النص المفهرس

صفحات 281-300

(( قدم أعرابيُّ المدينةَ يطلب في أربع دِياتٍ حَمَلَها ، فقيل له : عليك
بالحسن بن عليّ ، عليك بعبد الله بن جعفر، عليك بسعيدبن العاص ، عليك
بعبد الله بن العباس . فدخل المسجد فرأى رجلاً يخرج معه جماعةٌ ، فقال : من
هذا؟ فقيل : سعيد بن العاص . قال : هذا أحدُ أصحابي الذين ذُكِروا لي .
فمشى معه فأخبره بالذي قَدِمَ له ومن ذُكِرَ له وأنه أحدهم وهو ساكِتٌ عنه لا
يُجيبه . فلمّا بلغ باب منزله قال لخازنه : قُلْ هذا الأعرابيّ فَلْيَأْتِ بِمَنِّ يُحْمَلْ له.
فقيل له : ايتِ بِمَنِّ يُحْمَلْ لك. قال: عافا اللّهُ سَعيداً، إنّما سألناه وَرِقاً ولم
نسأله تمراً . قال: وَيْحَكَ، ايت بمن يحمل لك. فأخرج إليه أربعين ألفاً
فاحتملها الأعرابيُّ ، فمضى إلى البادية ولم يَلْقَ غيره)).
[٤٤٤] - حدثني سليمان ، نَا يحيى بن سعيد الأمويّ، عن أبيه ، قال :
(( دخل قوم من بني أسد على عيسى بن علي يتكلّمون في حَمالاتٍ وكان خطيبّهم
عونُ بن جابر وكان له لسانٌ جيّد فتكلّم عون وذكر بني أسد وقرابتهم من
قريش ، فقال له الحسن بن زيد بن الحسن وكان عند عيسى : يا بني أسد ،
إنّكم لَتُكَلِّمون كأنّكم نزلتم من السماء . فأقبل عليه عون بن جابر فقال : لو
نزل قومٌ من السماء جوداً أو كَرَماً كُنّا النازلين من السماء نحن بنو خُزيمة ونحن بنو
بَرَّةٍ - يعني ابنة مرّ وهي أُمُّ أسد - وإنْ كُنْتَ لَجديراً أنْ تكون معنا في حاجتنا
فَألّاً - إذْ لم تفعلْ - تركَتنا والأميرَ؟ قال: وجعل عيسى يُسَرُّ بما يُوَيِّخُ به الحسن
ويُكلِّمه . ثم أمر لهم عيسى بالمال الذي طلبوه للحمالات وكان أربعين ألفاً)).
[٤٤٥] - حدثني سليمان بن منصور، حدثني محمد بن الحكم(١)، عن
= (٢) عبد الحميد بن جعفر الأنصاري المدني . روى عن أبيه ، ونافع ، ومحمد بن عمرو بن
عطاء . وروى عنه يحيى القطان ، وأبو عاصم وعدة . قال النسائي : ليس به بأس .
وكذا قال أحمد . وقال ابن معين : ثقة . وقد نقم عليه الثوري خروجه مع محمد بن
عبد الله. وقال أبو حاتم : لا يحتج به . وقيل: كان يرى القدر، فالله أعلم . وقال
علي بن المديني : كان يقول بالقدر . وكان عندنا ثقة قال : وكان سفيان يضعفه .
(ميزان الاعتدال ٢ / ٥٣٩ ).
٠ ٤٤٥] (١) محمد بن الحكم المروزي، أبو عبد الله الأحول. روى عن النضر بن شميل. وعنه =
٢٨١

عوانة بن الحكم ، قال :
(( دخل سعيد بن خالد بن عبدالله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص على
سليمان بن عبد الملك ، فلما رآه داخلاً تمثّل سليمان :
إنّ سَمِعْتُ مع الصَّباحِ مُنادِياً يا مَنْ يُعِينُ على الفَتَى المِعْوانِ
هذا والله الفتي فمن يعين عليه . ثم قال : حاجتك ، يا أبا خالد .
قال : دَيْني تقضيه عني . قال : وكم دَيْنك؟ قال: عليَّ ثلاثون ألف دينار .
قال : فقدَ قضيتُها عنك . قال : وكان سعيد بن خالد تُصيبُهُ مُوتَة نِصْفُ السنة
فيكون فيها مطروحاً ويَصِحُّ نِصْفَ السنة فإذا صَحَّ أعطى وأطعم فإنْ لم يكن
عنده وأتاه من يطلب نَّيْلةً قال له : ليس عندي ولكن اكْتُبْ عليَّ صكّاً بكذا
وكذا ، فيكتب عليه الرجل ويشهد له . فدخل بنو سعيد على هشام بن
عبد الملك وهو خليفة فقالوا له : إنّ أبانا يُتلِفُ مالَه فإذا لم يكن عنده كَتَّبَ على
نفسه الصِكَاكَ لمن يسأله عليه فأَحْجُرْ عليه . فحجر عليه وقال لِبَنيه : اجْعُلُوا له
شيئاً لمائدته فجعلوا له شاة كلَّ يومٍ وما يُصْلِحُها . فجعل يقول لبنيه : يا بَنِيَّ ،
إنما هي شاة في اليوم ، ويستقلّها . وقَبْلَ ذاك ما أرادوا أنْ يعالجوه فعَزَّمُوا عليه
فتكلّمتِ امرأةٌ على لِسانِهِ فقالت : أنا رُقَيَّةُ بنت مِلْحان سيّدِ الجنّ ، والله لِئِنْ
عالجتموه لَأَقْتُلَنَّهُ فإنّ لو وجدتُّ من الإنس أكرمَ منه لَعَلِقْتُه)).
[ ٤٤٦ ] - حدثني سليمان ، حدثني محمد بن عبّاد بن عبّاد بن حبيب بن
المهلب(١) ، قال :
((بَعَثَ مروان وهو على المدينة ابنَه عبد الملك إلى معاوية فدخل عليه
فقال : إنّ لنا مالاً إلى جنب مالك بموضع كذا وكذا من الحجاز لا يَصْلَحُ مالُنا
البخاري. قال أبوحاتم: مجهول. وقال الخلال عن أبي عبد الله: لا أعلم أحداً أشد فهماً
=
ومعرفة ، وحفظاً منه. ( تقريب التهذيب ٢ / ١٥٥، تهذيب التهذيب ٩ / ١٢٤ ).
[٤٤٦] (١) روى عن أبيه، وهشيم، وعنه إبراهيم الحربي وجماعة. قال الحربي وجماعة: لم يكن
بصيراً بالحديث . ( ميزان الاعتدال ٣ / ٥٨٩ ).
٢٨٢

إلّا بمالك ومالك إلّ بِمالِنا، فإمَّا تركتَ لنا مالَك فأصلحْنا بِه مالنا وإمَّا تركنا لك
مالنا فأصلحت به مالَك . فقال له : يا بن مروان، إنّ لا أُخْدَعُ عن القليل
ولا يَتَعاظَمني تركُ الكثير وقد تركْنا لكم مالَنا فَأَصْلِحوا به مالَكم)).
[٤٤٧] - قال سليمان : وحدثني محمد بن الحكم ، عن عوانة بن
الحكم ، قال :
((دخل الوليد بن عقبة على معاوية فجلس معه على السرير ثم سأله
فأعطاه مائة ألف درهم ثم قال له معاوية : عِفَّ عني . فقال الوليد :
فَأَعْطِ إذا ما مِتُّ بَعْدِي أوِ آبَخَلِ
أعِفُّ وأسْتَغْنِي كَما قد أمَرْتَني
وَلَيْسَ شَبَا عَجْزٍ عَلَيَّ بِمُقْفَلٍ
فإنّ آمْرُؤُ في الدارِ مِنِّ ثَرْوَةٌ
إذا رابَهَا رَيْبٌ كَسَلّةٍ مُنْصُلٍ
سَأُصْرِفُ عَنْكَ العِيسَ إِنّ سَجِيَّتِي
[ ٤٤٨] - قال: قال سليمان : نَا محمد بن الحكم ، عن عوانة ، قال :
(( أقام الحارث بن خالد بن العاص بن هشام بباب عبد الملك بن مروان
سنةً ، ثم انصرف وهو يقول :
فَمَا انْجَلَتْ قطّعْتُ نَفْسِي ألومُها
تَبِعْتُكَ إِذْ عَيْنِي عَلَيْها غَبَاوَةٌ
بِكَفّيْكَ بُؤْسي أوْ لديْكَ نعيمُها
رَدَدتُّ عليكَ النَّفْسَ حَتَّ كَأَّما
ولا افْتَقَرتْ نفْسي إلى منْ يَسومُها
فما بي - وإِنْ أَقْصَيْتَنِي - مِنْ ضَراعةٍ
فأرسل عبد الملك رسولاً يَرُدُّه وقال: اتَبَعْه حتى تردَّه عليَّ وإنْ بلغتَ
مكّة . فلمّا دخل على عبد الملك قال : أنِفْتَ من المُقام بِبابي ؟ قال : لا والله يا
أمير المؤمنين . ما أنفتُ من الْمُقام ببابِك وما عنك مَرْغَبٌ ولكني أطَلْتُ المقام ولي
ضيعةٌ وعليَّ دَيْن . قال: كم دَيْنك؟ قال : ثلاثون ألف دينار . قال: إن
شئتَ قضيتُ دَيْنَك وإنْ شئتَ استعْمَلْتُك على مكّة سنةٌ . قال : استعملْنِي على
مكّة سنةً. فاستعمله ثم عَزَلَهُ)) .
٢٨٣

[٤٤٩] - حدثني سليمان، نَا أحمد بن بشير(١)، قال :
(( قدم على عمرَ بن عبد العزيز رجلٌ من حضر موت فناداه :
فَقَدْ أتاكَ بَعيدُ الدارِ مظلومُ
دَعَوْتَ حَرَّانَ ملهوفاً لِيَأْتِيَكُمْ
قال : من ظَلَمَكَ ؟ قال : الوليد بن سليمان أخذ أرضاً لي باليمن .
فقال : اكْتُبُوا له إلى عامل اليمن : إن أقام عندك شَاهدَيْنِ ذَوَيْ عَدْلٍ فَارْدُدْ
عليه أرضَه، ثم قال له : إنّ أراك قد كُلِّفْتَ في وجهك هذا. قال: كُلِّفْتُ
زاداً وراحلةً . فأمر له بثلاثين دينار )) .
[ ٤٥٠] - حدثني سليمان، نّا أبو سفيان، عن هُشيم ، قال :
(( قدم الزبير الكوفة وعليها سعيد بن العاص عاملاً لعثمان فبعث إلى الزبير
بسبع مائة ألف ، فقال : لو كان في بيت المال أكثرُ من هذا بعثتُ به إليك ،
فقبلها . قال سليمان : فحدّثتُ به مُصْعَباً الزبيري ، فقال : ما كنّا نرى الذي
أعطاه المال إلّ الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وكُنّا نقول خمس مائة ألف ،
وهُشيم أَعْلَمُ )) .
[٤٥١] - قال أبو عبد الله العِجْلي: انّا يونس بن بكير، نّا ابن
إسحاق ، حدثني والدي : إسحاق بن يسار ، أخبرني شيخ من بني سعد بن
بكر ، قال :
(( قدم عليَّ ابنُ عمَّ لي من أهل البادية ، فقال : إنّ ابنَ أخٍ لي أصاب دماً
عَمْداً فطلبتُ إلى أهل الدم أن يقبلوا مني العقل ففعلوا فأسلمْتني عشيرتي وأبوْا
أن يحملوا معي ، وقالوا : إنّما نَحْمِلُ الخَطَأْ فأمّا العمد فلا . فقد قدمتُ ألتمسُ
[٤٤٩] (١) أحمد بن بشير القرشي المخزومي مولى عمرو بن حريث ، ويقال الهمداني أبو بكر
الكوفي. روى عن هشام بن عروة، وهاشم بن هاشم الزهري وغيرهم. وعنه أبوموسى،
ومحمد بن سلام ، وأبو سعيد الأشج وجماعة . قال الدارقطني ، والعقيلي : ضعيف .
وقال النسائي ، رابن معين : ليس به بأس . وقال الخطيب ، وأبو زرعة ، وأبو حاتم :
صدوق . ( تقريب التهذيب ١ / ١٢، تهذيب التهذيب ١ / ١٨ - ١٩).
٢٨٤

المعونة من هذا الحيّ من قريش . فأمرتُ لِي بِخَزيرةٍ فَصُنِعتْ فغذَّيناء منها ، ثم
قلتُ له : انطلقْ بنا إلى خير القوم وسيّدهم ابن بنت رسول الله وَلّ الحسين بن
عليّ رضي الله عنه . فخرجْنا نلتمسه في بيته فلم نجده فخرجْنا فلقيناه بالبلاط ،
فقلت : عندك الرجل . فاستوقفناه فَوَقَف واستند إلى الجدار ، فقلتُ : يا بن
بنتِ رسول الله، إنّ ابن أخ لي أصاب دماً - فَقَصَّ قِصَّتَهُ - وقدمت أستعين هذا
الحيّ من قريش على دِيَته فرأيتُ أن أَبْدَأ بك .
فقال : والله الذي نفسُ حسين بيده ، ما أصبح في بيتي دينارٌ ولا درهم
وما غدوتُ إلى السوق إلا لألْتمس العينة في بعض نفقاتنا وما لا بُدَّ منه ولكنّ
أراك رجلاً جلداً وقد حان حَصاد مالي بذي المروة عَيْنْ يُنَّسَ فَآَخْرُجْ إليها فَقُمْ
عليها بعُمَّالِه ثم آحْصُدْ وَدُقَّ وَبِعْ فإنَّهَا مُوَدِّيَةٌ عنك ولا تسأل أحداً شيئاً .
فقال : أَفْعَلُ، بأبي وأُمّي . وكتب إلى قَيِّمِهِ : أَنْظُرْ فلان بن فلان فَخَلِّ بينه
وبين حَصادِ أرضِك فإنّ قد أعطيتُه إيّاه . فخرج فحصدها فباع منها بعشرين
ألف درهم فأدَّى اثني عشر ألفاً واستفضل ثمانية آلاف )).
[٤٥٢] - فقال المقنّع مقنّع الأنصاري يبكي حسيناً حين قُتل :
يَرْفَعُها بِالسَّنْدِ المائِلِ
كانَ إذا شُبَّ لَهُ نَارُهُ
أو فَرْدُ قَوْمٍ لَيْسَ بالآهِلِ
كَيْما يَراها قابِسٌ مُرْمِلٌ
مِثْلُ حِياضِ النَّعَمِ الناهِلِ
مَفارِغُ الشِيزَى على بابهِ
في الناس مِنْ حافٍ ولا ناعِلِ
لا تَسْتَرِي شَفْراً على مِثْلِهِ
وَأَبْنُ ابْنِ عَمِّ الْمُصْطَفَى الفاضِلِ
ابنُ النبيّ الْمُرْسَلِ الْمُصْطَفَى
[٤٥٣] - حدثني عبد الرحمن بن صالح، نَا يحيى بن يعلى(١)، عن
[٤٥٣] (١) يحيى بن يعلى الأسلمي القطواني. روى عن يونس بن خباب، والأعمش. وروى عنه
قتيبة، وأبو هشام الرفاعي، وجماعة. قال البخاري : مضطرب الحديث. وقال أبوحاتم :
ضعيف . ( ميزان الاعتدال ٤ / ٤١٥ ).
٢٨٥

يونس بن خبّاب(٢)، عن مجاهد ، قال :
((جاءَ رجل إلى الحسن والحسين رضي الله عنهما فسألهما فقالا : إن المسألة
لا تصلح إلا لثلاثة : حاجة ◌ُجْحِفَة أو حَمالة مُثْقِلة، أو دَيْن فادِح . وأعطياه ثم
أتى ابن عمر رضي الله عنه فأعطاه ولم يسأله عن شيء فقال : أتيت ابني عمك
وهما أصغر سِنَّاً منك فسألاني وقالا لي وأنت لم تسألني عن شيء . فقال : ابنا
رسول الله وَلَه إِنّهما كانا يُغَرَّانِ بالعلم غَرَأَ )).
[٤٥٤] - وقال أبو حفص الصيرفي، حدثني ابن زائدة البُندار(١)،
حدثني محمد بن علي ، عن شيخ من قريش ، قال :
(( بينا أبان بن عثمان وعبد الله بن الزبير جالسان إذ وقف عليهما أعرابيٌّ
فسألهما فلم يُعْطياه شيئاً وقالا : أَذْهَبْ إلى ذَيْنِكَ الفَتَيْ ، وأشارا إلى الحسن
والحسين رضي الله عنهما وهما جالسان ، فجاء الأعرابيُّ حتى وقف عليهما فسألهما
فقالا : إن كنت تسأل في دَم مُوجعٍ ، أو فَقْر مُدْقِع ، أو أمر مُفْظِع فقد وجب
حقُّك . فقال : أسْألُ وأخذني الثلاثُ . فأعطاه كل واحد منهما خمس مائة خمس
مائة فانصرف الأعرابيُّ فمرّ على ابن الزبير وأبان وهما جالسان ، فقالا : ما
أعطاك الفَتَيَانِ ؟ فأنشأ الأعرابيُّ يقول :
= (٢) يونس بن خباب الأسدي . مولاهم الكوفي . روى عن طاوس ، ومجاهد . وروى عنه
شعبة ، ومعتمر بن سليمان ، وعدة . وكان رافضياً . قال يحيى بن سعيد : كان كذاباً .
وقال ابن معين : رجل سوء ضعيف . وقال ابن حبان : لا تحل الرواية عنه . وقال
النسائي : ضعيف . وقال الدارقطني : رجل سوء فيه شيعية مفرطة . وقال البخاري :
منكر الحديث . ( ميزان الاعتدال ٤ / ٤٧٩ - ٤٨٠ ).
[٤٥٤] (١) زكريا بن أبي زائدة خالد بن ميمون بن فيروز، هبيرة الهمداني الوادعي ، مولاهم أبو
يحيى الكوفي. روى عن عامر الشعبي، وفراس، وسماك بن حرب وغيرهم. وعنه ابنه
يحيى ، والثوري ، وشعبة ، وابن المبارك وعدة . قال القطان ، وأبو بكر !البرديجي :
ليس به بأس . وقال أبو حاتم ، وأبو زرعة : يدلس ، وزاد أبو حاتم : لين الحديث
ووثَّقه العجلي ، والنسائي ، وأبو بكر البزار وابن سعد . (تهذيب التهذيب ٣ / ٣٢٩ -
٣٣٠، تقريب التهذيب ١ / ٢٦٠).
٢٨٦

إذا تواكلْتُما فلم تُعْطِياني
أَعْطيانيٍ وَأَقْنَياني جميعاً
سَلَيْ سِبْتاً يَطاهُما الفَتَّيَانِ
جَعَلَ اللّهُ مِن وُجُومِكُمَا نَعْـ
ـوَّاءَ صِيغاً مِنَ الأَغَرِّ الهِجانِ
حَسَنٌ وَالْخُسَيْنُ خَيْرُ بنِي حَـ
ـدِ فَمَا مِنْكُما لها من مُداني
فَدَعَا سُنَّةَ اْكَارِمِ وَاْلَجْـ
[ ٤٥٥ ] - حدثني محمد بن الحسين ، نَا كثير بن هشام ، نَا عيسى بن
إبراهيم القرشي ، حدثني رجل من أهل البصرة ، قال :
(( قدمتُ المدينة فنزلتُ على معاوية بن عبد الله بن جعفر، فسألته عما كان
يصنع أبوه من أخلاقه ، فقال : كان قد جُبِلَ على شيءٍ لا يقدر على غيره ،
قال : فأتاه أعرابيٌّ يسأله ، فقال: ثَمَنَّ عليَّ واجْتَهِدْ في الأماني. فقال: بَكْراً
يحمل رَحْلي إلى أهلي، وحُلّة الْبَسُها يوم قُدومي على الحيّ، وبردة أمتهنُها في
سفري ، ونَفَقَة تُبّغني إليهم . قال: لقد قصّرتْ بك نفسّك، فهّلا سألتني ما
أمْلِكُ فَأُخْرِجَ لك عَيْنَه . قال : فأمر له بمائة حُلة ومائة ناقة ومائة ألف درهم .
فقال الأعرابيّ : أما الأحجار [ يعني المال](١) فلا حاجةً لي بها، وأما الحُلل
فواحدةٌ من ذلك تكفيني ، وأمّا الإبل فأسوقها والله إلى أهلي . قال : فساق
[ الإبل، وترك](٢) المال والحُلَل، [ فأمر به عبد الله](٣) فقُسِمَ على فُقراء
[ أهل ](٤) المدينة)).
[ ٤٥٦ ] - حدثني محمد بن الحسين ، حدثني جعفر بن عون ، عن خالد
الزيّات ، عن رجل من أهل البيت :
(( أنّ عبدالله بن جعفر كان له على رجل مالٌ فَتَحَمَّل عليه بابن عباس
لِيُؤخَّرَهُ، فقال عبدالله بن جعفر: هي له ، يا بن عمِّ. قال: ما أردتُّ هذا
[٤٥٥] (١) ما بين المعقوفتين : ساقط من الأصل .
(٢) ما بين المعقوفتين : ساقط من الأصل .
(٣) ما بين المعقوفتين : ساقط من ب .
(٤) ما بين المعقوفتين : ساقط من الأصل .
٢٨٧

كله . قال ابن جعفر : لكني أنا أردتّه))(١).
[ ٤٥٧] - حدثني محمد بن الحسين ، نَا أبو عبد الرحمن الطائي، نَا
المجالد بن سعيد ، عن الشعبي ، قال :
(( دخل أمية بن أبي الصلت على عبدالله بن جُدْعان التيمي وقد أخذت
الخمر (١) من عبدالله ، فأنشأ يقول:
حَيَاؤُكَ إِنّ شِيمَتَكَ الْخَياءُ
أَذْكُرُ حاجَتِي أُمْ قَدْ كَفاني
لَكَ الْحَسَبُ الْمُهَذَّبُ والسَّنَّاءُ
وَعِلْمُكَ بِالْأمورِ وَأَنْتَ فَرْعٌ
عَنِ الْخُلُقِ الْكريمِ وَلا مَساءُ
كَرِيمٌ لا يُغَيِّرُهُ صباحٌ
كَفاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثّنـاءُ
إذا أَثْنَ عليكَ المرءُ يَوْمَاً
قال: وعند ابن جدعان قَيْنتانِ(٢) له، فقال: انْظُرْ أعْجَبَهُما إليك فَخُذْ
بيدها. قال : وكانتا أحَبَّ ماله إليه فأخذ منه إحداهما(٣) وخرج، فَلَقِيَه فِتْيَةٌ من
قريش فقالوا له : ما صنعت ؟ دخلتَ إلى شيخنا وسيّدنا وقد عمل فيه الشرابُ
فأخذت إحدى حَظِيَّيْهِ وأحبّ ماله إليه . ارْجَعْ فارْدُدْها عليه ، فإنّه سيعوِّضك
أضعافَها . قال: فرجع إليه فقال : ما الذي ردّك [إلينا ](٤)، يا أميّة ؟ قال:
أَحَبَّتْ أن تؤْنِسَ أختَها . قال : لا ، ولكن قيل لك : فَرَّقْتَ بين الشيخ وأحَبِّ
ماله إليه ، والله لَتَأْخُذنَّ [ بيد ](٥) الأخرى. فأخذهما جميعاً وخرج ، وهو
يقول :
بِفَضْلٍ وما كُلُّ الْعَطاءِ (٦) يَزينُ
عَطاؤُكَ زَيْنٌ لْامْرِىءٍ إِنْ حَبَوْتَهُ
[٤٥٦] (١) في برلين: ((لكن أنا أريده)).
[٤٥٧] (١) في الأصل: ((وقد أخذت الشراب)).
(٢) في برلين: ((وعبد بن جدعان قينة من قريش وقينتان له)).
(٣) في برلين: ((فأخذ أمية إحداهما)).
(٤) ما بين المعقوفتين : ساقط من الأصل .
(٥) ما بين المعقوفتين : ساقط من الأصل .
(٦) في الأصل: ((وما كل الطعام)).
٢٨٨

وَلَيْسَ بِشَيْنٍ لْأِهْزِئٍ بَذْلُ وَجْهِهِ إليكِ كَمَا بَعْضُ السُؤالِ يَشِينُ
[٤٥٨ ] - حدثني أبو زيد النُميري ، نَا أبو عاصم ، أخبرني أبو عمار :
رجل من بني زهرة، قال: ((مرّ ابن الزبير بِناسٍ من قُريش مجتمعين في مجلس
فقال : ما تَذاكرون؟ قالوا: أمرْ الجاهلية . قال: دَعُوهُ فإنّ هذا شيءٌ هَدَمَه
الله، فإِنْ كنتم لا بُدَّ فاعلين فعليكم بابن جُدْعان، فوالله ما تُقُسِّمَ الشَّرَفُ إلاَّ
مِن بعدِه )) .
[ ٤٥٩ ] - حدثني أبو زيد النُميري ، حدثني بدر بن سعيد ، قال :
سمعتُ عيسى بن يزيد بن بكر(١) ، قال :
(( شأل الوليد بن عقبة مروان وهو على المدينة فاعتلَّ عليه ، فقدم على
المغيرة بن شُعْبة وهو على الكوفة ، فأمر له بعشرين ألفاً فأبى أن يقبلها ، فأتى ابن
عامر فشكا إليه دَيْنَه . فقال : كم هو؟ قال : مائة ألف . فقضاه عنه وأعطاه
مائة ألف أخرى . فقال الوليد :
وَمَرْوَانَ نَعْلَيْ بَذْلَةٍ لِاِبْنِ عامِرٍ
ألا جَعَلَ اللّهُ الْمُغْيرةَ وابْنَهُ
وَلَسْعَ الأفاعِي وَاحْتِدَامَ الَواجِرٍ
لِكَيْ تَقِياهُ الْخَرَّ والْقُرَّ والأذَى
وَسَيْبُكَ يَأْتِي كُلَّ بَادٍ وَحَاضِرٍ
يَفيضُ الفُراتُ لِلَّذِينِ يَلُونَهُ
سَمَا فَعَلَا بِالْمَجْدِ فَخْرُ المُفَاخِرِ
إذا عَبْذٌ شَمْسٍ قَدَّمُوا رِفْدَ خَيْرِهِمْ
إذا ما بَلَوْهُ طاهِرٍاً وَابْنَ طاهِرٍ
وَإِنْ دَنِسَتْ أَحْسابُ قَوْمٍ وَجَدْتَّهُ
قال أبو زيد : البيتان الأخيران ليس ممّا سمعتُ من بدر، وقد قيل :
[٤٥٩] (١) عيسى بن يزيد بن بكر بن دأب الليثي المدني . روى عن هشام بن عروة ، وابن أبي
ذئب، وصالح بن كيسان. وروي عنه شبابة، ومحمد بن سلام الجمحي، وحوثرة بن
أشرس ، وغيرهم . وكان أخبارياً علامة نسابة ، لكن حديثه واوٍ . قال خلف الأحمر :
كان يضع الحديث . وقال البخاري وغيره : منكر الحديث . وقال أبو حاتم : منكر
الحديث . قيل : توفى عيسى بن دأب قبل مالك بن أنس . ( ميزان الاعتدال
٣ / ٣٢٧ - ٣٢٨) .
٢٨٩
=

صاحب هذا الشعر عبد الرحمن بن الحكم))(٢) ..
[ ٤٦٠ ] - حدثني أبو زيد النُميري، حدثني شهاب بن عباد(١) ، قال:
(( مدح ابن قيس الرُقيات بشر بن مروان ، فقال :
خَلَقَ الإِلهُ يَدَيْكَ لِلْبُخْلِ (٢)
يا بِشْرُ، يَابْنَ الْجَعْفَرِيَّةِ ما
ما هُنَّ مِنْ جَرْمٍ وَلا عُكْلٍ
جاءَت بِهِ عُجُزٌ مُقابَلَةٌ
فقال له بشر : آحْتَكِمْ . قال: عشرين ألفاً. قال: قَّحك الله ! لك
عشرون وعشرون حتى بلغ مائة ألف ))
[ ٤٦١ ] - حدثني أبو زيد ، حدثني عبدالله بن محمد بن حكيم ، عن
خالد بن سعيد بن عمرو بن سعيد(١) ، عن أبيه(٢) ، قال:
((قَحِطَ الناسُ في زمن بشربن مروان فخرجوا فاسْتَسْقَوْا وبشر معهم
فرجعوا وقد مُطِروا ، ووافَقَ ذلك سَيْلاً من الليل فَغَرِقَتْ ناحيةُ بارق وبني
سُلَيْم ، فخرج بشرٌ من الغد ينظر إلى آثار المطر حتى انتهى إلى بارق ، فإذا الماء
في دار سراقة بن مرداس البارقي ، وسراقة قائم في الماء ، فقال : أصلح الله
الأمير، إنّك دعوتَ أمسٍ ولم ترْفَعْ يَدَيْكَ، فجاء ما ترى ، ولو كنتَ رفعتَ
يديك لجاء الطوفان . فضحك بشر ، فأنشأ سراقة يقول :
لِدَعْوَتِهِ فَأَسْقانا السَّحابا
دَعا الرَّحْمنَ بِشْرٌ فاسْتَجابا
= (٢) في برلين: ((عبد الله بن الحكم)).
[٤٦٠] (١) شهاب بن عباد، قال الدارقطني: صدوق زائغ. قال الذهبي : روى عن داود العطار
وغيره. وعنه أحمد، وأبو حاتم ووثقه. وله عن شريك، وحماد بن زيد. وهوكوفي.
( ميزان الاعتدال ٢ / ٢٨٢ ) .
(٢) في برلين: ((لديك للبخل)).
[٤٦١] (١) خالد بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص . أخو إسحاق بن سعد . صدوق
( تقريب التهذيب ١ / ٢١٤ ) .
(٢) سعيد بن عمرو بن سعيد بن أبي العاص الأموي المدني ، ثم الدمشقي ، ثم الكوفي .
ثقة . ( تقريب التهذيب ١ / ٣٠٢ ) .
٢٩٠

يُعاشُ بِهِ وَيُحْبِي ما أصابا(٣)
وَكَانَ دُعاءُ بِشْرٍ صَوْبَ غْثٍ
وَنَسْتَجْلِي بِغُرَّتِهِ(٤) الضَّبابا
أَغَرُّ بِوَجْهِهِ نُسْقَى وَنُحْيَى
[٤٦٢] - حدثنا عمر بن أبي مُعاذ، حدثني أبو الحسن الأرْطَباني: شيخ
من مُزَيْنة ، قال : حدثني أبو البيداء ، عن من رأى الفرزدق يسير في جنازة بشر
ابن مروان يقود فرساً كان بِشْرٌ حمله [عليه](١) حتى إذا فُرِغَ من دفنه عقر
الفرس ، وأنشأ يقول :
سِباقَ الجيادِ قد أُمِرَّ عَلَى شزْرٍ
أقولُ ◌ِلَحْبولِ السَّرَاةِ مُعاوِدٍ
لِيَوْمِ رِهانٍ أوْ غَدَوْتَ مَعي تَجْرِي
أَلَسْتُ شَحيحاً إِنْ رَكِبْتُكِ بَعْدَهُ
صَحِيحَ الشِّوَى حَتَّى تَكوسَ(٢) على القَّبْرِ
حَلَفْتُ بِأنْ لا تُرْكَبَ الدَّهْرَ بَعْدَهُ
[٤٦٣ ] - حدثني محمد بن صالح القرشي ، حدثني محمد بن الخطاب
الأزدي ، نَا أبو مسكين : محرَّر بن جعفر بن زياد مولى أبي هريرة :
(( أنه رأى الفرزدق وقد عرض لطلحة النَّدَى بن عبدالله بن عوف أخي
عبد الرحمن بن عوف ، وكان جواداً ، وهو خارج من المسجد ، فقال :
ولمّا رَأتْ أنّ الفُراتَيْ نَضَّبَا
فأصْبَحَ مُكْدَراً عُبابهما ضَحْلا(١)
رَبِيعَ فُراتٍ لا بَكيّاً وَلا وَحْلا
رَجَتْ فِي لِقائيكَ النّوارُ وأَهْلُها
إذا ما يَدْ كانَتْ عَلَى مَالِهِا قُفْلا
يداك تُفيضانِ السَّمَاحَةَ والنَّدَى
فأخذ طلحة يد الفرزدق حتى أدْخَلَه داره فقال: خُذْ بِيَد هذه الأمَة ، خذ
بيد هذا العبد زوجها ، خذ بيد هذه الوصيفة ابنتها ، [ ثلاثة أرْؤُس ](٢) بِثلاثة
أبيات)) .
= (٣) في الأصل: ((ويحمى ما أصابا)).
(٤) في الأصل: ((وسجی بغرته)).
[٤٦٢] (١) ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل .
(٢) على هامش برلين: ((يعني تضطرب)).
[٤٦٣] (١) على هامش برلين: ((ضحلاً: يقول القليل)).
(٢) ما بين المعقوفتين : ساقط من الأصل .
٢٩١

[ ٤٦٤ ] - حدثني محمد بن عباد بن موسى ، حدثني موسى ابن أخي ، عن
عليّ بن المنذر(١)، عن الزبير بن موسى المخزوميّ(٢)، قال: ((كان الوليد بن
عبد الملك رَجُلاً حَسوداً لقومِه فدخلوا عليه فكان أوَّلَ من بدر إليه عُوَيْفُ
القوافي فقال : كما أنت ! وما بَقّيْتَ لنا بعد ما قلتَ لأخي بني زُهْرة ؟ ألم تَقُمْ
علينا الساعةُ يومَ قامتْ عليه ؟ ألستَ الذي يقول :
فَلا مَطَرَتْ على الأرضِ السَماءُ
إذا ما جاءَ يَوْمُكَ ، يا بْنَ عَوْفٍ
ولا حَلَتْ على الظُّهْرِ النِسَاءُ
ولا سارَ الَبَرِيدُ بِغْمِ جَيْشٍ (٢)
ذريعَ المَوْتِ ليس لَهُ شِفاءُ
تَساقَى الناسُ بَعْدَك ، يابْنِ عَوْفٍ
ثم قال : آصْرِفْه . فانصرف . فلقيه القرشيون والشاميون ، فقالوا :
رجلٌ من أهل الحجاز يلي صَدَقاتِها ، ما الذي اسْتَخْرَجَ به منك هذا؟ قال :
والله ، لقد أعطاني غيرهُ أكثرَ مَّا أعطاني ، ولكنْ والله ما أعطاني أحدٌ قطّ عَطِيَّةٌ
أبقى عندي شُكْراً ولا أدْوَمَ في قلبي لَذّةً من عطيَّةٍ أعطانيها، وذلك أني قَدِمْتُ
المدينةَ أريد أن أبتاع قَعوداً من قِعْدان الصدَقَة ، ومعي بضاعةٌ لا تبلغ العشرة
الدنانير، فإذا رجل بصحن السوق جالس على ◌ِنْفَسَة بين يديه إبلٌ معطونة - أيْ
محبوسة في العَطَن - فظننتُه حين رأيته عاملَ السوق ، فسلّمتُ عليه فأثْبَتَنِي
وجَهِلْتُه، فقلتُ : رحمك الله ، هل أنت مُعيني ببصرِك على قَعود من هذه
القِعْدان تبتاعه لي ؟ قال : نعم ، أمَعَكَ ثمنُه ؟ قلتُ : نعم ، فأعطيتُه إيّاه .
وجلستُ طويلا ثم قُمْتُ إليه فقلتُ : رحمك الله ، انْظُرْ في حاجَتِي . قال : ما
منعني منك إلّ النِسْيَان، أمعك حَبْلٌ ؟ قلت: نعم . قال : هكذا أفْرِجوا .
فتوسّع الناسُ له . فقال : اقرن هذه وهذه ، فما نزع حتى أمر لي بثلاثين فريضةٌ
[٤٦٤] (١) علي بن المنذر الطريقي . روى عن ابن فضيل، وابن عيينة، والوليد بن مسلم .
وروى عنه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن صاعد، وعبد الرحمن بن أبي حاتم.
قال ابن أبي حاتم : صدوق ثقة . وقال النسائي : شيعي محض ، ثقة . قال الذهبي :
مات سنة ست وخمسين ومائتين . ( ميزان الاعتدال ٣ / ١٥٧ ).
(٢) في برلين: ((بعير جيش)).
٢٩٢

أدنى فريضةٍ منها خيرٌ من بضاعتي . فقلتُ : أيْ رحمك الله ، أَتَدْري ما تقول ؟
فما بقي أحدٌ إلّ وَهَزّني وشتمني . ثم رفع طنفسته وقال: شَأْنَكَ ببضاعتك
فاسْتَعِنْ بها على من ترجع إليه. والله لا أنساه ما كنتُ حَيّاً أبداً .
وقال عويف القوافي يمدحه ، وهو طلحة بن عبدالله بن عوف :
إِنّ النَّدَى إِنْ ماتَ طَلْحَةُ ماتا
يا طَلْحَ أنت أخو النَّدَى وعَقيدُهُ
فَبِحَيْثُ بِتَّ مِنَ الْمَنازِلِ باتا
إنّ الفعالَ إِلَيْكَ أَطْلَقَ رَحْلَهُ
[ ٤٦٥ ] - حدثني محمد بن صالح القرشي ، حدثني أبو اليقظان ، عن
جُوَيرِية ، قال :
((جاءَ نُصَيب الشاعر أبو محجن إلى عبدالله بن جعفر، فحمَلَه وأعطاه
وكساه ، فقال قائلٌ له : يا أبا جعفر، أعطيتَ هذا الحبشيّ هذه العطايا ؟ قال :
وما ذاك؟ إنما هي رَواحِل تُنْضِىَ، وثيابٌ تَبْلَى، وثَناءِ يَبْقَى)).
[ ٤٦٦] - حدثني محمد بن عبّاد بن موسى ، حدثني هشام بن محمد ، عن
خالد بن سعيد ، عن أبيه ، قال :
(( لقيني إياس بن الحُطَيئة ، فقال: يا أبا عثمان: مات والله الحطيئة وفي
كِسْر البيت ثلاثون ألفاً أعطاها أبوك سعيد بن العاص أبي ، فذهبتْ وبقي ما
قُلْنا فيكم وذهب ما أعطيتمونا)).
[٤٦٧] - حدثني محمد بن صالح ، عن سُحيم بن حفص ، قال :
((عَلِقَ موسى شَهَوات جاريةً بالمدينة ، فطلب إليهم أن يبيعوها إيّاه ،
فباعوها إيّاه بأربعة آلاف وأجّلوه فيها أجَلاً، فخرج إلى الشام وكان صديقه
سعيدُ بن خالد بن عمرو بن عثمان بن عفّان ، فأتاه فحدّثه بِقِصّة الجارية ،
فقال : إنّما خرجتُ إلى الشأم ثِقَةً بالله ثم بك . فقال: يرزقُنا اللّهُ وإِيَّاك.
« فانطلق وقد انقطع ظَهْرُه ، فأتی سعید بن خالد بن عبدالله بن خالد بن
٢٩٣

أسيد فأخبره فقال : ثَمَنُها عليَّ وما يُصْلِحك من النفقة والمؤونة في السفر عليَّ.
فقال موسى :
بَنِيَّ وَمالي طارِفِي وَتَليدي
فِدىٍّ لِلْكَرِيمِ العَبْشَميِّ آبْنِ خالِدٍ
أخا العُرْفِ لا أَعْنِي أَبْنَ بِنْتِ سَعيدٍ
أبا خالِدٍ أعْنِي سَعيدَ بْنَ خالِدٍ
أَبو أبَوَيْهِ خالِدُ بْنُ أَسيدٍ
وَلَكِنَّنِي أَعْنِي ابْنَ عائِشَةَ الّذي
فَإِنْ ماتَ [ لم يَرْضَ ](١) النَّدَى بِعَقِيدٍ
عَقيدَ النَّدَى ما عاشَ يَرْضَ بِهِ النَّدَى
وما هُوَ عَنْ أحْسابِكُمْ بِرَقُود
دَعوهُ دَعُوهُ ! إنّكُم قَدْ رَقَدْتُمُ
وَمَا بأبُهُ لِلْمُجْتَدِي بِسَدِيدٍ
يُعْطِي وَلَا يُعْطَى وَيُغْشَ وَيُجْتَدَى
فاستعْدَى عليه عند سليمان بن عبد الملك فقال : عبدٌ من أهل المدينة
هَجاني . فبعث إلى موسى فسأله فحدّثه بقول العثماني - وقوله: يرزقنا الله
وإيّاك - فقال سليمان: لا رَزَقَكَ الله ولا إيّاه)).
[ ٤٦٨] - حدثني محمد بن صالح ، عن أبي عبيدة ، حدثني الحارث بن
سُليم ، قال :
(( حججتُ فمررتُ بالمدينة فوافقتُ بها سليمان بن عبد الملك فجاءَ
سعيدُ بن خالد بن عمرو بن عثمان حتى جلس بين يديه ، فقال : يا أمير
المؤمنين ، أَعْدِني على موسى شهوات هجاني . فقام سعيد بن خالد بن عبد الله
حتى جلس معه عَجْلِسَ الْخَصْمِ، فقال: إنّه لم يَهْجُهَ ولكنّه مدحني . فقال
سليمان: أنْشِدوني ما قال. فأنْشَدوه. فقال: ما أَسْمَعُه هَجاك. ثم قال
لسعيد بن خالد بن عبد الله : ارْفَعْ حوائجك . فرفع إليه [ رفعة فيها ] فيها
ألفُ ألف . فأمر له بها . فاستكثرَها القهرمانُ فجاءَ يُوامر سليمان فقال : أردتَّ
أن تُبخِّلني؟ أَوَ أُسْتكثِرُها لِفتىًّ من قريش؟)).
[٤٦٩] - وأخبرني أبو زيد النُميري، حدثني أبو غسان: [ محمد بن
[٤٦٧] (١) ما بين المعقوفتين : ساقط من برلين.
٢٩٤

يحيى الكناني ](١)، نَا عبد العزيز بن أبي ثابت ، عن الحكم بن القاسم
الأوَيسي : من بني عامر بن لؤيّ ، أخبرني أبي ، قال :
((قَدِمَ على سليمان بن عبد الملِك رَجُلٌ من بني سَهْم ، وكان له صديقاً
فَخَيَّاهُ ، ثم قدم عليه فحيّاه ، ثم قدم عليه الثالثة فحيّاه، ثم قدم [ عليه ](٢)
الرابعة فتأذّى به سليمان ، وقال :
فوق أصْلابٍ بازلٍ خَنْشَلِيلْ
وشفاء مِنَ الْمَعِيشَةِ كُورٌ
كُلَّ يَوْمٍ عَلى شِراكٍ سَبِيلْ
فاتِحاً فاكَ لِلْمَعِيشَةِ تَلْقَى
قال السهمي : أما والله ، يا أمير المؤمنين ، إن أوْلَى الناسِ بِسَدِّ ذلك
الفم وحَلِّ ذلك الرحلِ وكَشْف ذلك الغَمّ لأنْتَ . قال سليمان : والله لأصِلَنَّ
رَحِمَكَ، ولأُودَنَّ لك إلى ما كنتُ عليه . قال عبد العزيز : وأخبرني الحكم أن
أباه أخبره أنّ سليمان قال : البَيْتَينِ )).
[ ٤٧٠ ] حدثني محمد بن عبّاد بن موسى العُكْلي ، نَا محمد بن عبدالله
الخزاعي ، حدثني رجل من بني سُليم ، قال :
((كان عمرو بن مسعود ، رجلٌ من بني سُليم ثم أحدُ بني ذكوان ، نَزَلَ
الطائف وكان صديقاً لأبي سُفْيان وأخاً ، وكان له مالٌ وولدٌ ، فذهب مالُه ودرج
ولده ، وأتَ لِلْشّيْخِ عُمْرٌ حتى إذا اسْتُخْلِفَ معاويةُ أتاه بالخُلَّة التي كانت بينه
وبين أبي سفيان . فقام ببابه سنةً وبعض أخرى لا يَصِلُ إليه . ثم إنّ معاوية
ظهر يوماً للناس ، فَكَتَبَ إليه في رُقْعة :
لو كانَ صَخْرٌ بِعُرْضِ الأرْضِ ماضَجِرا
يا أيُّها الْمَلِكُ الْمُبْدِي بِنا ضَجْرَا
طالَ الطَّالُ بِهِ دَهْراً وقد ضَجِرا
ما بالُ شَيْخِكَ تَخْنُوقاً بِجِرَّتِهِ
يُدْنِيهِ مِنْكَ وهذا المَوْتُ قد حَضَرَا
وَمَرَّ حَوْلٌ وَنِصْفٌ ما يَرَى طَمَعاً
[٤٦٩] (١) ما بين المعقوفتين : ساقط من برلين .
(٢) ما بين المعقوفتين : ساقط من الأصل.
٢٩٥

لمْ يَتْرُكِ الدَّهْرُ مِنْ أوْلادِهِ ذَكَرا
قَدْ جاءَ تَرْعَشُ كَفّاهُ بِمِحْجَنِهِ
وقد حَتَ ظَهْرَهُ دَهْرٌ وقد كَبِا.
قَدْ قَسَرَتْهُ أُمورٌ فاقسَأنّ لَهَا
قد كُنْتُ بِابْنِ أبي سُفْيانَ مُعْتَصِراً
نادَى وَكَلْكَلُ هذا الذَّهرِ يَعْرُكُهُ
حَقّاً عَلَيْهِ وقد ضَيَّعْتَنَا عُصُرا
فَاذْكُرْ أباكَ أبا سُفْيَانَ إِنّ لَنا
فلّا قرأ كتابه دعا به ، فقال : كيف أنت وكيف عِيالُك وحالُك ؟ فقال :
ما يسأل أميرُ المؤمنين عمّن ذبلتْ بَشَرَتُهُ ، وقُطِعَتْ ثمرتُه فابيضَّ الشَعرِ وانحَنَى
الظَّهْرُ ، فقد كَثْرَ منّ ما كنتُ أُحِبُّ أنْ يَقِلَّ، وصعُب منّ ما كنتُ أُحبّ أن
يَذِنَّ، فَأُحِمْتُ النساءَ وكُنَّ الشِفاء، وكرهتُ المَطْعَمَ وكان المنْعَم، وقصر خَطْوي
وكُثُر سَهْوي ، فسُحِلَتْ مَرِيرَتي بالنقض وَثَقُلْتُ على وَجْهِ الأرضِ ، وقَرُبَ بعضي
من بعض، فَنَحُفَ وضَعُفَ، وذَلَّ وَكَلَّ، فَقَلَّ انْحِياشُه، وكُثْرَ ارْتِعاشُه ، وقُلِيَ
معاشُه ، فنومُه سُبات ، وفَهْمُه تارات ، وليلُهُ هُفات، كمثل قول عَمِّك :
تَزْقُو لَدَى جَدَئي أوْ لا فَبَعْدَ غَدٍ
أصْبَحْتُ شيخاً كبيراً هامةً لِغَدٍ
كَفّايَ من سَبَدِ الأمْوالِ واللَّبَدِ
أَرْدَى الزّمانُ حَلوباتي وَمَا جَمَعَتْ
مِثْلَ الخَلِيَّةِ سُبْروتاً بِلَا عَدَدِ
يا دَهْرُ، قَدْنِيَ مِمًا تَبْتِغِيهِ، قَدِي
قَاسَيْتُ فِي أُحُدٍ ، دَكَّتْ ذُرِى أُحُدٍ
مِنْ دُونِهِ كَبِدُ الْمُسْتَعْصِمِ الوَحَدِ
تَقَلُّبَ الدَّهْرِ مِنْ جْعٍ إلى بَدَدِ
مِنْهُ الْحُشاشَةُ بين الصَدْرِ والكُبِدِ
يُؤامِرُ النَّفْسَ فِي ظَعْنٍ وَفِي قَعَد
أوِ المُقامُ بِدَارِ الْهُونِ والْفَنَدِ
ولو تَجَرْثَمَ في ناموسِهِ الأسَد
وَدَمْعُهُ غَسِقٌ مِنْ شِدَّةِ الكَمَدِ
كَأفْرُخٍ رُغُبِ حَلُّوا عَلَى صَمَدٍ
حَتَّى إذا صِرْتُ مِنْ مالي ومن وَلَدي
أرْسِي يَكُدُّ صِفَاتي حَدُّ مِعْوَلِهِ
والله لَوْ كانَ ، يا خَيْرَ الخَلائِفِ ، ما
أوْ كانَ بِالْفَرَدِ الْحَوْلِيِّ لانْصَدَعَتْ
لمّا رأى، يا أمير المُؤْمِنِينَ، بِهِ
وَأَبْصَرَ الشّيْخُ فِي حَيْزُومِهِ نَقَعَتْ
رامَ الرَّحِيلَ وَفِي كَفّيْهِ مِْجَنُهُ
إمّا جَوارٍ إذا ما غابَ ضيّعَّهَا
فَأَسْمَحَتْ نَفْسُهُ بِالسَيْرِ مُعْتَزِمَاً
فَقَلْبُهُ فَرِقٌ وَمَأُقُهُ شَرِقٌ
لِنِسْوَةٍ عُرُبٍ أوْلادُها سَغَبُ
٢٩٦

رامَ الرَّحِيلَ فَدَارُوا حَوْلَ شَيْخِهِمُ
يَبْغِي أُصَيْبِيَّةً فِقْدَانُ والِدِهِمْ
قالوا ، أبانا ، إذا ما غِبْتَ كيف لنا
قد كُنْتَ تُرْضِعُنا إِنْ دَرَّةٌ بَكُوَّتْ
فَغَرْغَرَ الشيخُ ، فِي عَيْنَيْهْ عَبْرَتُهُ
وَقَالَ يُودِعُ صِبْياناً وَنِسْوَتَهُ
فَإِنْ أَعِشْ فَإِیَابٌ مِنْ حَلُوَتِكُمْ
يَسْتَرْجِعُونَ لَهُ إِنْ خاضَ فِي البَلَدِ
وَوَاِهِاً وَضَعَتْ كَفّاً على كَبِدِ
بمثْل والِدِنا في القُرْبِ والبَعَدِ
عَنَّا وَتَكلَّؤُّنَا بِالرُّوحِ والجَسَدِ
أنفاسُهُ مِنْ شَجِيِّ الوَجْدِ فِي صَعَدِ
أُوصِيكُمُ بِاتِّقاءِ الله، يا وَلَديِ
أوْ مِتُّ فاعْتَصِمُوا بِالْوَاحِدِ الصَّمَدِ
فبكى معاوية بكاءً شديداً وأمر له بمائة ألف وكُسيِّ وعُروضٍ وحمله ،
فَوافَى الطائف بعشرة أيام من دمشق .
(( قال أبو بكر : وأربعة أبيات من هذا الشعر أنشدنيها أبي رحمه الله)).
[ ٤٧١ ] - حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن قُريب الأصمعي ، قال :
حدثني عمّي ، نَا رجلٌ من بني زُهْرة ، قال :
(( دخل أعرابيٌّ على هِشام بن عبد الملك في غُمار الناس ، فشقّ على هشام
حين دخل من غير إِذْن . فقام الأعرابيُّ فقال : أصابتْنا ثلاثةُ أعوامٍ : فعامٌ أكل
الشَحْمَ ، وعامٌ أكل اللَحْمَ، وعامُ انْتَقَى العَظْمَ . وعندكم فُضولٌ من أموال ،
فإنْ كانت للّهِ فَأَقْسِمُوها بين عِباد الله ، وإن كانت لِعباد الله فَبِما تَحْبِسُها عنهم ،
وإن كانت لكم فتصدَّقوا، إنّ الله يَجْزِي أْمُتَصَدِّقِينَ . فقال له هشام : ما
حاجتك؟ قال : ليس لي حاجةٌ . فكتب هشام إلى عامله بالمدينة : أنْفِقْ على
مُقْحِمي المدينة . فرفع مائة ألف دينار)) .
[٤٧٢] - حدثنا أبو محمد الباهليّ ، نَا عميّ : عبد الملك بن قُريب،
قال : سمعتُ أصحابنا يتحدّثون ، قالوا : سمعنا عليّ بن أصمع ، يقول : قال
لي ابن عامر :
((إذا طلبتَ إليَّ حاجةٌ فاجْعَلْ بيني وبينك ستراً، فإنْ يكن مَنْعٌ لم يُلْغِكَ،
وإن يكن نُجْحٌ أتاك )).
٢٩٧

[ ٤٧٣ ] - وقال لي زياد :
(( لا تُشْرِكْ في معروفي غيري، فإنّ إن أعطيتُك هنّأْتُك، وإنْ منعتُك
أحسنتُ المنع وأرصدتُ لك حاجةً أخرى)) .
[٤٧٤ ] - وحدثنا أبو محمد الباهلي ، عن عمّه ، قال :
(( دخل الفرزدق على عمرو بن عُتْبة وهو في داره بالزاوية فجعل يَسْلُتُ
العَرَق عن وجهه وقال :
ما كانَتِ الْبَصْرَةُ الْخَمْقَاءُ لي وَطَنا
لوْلا أَبْنُ عُتْبَةَ عَمْروٌ والرجاءُ لَهُ
أو قلتُ : أُوْدِعَ لي مالاً رآهُ لَنا
أعْطَانِيَ أْمَالَ حَتَّى قلتُ : يُودِعُني ،
وَكُلَّا ازددتُّ شُكْراً زادنِي مِنَنَا
فَجُودُهُ مِّكْسِبٌ شُكْراً وَمِنَّتُهُ
ولا يُرِيدُ على مَعْروفِهِ ثَمَنَا
يَرْمِي بِهِمَّتِهِ أَقْصَىَ مَسافَتِها
[ ٤٧٥ ] - حدثني أبو القاسم [ هارون بن أبي الحسين ](١) السُلَّمي ، عن
محمد بن عبدالله القرشي ، قال :
((قيل لِنُصَيْب: هَرِمَ شِعْرُكَ . قال: لا والله، ولكن هرم الجودُ ، لقد
مدحتُ الحكم بن المطّلب بِقصيدة فأعطاني أربعَ مائة ناقة وأربع مائة شاة وأربع
مائة دينار . قال : وسأل أعرابيٌ الحكمَ بن المطّلب فأعطاه مالاً فبكي الأعرابيُّ ،
فقال الحكيم : ما يُبْكِيك؟ قال : والله إنّ أنْفَسُ على الأرض أن تَأْكُلَ مِثْلَك إذا
متَّ )).
[ ٤٧٦] - أخبرني أبو زيد النُميري ، حدثني أبو غسّان : محمد بن يحيى
الكناني ، حدثني الحارث بن إسحاق، قال: (( استعملَ بعضُ وُلاة المدينة
الحكم بن المطّلب بن حَنْطَب على بعض المساعي فلم يَرْفَعْ شيئاً ، فقال له
الوالي : أين الإبلُ والغَنَم ؟ قال : أكلْنا لُحُومَها بالخبز . قال : فأين الدنانير
[٤٧٥] (١) ما بين المعقوفتين : ساقط من الأصل.
٢٩٨

والدراهم ؟ قال : اعْتَقَدْنا بها الصنائع في رِقاب الرجال . فحبسه فأتاه وهو في
السِجْن بعضُ ولد نهيك بن يساف الأنصاري ، فمدحه فقال(١):
عَلى الجودِ إذ سُدَّتْ عَلَيْنَا مَرافِقُهْ
خَليلَيَّ ، إنَّ الجودَ في السِّجْنِ فَابْكِيا
وكُلَّ ضُحِىِّ يَسْتَنُّ فِي السِّجْنِ بارِقُهْ
تَرَى عارضَ المَعْروفِ كُلِّ عَشِيَّةٍ
لزُوَّارِهِ حَتَّى تَحومُ غرانِقُهْ
إذا صاحَ كَبْلاهُ طمًا فَيْضُْ بَحْرِهِ
فأمر له بثلاثة آلاف درهم وهو محبوس)).
[٤٧٧] - قال [ أبو بكر: قال](١) مُصْعَب بن عبدالله الزُّبيري،
حدثني مصعب بن عثمان ، عن نوفل بن عمارة :
((أنّ رجلاً من قريش من بني أمَيَّة بن عبد شمس له قَدْرٌ وَخَطَرٌ لَحِقَهُ
دَيْنٌ ، وكان له مالٌ من نَخْل وزَرْع ، فخاف أن يُباعَ عليه فشخص من المدينة
يُرِيد الكوفة وَيَعْمِدُ خالد بن عبد الله القسري ، وكان يَلي لهشام بن عبد الملك
العراق ، وكان يبرُّ من قَدِمَ عليه من قُريش . فخرج الرجل يريده وأعَدَّ له هدايا
من طُرَفِ المدينة حتى قدمٍ فَيْدَ فأصبح بها ونظر إلى فُسْطاط عنده جماعةٌ ، فسأل
عنه ، فقيل : الحكم بن المطلب . فلبِسَ نَعْلَيْهِ ثم خرج حتى دخل عليه فلما رآه
قام إليه فتلقّاه فسلّم عليه ثم أجلسه في صدر فِراشه ثم سأله عن خْرَجه فأخبره
بِدَيْنِه وما أراه من إتيانِ خالدٍ بن عبدالله، فقال له الحكم : انْطَلِقْ [ بنا إلى
منزلك](٢) فلو علمتُ بمَقْدَمك لَسبقتُك إلى إتيانك ، فمضى معه حتى أتى منزله
فرأى الهدايا التي أعَدَّ لخالد ، فتحدّث معه ساعةً ثم قال له : إنّ منزلنا أحْضَرُ
عُدَّةً وأنت مُسافر ونحن مُقيمون فأقسمتُ عليك إلّ قمتَ معي إلى المنزل
وجعلتَ لنا من هذه الهدايا نصيباً . فقام الرجل معه فقال : خُذْ منها ما
أحببتَ .
فأمر بها فحُمِلَتْ كلَّها إلى منزله ، وجعل يستحيي أنْ يمنعه منها شيئاً حتى
[٤٧٦] (١) في برلين: ((يمدحه فقال)).
[٤٧٧] (١) ما بين المعقوفتين : ساقط من الأصل.
(٢) ما بين المعقوفتين : مطموس في الأصل .
٢٩٩

صار معه إلى المنزل فَدَعا بالغداء وأمر بالهدايا ففُتِحت وأكل منها وأكل منها من
حضره ثم أمر ببقيتها تُرْفَعُ إلى خزانته . فقام وقام الناس ثم أقبل على الرجل ،
فقال : أنا أوْلى بك من خالد وأقربُ منك رَحِماً ومنزلاً وها هنا مالٌ للغارِمين
أنت أولى الناس به ليس لأحدٍ عليك فيه مِنَّةٌ إلّا لِلّه تقضي به دَيْنَك . ثم دعا له
بِكِيس فيه ثلاثةُ آلاف دينار فدفعه إليه ، وقال: لقد قرَّب الله عليك الخُطْوةَ
فانصرفْ إلى أهلك مُصاحَباً محفوظاً . فقام الرجل من عنده يدعو له ويتشكّر ،
فلم يكن له هِمّةٌ إلّ الرجوع إلى أهله وانطلق الحكمُ يُشيّعه فسار معه شيئاً ، ثم
قال له : لَكَأنّ بِزَوْجَتِك قد قالت لك : أين طرائفُ العراق بَزُّها وخَزُّها
وعُراضاتُها ؟ أما كان لنا معك نَصيب ؟ ثم أخرج صُرَّةً قد حملها معه فيها خمس
مائة دينار فقال : أقسمتُ عليك إلّ جعلتَ هذه لها عوضاً من هدايا العراق .
وودّعه وانصرف . قال مصعب بن عثمان : جهدتُ بنوفل بن عمارة أن يُخْبِرني
بالرجل فأبى » .
[٤٧٨ ] - قال زُبير بن أبي بكر ، فيما أجاز لنا : حدثني عبد الرحمن بن
عبدالله بن عبد العزيز الزهري ، عن عَمَّيْهِ موسى ، وإسماعيل ، ابنيْ
عبد العزيز قالا :
((كان القرشي إذا انقطع شِسْعُهُ خَلَعَ النعل الأخرى ، فانقطع شسعُ
الحكم بن المطلب ، فخلع النعل الأخرى ومضى ، فأخذ نعليه إنسانٌّ نُوبِيٌّ
فَسَوَّى الشسعَ وجاءَه بالنعلين في منزله فقال له : سوَّيْتَ الشسع ؟ قال : نعم .
فدعا جاريته بثلاثين دينار فدفعها إلى النوبيّ ، وقال : ارْجَعْ بالْنَعْلَين فهما
لك)) .
[ ٤٧٩] - وفيما أجاز لنا زبير، قال: وأخبرني(١) نوفل بن ميمون،
قال : أنشدني أبو مالك محمد بن مالك [ بن علي ](٢) بن هرمة لِعَمِّه إبراهيم بن
[٤٧٩] (١) في الأصل: ((قال زبير فيما أجاز لنا، أخبرني)). والتصحيح من برلين.
(٢) ما بين المعقوفتين : ساقط من برلين .
٣٠٠