النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ • سُورَةُ الْفَاتِحَةِ 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 هريرة، وسعيد بن زيد، وأبي سعيد - مرفوعاً: ((لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه)). وهو حديث حسن. ومن العلماء من أوجبها عند الذكر ههنا، ومنهم من قال بوجوبها مطلقاً، وكذا تستحب عند الذبيحة في مذهب الشافعي وجماعة، وأوجبها آخرون عند الذكر ومطلقاً في قول بعضهم كما سيأتي بيانه في موضعه (إن شاء الله)(١). (٢)[وقد ذكر الرازي في «تفسيره)(٣) في فضل البسملة أحاديث منها: عن أبي هريرة أن رسول الله ◌َي* قال: ((إذا أتيت أهلك فسم الله، فإنه إن وجد لك ولد كتب لك بعدد أنفاسه وأنفاس ذريته حسنات)). وهذا لا أصل له، ولا رأيته في شيء من الكتب المعتمد عليها ولا غيرها](٢) . وهكذا تستحب عند الأكل لما في ((صحيح مسلم)) (٤): أن رسول الله وَلو قال لربيبه عمر بن أبي سلمة: ((قل: بسم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك)). ومن العلماء من أوجبها والحالة هذه، وكذلك تستحب عند الجماع لما في ((الصحيحين))(6) عن ابن عباس أن رسول الله وَلقر قال: ((لو أن (أحدهم)(٦) إذا أراد أن يأتي أهله قال: باسم الله، = عن أبي هريرة مرفوعاً: ((لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى)). وصححه الحاكم (١٤٦/١) وتعقبه ابن الصلاح والنووي في ((المجموع)) (٣٤٤/١)؛ وابن حجر في ((التلخيص)) (١/ ٧٢) وفي ((النتائج)) (٢٦٦/١) وله علتان. وأما حديث سعيد بن زيد: فأخرجه أحمد (٧٠/٤، ٣٨٢/٦)؛ والترمذي (٢٥)؛ وابن ماجه (٣٩٨) وآخرون يطول الأمر بذكرهم وهو أمثل أحاديث الباب. وأما حديث أبي سعيد الخدري فأخرجه أحمد (٤١/٣)؛ والترمذي في ((العلل)) (١١٢/١، ١١٣)؛ وابن ماجه (٣٩٧)؛ وابن أبي شيبة (٢/١، ٣)؛ وأبو عبيد في ((الطهور)) (ق٢/٧)؛ وأبو يعلى (٣٢٤/٢، ٤٢٤) وآخرون. وقد استوفيت الكلام على طرقه وشواهده في ((بذل الإحسان)) (٣٤٠/٢ - ٣٧١) ولي فيه جزء مفرد باسم ((كشف المخبوء بثبوت حديث التسمية عند الوضوء) وهو مطبوع وانفصلت فيه على أنه حديث حسن ثابت. والله أعلم. (١) من (ك) و(ن). (٢) ساقط من (ز) و(ع) و(ل). (٣) انظر تفسير ((الرازي)) (١١٧/١) والحديث المذكور أخرجه أبو الحسين بن المهتدي في ((فوائده)) وعنه ابن الجوزي في «الموضوعات)) (١٨٥/٣، ١٨٦) وساق حديثاً طويلاً، ثم قال ابن الجوزي: «هذا حديث لیس له أصل، وفي إسناده جماعة مجاهيل لا يعرفون أصلاً ولا نشك أنه من وضع بعض القصاص أو الجهال وقد خلط الذي وضعه في الإسناد، ومن المعروفين في إسناده: حماد بن عمرو، قال يحيى: كان يكذب ويضع الحديث، وقال ابن حبان: كان يضع الحديث وضعاً على الثقات، لا يحل كتب حديثه إلا على وجه التعجب)) وانظر: ((اللآلئ)) (٣٧٧/٢، ٣٧٨)، ((وتنزيه الشريعة)) (٣٤٠/٢). (٤) لم يخرجه مسلم في ((صحيحه) بهذا اللفظ، إنما أخرجه (١٠٨/٢٠٢٢) بلفظ: ((يا غلام سم الله وكل بیمینك وكل مما يليك)) . أخرجه البخاري (٥٢٣/٩)؛ ومسلم (١٠٩/٢٠٢٢). (٥) أخرجه البخاري (٢٢٨/٩)؛ ومسلم (٥/١٠ - شرح النووي). (٦) كذا في (ج) و(ع) و(ل) و(هـ) و(ى) وهو الموافق لما في ((الصحيحين))، ووقع في (ز) و(ك) و(ن): ((أحدكم)) . ١٨٢ • سُوَرَّةُ الْفَاتِحَةِ 00000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00 اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه إن يقدر بينهما ولد لم يضره الشيطان أبداً)). ومن ههنا ينكشف لك أن القولين عند النحاة في (تقدير) (١) المتعلق بالباء في (قولك)(٢): باسم الله - هل هو اسم أو فعل - متقاربان، وكل قد ورد به القرآن؛ أما من قدره باسم تقديره باسم الله ابتدائي؛ فلقوله تعالى: ﴿﴿ وَقَالَ أَرْكَبُواْ فِهَا بِسْمِ اللَّهِ بَجْرِهَا وَمُرْسَهَاْ إِنَّ رَبِّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [هود] ومن قدره بالفعل (٣) (أمراً أو خبراً؛ نحو: أبدأ باسم الله، أو ابتدأت بسم الله)(٣) فلقوله (تعالى)(٤): ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ ﴾﴾ [العلق] وكلاهما صحيح؛ فإن الفعل لا بدّ له من مصدر؛ فلك أن تقدر الفعل ومصدره، وذلك بحسب الفعل الذي سميت قبله إن كان قياماً أو قعوداً أو أكلاً أو شرباً، أو قراءةً أو وضوءاً أو صلاةً؛ فالمشروع ذكر (اسم)(٥) الله في الشروع في ذلك كله؛ تبركاً وتيمناً واستعانةً على الإتمام والتقبل. والله أعلم. ولهذا روى ابن جرير(٦)، وابن أبي حاتم، من حديث بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس؛ قال: إن أول ما نزل به جبريل على محمد وَ ال* قال: يا محمد؛ قل: أستعيذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. ثم قال: قل: ﴿يَسْمِ الَّهِ الََّرِ الرَّحَمَةِ ۵﴾ قال: قال له جبريل: (قل)(٧): باسم الله یا محمد. يقول: اقرأ بذكر الله ربك، وقم واقعد بذكر الله تعالى. لفظ ابن جرير. وأما مسألة الاسم؛ هل هو المسمى أو غيره، ففيها للناس ثلاثة أقوال: (٨) [أحدها: أن الاسم؛ هل هو المسمى، وهو قول أبي عبيدة، وسيبويه؛ واختاره الباقلاني، وابن فورك. وقال (فخر الدين)(٩) الرازي](٨)؛ (١٠) [وهو محمد بن عمر المعروف بابن خطيب (الري)(١١) في ((مقدمات تفسيره))(١٢): قالت الحشوية، والكرامية، والأشعرية: الاسم نفس المسمى، (وغير التسمية)(١٣)، وقالت المعتزلة: الاسم غير المسمى ونفس التسمية. والمختار عندنا أن الاسم غير المسمى وغير التسمية، ثم نقول: إن كان المراد بالاسم هذا اللفظ الذي هو أصوات متقطعة وحروف مؤلفة فالعلم الضروري حاصل أنه غير المسمّى، وإن](١٠) (١) في (ج): ((تقديم)) وهو تصحيف. (٢) في (ن): ((قوله)) وذكر في الهامش أن في نسخة ((قولك)). (٣) ساقط من (ز). (٥) ساقط من (ز). (٤) من (ل) و(ن). (٦) أخرجه ابن جرير (١٣٨)؛ وابن أبي حاتم (٤) من طريق أبي كريب محمد بن العلاء، ثنا عثمان بن سعيد، ثنا بشر بن عمارة بسنده سواء. وإسناده ضعيف جداً وبشر بن عمارة تركه الدارقطني وضعفه البخاري والنسائي وغيرهما والضحاك بن مزاحم لم يسمع من ابن عباس، وسبق أن نبه المصنف على هذا. (٧) سقط من سائر ((الأصول)) واستدركته من ((الطبري)) و((ابن أبي حاتم)). (٨) من أول هنا إلى ((الله علم على الرب تبارك وتعالى)) ساقط من (ز). (٩) ساقط من (ن). (١١) في (ك): ((الذي))! وفي (ل): (ابن الخطيب الرازي)). (١٢) انظر: ((تفسيره)) (١١٤/١ - ١١٦). (١٠) ساقط من (ز). (١٣) وقع في (ن): ((غير نفس التسمية)). ١٨٣ سُورَةُ الْفَائِحَةِ 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 (١) [كان المراد بالاسم ذات المسمّى فهذا يكون من باب إيضاح الواضحات، وهو عبث، فثبت أن (الخوض)(٢) في هذا (البحث)(٣) على جميع التقديرات يجري مجرى العبث. ثم شرع يستدل على مغايرة الاسم للمسمى بأنه قد يكون الاسم موجوداً والمسمى مفقوداً؛ كلفظة المعدوم، وبأنه قد يكون للشيء أسماء متعددة؛ كالمترادفة، وقد يكون الاسم واحداً والمسميات متعددةً كالمشترك، وذلك دال على تغاير الاسم والمسمّى. وأيضاً فالاسم لفظ وهو عرض. والمسمّى قد يكون ذاتاً ممكنةً أو واجبةً بذاتها . وأيضاً فلفظ النار والثلج لو كان هو المسمّى لوجد اللافظ بذلك حر النار أو برد الثلج ونحو ذلك؛ ولا يقوله عاقل](١). (٤) [وأيضاً فقد قال الله تعالى: ﴿وَلِلَِّ آلْأَسْمَاءُ الْحُسْنَ فَدْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]. وقال النبي ◌َّ: ((إن لله تسعةً وتسعين اسماً))(٥)؛ فهذه أسماء كثيرة والمسمّى واحد، وهو الله تعالی. وأيضاً فقوله: ﴿وَلِلَِّ الْأَسْمَاءُ (الْحُسْنَى)﴾(٦) أضافها إليه، كما قال: ﴿فَسَيِّحْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٣)﴾ [الواقعة] ونحو ذلك؛ فالإضافة تقتضي المغايرة. وقوله (تعالى)(٧): ﴿فَأَدْعُوهُ بِّ﴾ أي: فادعوا الله بأسمائه؛ وذلك دليل على أنها غيره. واحتج من قال: الاسم هو المسمى بقوله (تعالى)(٧): ﴿نَبْرَكَ أَسْمُ رَيِّكَ ذِى الْخَلِ وَالْإِكْرَكم [الرحمن] والمتبارك هو الله (تعالى)(٧). والجواب أن الاسم (يعظم)(٨) لتعظيم الذات المقدسة. وأيضاً فإذا قال الرجل: زينب طالق - يعني: امرأته - طلقت، ولو كان غير المسمى لما وقع الطلاق . والجواب أن المراد أن الذات المسماة بهذا الاسم طالق. قال الرازي: وأما التسمية فإنها جعل الاسم معيناً لهذه الذات، فهي غير الاسم أيضاً. والله أعلم)](٤). (الله): علم على الرب تبارك وتعالى، يقال: إنه الاسم الأعظم. لأنه يوصف بجميع الصفات، كما قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِى لَا إِلَهَ إِلَّا هُوٌّ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللَّهُ الَّذِى لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ اَلْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِرّ سُبْحَنَ اَللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿ هُوَ اللَّهُ الْخَلِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرِّ لَهُ الْأَسْمَآءُ الْحُسْنَىّ يُسَيِّحُ لَهُم مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ اُلْعَزِبِزُ الْحَكِيمُ ﴾﴾ [الحشر] فأجرى الأسماء الباقية كلها صفات له، كما قال (١) ساقط من (ز). (٢) في (ع) و(هـ) و(ى): ((المختص)) !! وأشار في (ى) إلى أن الصواب ما أثبته. (٣) في (ج) و(ل): ((المبحث)). (٤) إلى هنا انتهى السقط الواقع في (ز). (٥) يأتي تخريجه إن شاء الله بعد قليل. (٧) من (ن). (٦) من (ج) و(ل) و(هـ). (٨) كذا في (ج) و(ك) و(ل) و(ى)، ووقع في (ن) و(هـ): ((معظم)). ١٨٤ • سُوَرَّةُ الْفَاتِحَةِ، 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 تعالى: ﴿وَلِلَّهِ آلْأَسْمَءُ الْمُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وقال تعالى: ﴿قَلِ أَدْعُواْ اللَّهَ أَوِ أَدْعُواْ الرَّحْمَنَّ أَيَّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]. وفي ((الصحيحين))(١) عن أبي هريرة أن رسول الله وَ ل قال: ((إن الله تسعة وتسعين اسماً، مائةً إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة)). وجاء تعدادها في رواية الترمذي (٢) (٣) [وابن ماجه، وبين الروايتين اختلاف زيادة ونقصان. وقد ذكر (فخر الدين)(٤) (الرازي)(٥) في (تفسيره)) عن بعضهم](٣) أن الله خمسة آلاف اسم، (٦)[ألف في الكتاب والسنة الصحيحة، وألف في التوراة، وألف في الإنجيل، وألف في الزبور، وألف في اللوح المحفوظ] (٦). وهو اسم لم يسم به غيره تبارك وتعالى، ولهذا لا يعرف في كلام العرب له اشتقاق من فعل يفعل؛ فذهب من ذهب من النحاة إلى أنه اسم جامد لا اشتقاق له. (٧) [وقد نقله القرطبي (٨) عن جماعة من العلماء، منهم الشافعي، والخطابي، وإمام الحرمين، والغزالي وغيرهم. ووى عن الخليل وسيبويه أن الألف واللام فيه لازمة، قال الخطابي: ألا ترى أنك تقول: يا الله، ولا تقول: يا الرحمن، فلولا أنه من أصل الكلمة لما جاز إدخال حرف النداء على الألف واللام](٧). وقيل: إنه مشتق، واستدلوا عليه بقول رؤبة بن العجاج: لله در الغانيات المدة(٩) سبحن واسترجعن من تألهي فقد صرح الشاعر بلفظ المصدر، وهو التأله، من أله يأله إلاهةً وتألهاً، كما روي عن ابن عباس (١٠) أنه قرأ: ﴿وَيَذَرَكَ وَءَلِهَتَّكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] قال: عبادتك؛ أي: أنه كان يعبد ولا يعبد. وكذا قال مجاهد وغيره. (١١) [وقد استدل بعضهم على كونه مشتقاً بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اَللَّهُ فِ السَّمَوَتِ وَفِ اَلْأَرْضِ﴾](١١) (١) أخرجه البخاري (٣٥٤/٥، ٢١٤/١١، ٣٧٧/١٣)؛ ومسلم (٥/٢٦٧٧). (٢) أخرجه الترمذي (٣٥٠٧) وضعفه وابن ماجه (٣٨٦١)؛ وابن حبان (٨٠٨)؛ والحاكم (١٦/١)؛ والبيهقي في ((الأسماء)» (ص٥)، وكذلك ضعفه سائر أهل العلم، وصححه الحاكم وحسنه النووي، وردوه عليهما، وسيأتي مزيد تفصيل لهذا الأمر في ((سورة الأعراف)) إن شاء الله تعالى. (٣) ساقط من (ز). (٤) ساقط من (ن). (٥) ساقط من (ج) و(ك) و(هـ) و(ى) ووقع في (ل): ((فخر الدين الرازي)). (٦) ساقط من (ز). (٧) ساقط من (ز). (٨) في (تفسيره)) (١٠٣/١). (٩) المدة: أي المادحات، ومده؛ يعني: مدح، وانظر: ((اللسان)) (٤١٦١/٥). ومعنى البيت: أنهن مدحن حسنه وجماله، واسترجعن حسرة عليه، أنه تنسك وطلب العبادة وهجر الدنيا ولم يستفد بحسنه شيئاً. (١٠) ولم تثبت هذه القراءة، ويأتي بيانه في سورة الأعراف إن شاء الله تعالى. (١١) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ى). ١٨٥ سُورَةُ الْفَاتِحَةِ 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 [الأنعام: ٣] (١)[(أي: المعبود في السموات والأرض)(٢) كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَّذِى فِ السَّمَآءِ إِلَهُ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]. ونقل سيبويه عن الخليل أن أصله إلاه مثل فعال، فأدخلت الألف واللام بدلاً من الهمزة]. [قال سيبويه: مثل الناس، أصله أناس. وقيل: أصل الكلمة: ((لاه))، فدخلت الألف واللام للتعظيم، وهذا اختيار سيبويه؛ قال الشاعر: عنى ولا أنت دياني فتخزوني لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب قال القرطبي(٣): بالخاء المعجمة؛ أي: فتسوسني. وقال الكسائي والفراء: أصله الإله، حذفوا الهمزة وأدغموا اللام الأولى في الثانية، كما قال: ﴿لَّكِنَّأْ هُوَ اَللَّهُ رَبِ﴾ [الكهف: ٣٨] أي: لكن أنا. وقد قرأها كذلك الحسن. قال القرطبي(٣): ثم قيل: هو مشتق من وله إذا تحير. والوله: ذهاب العقل يقال: رجل واله، وامرأة ولهى، (وماء موله) (٤) إذا أرسل في](١) (٥) [الصحراء. فالله تعالى (تتحير الألباب والفكر)(٦) في حقائق صفاته؛ فعلى هذا يكون (أصله)(٧): (ولاه))، فأبدلت الواو همزةً، كما قالوا في وشاح: إشاح، ووسادة: إسادة. وقال (فخر الدين)(٨) الرازي(٩): وقيل: إنه مشتق من: ((ألهت إلى فلان))؛ أي: سكنت إليه؛ فالعقول لا تسكن إلا إلى ذكره، والأرواح لا تفرح إلا بمعرفته؛ لأن الكامل على الإطلاق دون غيره. قال الله تعالى: ﴿أَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْحَبِنُّ الْقُلُوبُ هَ اَلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [الرعد: ٢٨، ٢٩]. قال: وقيل: من (لاه، يلوه))، إذا احتجب. وقيل: اشتقاقه من أله الفصيل: أولع بأمه. والمعنى أن العباد (مولهون) (١٠) مولعون بالتضرع إليه في كل الأحوال. قال: وقيل: مشتق من أله الرجل يأله، إذا فزع من أمر نزل به، فألهه؛ أي: أجاره، فالمجير لجميع الخلائق من كل المضار هو الله سبحانه؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨]. وهو المنعم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ [النحل: ٥٣]](٥). (١١) [وهو المطعم؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمْ﴾ [الأنعام: ١٤]. وهو الموجد؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلُّ مِّنْ عِندِ اللّهِ﴾ [النساء: ٧٨]. (١) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ى). (٣) (تفسير القرطبي)) (١٠٢/١). (٥) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ي). (٦) كذا في (ج) و(ل) وفي (ك): (يتحير أولو الألباب والفكر)) وفي (ن): ((يتحير الفكر)). (٨) ساقط من (ك) و(ن). (٧) ساقط من (ن). (٩) (تفسير الرازي)) (١/ ١٦٥). (١١) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ي). (٢) ساقط من (ن). (٤) في (ن): ((مالوها)) !! (١٠) في (ن): (مألوهون)). ١٨٦ • سُورَةُ الْفَاتِةِ 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقد اختار (فخر الدين)(١) (الرازي)(٢) أنه اسم غير مشتق (البتة)(٣)؛ قال: وهو قول الخليل، وسيبويه، وأكثر الأصوليين والفقهاء؛ ثم أخذ يستدل على ذلك بوجوه، منها أنه لو كان مشتقاً لاشترك في معناه كثيرون. ومنها أن بقية الأسماء تذكر صفات له، فتقول: الله الرحمن الرحيم الملك القدوس؛ فدل أنه ليس بمشتق؛ قال: فأما قوله تعالى: ﴿اَلْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ١، ٢] على قراءة الجر، فجعل ذلك من باب عطف البيان. ومنها: قوله تعالى: ﴿مَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]. وفي الاستدلال بهذه على كون هذا الاسم جامداً غير مشتق نظر. والله أعلم. (٤) [وحُكي (فخر الدين)(١) (الرازي)(٢) عن بعضهم (أنه ذهب إلى)(٥) أن اسم الله تعالى عبراني لا عربي، ثم ضعفه، وهو حقيق بالتضعيف، كما قال. وقد] (٤) حكى (فخر الدين)(١) (الرازي)(٢) هذا القول، ثم قال: واعلم أن (الخلق)(٦) قسمان: واصلون إلى ساحل بحر المعرفة، ومحرومون قد بقوا في ظلمات الحيرة، وتيه الجهالة](٧). (٨) [فكأنهم قد فقدوا عقولهم وأرواحهم. وأما الواجدون فقد وصلوا إلى عرصة النور، وفسحة الكبرياء والجلال، فتاهوا في ميادين الصمدية، وبادوا في عرصة الفردانية؛ فثبت أن الخلائق كلهم والهون في معرفته. وروي عن الخليل بن أحمد أنه قال: لأن الخلق يألهون إليه - بنصب اللام (وجرها)(٩) - لغتان. وقيل: إنه مشتق من الارتفاع؛ فكانت العرب تقول لكل شيءٍ مرتفع: لاهاً، وكانوا يقولون إذا طلعت الشمس: لاهت. وقيل: إنه مشتق من أله الرجل، إذا تعبد، وتأله إذا تنسك. وقرأ ابن عباس ﴿وَيَذَّرَكَ وَءَالِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧]](٨). وأصل ذلك الإله، فحذفت الهمزة التي هي فاء الكلمة، فالتقت اللام التي هي عينها مع اللام الزائدة في أولها للتعريف، فأدغمت إحداهما في الأخرى، فصارتا في اللفظ لاماً واحدةً مشددةً وفخمت تعظيماً، فقيل: ((الله)). أَ الرَّحَمِ﴾ اسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة. ورحمن أشد مبالغة من رحيم. وفي كلام ابن جرير ما يفهم (منه)(١٠) حكاية الاتفاق على هذا. وفي تفسير بعض السلف ما يدل على ذلك، كما تقدم في الأثر (١١) عن عيسى عليّا أنه قال: والرحمن رحمن الدنيا والآخرة، والرحيم رحيم الآخرة. (١) من (ج) و(ك) و(ل). (٣) البتة: بهمزة وصل، وانظر ضبطها في ((فتح الباري)) (٣٩٢/٩) للحافظ. (٤) ساقط من (ك). (٦) في (ن): ((الخلائق)). (٨) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ى). (١٠) من (ن). (٢) من (ن). (٥) ساقط من (ن). (٧) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ى). (٩) كذا في (ج) و(ل) وفي (ك) و(ن): ((كسرها)). (١١) لكنه لا يصح كما تقدم شرحه، والله أعلم. ١٨٧ • سُورَةُ الْفَاتِةِ 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 (١)[وزعم بعضهم أنه غير مشتق؛ إذ لو كان كذلك لاتصل بذكر المرحوم؛ وقد قال: ﴿وَكَانَ بِلْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]](١) . (٢)[وحكى ابن الأنباري في ((الزاهر))، عن المبرد - أن الرحمن اسم عبراني ليس بعربي. وقال أبو إسحاق الزجاج في ((معاني القرآن)): وقال أحمد بن يحيى: الرحيم عربي، والرحمن عبراني، فلهذا جمع بينهما . قال أبو إسحاق: وهذا القول مرغوب عنه. وقال القرطبي(٣): والدليل على أنه مشتق ما خرجه الترمذي(٤)، وصححه عن عبد الرحمن بن ـبه؛ أنه سمع رسول الله وَله يقول: ((قال الله تعالى: أنا الرحمن خلقت الرحم، وشققت عوف نضـ لها اسماً من أسمى، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته)). قال: وهذا نص في الاشتقاق، فلا معنى للمخالفة والشقاق. قال: وإنكار العرب لاسم الرحمن لجهلهم بالله، وبما وجب له](٢). (٥) [قال القرطبي(٦): (ثم قيل)(٧): هما بمعنّى واحد؛ كندمان ونديم؛ قاله أبو عبيد. وقيل: ليس بناء فعلان كفعيل؛ فإن ((فعلان)) لا تقع إلا على مبالغة الفعل، نحو قولك: رجل غضبان، (للرجل الممتلئ غضباً))(٨). (وفعيل) قد يكون بمعنى الفاعل والمفعول. قال أبو علي الفارسي: الرحمن اسم (عام)(٩) في جميع أنواع الرحمة يختص به الله تعالى. والرحيم إنما هو من جهة المؤمنين؛ قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] وقال ابن عباس: هما اسمان رقيقان، أحدهما أرق من الآخر؛ أي: أكثر رحمةً. ثم حكى(١٠) عن الخطابي وغيره أنهم استشكلوا هذه الصفة، وقالوا: لعله أرفق، كما في](٥) (٢) ساقط من (ز). (١) ساقط من (ز). (٣) ((تفسير القرطبي)) (١٠٤/١). (٤) في (سننه)) (١٩٠٧)؛ وأبو داود (١٦٩٤)، وأحمد (١٩٤/١)؛ وابن أبي شيبة (٣٤٧/٨، ٣٤٨)؛ والبزار (ج١/ ق١/١١)؛ والحميدي (٦٥)؛ والبرتي في ((مسند عبد الرحمن بن عوف)) (ق٢/١٧٩)؛ وأبو يعلى (ج٢/ رقم ٨٤٠)؛ والخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) (٢٦١) وفي (المساوئ)) (٢٦٥)؛ والبيهقي في ((الآداب)) (١١)؛ والبغوي في ((شرح السنة)) (٢٢/١٣) من طريق ابن عيينة، عن الزهري، عن أبي سلمة، قال: اشتكى أبو الرداد، فجاءه عبد الرحمن بن عوف عائداً، فقال: خيرهم وأوصلهم ما علمت أبا محمد فقال عبد الرحمن: سمعت رسول الله ◌َل يقول :... فذكره ولكن عند الترمذي وغالب المخرجين (بتته)) بدل ((قطعته)) وصححه الترمذي وتعقبه المنذري في ((مختصر سنن أبي داود)) (٢٦٢/٢) بأن أبا سلمة بن عبد الرحمن لم يسمع من أبيه شيئاً كما قال ابن معين)). وقد اختلف في إسناده، وللحديث شواهد كثيرة يصح بها . (٥) ساقط من (ز). (٦) في ((تفسيره)) (١٠٥/١). (٧) ساقط من (ل) وسقطت لفظة: ((ثم)) من (ج). (٨) ساقط من (ج) و(ل)، وسقطت لفظة (للرجل)) من (ك) و(هـ) و(ى). (٩) كذا في (ك) و(ن) و(هـ) و(ى) ووقع في (ج) و(ل): ((غاية)). (١٠) يعني: القرطبي في ((تفسيره)) (١٠٦/١). ١٨٨ • سُوَرَّةُ الْفَاتِةِ 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 (١) [الحديث(٢): ((إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، وإنه يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف)). وقال ابن المبارك: الرحمن إذا سئل أعطى، والرحيم إذا لم يسأل يغضب. وهذا كما جاء في الحديث الذي رواه الترمذي، وابن ماجه](١)، (٣)[من حديث أبي صالح الفارسي الخوزي، عن أبي هريرة ظبه؛ قال: قال رسول الله ويتلقى: ((من لم يسأل الله يغضب عليه))(٤). وقال بعض الشعراء: (١) ساقط من (ز). (٢) أخرجه ابن ماجه (٣٦٨٨)؛ وابن حبان (١٩١٤ - موارد)؛ وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣٠٦/٨)؛ والدولابي في ((الكنى)) (٤١/٢) من طريقين عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعاً فذكره. وهو حديث صحيح وله شواهد عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن المغفل وأنس، وأبي بكرة (٣) ساقط من (ز). (٤) أخرجه الترمذيُّ (٣٣٧٣)، والبخاريُّ في ((الأدب المفرد)) (١١٤/١) عن حاتم بن إسماعيل، وابن ماجه (٣٨٢٧)، وأحمد (٤٤٣/٢، ٤٧٧)، وابنُ أبي شيبة (٢٠٠/١٠)، والبزار في ((البحر الزخار)) (ج٢/ ق٢٣٢/ ٢)، وابنُ عدي في ((الكامل)) (٧/ ٢٧٥٠)، والبغويُّ في ((شرح السنة)) (١٨٨/٥)، وفي ((تفسيره)) (١٠٣/٤) عن وكيع، والبخاريُّ في ((الأدب المفرد)) (٦٥٨)، والحاكمُ (٤٩١/١)، وأحمد (٤٤٢/٢)، ومن طريقه: ابن بشران في «الأمالي)) (ج٢٢/ق٢/٢٤٤)، عن مروان بن معاوية، والبزار (٢/٢٣٢/٢)، والحاكم (١/ ٤٩١)، وعنه البيهقيُّ في (الدعوات)) (٢٢)، والطبراني في «الأوسط)) (٢٤٣١)، ومن طريقه: المزي في ((التهذيب)» (٤١٨/٣٣)، والرامهرمزي في ((المحدث الفاصل)) (ص٢٩٠) عن أبي عاصم النبيل، والرامهرمزي أيضاً عن صفوان بن عيسى، خمستهم عن أبي المليح، عن أبي صالح الخوزي، عن أبي هريرة مرفوعاً فذكره، قال الترمذيُّ: ((لا نعرفُه إلَّا من هذا الوجه)). وقال الطبرانيُّ: ((لم يرو هذا الحديث عن أبي صالح، إلَّا أبو المليح))، وقال ابنُ عدي: (وهذا يُعرف بأبي صالح هذا))، وقال الحاكم: ((هذا حديث صحيح الإسناد، فإن أبا صالح الخوزي، وأبا المليح الفارسي لم يذكرًا بالجرح، إنما هما في عداد المجهولين لقلة الحديث))، قُلْتُ: فإذا كانا في عدادِ المجاهيل فكيف يصحح إسنادُ حديثهما؟ وأخشى أن يكون مذهب الحاكم كمذهب ابن حبان، أنَّ العدل من لم يُعرف منه جرح؛ ولم سلمنا ذلك، فإن أبا صالح الخوزي عُرف بالجرح، فقد ضعَّفه ابنُ معين، ومشاه أبو زرعة، فقال: ((لا بأس به))، وقال الحافظ في (الفتح)) (٩٥/١١): ((مختلف فيه))، وقد تفرَّد به كما قال هؤلاء الحفاظ، ومثله لا يحتمل تفرُّده. فإسناد حديثه ضعيفٌ، واللهُ أعلمُ. فائدة: قال الحافظ في (الفتح)): ((ووقع في رواية البزار والحاكم: عن أبي صالح الخوزي: سمعتُ أبا هريرة)» . اهـ. قُلْتُ: ولم يقع هذا التصريح بالسماع لا عند البزار، ولا الحاكم، أما (المستدرك)) فلا أجزم أن اللَّفظة لم تقع فيه، لكثرة التصحيف الواقع فيه. وأما (مسند البزار)) فإنه رواه من طريق وكيع، وأبي عاصم بالإسناد إلى أبي صالح، عن أبي هريرة هكذا بالعنعنة، واللهُ أعلمُ. فائدة ثانية: قال البزار: ((وأبو صالح الخوزي إنما قيل: الخوزي، لأنه كان ينزل بمكة في شعب الخوز)). فائدة ثالثة: قال الحافظ في ((الفتح)): ((ظنَّ الحافظ ابنُ كثير أنه - يعني: أبا صالح الخوزي - أبو صالح السمان، فجزم بأن أحمد تفرد بتخريجه، وليس كما قال، فقد جزم شيخُه المزي في ((الأطراف)) بما قلتُهُ »هـ. قُلْتُ: كذا قال الحافظ، وقد قال ابن كثير في «تفسيره)) (١٤٣/٧): «تفرد به أحمد، وهذا إسناد لا بأس به)). = ١٨٩ • سُوَّرَّةُ الفَاتِةِ 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وبني آدم حين يسأل يغضب](١) الله يغضب إن تركت سؤاله وقال ابن جرير(٢): حدثنا السري بن يحيى التميمي، حدثنا عثمان بن زفر، سمعت العرزمي يقول: الرحمن الرحيم؛ قال: الرحمن لجميع الخلق، الرحيم قال: بالمؤمنين. قالوا: ولهذا ٥﴾ [طه]، قال: ﴿ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِّ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٥٩] وقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أُسْتَوَى فذكر الاستواء باسمه الرحمن، ليعم جميع خلقه برحمته. وقال: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] فخصهم باسمه الرحيم؛ قالوا: فدل على أن الرحمن أشد مبالغةً في الرحمة؛ لعمومها في الدارين لجميع خلقه. والرحيم خاصة بالمؤمنين؛ لكن جاء في الدعاء المأثور(٣): (رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما)). وقال الحافظ ابن كثير بعد ذلك بسطرين: ((وأما أبو صالح هذا فهو الخوزي، سكن شعب الخوز. قال = البزار في ((مسنده))، فأنت ترى أن ابن كثير لم يشتبه عليه الخوزي بالسمان، فقد صرح بأن أبا صالح هو الخوزي. إلّا أن يكون ابن كثير قد جزم بأن أبا صالح هو السمان في كتاب آخر؛ نعم أخطأ في قوله: (تفرد به أحمد)) فقد أخرجه الترمذي. وكذلك أيضاً في قوله: ((هذا إسناد لا بأس به)) فقد عرفناك ما فيه من البأس. والله أعلم. (١) في (تفسيره)) (١٤٦) وسنده جيد والسري بن يحيى هو ابن أخي هناد بن السري قال ابن أبي حاتم - كما في ((الجرح والتعديل)) (٢٨٥/١/٢): ((كان صدوقاً)) وعثمان بن زفر وثقه مطين وابن حبان. وقال أبو حاتم: (صالح الحديث صدوق))؛ والعرزمي هو محمد بن عبد الله وهو تالف، لكنه لم يرو شيئاً ههنا فلا يضعف الإسناد به والله أعلم. (٢) ورد ذكره في الهامش رقم (٣) في الصفحة السابقة. (٣) لكنه لا يثبت، فأخرجه البزار (ج٤/ رقم ٣١٧٧)؛ والحاكم (٥١٥/١)؛ والبيهقي في ((الدلائل)) (١٧١/٦، ١٧٢)؛ وابن أبي الدنيا في (الدعاء)) - كما في ((إتحاف السادة)) (١٠٠/٥)؛ والأصبهاني في ((الترغيب)) (١٢٥٤)؛ والطبراني في ((الدعاء)) (١٠٤١)؛ والمروزي في ((مسند أبي بكر)) (٤٠) من طريق الحكم بن عبد الله الأيلي، عن القاسم بن محمد، عن عائشة أن أبا بكر الصديق ﴿ه دخل عليها فقال: هل سمعت من رسول الله ◌َ﴿ دعاءً كان يعلمناه وذكر أن عيسى ظلَّا كان يعلمه أصحابه ويقول: لو كان على أحدكم جبل ذهب ديناه لقضاه الله يك عنه: اللهم فارج الهم كاشف الغم مجيب دعوة المضطرين رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، أنت رحماني، فارحمني رحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك)) قال أبو بكر ظُبه: فكان علي بقية من دين وكنت للدين كارهاً فكنت أدعو بذلك حتى قضاه الله وَك عني. قال البزار: ((لا نعلم أحداً رواه مرفوعاً إلا أبو بكر، ولا نعلم له عنه إلا هذا الطريق، والحكم ضعيف جداً وإنما ذكرناه إذ لم نحفظه عن غيره وقد حدث به أهل العلم على ما فيه)). أما الحاكم فزعم أنه حديث صحيح، فرده عليه الذهبي ومن قبله المنذري، أما الذهبي فقال في (تلخيص المستدرك)): (الحكم ليس بثقة)) وأما المنذري فقال في ((الترغيب)) (٦١٦/٢) بعد ذكر تصحيح الحاكم: (كيف والحكم متروك متهم والقاسم مع ما قيل فيه لم يسمع من عائشة)) !! كان قال المنذري: وهو ذهول غريب؛ لأن القاسم هو ابن محمد بن أبي بكر، وعائشة هي عمته وهو مكثر من الرواية عنها حتى قال ابن معين، كما في (معجم ابن المقرئ)) (ج٦/ق١/١٢٣): ((القاسم عن عائشة؛ مشبك بالذهب)) وهو يشير إلى متانة هذه الترجمة، والله أعلم. واقتصر السيوطي في ((الدر المنثور)) (٩/١) على تضعيف الإسناد! والصواب أنه ضعيف جداً، وكذلك أعله الهيثمي في ((المجمع)) (١٨٦/١٠) فقال: ((فيه الحكم بن عبد الله الأيلي وهو متروك)). وله شاهد عن عبد الرحمن بن سابط مرفوعاً . أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٤٤١/١٠) وهو مرسل حسن الإسناد. والله أعلم. ١٩٠ سُوَرَةُ الْفَاتِحَةِ · 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 (١) [واسمه تعالى الرحمن خاص به لم يسم به غيره؛ كما قال تعالى: ﴿قَلِ أَدْعُواْ اللَّهَ أَوِ أَدْعُواْ الرَّحْمَنَّ أَيَّا مَا تَدْعُواْ فَلَهُ اٌلْأَسْمَآءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] وقال تعالى: ﴿وَسْئَلَّ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن أُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ ءَالِهَةً يُعْبَدُونَ ﴾﴾ [الزخرف] ولما تجهرم مسيلمة الكذاب، وتسمى برحمن اليمامة، كساه الله جلباب الكذب، وشهره به، فلا يقال إلا مسيلمة الكذاب، فسار يضرب به المثل في الكذب بين أهل الحضر (وأهل المدر)(٢) وأهل (الوبر)(٣) من أهل البادية والأعراب](١). وقد زعم بعضهم أن الرحيم أشد مبالغةً من الرحمن؛ لأنه أُكَِّّ به. (والمؤكد)(٤) لا يكون إلا أقوى من المؤكد. والجواب: أن هذا ليس من باب (التأكيد)(٥)، وإنما هو من باب النعت (بعد النعت)(٦)؛ ولا يلزم فيه ما ذكروه. وعلى هذا فيكون (تقديم)(٧) اسم الله الذي لم يسم به أحد غيره، ووصفه أولاً بالرحمن الذي منع من التسمية به لغيره، كما قال تعالى: ﴿قَلِ أَدْعُواْ اللَّهَ أَوِ أَدْعُواْ الرَّحْمَنَّ أَيَّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ اٌلْمُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] وإنما تجهرم مسيلمة اليمامة في التسمي به، ولم يتابعه على ذلك إلا من كان معه في الضلالة. وأما الرحيم فإنه تعالى وصف به غيره حيث قال: ﴿لَقَدْ جَءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِثُمْ حَرِيصُ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (٣٨)﴾ [التوبة] كما وصف غيره (بغير ذلك)(٨) من أسمائه، (في قوله)(٩): ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَنَ مِن نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِهِ فَجَعَلْنَهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾﴾ [الإنسان]. والحاصل أن من أسمائه تعالى ما يسمى به غيره، ومنها ما لا يسمى به غيره؛ (كاسمه)(١٠) الله، والرحمن، والخالق، و(الرزاق)(١١) ونحو ذلك؛ فلهذا بدأ باسم الله ووصفه بالرحمن؛ لأنه أخص وأعرف من الرحيم؛ لأن التسمية أولاً إنما تكون بأشرف الأسماء؛ فلهذا ابتدأ بالأخص فالأخص. فإن قيل: فإذا كان الرحمن أشد مبالغةً فهلا اكتفى به عن الرحيم؟ فقد روى عن عطاء الخراساني ما معناه أنه لما تسمى غيره - تعالى - بالرحمن جيء بلفظ الرحيم؛ ليقطع (التوهم) (١٢) (١) ساقط من (ز). (٣) في (ك): ((المدر)). (٥) في (ز): ((التوكيد)). (٧) في (ن): ((تقدير)) !! وفي (ك): ((تقدم))! (٨) كذا في (ج) و(ع) و(ك) و(هـ) و(ى)، ووقع في (ز) و(ن): ((كما وصف غيره بذلك)). وفي (ل): ((غيره بعد ذلك من أسمائه)). (٩) في (ن): ((كما قال تعالى)). (٢) في (هـ) و(ى): (( ... الحضر من أهل المدر)). (٤) في (ز) و(هـ) و(ى): ((والتأكيد)). (٦) ساقط من (ز) و(ن). (١٠) ساقط من (ن) وفي (ز): ((كاسم)). (١١) كذا في (ز) و(ع) و(ك)، ووقع في (ج) و(ل) و(ن) و(هـ) و(ى): ((الرازق)) بتقديم الألف على الزاي، ولعله سبق قلم. (١٢) في (ن): ((الوهم)) وأشار في الهامش إلى ما أثبته. ١٩١ سُورَةُ الْفَاتِحَةِ 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 بذلك؛ فإنه لا يوصف بالرحمن الرحيم إلا الله تعالى، كذا رواه ابن جرير(١)، عن عطاء؛ ووجهه بذلك، والله أعلم. وقد زعم بعضهم أن العرب لا تعرف الرحمن حتى رد الله عليهم ذلك بقوله: ﴿قَلِ أَدْعُواْ اللَّهَ أَوِ أَدْعُواْ الرَّحْمَنَّ أَيَّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَآءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]. ولهذا قال كفار قريش يوم الحديبية لما قال رسول الله وَ ﴿ لعلي: ((اكتب ﴿إِسْمِ اللّه الَّفِ الرَّحَدِ ﴾﴾)) فقالوا: لا نعرف الرحمن ولا الرحيم. رواه البخاري(٢). وفي بعض الروايات: لا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ أَسْجُدُواْ لِلَّحْمَنِ قَالُواْ وَمَا اُلْزَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُنَا وَزَادَهُمْ تُفُورًُ ﴾﴾ [الفرقان]. والظاهر أن إنكارهم هذا إنما هو جحود وعناد وتعنت في كفرهم، فإنه قد وجد في أشعارهم في الجاهلية تسمية الله تعالى بالرحمن. قال ابن جرير(٣): وقد أنشد بعض الجاهلية (الجهلاء) (٤). ألا قضب الرحمن ربي يمينها ألا ضربت تلك الفتاة هجينها وقال سلامة بن جندب (الطهوي)(٥) : عجلتم علينا (عجلتينا)(٦) عليكم وما يشأ الرحمن يعقد ويطلق وقال ابن جرير(٧): حدثنا أبو كريب، حدثنا عثمان بن سعيد، حدثنا بشر بن عمارة، حدثنا أبو روق عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس؛ قال: الرحمن الفعلان من الرحمة، وهو من كلام العرب، وقال: (﴿الََّلِ الْرَةِ﴾) الرقيق الرفيق لمن أحب أن يرحمه، والبعيد الشديد على من أحب أن يعنف عليه، وكذلك أسماؤه كلها . وقال ابن جرير(٨) أيضاً: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا حماد بن مسعدة، عن عوف، عن الحسن، قال: الرحمن اسم ممنوع. (١) في ((تفسيره)) (١٤٩) ورجاله ثقات إلا نصر بن عمرو اللخمي الفلسطيني فلم أجد فيه إلا ما ذكره الدولابي في ((الكنى)) (١١٠/١) من أنه روى عنه يحيى بن صالح الوحاظي. (٢) في ((صحيحه)) (٣٢٩/٥ - ٣٣٣). وأخرجه مسلم (١٧٨٤/ ٩٣)؛ وأحمد (٢٦٨/٣) من طريق عفان بن مسلم، ثنا حماد بن سلمة بسنده سواء وفيه: ((ما ندري ما بسم الله الرحمن الرحيم)). (٣) في ((تفسيره)) (١٣١/١ - شاكر). (٤) كذا في (ج) و(ل) وهو الموافق لما في ((تفسير الطبري))، ووقع في (ز) و(ع) و(ك) و(ن) و(هـ) و(ى): «الجهال)). (٥) هذه النسبة ثابتة في كل ((الأصول)) وأنكرها الشيخ محمود شاكر في تعليقه على ((تفسير الطبري)) (١٣١/١). (٦) في (ك) و(ل) و(ن): ((عجلنا)). (٧) في (تفسيره)) (١٤٨) وسنده ضعيف جداً وتقدم القول فيه. (٨) في ((تفسيره)) (١٥٠) وإسناده صحيح، وعوف هو ابن أبي جميلة الأعرابي. ١٩٢ سُورَةُ الْفَاتِحَّ (٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال ابن أبي(١) حاتم: حدثنا أبو سعيد (بن)(٢) يحيى بن سعيد القطان، حدثنا زيد بن الحباب، حدثني أبو الأشهب، عن الحسن؛ قال: (الرحيم)(٣) اسم لا يستطيع الناس أن ینتحلوه، تسمی به تبارك وتعالى. (٤)[وقد جاء في حديث(٥) أم سلمة أن رسول الله وَ ◌ّر كان يقطع قراءته حرفاً حرفاً: ﴿إِسْمِ ◌َقَوِ الََّنِ الرََّةِ ﴾ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ جَ مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾﴾ فقرأ بعضهم كذلك، وهم طائفة. ومنهم من وصلها بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ وكسرت](٥) (٦)[الميم لالتقاء الساكنين وهم الجمهور، وحكى الكسائي من الكوفيين عن بعض العرب أنها تقرأ بفتح الميم وصلة الهمزة، فيقولون: ﴿بِسْمِ أَقَِّ الََّلِ الرَّحَةِ ﴾ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ فنقلوا حركة الهمزة إلى الميم بعد تسكينها، كما قرئ قوله تعالى: ﴿الَّمـ ﴾ اللّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا [آل عمران: ١، ٢] . قال ابن عطية (٧): ولم ترد هذه قراءةً عن أحد فيما علمت. ] ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ (القراء)(٨) السبعة على ضم الدال في قوله: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، وهو مبتدأ وخبر. وروى عن سفيان بن عيينة بن العجاج أنهما قالا: (الحمد لله) - بالنصب، وهو على إضمار فعل. وقرأ ابن أبي عبلة ((الحمد لله) بضم الدال واللام إتباعاً للثاني الأول، وله شواهد لكنه شاذ. وعن الحسن وزيد بن علي (الحمد لله) بكسر الدال إتباعاً للأول الثاني](٧) . قال أبو جعفر بن جرير (كَُّ)(٩): معنى ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: الشكر لله خالصاً دون سائر ما يعبد من دونه، ودون كل ما برأ من خلقه، بما أنعم على عباده من النعم التي لا يحصيها العدد، ولا يحيط بعددها غيره أحد، في تصحيح الآلات لطاعته، وتمكين جوارح أجسام المكلفين لأداء فرائضه، مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق، وغذاهم به من نعيم العيش، من غير استحقاق منهم ذلك عليه، ومع ما نبههم عليه ودعاهم إليه، من الأسباب المؤدية إلى دوام الخلود في دار المقام في النعيم المقيم، فلربنا الحمد على ذلك كله أولاً وآخراً. (١) في ((تفسيره) رقم (٧) وإسناده صحيح، وأبو سعيد بن يحيى، هو أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان، قال ابن أبي حاتم: ((كان صدوقاً) وقال ابن حبان: ((كان متقناً. وأبو الأشهب، هو جعفر بن حيان السعدي» . (٢) ساقط من (ز). (٣) وقع في (ز) و(ن) و(هـ): ((الرحمن))، وما أثبته وقع في سائر الأصول، وهو الموافق لما في ((تفسير ابن أبي حاتم)) ولما في ((الدر المنثور)) (٩/١)، وإن كان كلام الحسن أليق أن يجعل لاسم: ((الرحمن)) والله أعلم. (٤) ساقط من (ز). (٦) ساقط من (ز). (٨) في (ك): ((القرأة". (٥) مرّ تخريجه في أول الفاتحة. (٧) في «تفسيره)» (٩٣/١). (٩) ساقط من (ز) و(هـ). ١٩٣ ، سُورَةُ الْفَاتِحَةِ (٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 (١) [وقال ابن جرير (رَّتُهُ)(٢): الحمد لله حدّثناء أثنى به على نفسه. وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه، فكأنه قال: قولوا: الحمد لله](١). قال: وقد قيل: إن قول القائل: الحمد لله ثناء عليه (بأسمائه الحسنى وصفاته العلى)(٣). وقوله: الشكر لله ثناء عليه بنعمه وأياديه. ثم شرع في رد ذلك بما حاصله أن جميع أهل المعرفة بلسان العرب يوقعون كلاً من الحمد والشكر مكان الآخر. (١)[وقد نقل السلمي هذا المذهب: أنهما سواء، عن جعفر الصادق، وابن عطاء من الصوفية. وقال ابن عباس: الحمد لله كلمة كل شاكر. وقد استدل القرطبي(٤) لابن جرير بصحة قول القائل: الحمد لله شكراً](١). وهذا الذي ادعاه ابن جرير فيه نظر؛ لأنه اشتهر عند كثير من العلماء من المتأخرين أن الحمد هو الثناء بالقول على المحمود بصفاته اللازمة والمتعدية، والشكر لا يكون إلا على المتعدية، ويكون بالجنان واللسان والأركان؛ كما قال الشاعر: أفادتكم النعماء منى ثلاثةً يدى ولساني والضمير المحجبا ولكنهم اختلفوا أيهما أعم: الحمد أو الشكر؟ على قولين: والتحقيق أن بينهما عموماً وخصوصاً، فالحمد أعم من الشكر من حيث ما يقعان عليه؛ لأنه يكون على الصفات اللازمة والمتعدية، تقول: حمدته لفروسيته، وحمدته لكرمه، وهو أخص؛ لأنه لا يكون إلا بالقول، والشكر أعم من حيث ما يقعان عليه؛ لأن يكون بالقول والفعل والنية كما تقدم. وهو أخص؛ لأنه لا يكون إلا على الصفات المتعدية، لا يقال: شكرته لفروسيته؛ وتقول: شكرته على كرمه وإحسانه إليَّ. هذا حاصل ما حرره بعض المتأخرين(٥). والله أعلم. (١) ساقط من (ز). (٢) من (ن). (٣) كذا في ((الأصول)) كلها، ووقع في (ز): ((بأسمائه وصفاته الحسنى))، وهذا هو الموافق لما في ((تفسير الطبري)» (١٣٧/١). (٤) في «تفسيره)) (١/ ١٣٣). (٥) لكن هذا التحرير فيه إبهام وأوضح منه ما قاله الإمام المحقق ابن القيم كثّتُهُ، فقال في ((مدارج السالكين)) (٢٥٦/٢، ٢٥٧): ((وتكلم الناس في الفرق بين الحمد والشكر أيهما أعلى وأفضل؟ وفي الحديث: ((الحمد رأس الشكر فمن لم يحمد الله لم يشكره)) والفرق بينهما أن الشكر أعم من جهة أنواعه وأسبابه وأخص من جهة متعلقاته والحمد أعم من جهة المتعلقات وأخص من جهة الأسباب، ومعنى هذا أن الشكر يكون بالقلب خضوعاً واستكانة، وباللسان ثناءً واعترافاً، وبالجوارح طاعة وانقياداً، ومتعلقه: النعم، دون الأوصاف الذاتية، فلا يقال: شكرنا الله على حياته وسمعه وبصره وعلمه، وهو المحمود عليها كما هو محمود على إحسانه وعدله، والشكر يكون على الإحسان والنعم، فكل ما يتعلق به الشكر من غیر عکس، فإن الشكر يقع بالجوارح، والحمد يقع بالقلب واللسان. اهـ. ١٩٤ • سُورَةُ الْفَاتِحَّةِ (٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري: الحمد: نقيض الذم، تقول: حمدت الرجل أحمده حمداً (ومحمدة) (١)، فهو حميد، ومحمود. والتحميد: أبلغ من الحمد، والحمد أعم من الشكر. وقال في الشكر: هو الثناء على المحسن بما (أولاكه)(٢) من المعروف، يقال: شكرته وشكرت له، وباللام أفصح. (٣)[وأما المدح فهو أعم من الحمد؛ لأنه يكون للحي وللميت وللجماد أيضاً، كما يمدح الطعام والمكان ونحو ذلك ويكون قبل الإحسان وبعده، وعلى الصفات المتعدية واللازمة أيضاً؛ فهو أعمُّ](٣). ذكر (أقوال) (٤) السلف في الحمد: قال ابن أبي(٥) حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو معمر القطيعي، حدثنا حفص، عن حجاج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس ﴿ها؛ قال: قال عمر ﴿به: قد علمنا سبحان الله، ولا إله إلا الله، فما الحمد لله؟ فقال علي: كلمة رضيها الله لنفسه. (٦) (ورواه (غير)(٧) أبي معمر) (٦) عن حفص؛ فقال: قال عمر (٨) لعلي - وأصحابه عنده - لا إله إلا الله، وسبحان الله، والله أكبر - قد عرفناها، فما الحمد لله؟ قال علي: كلمة أحبها الله تعالى لنفسه، ورضيها لنفسه، وأحب أن تقال. وقال علي بن زيد بن جدعان، عن يوسف بن مهران؛ قال ابن عباس: الحمد لله كلمة الشكر، وإذا قال العبد: ((الحمد لله)) قال: شكرني عبدي. رواه ابن أبي(٩) حاتم. وروى أيضاً هو (١٠)، وابن جرير، من حديث بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، (١) ساقط من (ج) ووقع في (ل): ((مجدته)) !! (٢) في (ن) و(هـ): ((أولاه)). (٤) في (ج) و(ل): ((قول)). (٣) ساقط من (ز). (٥) في ((تفسيره)) (١٢). (٦) كذا في (ز) و(ك) و(ن) و(ى)، ووقع في (هـ): ((ورواه غيره عن أبي معمر)) وهو خطأ. (٧) في (ج) و(ل): (عن)! وهو خطأ واضح. (٨) كذا نقله المصنف عن ((تفسير ابن أبي حاتم))، وسبق قلمه في نقل النص فقد أخرجه ابن أبي حاتم (١٣) قال: وحدثنا به الأشج فقال: ثنا حفص، وخالفه فيه، فقال فيه: قال عمر لعلي ﴿ه وأصحابه عنده: لا إله إلا الله والحمد لله والله أكبر قد عرفناها؟ فما: ((سبحان الله؟)) فقال علي، كلمة أحبها لنفسه ورضيها لنفسه، وأحب أن تقال. وكذا رواه ابن أبي حاتم (٣٤٧) بذات السند في تفسير قوله تعالى: ﴿سُبْحَنَكَ﴾ [البقرة: ٣٢] فأنت ترى أن عمر سأل عن معنى ((سبحان الله)) بينما ابن كثير نقل أن عمر سأل عن معنى ((الحمد لله)) وفي سنده هذا الأثر أو ذاك ضعف؛ لأجل الحجاج وهو ابن أرطأة. (٩) في ((تفسيره)) (٨) قال: حدثنا أبي، ثنا أبو معمر المنقري، ثنا عبد الوارث، ثنا علي بن زيد بن جدعان بسنده سواء وعزاه السيوطي في ((الدر)) (١/ ١١) لابن جرير وابن المنذر وسنده ضعيف لأجل علي بن زيد. (١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٩)؛ وابن جرير (١٥١) من طريق أبي كريب محمد بن العلاء، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، ثنا بشر بن عمارة بسنده سواء وسنده ضعيف جداً لوهاء بشر بن عمارة والانقطاع بين الضحاك وابن عباس. وقد تقدم هذا الإسناد. ١٩٥ سُورَةُ الْفَاتِحَةِ (٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 عن ابن عباس - أنه قال: الحمد لله هو الشكر لله، والاستخذاء له، والإقرار له بنعمته وهدايته وابتدائه وغير ذلك. وقال كعب(١) الأحبار: الحمد لله ثناء الله. وقال الضحاك(٢): الحمد لله رداء الرحمن وقد ورد الحدیث بنحو ذلك. قال ابن(٣) جرير: حدثنا سعيد بن عمرو السكوني، حدثنا بقية بن الوليد، حدثني عيسى بن إبراهيم، عن موسى بن أبي حبيب، عن الحكم بن عمير، وكانت له صحبة، قال: قال (النبي) (٤) وَلير: ((إذا قلت: الحمد لله رب العالمين فقد شكرت الله فزادك)). وقد روى الإمام أحمد(٥) بن حنبل: حدثنا روح، حدثنا عوف، عن الحسن، عن الأسود بن (١) أخرجه ابن جرير (١٥٣)؛ وابن أبي حاتم (١٠) من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن السلولي، عن كعب. وسنده صحيح، وتكلم الشيخ أبو الأشبال أحمد شاكر تَخْثُ في رواية كعب الأحبار وقوله، وأسقطه كله، فلو أنه تحفظ قليلاً؟ !! (٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١١) من طريق بزيع أبي حازم، عن يحيى بن عبد الرحمن أبي بسطام، عن الضحاك بن مزاحم. وسنده ضعيف، وبزيع ضعفه ابن معين والنسائي وكان أبو نعيم الفضل يتكلم فيه، ويحيى بن عبد الرحمن قال أبو حاتم: ((ليس بالقوى)). (٣) أخرجه ابن جرير (١٥٢) وسنده ضعيف جداً وله علل: الأولى: عنعنه. بقية بن الوليد، فينبغي أن يصرح في كل طبقات السند؛ لأنه كان يدلس تدليس التسوية. والثانية: عيسى بن إبراهيم: هو ابن طهمان تركه النسائي وأبو حاتم. وقال البخاري: ((منكر الحديث)). الثالثة: ضعف موسى بن أبي حبيب، ضعفه أبو حاتم. الرابعة: قال الذهبي في ((الميزان)) (٢٠٢/٤): ((وله، يعني لموسى هذا، عن الحكم بن عمير رجل قيل: له صحبة، والذي أرى أنه لم يلقه، وموسى مع ضعفه متأخر عن لقي صحابي كبير، وإنما أعرف له رواية عن علي بن الحسين ... )) وبالجملة فالحديث ضعيف جداً. (٤) في (ن): ((رسول الله). (٥) في ((المسند)) (٤٣٥/٣). وأخرجه النسائي في ((النعوت)) (٤١٦/٤ - السنن الكبرى)؛ والبخاري في ((الأدب المفرد)» (٨٥٩)؛ وابن سعد (٤٢/٧)؛ وابن منده في ((التوحيد)) (٧٥٤، ٧٥٥)؛ وأبو أحمد الحاكم في ((الكنى)) (ج١٧/ق١/٢٩٧)؛ وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (١١٥٩)؛ وابن جرير في ((تفسيره)) (١٥٤)؛ والطبراني في ((الكبير)) (ج١/رقم ٨٢٠ - ٨٢٥، ٨٣٦)؛ والسهمي في ((تاريخ جرجان)) (ص٤١٣)؛ وأبو نعيم في ((المعرفة)) (٨٩٧)؛ والطحاوي في ((شرح المعاني)) (٢٩٨/٤)؛ وابن قانع في ((معجم الصحابة)) (ج١/٤/١)؛ والبيهقي في ((الشعب)) (ج٨/رقم ٤٠٥٧)؛ وابن عدي في ((الكامل)) (١٧٦٣/٥)؛ وأبو محمد الجوهري في ((حديث أبي الفضل الزهري)) (ج٦/ق١/١٠١)؛ والحاكم (٦١٤/٣)؛ والمحاملي في ((الآمالي)) (ق٢/٧٨)؛ والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (١٠٨٢)؛ وعبد الغني المقدسي في ((أحاديث الشعر)) (٣٠) من طرق كثيرة عن الحسن، عن الأسود بن سريع فذكره. قال الحاكم: ((صحيح الإسناد)) ووافقه الذهبي! وليس كما قالا فقد قال علي ابن المديني وأبو داود والبزار وعباس الدوري وابن منده: ((لا يصح سماع الحسن من الأسود)) قال ابن المديني: ((الأسود بن سريع قتل أيام الجمل، وإنما قدم الحسن البصرة بعد ذلك)). قال الحافظ في ((التهديب)) (٣٣٩/١) بعد ذكر أشياء: ((وكل هذا يدل على أن الحسن وأقرانه لم يلحقوه)). قلت: ولكن قال البخاري في ((التاريخ الكبير)) (٤٤٥/١/١): ((وقال لنا مسلم: حدثنا السري بن يحيى، حدثنا الحسن، حدثنا الأسود بن سريع أنه غزا مع النبي (وَ ﴿ أربع غزوات)). = ١٩٦ • سُورَةُ الْفَاتِّ (٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 سريع؛ قال: قلت: يا رسول الله؛ ألا أنشدك محامد حمدت بها ربي تبارك وتعالى؟ فقال: ((أما إن ربك يحب الحمد)). ورواه النسائي عن علي بن حجر، عن ابن علية، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن الأسود بن سريع، به. (أبو عيسى الحافظ) (١) الترمذي، والنسائي، وابن ماجه من حديث موسى بن إبراهيم بن كثير، عن طلحة بن خراش، عن جابر بن(٢) عبد الله؛ قال: قال رسول الله وَ له: ((أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله)). وقال الترمذي: ((حسن غريب)). (٣) [وروى ابن ماجه(٤)، عن أنس بن مالك ◌َ ه؛ قال: قال](٣) (٥) [رسول الله وَلَو: ((ما أنعم الله على عبد نعمةً، فقال الحمد لله، إلا كان الذي أعطى أفضل ما أخذ)). وقال القرطبي في ((تفسيره)(٦): وفي ((نوادر الأصول))، عن أنس(٧)](٥) (٨) [عن النبي( وَلِو](٨)، وهذا سند صحيح يثبت سماع الحسن من الأسود في الجملة ولكن الحسن مدلس فنحتاج إلى تصريحه = بالسماع، ولم يتفرد به الحسن، فتابعه عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن الأسود بن سريع قال: قدمت على نبي الله وَ ◌ّ فذكره وفيه: ((فجعلت أنشده فدخل رجل طوال أقنى، فقال لي: ((أمسك)) فلما خرج قال: ((هات)) فجعلت أنشده، فلم ألبث أن عاد! فقال لي: ((أمسك)) فلما خرج قال: ((هات)) فقلت: من هذا يا نبي الله الذي دخل قلت: ((أمسك)) وإذا خرج قلت: ((هات))؟ قال: ((هذا عمر بن الخطاب، وليس من الباطل في شيء)). (١) من (ن). (٢) أخرجه الترمذي (٣٣٨٣)؛ والنسائي في ((اليوم والليلة)) (٨٣١)؛ وابن ماجه (٣٨٠٠)؛ وابن حبان (٢٣٢٦ - موارد)؛ والخرائطي في ((فضيلة الشكر)) (٧)؛ وابن أبي الدنيا في ((الشكر)) (١٠٢)؛ والحاكم (٤٩٨/١، ٥٠٣)؛ والطبراني في ((الدعاء)) (١٤٨٣)؛ وابن عبد البر في ((التمهيد)) (٤٢/٦، ٤٣)؛ والبيهقي في ((الشعب)) (ج٨/ رقم ٤٠٦١)؛ وفي ((الأسماء والصفات)) (١٧٩/١)؛ وفي ((الدعوات الكبير)) (١١٧)؛ والأصبهاني في ((الترغيب)) (٢٤٨١)؛ والبغوي في ((شرح السنة)) (٤٩/٥) وفي ((تفسيره)) (١٥٥/٤)؛ والشجري في ((الأمالي)) (١٣/١) من طرق عن موسى بن إبراهيم الأنصاري بسنده سواء. وحسنه الترمذي كما رأيت وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وقد تفرد به موسى بن إبراهيم هذا، ولم يوثقه إلا ابن حبان (٧/ ٤٤٩) ورغم ذلك قال: ((كان ممن يخطئ)) وتسامح الحافظ فقال في ((التقريب)): ((صدوق يخطئ)) فمثل هذا الراوي المقل في روايته إذا غمزه ابن حبان مع تسامحه، فلا ينبغي تحسين حديثه إلا بالشواهد المجدية. فالصواب أن سنده ضعيف، ولعل الترمذي حسنه لوجود شواهد. والله أعلم. (٣) ساقط من (ز) و(ع) و(ك) و(هـ) و(ى). (٤) أخرجه ابن ماجه (٣٨٠٥)؛ والخرائطي في ((فضيلة الشكر)) (١)؛ وابن السني في ((اليوم والليلة)) (٣٥٦)؛ والطبراني في «الأوسط)) (١٣٧٩)؛ والبيهقي في ((الشعب)) (ج٨/رقم ٤٠٩١)؛ والضياء في ((المختارة)) (٢١٩٤، ٢١٩٥، ٢١٩٦) من طرق عن الضحاك بن مخلد أبي عاصم، عن شبيب بن بشر، عن أنس بن مالك مرفوعاً فذكره. قال الطبرني: ((لم يرو هذا الحديث عن شبيب إلا أبو عاصم)). وقال البوصيري في ((زوائد ابن ماجه)) (٣/١٩٢): ((هذا إسناد حسن، شبيب بن بشر مختلف فيه)). وقال الضياء: ((رواه أبو مسلم الكشي عن أبي عاصم فلم يرفعه)). (٥) ساقط من (ز) و(ع) و(ك) و(هـ) و(ي). (٦) ((تفسير القرطبي)) (١٣١/١). (٧) وأخرجه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢/٢٧٦/١٥) بسند مظلم. وانظر: ((الضعيفة)) (٨٧٥) لشيخنا أبي عبد الرحمن الألباني ◌َّتُهُ . (٨) ساقط من (ز) و(ع) و(ك) و(هـ) و(ي). ١٩٧ سُورَةُ الفَاتِحَةِ (٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 (١)[ قال: ((لو أن الدنيا بحذافيرها في يد رجل من أمتي، ثم قال: الحمد لله، لكان الحمد لله أفضل من ذلك)). قال القرطبي(٢) وغيره: أي لكان إلهامه الحمد لله أكبر نعمةً عليه من نعم الدنيا؛ لأن ثواب الحمد لا يفنى، ونعيم الدنيا لا يبقى؛ قال الله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ اُلْحَيَوةِ الدُّنْيَأُ وَالْنَقِيَتُ الصَِّحَتُ خَيْرُّ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرُّ أَمَلََّ (®﴾ [الكهف]. وفي ((سنن ابن ماجه)(٣)، عن ابن عمر أن رسول الله وَ ير حدثهم أن ((عبداً من عباد الله قال: يا رب؛ لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، فعضلت بالملكين، فلم يدريا كيف يكتبانها، فصعدا إلى الله، فقالا: يا ربنا، إن عبداً قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها. قال الله - وهو أعلم بما قال عبده: ماذا قال عبدي؟ قالا: يا رب، إنه قال: لك الحمد يا رب كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك. فقال الله لهما: ((اكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني فأجزیه بها))). وحكى القرطبي(٤) عن طائفة أنهم قالوا: قول العبد: الحمد لله رب العالمين أفضل من قوله: لا إله إلا الله، لاشتمال: ((الحمد لله رب](١) (٥) [العالمين)) على التوحيد مع الحمد](٥). (٥)[وقال آخرون: لا إله إلا الله أفضل؛ لأنها (الفصل)(٦) بين الإيمان والكفر، وعليها يقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، كما ثبت في الحديث ((المتفق عليه)(٧). وفي الحديث(٨) الآخر](٥). (١) ساقط من (ز) و(ع) و(ك) و(هـ) و(ى). (٢) ((تفسير القرطبي)) (١٣١/١). (٣) أخرجه ابن ماجه (٣٨٠١)؛ والطبراني في ((الكبير)) (ج١٢ / رقم ١٣٢٩٧)؛ والبيهقي في ((الشعب)) (ج٨/رقم ٤٠٧٧) من طريق إبراهيم بن المنذر حدثني صدقة بن بشير قال: سمعت قدامة بن إبراهيم الجمحي يحدث عن عبد الله بن عمر فذكره مرفوعاً . قال البوصيري في ((الزوائد» (٣/١٩١): ((هذا إسناد فيه مقال، قدامة بن إبراهيم ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وصدقه بن بشير لم أر من جرحه ولا من وثقه وباقي رجال الإسناد ثقات، ورواه الإمام أحمد في ((مسنده)) من هذا الوجه)». اهـ. قلت: فالإسناد ضعيف، ولم أجده عند أحمد، ولم يذكره الحافظ في ((أطراف المسند)). فالله أعلم. (٥) ساقط من (ز) و(ع) و(ك) و(هـ) و(ى). (٤) في ((تفسيره)) (١/ ١٣٢). (٦) كذا في (ج) و(ل) وفي (ن): ((التفصيل))! (٧) أخرجه البخاري (٢٦٢/٣ و٢٧٥/١٢ و٢٥٠/١٣)؛ ومسلم (٣٢/٢٠، ٣٣/٢١، ٣٤، ٣٥). (٨) أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (١٥٩٩/٤ - ١٦٠٠)؛ والبيهقي في ((الشعب)) (ج٨/ رقم ٣٧٧٨) من طريق عبد الرحمن بن يحيى المدني، عن مالك، عن سمي مولى أبي بكر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعاً: ((أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل قولي وقول الأنبياء قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت بيده الخير وهو على كل شيء قدير)). قلت: كذا روى عبد الرحمن بن يحيى عن مالك ووهم عليه قال ابن عدي: ((حدث عن الثقات بالمناكير)) وقال العقيلي: ((مجهول لا يقيم الحديث من جهته)) وصرح بغلطه ابن عبد البر في ((التمهيد)) (٣٩/٦)؛ والبيهقي في ((السنن)) (١١٧/٥) وفي ((الشعب)) وقال: ((هكذا رواه عبد الرحمن بن يحيى وغلط فيه إنما رواه مالك في ((الموطأ) مرسلاً)). وقال ابن عدي: ((هذا منكر عن مالك .. لا يرويه غير عبد الرحمن هذا، وعبد الرحمن غير معروف)). وقال ابن عبد البر: ((لا خلاف عن مالك في إرسال هذا الحديث، ولا أحفظه بهذا الإسناد مسنداً من = ١٩٨ • سُورَةُ الْفَاتِحَةِ (٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 (١) [في ((السنن))(٢): ((أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له)). وقد تقدم عن جابر مرفوعاً ((أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله)) وحسنه الترمذي](١). والألف واللام في ((الحمد)» لاستغراق جميع أجناس الحمد وصنوفه لله تعالى، كما جاء في الحديث(٣): ((اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله)(٤)، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله)). الحدیث. والرب: هو المالك المتصرف. ويطلق في اللغة على السيد، وعلى المتصرف للإصلاح؛ وكل وجه یحتج بمثله)) . = فقد رواه يحيى بن يحيى وأبو مصعب أحمد بن أبي بكر ويحيى بن بكير وعبد الرزاق ومطرف بن عبد الله جماعتهم عن مالك وهو في ((الموطأ)) (٢١٤/١، ٣٢/٢١٥ و٢٤٦/٤٢٢/١) عن زياد بن أبي زياد مولى ابن عياش، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز أن النبي ولو قال: ((أفضل الدعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له)). وأخرجه من طريق مالك عبد الرزاق في ((المصنف)) (ج٤/ رقم ٨١٢٥): والمحاملي في ((الدعاء)) (٦٣)؛ والبيهقي في ((الكبرى)) (١١٧/٥) وفي ((فضائل الأوقات)) (١٩١) وفي ((الدعوات الكبير))، كما في («إتحاف السادة)) (٣٧٣/٤)؛ والبغوي في ((شرح السنة)) (٧/ ١٥٧) وقال البيهقي: ((هذا مرسل حسن)) وله شاهد عن علي بن أبي طالب مرفوعاً مثله أخرجه الطبراني في (الدعاء)) (٨٧٤) وفي ((فضل عشر ذي الحجة)) (١٣/ ٢) بسند قال فيه الترمذي (٣٥٢٠): ((ليس إسناده بالقوي)) وشاهد آخر عن عبد الله بن عمرو أخرجه الترمذي (٣٥٨٥)؛ وأحمد (٦٩٦١)؛ والمحاملي في ((الدعاء)) (٦٤)؛ والبيهقي في ((فضائل الأوقات)) (١٩٢) بإسناد ضعيف وشاهد ثالث عن ابن عمر أخرجه العقيلي في ((الضعفاء)) (٤٦٢/٣)؛ والطبراني في ((الدعاء)) (٨٧٥) وفي ((كتاب المناسك)) كما في ((الإتحاف)) (٣٧٣/٤) بسند فيه الفرج بن فضالة وهو منكر الحديث. وله شاهد رابع من مرسل المطلب بن عبد الله بن حنطب. أخرجه الأصبهاني في ((الترغيب)) (٢٤٨٢) وهو مرسل حسن الإسناد، فالحديث محتمل للتحسين بهذا المرسل، ومرسل طلحة بن عبيد الله بن كريز، بفتح الكاف، والله أعلم. (١) ساقط من (ز) و(ع) و(ك) و(هـ) و(ي). (٢) ساقط من (ن) وفي قوله: ((السنن)) تساهل إذ لم يخرجه إلا الترمذي كما مر بك. (٣) أخرجه البيهقي في ((الشعب)) (ج٨/ رقم ٤٠٨٨) من طريق خالد بن يزيد، حدثنا ابن أبي ذئب عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري أن رجلاً قال للنبي وَّر: أي الدعاء خير أدعو به في صلاتي؟ قال: نزل جبريل علا فقال: ((إن خير الدعاء أن تقول في الصلاة: اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، ولك الخلق كله، وإليك يرجع الأمر كله، أسألك من الخير كله، وأعوذ بك من الشر کله» . ونقل البيهقي عن الحاكم أنه قال: ((تفرد به خالد بن يزيد العمري، عن ابن أبي ذئب)). قلت: وسنده ضعيف جداً، وخالد بن يزيد كذبه أبو حاتم وقال البخاري: ((ذاهب الحديث)) وقال ابن حبان: ((منكر الحديث، يروى الموضوعات عن الثقات)) وله شاهد من حديث سعد بن أبي وقاص أن أعرابياً قال للنبي ◌ّله: علمني دعاءً لعل الله أن ينفعني به قال: ((قل: اللهم لك الحمد كله، وإليك يرجع الأمر كله)). أخرجه البيهقي في ((الشعب)) (٤٠٨٧) وسنده مقارب. والله أعلم. (٤) في (ج) و(ل): ((الملك كله، والحمد كله)). ١٩٩ • سُوْرَةُ الْفَاتِحَةِ (٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ذلك صحيح في حق الله تعالى، (١) [ولا يستعمل الرب لغير الله، بل بالإضافة؛ تقول: رب الدار ورب كذا. وأما الرب فلا يقال إلا لله رب، وقد قيل: إنه الاسم الأعظم](١). والعالمين: جمع عالم، (١) [وهو كل موجود سوى الله ريق](١). والعالم: جمع لا واحد له من لفظه. والعوالم أصناف المخلوقات في السموات وفي البر والبحر، وكل قرن منها وجيل يسمى عالماً أيضاً. وقال بشر بن عمارة (٢)، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ((الحمد لله رب العالمين)): الحمد لله الذي له الخلق كله: السموات (والأرضون)(٣) (ومن فيهن) (٤) وما بينهن مما نعلم ومما لا نعلم. وفي رواية سعيد بن(٥) جبير، وعكرمة (٦)، عن ابن عباس: رب الجن والإنس. وكذلك قال سعيد(٧) بن جبير، ومجاهد(٨)، وابن جريج(٩)، وروي عن علي نحوه. (قال) (١٠) ابن أبي حاتم، (١) ساقط من (ز). (٢) أخرجه ابن جرير (١٥٦)؛ وابن أبي حاتم (١٤) من طريق أبي كريب محمد بن العلاء، حدثنا عثمان بن سعيد الزيات، ثنا بشر بن عمارة بسنده. وسنده ضعيف جداً، ومرّ الكلام عليه. (٣) في (ن): ((الأرض)). (٤) ساقط من (هـ) ووقع في (ن): ((وما فيهن)). (٥) رواية سعيد بن جبير: أخرجها ابن جرير (١٥٨)؛ وابن أبي حاتم (١٨)؛ والحاكم (٢٥٨/٢) من طريق عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره وسنده صحيح وعطاء بن السائب وإن كان اختلط فقط رواه عنه سفيان الثوري عند الحاكم وسمع منه قديماً، وقد أردف الحاكم هذا الأثر بقوله: (ليعلم طالب هذا العلم أن تفسير الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل عند الشيخين حديث مسند)) وعزاه السيوطي في ((الدر المنثور)) (١/ ١٣) للفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وزعم أن ابن أبي حاتم صححه! ونسب الشوكاني في ((فتح القدير)) (٢١/١) التصحيح إلى الحاكم وهو أقرب وإن لم أر تصحيحه في ((المستدرك)) فلعله سقط منه فإنه كثير السقط والتحريف. (٦) ورواية عكرمة: أخرجها ابن جرير (١٥٧) من طريق الضحاك بن مخلد، عن شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس مثله ورجاله ثقات إلا شبيب بن بشر فمختلف فيه فوثقه ابن معين وابن شاهين ولينه أبو حاتم وغمزه ابن حبان وضعفه ابن الجوزي. (٧) أخرجه ابن جرير (١٥٩، ١٦٠) من طريق عطاء بن السائب وعمرو بن دينار عن سعيد بن جبير، ورواية عمرو بن دينار فيها زيادة والأثر حسن بمجموع الطريقين. والله أعلم. (٨) أخرجه ابن جرير (١٦١) قال: حدثني محمد بن حميد، قال: حدثنا مهران، عن سفيان، عن مجاهد فذكره. وسنده ضعيف جداً. وابن حميد الرازي واهٍ، ومهران هو ابن أبي عمر في روايته عن الثوري اضطراب وقد خالفه أبو أحمد الزبيري فرواه عن الثوري، عن رجل، عن مجاهد أخرجه ابن جرير (١٦٢) قال: حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، ثنا أبو أحمد الزبيري وهذه الرواية أولى من الأولى مع ضعف سندها، فإن الثوري لم يسمع من مجاهد شيئاً؛ لأن الثوري ولد سنة (٩٧) ومات مجاهد سنة (١٠٠) أو بعدها بقليل كما قال الشيخ أحمد شاكر وعزاه السيوطي في ((الدر)) (١٣/١) لعبد بن حميد. (٩) أخرجه ابن جرير (١٦٥) من طريق الحسين بن داود قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج به وسنده جيد، والحسين هو (سنيد)) وسماعه من حجاج الأعور صحيح كما بين ذلك الشيخ العلامة ذهبي العصر المعلمي اليماني كَّلُ في ((التنكيل)) (٢٢٦/١، ٢٢٧). (١٠) في (ج) و(ز): ((قاله)». ٢٠٠ • سُورَةُ الْفَاتِحَةِ (٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 بإسناد لا يُعتمد عليه (١)[واستدل القرطبي لهذا القول بقوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] وهم الجن والإنس. قال الفراء، وأبو عبيدة: العالم عبارة عما يعقل، وهم الإنس والجن، والملائكة، والشياطين؛ ولا يقال للبهائم عالم](١). (٢) [وعن زيد بن أسلم (وأبي عمرو بن العلاء)(٣)، (وأبى محيصن) (٤): العالم كل ما له روح ترفرف](٢). وقال قتادة(٥): رب العالمين: كل صنف عالم (٦) [وقال الحافظ (ابن عساكر)(٧) في ((ترجمة مروان بن الحكم)» (٨)، وهو (أحد)(٩) خلفاء بني أمية، وهو يعرف (بالجعدي) (١٠) ويلقب بالحمار: أنه قال: خلق الله سبعة عشر ألف عالم؛ أهل السموات وأهل الأرض عالم واحد، وسائرهم لا يعلمهم إلا الله رفيق](٦). وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية - في قوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ - قال: الإنس عالم، والجن عالم، وما سوى ذلك ثمانية عشر ألف، أو أربعة عشر ألف عالم - هو يشك - الملائكة على الأرض، وللأرض أربع زوايا، في كل زاوية ثلاثة آلاف عالم وخمسمائة عالم، خلقهم الله لعبادته رواه ابن(١١) جرير، وابن أبي حاتم. (١٢) [وهذا كلام غريب يحتاج مثله إلى دليل صحيح](١٢). وقال ابن أبي(١٣) حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن خالد، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الفرات - يعني ابن الوليد، عن (مغيث)(١٤) بن سمي عن تبيع - يعني الحميري - في قوله تعالى: ﴿َرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ قال: العالمين ألف أمة، فستمائة في البحر وأربعمائة في البر. (١٥) [وحكى مثله عن سعيد بن المسيب] (١٥). وقد روى نحو هذا مرفوعاً، كما قال الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى في ((مسنده)(١٦): حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبيد بن واقد القيسي أبو عباد، حدثني محمد بن (١) ساقط من (ز). (٣) من (ج) و(ك) و(ل). (٥) أخرجه ابن جرير (١٦٣) بسند صحيح. (٧) ساقط من (ن). (٩) كذا في (ن) و(هـ) و(ى) ووقع في (ج) و(ل): ((آخر)) وهو خطأ . (١٠) في (ن): ((الجعد)). (١١) أخرجه ابن جرير (١٦٤)؛ وابن أبي حاتم (١٥) وسنده جيد. (١٢) ساقط من (ز) و(ى). (٢) ساقط من (ز) و(ع). (٤) من (ن) و(هـ) و(ى). (٦) ساقط من (ز) و(ع) و(ك). (٨) في ((تاريخ دمشق)) (ج١٦/ ٣٣٨ - ٣٦٣). (١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٦)؛ وأبو الشيخ في ((العظمة)) (٩٤٥) من طريق أبي حاتم الرازي بسنده سواء ورجاله ثقات إلا فرات بن الوليد فلم أجد له ترجمة، ولعله ((فرات الجبيلي)) المترجم في (تاريخ دمشق)» (ج ١٤ / ل٢٠٤) لابن عساكر فقد ذكر أن الوليد بن مسلم روى عنه والله أعلم وسقط ذكره في ((مختصر تاريخ دمشق)) (٢٦١/٢٠) لابن منظور. (١٤) في (ز) و(ك): ((معتب))! وهو خطأ ظاهر. (١٥) ساقط من (ز) و(ى). (١٦) لم أجده في ((مسنده)) المطبوع، فلعله في ((المسند الكبير)) وقد نسبه لأبي يعلى: السيوطي في ((الدر المنثور)) =