النص المفهرس

صفحات 161-180

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١٦١
علو الهمة في طلب العلم
وأجزله، فلقد تعلّمنا منه العلم وطرق استنباطه والأصول في تحصيله
والاجتهاد وعدم التعصب للرأي واتهامه بالخطأ، والنظر في تحقيق ذلك)).
ثم قال عنه: إنه ((علم من أعلام العلماء البارزين .. وبحر خضمٍّ في
أصول الفقه وقواعد الاجتهاد والنظر والاعتبار)).
■ ويقول عنه الشيخ صالح عبد الله بن حُميد: ((لقد كان الشيخ منارًا
من منارات العِلْم الشامخة في عُلُوِّها ومصباحًا من مصابيح الهدى
الراسخة في ثباتها وسراجًا منيرًا يضئ الدَّروب للسالكين، هكذا نحسبه،
والله حسيبه وحسيب كلُّ نفْسٍ بما عَمِلت ولفظت.
إن المنتسبين إلى العلم في هذا العصر كثير، ولكن قلَّ منهم من يستقي
العلم من منبعه ويسنده إلى أصله ويتبع القول العمل، ويتحرَّى الصواب
في کل ما يأتي وما یذر.
وإن من هؤلاء القلة القليلة -فيما أحسب ولا أزكي على الله أحدًا -
شيخنا المترجَم، فلقد كان حسن الطريقة مرضي السِّيرة، معتدلًا في أقواله
وأفعاله، متشابه السر والعلن في مدخله ومخرجه وأحواله .. يطلب فرائد
العلم وفوائده ثم ينشره عقيدةً، وتوحيدًا وفقهًا وأصولًا وفروعًا ولُغَة
ومناظرة)).
ثم يقول عنه: إنه كان ((عالماً عَلَمًا فخْلًا يتجلّى فيه العلم الغزير والدين
الثابت والمعتقد الراسخ والكلام الدقيق والعقل الراجح والترجيح
العميق)).
ويقول: ((من شخصيه المترجَم الفقهيّةِ الأصولية يدرك الناظر في
بحوث الشيخ ومباحثاته العمق والأصالة والشمول ودقة الاستيعاب
تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
.

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١٦٢
صلاح الأمة في علو الهمة
والإحاطة، وأعظم ما يبرز في علمه وتمكّنه وميله إلى التأصيل العلمي
والتقعيد الفقهي وعقد المقارنة بين مذاهب المجتهدين في عبارة أصولية
دقيقة مع وضوح العرض ودقة المآخذ)).
■ ويقول عنه الشيخ زهير الشاويش: ((العلامة النحرير شيخنا المربّ
الجليل، رجل الوعي والألمعيَّة الشيخ عبد الرزّاق عفيفي عطية .. مع أنه
كان يُراعي جانب ستر الحال والابتعاد عن المظاهر التي يألفها بعض
الناس، واكتفى بتقديم العلم والنصح والنفع بأيسر طريق وأسهل سبيل،
وكأنه يطبّق الحديث النبوي الشريف عن المنفق في سبيل الله ((الذي لا
تعلم شماله ما تنفق يمينه))، ومنذ مدَّة قريبة جرى بحث عن أصول الفقه
في مجمع علمي، وذُكر بعض من اشتهر في عصرنا بإتقان هذا الفن
العجيب النادر، فذكر الشيخ البشير الإبراهيمي، والشيخ محمد الخضر
حسین، والشيخ عبد الوهاب خلاف والشيخ عبد المجيد سلیم، ثم كان ما
يشبه الإجماع على أن الشيخ عبد الرزّاق عفيفي المتمكِّن في هذا الفنِّ
والأكثر عِلْمًا به ممن ذكروا مع أن بعضهم من مشايخه، ولكن غمره
التواضع وإيثار البقاء وراء الظل تغمّد الله الجميع برحمته)).
فهو نَحَمّتْهُ من الأئمة الأعلام الذين حفظوا على الأمَّة معاقد الدين
و
أما عن فتواه:
ومعاقِلَه، وحموا من التغيير والتكدير موارده ومناهِلَه، وضبطوا قواعد
الحلال والحرام وخُصّوا باستنباط قواعد الحلال والحرام، وقد كتب كمًّا
هائلًا من الفتاوى والبحوث، وقد بلغ عدد الفتاوى التي قرأها ووقّع
عليها وشارك في صياغتها قرابة خمسة عشر ألف فتوى، وذلك من خلال
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١٦٣
علو الهمة في طلب العلم
عمله في اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
لقد كان الشيخ نَمَّهُ مثالًا يُحتَذَى في الفتاوى؛ دِقَّةً في النقل، والتزامًا
في السلوك، وكان يختار من الألفاظ المعبِّرَة ما يتّضح به. ولم يكن ◌َمّثُ
عالمًا متخصِّصًا يُغلِقِ فكره على فرع معين من فروع المعرفة، وإنما كان
رَجُلًا متعدِّد المواهب، مُجيدًا في كل ما اقتحمه من ميادين العلم والمعرفة،
فهو فقيه، محدِّث، أصولي، اقتصادي، عالم بالتحليل النفسي، خبير
بالمجتمع وتحرُّكاته الظاهرة والخفيَّة مطلع على مذاهب الفقهاء، ناقد بصير
لا سيّما ما يكتب في أمور العقيدة والتوحيد والفرق والمذاهب المعاصرة.
■ من أول يوم تكونت الرئاسة العامة للإفتاء بالأمر الملكي رقم
١١٣٧ وتاريخ ١٣٩١/٧/٨ والشيخ عبد الرزاق كان نائبًا لرئيسها حتى
موته زّآلهُ.
■ قال الشيخ ابن عقيل الظاهري: «كان سماحة الشيخ عبد العزيز بن
باز أكثر الناس تعلقًا بالشيخ عبد الرزاق لما جرَّبه من غزير علمه ورجاحة
عقله، وعفَّته وتورعه، ولم يأذن له بالاستراحة، وقد شارف التسعين من
عمره، واحتنكته أمراض عديدة، فالتزم الشيخ جانب الحسبة ما دامت
قواه العقلية لم تضعف فكان يذهب إلى علمه يدف على العجل)). ومن قبل
ذلك كان الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ يعرف للشيخ عبد الرزاق
قدره ويستشيره، ويعتمد رأيه في كثير من الأمور، تقديرًا لعلمه الواسع،
ورأيهِ الصائب، وإخلاصه الجم، ولما بلغ الشيخ عبد الرزاق من التقاعد
كتب الشيخ محمد بن إبراهيم إلى الجهات المسؤولة بتاريخ
١١/٢٦/ ١٣٨٦ هـ مؤملا استثناء الشيخ عبد الرزاق من قانون التقاعد
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١٦٤
صلاح الأمة في علو الهمة
وراغبًا في تمديد مدة خدمة فضيلة الشيخ عبد الرزاق لمسيس الحاجة إليه،
ووافق مجلس الوزراء السعودي على ذلك.
لقد كان الشيخ مُرَبِّيًا ومعلمًا ومرشدًا، تخرج به أجيال من العلماء
والمربين وطلبة العلم، وقد تسنّم كثير من هؤلاء مناصب علمية ودعوية
مهمة.
■ يقول عنه الشيخ محمد بن لطفي الصبَّاغ: «العلماء نوعان: علماء
ينعزلون عن الناس، ويتفرَّغون لكتابه الكتب والمصنَّفات، وعلماء يعنون
ببناء النفوس، وتوجيه العامة وإرشادهم، وبالإجابة على أسئلتهم وحل
مشكلاتهم، وقد كان فقيدنا العظيم من النوع الثاني، وقد انتفع بعلمه
وتوجيهه خلق کثیر)).
■ ويقول الشيخ الدكتور عبد الله بن محمد العجلان: ((لقد عرفت
فضيلة الشيخ عبد الرزاق أستاذًا ماهِرًا، وبحرًا زاخرًا بمختلف علوم
التفسير والعقيدة والفقه والأصول وغيرها من جوانب العلم الشرعية
واللغة العربية، وعرفته محدثًا واعظًا ومرشدًا جم المعرفة غزير العلم)).
■ ويقول فضيلة الدكتور محمد بن لطفي الصبَّاغ: «كان شيخنا يمتاز
بسعة علمه، وكان إذا تكلّم في فن من فنون العلم ظنَّ السامع أنه لا يُحسن
غيره، وأنه متخصص فيه وحده، لقد كان موسوعي المعرفة، فضلًا عن أنه
كان مفسِّرًا يغوص في المعاني الدقيقة في الآية، ويذكر ارتباطها بما قبلها وما
بعدها، ويصل بين تلك المعاني وبين حياة الناس)).
■ وقال عنه أيضًا: ((كان الشيخ رَحَمَذْهُ ذا بيان مشرق متدفق، لا
يتلعثم، ولا يتوقّف ولا يلحق، وكان مناظرًا قوي الحجة، مستحضر
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١٦٥
علو الهمة في طلب العلم
الدليل، يحيط بأطراف الموضوع الذي يناقشه، وكان ينظر إلى العبارة
العويصة فيحلَّها، ويشير إلى مراميها، ومقاصد كاتبها على نحو لا تجده
عند غيره)).
■ وقال فضيلة الدكتور عبد الله بن حافظ الحكمي: ((لقد كان ریمّهُ
واسع العلم بمسائل العقيدة، شديد التمسك بمذهب السلف الصالح،
مع المعرفة التامة بالملل والنَّحل المختلفة وأصولها التي تصدر عنها عالمًا
بعوارها ومواطن دحضها، لقد كان نَمّهُ شديد الإعجاب بشيخ
الإسلام ابن تيميَّة، كثير الرجوع إلى مؤلفاته)).
.
■ وقال الدكتور محمد لطفي الصبَّاغ: «كان رَمّتْهُ من كبار علماء
التوحيد على مذهب السلف رَحَمَّتهُ واقفًا على كلام ابن تيمية وتلميذه ابن
القيِّم، وقد استطاع أن يردّ ما جاء في (شرح الطحاوية)) -وهو مقتبس من
كلام ابن تیمیة وتلمیذه- إلی مواضعه من کتبهما)».
■ وقال عنه الشيخ صالح بن فوزان: ((كان متخصِّصًا في كثير من
العلوم خصوصًا في علم التفسير والحديث والتوحيد. تخرَّج عليه أجيال
من الطلّاب استفادوا من علمه واقتبسوا من سيرته عرفت الشيخ رَحمّلهُ
معرفة خاصة حيث درست عليه في المعهد العلمي ببريدة في كلية الشريعة
في الرياض، وفي المعهد العالي للقضاء، وأخذت عنه في هذه المراحلِ
التفسيرَ والحديث والعقيدة، كما تشرَّفت بإشرافه على رسالتي في الماجستير
والدكتوراه، فكان لي نعم الموجّه الناصح والمعلّم المخلص الخبير،
استفدت كما استفاد الكثيرون غيري من علمه الغزير وطريقته الفذّة في
التدريس وإلقاء الدروس والمحاضرات.
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١٦٦
صلاح الأمة في علو الهمة
كان ذكيًّا بعيد النظر ذا أناة ورويَّة في الأمور، وكذلك فقد اتخذه
سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي الديار السعودية رحماللهُ مستشارًا
يعتمد عليه حين تأسيس الكُلِيات وفي اختيار القضاة والمدرسين والدعاة.
وكان لآرائه السديدة أثرًا بالغًا وقبولًا طيًِّا لدى سماحة الشيخ وغيره من
المشايخ. كان الشيخ عبد الرزاق ذا سمة ووقار وعِفّة وقناعة واستقامة
وورع مع تبخّرٍ في العلم، وإجادة في أداء العمل، مما يجعله في مصاف
الرجال العظماء وكبار العلماء)).
■ وقال عنه الشيخ عمر عبد الله نصيف: ((فضيلة الشيخ عبد الرزاق
عفيفي نَّهُ أحد أعلام هذه الأمة وعلمائها في هذا العقد من الزمان،
أحسبه كذلك ولا أُزْكِّي على الله أحدًا، فقد كان يعمل بصمت وهدوء
وسكينة لخدمة الدين ونشر علومه وإبلاغ دعوة الله وَجَّ، والعناية بطلبة
العلم وتوجيههم إلى أصول العقيدة الإسلامية الصافية، ويزوِّدهم
بالنصائح الثمينة التي تمكّنهم من تلقِّي العلوم الشرعية النافعة من
مصادرها الثّة وفق طريقة السلف الصالح في تلقّي العلم ونقله
للآخرين، وقد ملأ رَمّتْهُ فراغًا كبيرًا في هذا المجال، وعمل رَمَّهُ باقتدار
في جميع المسؤوليات والمهام التي أُنيطت به طوال نصف قرن من الزمان،
من خلال عضويَّته في هيئة كبار العلماء، وفي اللجنة الدائمة للبحوث
العلمية والإفتاء باعتباره نائبًا لرئيسها، وفي هذه الميادين العلمية الدعوية
كان الشيخ عبد الرزاق يتمتع بمزايا فريدة لا تكاد تتوافر إلّ في القليل من
الرجال الذين وهبهم الله ذكاءً وفطنة وجلدًا وإخلاصًا .. لقد أوتي الشيخ
عبد الرزاق رَمَّهُ عقلية جبَّارة مكَّنته من التكييف الفقهي للمسائل
والنوازل، واستخراج الأحكام من النصوص وتطبيقها على مستجدَّات
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١٦٧
علو الهمة في طلب العلم
الواقع، وكانت له إسهامات مشكورة في المجامع الفقهية والمؤسسات
الدعوية)).
■ وتحت عنوان ((إنما كان إمامًا)) (١): كتب أبو عبد الرحمن بن عقيل
الظاهري عن الشيخ عبد الرزّاق عفيفي: ((جاء إلى السعودية على علمه
وسجيَّته لم يحتدبه طمع في مال أو جاه أو منصب، وعلم الله نيّته فانقادت
له كل أسباب العزّ الدنيوي وهو لم يطلبها، فكان في هذه المملكة أستاذ
جيل بحق تتلمذ عليه أبناء ما بين السَّبعين إلى الثلاثين، ولا يزال تلامذته
مربِّين للأجيال أهل منابر وحلقات وتدريس وتأليف.
والبرهان على أنه ما التمس سبيلاً لازدياد كسب مادي غير رُويتبه
تلقاء عمله الوظيفي الذي كرَّس له كل وقته. وما أكثر سُبل الكسب
المادي لو أرادها. وبَعُد عن الإعلام والأعلاميِّين بُعدًا لا هوادة فيه، وما
عُرفت من الشيخ عبد الرزاق حياة قط غير حياته بين طلابه في الصف، أو
بين مريديه في بيته يقرؤون عليه ويسألونه، أو في صميم علمه الوظيفي
لدى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم يذاكره في العلم ويستفتيه في واقع
الطلبة الذين يرشحون للقضاء والمناصب القيادية وكان رَحمّلهُ عمدة في
ترشيح الخريجين وتزكيتهم .. ولما أُحيل للتقاعد مرَّت سنين لم يراجع
لاستلام استحقاقه .. وحمل نفسه على الأشد .. ، ومع أنه اكتفى برُويتبه
وبقى في قليلة بحارة شعبية لا تليق بأصغر تلاميذه، فإنه لم يدَّخِر من هذا
الرويتب شيئًا، فقد كان يوزِّعه على أسر فقيرة في مصر)).
(١) جريدة الجزيرة -السبت ١٢ ربيع الآخر ١٤١٥هـ- الموافق ١٧ سبتمبر
١٩٩٤ م.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١٦٨
صلاح الأمة في علو الهمة
■ وقال عنه أيضًا: ((إن الشيخ عبد الرزاق كان لا يترك مجالًا لفضولي
لأنه يأسرني فكرًا ووجدانًا ولغة إذا تحدَّث، فأَصغي للدرس وأستفيد على
الرغم مني.
ومن سخافاتي أنني أُحضّر للآية التي سيفسِّرها من أكثر من تفسير
لأستدرك عليه شيئًا فاته، فإذا شرع بدرسه تبخّر كل شيءٍ في جعبتي؛ لأنه
يتناول الموضوع تناول خاصة من العلماء جمعوا بين الحفظ والذكر، فكانت
مادته دسمة، وكان قديرًا على التوصيل؛ لأنه كان جذّابًا ومغريًا ..
والشيخ له باع في المنطق والعقليات وعلم الكلام، وعلى علم وخبرة
بمواطن الضعف في كتب العقيدة التي تُدرَّس خارج المملكة على أسلوب
المتكلِّمين كالسنوسية، بل كان الشيخ ذا عناية بالسلفية قبل أن يصل إلى
السعودية إلّا أن سماحته لا يتظاهر بعلمه، ولكنه إذا سُئل، أو ناقش، أو
طُلِب منه الدليل والتأصيل كانت فتواه عن عِلْم مؤصل لا يملكه إلَّا
خاصة من الأسلاف جمعوا بين المعقول والمنقول حديثًا وتفسيرًا وأصولًا
ولغة ومنطقًا».
■ وكان نَّهُ عضوًا في اللجنة التي وضعت مناهج الجامعة
الإسلامية في المدينة المنورة، وكم سهر الليالي المتتابعة لإنجاز هذا العمل.
ولقد أشرف رَحمّلهُ وشارك في مناقشة عدد كثير من رسائل الماجستير
والدكتوراة، وتخرَّج على يديه أجيال من طلبة العلم الذين يُكنُّون له
التقدير والاحترام، ويعترفون بماله من تفوُّق في الحياة العلمية.
■ وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين عن الشيخ عبد
الرزّاق: ((أمَّا عِلْمُه فهو بحر لا ساحل له في أغلب العلوم التي يتناولها
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١٦٩
علو الهمة في طلب العلم
بالبحث والشرح، فلقد عرفته لأول مرة عام ١٣٧٤ هـ، وكان يزور بعض
المشايخ، كالشيخ عبد العزيز بن محمد الشثري ونقرأ عليه في المجلس
حديثًا من أول صحيح البخاري فيشرحه شرحًا مُوَسَّعًا بحيث يستغرق
شرح الحديث الواحد أكثر الجلسة، وعرفته في أحد الأعوام يُفَسِّر سورة
سبأ في مسجد سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم محمّهُ، فكان يبقى في تفسیر
الآيتين نحو ساعة أو أكثر، ويستنبط من الآيات فوائد وأحكامًا وأقوالًا
وترجيحات يُظهِرُ منها عظمة القرآن وما فيه من الاحتمالات والفوائد، مما
يدلّ على توسُّع الشيخ وسعة اطلاعه وكثرة معلوماته .. وقد تتلمذ عليه
أكابر العلماء في هذه المملكة، واعترفوا بفضل علمه، وافتخروا بالانتماء إلى
تعليمه في أغلب المراحل كما انتفع الكثير بالفوائد التي تلقّوها عنه في
دروسه في المسجد وغيره .. وهو من حملة العلوم المتعدِّدة، وأيُّ فنّ يتطرّق
إليه يوسعه بحثًا)).
■يقول الدكتور محمد بن سعد الشويعر عن الشيخ عبد الرزاق: «قال
لي ◌َّهُ: لقد كنتُ أخفي ما أحصل عليه من كتب ابن تيمية رَّلهُ في
كيس من الورق، وأشدُّ عليه كيسًا آخر في القماش وأتأَبَّطه مخافة أن يعلم
أحدٌ أن هذا من كتب ابن تيمية، فأنال عقاب العامة قبل الخاصة))، وذلك
إبان دراسته في الأزهر یوم أن کان طالبًا فیه».
■ويقول عنه الدكتور عبد الرحمن السُّدَيْس: ((عُيِّن الشيخ نائبًا لرئيس
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، وأيضًا
عُضوًا في هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية منذ تأسيسها،
وعُرِف نَّهُ بجدِّه واجتهاده وقيامه بالعمل خير قيام، فقد ضرب مثالًا
في الجدِّ والحرص والاحتساب، فلم يكن يعمل موظفًا عاديًّا يتقاضى أجرًا
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١٧٠
صلاح الأمة في علو الهمة
فقط، وإنما كان رَّهُ إلى أن اعتلَّت صحته، وهو يُقادُ بالعربة إلى مكتبه في
إدارة البحوث العلمية والإفتاء حتى توفّاه الله، وكان يذهب إلى العمل
أحيانًا بعد صلاة الفجر، يصلي الفجر ثم ينتظر حتى تشرق الشمس ثم
يذهب إلى العمل، ويجلس في العمل في الإفتاء وفي الدعوة وفي تحرير
الفتاوى والكتابة فيها، وفي استقبال المستفتين، وفي الأعمال الإدارية
والعلمية الكثيرة حتى الساعة الثانية والنصف أو الثالثة، ثم يأتي إلى
البيت .. وهكذا بابه مفتوح؛ علم وفضل ودعوة وإصلاح وحسبة وأمر
بمعروف ونهي عن المنكر، وفتح باب للمستفيدين والراغبين من طلاب
العلم ومن غيرهم، أشرف على كثير من رسائل الماجستير والدكتوراه
حتى إنه أشرف على مئات الرسائل العلمية، وكان أن شَرُفْتُ بإشرافه في
أول رسالة الماجستير في علم أصول الفقه، ويعلم الله أن السنوات التي
قضيتها -وهي بمثابة ثلاث أو أربع إلى خمس سنوات-، من أعزّ أيام
وليالي العمر، ولا أعرف أني رأيت مثله ◌َمّتهُ ومثل شيخنا الشيخ عبد
العزيز بن باز رحماللهُ فيما جبلهم الله عليه من صفات متعددة في العلم
والتعليم وبذل النفس والتحصيل مع العقل والحصافة وبُعد النظر وإنزال
الناس منازلهم والتوجيه بالتي هي أحسن)).
صبرٌ لموت أعزّ الناس عنده، لا يمنعه ذلك من إعطاء درس العلم !!!
■ يقول الشيخ السديس عن الشيخ عبد الرزاق: ((ابتُلي بفقد ثلاثة من
أولاده وهم أحمد أكبر الأولاد وعبد الله وعبد الرحمن رحمهم الله جميعًا،
ولكن انظر إلى موقف الوالد، انظر إلى موقف الصابر المحتسب، تأتيه
رسالة وهو يُدرِّس في المعهد العالي للقضاء فلا يزيد إلّا أن يقول: لا حول
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
علو الهمة في طلب العلم
١٧١
ولا قوة إلَّا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون، ويُغلق الرسالة ويذهب لإلقاء
درسه على الطلّاب بعد أن علم بوفاة ولده رَمْثُ من خلال هذه الرسالة،
وتُوفيّ أكبر أولاد الشيخ توفى وهو في المعهد العالي للقضاء جاءه خبر وفاته
وذهب الشيخ كعادته يدرِّس في المعهد العالي للقضاء في يوم خبر وفاة
ابنه، ودخل إلى القاعة ودرَّس للطلاب في مادة أصول الفقه أو مادة
التفسير، ودرَّسهم كعادته، وكأن الشيخ ليس به شيءٌ ألبتة ولم يُرَ عليه
تلعثم ولا تلكؤ، بل أعطاهم المادة العلمية على خير وجه، فما إن خرج
الشيخ من القاعة حتى توافد عليه إدارة المعهد والمدرِّسون يعزونه في وفاة
ابنه، الذي جاء خبر وفاته هذا اليوم، فيقول الطلاب: ليست دهشتنا من
موت ابن الشيخ، وليست دهشتنا أن الشيخ جاء يدرِّس، لكن دهشتنا
الحقيقية من صبر الشيخ وتجلّده وكأن شيئًا لم يكن)).
عن هذه الواقعة يقول الدكتور صالح بن سعود آل علي عضو مجلس
الشورى: ((ومما يُلفت النظر في جَلَد هذا الشيخ وصبره أنه لما جاءه خبر
وفاة ابنه أحمد وهو مدير ومحاضر في المعهد العالي للقضاء لم يتوقف عن
برنامجه اليومي، فقد جاء إلى طلابه في مرحلة الماجستير -وكنت واحدًا
منهم - وألقى المحاضرة كالعهد به دون أثر أو تلعثم، وكانت بعد العصر
إلى المغرب، وكان الطلّاب كعادتهم بعد أن ينتهي من المحاضرة يوجّهون
الأسئلة واحدًا تلو الآخر، وإذْ به يجيب عنها دون أن يظهر عليه ما يُلْفت
النظر، وبعد انتهاء المحاضرة خرج من القاعة ونحن وراءه، وإذْ بنا نحن
الطلّاب نُفاجأ بطابور من الأساتذة وطلَّاب آخرين يقابلونه ويقبِّلونه
معزِّين بوفاة ابنه، ولا تسأل عن ذهولنا نحن، ليس من الوفاة ولكن لأن
الشيخ لم يترك المحاضرة، لا بل لأنه لم يُبرنا ولم يظهر عليه أي أثر
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١٧٢
صلاح الأمة في علو الهمة
للصدمة !!! )).
وهذا إن دلَّ فإنما يدل على استغراق كامل ونهم عظيم لتعليم العلم
ونشره !!!
■ يقول الشيخ السديس: ((ومن أهم ما يتميّز به الشيخ أيضًا أنه رجل
موسوعي عميق العلم وبخاصة في مسائل الاعتقاد، فإذا تحدَّث تشعر
وكأنه نسخة من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وأقول ذلك بلا مبالغة،
حتى إنه رَمّلهُ يقول: أنا ما رأيت من العلماء مثل شيخ الإسلام ابن تيمية
رَّتْهُ، ما قرأت لعالم من علماء السلف إلَّا وأرى أن لغيره سلفًا أو أن له
سلفًا، ولكن شيخ الإسلام تَمّهُ كان يأتي بمنهج سليم مؤصَّل على ضوء
الكتاب والسنَّة، وصحيح المنقول وصريح المعقول)).
كان الشيخ يؤصِّل تأصيلًا علميًّا، يعتمد الدليل يؤصِّل المسائل،
كان الشيخ يعتني بتحرير الخلاف وتحرير محل النزاع، وتحقيق المناط في
المسائل، ويرى أن ذلك يُغني عن كلام كثير في هذه المسائل حتى لربما أتاه
الطلَّاب، فكان يقول انظر المسألة في كتاب كذا وكذا.
■ وقال الشيخ إبراهيم بن محمد بن عثمان: «كان الشيخ عبد الرزّاق
مفسِّرًا من الطراز الأوَّل حتى لأنك تشعر أن الشيخ يستلهم التفسير
استلهامًا)».
والدهر لا يُنْشئ الرجال كواملا
إلَّا إذا نضجوا على جمراتِهِ
■ وقال عنه تلميذه الدكتور محمد بن لطفي الصبّاغ أنه: ((العالم الذي
قلّ نظيره من العلماء، صحبته ما يزيد على اثنين وثلاثين عامًا، ما تركتُ
مجلسه في أسبوع إلّا أن يكون أحدنا مسافرًا .. وإني منذ طفولتي إلى هذه
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١٧٣
علو الهمة في طلب العلم
اللحظة وأنا أعاشر العلماء، أتتلمذ على أيديهم وأتلقّى منهم وأباحثهم،
ولا والله لم ألق عالماً مثله في سعة اطلاعه، ودقة استحضاره وحفظه
وسلامة منهجه واستقامة حياته وجولان ذهنه، وقدرته على إعطاء الحكم
الدقيق في المسألة المطروحة، ومعاصرته لأحداث زمانه، لقد كان يعيش
عصره، ويدرك بعمقٍ شراسة الغزو الفكري الاستعماري للمسلمين،
ويعرف التيّارات الفكرية والسياسية التي تسود العالم وتغزو بلاد
المسلمين يعرفها تمام المعرفة، وهذه صفة لم تكن موجودة في كثير من علماء
عصره)).
وكان إذا تكلّم في فن من فنون العلم ظنَّ السامع أنه لا يُحسِن غيره
وأنه متخصِّص فيه وحده، كان موسوعي المعرفة؛ كان محدِّثًا كبيرًا قلَّ أن
يخفى عليه حديث، وكان له قدرة متميِّزة في تخريج الحديث والحكم عليه،
وقد يرى في بعض الأحاديث من الرأي الصحيح ما لا تجده عند غيره
سواءً في تحديد درجة الحديث أم في فهمه والوقوف على دلالته. وله عناية
خاصة بكتب الرجال، وقد بلغ من عنايته أنه فقد جزءً من كتاب الرجال
فكتبه بخطّ يده وجلَّده، ولما رآه بعض الولوعين بحفظ آثار عظماء العلماء
استهداه هذا الجزء فأهداه إيَّاه بحضوري. وكان مفسِّرًا عظيمًا، وإنْ أَنْسَ
لا أَنْسَ دروسه الرائعة في تفسير القرآن التي كان يُلقيها في مسجد الشيخ
محمد بن إبراهيم في ((دخنة)) في الرياض، وكنتُ مُلازمًا لها وذلك من
فضل الله عليَّ. لقد كان يغوصُ في المعاني الدقيقة في الآية ويذكر ارتباطها
بما قبلها وبما بعدها ويَصِل بين تلك المعاني وبين حياة الناس ويشير إلى
أسرار البلاغة ونواحي الإعجاز فيها، وكان لا يرضى تأويل المتأخّرين ولا
المعاصرين المفتونين بحضارة الغرب الذين تزعزعت عندهم الغيبيات
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١٧٤
صلاح الأمة في علو الهمة
فراحوا يؤولون النصوص تأويلًا مُتَكَلَّفًا بعيدًا.
وكان فقيهًا مجتهدًا، وما كان يرضى التعصب لمذهب من المذاهب مع
إحاطته بها، بل كان يمشي مع الدليل، وقد تكوَّنت لدية ملكة فقهيَّة
عظيمة.
وكان أُصُوليًّا متبخّرًا في هذا العِلْم العظيم: عِلْم أصول الفقه، واقفًا
على دقائقه مُطَّلِعًا على كتبه مستحضِرًا لما فيها، فإذا سألته عن كتب من
كتب الأصول ذكر لك خصائصه ومزاياه وطريقته والمآخذ التي تُؤخذ
عليه. وقد كان معجبًا بكتاب ((المستصفى)) للغزالي وكتاب ((الموافقات))
للشاطبي.
و کان من كبار علماء التوحيد على مذهب السلف رحمهم الله، يعرض
القضايا الدقيقة فيه بأسلوب مميَّز واضح، وقد كان رَمّهُ واقفًا على كلام
ابن تيمية وتلميذه ابن القيِّم في هذا العلم.
وكان يتَّصف بسعة الصدر وحُسْن المناقشة والحلم وإلانة القول لمن
يسأله ويناقشه، فقد ذكر لي الشيخ ناصر الدين الألباني أنه في أول قدمة
جاء فيها إلى المملكة من بضع وأربعين سنة قابل عددًا من المشايخ
وذاكرهم في مسألة قررَّها شيخ الإسلام ابن تيمية، وهي مشكلة في نظره،
وقد أنكرها، فاشتدوا عليه إلّا واحدًا وكان هو الشيخ عبد الرزّاق عفيفي
الذي تلطّف به وناقشه في الموضوع، وكان الشيخ الألباني يذكر هذه
القصة مشيدًا بالصفات الكريمة التي تميَّز بها الشيخ رَمّهُ.
■ و کان في علوم العربيّ متمگِّنًا، فقد کان في النحو مرجعًا تراه یورد
في حديثه القاعدة النحويَّة إذا اقتضاه التوضيح أن يوردها وكأنّه من
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١٧٥
علو الهمة في طلب العلم
المتخصِّصين في النحو، وكان ذوَّاقة للنصوص الجميلة، وهذا يدلّ على
موهبة بيانيّة أكرمه الله بها وعلى تمكُّنه من علوم البلاغة.
وكان في الكتابة ذا أسلوب متين جزل بليغ لا يقلّ عن أساليب كبار
الكُتَّاب والأدباء؛ تتصف عباراته بالإيجاز والإحكام والبيان والوضوح
والجزالة. وكان مناظِرًا قويّ الحجة مستحضر الدليل يُحيط بأطراف
الموضوع الذي يناقشه نحّثهُ)).
■ قال الشيخ محمد صفوت نور الدين: «قام على أكتافه هو والشیخ
محمد علي عبد الرحيم مهمة تأسيس المعاهد العلمية بالمملكة، ثم شارك في
تأسيس كلية الشريعة واللغة العربية بالرياض، ثم رأس المعهد العالي
للقضاء، فلمّا تأسست هيئة كبار العلماء كان واحدًا من علمائها، هذا وقد
لمع اسم الشيخ -يرحمه الله - مِن قَبْلُ ضمن أوَّل هيئة لكبار العلماء بجماعة
أنصار السُّنَّة مع جمع من العلماء المبرَّزين، والشيوخ الكبار مثل: الشيخ
أحمد شاكر والشيخ عبد الحليم الرمالي، والشيخ محمد حامد الفقي،
وغيرهم من الكبار، وكان الشيخ عبد الرزاق لا يزال بعد شابًّا في الثلاثين
من عمره.
وقد كان الشيخ بالغ المعرفة بالفرق الضالة وأقوالها وبدعها، وقد
استفاد منه تلامذته في ذلك فوائد جمّة.
وقد كان الشيخ -يرحمه الله- مِثالًا يحتذى في الفتاوى دقةً والتزامًا،
فلقد جالسته سائلًا مستفتيًا كثيرًا في مواسم الحج لأعوام متعددة، فكان
يختار من الألفاظ المعبِّرّة، ولقد كان بالغ العناية باحترام أقوال إخوانه
العلماء، فإذا صدرت الفتوى في مسألة له وله رأي مخالف وسأله أحد عن
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١٧٦
صلاح الأمة في علو الهمة
هذه الفتوى أفتى بقول جماعة العلماء، ولم یکن هو رأیه، بل وجدته يحبس
رأيه عن المستفتين إذا وجد أنَّ هذا الرأي قد يُحدث بينهم شقاقًا، ولا يُبْرِزه
إلّا لطلبة العلم الذين يعرفون الأدب عند الاختلاف وتوقير العلماء،
وذلك هو شأن السلف الصالح، كقول علي بن أبي طالب خلفه: ((حدِّثوا
الناس بما يعرفون أتحبون أن ◌ُكَذّب الله ورسوله)).
ولقد نفع الله بجهده فصار تلامذته من كبار العلماء والمعايشين له من
الفقهاء، فلقد كان الشيخ محمد علي عبد الرحيم -يرحمه الله- وهو أسنَّ
منه يراه شيخًّا له، وأستاذًا مُعَلِّمًا ... وقد أصيب الشيخ -يرحمه الله-
بمرض لازمه أكثر من ربع قرن، واشتد به المرض في السنوات الأخيرة،
ولم يمنعه ذلك من ممارسه عمله وانتقاله إلى مقر عمله ومكتبه، والجلوس
للإفتاء والبحث، بل والصلاة في الجماعة في المساجد .. )).
فهذه سطور عن إمام جليل، ودوحة فارعة، فلق الله نواتها في مصر،
وتعهَّدها ووالاها، حتى استغلظت وأخرجتْ شطوءها وامتدتْ،
وأظلَّت بلادًا وعبادًا، وراح رائحتها دانون وقاصون .. رحم الله ذلكم
العملاق الذي كان يتجنّب الأضواء، ويتوارى عن عيون الراسمات
والكاميرات، ويؤثر دائمًا الظل.
■يقول الأستاذ بخاري أحمد وكيل أنصار السنة المحمدية عنه: إنه
كان ((متمثّلًا الحديث النبوي الشريف الذي رواه البخاري عن أبي هريرة،
قال: قال رسول الله وَله: ((تَعِس عبدُ الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس
و
عبد الخميصة، إنْ أُعطِي منها رضِي، وإن لم يُعطَ سَخِط، تعس وانتكس،
وإذا شيك فلا انتقش. طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١٧٧
علو الهمة في طلب العلم
رأسه، مغبرَّة قدماه. إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في السَّاقة
كان في السَّاقة .. )) الحديث. ولقد راعني إيثاره للظَّلَّ وتجنّبه كل الحفلات
والمناسبات التي يتصدَّر فيها أمثاله ويتبارون، فقال حين سألته: ((أخشى
أن يكون لنفسي من عملي نصیب)).
■ ثم يقول الأستاذ بخاري: ((إن حَجَر الزاوية في منهجه العلمي
التعليمي إنشاء علاقة حب متبادل بينه وبين كل الواردين وِرْدَه من طلبة
نظاميِّين، ومن قاصدين يتَّبعون خُطاه ويتحرَّون دروسه، ومِن باحثين
يُضِّرون الدراسات العليا، ومن علماء أجلاء كانوا يستهدونه ويلتمسون
رأيه في مشكلة علمية، أوْ في قضيّة تعدَّدت فيها الرؤى أو تحيَّرت فيها
الألباب.
وكان لا يجب أن يكون تلميذه فاقد الوزن، ريشة في مهبِّ الرياح،
لذلك كان همُّه الأول أن يُولد في نفس الطالب ثقةً تُقيم صلبه، ويجلو
مداركه، وتذلِّل له وعثاء الطريق.
كان يحاور الطلّاب وعلى شفتيه ابتسامة توحي للطالب أنه حاز
الإعجاب، ووافق الصواب، وكان يستقبل الإجابات باهتمام بالغ، فإذا
ظفر بجزئيَّة صحيحة هلَّل لها وأثنى عليها، ووقف عندها ليشرح صدر
الطالب، ويرفع من رُوحه، ويُحُفَّف من أثر ما قد يكون من نقد.
وكان يرى أن ارتباط الطالب بعالم الكتب هو المستحج الذي يجلو
ويلفظ الزَّبَد، فكان يحدو الطالب في رفقٍ ولطف ويوجّهه إلى القراءة.
كان في كلِّ جلسة يتحدَّث عن كتاب أو أكثر حديثًا كأنه عارض، وهو
في الحقيقة مرقّب مقصود، وكان إذا وجد بين إجابة طالب وكتاب مَا أدنى
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
صلاح الأمة في علو الهمة
١٧٨
ملابسة، بادر الطالبَ بقوله: ((جميلٌ أنك قرأت كتاب كذا. إن أرواحَه
تهبُّ من إجابتك)). فإذا ابتدأ -بعد كلٍّ هذا- يُغذِّي ويرفد، حرص على
أن يحوم حول العقيدة، وإن كان الدَّرْس درْس نحو أو أدب، أو بلاغة، أو
تعبير، حام حول العقيدة يقيمها أو يجلوها ويصقلها، أو ينقِيها مما غشيها.
ذلك لأنه كان يرى أن العقيدة الملتاثة طريق الهاوية ونذير الخيبة
والندامة هكذا. حتى إذا هَيَّأ الطالب وأمَّنه، وبرح به الهُوينى يُربِّيه ويُعَلِّيه
ويُزْكِّيه، وكان رَمّهُ يؤمن أن للمواقف بصماتها في تكوين الشخصية، وأن
اقتحامها يورث الشجاعة، ويصنع الأبطال، فكان كثيرًا ما ينتخب نُخْبة
من تلاميذه، ويكلفهم بموضوع في المنهج يعدونه مستعينين بالمتن
والحاشية، ثم يصطفى واحدًا أو أكثر ليحاضر ويناقش، أو ليخطب
الناس في محفل، ولستُ أنسى أنه فاجأ تلميذًا من تلاميذه ليخطب العيد
في حضرة عددٍ من فحول العلماء.
ولقد صنع تَمّتْهُ بمثل هذه المؤثّرات جيلًا من الدعاة لا يزالون
يعكسون مما تلقّوا، ويصنعون -بدورهم - دعاة آخرين.
ولقد سعدت بالتتلمذ عليه تحمّهُ في معاهد العلم. ومعاهد العلم
تحكمها مقرَّرات ومناهج، ولكن فضيلته لم يكن نمطِيًّا في تعامله مع
المقرَّرات والمناهج، بل كان ينتهج طريقةً ثَرَّة العطاء، مترامية الأبعاد، جمّة
الشآبيب محورة المدار، فيها يتّخذ الموضوع المقرَّر محورًا يفتح على فنون من
العلم ندلف منها إلى الموضوع أو ندلف إليها من الموضوع.
والعقيدة باعتبارها قاعدة الإطلاق مركز الانطلاق، والسُّنَّة باعتبارها
الوحي الثاني، والواجهة التي تتعرَّض للأهباء والأقذاء والأنواء، كانتا
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
،

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١٧٩
علو الهمة في طلب العلم
مناط اهتمام الشيخ رَمّهُ يركِّز عليهما، أو يلمح إليهما، أو يذكر بها،
ويمسهما مساسًا رفيقًا في شتى أحاديثه، ويتعرَّض لهما لأدنى ملابسة بينها
وبين الموضوع الذي يعالجه.
وكان في جُلِّ مناظراته ومساجلاته ينفض عنهما من عراهما من غبرة،
وينفي عنهما تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، وإبطال المبطلين.
■ وإن مما حفظناه عنه نَمّثهُ: ((إذا ناظرت فليكن همَّك تحرير عقيدة
خصمك وزلزلة أركان باطنه بقذائف الحق، ثم انزح ردوم الباطل ووال
فؤاده حتى يتطهّر، فإذا تطهّر غَذِّه بحلاوة الحق)).
■ ولله در الشيخ ناصر بن مسفر الزهراني وهو يقول في قصيدته:
((التِّرياق في رثاء الشيخ عبد الرزاق)):
وأمسى كلَّ قلب في وجيفٍ
تسابقت المحاجرُ بالوكوف
لفقد العالم الحبرِ العفيفي
وأجهشت الرياضُ بوبل دمعٍ
مُنيتُ بِثُلمةٍ في حدِّ سيفي
يقول: مضى من الدنيا أليفي
ستقصُر عن مزاياه حروفي
يشِبُّ لهيبُها في كلِّ جوف
فيا هِمي ويا حزني وخوفي
وزهدًا صادقًا في غير زَيفٍ
وبهرجةٌ وهزّ للكتوف
ويرضى بالحصير وبالرغيف
وأمسى منبر التوحيد يبكي:
وصرحُ العلم يندِبُ في ذهول
عظيمٌ عالمٌ دمِثٌ كريم
وفقدُكَ يا عفيفَ الجيب نارٌ
إذا ما مِثلُكم عنا تولَّى
إِمَامٌ عَلَّم الأجيال علْمًا
ولم يكُ هُمُّه شكلٌ وأكلٌ
بعيدٌ عن مظاهر كلِّ كِبر
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١٨٠
صلاح الأمة في علو الهمة
ولم يكُ مُشْمَخِرًّا في الكهوف
قريبٌ من محبٍّ العلم سمحٌ
عن التجريح والقولِ العنيف
يجودُ بحُسنِ موعظةٍ وبُعدٍ
وعفٌّ عن الحُطام فكان حقًا
وعاش مجاهدًا شهمًا أبیًا
فتلك مآثرٌ في مصر تشدو
وفي أرض الجزيرة فيضُ علمٍ
قضى في العلم والتعليم عمرًا
مع الكتب العظيمةِ کان یحیی
وكان يَعيشها فكرًا وقلبًا
يُبُتُّ عبيرُها في كل قلب
يُقيِّد بالدليل نِفارَ صيد
ويقفو هذي خير الناس دومًا
إذا التبست مسائلُ مشكلاتٌ
جلاها بالبصيرة فاستنارت
كأن الشيخَ ينظر في هدوءِ
وكم سهر الليالي ماتعاتٍ
يُكخِّل أعيُنَ التاريخ نورًا
مطاياه العزائمُ مسرعاتٍ
وفي مُجُنْحِ الظلام يَبیتُ يدعو
كما سمَّوه بالشيخ العفيفي
ولم يركنْ إلى الظل الوريف
بفضلٍ بين حاضرةٍ ورِيفٍ
ومجدٌبات كالطود المنيف
مع الإخلاص في العمل الوظيفي
ويُحييها بتعليم الألوف
ولم تك زينةً فوق الرفوف
وتجني للورى أحلى القطوف
من الأفكار بالأثر الشريف
صدودًا عن بني زيفٍ وحيف
وظلَّ القلبُ منها في رجيف
عيونُ القول بالفهم اللطيف
إلى الإلهام من خلفِ السُّجوف
سميرَ النجم بالفكر الحصيف
ويملأ سمعَه بهدِّى طريف
وهمةٌ ماجدٍ للحق يوفي
بدمع العين والقلبِ الأسيف
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com