النص المفهرس

صفحات 441-460

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤٤١
علو الهمة في التوبة
حبِّه لسيده، وشدَّة حاجته إليهِ، وعلمه بضعفه وعجزه وقوة سيِّده، وذلِّه
وعزَّة سیده.
فيجتمع من هذه الأحوال كسرةٌ وذلّةٌ وخضوع، ما أنفعها للعبد، وما
أجدى عائدتها عليه، وما أعظم جبره بها، وما أقربه بها من سيده، فليس
شيءٌ أحبَّ إلى سيده من هذه الكَسرة والخضوع والتذلل والإخبات،
والانطراح بین یدیه، والاستسلام له.
■ فلله ما أحلى قولَه في هذا الحال: «أسألك بعزِّك وذلِّ إلَّا رحمتني.
أسألك بقوَّتك وضعفي، وبغناك عنِّي وفقري إليك، هذه ناصيتي الكاذبةٌ
الخاطئةُ بين يديك، عبيدُك سواي كثير، وليس لي سيدٌ سواك، لا ملجأً ولا
منجى منك إلَّا إليك، أسألُك مسألةَ المسكين، وأبتهلُ إليك ابتهالَ
الخاضع الذليل، وأدعوك دعاءَ الخائف الضرير، سؤالَ مَنْ خضعت لك
رقبتُه، ورَغِم لك أنفه، وفاضت لك عيناه، وذلَّ لك قلبُه)).
ومنْ أعوذُ به مما أحاذرهُ
يا من ألوذُ به فيما أُؤْمِّلهُ
ولا يَهِيضون عظما أنت جائِرُهُ (١)
لا يجبُ الناس عظمًا أنت کاسره
(٣) كتب الله كتاب الرحمة بيده، ليدل على عظم المغفرة:
م
إن اللهَ خلق الكائناتِ بـ ((كن)) فيكون، إلّا أشياءً؛ لشرفها وكرامتها
على الله، خلقها بيده، فخلق آدمَ بيده، وخلق جنةَ عدْنٍ بيده، وكتب
التوراة لموسى بيده، وكتب كتاب الرحمة بيده .. فما أعظمَ كرمَ الرحمن !.
• قال رسولُ الله وَّهِ: ((کتب ربُّكم على نفسه بيده - قبل أن يخلق
(١) ((مدارج السالكين)) (١٨٦/١ - ١٨٧).
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤٤٢
صلاح الأمة في علو الهمة
الخلق -: رحمتي سبقت غضبي)) (١).
• وقال رسولُ الله وَّله: ((لما قضى اللهُ الخلقَ، کتب في كتابه - فهو عنده
فوقَ العرش - : إن رحمتي غلبت غضبي)) (٢).
﴿ قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىَّ أَنْفُسِهِمْ
* والمغفرة رحمة: قال تعالى:
لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
[الزمر].
٥٣
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ
ج
# [النساء].
وَمَن يُشْرِكَ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىَ إِثْمًا عَظِيمًا )
* وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ
ازْدَادُوا كُفْرَاً لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً (
١٣٧
[النساء].
* وقال تعالى: ﴿ وَلَيِنِ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ
[آل عمران].
١٥٧
وَرَحْمَةُ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ
دعوة الله إلى المغفرة:
دعا الله إلى الجنة .. ودعا إلى المغفرة .. فيا لِعظم المغفرة حين يساوي اللهُ
بين الدعوة إلى الجنة والدعوة إليها .. وهي المقدمة للجنة .. سارعوا ..
سابقوا.
* قال تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن
مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُواْ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنُ خَيْرٌ مِّنِ
(١) صحيح: أخرجه ابن ماجه (١٨٩) عن أبي هريرة، وصححه الألباني في ((صحيح
الجامع) رقم (٤٤٧٥).
(٢) رواه أحمد (٤٦٦/٢) والبخاري (٣٠٢٢) ومسلم (٢٧٥١) عن أبي هريرة.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
:

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤٤٣
علو الهمة في التوبة
مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَتِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِّ وَاَللَّهُ يَدْعُوّاْ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ
٢٢١
بِإِذْنِهِ، وَيُبَيِّنُ ءَايَتِهِ، لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَّكَّرُونَ
[البقرة].
* وقال تعالى: ﴿سَابِقُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّيَّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَآءِ
وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهٍ، ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ
[الحدید].
٢١
ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا
* وقال تعالى:
السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (٣) ﴾[آل عمران].
أفق وضيء أفق المغفرة .. وغاية تستحق السباق.
سجع على قوله تعالى:
وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ
لقد دعاكم إلى البِدار مولاكم، وفتح بابَ الإجابة ثم استدعاكم،
ودَّكم على منافعكم وهَداكم، فالتفتوا عن الهوى فقد آذاكم، وحُثُّوا حَزْمَ
جَزْمكم، وصُبُّوا ذَنوب الحُزن على ذنبكم، ﴿﴿ وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن
رَبِّكُمْ
بابُه مفتوحٌ للطالبين، جنابُه مبذولٌ للراغبین؛ وفضلُه ينادي: یا
غافلين، وإحسانُه ينادي الجاهلين، فاخرجوا من دائرة المذنبين، وبادِروا
مبادرةَ التائبين، وتعرَّضوا لنسمات الرحمة تخلصوا من كرْبكمْ، ﴿ وَسَارِعُوّا
إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ
كم شُغلتم بالمعاصي فذهب الفرْض، وبارزتم بالخطايا ونسيتمُ
العرض، حضَّكم فما نفع الحضّ، طالت آمالُكم قد ذهب الشبابُ الغضّ،
رأيتم موتَ القُرناء وقد أنذر البعضُ بالبعض، ففرُّوا إلى الله من سجن
الهوى فقد ضاق طوله والعرض، ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَبِّكُمْ
وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣].
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤٤٤
صلاح الأمة في علو الهمة
﴿ قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىَ أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَّطُواْ مِن
** وقال تعالى:
[الزمر].
٥٣
رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًاْ إِنَّهُ, هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
إنها الرحمةُ الواسعةُ التي تسعُ كل معصية - خلا الشرك- كائنةً ما
كانت، وإنها الدعوةُ للأوْبة. دعوةُ العصاة المسرفين الشاردين المبعَدين في
تيه الضلال. دعوتُهم إلى الأمل والرجاء والثقة بعفو الله. إن الله رحيم
بعباده.
ليس بين العبد وقد أسرف في المعصية، ولَجَّ في الذنب، وأَبَقَ عن
الحِمى، وشَرَد عن الطريق، ليس بينه وبين الرحمة الندية الرخيَّة، وظلالها
السمْحة المحيية، ليس بينه وبين هذا كله إلَّا التوبة، التوبةُ وحدها، الأوبةُ
إلى الباب المفتوح الذي ليس علیه بوّابٌ يمنع، والذي لا يحتاج من یلج
فیه إلى استئذان.
قال تعالى: ﴿ وَأَنِبُوْ إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ مِن قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ
وَأَتَّبِعُواْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُم مِّن
٥٤
اٌلْعَذَابُ ثُمَّ لَا نُنصَرُونَ ﴿
قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ
﴾ [الزمر].
الإنابةُ والإسلام، والعودةُ إلى أفياءِ الطاعة وظلال الاستسلام .. هذا
هو كل شيء .. بلا طقوسٍ ولا مراسم ولا حواجز، ولا وسطاءً ولا
شفعاء. مَن أراد الأوْبة من الشاردين فلْيَؤب، ومَن أراد الإنابةَ من
الضالين فليُنب، ومن أراد الاستسلام من العصاة فلْيستسلم وليأت ..
ليأتٍ وليدخل، فالبابُ مفتوح، والفَيْء والظل والنَّدى والرخاء: كلُّه
وراء الباب، لا حاجبَ دونه ولا حسيب! هيا هيا يا ابن النَّطف: ابسط
بساطَ الحزن على رَماد الأسف، هيا والزمْ سُدَّة باب مولاك، واقرِعْ بابه
بقلبك لا بظفرك؛ فإن أبوابَ الملوك لا تُقرع بالأظافير. نادٍ بوجيب قلبك،
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤٤٥
علو الهمة في التوبة
وواکِف دمعِك: قد قدم الغائب.
* قمْ في الدجى بلسان الذُّل وقل: ﴿يَأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الْفُرُّ
[يوسف: ٨٨].
هيا .. هيا قبل فوات الأوان ﴿ مِن قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا
[الزمر] فما هنالك من نصير. هيا فإن النَّفَس قد يخرج
٥٤
مُصَرُونَ
ولا يعود، وإن العينَ قد تطرِف ولا تطرفُ الأخرى إلّا بين يدي مولاها.
هيا قبل التحسُّر على فوات الفرصة، وعلى التفريط في حق الله، وعلى
السخرية بوعيد الله: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسُ بَحَسْرَنَ عَلَى مَا فَرَّطتُ فِى جَنْبٍ اُللَّهِ وَإِن
كُنْتُ لَمِنَ السَّخِرِينَ
[الزمر].
الفرصةُ ها هي ذي سانحة، ووسائلُ الهُدى ما تزال حاضرة، وبابُ
التوبة ها هو ذا مفتوح.
أبوابُ العباد مغلقة .. وبابه مفتوح لمن دعاه.
. فإذا كانت القيامة ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَؤْ أَنَ لِ كَرَّةً
[الزمر].
٥٨
فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
وهي أمنيةٌ في القيامة لا تُنال .. لا كَرَّةَ ولا رجوع .. وإنما دماءُ العين
بعد الدموع.
((إن أهل النار لَيَيكُون، حتى لو أُجريت السفنُ في دموعهم جرت،
وإنهم لَييكون الدم))(١).
وتسألُ عن ركبانها أين يمَّموا
فما لك منها غيرُ ذكرى وحسرةٍ
(١) حسن: رواه الحاكم (٦٤٨/٤) عن أبي موسى، وصححه الحاكم، ووافقه
الذهبي، وحسنه الألباني في ((صحيح الجامع)) رقم (٢٠٣٢).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤٤٦
صلاح الأمة في علو الهمة
* هي فرصة واحدة، إذا انقضت لا تعود .. ستُسألون عنها مع
التبكيت والترذيل: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمَّ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى
الظَّالِمِينَ
* [هود].
١٨
* وقال تعالى: ﴿بَلَ قَدْ جَاءَتْكَ ءَايَتِ فَكَذَّبْتَ بِهَا وَأَسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ
[الزمر].
٥٩
مِنَ الْكَفِرِينَ
أخي: إن الذنوب لا ترعى حُرمة لذي فضل.
• عن ابن عباس إنضها مرفوعًا: «نزل الحجر الأسود من الجنة وهو
أشد بياضا من اللبن فسوَّدَتْه خطايا بني آدم))(١).
يا هذا، سوَّدتِ الخطايا الحجر وهو من الجنة، وأنت من التراب ومن
الأرض، فانظر لنفسك، سوَّدته وهو صلْد، أفلا تنكس القلب إذا عصى
وأصرّ وهو من لحم ودم !!.
** أما سمعت في بداية الزلل ﴿ إِذَا مَسَّهُمْ ◌ََّبِفٌ﴾ [الأعراف]، وفي
وسطه
كَلَّا بَلَّ رَانَ عَلَ قُلُوبِهِم
[المطففين: ١٤]، وفي آخره ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ
أَقْفَالُهَآ {
[محمد: ٢٤].
٢٤
أتبكي على معاصيك، والإصرار يضحك؟ أتخادع بالتوبة؟ وإنما تمكر
بدينك ..
(١) صحيح: قال ابن حجر في ((الفتح)) (٥٤٠/٣): ((أخرجه الترمذي، وصححه،
وفيه عطاء بن السائب وهو صدوق، لكن اختلط، وجرير ممن سمع منه بعد
اختلاطه لكن له طرق أخرى في ((صحيح ابن خزيمة)) فيقوى بها)). وصححه
السيوطي، والألباني في ((صحيح الجامع)) رقم (٦٦٣٢)، و((تخريج المشكاة)) رقم
(٢٥٧٧).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤٤٧
علو الهمة في التوبة
إلى جانب خذَّاع
رأيت الناس خذَّاعًا
ويبكون مع الراعي
یعیشون مع الذئب
] قال محمد بن يحيى الذهلي -وهو من هو علمًا واتِّباعًا وصيانة وديانةً
ورأسًا في الجرح والتعديل -: ((تقدَّم رجلٌ إلى عالم، فقال: علِّمْني وأوجز،
قال: لأَوجزَنَّ لك، إن الله أوحى إلى نبيٍّ من أنبيائه: قل لقومك: لو كانت
المعصية في بيت من بيوت الجنة لأوصلتْ إليه الخراب))(١).
انظر يا أخي إلى آيةٍ شريفة وأشرف حديث لأهل الشام.
آيَاتُ ((الزُّمَر)) التي مرَّت تغسل مرارات المعاصي، وتشهدُ لأطلاق
المغفرة بأمور:
الأول: نداؤهم بعنوان العبودية، فإنها تقتضي المذلّة، واقتضاؤها
للترخُّم ظاهر.
الثاني: الاختصاصُ الذي تُشِعر به الإضافةُ إلى جَنابه تقريبًا من بابه،
فإن السيد من شأنه أن يرحمَ عبده ویشفق علیه.
الثالث: تخصيصُ ضررِ الإسراف المشعرة به ((على أنفسهم)) .. فضرر
الذنوب عائد عليهم لا عليه سبحانه، فيكفي ذلك من غير ضرر آخر، كما
في المثل: أحسِنْ إلى مَن أساء، كفى المسيءَ إساءتُه. فاستحقاقُ العقاب
عقابٌ عند ذوي الألباب، فلو ضمِن اللهُ لهم التوبة، كفاهم همَّ الحياءِ منه.
الرابع: النهي عن القنوط مطلقًا عن الرحمة، فضلًا عن المغفرة
وإطلاقها.
(١) ((سير أعلام النبلاء)) (١٢ / ٢٨١ - ٢٨٢).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
-

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤٤٨
صلاح الأمة في علو الهمة
الخامس: إضافةُ ((الرحمة)) إلى الاسم الجليل المحتوي على جميع معاني
الأسماء على طريق الالتفات، فإن ذلك ظاهرٌ في سعتها، وهو ظاهرٌ في
شمولها للتائب وغيره.
السادس: التعليل بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾، فإن التعليل يحسُن مع
الاستبعاد، وترك القنوط من الرحمة مع عدم التوبة، أكثر استبعادًا من تركه
مع التوبة.
السابع: موضعُ الاسم الجليل فيه موضعُ الضمير، لإشعارِه بأن
المغفرة من مقتضياتٍ ذاته - لا لشيءٍ آخر من توبةٍ أو غيرها -.
الثامن: تعريفُ ((الذنوب)»، فإنه في مقام التمدح ظاهرٌ في الاستغراق،
فتشملُ الذنب الذي تعقبُه التوبة والذي لا تعقبُه.
التاسع: التأكيد بالجميع.
العاشر: التعليل.
الحادي عشر: التعبير بـ ((الغفور))؛ فإنه صيغةُ مبالغة، وهي إن كانت
باعتبار ((الكمِّ)) شملت المغفرةُ جميع الذنوب، أو باعتبار الكيف شملت
الكبائر بدون توبةٍ.
الثاني عشر: حذف معمول ((الغفور)) فإن حذف المعمولِ يُفيد العموم.
الثالث عشر: إفادةُ الجملةِ الحصر، فإن من المعلوم أن الغفران قد
يوصَف به غيرُه تعالى، فالمحصورُ فيه سبحانه، إنما هو الكامل العظيم،
وهو ما يكون بلا توبة.
الرابع عشر: المبالغة في ذلك الحصر.
الخامس عشر: الوعدُ بالرحمة بعد المغفرة، فإنه مشعرٌ بأن العبدَ غيرُ
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤٤٩
علو الهمة في التوبة
مستحقٌّ للمغفرة لولا رحمته، وهو ظاهرٌ فيما إذا لم يتُب.
السادس عشر: التعبير بصيغة المبالغة فيها.
السابع عشر: إطلاقها، ومَنَعَ المعتزلة مغفرة الكبائر والعفو عنها من
غير توبة.
■ وقال بعض أجلّة المُدقّقين: إن قوله تعالى: ﴿ قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ
أَسْرَفُواْ ﴾، خطاب للكافرين والعاصين، وإن كان المقصود الأولى الكفار،
لمكان القُرب وسبب النزول، فقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس افنضوا،
أنه قال: إن أهل مكة قالوا: يزعم محمدٌ بَّه أنه من عَبَد الأوثان ودعا مع
الله إلهَا آخر، وقتل النفس التي حرَّم الله، لم يُغفر له، فكيف نهاجر ونسلم
وقد عبدنا الآلهة وقتلنا النفس، ونحن أهل شرك؟ فأنزل الله تعالى:
قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىَّ أَنْفُسِهِمْ ؟
■ وأخرج ابن جرير، عن ابن عمر ﴿إنشها، قال: «نزلت هذه الآيات في
عياش بن أبي ربيعةَ والوليدِ بن الوليد، ونفرٍ من المسلمين كانوا أسلموا ثم
تركوا دينهم بعذاب عُذُّبوه، فنزلت هؤلاء الآيات، وكان عمر عينه كتابًا،
فكتبها بيده، ثم كتب بها إلى عياش وإلى الوليد وإلى أولئك النفر، فأسلموا
وهاجروا.
· وأخرج ابن جرير عن عطاء بن يسار، قال: ((نزلت هذه الآيات
بالمدينة في
الثلاث: ﴿﴿ قُلْ يَعِبَادِىّ﴾ إلى: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ
وحشي وأصحابه.
■ انظر إلى سعة المغفرة ((يقتلون أولياءه ثم يأمرهم بالتوبة .. انظر إلى
كرم الله .. )) هذا شأنه فيمن يقتل أولياءه ويتوب، فكيف شأنُه فيمن يُقتل
فیه.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤٥٠
صلاح الأمة في علو الهمة
فتح اللهُ بابَ المغفرة بالإسلام أمامَ اليهود الذين قالوا: ﴿ يَدُ اللَّهِ
مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: ٦٤]، والذين قَتلوا أنبياءه، وأمامَ النصارى
الذين قالوا: إن الله ثالثُ ثلاثة، فقال: ﴿ أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ
[المائدة]. وقال تعالى: ﴿ إِنَّ
٧٤
وَيَسْتَغْفِرُونَهُ، وَاَللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
الَّذِينَ فَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ ثُمَّ لَمَّ بَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنََّ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ
1 # [البروج].
فيا من أبعدتم نفوسَكم عن الحضرات الربانية، وأركستموها في
الدنايا الشيطانية .. انتعشوا بفتح باب الأمل بهذه الآية بغفران الذنوب،
فرب معصية أورثت صاحبها عزًّا طويلًا .. إذا ذلَّ وعرف بابَ مولاه
((وأنينُ المذنبين أحبُّ إلى الله من زجل المسبحين)).
أخي أين مغفرة من مغفرة !!.
لو أراد ملِكٌ من ملوك الدنيا العفوَ عن أهل الجرائم، قام عليه
جنده، فانحلَّ عقده، وانئلم حدّه، فعلَّل هذه العلَّة بما يخصه فقال مؤكدًا
لاستبعاد ذلك بالقياس على ما يعهدون: ﴿ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ ﴾ يمحو
الذنوب عينًا وأثرًا، فلا يعاقب ولا يعاتِب.
* هو ((قابل التوب)) أتى بالمصدر ليُفهِمَ أن أدنى ما يُطلق عليه الاسم
كافٍ .. فما بالك بالتوبة النصوح.
* فيا أربابَ الدنس، ويا أوساخَ الذنوب ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ
٤٢
[ص). لا تقنعوا بصبِّ ماء التوبة على الظاهر، بُلَّوا الشعر، وأنقُوا
البشرة، ما لم تسبَحْ بدمع عينيك، لم تأت بسُنة الغسل.
بغير كلام ربِ ما شفاكا
فلو داواك كلَّ طبيب داءً
* وكلامُ الملوك ملوك الكلام. قال تعالى: ﴿ وَذَرُواْ ظَهِرَ آلْإِثْمِ
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤٥١
علو الهمة في التوبة
[الأنعام].
١٢٠
وَبَاطِنَهُ: إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ آلْإِثْمَسَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ
كَفَّاكَ عليكَ وما اكْتَسَبَا
فَكِّرْ في الذنبِ وما احتَقَبَتْ
وغدوتَ على ذنبٍ طَرَبا
كم بِثَّ على ذنبٍ فرحًا
فَأَسَأْتَ ولمْ تُحِنْ أَدَبَا
وعَلِمِتَ بأنَّ الله يَرى
كالموتٍ تَرى فيه النَّصَبَا
فَأَعِدَّ الزَّاد فما سفرٌ
فَكَأَنْ قدفاتَ وقَدْ ذَهَبَا
وأَفِقْ فالعُمْرُ بِه رَمَقٌ
يا كثير الدرَن والدنس، يا من كلما قيل: «أقبِل» انتكسْ، يا من أمر
بترك ما يفنى لما يبقى، فعَكَس، جاء الأجل، وحديث الأمل هَوَس.
يا أهل الذنوب والخطايا، ألكم صبرٌ على العقوبة؟ ﴿كَلََّ إِنَّهَا لَظَى
١٥
[المعارج]، إذا شاهَدت من اشترى لذة ساعةٍ بعذاب سنين ﴿ تَكَادُ
﴾ [الملك: ٨]، فكيف أمن العُصاة؟ ﴿ وَإِن مِنْكُمْ إِلَّا
تَمَّزُ مِنَ الْفَيْظِ
ج
وَارِدُهَا ﴾ [مريم: ٧١].
ك أخي: ((لا يجعل الله عبدًا أسرع إليه كعبدٍ أبطأ عنه)). أما يكفيك
هذا لقول من طبيب القلوب ((الحسن البصري)).
] قال شُميط بن عَجْلان: ((الناس ثلاثةٌ: فرجلٌ ابتكر الخير في حداثةٍ
سِنَّة، ثم داوَم عليه حتى خرج من الدنيا فهذا المقرَّب، ورجلٌ ابتكر عمره
بالذنوب وطول الغفلة، ثم راجع بتوبةٍ، فهذا صاحب يمين. ورجلٌ ابتكر
الشر في حداثة سنة ثم لم يزل فيه حتى خرج من الدنيا، فهذا صاحب
شمال))(١).
(١) ((روح المعاني)) للألوسي (١٤/٢٤ - ١٥).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤٥٢
صلاح الأمة في علو الهمة
ك أخواني: المعاصي تنكِّس الرأس، وما مخلِّط كمنْ كاس (١)، ولا
بانٍ على رمْلٍ كمحكم الأساس، إن بينهما كما بين الطهارة والأنجاس،
وعلى وجه الطائع نور طاعته، وعلى وجهِ العاصي ظلامُ مخالفته، وعند
الموت يُتَلَقّى هذا بالبشارة، ويقع هذا في الخسارة، وفي القبر يفترشُ هذا
مهاد الفلاح، ويُلقى ذاك على حَسَك (٢) القِباح، وعند الحشر هذا يَرْكب
وذاك يُسحَب، ثم يقال للعصاة: هَلَّا ذكَرْتُمْ، وللطائعين: سلام عليكم بما
صبر تم.
كمْ بين خَجِلِ يَذِل، وبين طائعِ يُدِلُ
إياكم إياكم والذنوب، احذروا عواقب العيوب.
ك أخي: هذا أشرف حديث لأهل الشام -كما قال الإمام أحمد بن
حنبل- و کان أبو إدريس الخولاني إذا حدث به جثا على ركبتيه:
• عن أبي ذر فتعنه، قال: قال رسول الله وَاللون: ((قال الله تعالى: يا
عبادي، إني حرَّمتُ الظلم على نفسي وجعلته محرمًا بينكم، فلا تظالموا. يا
عیادي، کلکم ضالٌ إلّا من هدیته، فاستهدوني أهد كم. يا عبادي كلكم
جائعٌ إلَّا من أطعمتُه، فاستطعِموني أُطعِمْكم. يا عبادي، كلكم عارٍ إلّ من
كسوتُه، فاستكسوني أَكْسُكم. يا عبادي، إنكم تخطِئون بالليل والنهار،
وأنا أغفرُ الذنوب جميعًا، فاستغفروني أغفر لكم. يا عبادي، إنكم لن
تبلغوا ضرِّي فتضرُّوني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني. يا عبادي، لو أن
أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحدٍ
(١) كاس: عقل.
(٢) الحسك: الشوك.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٠
٤٥٣
علو الهمة في التوبة
منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئًا. يا عبادي، لو أنَّ أولكم وآخركم،
وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجلٍ واحد منكم، ما نقص ذلك
من مُلكي شيئًا. يا عبادي لو أنَّ أوَّلكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا
في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيتُ كل إنسانٍ مسألته، ما نقص ذلك مما
عندي، إلَّا كما يَنقصُ المِخيطُ إذا أُدخل البحر. يا عبادي، إنما هي أعمالكم
أُحصيها لكم؛ ثمَّ أوفيكم إيَّاها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومَنْ وجد
غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه))(١) .
** ومن حثِّ الله وَالَ المؤمنين على التوبة قوله تعالى: ﴿ وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ
[النور].
٣١
جَميعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
* وقوله سبحانه: ﴿فَأَسْتَقِيمُواْ إِلَيْهِ وَأَسْتَغْفِرُوهٌ ﴾ [فصلت: ٦].
* وقوله تعالى: ﴿ وَأَسْتَغْفِرُواْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
[البقرة].
* وأمر تُ عَلَّ المؤمنين بالتوبة النصوح فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
تُوبُواْ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةٌ نَّصُوحًا عَسَى رَّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ
جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ ﴾ [التحريم: ٨].
والله يريد التوبة على عباده:
* فقال تعالى: ﴿ وَاَللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ
الشَّهَوَاتِ أَن ◌ِيلُواْ مَيْلًا عَظِيمًا
[النساء].
٢٧
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَأْخُذُ
& [التوبة].
(١٠٤
الصَّدَقَتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾
١٩٩
(١) رواه أحمد (١٦٠/٥)، ومسلم (٢٥٧٧).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤٥٤
صلاح الأمة في علو الهمة
: وقال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ النَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَعْفُواْ عَنِ السَّيِّئَاتِ
[الشورى: ٢٥].
* قال تعالى: ﴿أَفِ اللَّهِ شَكُ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِّ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ
لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ [إبراهيم: ١٠].
والله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا إلى مضى شطر الليل وينادي عباده
ويدعوهم إلى التوبة.
• عن أبي هريرة له قال: قال رسول الله وَّةٍ: ((إذا مضى شطرُ الليل،
- أو ثُلثاه- يَنزلُ الله إلى السماء الدنيا فيقول: هل من سائلٍ فيُعطى؟ هل
من داعٍ فيُستجابَ له؟ هل من مستغفر فيُغفر له؟ حتى ينفجر الصبح))(١).
• وعن أبي هريرة له قال: قال رسول الله وَله: ((ينزل ربنا تبارك
وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من
يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له))(٢).
• وقال رسول الله وَله: «يتنزَّلُ ربُّنا تبارك وتعالى كلَّ ليلةٍ إلى السماء
الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: مَن يدعوني فأستجيب له؟ من
يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟))(٣).
واللهُ تعالى يأمرُ عبادة بالتوبة، ويَعِدُ بالقبول لها، ويفتحُ باب الرجاء.
(١) رواه أحمد (٣٤/٣) ومسلم (٧٥٨).
(٢) رواه أحمد (٢٦٤/٢) والبخاري (٤٩٨) ومسلم (٧٥٨) وأبو داود (١٣١٥)
والترمذي (٣٤٩٨) وابن ماجه (١٣٦٧).
(٣) أخرجه البخاري (٥٩٦٢)، ومسلم (٧٥٨) عن أبي هريرة.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤٥٥
علو الهمة في التوبة
(٥) محبته للتائبين:
شأن عظيم أن تُحِبُّ مولاك وأعظم منهُ أن يُحُبَّك الله، ((ليس الشأنُ أن
تُحِب، إنما الشأن أن تُحَبَّ))، وقد أخبر الله عن محبته للتائبين، فيا لها من
نعمة سابغة أنعم الله بها على خواص عباده التائبين، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ
[البقرة].
يُحِبُّ التَّوَّبِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَّطَهِّرِينَ
(٦) فَرح الله العظيم بتوبة عبده:
• قال رسول الله وَله: ((للهُ أَشَدُّ فَرَحًا بتوبةِ عبدِه حین یتُوبَ إلیهِ من
أَحَدِكُم كان على راحلَتِهِ بأرض فَلاة، فانْفَلَتَتْ منه وعليها طعامه وشرابه،
فأيس منها، فأتى شجرة فاضطّجعَ في ظلها قد أَیِس من راحلته، فبينا هو
كذلك إذا هُوَ بها قائمةً عنده، فأخذ بخُطامِها، ثم قال من شدة الفَرَح:
اللَّهم أنت عبدي وأنا ربُّكَ، أخطأَ مِن شِدة، الفرح)(١).
• وعن ابن مسعود خلّعنه قال: قال رسول الله وَله: «لله أشدُّ فَرَحًا بتوبةٍ
عبده المؤمن من رَجُلٍ في أرضٍ دَوِّيَّة مُهْلِكة، معه راحلته عليها طعامه
وشرابه، فنام فاستيقظ وقد ذَهَبَتْ فطلبَها حتى أدركَهُ العَطَش، ثم قال:
أرجعُ إلى مكاني الذي كنتُ فيه، فأنامُ حتى أموتَ، فوضع رأسه على
ساعِدِه ليموتَ، فاستيقظَ وعندَه راحلتُهُ وعليها زادُهُ وطعامُه وشرابُهُ، فالله
أشدُّ فرحًا بتوبة العبد المؤمنِ من هذا براحلته وزاده)(٢).
• وعن أبي هريرة له مرفوعًا: «للهُ أشدُّ فرحًا بتوبة أحدكم مِنْ
(١) أخرجه مسلم (٢٧٤٧).
(٢) أخرجه مسلم (٢٧٤٤)، وانظر البخاري (٢٣٠٨).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤٥٦
صلاح الأمة في علو الهمة
أحدِكُمْ بضالَّتِهِ إذا وجدها))(١).
• وفي ((الصحيحين)) من حديث أنس السنه قال: قال رسول الله وَلقه:
((اللهُ أفرحُ بتوبة عبده مِن أَحَدِكم سَقَط على بعيره وقد أضَلَّه في أرض
فلاة))(٢).
وهذا الفرح العظيم هو ((السِّرُّ الأعظم الذي لا تقتحمه العبارة، ولا
تجسر عليه الإشارة، ولا يُنادى عليه منادي الإيمان على رؤوس الأشهاد،
بل شهدته قلوب خواص العباد، فازدادت به معرفةً لربها ومحبة له،
وطمأنينةً به وشوقًا إليه ولهْجًا بذكره، وشهودًا لبرِّه، ولُطْفه وكرمه
وإحسانه، ومطالعة لسرِّ العبودية، وإشراقًا على حقيقة الألوهيَّة))(٣).
إن هذا الفرحَ له شأنٌ لا ينبغي للعبد إهمالُه والإعراض عنه، ولا
يطلَّع عليه إلَّا من له معرفةٌ خاصةٌ بالله وأسمائه وصفاته، وما يليق بعزّ
جلاله.
وهذا الفرح الإلهي متعلَّق بإحسان الله وجوده وبِّره.
■ وأما إِنْ لاحظتَ تعلَّقَه بالهيته وكونه معبودًا فذاك مشهدٌ أجلُّ من
هذا وأعظم منه، وإنما يشهده خواص المحبين.
فإن الله سبحانه إنما خلق الخلق لعبادته، الجامعة لمحبَّته والخضوع له
وطاعته، وهذا هو الحق الذي خُلِقت به السموات والأرض، وهو غاية
الخلق والأمر. فإذا خرج العبد عمَّا خُلِقٍ له من الطاعة والعبودية، فقد
(١) أخرجه مسلم (٢١٠٢).
(٢) أخرجه البخاري (حديث ٦٣٠٩)، ومسلم (ص ٢١٠٥).
(٣) ((مدارج السالكين)) (٣٠٩/١).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤٥٧
علو الهمة في التوبة
خرج عن أحب الأشياء إليه، وعن الغاية التي لأجلها خُلِقت الخليقة،
وصار كأَنَّه خُلِق عبئًا لغير شيء، إذْ لم تُخرج أرضه البذر الذي وُضِع فيها،
بل قَلَبَتْهُ شوكًا ودَغَلًا. فإذا راجع ما خُلِقٍ له وأُوجِد لأجله فقد رجع إلى
الغاية التي هي أحبُّ الأشياء إلى خالقه وفاطره، ورجع إلى مقتضى
الحكمة التي خُلِقٍ لأجلها، وخرج عن معنى العبث والسُّدَى والباطل،
فاشتدت محبةُ الرب له، فإن الله يحب التوابين ويحبُّ المتطهرين. فأوجبت
هذه المحبة فرحًا كأعظم ما يُقدَّر من الفرح. ولو كان في الفرح المشهود في
هذا العالم نوعٌ أعظم من هذا الذي ذكره النبي وَّ لذكره، ولكن لا فرحة
أعظم من فرحة هذا الواجد الفاقدٍ لمادة حياته وبلاغِه في سفره، بعد إياسه
من أسباب الحياة بفقده.
وهذا كشدةٍ محبته لتوبة التائب المحبِّ إذا اشتدت محبتُه للشيء وغاب
عنه، ثم وجده وصار طَوعَ يده، فلا فرحةً أعظم من فرحته به.
فما الظن بمحبوب لك تحبُّه حُبَّا شديدًا، أسَره عدوك، وحال بينك
وبينه، وأنت تعلم أن هذا العدو سيسومه سوء العذاب، ويُعَرِّضه لأنواع
الهلاك وأنت أولى به منه، وهو غَرْسُك وتربيتك، ثم إنه انفلت من عدوه،
ووافاك على غير ميعاد، فلم يَفْجَأكَ إلَّا وهو على بابك، يتملَّقُك ويترضاك
ويستعينُك، ويُمرِّغُ خَدَّيْه على تراب أعتابك. فكيف يكون فرحك به،
وقد اختصصته لنفسك، ورضيتَه لقُربك، وآثرتَه على سواه؟
هذا، ولستَ الذي أوجدتَه وخلقتَه، وأسبغت عليه نعمك، والله وَّ
هو الذي أوجد عبده وخلقه وكوَّنه، وأسبغ عليه نعمه، وهو يحب أن
يتمَّها عليه، فيصير مظهرًا لنعمه، قابلًا لها، شاكرًا لها، مُحِبًّا لِوَلِيِّها، مطيعًا له
عابدًا له معاديًا لعدوّة، مبغضًا له عاصيًا له. والله تعالى يحب من عبده
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤٥٨
صلاح الأمة في علو الهمة
معاداة عدوه، ومعصيته ومخالفته، كما يجب أن يواليَ اللهَ مولاه سبحانه
ويطيعه ويعبده، فتنضاف محبته لعبادته وطاعته والإنابة إليه، إلى محبته
لعداوة عدوه، ومعصيته ومخالفته، فتشتد المحبة منه سبحانه مع حصول
محبوبه. وهذا هو حقيقة الفرح.
• وفي صفة النبي ◌َّ في بعض الكتب المتقدِّمة ((عبدي الذي سُرَّت به
نفسي))، وهذا لكمال محبته له، جعله مما تُسَرُّ نفسه به سبحانه. ومن هذا
(ضحكه)) سبحانه من عبده، حین يأتي من عبوديته بأعظم ما يحبه. وليس
في أثبات هذه الصفات محذورٌ ألبتة، فإنه تَُلَ ((فرح)» ليس كمثله شيءٍ،
و((ضحك)) ليس كمثله شيء، وحكمه كحكم رضاه ومحبته، وإرادته
وسائر صفاته، فالباب واحد، لا تمثيل ولا تعطيل))(١).
(٧) استغفار حملة العرش للمؤمنين دالٌّ على عُظم المغفرة:
يا جوهرةً لا تعرف قدرها، حملةُ العرش يستغفرون لك .. فمن تكون
حتى يستغفروا لك !.
* قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ
وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا
[غافر].
فَأَغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَأَتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَفِهِمْ عَذَابَ الْحِمِ
((يقدِّمون بين يدي الدعاء بأنهم في طلب الرحمة للناس: إنما يستمِدُّون
من رحمة الله التي وسعت كل شيء، ويحيلون إلى علم الله الذي وَسِع كلّ
شيء، وأنهم لا يُقدِّمون بين يدي الله بشيء، إنما هي رحمتُه وعلمه؛ منهما
یستمدَّون، وإليهما يلجئون.
(١) انظر ((مدارج السالكين)) (٢١٠/١ - ٢١٧).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤٥٩
علو الهمة في التوبة
﴿ فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ﴾ تلتقي هذه الإشارة إلى المغفرة والتوبة بمطلع
السورة وبصفة الله هناك .. غافر الذنب وقابل التوب .. ﴿وَقِهِمُ
ج
اُلسَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَبِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ, وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ
[غافر] هذه الدعوة - بعد الدعاء بإدخالهم جنات عدن- لفتة إلى
1
الركيزة الأولى في الموقف العصيب، فالسيئات هي التي توبق أصحابها في
الآخرة، وتوردهم مورد التهلكة، فإذا وقى الله عباده المؤمنين منها، وقاهم
نتائجها وعواقبها، وكانت هذه هي الرحمةَ في ذلك الموقف، وكانت كذلك
أولى خطوات السعادة، وذلك هو الفوز العظيم .. فمجردُ الوقاية من
السيئات هو أمر عظيم))(١).
(٨) امتنان الله على نبيه وَالر بالمغفرة التَّامَّة:
* قال تعالى ممتنًّا على نبيه وَّهِ: ﴿﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ
مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ, عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا
٢
[الفتح].
هذا الفض الإلهيُّ على رسوله وَّهِ فتحُ مبين ومغفرةٌ شاملة، ونعمةٌ
تامة وهدايةٌ ثابتة ونصرٌ عزيز، إنها جزاء الطمأنينة التامةِ لإلهام الله
وتوجيهه والاستسلام الراضي له.
لقد فرح رسول الله وَّخلال بهذه الصورة .. فرح قلبه الكبير بهذا الفيض
الرباني عليه وعلى المؤمنين به .. فرح بالفتح المبين وفرح بالمغفرة الشاملة
وفرح بالنعمة التامة ..
• قال رسول الله وَّة: «نزل عليَّ البارحة سورة هي أحبُّ إليَّ من الدنيا
(١) ((الظلال)) (٣٠٧١/٥).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤٦٠
صلاح الأمة في علو الهمة
وما فيها)).
• وفي رواية: «لقد أنزلت عليَّ الليلة سورة هي أحبّ إليّ مما طلعت
٤٥))(١). وفاضت نفسه الطيبة
عليه الشمس: ﴿إِنَّا فَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا
بالشكر لربه على ما أولاه من نعمته، فاضت بالشكر في صورة صلاة
طويلة مديدة، تقول عنها عائشة ﴿ شها: كان رسول الله ولو إذا صلى قام
حتى تنفر رجلاه، فقالت له عائشة ﴿شفها: يا رسول الله، أتصنعُ هذا وقد
غَفر اللهُ لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال ◌َ له: ((يا عائشة، أفلا أكون
عبدا شكورًا))(٢).
(٩) الشفاعة وسؤال المغفرة للأُمَّة مقام نبينا المحمود ◌َّ:
وَمِنَ الَّتْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةُ لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ
قال تعالى:
مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)
٤ [الإسراء].
يأمر الله نبيه وَجَلّ بقيام الليل عساه يبلغُ هذا المقام، قيام الليل ليبلغ
الكمالَ اللائق به .. وهو الشفاعة وسؤالُ المغفرة.
• عن أبي هريرة فيظلّعنه قال: قال رسول الله وَّه في قوله: ﴿عَسَى أَنْ
يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا ﴾، وسُئل عنها فقال: ((هي الشفاعة))(٣).
• وعن سلمان الفارسي خلفه قال: «يأتون النبي وَ لّ فيقولون: يا نبي
الله، أنت الذي فتح الله بك وختم، وغفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما
(١) رواه مسلم، وقد تقدم في ((علو الهمة في الصلاة)).
(٢) المصدر السابق.
(٣) حسن: رواه الترمذي (٣١٣٧) وحسنه، مقبل بن هادي الوادعي في كتاب
(الشفاعة)) (ص٣١)، وصححه الشيخ الألباني.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com