النص المفهرس

صفحات 501-520

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٠١
علو الهمة في التوبة
إلَّا ما أُشْرِب من هَوَاهُ))(١).
(٣٩) التوبة سبب لرفع البلايا:
** فالمصائبُ التي تحلّ بالإنسان قد تكون بسبب ذنوبه، كما قال تعالى:
وَمَآ أَصَبَكُمْ مِّن ◌ُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ
٣٠
﴾ [الشورى].
وقال تعالى: ﴿ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُواْ
[البقرة].
٥٩
يَفْسُقُونَ
** وتأتي التوبة رافعةً للبلايا، كما قال تعالى عن نبيه يونس عليه:
فَلَوْلَا أَنَّهُ, كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ
١٤٤
لَبِثَ فِى بَطْنِهِ، إِلَ يَوْمِ يُبْعَثُونَ
١٤٣
[الصافات].
(٤٠) التوبة سبب لدخول الجنة والبعد عن النار:
قال تعالى: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا
[مريم].
٦٠
يُظْلَمُونَ شَيْئًا
* وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةُ نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ
أَنْ يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَبِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ يَوْمَ لَا
يُخْرِى اللَّهُ النَّبِىَّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ, نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَنِهِمْ يَقُولُونَ
[التحريم].
رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَأَغْفِرْ لَنَّأَ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
• وقال رسول الله وَله: ((طوبى لمن وجَد في صحيفته استغفارًا
آخر من أوْصافه، بأنه قُلِب ونُكِس حتى لا يعلق به خير ولا حكمة، ومثّله
بالكوز المجخي، وبيَّنه بقوله: لا يعرف معروفًا ولايُنكِرِ منكرًا».
(١) أخرجه مسلم (ح١٤٤).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
صلاح الأمة في علو الهمة
٥٠٢
كثيرًا)) (١).
* وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ, يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِهِمْ
وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةٌ وَعِلْمًا
[غافر].
٧
فَأَغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ أَلْحَمِ
(٤١) ومن عِظم التوبة والاستغفار أن الله أقام صفوة خلقه من النبيين
والمرسلين يستغفرون للمؤمنين قبل وجودهم:
* قال نوح علَّ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِ وَلِوَلِدَىَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا
وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ ﴾ [نوح: ٢٨].
: وقال تعالى لخليله: ﴿ رَبَّنَا أَغْفِرْ لِ وَلِوَلِدَىَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ
اُلْحِسَابُ
[إبراهيم].
٤١
*وقال لنبيه وَله: ﴿وَأَسْتَغْفِرْ لِذَئِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ
[محمد: ١٩].
(٤٢) وأخيرًا: التوبة فرار من ظلم النفس:
*فقد قسَّم الله العباد إلى تائب وظالم، وما ثمَّ قسمٌ ثالث ألبتة، فقال
[الحجرات]، ولا أظلمٌ مِن
تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَكَ هُ الظَّالِمُونَ
العاصي لجهله بعيب نفسه وآفات عمله و عدم توقیره لربه.
(١) صحيح: رواه ابن ماجه (٣٨١٨) عن عبد الله بن بسر، وأبو نعيم عن عائشة،
وأحمد في ((الزهد)) عن أبي الدرداء موقوفًا. وصححه الضياء، والبوصيري،
والألباني في ((صحيح الجامع)) (٣٩٣٠)، و(«تحقيق المشكاة)) (٢٣٥٦).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
علو الهمة في التوبة
٥٠٣
من علو الهمة في التوبة أن تعي حقائقها ومعانيها وسرائرها ولطائفها،
وتُحقّق ذلك عِلْمًا وعملاً وحالاً:
ما هي التوبة؟
التوبةُ هي رجوع العبد إلى الله. والهدايةُ التامة لا تكون مع الجهل
بالذنوب، ولا مع الإصرار عليها. فإن الأوَّل: جهلٌ يُنافي معرفة الهدى،
والثاني: غَيُّ ينافي قصده وإرادته. فلذلك لا تصحُّ التوبة إلَّا بعد معرفة
الذنب، والاعترافٍ به، والتخلّص من سوء عواقبه أوَّلًا وآخرًا.
■ قال الهروي عن التوبة: «هي أن تنظرَ في الذنب إلى ثلاثة أشياء:
أ- إلى انخلاعك من العصمة حين إتيانه.
ب- وفرحك عند الظَّفَر به.
جـ- وقعودك على الإصرار عن تدار كه، مع تيقّنك نظرَ الحق إليك.
أ- انخلاعك عن العصمة حین إتيانه.
أي: انخلاعه عن اعتصامه، أو عصمة الله إياه.
■ قال ابنُ القيم رَحمّلهُ: ((يحتمل أن يريد بالانخلاع عن العصمة:
انخلاعه عن اعتصامه بالله؛ فإنه لو اعتصم بالله لما خرج عن هداية الطاعة.
[آل
قال الله تعالى: ﴿ وَمَن يَعْنَصِمٍ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْنَقِيمٍ
عمران]، فلو كملت عصمته بالله لم يخذله أبدًا.
قال الله تعالى: ﴿ وَأَعْتَصِمُواْ بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَئِكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ
٧٨
[الحج]، أي: متى اعتصمتم به تولاكم ونصركم على أنفسكم وعلى
الشيطان. وهما العدوانِ اللذانِ لا يفارقان العبد، وعداوتُهما أضرُّ من
عداوة العدو الخارجي. فالنصرُ على هذا العدو أهم، والعبدُ إليه أحوج،
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٠٤
صلاح الأمة في علو الهمة
وكمالُ النصرة على العدو بحسب كمال الاعتصام بالله.
وسيأتي الكلام - إن شاء الله تعالى- بعد هذا في حقيقة ((الاعتصام))
وأن الإيمان لا يقوم إلَّا به.
ويحتملُ أن يريد الانخلاعَ من عصمة الله لك، وأنك إنما ارتكبتَ
الذنب بعد انخلاعك من توبةٍ عصمته لك، فمتى عرف هذا الانخلاع
وعظمَ خَطَرِه عنده، واشتدت عليه مفارقتُه، وعلم أن الهُلْك كل الهلك
بَعْده، وهو حقيقةُ الخذلان، فما خَلَّى الله بينك وبين الذنب إلَّا بعد أن
خذلك، وخلَّى بينك وبين نفسك، ولو عصمك ووفقك لما وجد الذنبُ
إليك سبيلاً.
فقد أجمع العارفون بالله على أن الخُذلان: أن يَكِلِكَ الله إلى نفسك،
ويخلَيَ بينك وبينها. والتوفيق: أن لا يَكِلَكَ اللهُ إلى نفسك، وله سبحانه في
هذه التخلية - بينك وبين الذنب وخذلانك حتى واقَعَتْه - حكَمٌ وأسرار.
وعلى الاحتمالين فترجع ((التوبة)) إلى اعتصامك به وعصمته لك))(١).
ب- فرحك عند الظفر بالمعصية :
■ قال ابن القيم رحمهُ: «الفرحُ بالمعصية دليلٌ على شدة الرغبة فيها،
والجهلُ بقدر من عصاه، والجهلُ بسوء عاقبتها وعظم خطرها، ففرحُه بها
غطّى عليه ذلك كله، وفرحُه بها أشدُّ ضررًا عليه من مواقعتها، والمؤمنُ لا
تتُّ له لذةٌ بمعصيةٍ أبدًا، ولا يكمُل بها فرحُه، بل لا يباشرُها إلَّا والحزنُ
مخالطٌ لقلبه، ولكنَّ سُكرَ الشهوة يحجبه عن الشعور به، ومتى خَليَ قلبه
من هذا الحزن. واشتدت غِبطتُه وسروره، فلْيَتَّهم إيمانَه، ولْيَيْكِ على موت
(١) (مدارج السالكين) (١٧٩/١ - ١٨٠).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٠٥
علو الهمة في التوبة
قلبه؛ فإنه لو كان حيًّا لأحزنه ارتكابه للذنب، وغاظه وصعُب عليه، ولا
يُحِسُ القلبُ بذلك، فحيث لم يُحِسَّ به فما لجُرح بميتٍ إيلامٌ.
وهذه النكتةُ في الذنب قلَّ مَن يهتدي إليها أو ينتبَّهُ لها، وهي موضعٌ
تَوفٌ جدًّا، مترام إلى هلاك إن لم يُتدارك بثلاثة أشياء: خوفٌ من الموافاة
عليه قبل التوبة. وندمٌ على ما فاته من الله بمخالفة أمره، وتشميرٌ للجد في
استدراکه)»(١).
■ وقال ابنُ الجوزي ◌َمْذّْهُ: ((لا يَنالُ لذَّةَ المعاصي إلَّا سكرانُ الغفلة.
فأما المؤمن؛ فإنه لا يلتذَّ؛ لأنه عند التذاذه يقفُ بإزائه عَلَمُ التحريمِ
وحذرُ العقوبة.
فإن قويتْ معرفتُه؛ رأى بعين علمِه قُرْبَ الناهي، فيتنغَّص عيشهُ في
حال التذاذه.
فإن غَلَبَ سُكْرُ الهوى؛ كان القلبُ متنقِّصًا بهذه المراقبات، وإن كان
الطبع في شهوتهِ.
وما هي إلَّا لحظةٌ، ثم خُذْ مِن غريم نَدَم ملازم، وبكاءٍ متواصل،
وأسفٍ على ما كان مع طولِ الزَّمان، حتى إنَّه لو تيقّن العفوَ؛ وقف بإزائه
حَذَر العتاب.
فأُفِّ للذنوب! ما أقبحَ آثارَها! وما أسوأْ أخبارَها! ولا كانت شهوةٌ لا
تُنال إلَّا بمقدار قوة الغفلة)) (٢).
(١) ((مدارج السالكين)) (١ / ١٨٠ - ١٨١).
(٢) ((صيد الخاطر)) (ص٢٣٥ - ٢٣٦).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٠٦
صلاح الأمة في علو الهمة
جـ: ((وقعودك على الإصرار عن تداركه)):
] قال ابن القيم تحمّهُ: ((الإصرار: هو الاستقرارُ على المخالفة،
والعزمُ على المعاودة. وذلك ذنبٌ آخر، لعلّه أعظمُ من الذنب الأول
بكثير. وهذا من عقوبةِ الذنب: أنه يوجِبَ ذنبًا أكبر منه، ثم الثاني كذلك،
ثم الثالث كذلك، حتى يستحكم الهلاك.
فالإصرار على المعصية معصيةٌ أخرى، والقعودُ عن تدارك الفارط من
المعصية إصرارٌ ورضًا بها وطمأنينةٌ إليها، وذلك علامةُ الهلاك، وأشد من
هذا كله: المجاهرةُ بالذنب، مع تيقُنِ نظرِ الرب ◌ّله من فوق عرشه إليه،
فإن آمَن بنظره إليه وأقدم على المجاهرة فعظيم، وإن لم يؤمِنْ بنظره إليه
واطلاعه عليه فكُفرٌ وانسلاخٌ من الإسلام بالكلية. فهو دائرٌ بين الأمرين:
بين قلّة الحياء، ومجاهرةٍ نظر الله إليه، وبين الكفر والانسلاخ من الدين،
فلذلك يُشترطُ في صحة التوبة تيقّنُه أن الله كان ناظرًا -ولا يزال- إليه
مطلعًا عليه، يراه جَهْرةً عند مواقعة الذنب؛ لأن التوبةَ لا تصحُّ إلَّا من
مسلم، إلَّا أن يكون كافرًا بنظر الله إليه جاحدًا له، فتوبتُه دخولُه في
الإسلام، وإقرارُه بصفات الرب حَال))(١).
■ كان أحدُ العُبَّاد يبكي ويقول: ((يا رب أَتُراك ترحم مَن لم تقرَّ عيناه
بالمعاصي حتى علم أن لا عين تراه غيرك)).
■ قال بلالُ بن سعد: «لا تنظرُ إلى صِغَرِ الخطيئة، ولكنِ انظرْ مَن
عصيت؟))(٢).
(١) ((مدارج السالكين)) (١/ ١٨١).
(٢) ((حلية الأولياء)) (٢٥٤/٥).
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
علو الهمة في التوبة
٥٠٧
ويحك -يا عبد السَّوء -! لمَ جعلتَ اللهَ أهون الناظرين إليك؟! أفكان
اللهُ وَّ أهونَ عليك من بعض خلقه؟ !!.
■ قال ابن عباس ﴿إنضها: «يا صاحبَ الذنب، لا تأمننَّ من سوء عاقبته.
ولَمَا يتبع الذنبَ أعظمُ من الذنب إذا عملتَه؛ قلَّةُ حيائك ممن على اليمين
والشمال -وأنت على الذنب- أعظمُ من الذنب الذي عملته. وضَحِكُكَ
-وأنت لا تدري ما اللهُ صانعٌ بك- أعظم من الذنب. وفرحُك بالذنب
-إذا ظفرت به- أعظم من الذنب: وحزنُك على الذنب - إذا فاتك-
أعظم من الذنب إذا ظفرت به. وخوفُك من الريح إذا حرَّكت ستْرَ بابك
-وأنت على الذنب- أعظمُ من الذنب، ولا يضطرب فؤادُك من نظر الله
إليك-أعظم من الذنب إذا عملته) (١).
شرائط التوبة: الندم، والإقلاع، والعزم على أن لا يعود إليه .. أضف إليها
الاعتذار:
[ قال الهروي: ((وشرائطُ التوبة ثلاثةٌ: الندم، والإقلاع، والاعتذار).
قال ابن القيم معلِّقًا وشارحًا: ((فحقيقةُ التوبة: هي الندمُ على ما
سلف منه في الماضي، والإقلاعُ عنه في الحال. والعزمُ على ألّا يعاودَه في
المستقبل.
والثلاثةُ تجتمعُ في الوقت الذي تقعُ فيه التوبة، فإنه في ذلك الوقت
یندم، ويُقلع، ويعزم.
فحينئذٍ يرجعُ إلى العبودية التي خُلق لها، وهذا الرجوعُ هو حقيقةُ
التوبة.
(١) ((الحلية)) (٣٢٤/١).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٠٨
صلاح الأمة في علو الهمة
ولما كان متوقفًا على تلك الثلاثة، جُعلت شرائطَ له.
فأما الندم: فإنه لا تتحققُ التوبة إلَّا به، إذ مَن لم يندم على القبيح،
فذلك دليلٌ على رضاه به، وإصراره عليه. وفي ((المسند)): ((الندم توبة))(١).
■ قال عكرمة: ((كلُّ حزن يَبلَى إِلَّا حُزن التائب)»(٢).
ونقف مع الندم وقفة طويلة :
﴿ بَحَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطَتُ فِ جَتْبِ اللَّهِ
قال ابن الجوزي: «تفكرَّتُ في نفسي يومًا تفكّرَ محقَّق، فحاسبتها
قبل أن تحاسَبَ، ووزنتُها قبل أن تُوزن، فرأيتُ اللطف الربانيّ:
فمنذ الطفولة وإلى الآن أرى لُطفًا بعد لُطفٍ، وسترًا على قبيح، وعفوًا
عَمَّا يُوجب عقوبةً، وما أرى لذلك شُكْرًا إلَّ باللسانِ.
ولقد تفكَّرتُ في خطايا؛ لو عُوقبتُ ببعضها، لهلكتُ سريعًا، ولو
كُشِف للناس بعضُها لاستحييتُ .. فصرتُ إذا دعوتُ؛ أقول: اللهمَّ!
بحمدكَ وسَتْركَ عليَّ اغفر لي!
ثم أنا أتقاضى القدرَ مراداتي، ولا أتقاضى نفسي بصبرٍ على مكروه ولا
بشكر على نعمةٍ.
فأخذتُ أنوُ على تقصيري في شُكْر المنعم وكوني أتلذَّذُ بإيرادِ العِلْم
من غير تحقيق عمل بهِ! وقد كنتُ أرجو مقامات الكبارِ؛ فذهب العمرُ
وما حصل المقصودُ !! فوجدتُ أبا الوفاءِ بن عَقيل قد نحا نحوَ ما نُحْتُ،
فأعجبتني نياحتُهُ، فكتبتها ها هنا ..
(١) ((مدارج السالكين)) (١ / ١٨٢).
(٢) ((حلية الأولياء)) (١٠١/٨).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٠٩
علو الهمة في التوبة
قال لنفسه: يا رعناءُ! تُقَوِّمين الألفاظ ليُقال: مناظر !! وثمرةُ هذا أن
يُقال: يا مناظرُ! كما يقالَ للمصارع الفاره (١) .
ضيَّعتِ أعَزَّ الأشياء وأنفسَها عند العقلاء -وهي أيام العُمرُ-، حتى
شاع لك بين من يموتُ غدًا اسمُ مناظر، ثم يُنْسَى الذاكرُ والمذكورُ إذا
درستِ القلوب! هذا إن تأخّرَ الأَمرُ إلى موتِكِ، بل ربَّما نشأ شاب أفره
منك، فموَّهوا له، وصار الاسم له !! والعقلاء عن الله تشاغلوا بما إذا
انْطَووا نَشَرَهم(٢)، وهو العملُ بالعِلْمِ، والنظر الخالصُ لنفوسهم.
■ أُفِّ لنفسى! وقد سطرتُ عدَّة مجلّدات في فنون العلوم وما عبَقَ(٢)
بها فضيلة، إِنْ نُوظِرَتْ؛ شَمَخَتْ، وإنْ نوصِحَتْ؛ تَعَجْرَفَتْ، وإنْ لاحتِ
الدنيا؛ طارت إليها طيران الرَّخَم(٤)، وسقطتْ عليها سقوط الغُرَاب على
الجِيَفِ! فليْتَها أخذتْ أَخْذَ المضطرِّ مِن الميتة! توفّر في المخالطة عيوبًا تُيلي
ولا تحتسِمُ نظَرَ الحقِّ إليها !! وإن انكسرَ لها غَرَضٌ تضجَّرَتْ؛ فإن أُمِدَّت
بالنِّعم؛ اشتغلت عن المنعِم !!
أُفِّ والله مني اليوم على وجه الأرضِ وغدًا تحتها!
والله؛ إِنَّ نتَنَ جسدي بعد ثلاثٍ تحت التراب أقلّ من نتنِ خلائقي
وأنا بين الأصحاب!
والله؛ إنني قد بهرَني حِلْمُ هذا الكريم عني، كيف يسترني وأنا أتهتَّك
ويجمعني وأنا أتشتَّتُ؟ وغدًا يُقال: مات الحبرُ العالِمُ الصالحُ، ولوْ عرفوني
(١) الفارع: الجيد البارع.
(٢) يعني: إذا ماتوا أحيا ذِكرهم.
(٣) يعني: ما علق بنفسه فضيلة.
(٤) الرَّخَم: نوعٌ من أنواع الطيور الجارحة.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥١٠
صلاح الأمة في علو الهمة
حقّ معرفتي بنفسي ما دَفَنوني.
والله؛ لأَنَادِينَّ على نفسى نداء المكشِّفين معائب الأعداءِ، ولأنُوحَنَّ
نَوْحِ الثَّاكِلِينَ للأبناء؛ إِذْ لا نائحَ ينوحُ عليَّ لهذه المصائب المكتومةِ والخلال
المُغطّاة التي قد سَتَرَها مَن خَبَرَها وغَطَّها مَن عَلِمَها والله؛ ما أجِدُ لنفسي
خَلَّةً أستحسنُ أن أقول متوَسِّلًا بها: اللهُمَّ! اغفر لي كذا بكذا.
والله؛ ما التفتُ قطَّ إلَّا وجدتُ منه سبحانه برًّا يكفيني ووقاية تحميني
مع تسلّطِ الأعداء، ولا عَرَضتْ حاجةٌ فمددْتُ يدي إلَّا قضاها.
هذا فِعلُه معي وهو ربُّ غنيٌّ عنِّي، وهذا فعلي وأنا عبدٌ فقير إليه !!
ولا عُذْر لي فأقولُ: ما دريتُ! أو: سهوتُ! والله؛ لقد خلقني خلقًا
صحيحًا سليمًا، ونوَّر قلبي بالفِطْنَةِ، حتى إنّ الغائبات والمكنونات
تنگشِفُ لفهمي.
فوا حسرتاه على عُمُرِ انقضَى فيما لا يطابقُ الرِّضَى! واحِرْماني لمقامات
الرجال الفطناء! يا حسْرَتا على ما فَرَّطْتُ في جَنب الله وشماتةِ العدوِّ بي!
واخيبةَ من أحسن الظنَّ بي إذا شهدت الجوارحُ عليّ! واخذلاني عند إقامة
الحجّة!
سَخِرِ والله مني الشيطان وأنا الفَطِنِ !!
اللهم! توبةً خالصةً من هذه الأقذار، ونهضةً صادقةً لتصفية ما بقي
من الأكدار! وقد جئتُكَ بعد الخمسينَ، وأنا من خَلَق المتاع، وأبى العلمُ
إلَّا أن يأخذ بيدي إلى معدِنِ الكرم، وليس لي وسيلةً إلّ التأسُّفُ والندم؛
فوالله؛ ما عصيتُك جاهلًا بمقدار نِعَمِك، ولا ناسيًا لما أسلفتَ مِن كَرَمِكَ؛
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥١١
علو الهمة في التوبة
فاغفرْ لي سالفَ فعلي))(١).
٠
أنا العبد:
وصَدَّتْه الأمَاني أن يَتُوبَا
أنا العَبْدُ الذي كَسَبَ الُّنُوبَا
أنا العَبْدُ الذي أضْحَى حَزِينًا
أنا العَبْدُ الذي سُطِرَتْ عَلَيْهِ
أنا العبدُ المُسِئُ عَصَيتُ سِرًّا
أنا العَبْدُ الْمُفَرِّطُ ضَاعَ عُمْرِي
أنا العبْدُ الغَرِيقُ بلُجِّ بَحْرٍ
أنا العَبْدُ السَّقِيمُ من الخطايا
أنا العَبْدُ المُخَلَّفُ عَنْ أُناسٍ
أنا العبدُ الشَّرِيدُ ظلمتُ نَفْسِي
أنا العبد الفقيرُ مَدَدْتُ كَفِّی
أنا الغذَّارُ كمْ عاهدتُ عَهْدًا
أنا المقطوعُ فارحمني وَصِلْني
أنا المُضْطِرُّ أرجو منك عَفْوًا
فيا أسَفَى على عُمْرٍ تَقَضَّى
وأحذَرُ أن يُعَاجِلَني مماتٌ
ويا حُزْنَاهُ مَن حَشْرِي وَنَشْرِي
على زلَّاتِهِ قَلِقًا كَئِيبا
صَحَائِفُ لَمْ يَخَفْ فيها الرَّقِيبا
فمَالٍ الآن لا أُبْدِي النَّحيبا
فَلَمْ أَرْعَ الشَّبيبةَ والمشِيبًا
أَصِيحُ لِرُبَّما ألْقَى مُجِيبا
وقد أَقْبَلْتُ ألتمسُ الطَّبِيَا
حَوَوْا مِنْ كُلِّ معروفٍ نَصیبًا
وقد وافيتُ بَابَكُمُ مُنِيبا
إليكُمْ فادفعوا عَنِّي الْخُطُوبَا
وكنتُ علَى الوفاءِ بِه كَذُوبَا
ويَسِّرْ منكَ لي فرجًا قريبًا
ومن يَرْجُو رضاك فلن يَخِيبا
ولم أكْسِبْ به إِلَّ الذُّنُوبَا
يُخَيِّ هوْلُ مضْرَعِه اللبِيبا
بيوم يجعلُ الولدانَ شِيبًا
(١) ((صيد الخاطر)) (ص٧٣٦ - ٧٣٩).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://web lessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥١٢
صلاح الأمة في علو الهمة
وأصْبَحتِ الجبالُ به كَئِيبًا
تَفَطَّرَتِ السَّمَاءُ به ومَارَتْ
حسيرَ الطَّرْفِ عُرْيَانًا سَلِيبا
إذا ما قُمتُ حَيْرانًا ظميئًا
ويا خَجَلاهُ من قُبْحِ اكتسابي
وذِلَّةٍ موقفٍ وحسابٍ عَدْلٍ
إذا مَا أبدتِ الصُّحُفُ العُيُوبَا
أکونُ به على نفسي حسیبا
إذَا زَفَرَتْ وأَقْلَقَتِ القُلُوبا
ويا حَذَرَاه من نارٍ تَلَظَّى
على مَنْ كان ظَلَامًا مُريبا
تَكَادُ إذا بَدَتْ تَنْشِقُّ غَيْظًا
خُطَاهُ أما آنَ الأوانُ لأنْ تَتوبا
رَأْيْنا كُلَّ مُجْتِهِدٍ مُصِيبًا (١)
فَيَا مَن مَدَّفي كَسْبِ الخَطَايَا
أَلَا فاقلعْ وَتُبْ واجْهَدْ فِأَنَّا
■ «لا بُدَّ والله من قلق وحُرْقة: إما في زواية التعبُّد .. وإمَّا في هاوية
الطرد .. إمَّا إن تحرق قلبك بنار الندم على التقصير والشوق إلى لقاء
الحبيب، وإلَّا فنار جهنم أشدَّ حرًّا .. القلق .. القلق يا من سُلِبَ قلبه ..
البكاء .. البكاء .. يا من عظم ذنبه)).
كيف لا يندم العاصي على ذنبه؟
كيف لا يندم العاصي المسيء على ذنبه، وهو يعلم أن الذنب تتبعه
خصالٌ مذمومة:
أولها: أنه أسخط الله وهو قادرٌ علیه.
والثانية: أنه فَّح إبليس -لعنه الله -.
والثالثة: أنه تباعَدَ من الجنة.
والرابع: أنه تقَّب من النار.
(١) لعلي زين العابدين.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥١٣
علو الهمة في التوبة
والخامسة: أنه قد آذى أحبَّ الأشياء إليه، وهي نفسه.
والسادسة: أنه نجَّس قلبه - وقد كان طاهرًا-، فالذنب نجاسة معنويّة.
والسابعة: أنه آذى الحفَظَة.
والثامنة: أنه أحزن النبيَّ وَّ في قبره.
والتاسعة: أنه أشهَد على نفسه السماواتِ والأرضَ -وجميع المخلوقات-
بالعِصیان.
والعاشرة: أنه خان العهدَ والأمانة مع الله رب العالمين.
الإقلاع عن الذنب:
فتستحيلُ التوبة مع مباشرة الذنب.
الاعتذار:
■ قال ابن القيم رحمه: ((وأما الاعتذار: ففيه إشكال. فإن من الناس
من يقول: مِن تمام التوبة تركُ الاعتذار، فإن الاعتذارَ محاجَّةٌ عن الجناية،
وتركُ الاعتذار اعترافٌ بها، ولا تصحُّ التوبة إلّا بعد الاعتراف، وفي ذلك
يقول بعضُ الشعراء لرئيسه، وقد عتب عليه في شيءٍ:
ولكني أقول كما تقولُ
وما قابلتُ عَنْبك باعتذار
ويحكم بيننا الخُلْقُ الجميلُ
وأطْرُقُ باب عفوك بانكسار
فلما سمع الرئیسُ مقالته قام ورکب إلیه من فوره. وأزال عَتْبه عليه.
فتمامُ الاعتراف: ترك الاعتذار، بأن يكون في قلبه ولسانه: اللهم لا
براءةً لي من ذنبٍ فأعتذر، ولا قوةً لي فأنتصر، ولكني مذنبٌ مستغفر.
اللهم لا عذرَ لي. وإنما هو محضُ حقك، ومحضُ جنايتي. فإن عفوتَ وإلّا
فالحق لك.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥١٤
صلاح الأمة في علو الهمة
والذي ظهر لي من كلام صاحب ((المنازل)): أنه أراد بالاعتذار إظهارَ
الضعفِ والمسكنة، وغلبةَ العدو، وقوةَ سلطان النفس، وأنه لم يكن مني ما
كان عن استهانةٍ بحقك، ولا جهلًا به، ولا إنكارًا لاطلاعك، ولا استهانةً
بوعيدك، وإنما كان من غلبةِ الهوى، وضعفِ القوة عن مقاومة مرض
الشهوة، وطمعًا في مغفرتك، واتكالًا على عفوك، وحُسنَ ظنٍّ بك،
ورجاءً لكرمك، وطمعًا في سَعة حلمك ورحمتك. وغَرَّني بك الغَرور،
والنفسُ الأمارةُ بالسوء، وسِترُك المرخِيُّ عليَّ، وأعانني جهلي، ولا سبيل
إلى الاعتصام لي إلّ بك، ولا معونة على طاعتك إلّا بتوفيقك.
ونحو هذا من الكلام المتضمِّنِ للاستعطاف والتذلل والافتقار،
والاعترافِ بالعجز والإقرار بالعبودية، فهذا من تمام التوبة. وإنما يسلكه
الأكياسُ المتملُّقون لربهم وَّ، والله يحب من عبده أن يتملق له.
• وفي الحديث: «تملّقوا الله))، وفي ((الصحيح)): ((لا أحدٌ أحبَّ إليه
العذر من الله)). وإن كان معنى ذلك الإعذار. كما قال في آخر الحديث:
((مِن أجل ذلك أرسَلَ الرسلَ مبشِّرين ومُنذِرين)).
[المراسلات]،
٦
عُذْرًا أَوْ نُذْرًا:
* وقال تعالى: ﴿ فَلْمُلْقِيَتِ ذِكْرًا (
فإنه من تمام عدلِه وإحسانه: أن أعذر إلى عباده، وأن لا يؤاخذَ ظالمهم إلَّا
بعد كمال الإعذار وإقامة الحجة عليه. فهو أيضًا يحبُّ من عبده أن يعتذر
إلیه، ويتنصّل إليه من ذنبه.
• وفي الحديث: ((مَن اعتَذر إلى الله، قَبل اللهُ عُذْرَه)). فهذا هو الاعتذار
المحمود النافع.
■ قال رجلٌ لذي النُّون ◌َمّتْهُ وهو يَعِظُ الناس: «يا شيخ! ما الذي
أصْنَع؟ كلما وقفتُ على باب من أبواب المولى صرفني عنه قاطِعُ المِحَنِ
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
علو الهمة في التوبة
٥١٥
والبلوى! قال له: يا أخي، كُن على باب مولاك كالصَّبِيِّ الصَّغير مع أمِّه،
كُلمّا ضرَبتْهُ أُّه ترامَى عليها، وكُلِّما طردَتْهُ، تقرّبَ إليها، فلا يزال كذلك
حتى تضُمَّه إليها))(١).
ارفعْ طْفَك إلى السماء وقال: إلهي وسيدي ومولاي، قد آن الرحيل
إليك، وأزِف القدومُ عليك، ولا عُذْرَ لي بين يديك، غير أَنَّك الغفور وأنا
العاصي، وأنت الرّحيم وأنا الجاني، وأنت السَّيد وأنا العبد، ارحم
خضوعي ونلي بين يديك ..
فعفوُك يا ذا الجود والسَّعة الرَّحْبُ
إلهي إن كنتُ الغريقَ وعاصِيًا
إليك إلهي حين يشتدُّ بيَ الکرْبُ
بشدّة فقري باضطراري بحاجتي
بما ضَمَّنَتْ مِن وُسْع رحمتِك الكُتْبُ
بما بي من ضَعفٍ وعَجْزِ وفاقة
اعف عني فأنت الكريم، وارحمني فأنا المخطئ الجهول ..
أَنْيُكَ أَرُغَب فيما لديْكَ
أَمْولاي إِنَّّ عبدٌ ضعيفٌ
وهل يُشتكى الضُّرُّ إِلَّا إليكَ
أتيتُكَ أشكو مُصابَ الذُّنوب
فليس اعتمادي إلا عليك
فَمُنَّ بعفوكَ يا سيدي
نعم: ((إذا تذلِّل العبد لمولاه، واعتذر إليه ممَّا جناه، قَرَّبه وأدناه، وجعل
جنَّة الخلد مأواه)).
الاعتذار بالقدر مخاصمةٌ لله :
] قال ابن القيم زَمّتْهُ: ((وأما الاعتذارُ بالقدر: فهو مخاصمةٌ لله،
واحتجاجٌ من العبد على الرب، وحملٌ لذنبه على الأقدار، وهذا فعلُ
(١) «بحر الدموع)) لابن الجوزي (ص ٥٠).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٠

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥١٦
صلاح الأمة في علو الهمة
خصماءِ الله، كما قال بعضُ شيوخهم في قوله تعالى: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ
الشَّهَوَتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَاُلْقَنَطِيرِ الْمُقَنَطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَاُلْفِضَّةِ؟
[آل عمران: ١٤]. قال: ((أتدرون ما المراد بهذه الآية؟ قالوا: ما المراد بها؟
قال: إقامة أعذار الخليقة)).
وكذب هذا الجاهلُ بالله وكلامه. وإنما المراد بها: التزهيدُ في هذا الفاني
الذاهب، والترغيبُ في الباقي الدائم، والإزراءُ بمن آثر هذا المزيَّنَ واتبعه،
بمنزلة الصبي الذي يزين له ما يعلب به. فيهش إليه ويتحرك له، مع أنه لم
يذكر فاعل التزيين، فلم يقل: ((زَيَّنَا للناس)) والله تعالى يضيف تزيين الدنيا
والمعاصي إلى الشياطين، كما قال تعالى: ﴿ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ
[الأنعام].
٤٣
يَعْمَلُونَ
* وقال: ﴿ وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ
أَوْلَدِ هِمْ شُرَكَآؤُهُمْ ﴾ [الأنعام: ١٣٧].
• وفي الحديث: ((بُعثتُ هاديًا وداعيًا، وليس إليَّ من الهداية شيء،
وبُعث إبليسُ مُغْويًا ومزيِّنًا، وليس إليه من الضلالة شيء)) (١)، ولا يناقضُ
هذا قولُه تعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّالِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، فإن إضافةً
التزيين إليه قضاءً وقدرًا، وإلى الشيطان تسببًا، مع أن تزيينَه تعالى عقوبةٌ
لهم على ركونهم إلى ما زَيَّنَه الشيطانُ لهم. فمِن عقوبة السيئة: السيئة
بعدها، ومن ثواب الحسنة: الحسنة بعدها.
والمقصودُ: أن الاحتجاجَ بالقدر منافٍ للتوبة. وليس هو من الاعتذار
في شيء.
(١) موضوع: عزاه السيوطي في ((الجامع الصغير)) (٦٠٨٨) للعقيلي وابن عدي،
وقال العلامة الألباني: ((موضوع)). انظر: ((ضعيف الجامع)) (٢٣٣٨).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://web lessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
علو الهمة في التوبة
٥١٧
وفي بعض الآثار ((إن العبد إذا أذنب. فقال: يا رب، هذا قضاؤك.
وأنت قدَّرتَ عليَّ. وأنت حكمتَ عليَّ، وأنت كتبتَ عليّ. يقول الله وَّ:
وأنت عملتَ، وأنت كسبتَ، وأنت أردتَ واجتهدت، وأنا أُعاقبك عليه.
وإذا قال: يا رب، أنا ظلمتُ، وأنا أخطأتُ، وأنا اعتديتُ، وأنا فعلتُ.
يقولُ الله وَّ: وأنا قدَّرتُ عليك وقضيتُ وكتبت، وأنا أغفرُ لك.
وإذا عمل حسنة، فقال: يا ربِّ أنا عملتُها، وأنا تصدقت وأنا صليت
وأنا أطعمت. يقول الله وَّ: وأنا أعنتك وأنا وفقتك، وإذا قال: يا رب
أنت أعنتني ووفقتني، وأنت مَنَّنْت عليَّ. يقول الله: وأنت عملتها، وأنت
أرادتها، وأنت كسبتها)).
■ فالاعتذارُ اعتذاران: اعتذارٌ يُنافي الاعتراف، فذلك منافٍ للتوبة،
واعتذارٌ يقرِّرُ الاعتراف، فذلك من تام التوبة)) (١).
ومن علو الهمّة في التوبة أن تعلم حقائقها وهي:
تعظيم الجناية، واتهام التوبة، والغيرة لله والغضب له :
الحقائق: ما يتحقّق به الشيء، وتتبيَّن به صِخَتُه وثبوته، فلكل حقّ
حقيقة.
تعظيم الجناية:
■ قال ابن القيم: «فأمَّا تعظيمُ الجناية: فإنه إذا استهان بها لم يَندمْ
عليها، وعلى قدْر تعظيمها يكون ندمُه على ارتكابها، فإِنّ من استهان
بإضاعة فَلْس -مثلاً-، لم يندم على إضاعته، فإذا علم أنه دينارٌ اشتد ندمه،
وعظُمت إضاعته عنده)).
(١) ((مدارج السالكين)) (١٨٣/١ - ١٨٤).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥١٨
صلاح الأمة في علو الهمة
وتعظيم الجناية يصدر عن ثلاثة أشياء:
أ- تعظيم الأمر.
ب- تعظيم الآمِر.
جـ- والتصديق بالجزاء))(١).
■ أما تعظيم الآمر وَّ: فالله وَّ أعزُّ وأعظم من أن يُعصى.
:[نوح).
** قال تعالى: ﴿ مَّالَكُمْلَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا )
] قال ابن عباس إنضها: «لا تعرفون حقَّ عظمته)).
■ قال الحسن: ((ما لكم لا تعرفون لله حقّا ولا تشكرونه؟».
■ وقال مجاهد: ((لا تُبالون عظمة ربكم)).
■ وقال ابن زيد: «لا ترون لله طاعة)).
■ وقال ابن القيم: ((أي: لا تعاملونه معاملة من توقّرونه؟ والتوقير:
العظمة)).
((وهذه الأقوالُ ترجع إلى معنّى واحدٍ، وهو أنَّهم لو عظّموا الله
وعرفوا حقَّ عظمته: وَخَّدُوه وأطاعوه وشكروه، فطاعته سبحانه
واجتناب معاصيه والحياء منه: بحسب وقاره في القلب))(٢).
■ قال ابن القيم نحمّلهُ: ((من أعظم الظلم والجهل أن تطلبَ التعظيمَ
والتوقير من الناس، وقلبك خالٍ من تعظيم الله وتوقيره؛ فإنك توقّر
المخلوق وتجلَّه أن يراك في حالٍ لا توقّر الله أن يراك عليها، قال تعالى: ﴿ مَّا
(١) المصدر السابق (١٨٥/١).
(٢) انظر ((الفوائد)) لابن قيم الجوزية، ((فوائد الفوائد)) (ص٩٤).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥١٩
علو الهمة في التوبة
١٣
لَكُمْلَا تَرِّجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا
(١)
من علامات توقير الله وتعظيمه:
(١) ألا يُقرَنَ اسمُه باسم ما يُسْتَحى من ذكره:
] قال ابن القيم رَمّتْهُ: ((قال بعضُ السلف: لِيَعْظُم وقارُ الله في قلب
أحدكم أن يذكُرَهُ عند ما يُسْتَحى من ذكره فيقرن اسمَه به؛ كما تقول: قَبَّح
اللهُ الكلب والخنزير والنَّتْنَ .. ونحو ذلك! فهذا من وقار الله))(٢).
(٢-٥) أن لا تَعدل به شيئًا من خلقه: في اللفظ، ولا في الحب والتعظيم،
ولا في الطاعة، ولا في الخوف والرجاء:
■ قال ابن القيم وَمّتْهُ: ((ومن وقاره أن لا تعدلَ به شيئًا من خلقه: لا
في اللفظ؛ بحيث تقول: والله وَحياتِكَ، ما لي إلَّا اللهُ وأنت، وما شاء الله
وشئت .. ولا في الحب والتعظيم والإجلال.
ولا في الطاعة، فتطيعُ المخلوق في أمره ونهيه كما تطيع الله، بل أعظمَ؛
كما عليه أكثرُ الظلمة والفجرة.
ولا في الخوف والرجاء؛ ويجعَلُهُ أهون الناظرين إليه .. )) (٣).
(٦) ولا يستهينُ بحقَه :
قال ابن القيم زَمّتْهُ: ((ولا يستهينُ بحقٌّه ويقول: هو مبنيٌّ على
المسامحة)) (٤).
(١) ((الفوائد)) لابن قيم الجوزية (ص٤١١) - طبع دار ابن خزيمة.
(٢) ((الفوائد)) (ص ٢١٤).
(٣) نفس المصدر.
(٤) نفس المصدر.
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://web lessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٢٠
صلاح الأمة في علو الهمة
(٧-٨) ولا يجعله على الفضلة، ويقدم حق المخلوق عليه:
■ قال ابن القيم رحمّهُ: ((ولا يجعله على الفضلة .. ويقدِّم حق المخلوق
(١)
عليه))(١).
ويُعطى لله الفضلة من الوقت والهَمِّ والبذل، والمال، والذكر.
* قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ اَللَّهِ وَرَسُولِهِ،
[الحجرات: ١١].
م
(٩) ولا يكون الله ورسوله في حَد وناحيةٍ، والناس في ناحيةٍ وحد أعلى
منهما :
قال ابن القيم رَّتْهُ: ((ولا يكون الله ورسوله في حدٍّ وناحيةٍ،
والناسُ في ناحيةٍ وحَدٍّ، فيكون في الحدِّ والشِّقِّ الذي فيه الناس دُونَ الحدِّ
والشقِّ الذي فيه اللهُ ورسوله))(٢).
: قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوَاْ أَنَّهُ, مَن يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَأَنَّ لَهُ نَارَ
جَهَنَّمَ خَلِدًافِيَهَ ذَلِكَ الْخِزْىُ الْعَظِيمُ
[التوبة].
(١٠) وأن يُعطي الله في مخاطبته قلبه ولبه وبدنه وروحه:
قال ابن القيم نَّهُ في توقير الله أيضًا: ((ولا يُعطي المخلوقَ في
مخاطبته قلبَه ولُبَّه، ويُعطِي الله في خدمتهِ بدَنَه ولسانَه دون قلبه وروحه))(٣).
(١١) ولا يجعل مراد نفسه مقدَّمًا على مُرادِ ربه:
] قال ابن القيم رَمّثهُ: ((ولا يجعلْ مرادَ نفسه مقدَّمًا على مُرادِ ربه ..
(١) نفس المصدر.
(٢) ((الفوائد)) (ص٤١٢ - ٤١٣).
(٣) نفس المصدر.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com