النص المفهرس
صفحات 321-340
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٣٢١ علو الهمة في طلب العلم جامي)، و(المفصل)) للزمخشري و((شذور الذهب)) لابن هشام الأنصاري، و(أسرار البلاغة)) و((دلائل الإعجاز)) لعبدالقاهر الجرجاني، وغيرها. ■ومن الأساتذة الذين درس العربية عليهم، وتلمذ لهم، الشيخ محمد صالح الفرفور، وكان هذا من التلاميذ الملازمين لمحدِّث الديار الشامية في عصره الشيخ محمد بن يوسف المعروف ببدر الدين الحَسَني، وله فيه كتابٌ، نشره منذ سنواتٍ، يتحدث فيه عن حياته الشخصية والعلمية (١)، وكان الشيخ الفرفور في طليعة الذين يعرفون العربية، ويجيدون فهمها، وله شعرٌ رصينٌ، ينُّ عن أصالةٍ وتمُّنٍ من ناصية البيان. ■ ومن هؤلاء الأساتذة أيضًا، الشيخ عارف الدوجي، وكان هذا معيدًا عند الشيخ بدر الدين الحسني، والمعيد في ذلك الوقت هو المؤهل أن يكون أستاذًا فيما بعد، يخلف شيخه في الحلقة، وأبرز ما يتميز به هو إلمامه الواسع بعلوم العربية، ثم إلمامه بالعلم الذي هو بصدده. ■ وممن قرأ عليهم كذلك، الشيخ سليمان الغاووجي الألباني، الذي استقر آخر حياته في دمشق، وكان هذا الشيخ يشرح لطلابه الكتب التي كانت تدرس في الدولة العثماني، ككتاب ((العوامل)) للبَركوي، و(الإظهار)) للأطَهْلي، وغيرهما. وبعد هذه الرحلة الشاقة في أعماق العربية، والتي أكسبته القدرة على الفهم الصحيح، والاستنباط الدقيق، وإبداء الحجة والدليل، بفضل ذكائه (١) ((انظر: محمد صالح الفرفور ((المحدث الأكبر وإمام العصر العلامة الزاهد السيد الشريف الشيخ محمد بدر الدين الحسني . كما عرفته، دار الإمام أبي حنيفة، دمشق، ط ١، ١٩٨٦ م. تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٣٢٢ صلاح الأمة في علو الهمة الحاد، وحافظته القوية، وهمته العالية، أحس الشيخ الأرنؤوط بأنه في مسيس الحاجة إلى دراسة الفقه الإسلامي، فلزم أكثر من شيخ، يقرأ عليه كتب الفقه، ولا سيما التي تخص المذهب الحنفي، من مثل: ((مراقي الفلاح)) للشُّرْنبلآلي، و((الاختيار)) للموصلي، و(الكتاب)) (١) لأبي الحسن القُدُوري، وحاشية ابن عابدين، التي تدعى: ((ردّ المحتار على الدر المختار))، وغيرها. ■ وقد ظل يدرس الفقه الإسلامي دراسةً متعمقةً أكثر من سبع سنوات، يتخلل ذلك دراسة أصول الفقه، وتفسير القرآن، ومصطلح الحديث، وقراءة كتب الأخلاق، وما إلى ذلك، وكان عمره في هذه الفترة قد جاوز الثلاثين سنة. ■ ولعل أبرز ما لحظه الشيخ الأرنؤوط في أثناء دراسته للفقه، وكان له تأثيره الكبير في حياته العلمية فيما بعد، ذلك القصور الواضح، عند شيوخه وغيرهم ممن عاصرهم، في معرفة صحيح الحديث وسقيمه. ] فكانت الأحاديث الضعيفة والموضوعة هي التي تدور، في الغالب، على ألسنتهم، وتتداول في مجالسهم، وكثيرًا ما كانوا يستشهدون بها في محاوراتهم التي تتعلق بفقه الخلاف، أو الفقه المقارن، كما يسمى اليوم، إذ قلما كانوا يعنون بدراسة كتب الحديث، ولعل قصارى أمر أحدهم أن يقرأ (١) وهذه الثلاثة الكتب من المتون المعتبرة في الفقه الحنفي، ويطلقون عليها مصطلح ((ظاهر الرواية))، وهي مسائل الأصول التي رويت عن أعيان المذهب، وهم: أبو حنيفة، وأبو يوسف القاضي، ومحمد بن الحسن الشيباني. انظر: (رسائل ابن عابدين)) (١٦/١)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، دون تاريخ. تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٣٢٣ علو الهمة في طلب العلم كتاب ((رياض الصالحين)) للنووي فقط، ومن أجل التبرك، ليس غير (١)؛ مما جعله يدرك من أعماقه أنه لا بدّ من الاختصاص بهذا العلم، وسَبْر أغواره، ومعرفة أسراره، حتى يتسنّى له أن يحقّق كتب السنة، ویمیز بین صحيحها وضعيفها، لتكون في خدمة جميع الباحثين، وخاصةً أنها لم تكن سهلةً ميسورةً، بل تحتاج إلى جهدٍ كبيرٍ من أجل تقريبها لهم، ولسواهم من عامة القراء. فعقد النية عازمًا على أن ينهد لسدِّ هذه الثغرة الخطيرة، والاضطلاع بهذا العبء، وكان يشتغل، منذ سنة ١٩٥٥، بتدريس اللغة العربية والتربية الإسلامية بدمشق، فرأى أن يزايل هذا العمل؛ ليتفرغ بالكلية للاشتغال بتحقيق التراث العربي الإسلامي، ولا سيما كتب السنة المطهرة، التي أحس آنذاك أنها في مسيس الحاجة إلى التحقيق والتعليق، والتصحيح والتوضيح، وإخراجها إخراجًا علميًّا متقنًا، كيما تكون سهلة المتناول، ويعم الانتفاع بها. وكانت بدايته الأولى في ((المكتب الإسلامي)) بدمشق سنة ١٩٥٨/، حيث رأس فيه قسم التحقيق والتصحيح، فكان فضلاً عن عمله في التحقيق، هو الذي يختار الكتب المراد تحقيقه، ويرسم المنهج الذي ينبغي أن يسلك في ذلك، ويشرف على مراحل التحقيق جميعها، ومتابعتها بدقة، (١) وأقول: للتّرك فقط، لأن ((رياض الصالحين)) يشتمل على جملة صالحة جدًّا من الأحاديث الصحيحة والحسنة التي تحول بين الفقيه وبين التلبس بالأحاديث الضعيفة والموضوعة، وربما كانت كافية في سدّ حاجة المشتغل بالفقه من الحديث النبوي، ولكن يبدو أن ثمة عوامل أخرى كانت وراء هذه الظاهرة التي لا تزال عقابيلها مائلة في حياتنا المعاصرة. تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٣٢٤ صلاح الأمة في علو الهمة وتدريب العاملين معه، وخصوصًا الجدد منهم (١). ■ وقد تنوعت الكتب التي حققها الشيخ الأرنؤوط في ((المكتب الإسلامي))، أو أشرف على تحقيقها، فشملت كتب السنة، والفقه، وعلم الرجال، والتفسير، والأدب، وما إليها، مما يدل على تبخّره في الثقافة العربية الإسلامية، وتمكنه من عددٍ غير قليل من العلوم. وقد بقى في ((المكتب الإسلامي)) قرابة العشرين سنة، أسهم في خلالها في تحقيق ما يزيد على سبعين مجلدًا من أمهات كتب التراث، كـ ((شرح السنة)) للبغوي (ستة عشر مجلدًا)، و((زاد المسير في علم التفسير)) لابن الجوزي (تسعة مجلدات)، و((روضة الطالبين)) للنووي (اثنا عشر مجلدًا)، و((المبدع في شرح المقنع)) لابن مفلح الحنبلي (ت٤٨٨هـ) (عشرة مجلدات)، و((مهذب الأغاني)) لابن منظور (اثنا عشر مجلدًا)، وغيرها. ثم رأى، لسبب ما أن يتركه؛ لينتقل بعد ذلك مباشرةً إلى العمل في ((مؤسسة الرسالة))، وقد اكتسب خبرةً واسعةً في ميدان التحقيق، عزَّ نظيرها، فيترأس فيها قسم تحقيق التراث التابع لها، لينهض بمجموعة من المهمات، كالتحقيق، واختيار الكتب، وتحديد خطة العمل، وتدريب العاملين في القسم، والإشراف على عمليات التحقيق كلها من بدايتها إلى نهايتها. وهو لا يزال يعمل في هذه المؤسسة، في مكتبها بعمَّان التي رحل إليها منذ سنة ١٩٨٢ م واستقر فيها، حتى يومنا هذا. ■ وليس يخفى أنّ عمل الشيخ الأرنؤوط في ((مؤسسة الرسالة)) كان (١) من مقابلة مع الشيخ شعيب الأرنؤوط في مكتبه بعمان، بتاريخ ١٩٩٤/٦/٩. تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٣٢٥ علو الهمة في طلب العلم أنضج وأرحب مدى، ولعل أهم إنجازاته في تحقيق التراث وأشهرها قد تمت أثناء عمله في هذه المؤسسة، التي تعد بحق رائدة بعث التراث العربي الإسلامي في هذه الأيام، بما توليه من عنايةٍ فائقةٍ بتحقيق أمهات كتبه، ونشرها نشرات علميةً متقنةً، تجعل الإفادة منها في غاية السهولة واليسر (١). ■ وقد يشار ها هنا، على سبيل التمثيل، إلى تحقيقه: ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (خمسة وعشرون مجلدًا)، و((الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان)) (ثمانية عشر مجلدًا)، و(العواصم والقواصم)) لابن الوزير اليمني (تسعة مجلدات)، و((زاد المعاد)) لابن قيم الجوزية (خمسة مجلدات) وغير ذلك. ■ ولعل ما كتبه الدكتور بشار عواد معروف، من جامعة بغداد، في نهاية مقدمته لـ ((سير أعلام النبلاء))، في معرض حديثه عن تحقيق الكتاب، يجلي نواحي مهمةً من طبيعة العمل الذي ينهض به الشيخ الأرنؤوط في قسم تحقيق التراث التابع لمؤسسة الرسالة، وأيضًا طبيعة الدور الذي يقوم به صاحب المؤسسة في توفير سبل النجاح لهذا القسم، ومن ذلك قوله: ((وحين أزمع هذا الفاضل (يقصد صاحب ((الرسالة)) الأستاذ رضوان دعبول) على تحقيق ((السير))، وفّر له سُبُلَ التوفيق والنجاح على أحسن مَوفرٍ بأن نَدَبَ إلى الاشتغال فيه عددًا من المحققين البارعين الكفاة، أجزل (١) لمزيد من الاطلاع حول جهود هذه ((المؤسسة)) في نشر التراث؛ انظر: محمود محمد الطناحي، مدخل إلى تاريخ نشر التراث العربي، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط١، ١٩٨٤، (ص١٦٢ - ١٦٣)، وما كتبه العلامة محمود محمد شاكر في مقدمة كتابه ((رسالة في الطريق إلى ثقافتنا)) الصادر عن دار البشير بعمّان (التابعة لمؤسسة الرسالة، بيروت) سنة ١٩٩٢. https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٣٢٦ صلاح الأمة في علو الهمة لهم العطاء، وحفظ حقوقهم كافة، وهيأ لهم مستلزمات التحقيق الدقيق: من نسخ موثقة، ومصادر مكدسة في متناول أيديهم، فضلاً عن بذل المال الوافر في الطباعة الأنيقة الدقيقة، والورق الفاخر، والصناعة المتقنة. ■ ثم توّج عمله، وركب جُدّةً من الأمر بأن نَدَب لمراجعة الكتاب والإشراف على تحقيقه، وإصلاح ما قد يطرأ عليه من الغلط عالمًا برع أصحابه في عمله، متأبهًا عن الشهرة، قديرًا على تذليل الصعب، فطينًا لإيضاح المبهم، كفيا بتيسير العسير، هو الأستاذ المحدث الشيخ شعيب الأرنؤوط. وقد عرفتُ لهذا العالم فضله الكبير على هذا السفر النفيس آثر ذي أثير حين اشترط أن يقام التحقيق على أفضل قواعده وشاهدته وهو يمسك أصل النسخة الخطية، والمحقق يقرأ عليه عمله، وهو لا يسهو ولا يغفل لحظة، يبين المبهم، ويوضح الخفي، ويصرف الوقت الطويل الثمين في تدقيق لفظ، أو ضبط حركة، ويعيد ذلك ويبديه، ويعده أمانة وديانة، يشد به أزر المحققين، فضلاً عن قيامه بتخريج جميع الأحاديث والآثار الواردة في الكتاب، وهي بليغة الكثرة، ووفق الأصول والقواعد المتبعة في علم المصطلح، وهو اليوم فارس هذا الميدان الخطير الذي ضرب آباطه ومغابنه، واستشف بواطنه)) (١). ■ وقد تخرّج على يد الشيخ شعيب الأرنؤوط في صناعة التحقيق عددٌ غير قليل من طلبة العلم، وأصبح لدي كثيرٍ منهم القدرة على الإسهام في (١) الذهبي ((سير أعلام النبلاء)) أشرف على تحقيقه وخرج أحاديثه شعيب الإنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط٣، ١٩٨٤ (١٣٩/١ - ١٤٠). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٣٢٧ علو الهمة في طلب العلم هذا المجال، ولا سيما الألى كانوا أكثر ملازمة له، وأخذًا منه، کمحمد نعيم العرقسوسي، وإبراهيم الزيبق، ورضوان العرقسوسي، وعادل مرشد، وعمر حسن القيام، وأحمد عبد الله، وعبد اللطيف حرز الله، وأحمد برهوم، وكامل قره بللي، وغيرهم ... ممن تفرَّس فيهم أماراتِ القدرة على القيام بأعباءِ التعامل الصحيح مع علوم السنّة، غير ملتفت إلّا إلى قدرتهم على تجويد ما يضطلعون بأعباء تحقيقه، ولقد قرَّ الشيخ عينًا حين رأى هؤلاء التلاميذ وقد أصبح كلّ واحدٍ منهم قادرًا على الاستقلال والانفراد بعمله، ورأى فيهم ثمارًا ناضجة لجهودٍ حثيثةٍ ستعود بالخير على الحياة الاجتماعية والثقافية بسبب ما تسلّحوا به من وعي، وما غرس فيهم الشيخ من ضرورة اختبار الأشياء وتمحيصها. ■ وأثر الشيخ الأرنؤوط واضحٌ جلي في الكتب التي حققها هؤلاء التلاميذ، ولم يكونوا ينكرون فضله عليهم، ورعايته لهم، بل كانوا أوفياء له، يهتبلون كل مناسبةٍ لكي يزجوا إليه جزيل الشكر، ويثنوا عليه أطيب الثناء. ■ يقول الشيخ نعيم العرقسوسي، على سبيل التمثيل، في مقدمة تحقيقه لكتاب ((توضيح المشتبه)) لابن ناصر الدين: ((وأخص الشكر وأجزله، وعظيم الوفاء وأجمله إلى من لولا رعايته وعنايته ما كنت في عداد مَنْ يعنى بتحقيق التراث، إلى من هو جديرٌ بكل تقدير واحترام، وأهل لكل تكريم وإعظام، إلى فضيلة الشيخ المفضال المعطاء المحتسب أستاذي شعيب الأرنؤوط حفظه الله ينبوعًا للعطاء، ونبراسًا مضيئًا بالعلم تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٣٢٨ صلاح الأمة في علو الهمة والصدق والنقاء))(١). ويقول الأستاذ إبراهيم الزيبق أيضًا في مقدمة تحقيقه لكتاب (طبقات علماء الحديث)) لابن عبد الهادي: ((وبعد ... هل تكفي كلمة شكر أزجيها لأستاذي وشيخي شعيب الأرنؤوط؟ وهل تجزئ عني كلمة ثناء أكتبها له بحروف المحبة والصدق؟ ... إن ما بعنقي له أوسع من الشكر، وأجزل من الثناء، إن ما فتح عليه عيني من أمر الحياة، وأنا أتلمس طريقي بعقل غض وقلبٍ مرهف جعل أيامي معه سنين في عمقها وغناها، ثم أخذ بيدي في عالم التحقيق، فمنحني ثقته وما أغلاها، وأنار دربي بعلمه وما أغزره، فلك يا أستاذي شكرٌ أوسع من الشكر، وثناءٌ أعظم من الثناء، والله يتولى عني حسن جزائك))(٢) . ■ ويقول الأستاذ عمر حسن القيام، أحد المحققين الأردنيين الذين أفادوا من الشيخ الأرنؤوط، في مقدمة تحقيقه لرسالة ابن رجب الحنبلي ((شرح حديث اللهم بعلمك الغيب)): ((وشجعني على المضي قدمًا في هذا الطريق شيخي المحدِّث العلامة شعيب الأرنؤوط أحد شيوخ هذا الفن في هذا العصر، والعَلَم الذي نشر من نفائس السنة النبوية، ما يقضي بنبالة قدره، ومن ارتضاني للعمل معه في هذا العلم الشريف بعد سياحةٍ غير (١) ابن ناصر الدين الدمشقي: توضيح المشتبه في ضبط أسماء الرواة وأنسابهم وألقابهم وكناهم، حققه وعلّق عليه محمد نعيم العرقسوسي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط٢، ١٩٩٣ (١١٢/١). (٢) إبراهيم الزيبق، ابن عبد الهادي وكتابه ((طبقات علماء الحديث)) مجلة البصائر، تصدر عن الاتحاد الثقافي في فرنسا، العدد (٣١) (ص٩، ١٠) (من مقدمة تحقيق كتاب ((طبقات علماء الحديث))). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٣٢٩ علو الهمة في طلب العلم قصيرة في علوم اللغة والأدب، فله مني أجزلُ شكرٍ وأوفاه على حُسْنِ صنيعه معي، وإيثاره أياي بنفيس أوقاته، ورغبته النبيلة في تعليمي وإفادتي والأخذ بيدي في مدارج هذا العلم الشريف)) (١). ■ وقد كانت علاقته بتلاميذه علاقة الصدیق بأصدقائه، فکان قريبًا منهم، حريصًا على نفعهم وهدايتهم، ولم يكن يفرض عليهم آراءه وأحكامه، بل كان يحثهم على أن يُعمِلوا عقولهم، ويبدوا حجتهم، ويحاوروا ويناقشوا، وكثيرًا ما كان يستشيرهم، وينزل عند رأيهم، مما كان له أثره الطيب في نشأتهم وتعلمهم، ولعل هذه الخلیقة قد تحدّرت إليه من منهج إمامه أبي حنيفة الذي كان لا يثبت مسألةً في الفقه إلاّ بعد أن يستشير غير واحدٍ من جلّة أصحابه كأبي يوسف القاضي وزُفَر بن الهذيل ومن هو على شاكلتهم من أعيان المذهب الحنفي (٢). ■يقول الشيخ الأرنؤوط، في أحد هوامش الجزء السادس من «مسند الإمام أحمد)) الذي حققه، تحت إشرافه، تلميذاه محمد نعيم العرقسوسي وإبراهيم الزيبق، معلقًا على بعض كلام لهما: ((وهذا التحقيق النفيس الذي انتهى إليه صاحباي الشيخ نعيم والأستاذ إبراهيم في التفريق بين أبي سلمة الجهني وبين موسی الجهني، قد وافقتهما عليه واقتنعت بصحته، يلغي الخطأ الذي وقع مني في تعليقي على ابن حبان حيث تابعت فيه مَنْ تقدمني ممن ينتحل صناعة الحديث، فجزمت بأن أبا سلمة الجهني هو (١) ابن رجب الحنبلي، شرح حديث ((اللهم بعلمك الغيب))، اعتنى بضبطه عمر حسن القيام، دار البشير، عمّان، ط١، ١٩٩٧ (ص١٤). (٢) انظر: جمال الدين الزيلعي، ((نصب الراية لتخريج أحاديث الهداية)) دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط٣، ١٩٨٧ (٣٨/١ - ٣٩). تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٣٣٠ صلاح الأمة في علو الهمة موسى الجهني الثقة، فيستدرك هنا))(١). ■ وقد حدثني تلميذه الأستاذ عادل مرشد قال: ((كتب الشيخ شعيب الأرنؤوط مرة ردًا عنيفًا على أحد المحدثين المعاصرين المعروفين، فلما عرضه على، أشرت عليه بعدم نشره، درءً لما قد يثيره من الإحَنِ وَوَغْر الصدور، وكان محقًّا في كل ما أخذه عليه، فلم يجد الشيخ حرجًا من التراجع عن رأيه، وطیه، ووضعه في درج مكتبه. ■ ويختلف إلى مكتب الشيخ الأرنؤوط بعّانَ كثيرٌ من أساتذة الجامعات، وخصوصًا المعنيين بتحقيق كتب التراث، وقد شاهدتُ بعضَهم بين يديه، يسألونه ويستشيرونه في عددٍ من القضايا والمسائل، فكان يبذل أقصى ما فيه وسعه من أجل حل مشكلاتهم، والإجابة عن أسئلتهم، وتقديم الإعانة والنصيحة لهم. ■ ويحرص كثيرٌ من الأساتذة على أن ينظر الشيخ الأرنؤوط في الكتب التي حققوها قبل أن ينشروها بين الناس، ليفيدوا من تعليقاته المهمة، وملحوظاته القيمة، بحسبه واحدًا من أبرز أعلام تحقيق كتب التراث في هذا العصر. . ■ يقول الدكتور بشار عواد معروف، على سبيل التمثيل في آخر مقدمة تحقيقه لكتاب ((تهذيب الكمال في أسماء الرجال)) للمزي: ((وأرى من الواجب علي أن أنوّه بفضل كل من ساعد على ظهور هذا الكتاب، (١) أحمد بن حنبل ((مسند الإمام أحمد بن حنبل))، حققه وخرّج أحاديثه وعلّق عليه: شعيب الأرنؤوط، محمد نعيم العرقسوسي، إبراهيم الزيبق، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط١، ١٩٩٦ (٢ /٢٤٨ - ٢٤٩). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٣٣١ علو الهمة في طلب العلم وأخص منهم بالذكر ... صديقي العالم الفاضل المحقق، المتقن المتفنن، الشيخ شعيب الأرنؤوط، لما بذله ويبذله من مساعدات وإسهامات كان لها الفضل العظيم على إخراج هذا الكتاب، فقد قام بقراءته قراءة دارس عالم، وأنبهني على بعض ما فاتني، وخرَّج الأحاديث الشريفة الواردة فيه، وأبان عن درجة كل حديث من الصحة وغيرها، حسبما تقتضيه القواعد الحديثية ... سدد الله خطاه، وأنجح مسعاه، ونوله رضاه))(١). ■ وللشيخ شعيب الأرنؤوط منهجٌ واضحٌ مستتبٌّ في التحقيق، تجده مطبقًا في معظم الكتب التي حققها، أو أشرف على تحقيقها، وكثيرًا ما كان يعرض هذا المنهج في مقدماته الضافية التي كان يصدّر بها هذه الكتب، والتي تشتمل، في الغالب، فضلاً عن ((منهج التحقيق))، على ترجمةٍ وافية للمؤلف ودراسةٍ شاملة للكتاب، ووصفٍ دقيق للنسخ التي اعتمدها ونماذج من هذه النسخ. ■ وربما نیفت بعض مقدماته، كمقدمة تحقيقه لـ «مسند الإمام أحمد»، على مئة وخمسين صفحة، وبعضها، كمقدمة تحقيقه لـ ((شرح مشكل الآثار))، على ثمانين صفحة، وبعضها كذلك، كمقدمة ((الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان))، على سبعين صفحة، مما يدل على سعة عارضته، وكمال خبرته فيما يضطلع بأعباء تحقيقه من المصنفات. ■ وهو يرى أن من فضول القول، عند عرض منهج التحقيق، الحديث عن نسخ الكتاب، ومقابلة المنسوخ على الأصل، للتأكد من خلوه (١) المزي، ((تهذيب الكمال في أسماء الرجال)) حققه وضبط نصه وعلق عليه الدكتور بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة، بيروت ط ١، ١٩٨٠ (٩٠/١). تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٣٣٢ صلاح الأمة في علو الهمة من السقط، فتلك من أبجديات إخراج كتاب ما وأساسياته، ومن المسلم به أن الكتاب لا يقوم بغير ذلك، وإنما المطلوب في الحديث عن منهج التحقيق الكلام عن الخطة التي انتهجها المحقق إزاء نص الكتاب، والتي يفترض أن تكون ظلًا للنص يخدمه ويحقق غايته، ويسبر مدى نجاح مؤلفه في قصده من تأليفه، وموضوع الكتاب هو الذي يحدد المنهج الذي یناسبه. على أن هناك إطارًا عامًا لا بد من العمل ضمنه، من ذلك ما اتفق عليه الناس اليوم من ضرورة ضبط ألفاظ النص، وخاصة إذا كان آية قرآنية، أو حديثًا شريفًا، يلي ذلك ضبط أسماء الأعلام والبلدان والألقاب والأنساب والمواضع، وذلك لتجنب غير المختص في قراءتها. ومن ذلك تحلية النص بعلامات الترقيم، وتوزيعه على نحو يسهل قراءته على طالب العلم، ويجنّبه كثيرًا من الزلل في فهم المراد. هذا كله مما يتعلق بذات النص، أمّا ما يستدعيه من تعقيب أو تعليق أو استدراك أو تصحيح، فذاك، فيما يقول الشيخ الأرنؤوط، عمود منهج التحقيق، ويقيمه طبيعة الكتاب وموضوعه، فكتاب في الأدب، مثلاً، يتضمن بعض الأحاديث النبوية، أو المسائل الفقهية، ليس من المطلوب التوسع في تخريج حديث فيه، واستقصاء مصادر التخريج، ولا بسط المسألة الفقهية، وعرض دقائقها، بل يكفي ربط مثل هذا، بإيجاز، بالمصدر الرئيس له، والإحالة على كتاب يكون مفتاحًا لتلك القضية، ثم التركيز بعد ذلك على القضايا الكبرى التي هي موضوع الكتاب(١) . (١) انظر: ابن حبان البستي، ((الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان)) بترتيب الأمير = تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٣٣٣ علو الهمة في طلب العلم ■ إن المحقق الأصيل، عند الشيخ الأرنؤوط، ليس عمله أن يخرج النص مصححًا كما كتبه المؤلف حسب، وإنما يتعدى ذلك إلى تتبع ما أورده المؤلف من أفكار، ورجحه من أقاويل، وبيان ما جانب فيه من الصواب، ولذا كثيرًا ما كان يخالف مؤلفي الكتب التي يحققها في بعض آرائهم وأحکامهم، ویوجه نقداته إلیھم. ■ يقول الشيخ في مقدمة تحقيقه لكتاب ((العواصم والقواصم)) لابن الوزير: ((وقد نخالف المؤلف - رحمه الله - في بعض ما ذهب إليه من آراء، وما انتهى إليه من أحكام، فرد قوله برفق، معتمدين على نصوص الكتاب والسنة اللذين هما أصل الدين وملاكه، وإليهما المرجع في فصل النزاع في جميع مسائل الخلاف، وذلك مما يسر المصنف، إن شاء الله، ويرضيه فإنه ◌َحَمّهُ كان يدعو إلى إمعان النظر في الأمور المختلف فيها بين الأئمة، واستعراضها، والاطلاع على حججهم ودلائلهم، والأخذ في كل باب بما هو أقوى دليلاً، وأبلغ في الحجة، من غير تعصب لمذهب أو عليه))(١) . ■ ويقول أيضًا في مقدمة تحقيقه لكتاب ((زاد المعاد)) لابن القيم: ((ولم نُخْل تعليقاتنا هذه من توجيه نقداتٍ للمؤلف فيما يظن أنه أخطأ فيه، فإنه - رحمه الله - قد صرح في كتابه هذا بأنه لم يقصد من تأليفه نصرة مذهب علاء الدين الفارسي، حققه وخرّج أحاديثه وعلّق عليه شعيب الأرنؤوط مؤسسة الرسالة، بيروت، ط١، ١٩٨٨، (٦٧/١ - ٦٨) (من مقدمة التحقيق). (١) محمد بن إبراهيم الوزير، ((العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم)» حققه وضبط نصه وخرّج أحاديثه وعلّق عليه شعيب الأرنؤوط، دار البشير، عمّان، ط ١، ١٩٨٥ (١٣٩/١). تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٣٣٤ صلاح الأمة في علو الهمة من مذاهب الأئمة، وإنما قصد به مجرد هدي رسول الله وَ ة في سيرته وأقضيته وأحكامه، فلا ضير علينا إذا خالفناه في بعض ما ذهب إليه، إذا كان ما انتهينا إليه هو الصحيح القوي السديد)»(١). وكثيرًا ما كان يخالف الشيخ الأرنؤوط كبار العلماء المحققين ممن سبقوه، سواء أكانوا من القدماء، كالحافظ ابن حجر، مثلاً، أم من المحدثین، کالشيخ أحمد محمد شاكر. يقول الشيخ الأرنؤوط في مقدمة تحقيقه لـ ((مسند الإمام أحمد)): ((وسيجد القارئ الكريم أننا قد خالفنا في تنقيد الرواة ابن حجر وغيره من أئمة هذا الشأن فيما انتهوا إليه من أحكام على عددٍ غير قليل من الرواة نتيجة مراجعة كتب الجرح والتعديل المعتمدة التي تضمنت أقاويل الثقات في هؤلاء الرواة، والموازنة الدقيقة بينها، واستخلاص ما هو أقرب إلى الصواب منها، ولنا على كتاب ((التقريب)) للحافظ ابن حجر مؤاخذاتٌ غير قليلة، تدل على أنه - رحمه الله - لم يحرر تراجمَ عددٍ غير قليل من الرواة تحريرًا دقيقًا، فقد وقعت له فيه أخطاء يستغرب صدورها من مثله))(٢) . ■ ويقول بعد ذلك بقليل، في سياق حديثه عن عمل الشيخ أحمد محمد (١) ابن قيم الجوزية، ((زاد المعاد في هدي خير العباد))، حقق نصوصه وخرّج أحاديثه وعلّق عليه شعيب الأرنؤوط وعبد القادر الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١، ١٩٧٩ (١٢/١). (٢) الإمام أحمد بن حنبل، ((مسند الإمام أحمد بن حنبل))، أشرف على تحقيقه الشيخ شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط، ١٩٩٣ (١٤٠/١ - ١٤١). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://web lessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٣٣٥ علو الهمة في طلب العلم شاكر في ((المسند)): (( ... ومع شهادة غير واحد من أهل العلم ببلوغه نَّهُ في معرفة حديث رسول الله وَجله رواية ودراية، مبلغًا لم يجاره أحد به من معاصريه ممن ينتحل صناعة الحديث، فإنه حمّلهُ قد تساهل في الحكم على أحاديث غير قليلة في ((المسند)) تساهلاً غير مرضي عند الحذاق من النقاد، فَقوَّى حال ابن تَيعةَ مطلقًا وعلي بن زيد بن جُدْعان وشريك ابن عبد الله النخعي ومن هو من بابتهم، وفي كثير من الأحاديث التي جاءت في ((المسند)) يقول في كل واحد منها: إسناده صحيح، رجاله ثقات، مع أن في سندها من رُمِي بالاختلاط وراويه عنه ممن روى عنه بعد الاختلاط، أو ممن هو موصوف بسوء الحفظ، أو كان ممن يعرف بالتدليس وقد روى حديثه بالعنعنة، وقد صحح كثيرًا من الأسانيد التي فيها رواة مجهولون لم يؤثر توثيقهم عن أحد من الأئمة المعتمد عليهم، الموثوق بهم في هذا الفن وفي كل ذلك مخالفة للجهابذة من أهل الحديث في مختلف عصورهم، وهذا هو السبب الذي دعانا إلى مخالفته ريحمّلهُ في كثير من الأحكام التي انتهى إليها في التصحيح والتضعيف))(١) . على أنه إذ يخالفهم، ويسجل عليهم مؤاخذاته، يحرص جدًّا على أن يؤكد أن مخالفته إياهم، وانتقاده لهم، لا ينقص من قدرهم الجليل، ولا يغض من قيمتهم، وكان يتمثل دومًا بقول الإمام أحمد بن حنبل فيما رواه عنه أحمد بن حفص السعدي: لم يعبر الجسر (يعني جسر بغداد) إلى خراسان مثل إسحاق بن راهويه، وإن كان يخالفنا في أشياء، فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضًا))(٢). (١) المصدر نفسه (ص ١٤٧ - ١٤٨). (٢) المصدرنفسه (ص ١٥٠، ١٥١). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٣٣٦ صلاح الأمة في علو الهمة والواقع أن هذا الأسلوب المتزن في النقد من أظهر ما يتميز به منهج الشيخ الأرنؤوط في التحقيق، إذ قلما تجده في كتابات المشتغلين بهذا الفن في الوقت الحاضر، وخصوصًا، وللأسف، المشتغلين في مجال الحديث النبوي، تصحيحه وتضعيفه، الذين استفحل التشاتم والتطاعن بينهم، وكأن هذه القضية ليست من القضايا الاجتهادية التي تتباين فيها وجهات النظر بين العلماء. ولا بأس ها هنا من تقديم نموذج لمنهج الشيخ شعيب الأرنؤوط في التحقيق، وهو منهجه في تحقيق ((الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان)) بترتيب الأمير علاء الدين الفارسي، وهو كتاب في الحديث النبوي، اشترط مؤلفه ألَّا يورد فيه إلا حديثًا صحيحًا، وهذا فيما يقول الشيخ الأرنؤوط، الذي حدد خطة العلم في إخراجه ((والتي تتلخص في: هل وفَّى المؤلف بما التزم؟ ثم هل كانت أحاديثه تتحقق فيها شروط الصحة التي اصطلح عليها الجمهور؟. هذا عماد منهجي في تحقيق الكتاب، وتفصيل خطواته وفقراته ما يلي: ١ - قمت بدراسة رجال إسناد کل حديث فيه عدا شیوخ ابن حبان، إذ يغلب على ظني أنهم كلهم ثقات لا حاجة للكشف عن حالهم، علمًا بأن شيوخه الذين عوّل عليهم أكثر من غيرهم في رواية هذا الكتاب، وعدتهم واحد وعشرون، كلهم من كبار الحفاظ الأثبات المتقنين، كما تبين من تراجمهم المتقدمة في بحث شيوخه من هذه المقدمة، يضاف إلى ذلك أنه لدى تخريج الأحاديث من المصادر التي تقدمت ابن حبان ممن هو أعلى طبقة منه، تبين من روى الحديث أيضًا عن شيوخ شيوخ ابن حبان، وحين تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٣٣٧ علو الهمة في طلب العلم ينفرد ابن حبان بحديث لم يخرجه غيره، فلا بد من دراسة شيخه والكشف عن حاله، وسوف أقوم بعد الفراغ من تحقيق الكتاب، بعون الله، بترجمة شيوخه في جزء مستقل. ٢ - بما أن تصحيح المؤلف للحديث كان مبنيًّا على رأيه في توثيق المستور، فهو حسب منهجه قد وفی بما التزم واشترط لتصحيح الحديث، لذا كان من مقاصد دراسة الإسناد الوقوف على مدى موافقته لشرط الصحيح عند الجمهور، وأخص منهم شرط الشيخين، الذي هو أعلى درجات الصحة، وقد بينت ذلك إثر كل حديث، فقلت: إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، أو على شرط البخاري، أو على شرط مسلم. ■ وهذه فائدة عظيمة تبين القدر الذي استدركه ابن حبان من الأحاديث التي هي على شرط الشيخين أو على شرط أحدهما، ولم يخرجاها في كتابيهما، غير أن قولي في حديث ما: إسناده صحيح على شرط الشيخين، أو على شرط البخاري، أو على شرط مسلم، أو على شرط الصحيح؛ إنما نعني به: أن رجال السند ما عدا شيخ المصنف هم بهذه المنزلة، وأنهم ممن احتج بهم الشيخان أو أحدهما، وليس ممن خرجا له استشهادًا، أو متابعة - رحمهما الله - ينتقيان من حديث من تكلم فيه ما توبع علیه، وظهرت شواهده، وعلم أن له أصلاً، ومن حديث المدلس ما صرح بالسماع فيه، ومن حديث المختلط بأخرة ما رواه الثقة عنه قبل اختلاطه. ■ولم أرد بقولي: («إسناد صحيح على شرطهما، أو شرط أحدهما تعقب الشيخين وإلزامهما بهذه الأحاديث التي استوفت الشروط التي التزامها لإخراج الصحيح؛ لأنهما تَمّهُ ذكرا أنهما لم يكونا يقصدان استيعاب جميع تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٣٣٨ صلاح الأمة في علو الهمة الأحاديث الصحيحة في كتابيهما، كما بينت ذلك في أول مقدمة، وإنما ذكرت ذلك لبيان أن عددًا غير قليل من الأحاديث التي لم ترد عندهما هي مستوفية لشروط الصحة التي اشترطاها في كتابيهما. ولا أترجم لأحد من الرواة إلاّ إذا كان ثمة ضرورة تدعو إلى ذلك، فجميع رجال السند عدا شيوخ ابن حبان غالبًا من رجال ((التهذيب))، وتراجمهم فيه موسعة، فتؤخذ من هناك، لكن قد أحقق القول في الثقات الذين رموا بالاختلاط أو التدليس، أو ما شابه ذلك، وربما يكون شيخ شيخ ابن حبان في السند ممن تكلم فيه غيره، وهو ثقة عنده، فأذكر من تابعه عليه من الثقات للتوثيق والتعضيد. ٣ - خرجتُ أحاديثَ الكتاب من ((الصحاح))، و((السنن)) و((المسانيد)) و(المعاجم)) التي تيسرت لي، سواء منها ما ألف قبل ابن حبان أو بعده، وبما أن المؤلف قد يورد الحديث الواحد في مواضع متعددة، وفي كل موضع يورده من طريق غير التي أورده منها في الموضع الآخر على الأغلب، فقد قمت بتخريج كل طريق في موضعه، ذاكرًا أن المؤلف سيورده من الطريق الفلانية برقم كذا، وإن لم يخرجه إلاّ من طريق واحدة مع أن له طرقًا عديدة، أشرت إلى تلك الطرق الأخرى عن ذلك الراوي، وفي حال اختلاف الطريق كلها عدا الصحابي راوي الحديث أورد الإسناد بتمامه. وإذا ورد لفظ الحديث أو معناه عن صحابي آخر، ولم يذكره المؤلف، وهو في درجة حديث الباب، أو أقل منه، إلاّ أنه يصلح أن يكون شاهدًا، أثبته، وعزوته إلى من رواه، مع تبیین حاله، ليكون شاهدًا يزداد به الحديث تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٣٣٩ علو الهمة في طلب العلم قوة، ويخرج عن حد الغرابة. ٤ - صححت ما وقع من تحريف أو تصحيف في النسخة التي اعتمدناها من كتاب ((الإحسان))، وذلك بالرجوع أولاً إلى أصله المنقول عنه، وهو ((التقاسيم والأنواع)) في الأجزاء المتيسرة التي سبق ذكرها، فإن كان التحريف في الأصل أيضًا، رجعت إلى تصحيحه من مصادر التخريج. ٥ - علقت على بعض المواضع ما يستدعيه المقام؛ من بيان الحال راو في السند، أو تفسير لفظ شارد، أو توضيح معنى غائم، أو ترجمة بلد وموضع، أو نقد رأي ذهب إليه المؤلف، أو نقل فائدة لمحها أحد الأئمة في الخبر، إلى غير ذلك مما يقتضيه النص. ٦ - حافظت على الأرقام التي كتبها الأمير علاء الدين عقب كل حديث للإشارة إلى موضعه في الأصل من القسم والنوع، وأثبتها في نهاية کل حدیث. ٧ - أتبعت كل جزء مطبوع بفهرسين: أحدهما للكتب والأبواب والعناوين التي ذكرها المؤلف للأحاديث، والتي تشتمل على ما استنبطه من فقه الحديث، ثانيهما لأطراف الأحاديث التي يتضمنها ذلك الجزء مرتبة على حروف المعجم، وفي نهاية الكتاب سأقوم، إن شاء الله، بصنع فهارس مفصلة للكتاب في طليعتها فهرس لأحاديثه جميعها. ٨ - رقمت أحاديث الكتاب، كما رقمت كتبه وأبوابه، وأضفت عنوان (المقدمة) بين حاصرتين للبابين الأولين من الكتاب، إذ لم يذكر المؤلف لهما تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com صلاح الأمة في علو الهمة ٣٤٠ عنوانًا (١). ولعلَّ النَّظر في طبيعة هذا المنهج قاضٍ بأنَّه من أكثر المناهج سدادًا، بما توافر له من أُسسٍ متينة، لو قُيض لها أن تُطبّق على جميع ما ينْشرُ من ذخائر التراث لكان في ذلك الخيرُ العميم، ولأصبح التراث بمأمنٍ من الضّيم الذي لحقه على يد أنصاف المحققين، ولكان القارئ على ثقة مما يقرأُ، وفي أمانٍ من التصحيف والتحريف والأخطاء التي تعجّ بها الكُتبُ التي لم يتخْ لها هذا النمطُ الجليل من التحقيق. أمّا الكتب التي حققها الشيخ شعيب الأرنؤوط، حتى الآن، أو أسهم في تحقيقها، أو أشرف عليها، فقد نيفت على أربعين ومئتي مجلد، شملت كتب السنة النبوية، والفقه، وتفسير القرآن، والتراجم، والعقيدة، ومصطلح الحديث، والأدب، وما إلى ذلك. وإذا كان قد تولى نشر بعضها ((المكتب الإسلامي)) أثناء عمل الشيخ فيه من سنة ١٩٥٨ م حتى سنة ١٩٧٨م، فقد تولت ((مؤسسة الرسالة)) التي يعمل فيها منذ مفارقته ((المكتب)) إلى يومنا هذا، نشر الجزء الأكبر منها. ولعل من المفيد أن أشير،ها هنا، إلى أهم هذه الأعمال: أ -في ((المكتب الإسلامي)). ١ - ((شرح السنة)) للبغوي (ستة عشر مجلدًا). ٢ - ((روضة الطالبين)) للنووي، بالاشتراك مع الشيخ عبد القادر الأرنؤوط (اثنا عشر مجلدًا). (١) ((الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان)) (٦٨/١ - ٧١). تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com