النص المفهرس

صفحات 581-600

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٨١
علو الهمة في التوبة
فقَبل منه))(١).
توبة امرأة من جهينة وشعها:
• هي امرأة تأتي معترفةً بذنبها تريد أن تتطهر من ذنبها وتَلْقى الله ولا
تَبِعَةَ عليها، فَتَجُودُ بنفسها لله سبحانه وتعالى، وتأتي معترفةً بالذنب إلى
رسول الله وقلقه؛ كي يقيم عليها الحد ويهدأ بالها ويسكن خاطرها، ولا
تَهُمَّنَّها الملابساتُ المحيطة بها ولا يُهِمُّنَّها حَمْلُها الذي في بطنها، ولا وليدها
بعد أن وضعته، تلك هي الغامدية، وهذه هي قصتها التي يقشعر لها الجلد
ويرق لها القلب ويقف معها الفؤاد وچِلًا.
وها هي قصتها كما في ((الصحيح)) (٢) من حديث عمران بن حصين
﴿ف عنها: ((أنَّ امرأةً من جهينةَ أتتْ نَبِيَّ الله وَّةِ، وهي حُبْلَى مِنَ الزنا، فقالت:
يا نبيَّ الله، أصبتُ حدًا(٣) فَأَقِمْهُ عَلى، فدعا نبيُّ الله وَّهِ وَلَيَّها، فقال:
(أَحْسِنْ إلَيهَا، فَإِذا وَضَعَتْ فائتني بِها))، ففعل، فَأَمَر بها نبيُّ الله وَلِّ،
فَشُدَّتْ عليها ثيابَها، ثم أَمر بها فَرُجمتْ ثم صَلَّى عليها، فقال له عمر خلعه:
تُصلِّي عليها يا نبي الله وقد زنت؟! فقال: ((لَقَدْ تَابَتْ تَوبَةً، لو قُسمتْ بينَ
سَبْعين من أهلِ المَدينة لَو سعتْهُم، وَهَلْ وَجَدْتَ تَوْبَةً أفضَلَ مِنْ أنْ جادتْ
بِنَفْسِهَا الله تَعَالَى؟!)).
(١) أخرجه البخاري (٣٤٢/٨ - ٣٤٣) ((الفتح))، ومسلم (١٧ /٨٧ - ٩٨) النووي
والسياق له.
(٢) ((صحيح مسلم)) (ح ١٦٩٦).
(٣) أي: ارتكبت أمرًا يُوجب الحَدَّ.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com.
٥٨٢
صلاح الأمة في علو الهمة
ورجل من الصحابة الفهم:
• عن أبي هريرة خلقه قال: أَتَّى رسولَ الله وَلفهو رجلٌ من الناس وهو
في المسجد، فناداه: يا رسول الله، إني زَنيتُ -يريد نفسه-، فأعرض عنه
النبيِ وَّل﴿، فتنخَّى لشقٌ وجْههِ الذي أعْرض قَبْله، فقال: يا رسول الله، إنِّي
زَنيتُ، فَأَعرضَ عنه؛ فجاءَ لشقِّ وَجْهِ النبيِ وَهِ الذي أَعْرضَ عنه، فلمَّا
شَهِدَ على نفْسِه أربعَ شهاداتٍ دِعاه النبيُّ وَّه فقال: ((أَبِكَ جُنونٌ؟)) قال:
لا يا رسول الله وَ له. فقال: ((أَحْصَنْتَ؟)) قال: نَعم، يا رسول الله قال:
(اذْهَبُوا فَارْ بُوهُ)) (١).
توبة ماعز بن مالك وتوبة الغامِدِيَّة لتش:
• عن بريدة الأسلمي لشعنه قال: جاء ماعزُ بن مالكِ إلى النبيِ وَّ،
فقال: يا رسول الله، طهّرني. فقال: ((ويحك(٢) !!! ارجعْ فاستغفر الله وتبْ
إليه). قال: فرجع غيرَ بعيد، ثم جاء فقال: يا رسول الله، طهّرني. فقال
رسول الله وَله: ((ويحك !!! ارجعْ فاستغفر الله وتبْ ليه)). قال: فرجع غيرَ
بعيد، ثم جاء فقال: يا رسول الله، طهّرني. فقال النبي ◌ّ # مثل ذلك، حتى
إذا كانت الرابعة قال له رسول الله وَالن ون: ((فيمَ أَطهِّرك؟)). فقال: من الزنى.
فسأل رسول الله وَ فيه: ((أَبهِ جنون؟)). فأخبر أنه ليس بمجنون. فقال:
(أُشَرِبَ خمرًا؟)). فقام رجل فاستنكهه(٣)، فلم يجد منه ريحَ خمر. قال: فقال
رسول الله وَه: ((أزنيتَ؟)) فقال: نعم. فأمر به فُرجم، فكان الناس فيه
(١) رواه البخاري (حديث ٦٨٢٥)، ومسلم (ص١٣١٨).
(٢) ((ويحك)) قال ابن الأثير في ((النهاية)): ((ويح)): كلمة ترحُم وتوجُّع، تُقال لمن وقع
في هلکة لا يستحقها.
(٣) ((فاستنكهه)): أي: شمَّ رائحة فمه، طلب نكهته بشمٌّ فمه، والنكهة رائحة الفم.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٨٣
علو الهمة في التوبة
فرقتَيْن: قائل يقول: لقد هلك. لقد أحاطت به خطيئته. وقائل يقول: ما
توبة أفضل من توبة ماعز؛ إنه جاء إلى النبي ◌َّةٍ فوضع يده في يده، ثم
قال: اقتلني بالحجارة. قال: فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة، ثم جاء رسول الله
وَليد وهم جلوس، فسلّم ثم جلس، فقال: ((استغفروا لماعز بن مالك)).
قال: فقالوا: غفر الله لماعز بن مالك. قال: فقال رسول الله مَله: ((لقد تاب
توبة لو قُسِمَتْ بين أمَّة لوسِعَتْهم)).
قال: ثم جاءته امرأةٌ من غامد (١) من الأزد، فقالت: يا رسول الله،
طَهِّرني فقال: ((وَيْحَكَ! ارْجعِي فاسْتَغفري الله وتوبي إليه))، فقالت: أراك
تريد أن تَرُدَّني كما ردَّدتَ ماعز بن مالك قال: ((وَمَا ذاكَ؟)) قالت: إنها حُبْلَى
من الزنى (٢)، فقال: ((آنت؟))، قالت: نعم. فقال لها: «حتَّى تَضَعِي مَا في
بَطْنك))، قال: فَكَفَلها رجلٌ من الأنصار (٣) حتى وضعت، قال: فأتى
النبي ◌َّ فقال: ((قد وَضَعت الغامديةُ)). فقال: ((إذًا لا نَرُها ونَدَعُ وَلَدَها
صَغيرًا ليس لَهُ منِ يُرضعُهُ))، فقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأنصارِ فَقالَ: إِلَيَّ رَضَاعُه (٤)
يا نبيَّ الله، قال: ((فَرجَمَهَا)»(٥). وللحديث رواية أخرى عند مسلم أيضًا،
فيها:
(١) ((غامد)): بطن من ((جهينة)).
(٢) ((إنها حبلى من الزنى)): أرادت: إني حبلى من الزنى، فعبَّرت عن نفسها بالغيبة.
(٣) ((فكفلها رجل من الأنصار)): أي: قام بمؤنتها ومصالحها، وليس هو من الكفالة
التي هي بمعنى الضمان؛ لأن هذا لا يجوز في الحدود التي لله تعالى.
(٤) ((إليَّ رضاعة)): إنما قاله بعد الفطام، واراد بالرضاعة: كفايته وتربيته، وسماه
رضاعًا مجازًا.
(٥) رواه مسلم (١٦٩٥).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٨٤
صلاح الأمة في علو الهمة
• أن ماعز بن مالك الأسلمي أتى رسول الله عليه فقال: يا رسول الله،
إني ظلمتُ نَفْسي وزنيتُ، وإني أريد أن تُطهِّرني، فردَّه، فلما كان من الغد
أتاه فقال: يا رسول الله، إني قد زنيتُ، فردَّه الثانية، فأرسل رسولُ الله وَلـ
إلى قومه فقال: ((أَتَعلَمُونَ بِعَقْلِهِ بَأْسًا تُنْكِرونَ مِنْهُ شيئًا؟»، فقالوا: ما نَعلمُه
إلَّا وَفِيَّ العَقل، من صالحينا -فيما نرى-، فأتاه الثالثة فأرسل إليهم أيضًا،
فسأل عنه فأخبروه: أنه لا بأس به ولا بعقله، فلما كان الرابعة حُفِرَ له
حُفرةً ثم أمر به فرجم.
· قال: فجاءت الغامدية فقالت: يا رسول الله، إني قد زنيت فطهِّرني.
وأنه ردَّها، فلما كان الغد، قالت: يا رسول الله، لِمَ تردُّني؟ لعلَّك أن تردّني
كما رددتَ ماعزًّا، فوالله إني لَحَبْلى. قال: «إمَّا لا فاذهبي (١) حتى تلدي)). فلمَّا
ولدتْ أتته بالصبي في خِرقةٍ، قالت: هذا قد ولدتُه. قال: ((فاذهبي
فأرضعيه حتى تَفطميه)). فلما فطمتْه أتته بالصبي في يده كِسْره خبز،
فقالت: هذا يا نبيَّ الله قد فطمتُه، وقد أكل الطعام. فدفعَ الصبيَّ إلى رجل
من المسلمين ثم أمر بها فحُفر لها إلى صدْرها، وأمر الناس فرجموها. فيُقْبِلُ
خالد (٢) بن الوليد بحجر فرمى رأسها، فتنضَّح (٣) الدم على وجهِ خالد
فسبَّها، فسمع نبيُّ الله وَ له سبَّ إِيَّاها؛ فقال: ((مهلًا يا خالد، فوالذي نفسي
(١) ((إما لا فاذهبي): هو بكسر الهمزة من ((إما))، وتشديد الميم، وبالإمالة. الأصل:
إن ما، فأدغمت النون في الميم وحذف فعل الشرط فصار إمَّا لا، ومعناه: إذا
أبيتٍ أن تستري على نفسك وتتوبي وترجعي عن قولك فاذهبي حتى تلدي،
فترجمین بعد ذلك.
(٢) فيقبل خالد: حكاية للحال الماضية، أي : .
(٣) ((فتننفح)) قال النووي: رُوي بالحاء المهملة والمعجمة، والأكثرون على
المهملة، رمعناه: ترشش وانصب.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٨٥
علو الهمة في التوبة
بيده، لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكسٍ (١) لَغُفر له)). ثم أمر بها فصلى
علیھا ودُفنتْ)).
أصحاب الغار:
• عن ابن عمر لنفها عن رسول الله وَه﴾ أنه قال: «بينما ثلاثةُ نَفرَ
يَتمشُّونَ أَخذَهُمُ المَطَرُّ، فَأَووا إلى غَار(٢) في جَبَل، فانحطَّتْ على فَم غَارهم
صَخْرَةٌ من الجبل، فانطَبقتْ عليهم، فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالًا
عملتُمُوها صالحةً لله، فادعُوا الله تعالى بها، لعلَّ الله يُفرِجُها عنْكُمْ، فقال
أحدُهُمُ: اللهمَّ، إنَّهُ كان لي والدَانِ شيخَان كبيران، وامرأَتي، ولي صِبْيةٌ
صغَارٌ أَرْعَى عليهم، فإذا أَرَحْتُ عليهم(٣) حَلَبْتُ، فبدأت بوالديَّ
فسقيْتُهُمَا قَبْلَ بَنِيَّ، وأَنَّه نَأى بي ذاتَ يوم الشَّجر (٤)، فلم آت حتى أمسيتُ
فوجَدُّمُمَّا قد نَامَا، فحَلَبْتُ كما كنتُ أحلب فجئْتُ بالحلاب(٥)، فَقُمْتُ
عندَ رؤسهما، أَكْرَهُ أنْ أُوقِظُهُمَا من نَومِهِمَا، وأَكْرَهُ أنْ أَسْقِي الصَبِّيَةَ قَبْلُهُمَا،
والصيْبَةُ يتضاغُونَ (٦) عِندَ قَدمي، فَلَم يَزِلْ ذلك دَأبي(٧) ودَأْبُهُم حتَّى طَلَعَ
(١) المكْس: الجِباية.
(٢) ((غار)): الغار: الثقب في الجبل.
(٣) ((فإذا أرحت عليهم): أي: إذا رددت الماشية من المرعى إليهم، وإلى موضع
مبيتها، وهو مُراحها، يقال: أرحتُ الماشية وروحتها، بمعنى.
(٤) (نأى بي ذات يوم الشجر)): وفي بعض النسخ: ((ناء بي))، هما لغتان وقراءتان،
ومعناه بعد، والنأي البعد.
(٥) ((بالحلاب)): الإناء الذي يحلب فيه، يَسعُ حلبةَ ناقةٍ، ويقال له: المحلب. قال
القاضي: وقد يريد بالحلاب هنا اللبن المحلوب.
(٦) ((يتضاعون)) أي: يصيحون ويستغيثون من الجوع.
(٧) ((فلم يزل، ذلك دأبي)) أي: حالي اللازمة.
تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٨٦
صلاح الأمة في علو الهمة
الفَجرُ، فإن كُنْت تعْلَمُ أنّي فعلتُ ذلك ابتغَاءَ وجهك، فافرجْ لنا منها
فُرْجَةً، نرى منها السماءَ، ففرَّجَ اللهُ منها فُرجةً فرأوا منها السماءَ.
وقال الآخرُ: اللهمَّ، إنَّهُ كانت لي ابنَةُ عمّ أُحببْتُها كأَشَدِّ ما يُحِبُّ
الرِّجَالُ النساء، وطلبتُ إليها نفسها، فأبتْ حتَّى آتيها بمئة دينارٍ، فتعبْتُ
حتَّى جَمَعتُ مئة دينار، فجْئَتُها بها، فلمّا وقعتُ بين رجلَيها(١) قالت: يا عبدَ
الله، اتَّقِ الله، ولا تَفْتَحُ الخاتمَ إلَّا بحقِّه(٢)، فَقُمتُ عنها، فإنْ كنتَ تعلم أنِّي
فعلتُ ذلك ابتغَاءَ وَجْهِكَ، فافرج لنا منها فُرجةً. ففرِّجَ لهم.
وقالَ الآخَرُ: اللهمَّ، إنَّي كنتُ استأجَرْتُ أجيرًا بِفَرَق أرزِّ (٣)، فلمَّا قَضَى
عَمَلهُ قال: أَعطني حقِّي، فَعرضْتُ عليه فَرْقَهُ فَرغَبَ عنهُ (٤)، فلمْ أَزْ
أَزْرَعُهُ حتَّى جَمَعْتُ منهُ بقَرًا ورعاءهَا، فجاءَني فقال: اتَّقِ اللهَ ولا تَظْلمْني
حقِّي، قلتُ: اذهب إلى تلك البقرِ ورعائها فخُذهَا، فقال: اتَّق الله، ولا
تستهزئُ بي، فقُلتُ: إنّي لا أستهزئُ بك، خُذ ذلك البقر ورعاءَها، فأخذهُ
فذهب به، فإنْ كُنْت تعْلَمُ أنّ فعلتُ ذلك ابتغاءَ وجْهِكَ، فافرُجْ لنا ما
بقيَ، ففرَّجَ اللهُ ما بَقِي)) (٥).
فلله درُّ الرجل الذي قعد بين رجليْ ابنة عمه كي يزني بها، ثم قام عنها
(١) ((فلما وقعت بين رجليها))، أي: جلست مجلس الرجل للوقاع.
(٢) ((لا تفتح الخاتم إلا بحقه)): ((الخاتم)) كناية عن بكارتها. وقولها: (بحقه)) أي:
بنکاح، لا بزنی.
(٣) بفرق: بفتح الراء وإسكانها، لغتان، الفتح أجود وأشهر، وهو: إناء يسع ثلاثة
آصع.
(٤) (فرغب عنه))، أي: کرهه وسخطه وتركه.
(٥) البخاري (٣٤٦٥)، ومسلم (٢٧٤٣).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٨٧
علو الهمة في التوبة
وتركها وانصرف خوفًا من الله وَّ.
توبة زاذان الكندي:
■ روي عن عبد الله بن مسعود علم أنه مرَّ ذات يوم في موضع من
نواحي الكوفة، فإذا فتيان فسَّاق قد اجتمعوا يشربون (١)، وفيهم مغنٍ
يُقال له: زادان یضرب ويُغنِّ، و کان له صوت حسن.
فلما سمع ذلك عبد الله قال: ما أحسن هذا الصوت لو كان بقراءة
كتاب الله! ظجعل الرداء على رأسه ومضى، فسمع زاذان قوله فقال: من
كان هذا؟ قالوا: عبد الله بن مسعود -صاحب رسول الله وَ و -. قال:
وأي شيءٍ قال؟ قالوا: إنه قال: ما أحسن هذا الصوت لو كان بقراءة
كتاب الله تعالى. فقام وضرب بالعُود على الأرض فكسره، ثم أسرع
فأدركه، وجعل المنديل في عنق نفسه وجعل يبكي بين يدي عبد الله بن
مسعود، فاعتنقه عبد الله بن مسعود، وجعل يبكي كل واحد منهما، ثم قال
عبد الله: كيف لا أحب من قد أحبه الله وَّ فتاب إلى الله وَّ من ذنوبه؛
ولازم عبد الله بن مسعود حتى تعلم القرآن، وأخذ حظًا من العلم (٢)
حتى صار إمامًا في العلم، وروى عن عبد الله بن مسعود وسلمان
وغيرهما(٣).
توبة أبي عبد رب:
كان أبو عبد رب نَّهُ من أكثر أهل دمشق مالًا، فخرج إلى
(١) أي: الخمر.
(٢) حظًا: قدْرًا.
(٣) ((كتاب التوابيين)) لابن قدامة المقدسي (ص١٢٩ - ١٣٠) - دار الفجر.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٨٨
صلاح الأمة في علو الهمة
أذربيجان في تجارة؛ فأمسى إلى جانب مرج ونهر فنزل به. قال أبو عبد
رب: فسمعت صوتًا يكثر حمد الله في ناحية من المرج، فاتبعته. فوافيت
رجلًا في حفير (١) من الأرض ملفوفًا في حصير. فسلمت عليه، وقلت:
من أنت يا عبد الله؟ قال: رجل من المسلمين. قال: قلت: ما حالك هذه؟
قال: حال نعمة يجب عليّ حمد الله فيها. قال: قلت: كيف وإنما أنت في
حصير؟ قال: وما لي لا أحمد الله أن خلقني فأحسن خلقي وجعل مولدي
ومنشئ في الإسلام، وألبسني العافية في أركاني، وستر عليّ ما أكره ذكره أو
نشره؟! فمن أعظم نعمة ممن أمسى في مثل ما أنا فيه؟ قال: قلت: رحمك
الله! إن رأيت أن تقوم معي إلى المنزل فإنا نزول على النهر. قال: ولمه؟
قلت: لتصيب من الطعام ولنعطيك من يغنيك عن لبس الحصير. قال: ما
بي حاجة.
قال الوليد: فحسبت أنه قال: إنَّ لي في أكل العشب كفاية عما قال أبو
عبد رب، قال: فأردته على أن يتبعني، فأبى، قال: ما لي به من حاجة.
قال أبو عبد رب: فانصرفت وقد تقاصرتْ إليَّ نفسي ومقتُّها أني لم
أخلَّف بدمشق رجلًا في الغنى يكاثرني وأنا ألتمس الزيادة فيه. وقلت:
اللهم! إني أتوب إليك من سوء ما أنا فيه. قال: فبت ولم يعلم إخواني بما
قد أجمعت به. فلمَّا كان من السَّحر رحلوا كنحو من رحيلهم فيما مضى؛
وقدَّموا إلى دابتي فركبتها وصرفتها إلى دمشق. وقلت: ما أنا بصادق التوبة
إن أنا مضيت في متجري هذا، فسألني القوم فأخبرتهم؛ وعاتبوني على
المضي فأبيت.
(١) حفير: حُفُرة.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٨٩
علو الهمة في التوبة
قال ابن جابر: فلما قدم تصدق بصامت ماله (١) ، وتجهز به في سبيل
الله. قال ابن جابر: فحدثني بعض إخواني قال: ما كست صاحب عباءة
في عباءة، أعطيته ستة وهو يقول: سبعة. فلمّا أكثرت قال: ممن أنت؟ قلت:
من أهل دمشق. قال: ما تشبه شیخًا وفد عليَّ أمس، يقال له: أبو عبد رب
اشترى مني سبعمئة كساء بسبعة سبعة؛ ما سألني أن أضع له درهمًا،
فسألني أن أحملها له، فبعثت أعواني، فما زال يفرقها بين فقراء الجيش، فما
دخل إلى منزله منها بكساء.
قال ابن جابر: وباع عقدة وتصدق بها، وباع داره بمال عظيم وفرَّقه
وكان مع ذلك موته. فما وجدوا منها إلّا قدر ثمن الكفن. وكان يقول:
والله لو أن نهركم هذا يعني بردي- سال ذهبا وفضة، من شاء خرج إليه
فأخذ منه، ما خرجت إليه؛ ولو قيل: من مسّ هذا العمود مات، لسرني أن
أقوم إليه شوقًا إلى الله وإلى رسوله))(٢).
توبة ولي الله إبراهيم بن أدهم:
■ عن إبراهيم بن بشار خادم إبراهيم بن أدهم قال:
قلتُ: يا إسحاق! كيف كان أوائل أمرك؟ قال: كان أبي من أهل
((بلْخ))، وكان من ملوك خراسان، وحبّب إلينا الصيد، فخرجت راكبًا
فرسي وكلبي معي، فبينما أنا كذلك، ثار أرنب أو ثعلب، فحركتُ فرسي
فسمعت نداءً من ورائي: ليس لذا خُلقتَ ولا بذا أمرتَ! فوقفت أنظر
يمنة ويسرة، فلم أرَ أحدًا فقلت: لعن الله إبليس! ثم حرت فرسي فأسمع
(١) (كتاب التوابين)) (ص١٣٨ - ١٣٩).
(٢) ((كتاب التوابين)) (ص١٣٨ - ١٣٩).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٩٠
صلاح الأمة في علو الهمة
نداءً أجهر من ذلك: يا إبراهيم! ما لذا خُلقت ولا بذا أمرت! فوقفت،
فقلت: أنبَهْتَ! أنبَهْت جاءني نذير من رب العالمين، والله لا عصيت الله
بعد يومي هذا ما عصمني ربي. فرجعت إلى أهلي، ثم جئت إلى أحد رعاة
أبي، فأخذت منه جبّةً وكساءً، وألقيت ثيابي إليه، ثم اقبلت إلى العراق،
أرضٌ ترفَعُني، وأرضٌ تَضَعُني، حتى وصلت إلى العراق، فعملت بها
أيامًا، فلم يصف لي منا -يعني: الحلال- فسألت بعض المشايخ، فقال لي:
إذا أردت الحلال فعليك ببلاد الشام، فَصرتُ إلى بلاد الشام، فسرت إلى
مدينة يُقال لها: المنصورة -وهي المِصِّيصة-، فعملت بها أيامًا فلم يصفُ لي
شيء من الحلال، فسالت بعض المشايخ. فقالوا لي: إن أردت الحلال
الصافي، فعليك بطرسوس، فإن فيها المباحات والعمل الكثير، فتوجهت
إلى طرسوس فعملت بها أيامًا أنظر البساتين وأحصد الحصاد. فبينا أنا
قاعد على باب البحر، جاءني رجل فاكتراني أنظر له بستانه. فكنت في
البستان أيامًا كثيرة، فإذا خادم قد أقبل ومعه أصحابه. فقعد في مجلسه، ثم
صاح: يا ناطور! فقلت: هو ذا أنا. فقال: اذهب فأتنا بأكبر رمان تقدر
عليه وأطيبه، فذهبتُ فأتيتُه بأكبر رمان، فأخذ الخادم رمانة فكسرها،
فوجدها حامضة، فقال: يا ناطور! أنت في بستاننا منذ كذا وكذا، تأكل
فاكهتنا وتأكل رماننا، ولا تعرف الحلو من الحامض؟
قال إبراهيم: قلتُ: والله ما أكلتُ من فاكهتك شيئًا ولا أعرف الحلو
من الحامض، فأشار الخادم إلى أصحابه، فقال: أما تسمعون كلام هذا؟
أتراكَ لو أنك إبراهيم بن أدهم ما زاد على هذا؟ فانصرف، فلما كان من
الغد ذكر صفتي في المسجد، فعرفني بعض الناس، فجاء الخادم ومعه عَنَق
من الناس، فلما رأيته قد أقبل مع الناس اختفيتُ خلف الشجر والناس
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٩١
علو الهمة في التوبة
داخلون، فاختلطتُ معهم وهم داخلون وأنا خارج هارب، فهذا كان
أوائل أمري وخروجي من طرسوس إلى بلاد الرمال)) (١).
توبة شقيق البلخي رحماللهُ:
■ عن علي بن محمد بن شقيق: «كان لجدي ثلثمئة قرية، ولم يكن له
يوم مات کفنٌ يُكفَّن فیه، قَدَّمَهُ كلَّه بین یدیه، قال: وکان خرج إلى بلاد
الترك لتجارة -وهو حَدَثٌ- إلى قوم يقال لهم: الخلوخيّة يعبدون
الأصنام. فدخل إلى بيت أصنامهم، وعالمُهم قد حلق رأسه ولحيته ولبس
ثيابًا حمرًا أرجوانية، فقال له شقيق: إن هذا الذي أنت فيه باطل، وهؤلاء
ولك ولهذا الخلق خالقٌ صانع ليس كمثله شيء، له الدنيا والآخرة، قادر
على كل شيء، رازق كل شيء. فقال له الخادم: ليس يوافق قولك فعلك.
فقال له شقيق: كيف ذلك؟ قال: زعمت أن لك خالقًا قادرًا على كل
شيء، وقد تعنّيَّت إلى هاهنا لطلب الرزق، ولو كان كما تقول كان الذي
يرزقك هاهنا يرزقك ثَمَّ فتربح العناء.
قال شقيق: فكان سبب زهدي كلام التركي. فرجع فتصدق بجميع
ما ملك وطلب العلم))(٢).
توبة الفُضَيْل بن عياض رَّتْهُ:
■ قال: ((كان الفضيل يقطع الطريق وحده. فخرج ذات ليلة ليقطع
الطريق، فإذا هو بقافلة قد انتهت إليه ليلًا، فقال بعضهم لبعض: اعدلوا
بنا إلى هذه القرية فإن أمامنا رجلًا يقطع الطريق يُقال له: الفضيل. قال:
(١) ((حلية الأولياء)) (٣٦٨/٧ - ٣٦٩)، و((التوابين)) (ص١٠١ - ١٠٢).
(٢) ((كتاب التوابين)) (ص ١٠٤ - ١٠٥).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٩٢
صلاح الأمة في علو الهمة
فسمع الفضيل، فأرعد، فقال: ا قوم! أنا الفضيل، جوزوا، والله لأجتهدنَّ
أن لا أعصي الله أبدًا! فرجع عما كان عليه. وروي من طريق أخرى أنه
أضافهم تلك الليلة؛ وقال أنتم آمنون من الفضيل، وخرج يرتاد لهم علفًا،
أَلَمْ يَأَنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْأَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ
ثم رجع فسمع قارئًا يقرأ:
اللَّهِ ﴾ [الحديد: ١٦]. قال: بلى والله قد آن. فكان هذا مبتدأ توبته))(١).
■ وفي رواية أنه كان شاطرًا، وكان يتعشَّقُ الجواري وبينا هو يتسلَّق
* أَمّ ◌َأَنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ
الدار إلى معشوقته سمع متهجَّدًا يتلو قول الله وعًَّ:
أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦] فقال: بلى والله قد آن .. )) وحسنت
توبة الفضيل وصار من كبار أولياء هذه الأمة، حتى كان ابن عيينة وابن
المبارك يُقبِّلان يده.
■ ويقول فيه ابن المبارك: «كنتُ كلما قسى قلبي نظرتُ إلى وجه
الفضيل يجدِّد لي الحزن، وأمقت نفسي))، وقال: ((إذا مات الفضيل ارتفع
الخوف من الأرض)».
■ وقال إبراهيم بن الأشعث: ((سمعت فضيلًا ليلة وهو يقرأ سورة
محمد رٍَّ ويبكي ويرددّ هذه الآية: ﴿ وَلَنَبْلُوَّنَّكُمْ حَّى نَعْلَمَ الْمُجَهِدِينَ مِنْكُمْ
[محمد]. وجعل يقول: ﴿ وَنَبْلُوا أَخْبَارَكُمْ
٣١
وَالصَّبِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبَارَكُمْ
ويردد ويقول: وتبلو أخبارنا! إن بلوتَ أخبارنا فضحتنا وهتكت أستارنا!
إن بلوت أخبارنا أهلكتنا وعذبتنا! وسمعته يقول: تزينت للناس
وتصنّعت لهم وتهيأت لهم، ولم تزل ترائي حتى عرفوك فقالوا: رجل
صالح! فقضوا لك الحوائج، ووسعوا لك في المجلس، وعظَّموك، خيبة
(١) المصدر السابق (ص١٣٣).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٩٣
علو الهمة في التوبة
لك؛ ما أسوأ حالك إن كان هذا شأنك! وسمعته يقول: إن قدرت أن لا
تُعرف فافعل؛ وما عليك أن لا تعرف، وما عليك إن لم يُثْنَ عليك، وما
عليك أن تكون مذمومًا عند الناس إذا كنت عند الله محمودًا))(١).
توبة بشر بن الحارث الحافي إمام أهل الزهد والورع:
■ كان الإمام أحمد بن حنبل رَحمّلهُ إذا سُئل عن مسألة من مسائل
الزهد والورع قال: ((أتسألوني عن الزهد والورع وفيكم بشر؟)).
■ وقال: «من بیتهم-أي: بیت بشر - خرج الورع)).
■ قال محمد بن الدينوري يقول: ((سعت بشر بن الحارث وسُئِلَ: ما
كان بدء أمرك؛ لأن اسمك بين الناس كأنه اسم نبيّ؟ قال: هذا من فضل
الله، وما أقول لكم؟ كنت رجلاً عُيَّارًا صاحب عصبية، فجزت يومًا، فإذا
١
أنا بقرطاس في الطريق، فرفعته فإذا فيه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْنِ الرَّحِيمِ
فمسحته وجعلته في جيبي. وكان عندي درهمان ما كنت أملك غيرهما.
فذهبت إلى العطارين فاشتريت بهما غالية. ومسحته في القرطاس. فنمت
تلك الليلة؛ فرأيت في المنام كأن قائلًا يقول: يا بشر بن الحارث! رفعت
اسمنا عن الطريق وطيّبته، لأَطيِّينَّ اسمك في الدنيا والآخرة! ثم كان ما
کان.
وحُكي أن بشرًا كان في بزمن لهوه في داره، وعنده رفقاؤه يشربون
ويطيبون. فاجتاز بهم رجل من الصالحين، فدق الباب. فخرجت إليه
جارية، فقال: صاحب هذه الدار حر أو عبد؟ فقالت: بل حرّ! فقال:
صدقت، لو كان عبدًا لاستعمل أدب العبودية وترك اللهو والطرب.
(١) المصدر السابق (ص ١٣٣).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٩٤
صلاح الأمة في علو الهمة
فسمع بشر محاورتهما فسارع إلى الباب حافيًا حاسرًا وقد وليَّ الرجل. فقال
للجارية: ويحك! من كلمك على الباب؟ فأخبرته بما جرى. فقال: أي
ناحية أخذ الرجل؟ فقالت: كذا، فتبعه بشر حتى لحقه؛ فقال له: يا
سيدي! أنت الذي وقفت بالباب وخاطبت الجارية؟ قال: نعم. قال: أعد
علي الكلام. فأعاده عليه. فمرغ بشر خدَّيه على الأرض وقال: بل عبدٌ
عبدٌ! ثم هام على وجهه حافيًا حاسرًا حتى عُرف بالحفاء. فقيل له: لم لا
تلبس نعلًا؟ قال: لأني ما صالحني مولاي إلّا وأنا حافٍ، فلا أزول عن
هذه الحالة حتى الممات)) (١).
■ وعن فاطمة بنت أحمد أخت أبي عليّ الروذباري، قالت: ((كان
ببغداد عشرة فتيان معهم عشرة أحداث. فوجهوا واحدًا من الأحداث في
حاجة لهم؛ فأبطأ، فحردوا عليه. فجاء وهو يضحك، وبيده بطيخة. فقالوا
له: تبطئ وتجيء وأنت تضحك؟! فقال: جئتكم بأعجوبة؟ وضع بشر يده
على هذه البطيخة فاشتريتها بعشرين درهمًا. فأخذ كل واحد منهم يقبّلها
ويضعها على عينه. فقال واحد منهم: بأي شيء بلغ بشر هذه المرتبة؟
فقالوا: بالتقوى فقال: هو يُشهدكم أنه تائب إلى الله تعالى، فقال القوم
كلّهم مثله. ويقال: إنهم خرجوا إلى طرسوس فاستُشهدوا كلهم -رحمة
الله عليهم -)).
■ أنبأ الإمام الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد السِّلَفي قال: أنا أبو
الحسين بن الطيوري، أنا أبو القاسم عبد العزيز بن أحمد بن الفضل، أنا أبو
الحسن علي ابن عبد الله بن الحسن بن جهضم، ثنا علي بن هارون، ثم
(١) ((كتاب الترابين)) (ص ١٣٥).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٩٥
علو الهمة في التوبة
محمد بن مخلد قال أبو الفتح بن مخرق: ((تعلق رجل بامرأة من بنات الشام
فتعرّض لها بيده سكين، لا يدنو منه أحد إلَّا عقره، وكان الرجل شديد
البدن. فبينا الناس كذلك، والمرأة تصيح من يده، إذ مرّ بشر بن الحارث؛
فدنا منه وحك كتفه بكتف الرجل. فوقع الرجل إلى الأرض، ومضى بشر.
فدنوا من الرجل وهو يرشح عرقًا كثيرًا؛ ومضت المرأة بحالها. فسألوه: ما
حالك؟ فقال: ما أدري، ولكني حاكني شيخ، وقال: إن الله ناظر إليك
وإلى ما تعمل! فضعفت لقوله قدمي وهبته هيبة شديدة، لا أدري من ذاك
الرجل. فقالوا له: ذاك بشر بن الحارث. فقال: واسوءتاه! كيف ينظر إليّ
بعد اليوم؟ وحُمَّ الرجل من يومه، ومات اليوم السابع))(١).
توبة أبي محمد حبيب العجمي أو الفارسي صاحب المكرمات ومجاب
الدعوات :
كان زَمّتْهُ مرابية وكان إذا مرّ بالشارع قال الصبيان: هذا أبو محمد
حبيب العجمي المرابي.
كان سبب إقبال حبيب أبي محمد على الآجلة وانتقاله عن العاجلة
حضوره مجلس الحسن فوقعت موعظته في قلبه، فخرج عما كان يتصرف
فيه ثقة بالله ومكتفيًا بضمانه، فاشترى نفسه من الله، فتصدق بأربعين ألف
درهم في أربع دفعات: تصدق بعشرة آلاف درهم في أول النهار، فقال: يا
رب! قد اشتريتُ نفسي منك بهذا، ثم أتبعها بعشرة آلاف أخرى، فقال:
هذه شكرًا لما وفّقتني له؛ ثم أخرج عشرة آلاف أخرى فقال: يا رب! إن لم
تقبل مني الأولى والثانية فاقبل مني هذه؛ ثم تصدق بعشرة آلاف أخرى،
(١) المصدر السابق (ص١٣٦).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٩٦
صلاح الأمة في علو الهمة
فقال: يا رب! إن قبلت مني الثالثة فهذه شكرًا لها))(١).
توبة مالك بن دينار رحماللهُ:
■ روي عن مالك بن دينار أنه سئل عن سبب توبته، فقال: ((كنت
شرطيًّا وكنت منهمكا على شرب الخمر، ثم إنني اشتريتُ جارية نفيسة؛
ووقعت مني أحسن موقع، فولدت لي بنتًا. فشغفتُ بها؛ فلما دبت على
الأرض ازدادت في قلبي حبًا، وألفتني وألفتها. قال: فكنت إذا وضعتُ
المسكر بين يديَّ جاءت إليَّ وجاذبتني عليه وهرَقته من ثوبي، فلما تم لها
سنتان ماتت فأكمدني حزنها. فلما كانت ليلةُ النصف من شعبان، وكانت
ليلة الجمعة، بت ثملًا (٢) من الخمر؛ ولم أصلِّ فيها عشاء الآخرة. فرأيت
فيما يرى النائم كأن القيامة قد قامت، ونفخ في الصور، وبعثرت القبور،
وحُشر الخلائق، وأنا معهم. فسمعت حسًا من ورائي، فالتفت، فإذا أنا
بتنِّينٍ (٣) أعظم ما يكون أسود أزرق قد فتح فاه مسرعًا نحوي. فمررت
بين يديه هاربًا فزعًا مرعوبًا. فمررت في طريقي بشيخ نقيِّ الثوب طيب
الرائحة؛ فسلمت عليه فردّ السلام. فقلت: أيها الشيخ! أجرني من هذا
التّنِّين أجارك الله، فبكى الشيخ وقال لي: أنا ضعيف وهذا أقوى مني وما
أقدر عليه؛ ولكن مر وأسرع فلعل الله أن يتيح لك ما ينجيك منه. فوليت
هاربًا على وجهي، فصعدتُ على شرف من شُرَف القيامة، فأشرفت على
طبقات النيران، فنظرت إلى هولها، وكدت أهوي فيها من فزع التنِّين؛
فصاح بي صائح، ارجع فلست من أهلها! فاطمأننت إلى قوله ورجعت،
(١) ((حلية الأولياء)) (١٤٩/٦)، و((التوابين)) (ص١٢٩).
(٢) أي: قد ذهب عقله من السكر، وأخذ منه الشرب مأخذًا.
(٣) التنِين: نوعمن الحيّات، عظيم كبير الحجم.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٩٧
علو الهمة في التوبة
ورجع التِّّين في طلبي، فأتيت الشيخ فقلت: يا شيخ! سألتك أن تجيرني
من هذا التّنِين فلم تفعل. فبكى الشيخ، وقال: أنا ضعيف ولكن سر إلى
هذا الجبل، فإن فیه ودائع المسلمین، فإن كان لك
فيه وديعة فستنصرك. قال: فنظرت إلى جبل مستدير من فضة، وفيه
كوى مخرمة وستور معلق، على كل خوخة وكوة مصراعان من الذهب
الأحمر، مفصّلة باليواقيت مكوكبة بالدر، على كل مصراع ستر من الحرير.
فلما نظرت إلى الجبل وليت إليه هاربًا والتنِّين من ورائي؛ حتى إذا قربت
منه صاح بعض الملائكة: ارفعوا الستور وافتحوا المصاريع وأشرفوا!
فلعل لهذا البائس فيكم وديعة تجيره من عدوِّه. فإذا الستور قد رُفعت
والمصاريع قد فتحت، فأشرف علي من تلك المخرَّمات أطفال بوجوه
كالأقمار، وقرب التنِّين مني، فتحيرت في أمري. فصاح بعض الأطفال:
ويحكم! أشرفوا كلكم فقد قرب منه عدوه. فأشرفوا فوجًا بعد فوج، وإذا
أنا بابنتي التي ماتت قد أشرفت علي معهم. فلما رأتني بكت وقالت: أبي
والله! ثم وثبت في كفة من نور كرمية السهم حتى مثلت ين يدَّي. فمدت
يدها الشمال إلى يدي اليمنى فتعلّقت بها، ومدت يدها اليمنى إلى التنِّين
فولی هاربًا.
ثم أجلستني وقعدت في حجري وضربت بيدها اليمنى إلى لحيتي،
وقالت: يا أبت، ﴿* أَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوَ أْأَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد:
١٦ ].
فبكيت وقلت: يا بنية! وأنتم تعرفون القرآن؟ فقالت: يا أبت! نحن
أعرف به منكم. قلت: فأخبريني عن التنِّين الذي أراد أن يهلكني. قالت:
ذلك عملك السوء قوَّيته فأراد أن يغرقك في نار جهنم. قلت: فأخبريني
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٩٨
صلاح الأمة في علو الهمة
عن الشيخ الذي مررتُ به في طريقي. قالت: يا أبت! ذلك عملك
الصالح أضعفته حتى لم يكن له طاقة بعملك السوء. قلت: يا بنية! وما
تصنعون في هذا الجبل؟ قالت: نحن أطفال المسلمين قد أسكنا فيه إلى أن
تقوم الساعة ننتظركم تقدمون علينا فنشفع لكم. قال مالك: فانتبهت
فزعًا وأصبحت فأرقت المسكر وكسرت الآنية وتبت إلى الله وَّ. وهذا
كان سبب توبتي))(١).
توبة داود الطائي تحمّلهُ:
■ قال الحماني: ((كان بدء توبة داود الطائي أنه دخل المقبرة فسمع امرأة
عند قبر وهي تقول:
لقاؤكَ لا يُرْجى وأنت قريبُ
مُقيمٌ إلى أن يبعثَ الله خلقهُ
وتُسلى كما تبلى وأنت حبيبُ
تزيدُ بلى في كلِّ يوم وليلةٍ
■ وقال أبو نعيم: ((قدم داود من السواد دلا يفقه؛ فلم يزل يتعلّم
ويتعبَّد حتى ساد أهل الكوفة)).
■ وقال يوسف بن أسباط: ((ورث داود عشرين دينارًا فأكلها في
عشرين سنة)).
■ قال أبو نعيم: ((كان داود يشرب الفتيت ولا يأكل الخبز)).
وقال: ((بين مضغ الخبر وشرب الفتيت قراءة خمسين آية)).
ودخل إليه يومًا رجل، فقال: ((إن في سقف بيتك جذعًا قد انكسر.
فقال: يا ابن أخي! إني في هذا البيت منذ عشرين سنة. ما نظرت إلى
(١) ((التوابين)) (ص ١٣٠ - ١٣٢).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
علو الهمة في التوبة
٥٩٩
السقف. وكانوا يكرهون فضول النظر كما يكرهون فضول الكلام (١) (٢).
توبة القعنبي أعماله:
■ قال أبو العباس أحمد بن محمد بن الصباح البزاز: ((لم يرو القعنبي
عن شعبة غير هذا الحديث الواحد وله شرح: حدثني بعض القضاة عن
بعض ولد القعنبي بالبصرة، قال: كان أبي يشرب النبيذ ويصحب
الأحداث. فدعاهم يومًا وقد قعد على الباب ينتظرهم. فمر شعبة على
حماره والناس خلفه يهرعون. فقال: من هذا؟ قيل: شعبة. قال: وأيشُ
شعبة؟ قالوا: محدِّث. فقام إليه وعليه إزار أحمر. فقال له: حدّثني. فقال
له: ما أنت من أصحاب الحديث فأحدثك. فأشهر سكينه (٣) وقال:
تحدّثني أو أجرحك؟ فقال له: حدثنا منصور عن ربعي عن أبي مسعود
قال: قال رسول الله وَله: ((إذا لم تستح فاصنع ما شئت)) (٤). فرمى سكينه
ورجع إلى منزله. فقام إلى جميع ما كان عنده من الشراب فهراقه، وقال
لأمه: الساعة أصحابي يجيئون، فأدخليهم وقدِّمي الطعام إليهم؛ فإذا أكلوا
فخبريهم بما صنعتُ بالشراب حتى ينصرفوا، ومضى من وقته إلى المدينة،
فلزم مالك بن أنس،فأثر عنه. ثم رجع إلى البصرة وقد مات شعبة، فما
سمع منه غیر هذا الحديث))(٥).
(١) فضول النظر: ما زاد عن الحاجة، وفضول الكلام: ما ليس له نفعٌ للمتكلّم
والسامع.
(٢) ((التوابين)) (ص١٣٢).
(٣) أشهر سکینه: أي سلُّه ورفعه.
(٤) رواه البخاري حديث رقم (٣٤٨٤).
(٥) ((التوابين)) (ص١٤٠).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٦٠٠
صلاح الأمة في علو الهمة
توبة عكبر الكردي:
قال الإمام ابن قدامة: ((قرأت في ((الملتقط)) عن بشر بن الحارث
الحافي أنه قال: اعترضت عكبر الكردي، فقلت له: أيش كان أصل
رجوعك إلى الله تعالى؟ فقال: كنت في بعض الدحال (١) أقطع الطريق،
وكان فيها ثلاث نخلات، نخلة منهن لا تحمل وإذا بعصفور يأخذ من
حمل النخلة التي تحمل رطبة فيدعها في التي لا تحمل. فلم أزل أعد عليه
عشر مرار؛ فخطر بقلبي: قم وانظر! فنهضت، فإذا في رأس النخلة حية
عمياء -يعني وهو يضع الرطبات في فيها- فبكيت، وقلت: سيدي! هذه
حية قد أمر نبيُّك بقتلها؛ أعميتها وأقمت لها عصفورًا يقوم لها
بالكفاية؛ وأنا عبدك، أقر بأنك واحد، أقمتني لقطع الطريق وإخافة
السبيل؟! فوقع في قلبي: يا عكبر! بابي مفتوح. فكسرتُ سيفي، ووضعتُ
التراب على رأسي، وصحت: الإقالة! الإقالة! فإذا بهاتف يقول: قد
أقلناك! قد أقلناك! فانتبه رفقائي، فقالوا: ما لك؟ قد أزعجتنا! فقلت:
كنت مهجورًا، وقد صولحت. فقالوا: ونحن أيضًا كنا مهجورین، وقد
صولحنا. فرمينا ثيابنا وأحرمنا كلنا. فما زلنا كذلك ثلاثة أيام نصيح
ونبكي ونحن سُكارى حيارى. فوردنا اليوم الثالث على قرية؛ وإذا بامرأة
عمياء جالسة على باب القرية. فقالت: فيكم عكبر الكردي؟ فقال أحدنا:
نعم، لك حاجة؟ قالت: نعم؛ لي ثلاث ليال أرى النبي وَّه في النوم، وهو
(١) الدَّحْل : - ويضم- نقب ضیق فمه، متسع أسفله، حتى يمشي فيه، وربما أنبت
السدْرَ، أو مدخل تحت الجرف، أو في عرض خشب البئر في أسفلها، أو خرق
في بيوت الأعراب يجعل لتدخله المرأة إذا دخل داخل. ((القاموس المحيط))
(ص١٢٩).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com