له الحرام في الاضطرار(٥).
وقال وكيع: أخبرنا الأعمش عن أبي الضُحى، عن مسروق، قال: من اضطر فلم يأكل ولم
يشرب ثم مات، دخل النار(٦)، (وهذا يقتضي أن أكل الميتة للمضطر عزيمة لا رخصة، قال أبو
الحسن الطبري المعروف بالكيا الهراسي رفيق الغزالي في ((الاشتغال))، وهذا هو الصحيح
عندنا(٧)، كالإفطار للمريض ونحو ذلك](٨).
صـ
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اَللَّهُ مِنَ الْكِتَبِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ، ثَنَا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُونَ فِى
بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ (9) أُؤْلَئِكَ الَّذِينَ
أَشْتَرَواْ الضَّلَلَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ اُلْكِنَبَ
﴾.
بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ أُخْتَلَفُواْ فِى الْكِتَابِ لَبِ شِقَاقِ بَمِيدٍ
يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنَزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَبِ﴾ يعني: اليهود الذين كتموا صفة
محمد ◌ّ في كتبهم التي بأيديهم مما يشهد له بالرسالة والنبوة، فكتموا ذلك لئلّا تذهب رياستهم
وما كانوا يأخذونه من العرب من الهدايا والتحف على تعظيمهم إياهم، فخشوا - لعنهم الله - إن
أظهروا ذلك أن يتبعه الناس ويتركوهم، فكتموا ذلك إبقاء على ما كان يحصل لهم من ذلك وهو
نزر يسير، فباعوا أنفسهم بذلك واعتاضوا عن الهدى واتباع الحق وتصديق الرسول والإيمان بما
جاء عن الله، بذلك النزر اليسير، فخابوا وخسروا في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإن الله أظهر
(١) أخرجه ابن ماجه السنن، التجارات، باب من مر على ماشية قوم أو حائط هل يصيب منه (ح٢٢٩٨)،
وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح١٨٦١)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي
(المستدرك ٤ /١٣٣).
(٢) أخرجه ابن ماجه وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، كتاب الحدود، باب من سرق من الحرز
(ح ٤ ٢١٠).
(٣) ما بين معقوفين زيادة من (ح)، ونحو هذا النص في الجامع لأحكام القرآن ٢٢٦/٢.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عنه.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن، عطاء بن دينار عنه. (٦) إسناده صحيح إلى مسروق.
(٧) أحكام القرآن للكيا الهراسي ١/ ٤٢.
(٨) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(حم).

٣٩
سُورَةُ الْبَقَةِ (١٧٤، ١٧٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
لعباده صدق رسوله بما نصبه وجعله معه من الآيات الظاهرات والدلائل القاطعات، فصدقه الذين
كانوا يخافون أن يتبعوه، وصاروا عوناً له على قتالهم، وباءوا بغضب على غضب، وذمهم الله في
كتابه في غير ما وضع فمن ذلك هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اَللَّهُ مِنَ اُلْكِتَبِ
وَكَشْتَُّونَ بِهِ، ثَنَا قَلِيلًا﴾ وهو: عرض الحياة الدنيا ﴿أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ أي: إنما
يأكلون ما يأكلونه في مقابلة كتمان الحق، ناراً تأجج في بطونهم يوم القيامة، كما قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَسَى كُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِ بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَضْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾﴾ [النساء].
وفي الحديث الصحيح عن رسول الله * أنه قال: ((الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة
إنما يجرجر في بطنه نار جهنم)) (١) .
وقوله: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ [وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ)(٢)﴾ وذلك لأنه تعالى
غضبان عليهم، لأنهم كتموا وقد علموا، فاستحقوا الغضب، فلا ينظر إليهم ولا يزكيهم، أي:
يثني عليهم ويمدحهم، بل يعذبهم عذاباً أليماً.
وقد ذكر ابن أبي حاتم وابن مردويه، ههنا حديث الأعمش عن أبي حازم، عن أبي هريرة،
عن رسول الله وَلجر: ((ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: شيخ
زانٍ، وملك كذاب، وعائل مستكبر))(٣).
ثم قال تعالى مخبراً عنهم: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلَلَةَ بِالْهُدَى﴾ أي: اعتاضوا عن الهدى،
وهو نشر ما في كتبهم من صفة الرسول وذكر مبعثه والبشارة به من كتب الأنبياء واتباعه
وتصديقه، استبدلوا عن ذلك واعتاضوا عنه بالضلالة وهو تكذيبه والكفر به وكتمان صفاته في
کتبهم.
﴿وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةَ﴾ أي: اعتاضوا عن المغفرة بالعذاب، وهو ما تعاطوه من أسبابه
المذكورة.
وقوله تعالى: ﴿فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ يخبر تعالى أنهم في عذاب شديد عظيم هائل،
يتعجب(٤) من رآهم فيها من صبرهم على ذلك من شدة ما هم فيه من العذاب والنكال والأغلال،
عياذاً بالله من ذلك، [وقيل: معنى قوله: ﴿فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ أي: فما أدومهم لعمل
المعاصي التي تفضي بهم إلى النار] (٥)، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ اُلْكِنَبَ بِالْحَقِّ﴾ أي:
إنما استحقوا هذا العذاب الشديد، لأن الله تعالى أنزل على رسوله محمد ◌ّعليه وعلى الأنبياء قبله
كتبه بتحقيق الحق وإبطال الباطل، وهؤلاء اتخذوا آيات الله هزواً، فكتابهم يأمرهم بإظهار العلم
ونشره فخالفوه وكذبوه، وهذا الرسول الخاتم يدعوهم إلى الله تعالى ويأمرهم بالمعروف وينهاهم
عن المنكر، وهم يكذبونه ويخالفونه ويجحدونه ويكتمون صفته، فاستهزؤوا بآيات الله المنزلة على
(١) متفق عليه أخرجه البخاري من حديث أم سلمة في صحيحه، كتاب الأشربة، باب آنية الفضة (ح ٥٦٣٤)،
ومسلم في صحيحه، اللباس والزينة (ح ٢٠٦٥).
(٢) زيادة من (ح) و(عف).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار (ح ١٧٢).
(٥) ما بين معقوفين زيادة من نسخة (ح) و(حم).
(٤) كذا في (ح) و(عف)، وفي الأصل: يعجب.

٤٠
سُورَةُ الْبَقَة (١٧٧)
رسله، فلهذا استحقوا العذاب والنكال، ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ اُلْكِتَبَ بِالْحَقُّ وَإِنَّ الَّذِينَ
اخْتَلَفُواْ فِى الْكِتَابِ لَفِى شِقَاقِ بَمِيدٍ
﴿ لَيْسَ أَلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِالَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِ
7
وَالْمَلِكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَّبِنَ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِى الْقُرْبَى وَالْيَمَى وَالْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآِلِينَ
وَفِي الْقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَوةَ وَءَاتَى الزَّكَوَةَ وَأَلْمُوقُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ وَالصَّبِينَ فِى الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّهِ وَحِينَ
الْبَأْسِنُ أُوْلَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْلَتِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ
اشتملت هذه الآية على جمل عظيمة وقواعد عميمة، وعقيدة مستقيمة، كما قال ابن أبي
حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبيد بن هشام الحلبي، حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن عامر بن شفي،
عن عبد الكريم، عن مجاهد، عن أبي ذر: أنه سأل رسول الله وَلجر: ما الإيمان؟ فتلا عليه:
﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ ... ) إلى آخر الآية، قال: ثم سأله أيضاً، فتلاها عليه، ثم سأله
فقال: ((إذا عملت حسنة أحبها قلبك، وإذا عملت سيئة أبغضها قلبك))(١).
وهذا منقطع، فإن مجاهداً لم يدرك أبا ذرِّ، فإنه مات قديماً.
وقال المسعودي: حدثنا القاسم بن عبد الرحمن قال: جاء رجل إلى أبي ذرِّ، فقال: ما
الإيمان؟ فقرأ عليه هذه الآية: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ حتى فرغ منها، فقال الرجل: ليس عن
البر سألتك، فقال أبو ذرّ: جاء رجل إلى رسول الله * فسأله عما سألتني فقرأ عليه هذه الآية
فأبى أن يرضى، كما أبيت أن ترضى، فقال له رسول الله وَل ـــ وأشار بيده -: ((المؤمن إذا عمل
حسنة سرّته ورجا ثوابها، وإذا علم سيئة أحزنته وخاف عقابها)) ورواه ابن مردويه، وهذا أيضاً
منقطع(٢)، والله أعلم.
وأما الكلام على تفسير هذه الآية، فإن الله تعالى لما أمر المؤمنين أولاً بالتوجه إلى بيت
المقدس ثم حولهم إلى الكعبة، شقّ ذلك على نفوس طائفة من أهل الكتاب وبعض المسلمين،
فأنزل الله تعالى بيان حكمته في ذلك وهو: أن المراد إنما هو طاعة الله ريق، وامتثال أوامره،
والتوجه حيثما وجّه واتباع ما شرع، فهذا هو البر والتقوى والإيمان الكامل، وليس في لزوم
التوجه إلى جهة من المشرق أو المغرب برّ ولا طاعة إن لم يكن عن أمر الله وشرعه، ولهذا
قال: ﴿لَيْسَ أَلْبِرَّ أَنْ تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِ﴾ الآية، كما
قال في الأضاحي والهدايا: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُمُّهَا وَلَ دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ النَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧].
وقال العوفي، عن ابن عباس في هذه الآية: ليس البر أن تصلوا ولا تعملوا، فهذا حين تحول
من مكة إلى المدينة، ونزلت الفرائض والحدود، فأمر الله بالفرائض والعمل بها(٣).
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره وسنده ضعيف بسبب الانقطاع المذكور أعلاه.
وأخرجه الحاكم وصححه وتعقبه الذهبي فقال: كيف وهو منقطع؟ (المستدرك ٢/ ٢٧٢).
(٢) أخرجه المروزي من طريق المسعودي به (تعظيم قدر الصلاة ح ٤٠٨)، والقاسم بن عبد الرحمن هو
المسعودي لم يدرك أبا ذرّ، (انظر: التقريب ص ٤٥٠).
(٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند مسلسل بالضعفاء عنه ويشهد له الآثار التالية.