النص المفهرس

صفحات 601-620

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
علو الهمة في التوبة
٦٠١
يقول: أعط عكبر الكردي ما خلّفه ولدك. فأخرجت لنا ستين شقّة.
فائتزرنا ببعضها ودخلنا البادية إلى أن أتينا البيت))(١).
توبة سكران:
■ قال ابن باکویه: ((وحدثنا بكران بن أحمد قال: سمعت يوسف بن
الحسين يقول: كنت مع ذي النون المصري على شاطئ غدير فنظرت إلى
عقرب أعظم ما يكون على شط الغدير واقفةٍ، فإذا بضفدع قد خرجت من
الغدير، فركبتها العقرب فجعلت الضفدع تسبح حتى عبرت. فقال ذو
النون: إن لهذه العقرب لشأنًا، فامض بنا، فجعلنا نقفو أثرها؛ فإذا رجل
نائم سكران، وإذا حية قد جاءت فصعدت من ناحية سرته إلى صدره
وهي تطلب أَذْنَهُ، فاستحكمت العقرب من الحية فضربتها، فانقلبت
وانفسخت. ورجعت العقرب إلى الغدير، فجاءت الضفدع فركبتها
فعبرت، فحرك ذو النون الرجل النائم. ففتح عینیه؛ فقال: يا فتى! انظر مما
نَّجاك الله: هذه العقرب جاءت فقتلت هذه الحية التي أرادتك. ثم أنشأ ذو
النون يقول:
من كلَّ سُرءٍ يدبُّ في الظُّلم
يا غافلًا والجليلُ تَحِرُسُه
تأتِيه مِنه فَوَائِدُ النِّعم
كيف تَنَامُ العُيُونُ عن ملك
فنهض الشاب وقال: إلهي! هذا فعلك بمن عصاك، فكيف رفقك
بمن يطيعك؟ ثم ولَى، فقلتُ: إلى أين؟ قال: إلى البادية، والله لا عُدتُ إلى
المُدُن أبدًا)) (٢).
(١) ((التوابين)) (ص ١٤١).
(٢) المصدر السابق (ص١٤٣).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٦٠٢
صلاح الأمة في علو الهمة
توبة الأمير حميد بن جابر:
■ قال إبراهيم بن بشّار: «كنت يومًا مارًا مع إبراهيم -يعني بن
أدهم- في صحراء، فأتينا على قبر مسنّم، فترحم عليه وبكى. فقلت: قبرُ
من هذا؟ فقال: هذا قبر حميد بن جابر أمير هذه المدن كلها. كان غرقًا في
بحار الدنيا، فأخرجه الله تعالى منها واستنقذه(١). ولقد بلغني أنه سُرّ يومًا
بشيء من ملاهي ملكه ودنياه وغروره وفتنته. ثم نام في مجلسه ذلك مع
من يخصّه من أهله، فرأى في منامه رجلًا واقفًا على رأسه، بيده كتاب.
فناوله، ففتحه، فإذا فيه كتاب بالذهب مكتوب: لا تؤثرن فانيًا على باقٍ
ولا تغترْنّ بملكك وقدرتك وسلطانك وخدمك وعبيدك ولذاتك
وشهواتك، فإن الذي أنت فيه جسيم لولا أنه عديم، وهو مُلك لولا أن
بعدههُلك، وهو فرح وسرور لولا أنه هو غرور، وهم یوم لو کان یُوثق له
بغد، فسارع إلى أمر الله تعالى، فإن الله تعالى قال: ﴿﴿ وَسَارِعُوا إِلَى
مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ
١٣٣
[آل عمران].
قال: فانتبه فَزِعًا، وقال: هذا تنبيه من الله وَّ وموعظة فخرج من
ملكه لا يُعلم به، وقصد هذا الجبل، فتعبد فيه، فلما بلغني قصته وحُدِّثت
بأمره، قصدته، فسألته، فحدثني ببدء أمره، وحدثته ببدء أمري، فما زلت
أقصده حتى مات، ودُفن هاهنا، فهذا قبره رَمّثهُ))(٢).
(١) أي: أنقذه.
(٢) ((التوابين)) (ص ١٠٠ - ١٠١).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٦٠٣
علو الهمة في التوبة
توبة عبد الله بن مرزوق زَعَمّتْهُ:
كان عبد الله بن مرزوق تحمّهُ مع المهدي في دنيا واسعة. فشرب
ذات يوم على لهوٍ وسماع، فلم يصلَّ الظهر والعصر والمغرب، وفي كل
ذلك تنبِّهه جارية حظية عنده، فلما جاز وقت العشاء جاءت الجارية
بجمرة فوضعتها على رجله، فانزعج وقال: ما هذا؟ قالت: جمرة من نار
الدنيا، فكيف تصنع بنار الآخرة؟ فبكى بكاءً شديدًا، ثم قام إلى الصلاة.
ووقع في نفسه مما قالت الجارية، فلم يرَ شيئًا ينجيه إلّا مفارقة ما هو
فيه من ماله. فأعتق جواريه وتحلل م معامليه وتصدّق بما بقي، حتى صار
يبيع البقل، وتبعته على ذلك الجارية. فدخل عليه سفيان بن عيينة وفضيل
ابن عياض فوجدا تحت رأسه لَبِنَةً وليس تحته شيء. فقال له سفيان: إنه لم
يَدَعْ أحد لله شيئًا إلَّا عوضه الله منه بدلًا، فما عوّضك مما تركت له؟ قال:
الرضى بما أنا فيه))(١).
توبة جعفر بن حرب رَحمّلهُ :
وذكر أبو القاسم التنوخي عن أبيه أن جعفر بن حرب كان يتقلد كبار
الأعمال للسلطان. وكانت نعمته تقارب نعمة الوزارة في غاية الوفور،
أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ
ومنزلته بحالها في الجلالة. فسمع رجلًا يقرأ:
تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦]. فصاح: اللهم بلى! فكررها دفعات
وبکی.
ثم نزل عن دابته ونزع ثيابه، ودخل إلى دِجْلة واستتر بالماء، ولم يخرج
منه حتى فرّق جميع ماله في المظالم التي كانت عليه وردّها وتصدّق بالباقي.
(١) المصدر السابق (ص ١٠٧).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٦٠٤
صلاح الأمة في علو الهمة
فاجتاز رجل فرآه في الماء قائمًا - وسمع بخبره- فوهب له قميصًا ومئزرًا
فاستتر بهما وخرج، وانقطع إلى العلم والعبادة حتى مات))(١).
توبة جارية من بنات الكبار على يد أبي شعيب البراثي وزواجها منه:
■ قال الجنيد: ((كان أبو شعيب البراثي أول من سكن براثي في كوخ
يتعبد فيه. فمرّت بكوخه جارية من بنات الكبار كانت رُبيت في قصور
الملوك. فنظرت إلى أبي شعيب فاستحسنت حاله وما كان عليهن فصارت
كالأسير له، فعزمت على التجرد من الدنيا والاتصال بأبي شعيب فجاءت
إليه، وقالت: أريد أن أكون لك خادمة. فقال لها: إن أردت ذلك فغيري
من هيئتك وتجردي عما أنت فيه حتى تصلحي لما أردت. فتجردت عن
كل ما تملكه ولبست ثياب النساك وحضرته، فتزوجها. فلما دخلت
الكوخ رأت قطعة خصاف في مجلس أبي شعيب تقيه النَّدي. فقالت: ما أنا
بمقيمة فيها حتى تُخرج ما تحتك، لأني سمعتك تقول: إن الأرض تقول:
يا ابن آدم! تجعل اليوم بيني وبينك حجابًا وأنت غدًا في بطني؟ فما كانت
لأجعل بيني وبينها حجابًا، فأخذ أبو شعيب الخصافَ فرمى بها. فمكثت
معه سنين كثيرة تتعبد أحسن عبادة، وتوفيا على ذلك متعاونين))(٢).
توبة الخليفة العباسي الواثق بالله وابنه المهتدي بالله :
قال صالح بن علي بن يعقوب الهاشمي: ((حضرتُ المهتدي بالله
0
أمير المؤمنين وجلس للنظر في أمور المظلومين في دار العامة. فنظرت إلى
قصص الناس تُقرأ عليه من أولها إلى آخرها؛ فيأمر بالتوقيع عليها، وينشأ
(١) المصدر السابق (ص١٠٦).
(٢) ((التوابين)) (ص١٢٤).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٦٠٥
علو الهمة في التوبة
الكتابُ عليها وتحرَّر، وتُختم وتُرفع إلى صاحبها بين يديه. فسرّني ذلك؛
واستحسنت ما رأيتُ. فجعلتُ أنظر إليه؛ ففطن ونظر إليّ، فغضضت
عنه، حتى كان ذلك مني ومنه مرارًا ثلاثًا: إذا نظر غضضت، وإذا شُغل
نظرت. فقال لي: يا يصالح! قلت: لبيك يا أمير المؤمنين! وقمت قائمًا.
فقال: في نفسك منا شيء تريد -أو قال - تحبّ أن تقوله؟ قلتك نعم يا
سيدي! فقال لي: عد إلى موضعك. فَعُدْتُ؛ حتى إذا قام، قال للحاجب:
لا يبرح صالح.
فانصرف الناس؛ ثم أذنَ لي دخلتُ فدعوتُ له، فقال لي: اجلس.
فجلستُ، فقال: يا صالح تقول لي ما دار في نفسك أو أقول أنا ما دار في
نفسي أنه دار في نفسك؟ قلت: يا أمير المؤمنين! ما تعزم عليه وتأمر به،
قال: أقول أنا: إنه دار في نفسي أنك استحسنت ما رأيت منا، فقلت: أي
خليفة خليفتنا إن لم يكن يقول: القرآن مخلوقٌ؟ فورد على قلبي أمر.
عظيم؛ ثم قلتُ: يا نفس! هل تموتين قبل أجلك؟ وهل تموتين إلَّا مرة؟
وهل يجوز الكذب في جد أو هزل؟ فقلت: يا أمير المؤمنين! ما دار في
نفسي إلّا ما قلت. ثم أطرق مليًا وقال: ويحك! اسمع مني ما أقول، فوالله
لتسمعنّ الحق، فسُرّي عنّ فقلت: يا سيدي! ومن أولى بقول الحق منك
وأنت خليفة رب العالمين وابن عم سيد المرسلين؟ فقال: ما زلت أقول:
إن القرآن مخلوق صدرًا من أيام الواثق، حتی أقدم أحمد بن أبي داود علینا
شيخًا من أهل الشام من أهل ((أذَنَةَ)) فأدخل الشيخ على الواثق مقيدًا، .
وهو جميل الوجه تام القامة حسن الشيبة. فرأيت الواثق قد استحيى منه
ورق له. فما زال يدنيه ويقربه حتى قرب منه. فسلم الشيخ فأحسن، ودعا
فأبلغ. فقال له الواثق: اجلس، فجلس، فقال له: يا شيخ! ناظر ابن أبي
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٦٠٦
صلاح الأمة في علو الهمة
داود على ما يناظرك عليه. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين! ابن أبي داود
يصبي ويضُعف عن المناظرة. فغضب الواثق وعاد مكان الرقة غضبًا
علیه.
قال الواثق: أبو عبد الله بن أبي داود يصبي ويضعف عن مناظرتك
أنت؟ فقال الشيخ: هوِّن عليك يا أمير المؤمنين ما بك، فائذن في مناظرته.
فقال الواثق: ما دعوتك إلّا للمناظرة. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين! إن
رأيت أن تحفظ علي وعليه ما نقول. قال: أفعل.
قال الشيخ: يا أحمد! أخبرني عن مقالتك هذه، هي مقالة واجبة داخلة
في عقد الدِّين فلا يكون الدِّين كاملًا حتى يقال فيه بما قلت؟ قال: نعم.
قال الشيخ: يا أحمد! أخبرني عن رسول الله وَ لو حين بعثه الله إلى عباده،
هل ستر شيئًا مما أمره الله به في أمر دينهم؟ قال: لا. فقال الشيخ: فدعا
رسول الله وَله الأمة إلى مقالتك هذه؟ فسكت ابن أبي داود. فقال الشيخ:
تكلم! فسكت. فالتفت إلى الواثق، فقال: يا أمير المؤمنين! واحدة. فقال
الواثق: واحدة.
فقال الشيخ: يا أحمد! أخبرني عن الله وَّ حين أنزل القرآن على رسول الله
وَله فقال: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَنْتَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ
ج
اَلْإِسْلَمَ دِينًا
﴾ [المائدة: ٣]. هل كان الله تعالى الصادق في إكمال دينه أو أنت
الصادق في نقصانه حتى يقال فيه بمقالتك هذه؟ فسكت ابن أبي داود.
فقال الشيخ: أجب يا أحمد! فلم يجب، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين!
اثنتان. فقال الواثق: اثنتان، فقال الشيخ: يا أحمد! أخبرني عن مقالتك
هذه، هل علمها رسول الله ◌َّوَ أم جهلها؟ فقال ابن أبي داود: علمها.
قال: فدعا الناس إليها؟ فسكت، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين! ثلاث.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٦٠٧
علو الهمة في التوبة
فقال الواثق: ثلاث. فقال الشيخ: يا أحمد! فاتَّسع لرسول الله وَال أن
علمها وأمسك عنها كما زعمت ولم يطالب أمته بها؟ قال: نعم. قال
الشيخ: واتَّسع لأبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان،
وعلي بن أبي طالب هنفه؟ قال ابن أبي داود: نعم. فأعرض الشيخ عنه
وأقبل على الواثق، فقال: يا أمير المؤمنين! قد قدمت القول: إن أحمد يصبي
ويضعف عن المناظرة؛ يا أمير المؤمنين! إن لم يتسع لنا من الإمساك عن
هذه المقالة بما زعم هذا أنه اتَّسع لرسول الله وَّةٍ ولأبي بكر وعمر وعثمان
وعلي، فلا وسع الله على من لم يسع له ما اتَّسع لهم.
فقال الواثق: نعم، إن لم يتّسع لنا من الإمساك عن هذه المقالة ما اتسع
لرسول الله وَ ر ولأبي بكر وعمر وعثمان وعلي خفض فلا وسع الله علينا؛
اقطعوا قيد الشيخ! فلما قُطع القيد ضرب الشيخ بيده إلى القيد حتى
يأخذه. فجاذبه الحداد عليه. فقال الواثق: دع الشيخ يأخذه! فأخذه
فوضعه في كمه. فقال له الواثق: يا شيخ! لم جاذبت الحدّاد عليه؟ قال:
لأني نويت أن أتقدم إلى من أوصى إليه إذا أنا مت أن يجعله بيني وبين
كفني حتى أخاصم به هذا الظالم عند الله يوم القيامة، وأقول: يا رب! سل
عبدك هذا لم قيَّدني وروَّع أهلي وولدي وإخواني بلا حق أوجب ذلك علي،
وبكى الشيخ وبكى الواثق وبكينا، ثم سأله الواثق أن يجعله في حل وَسَعةٍ
بما ناله، فقال الشيخ: والله يا أمير المؤمنين، لقد جعلتك في حلّ وسَعَةٍ من
أول يوم إكرامًا لرسول الله وَّة، إذ كنت رجلاً من أهله.
فقال الواثق: لي إليك حاجة. فقال الشيخ: إن كانت ممكنة فعلتُ.
فقال له الواثق: تُقيمُ قِبَلنا فننتفع بك وتنتفع بنا. فقال الشيخ: يا أمير
المؤمنين! إن ردَّك إياي إلى الموضع الذي أخرجني عنه هذا الظالم؛ أنفع لك
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٦٠٨
صلاح الأمة في علو الهمة
من مقامي عليك؛ وأخبرك بما في ذلك: أصير إلى أهلي، وولدي فأكف
دعاءهم عليك، فقد خلّفتهم على ذلك. فقال له الواثق: فتقبل منا صلةً
تستعين بها على دهرك؟ فقال: يا أمير المؤمنين! لا تَحلّ لي، أنا عنها غني
وذو مرة سوي فقال: سل حاجة. فقال: أو تقضيها يا أمير المؤمنين؟ قال:
نعم. قال: تأذن أن يُخُلى لي السبيل الساعة إلى الثغر. قال: قد أذنت لك
فسلمَّ وخرج. قال المهتدي بالله: فرجعتُ عن هذه المقالة، وأظن أن الواثق
رجع عنها منذ ذلك الوقت)) (١).
قوة العزيمة دافعٌ إلى التوبة:
■ عن أنس خلفعنه قال: «كنت ساقي القوم يوم حُرِّمت الخمر في بيت
أبي طلحة، وما شرابهم إلّ الفضيخ، البسرُ والتمر، فإذا مناد يُنَادي، فقال:
اخرج فانظر، فخرجتْ فإذا منادٍ يُنادي: ألا إنَّ الخمر قد حُرِّمت، قال:
فَجَرَتْ في سِكَكِ المَدِينَةِ، فقال لي أبو طلحة: اخرجْ فاهْرِقْها، فهرقتُها))(٢).
قالوا عن التوبة:
■ عن الشعبي قال: ((كان يقال: التائب من الذنب كمن لا ذنب له،
إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين؛ فإذا أحب الله عبدًا، لم يضره ذنب؛
وذنب لم يضر، كذنب لم يفعل))(٣).
■ عن مغيث بن سمي قال: ((كان رجل فيمن كان قبلكم يعمل
بالمعاصي؛ فاذَّكر يومًا، فقال: اللهم غفرانك؛ فغفر له))(٤).
(١) ((التوابين)) (ص ١٢٤ - ١٢٨).
(٢) أخرجه البخاري (٥٥٨٢)، ومسلم (١٩٨٠) واللفظ لمسلم ..
(٣) («الحلية)) (٣١٨/٤).
(٤) ((حلية الأولياء)) (٦٨/٦).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
علو الهمة في التوبة
٦٠٩
■ عن عون بن عبد الله بن عتبة قال: ((جالسوا التوابين، فإنهم أرق
الناس قلوبًا))(١).
■ عن أحمد بن عاصم قال: «هذه غنيمة باردة: أصلح فيما بقي، يغفر
لك ما مضى)»(٢).
■ عن عون بن عبد الله قال: ((جرائم التوابين: منصوبة بالندامة نصب
أعينهم، لا تقر للتائب في الدنيا عين كلما ذكر ما اجترح على نفسه))(٣).
■ عن أبي ذر قال: «هل ترى الناس ما أكثرهم؟ ما فيهم خير، إلّا تقي
أو تائب)) (٤).
■عن شفي الأصبحي قال: ((ترك الخطيئة أيسر من طلب التوبة)) (٥).
■ عن ميمون بن مهران قال: ((من أساء سرًا، فليتب سرًا؛ ومن أساء
علانية، فليتب علانية؛ فإن الله يغفر ولا يعير، والناس يعيرون ولا
يغفرون))(٦).
■ عن سلام قال: «دخلت علی مالك بن دينار ليلًا، وهو في بیت بغیر
سراج، وفي يده رغيف يكدمه؛ فقلنا له: يا أبا يحيى، ألا سراج؟ ألا شيء
تضع عليه خبزك؟ فقال: دعوني، فوالله إني لنادم على ما مضى))(٧).
(١) المصدر السابق (٢٤٩/٤).
(٢) المصدر السابق (٢١٨/٩).
(٣) («الحلية)) (٢٥١/٤).
(٤) المصدر السابق (١٦٤/١).
(٥) المصدر السابق (١٦٧/٥).
(٦) المصدر السابق (٤ / ٩٢).
(٧) («الحلية)) (١٨٩/٦).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٦١٠
صلاح الأمة في علو الهمة
عن أبي حازم قال: «نحن لا نريد أن نموت حتى نتوب؛ ونحن لا
J
نتوب حتى نموت؛ واعلم، أنك إذا مت، لم ترفع الأسواق بموتك؛ إن
شأنك صغير، فاعرف نفسك)(١) .
■ عن ميمون بن مهران قال: «لا خير في الدنيا إلَّا لجرین: رجل
تائب، ورجل يعمل في الدرجات)(٢) .
■ عن سعيد الجديري قال: «قلت للحسن: يا أبا سعيد، الرجل يذنب
ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب، حتى متى؟ قال: ما
أعلم هذا إلَّا أخلاق المؤمنين)(٣).
■ عن عكرمة قال: ((إن الشيطان ليزين للعبد الذنب حتى يكسبه،
فإذا كسبه تبرأ منه؛ ولا يزال العبد يبكي منه، ويتضرع إلى ربه، ويستکین؛
حتى يغفر له ذلك الذنب وما قبله، فيندم الشيطان على ذلك الذنب حين
أكسبه إياه، فغفر له الذنب وما قبله))(٤).
عن حكيم بن جعفر قال: ((سمعت أبا عبد الله البراثي يقول:
سمعت رجلاً من العباد يبكي، ويقول في بكائه: بكت قلوبنا إلى الذنوب
ارتياحًا إلى مواقعتها، ثم بكت عيوننا حزنًا على الذي أتينا منها؛ فليت
شعري، أيها المصيب برحمته من يشاء أحدُ البُكائَيْنِ مستولي علينا غدًا في
عرصة القيامة عندك؛ لئن كنت لم تقبل التوبة يا كريم، لقد حانت لنا إليك
الأوبة يا رحيم، ولئن أعرضت بوجهك، فبحق أعرضت عن المعرضين
(١) («حلية الأولياء)) (٢٣٢/٣).
(٢) ((الحلية)) (٤/ ٨٣).
(٣) («الحلية)) (٦/ ٢٠١).
(٤) ((الحلية)) (٣٤٤/٣ - ٣٤٥).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٦١١
علو الهمة في التوبة
عنك، ولئن تطولت بمنّك، ومننت بطولك علينا، فلقديمًا ما كان ذلك
منك على المذنبين. قال: وسمعته يقول: أو ثقتنا عقد الآثام، فنحن في الدنيا
حيارى، قد ضلت عقولنا عن الله وََّ)(١).
] قال عون بن عبد الله: «قلب التائب بمنزلة الزجاجة، يؤثر فيها
جميع ما أصابها، والموعظة إلى قلوبهم سريعة، الذنوب بالتوبة، فلرب تائب
دعته توبته إلى الجنة حتى أوفدته عليها؛ وجالسوا التوابين، فإن رحمة الله
إلى التوابين أقرب))(٢).
■ عن عاصم بن رجاء بن حيوة قال: ((كان عمر بن عبد العزيز
يخطب، فيقول: أيها الناس، من ألمّ بذنب، فليستغفر الله وليتب؛ فإن عاد،
فليستغفر الله وليتب؛ فإن عاد، فليستغفر الله وليتب؛ فإنما هي خطايا
مطوقة في أعناق الرجال، وإن الهلاك كل الهلاك الإصرار عليها))(٣).
توبة العبد بين توبتيْن من الله وَّ:
قال الإمام ابن القيم تمّهُ: ((وتوبة العبد إلى الله محفوفة بتوبة من
الله عليه قبلها، وتوبة منه بعدها. فتوبته بين توبتين من ربه، سابقة ولا
حقة، فإنه تاب عليه أولًا إذنًا وتوفيقًا وإلهامًا، فتاب العبد، فتاب الله عليه
ثانيًا، قبولًا وإثابة. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لَّقَد تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيّ
وَالْمُهَجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا
كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّتَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْرَءُوفٌ رَّحِيمٌ
(١) («الحلية)) (٢٩/٦).
(٢) ((الحلية)) (٢٥٠/٤ - ٢٥١).
(٣) ((الحلية)) (٢٩٦/٥).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٦١٢
صلاح الأمة في علو الهمة
[التوبة]، فأخبر سبحانه أن توبته عليهم سبقت توبتهم، وأنها هي
١١٧
التي جعلتهم تائبين. فكانت سببًا مقتضيًا لتوبتهم، فدل على أنهم ما تابوا
حتى تاب الله تعالى عليهم، والحكم ينتفي لانتفاء علته.
ونظير هذا: هدايته لعبده قبل الاهتداء، فيهتدي بهدايته. فتوجب له
تلك الهداية هداية أخرى يثيبه الله بها هداية على هدايته، فإن من ثواب
الهدي: الهدي بعده، كما أن من عقوبة الضلالة: الضلالة بعدها، قال الله
تعالى: ﴿وَالَّذِينَ أَهْتَدَوْ زَادَهُمْ هُدَى﴾ [محمد: ٤٧]، فهداهم أولًا فاهتدوا،
فزادهم هدى ثانيًا. وعكسه في أهل الزيغ كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّازَاغُواْ أَزَاغَ اللَّهُ
قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] فهذه الإزاغة الثانية عقوبة لهم على زيغهم.
وهذا القدر من سر اسميه ((الأول، والآخر)) فهو المعدّ. وهو الممدّ،
ومنه السبب والمسبب، وهو الذي يعيذ من نفسه بنفسه، كما قال أعرف
الخلق به: ((وأعوذ بك منك))، والعبد تواب، والله تواب، فتوبة العبد:
رجوعه إلى سيده بعد الإباق، وتوبة الله نوعان: إذن وتوفيق، وقبول
وإمداد)(١) .
تبديل السيئات بالحسنات عند التوبة من أعظم البشارة:
* قال تعالى: ﴿إِلَّ مَنْ تَابَ وَءَامَن وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَبِكَ يُبَدِّلُ
٧٠
اللَّهُ سَبِئَاتِهِمْ حَسَنَتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًارَّحِيمًا
[الفرقان].
■ قال ابن القيم تحمّهُ: ((وهذا من أعظم البشارة للتائبين إذا اقترن
بتوبتهم إيمان وعمل صالح، وهو حقيقة التوبة.
قال ابن عباس ينشها: ((ما رأيت النبي وَ ل فرح بشيء قط فرحه بهذه
(١) ((مدارج السالكين)) (٣١٢/١- ٣١٣).
https://web lessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
علو الهمة في التوبة
٦١٣
الآية لما أنزلت، وفرحه بنزول ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ
مِن ذَنْيِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾ [الفتح])).
كه. واختلفوا في صفة هذا التبديل، وهل هو في الدنيا، أو في الآخرة؟
على قولين:
■ فقال ابن عباس حينها وأصحابه: هو تبديلهم بقبائح أعمالهم
محاسنها، فبدلهم بالشرك إيمانًا، وبالزنا عِفَّة وإحصانًا، وبالكذب صدقًا،
وبالخيانة أمانة.
فعلى هذا معنى الآية: أن صفاتهم القبيحة، وأعمالهم السيئة، بدلوا
عوضها صفات جميلة، وأعمالًا صالحة، كما يدل المريض بالمرض صحة،
والمبتلى ببلائه عافية.
■ وقال سعيد بن المسيب وحمّلهُ، وغيره من التابعين: ((هو تبديل الله
سيئاتهم التي عملوها بحسنات يوم القيامة، فيعطيهم مكان كل سيئة
حسنة)».
واحتج أصحاب هذا القول بما روى الترمذي في جامعه: حدثنا
الحسين بن حريث قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا الأعمش عن المعرور بن
سويد عن أبي ذر قال: قال رسول الله وقالله: ((إني لأعلم آخر رجل يخرج من
النار: يؤتى بالرجل يوم القيام، فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، ويخبأ
عنه کبارها، فيقال: عملت یوم کذا كذا وكذا. وهو مقر لا ینکر، وهو
مشفق من كبارها. فيقال: أعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة. فيقول: إن
لي ذنوبًا ما أراها هاهنا». قال أبو ذر لسنه: فلقد رأيت رسول الله وَل
ضحك حتى بدت نواجذه)».
فهذا حديث صحيح، ولكن في الاستدلال به على صحة هذا القول
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٦١٤
صلاح الأمة في علو الهمة
نظر. فإن هذا قد عذب بسيئاته ودخل بها النار، ثم بعد ذلك أخرج منها،
وأعطى مكان كل سيئة حسنة، صدقة تصدق الله بها عليه ابتداء بعدد
ذنوبه، وليس في هذا تبدیل تلك الذنوب بحسنات، إذ لو کان کذلك لما
عوقب علیھا کما لم يعاقب التائب. والكلام إنما هو في تائب أثبت له مكان
كل سيئة حسنة، فزادت حسناته، فأين في هذا الحديث ما يدل على ذلك؟
والناس استقبلوا هذا الحديث مستدلين به في تفسير هذه الآية على
هذا القول، وقد علمت ما فيه. لكن للسلف غور ودقة فهم لا يدركها
كثير من المتأخرين.
فالاستدلال به صحيح، بعد تمهيد قاعدة، إذا عرفت عرف لطف
الاستدلال به ودقته، وهي أن الذنب لا بد له من أثر، وأثره يرتفع بالتوبة
تارة، وبالحسنات الماحية تارة، وبالمصائب المكفرة تارة، وبدخول النار
ليتخلص من أثره تارة. وكذلكم إذا اشتد أثره، ولم تقو تلك الأمور على
محوه؛ فلابد إذا من دخول النار لأن الجنة لا يكون فيها ذرة من الخبيث،
ولا يدخلها إلّا من طاب من كل وجه، فإذا بقى عليه شيء من خبث
الذنوب أدخل كِيْرَ الامتحان، ليخلص ذهب إيمانه من خبثه؛ فيصلح
حينئذ لدار الملك.
إذا علم هذا فزوال موجب الذنب وأثره تارة يكون بالتوبة النصوح،
وهي أقوى الأسباب، وتارة يكون باستيفاء الحق منه وتطهيره في النار.
فإذا تطهر بالنار، وزال أثر الموسخ والخبث عنه، أعطى مكان كل سيئة
حسنة، فإذا تطهر بالتوبة النصوح، وزال عنه بها أثر وسخ الذنوب
وخبثها، كان أولى بأن يعطى مكان كل سيئة حسنة؛ لأن إزالة التوبة لها
الوسخ والخبث أعظم من إزالة النار، وأحب إلى الله، وإزال النار بدل
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٦١٥
علو الهمة في التوبة
منها، وهي الأصل: فهي أولى بالتبديل مما بعد الدخول. يوضحه:
وهو أن التائب قد بَدَّل كل سيئة بندمه عليها حسنة، إذ هو توبة تلك
السيئة، والندم توبة، والتوبة من كل ذنب حسنة، فصار كل ذنب عمله
زائلًا بالتوبة التي حلت محله وهي حسنة. فصار له مكان كل سيئة حسنة
بهذا الاعتبار، فتأمله فإنه من ألطف الوجو.
وعلى هذا فقد تكون هذه الحسنة مساوية في القدر لتلك السيئة، وقد
تكون دونها، وقد تكون فوقها. وهذا بحسب نصح هذه التوبة، وصدق
التائب فيها، وما يقترن بها من عمل القلب الذي تزید مصلحته ونفعه على
مفسدة تلك السيئة. وهذا من أسرار مسائل التوبة ولطائفها. يوضحه:
أن ذنب العارف بالله وبأمره قد يترتب عليه حسنات أكبر منه وأكثر،
وأعظم نفعًا، وأحب إلى الله من عصمته من ذلك الذنب: من ذل وانكسار
وخشية، وإنابة وندم، وتدارك بمراغمة العدو بحسنة أو حسنات أعظم
منه، حتى يقول الشيطان: يا ليتني لم أوقعه فيما أوقعته فيه، ويندم الشيطان
على إيقاعه في الذنب، كندامة فاعله على ارتكابه، لكن شتان ما بين
الندمين. والله تعالى يحب من عبده مراغمة عدوه وغيظه، كما تقدم أن هذا
من العبودية من أسرار التوبة؛ فيحصل من العبد مراغمة العدو بالتوبة
والتدارك، وحصول محبوب الله من التوبة، وما يتبعها من زيادة الأعمال
هنا، ما يوجحب جعل مكان السيئة حسنة بل حسنات.
** وتأمل قوله: ﴿يُدِّلُ اللَّهُ سَبِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧] ولم يقل
مكان كل واحدة واحدة فهذا يجوز أن يبدل السيئة الواحدة بعدة حسنات
بحسب حال المبدل.
• وأما في الحديث: فإن الذي عُذّب على ذنوبه لم يبدلها في الدنيا
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٦١٦
صلاح الأمة في علو الهمة
بحسنات، من التوبة النصوح وتوابعها. فلم يكن له ما يجعل مكان السيئة
حسنات. فأعطى مكان كل سيئة حسنة واحدة. وسكت النبي وَ خلاله عن
كبر ذنوبه. ولما انتهى إليها ضحك، ولم يبين ما يفعل الله بها، وأخبر أن الله
يبدل مكان كل صغيرة حسنة، ولكن في الحديث إشارة لطيفة إلى أن هذا
التبدیل یعم کبارها وصغارها من وجهين:
أحدهما: قوله: «اخبئوا عنه کبارها)) فهذا إشعار بأنه إذا رأی تبدیل
الصغائر ذكرها، وطمع في تبديلها، فيكون تبديلها أعظم موقعًا عنده من
تبديل الصغائر. وهو به أشد فرحًا واغتباطًا.
والثاني: ضحك النبي وَال عند ذكر ذلك، وهذا الضحك مشعر
بالتعجب مما يفعل به من الإحسان، وما يُقِرُّ به على نفسه من الذنوب، من
غير أن يُقَرَّر عليها ولا يسأل عنها، وإنما عرضت عليه الصغائر.
فتبارك الله رب العالمين، وأجود الأجوَدِين، وأكرم الأكرمين، البر
اللطيف، المتودد إلى عباده بأنواع الإحسان، وإيصاله إليهم من كل طريق
بكل نوع، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم)»(١).
• عن أبي طويلٍ شطب الممدودِ لِه (٢) أنهُ قال: أتيت النبيِ وَلّ،
فقال: ((أرأيتَ مَن عَمَلَ الذنوبَ كلَّها ولم يترُكْ منها شيئًا، وهو في ذلك لم
(١) ((مدارج السالكين)) (٣٠١/١ - ٣٠٤).
(٢) ذكر المنذري أن ((شطب)) ذكره غير واحد في الصحابة إلا أنالبغوي ذكر في
معجمه أن الصواب عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير مُرسلاً: أن رجلاً أتى
النبي ◌َ ﴿ طويلٌ شَطْبٌ، والشطب في اللغة: الممدود فصحّفه بعض الرواة وظنه
اسم رجل راجع الترغيب والترهيب)) (١٣٣/٤ - ١٣٦).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٦١٧
علو الهمة في التوبة
يترُكْ حاجةً ولا دَاجَةً (١) إِلَّا أتاها، فَهَلْ لذلك من تَوبةٍ؟ قال: ((فهل
أَسْلَمْتَ)). قال: أمّا أنا فأشهَدُ أَن لا إله إلَّ اللهُ وأَنَّكَ رسولُ الله، قال:
(تَفْعَلُ الخيْرَاتِ وتَنُْكُ السَّيَِّاتِ فِيجَعَلُهُنَّ اللهُ لكَ خَيْرَاتٍ كلُهُنَّ)). قال:
وغدراتي وفَجَرَاتِي. قال: (نَعَمْ)). قال: الله أكبرُ فما زَالَ يُكبِّرُ حتى
تَوَارَى))(٢).
• عن أبي مُوسَى الأشعريِّ ◌ِهِ قالَ: كَانَ رَسُولُ وَلِ يُسمِّي لنا نفسَهُ
أسماءً، فقالَ: ((أنا محمدٌ، وأحمدُ، والمقُفِّي (٣)، والحَاشِرُ، ونبيُّ التَّوْبةِ (٤)،
ونَبِيُّ الرَّحَمَةِ»(٥).
الاستغفار والتوبة :
■ وأما ((الاستغفار)) فهو نوعان، مفرد ومقرون بالتوبة. فالمفرد:
كقول نوح الشَّام، لقومه: ﴿أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ، كَانَ غَفَّارًا لايُرْسِلِ السَّمَآءَ
[نوح). وكقوله صالح لقومه: ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ
١١
عَلَيْكُم مِّدْرَارًا
[النمل]. وكقوله تعالى: ﴿ وَأَسْتَغْفِرُواْاللّهُ إِنَ
٤٦
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
[البقرة]. وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ
١٩٩
اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
[الأنفال]. والمقرون كقوله
٣٣
فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
(١) الداجة: الحاجة الكبيرة.
(٢) ذكره في ((الترغيب والترهيب)) وقال: رواه البزار الطبراني واللفظ له وهذا إسناد
جيد قوي (١١٢/٤ - ١١٣). وقال الهيثمي في ((مجمع الزائد)) (٣٢/١):
ورجال البزار رجال الصحيح غير محمد بن هارون أبي نشيط وهو ثقة.
(٣) المقفي: الآخر والمتبع للأنبياء.
(٤) نبى التوبة: جاء بالتوبة.
(٥) رواه مسلم (٢٣٥٥).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٦١٨
صلاح الأمة في علو الهمة
تعالى: ﴿ وَأَنِ أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَنِّعَّكُمْ مَّنَعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلِ مُسَمَّى وَيُؤْتِ كُلّ
ذِى فَضْلٍ فَضْلَةٌ﴾ [هود: ٣]. وقوله هود السَّ، لقومه: ﴿اُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ
﴾ [هود: ٥٢]. وقول صالح
ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ بُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا
لقومه ﴿هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الْأَرْضِ وَأَسْتَعْمَرَّكُمْ فِيهَا فَأَسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهٍ إِنَّ رَبِ قَرِيبٌ
[هود]. وقول شعيب عليّ: ﴿ وَأَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ
٦١
مجيب
[هود]. فالاستغفار المفرد كالتوبة. بل هو
٩٠
إِلَيْهِ إِنَّ رَبٍّ رَحِيمٌ وَدُودٌ
التوبة بعينها. مع تضمنه طلب المغفرة من الله، وهو محو الذنب، وإزالة
أثره، ووقاية شره، لا كما ظنه بعض الناس: أنها الستر؛ فإن الله يستر على
من يغفر له ومن لا يغفر له، ولكن الستر لازم مسماها أو جزؤه، فدلالتها
عليه إما بالتضمن وإما باللزوم.
وحقيقتها: وقاية شر الذنب. ومنه المغفر، لما يقي الرأس من الأذى،
والستر لازم لهذا المعنى. وإلّا فالعمامة لا تسمى مِغفرًا، ولا القَبع ونحوه
مع ستره، فلابد في لفظ ((المغفر)) من الوقاية. وهذا الاستغفار هو الذي
يمنع العذاب في قوله: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
٣٣
[الأنفال]. فإن الله لا يعذب مستغفرًا، وأما من أصر على الذنب، وطلب
من الله مغفرته، فهذا ليس باستغفار مطلق، ولهذا لا يمنع العذاب،
فالاستغفار يتضمن التوبة، والتوبة تتضمن الاستغفار، وكل منهما يدخل
في مسمى الآخر عند الإطلاق.
وأما عند اقتران إحدى اللفظين بالأخرى. فالاستغفار: طلب وقاية
شر ما مضى. والتوبة: الرجوع وطلب وقاية شر ما يخافه في المستقبل من
سیئات أعماله.
فهاهنا ذنبان: ذنب قد مضى. فالاستغفار منه: طلب وقاية شره،
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٦١٩
علو الهمة في التوبة
وذنب يخاف وقوعه، فالتوبة: العزم على أن لا يفعله، والرجوع إلى الله
يتناول النوعين: رجوع إليه ليقيه شر ما مضى، ورجوع إليه ليقيه شر ما
يستقبل من شر نفسه وسیئات أعماله.
وأيضًا فإن المذنب بمنزلة من ركب طريقًا تؤديه إلى هلاكه، ولا
توصله إلى المقصود. فهو مأمور أن يوليها ظهره، ويرجع إلى الطريق التي
فيها نجاته. والتي توصله إلى مقصوده، وفيها فلاحه.
فها هنا أمران لابد منهما: مفارقة شيء، والرجوع إلى غيره، فخصت
((التوبة)) بالرجوع، و(الاستغفار)) بالمفارقة. وعند إفراد أحدهما يتناول
الأمرين، ولهذا جاء -والله أعلم - الأمر بهما مرتبًا بقوله: ﴿وَأَسْتَغْفِرُواْ
رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْإِلَيْهِ ﴾ فإنه الرجوع إلى طريق الحق بعد مفارقة الباطل.
وأيضًا فالاستغفار من باب إزلة الضرر، والتوبة طلب جلب
المنفعة، فالمغفرة أن يقيه شر الذنب. والتوبة: أن يحصل له بعد هذا الوقاية
ما يحبه. وكل منهما يستلزم الآخر عند إفراده. والله أعلم))(١).
■ قال محمود الوَّراق رَمَّهُ:
قَبْل الماتِ وقَبْلَ حبْسِ الأَلَّسُنِ
قدِّمْ لنفسِكَ توبةً مَرْجُوَّةً
ذُخْرٌ وغُنْمٌ للمُنيب المحسن (٢)
بادِرْ بها غَلْقَ النُّفُوسِ فإنها
(١) ((مدارج السالكين)) (٣٠٧/١ - ٣٠٩).
(٢) (تفسير القرطبي)) (٩٢/٥).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٦٢٠
صلاح الأمة في علو الهمة
وختامًا:
• قال رسول الله وَله: ((كلُّ ابن آدم خطَّاء وخير الخطائين
التوَّابين)) (١).
85. فالبدار البدار إلى التوبة مفتاح استقامه السائلين، ومطلع
الأصطفاء والاجتباء للمقرَّبين.
(١) حسن: رواه أحمد (١٩٨/٣)، والترمذي (٢٤٩٩)، وابن ماجه (٤٢٥١)، وقال
الترمذي: ((حديث غريب))، وضعفه الشيخ شعيب الأرنؤوط، وحسنه الشيخ
الألباني.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com