النص المفهرس

صفحات 81-100

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٨١
علو الهمة في طلب العلم
استَوْعَبَتْ فَنَصَعَتْ، وجَمَعَتْ فَأَوْعَبَتْ، وكَشَفَتْ الْحُجُبَ فصَدَعَتْ، ولا
تَلحَقُك غفلةٌ من أن هذه المقالةَ ليسَتْ من أحد تلامذة الشيخ رَمّتْهُ، ولا
من مسترشديه وأصحابِه، بل هذه مقالةُ من بَلَغ الغايةَ القُصوى في كمالاتِه
وفضائِله، ومن هو مُساهِمُه في شيخ، ومُعاصِرَه في عُمرٍ، شَجَرتان من
روض واحد، سُقِيَتَا بماء واحد (١)، فلِلَّه دَرُّه ثم لله دَرُّه، كيف صَدَع بالحق
وكَشَف بالصدق، جزاه الله عني أولًا ثم عن سائر المسلمين خيرَ ما يُجازي
به عباده المحسنين)).
■ وقال الشيخ البنوري في ((نفحة العنبر))(٢) أيضًا:
الشيخ ودأبه في المُطالَعة:
لم يكن دأبُه في المطالعة كأكثرِ علماء هذا العصر من أن يُطالِعوا الكتبَ
عند الافتقار إليها في الفتوى أو التأليف أو التدريس، فيُراجِعُون فيما
يَحتاجُون إليها من ذلك الموضوع خاصةً، أو يَتَفَقَّدُون ما أرادوه من مظانِّه،
بل كان دأبه في المطالعة أنه كلما تَسَّر له كتابٌ، مخطوطًا كان أو مطبوعًا،
سقيمًا كان أو سليمًا، في موضوع علمي، أيِّ موضوع كان، من أيِّ مُصنّف
كان، فيأخُذُه ويُطالِعه من أوله إلى الآخر بتمامِه، من غير أن يُبقي شيئًا أو
يَذَر، نعم، كان جُلُّ جُهْدِه ومسعاه في أن يطالع كُتبَ المتقدِّمين، ثم كتبَ
أكابرِ المحققين من القرون الوسطى. رحمه الله تعالى.
(١) إشارةٌ إلى تفاوت المَراتب مع كون منبعهما واحدًا، مشيًا على ما أراده الله
سبحانه في تنزيله العزيز في قوله: ﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي
الأُكُلِّ﴾. البنوري.
(٢) (ص٣٦).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٨٢
صلاح الأمة في علو الهمة
■ وقال أيضًا(١): ((ومن العجائب -والعجائب جمّةٌ - أن الشيخ زَمَّثْهُ
لم يكن من دأبه المطالعةُ بالليل لما يدرُسُه بالنهار، كما هو دأب عامة
المدرسين، فلم يكن يُطالِعُ لشيء مما كان يُلقيه في الدروس، حتى سمعتُ
منه: ((أني ما طالعتُ الكتابَ الذي يُقرأ عليَّ في عمري قط)) فقوَّة الحافظة
كانت أغنته عن ذلك، فكفاه ما طالع في بَدْء عمره، وأغناه الصباح عن
المصباح، لا أنه كان يلحقه الوَنَى أو الكَسَلُ أو المَلَالُ في المطالعة، بل جميعُ
أوقاته كانت عامرةً بمطالعة الأسفار، وزُبُر المحققين.
نعم قد كان يُزوِّر في نفسه هُنَيهةً لئلا ينتشر الكلامُ ولئلا يَتَّسع مَجَالُ
البحث كثيرًا، وليكون ما يُلقيه منضبطًا محدودًا حتى يستطيع المُستمِعون
والمُستَفِيدون أن ينهَضُوا بأعبائِها، ولولا ذلك لأعجز القومَ عن التلقِّي،
فإنه كيف يُسَدُّ البحر الزخَّار، وكيف يُوكَأُ على العيون الثرثارة)).
الشيخ أنور والفقه، ونبذة من خصائصه فيه (٢):
طالَعَ من الفقه وما يتعلق به تصانيفَ الإمام محمد بن الحسن الشيباني
من كتب ظواهر الرواية، و((الموطأ))، وكتاب ((الآثار))، وكتاب ((الحجة))
له، بضبطٍ وإتقان وغايةٍ فكرٍ وإمعان، ثم شَرْحَ الإمام شمس الأئمة
السَّرْخَسِي: ((المبسوط))، وهو شرحٌ لكتب ظاهر الرواية التي جَمَعَها الحاكمُ
الصدر الشهید في كتابه «الكافي».
وطالع ((شرحَ السير الكبير)) له - للسَّرْخسي-، ثم ما تيسر له من
تصانيف الإمام الطحاوي من ((شرح معاني الآثار)) و((مشكل الآثار))
(١) (ص١٠٤).
(٢) هذا البحث بتمامه من ((نفحة العنبر)).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٨٣
علو الهمة في طلب العلم
و((المختصر)) له في الفقه، وقد قال فيما أحفظ والله أعلم: إني طالعتُ
(مختصرَ الطحاوي)) نحوَ عشرين مرةً، ومع ذلك لم يشتف صدري في
مواضع كثيرة، فهكذا طالع من كتب الفقه هذه الكتب المطبوعة بمصر
والهند المتداولة بين أيدينا اليوم، ثم من الكتب الخطية ما تيسر له، حتى
سمعتُ عنه نفسه رَمّتْهُ: أفتيتُ بكشمير للمفتين والعلماء في الفتاوى
المشكلة وفي التي تكون آراؤهم فيها مختلفةً ثلاث سنين كاملة، ولم أفتقر
لمراجعة كتب في تلك البرهة.
ثم لم يكتف في الفقه بمطالعة الفقه الحنفي بل طالع من كبار كتب
الفقه المالكي والشافعي والحنبلي ما يَقضِي العجبَ ويُورِثُ الحيرةَ، وكانت
أكثرُها غيرَ مطبوعة عند ذلك، فهذا كتابُ ((بدائع الصنائع)) لأبي بكر
الكاساني و((البحرِ الرائق)) لابن نجيم و((النهرِ الفائق)) لأخيه و(«ردٌّ
المحتار))، وكتاب ((الأمم)) للشافعي، وغيرها من مبسوطات الفقه.
■ ولسعة مطالعة الشيخ أنور قال المؤرخ الأديب الشيخ سليمان
الندوي: ((كان الشيخ أنور رَحمّلهُ بحر المعلومات، سلطان الذاكرة، نادرة
زمانه في سعة العلم، وكان بحق مكتبة حية، قلما يكون قد فاته قراءة كتاب
مطبوع أو كمخطوط)).
■ وقال عنه الشيخ أصغر حسين الديوبندي شيخ ((سنن أبي داود))
بدار العلوم: ((إذا أشكلت عليَّ مسألةٌ في الفقه، فأتفقَّدُ الكتبَ لحلِّها في
مكتبة دار العلوم العظيمة باستقراء بالغ، فإن فزتُ وإلّا أراجع الشيخ
أنور نَمّتْهُ، فإن بينها وأحال على كتاب فذاك، وإن قال: لم أره في الكتب
فأتيقّن أنه لا يُوجد في كتاب، فلا أَتعِبُ النفسَ في تفقدها من الكتب،
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٨٤
صلاح الأمة في علو الهمة
((فإن الشيخ لم يُغادر كتابًا إلَّا وأحاط به علمًا)) ..
إِذا يسجو فكيف إذا يموجُ (١)
ووجهُ البحر يُعرف من بعيدٍ
٨- الشيخ الفقيه المفسر عبد الرحمن بن ناصر السعدي صاحب تفسير
((تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنَّان))(٢):
هو العلَّامة الورع الزاهد، الفقيهُ الأصولي الشيخ عبد الرحمن بن
ناصر بن عبد الله بن ناصر بن حمد آل سعدي. من نواصر بني تميم
الشهيرة. وأمه من آل عثيمين. وُلِدِ رَمَّهُ في عُنيزة بالقصيم سنة ألف
وثلاثمئة وسبع من الهجرة النبوية.
■ وتُوفِّيت أمُّه سنة ١٣١٠ هـ وله أربع سنوات، وكان والدُه إمامَ
مسجد المؤلف في عنيزة، ولما مات والدُه عطفت عليه زوجةُ أبيه وكَفَلَته
وأحبَّته أكثرَ من حبِّها لأولادها، وصار عندها موضعَ العناية والرعاية.
فلمَّا شبَّ نشأ في بيت أخيه الأكبر حمد بن ناصر فنشأ نشأةً صالحةً كريمة.
■ وكان الشيخُ عبد الرحمن منذ نشأته صالحًا مثالًا للإعجاب محافظًا
على الصلوات الخمس مع الجماعة، واشتهر تخمّهُ منذ حداثتِهِ بفطنتِهِ
وذكائه ورغبته الشديدة في طلب العلم وتحصيله. فتوفّرت له البيئةُ
الصالحة، والرغبةُ الشديدة في طلب العلم، فاجتهد في طلب العلم، وجدَّ
فيه وسهر الليالي، ومضى على طريقه قُدُمًا لا يرغب في شيءٍ غير العلم ولا
يريد شيئًا غير تحصيل العلم.
■ وكان الشيخ ابنُ سعدي قد استرعى أنظارَ الناس منذ حداثةٍ سِنِّه
(١) للمتنبّ.
(٢) انظر («إتحاف النبلاء بسير العلماء)) (٤٣ - ٧٥).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٨٥
علو الهمة في طلب العلم
بذكائه القوي، ورغبته الشديدة في طلب العلم وتحصيله، فأوقف لذلك
حياته، فكان لا يشغله عنه شاغل، ولا يصرفه عنه صارف، فكان هُّه في
حياته الاستفادةَ العلمية وحفظ الأوقات في ذلك.
فتراه إذ ذاك في وادٍ، وأغلبُ ناشئة عصره من زملائه وأترابه في وادٍ
آخر. ولازم العلماءَ ملازمةَ الظل، فتغذّى أطيبَ غذاء من مَعين علمهم،
ورَوِيَ أكرم ريٍّ وحفظ كتاب الله وأتقنه وهو في الحادية عشرة من عمره.
وقرأ التفسيرَ والحديثَ وأصولهما على الشيخ إبراهيم بن حمد بن محمد بن
جاسر، وأخذ الفقه وأصوله وعلوم اللغة العربية على الشيخ محمد بن
عبدالكريم بن صالح الشَّبل، وأخذ على يد الشيخ عبد الله بن عائض
العويضي الحربي الفقه وأصول وعلوم اللغة.
ولازم الشيخ صالح بن عثمان بن حمد القاضي ملازمةً تامةً حتى وفاة
الشيخ صالح، وأخذ عنه التوحيدَ والتفسير والفقه وأصوله وفروعه
وعلوم العربية، وهو أكثرُ من قرأ عليه الشيخُ ابن سعدي. وأخذ الحديث
والكتب الأمهات الستَّ وغيرها على الشيخ علي بن ناصر أبو وادي.
■ قال الشيخ عثمان القاضي رَحمّلهُ في ((روضة الناظرين)): ((ولما رأى
زملاؤه في الدراسة تفوّقَه عليهم ونبوغه تتلمذوا عليه، وصاروا يأخذون
عنه العلم وهو في سنِّ البلوغ، فصار في هذا الشباب المبكِّر متعلِّمًا ومعلِّمًا،
وما إن تقدَّمت به الدراسة شوطًا حتى تفتحت أمامه آفاقُ العلم، فخرج
عن مألوف بلده -من الاهتمام بالفقه الحنبلي فقط - إلى الاطلاع على كتب
التفسير والحديث والتوحيد وكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن
القيم، التي فتَّقت ذهنه ووسَّعت مداركه، فخرج عن طور التقليد إلى طور
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٨٦
صلاح الأمة في علو الهمة
الاجتهاد المقيَّد، فصار يرجِّحُ من الأقوال ما رجَّحه الدليل وصدَّقه
التعلیل)».
جلوسه للتدريس وطريقته فيه :
لقد بذل الشيخ ابن سعدي كلّ وقته في طلب العلم وتحصيله، حتى
أناله اللهُ من العلم حظًا وفيرًا، وقدرًا كبيرًا، فعلا قدرُه، وعظُم شأنه،
وظهر تفوُّقه، وذاع صيتُه.
فأقبل عليه طلاب العلم من عُنيزة وما جاورها من المدن، ورغبوا في
دروسه وحرصوا على الاستفادة منه. وقد كان أولُ جلوسه للتعليم في
الثالثة والعشرين من عمره، وفي عام ١٣٥٠ هـ صار مرجعَ التدريس
والإفتاء في بلده وما حولها من القرى، وأصبح المعوَّل لدى جميع الطلاب
في أخذ العلوم.
أمَّا عن تنظيمه لأوقاته في التعليم؛ فقد كان يجلسُ أربعَ جلسات في
اليوم الواحد، فكان إذا صلَّى الفجر بالناس، جلس لأداء الدرس حتى
تطلع الشمس، ثم يذهبُ إلى بيته حتى الضحْوة الكبرى، فيعود إلى
المسجد يعلّم أبناءَه الطلاب الفقه والتفسير والحديث والعقيدة والنحو
والصرف في دروس منتظمة، ويستمرُّ معهم حتى صلاة الظهر، فيصلي
بالناس، ويعودُ إلى بيته ليستريحَ فيه إلى صلاة العصر، ثم يذهبُ إلى
المسجد فيصلِّي بالناس العصر، ويعطيهم عقبَ الصلاة وهم جلوس
بعض الأحكام الفقهية في دقائق لا تؤخَّرُهم عن الانصراف سعيًا وراء
أرزاقهم، وعندما تغرب الشمس يصلي بالناس صلاة المغرب ويجلس
للدرس حتی یصلي للعشاء، ویتکّر ذلك یومیًا.
مـ .
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٨٧
علو الهمة في طلب العلم
■ وكان رَمَّهُ يحرصُ على طلَّابه حِرْصًا تامًّا، ويتفقّدهم عند غيابهم
تفقُّدًا دقيقًا؛ مما كان يجعلُ تلاميذه يراعُون المواظبةَ لملاحظته، وعدم
غفلته. وكان زَمّتْهُ يخصِّص المكافآتِ لمن يحفظ المتون من طلابه تشجيعًا
لهم، وتحفيزًا لزملائهم.
■ وكان رَمّتْهُ يُقيمُ المناظراتِ بين طلَّابه المحصِّلين لشحذ أفكارهم،
وصقل أذهانهم وتعويدهم الحجة والبرهان.
· وعند ذكره للمسائل الخلافية، فإنه يقرِّر الراجحَ بأدڵته، ثم يذكُر
القولَ الآخر بأدلّته، ثم يوسِّط نفسه حكمًا في المسألة، وقد يستطرد بذكر
نظائر المسألة.
■ وكان نَمّتْهُ يجمع الطلّاب كلِّهم على كتابيْن واحٍ بعد آخر، وبعد
انتهاء الجلسة يطلب من ثلاثةٍ منهم إعادةَ ما يستحضره من التقرير،
ویدور علیهم ليختبرَ قوةً حفظهم وفهمهم. ویناقشُهم بعد يوم فيما مضى
شرحه، مما كان يدفعُ الطلابَ على الحرص، وعلى الاستذكار وتثبيت
المعلومات.
مكانته العلميَّة :
■ کان رآهُ ذا معرفةٍ تامةٍ بالفقه -أصوله وفروعه-، وکان في أول
أمره متمسّكًا بالمذهب الحنبلي تبعًا لمشايخه، وبسبب استنارته بكتب
الشيخين ابن تيمية وابن القيم، صار لا يتقيَّد بالمذهب الحنبلي، بل يرجِّح
عنده بالدليل الشرعي.
وصنف تفسيره الجليل ((تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنَّان)).
■ قال عنه الإمام الزاهد ابن باز: «كان نَحَمّهُ كثيرَ الفقه والعناية
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٨٨
صلاح الأمة في علو الهمة
بمعرفة الراجح من المسائل الخلافية بالدليل، وكان عظيمَ العناية بكتب
شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه العلامة ابن القيم، وكان يرجِّح ما قام
عليه الدليل .. ومن قرأ كتبه عرف فضله وعلمَه وعنايته بالدليل، فرحمه
الله رحمةً واسعة.
■ وقال الشيخ عبد الرزاق عفيفي عن الشيخ ابن سعدي: ((أما بعد:
فإن العلماء في هذا العصر كثير، ولكن قلَّ منهم مَن يستقي الحُكم من
منبعه، ويُسنده إلى أصله، ويُتبع القولَ العمل، ويتحرَّى الصوابَ في كل ما
يأتي ويذر، وإنّ من ذلك القليلَ فيما أعتقد - الشيخَ الجليل عبد الرحمن
ابن ناصر بن سِعْدي رَمّتْهُ فإنَّ من قرأ مصنفاته وتتبَّع مؤلفاته وخالطه
وسبر حاله أيام حياته، عرف منه الدأب في خدمةِ العلم اطّلاعًا وتعليمًا،
ووقف منه على حُسن السيرة، وسماحة الخلق، واستقامة الحال، وإنصاف
إخوانه وطلَّابه من نفسه، وطلب السلامة فيما يجرُّ إلى شرِّ، أو يُفضي إلى
نزاع أو شقاق، فرحمه الله رحمة واسعة))(١).
■ وذكر فضيلة الشيخ عبد الله بن محمد العجلان أن الشيخ عبد
الرزاق عفيفي ذكر له يومًا أنه كان يحضر دروس الشيخ عبد الرحمن بن
ناصر السعدي، عندما كان يقوم بالتدريس في عُنيزة، وأنه أُعجب بعلمه،
وكان يُثني عليه ثناءً عطرًا في علمه وورعه، وأسلوب حياته وتنظيم وقته،
ويقول: إنه كان سابقًا لعصره، بحرًا في علمه، سديدًا في توجيهاته))(٢).
(١) ((الشيخ العلامة عبد الرزّاق عفيفي)) لمحمد بن أحمد سيد أحمد (٢٥٧/١) -
المكتب الإسلامي.
(٢) المصدر السابق (٢٥٧/١)، نقلاً عن جريدة ((الرياض))- الثلاثاء غرّة ربيع
الآخرة ١٤١٥ هـ.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٨٩
علو الهمة في طلب العلم
■ وقال عنه الشيخ محمد بن صالح العثيمين تلميذه الأول: ((إن
الرجل قلَّ أن يوجد مثلُه في عصره في عبادته وعلمِه وأخلاقه)).
■ وقال عنه الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام: ((لقد كان للشيخ
عبد الرحمن السعدي أثرٌ كبير، ودورٌ بارز، في تخريج أفواج كثيرة من طلبة
العلم، حيث جلس للتدريس وإفادة الطلّاب أكثر من نصف قرن من
الزمان.
وكان في زمانه هو مرجعَ أهل البلاد في التدريس والوعظ والتوجيه
والخطابة والإمامة والفتاوى والمشاورات، وكذلك محرر الوثائق
والمبايعات والتوثيقات والوصايا وغير ذلك))(١).
تلاميذه:
ومن علوِّ همة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السَّعْدِي أنه تتلمذ عليه
خلقُ کثیر یصعُبُ حصرهم منهم:
■ الشيخ محمد بن صالح العثيمين: ولو لم يكن للشيخ عبد الرحمن إلّا
هذه الحسنةُ لكفته شرفًا، ولقد خَلَف الشيخُ ابنُ عثيمين شيخَه السعدي
في إمامة الجامع بعُنيزة، وفي التدريس والوعظ والخطابة.
■ والشيخ عبد العزيز بن محمد السلمان، سلك طريقة شيخه في
التأليف.
■ والشيخ عبد الله بن محمد الزامل، وهو من أبرز علماء نجد بالنحو.
■ والشيخ حمد بن محمد البسَّام، وكان هو القارئ على الشيخ في
(١) ((اتحاف النبلاء بسير العلماء)) (ص ٧٢ - ٧٣).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٩٠
صلاح الأمة في علو الهمة
الدرس.
■ والشيخ عبد العزيز بن محمد البسَّام. كان ينوبُ عن الشيخ في إمامة
الجامع، وفي الخطابة إذا سافر.
■ والشيخ علي بن محمد الصالحي، وكّل إليه الشيخُ تدريسَ الصغار
سنة ١٣٦٠ هـ.
■ والشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز بن زامل. وهو من تلاميذ
الشيخ الأقدمین، ويُقاربُه في السن.
■ ومن حسنات الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، ومن علوِّ همته
في نشر العلم أنه قام في عام (١٣٦٠هـ) بتأسيس المكتبة الشهيرة بالوطنية
على نفقة الوزير ابن حمدان، وجلب لها آلافَ الكتب في شتى الفنون،
وصارت هذه المكتبة رِيَّ الطلبة الذين يقرؤون عليه فيها، وكانت المراجعُ
متوفّرةً فيها.
مصنفات السعدي:
13
كان الشيخُ السعدي له العنايةُ البالغة بالتصنيف، وله مؤلفاتٌ كثيرةٌ
منها:
١ - ((الأدلة القواطع والبراهين في إبطال أصول الملحدين)).
٢ - ((إرشاد أولي البصائر والألباب لنيل الفقه بأقرب الطرق وأيسر
الأسباب بطريق مرتب على السؤال والجواب)) !!.
٣- ((انتصار الحق)).
٤- ((بهجة قلوب الأبرار، وقَرَّة عيون الأخيار في شرح جوامع
الأخبار)).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٩١
علو الهمة في طلب العلم
٥ - ((توضيح الكافية الشافية)).
٦ - ((التوضيح والبيان لشجرة الإيمان)).
٧ - ((حكم شرب الدخان)).
٨- ((الخطب المنبرية على المناسبات)).
٩ - ((الدرة المختصرة في محاسن دين الإسلام)).
١٠ - ((رسالة في القواعد الفقهيَّة)).
١١- ((رسالة لطيفة جامعة في أصول الفقه المهمّة)).
١٢ - ((طريق الوصول إلى العلم المأمول بمعرفة القواعد والضوابط
والأصول)».
١٣ - ((فوائد مستنبطة من قصة يوسف)).
١٤ - ((القواعد الحسان لتفسير القرآن)).
١٥- ((القواعد والأصول الجامعة والفروق والتقاسم البديعة
النافعة)».
١٦ - ((منظومة في السير إلى الله وإلى الدار الآخرة)).
١٧ - ((القول السعيد في مقاصد التوحيد)).
١٨ - ((الوسائل المفيدة للحياة السعيدة)).
وهذه الأعمال نقطة من بحر علم الشيخ السعدي الزاخر، لسان حاله
یترجم.
فمِنْ أین یدري الناسُ أَنَّی توجّهْنَا
تركنا البحار الزاخرات وراءنا
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٩٢
صلاح الأمة في علو الهمة
٩- العالم السلفي الشيخ محمد نصيف وعلو همته في جمع المخطوطات ونشر
العلم والعناية بالكتاب السلفي (١٣٠٢ هـ - ١٣٩١ هـ):
هو أبو الحسين محمدُ بن حسين بن عمر بن عبد الله بن أبي بكر بن
محمد نصيف، وُلِد في ١٨ رمضان سنة ١٣٠٢ هـ.
■ يقول حفيده الدكتور عبد الله عمر نصيف: ((لكل عالم شيوخٌ
وتلامذة، فلو قلنا: أبرز الشيوخ الذين أخذ عنهم الشيخ محمد نصيف، أو
تأثّر بهم في حياته، أعتقد أنهم خمسةٌ أو ستةٌ على الأقل، أذكرُ منهم الشيخَ
عبدالقادر التلمساني، الذي تتلمذ عليه الشيخ، ودرس عليه العقيدة
والتوحيد وبعض التفسير، وتأثَّر به أكثرَ من الجميع؛ لأنه بدأ معه أيضًا في
سنٍّ مبكرة واستفاد منه كثيرًا بالنسبة للعقيدة السلفية والاهتمام بها.
ولذلك كان تركيزُه على شراء كتب العقيدة والاهتمام بها. ومن شيوخه
أيضًا الشيخ أحمد بن عيسى الشرقي، وكان من خيار العلماء وله تآليفُ
نافعة، ومنهم كذلك الشيخ محمد حامد من جُدَّة، والشيخ أحمد الزهرة،
والشيخ محمد حسن إبراهيم، والشيخ أبو بكر خوقير، والشيخ يحيى
الدمياطي، والشيخ أحمد النجَّار وهو من علماء الطائف، وهو أول أستاذ
تعلّم جدي علی یدیه)).
مجالسه العلمية :
· كان الشيخ محمد نصيف - رحمه الله - من عشاق العلم ورواد
المعرفة، وكان صاحبَ جاه وثراء، مكّنه من أن يفتح بيته لطلاب العلم
ومحبِّي الثقافة، وكانت مجالسُه مجالسَ علم وخير، عامرةً بالعلماء والأعيان
والمفكِّرين والأدباء والوافدين من أركان الدنيا، حتى كانت دارُه ((بيت
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٩٣
علو الهمة في طلب العلم
الأمة))، وكان نَّهُ يُلاطف جلساءه، ويُؤنسُهم ويكرمهم بألوانٍ شتَّى
من الإكرام -في غير إسراف ولا مخيلة-، وهو مع ذلك مرِحٌ بشوشٌ
لطيفُ المحضر والمعشر والمظهر والمخبر، لا يُذكر في مجلسه العام أو
الخاص أحدٌ بما يكره، ولا يَقبلُ غَيبةَ أحد، كما كان رَمَّثُ ذا علم وفضل لا
يَسُد ولا يَحِقِد، حليمًا كريمًا وقورًا. يطرحُ القضايا العلمية على بساط
البحث والمناقشة، فلا يستأثر برأي، أو يجنحُ إلى هوى. بل كان ينشدُ الحق
في مناقشاته ((والحكمة ضالة المؤمن، أنَّى وجدها أخذها)).
■ فضلا عن ذلك، فقد كان يرحمه الله واسعَ الصدر لا يُسفِّه رأيًا ولا
يُقلِّلُ شأن صاحبه، بل يستمعُ إليه ويرحب به، حتى ولو كان هذا الرأي
مخالفًا لرأيه. ومن لطائف ما يذكر عن هذه المجالس، أن فضيلة الشيخ
صالح بن عبد العزيز العثيمين رحماللهُ حضر مجلسًا من مجالس الشيخ محمد
نصيف العلمية، فوجد عنده ثلاثةً من الدكاترة، فسأل الشيخ العثيمين
الشيخَ نصيف: مَنْ هؤلاء؟ فقال الشيخ: هؤلاء دكاترة، فالتفت الشيخ
العثيمين إليهم، وسأل كلّا منهم سؤالًا في تخصصه، فما أجابه أحدٌ منهم،
فنظر إلى الشيخ نصيف متعجبًا قائلًا: دكاترة في أي شيءٍ !!! فضحك
الشيخ نصيف حتى كاد أن يسقط من على مقعده.
■ وذكر الشيخ محمد بن صالح العثيمين: ((أنه حضر مجلسًا للشيخ
محمد نصيف مع شيخه عبد الرحمن بن ناصر السعدي، وعندما دعاهم
الشيخ محمد نصيف إلى مائدته، وجدوا عليها سمكًا ولبنًا. فقال الشيخ
عبدالرحمن السعدي: يا شيخ، النحويون يقولون: ((لا تأكل السمك
وتشرب اللبن))، أي لا تجمع بينهما. ونحن نجمع بينهما، فتبسَّم الشيخ
نصيف وقال: إن للعادات أحوالًا قد تُغير الواقع)).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٩٤
صلاح الأمة في علو الهمة
وَلَعُه بالقراءة وحب المعرفة:
حَرَص الشيخ - منذ بداية طلبه للعلم - على الاستفادة من أوقات
فراغه بما يعود عليه بالنفع، فكان رَمَّهُ دائمَ القراءة والاطلاع على كل ما
يقع عليه بصره أو كان تحت يده من مخطوطات وكتبٍ ودوريات، ولا
نبالغ إن قلنا: إنه كان مولعًا بالقراءة مؤثرًا لها على غيرها.
وكانت صلتُه بعلماء عصره مدعاةً لتنمية حبِّه للقراءة وشغفه بكل ما
هو جديدٌ من الإصدارات والكتب، ولو كانت بلغاتٍ أجنبيةٍ؛ فضلاً عن
ذلك فقد كان نَّهُ آیةً في حضور الذاکرة، و عُمق الحافظة، فما یمُّ علیه
شيءٌ أو يطالع خبرًا أو حديثًا أو قصةً أو حادثةً إلَّا وبقيت مختزَنةً في دماغه
وإن مرَّ عليها عشرات السنين كما كان الشيخ -يرحمه الله - مرجعًا أمينًا
لطلاب العلم وعشّاق الفكر فيما يحتاجون إليه من فنون العلم وصنوف
المعرفة.
تنظيمه لوقته ومذاكرته لنفسه :
قضى الشيخ محمد نصيف زَمّهُ حياتَه في خدمة العلم والدين،
والمتأمل لسيرته يجدُ أنه قد أتعب نفسه، وأسهر ليله وهو يعايش قضايا
أمته، وقد بذل في ذلك وُسعَه، ومَنح جهده وقدراته العلمية والمعرفية
لتنوير عقول أبناء أمته.
■ فكان عالمًا بحرًا ومرجعًا عظيمًا لكل مَن قَصَد إليه في البحث عن
مسألةٍ علميةٍ أو حقيقةٍ تاريخية، أو وثيقة محفوظة. فكان الوفيّ الأمين
والمرشد الصادق في هذا وفي غيره، والمدقّقَ في سيرته المتأمل في شخصيته
يدرك أن الرجل العالم على الرغم من كثرة شواغله وتعددٍ صوارفه، كان
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١
علو الهمة في طلب العلم
٩٥
حريصًا على وقته مستثمرًا له، يبدأ يومه ويستفتحه بقراءة القرآن، فقد كان
رَمّتْهُ دَيِّنًا ورعًا أمينًا صائمًا مصليًا، يخشى الله ويراقبه، ثم يُتبع ذلك
بالجلوس لأصحاب الحاجات، فيستمع إليهم، ويُفيض المال عليهم، ثم
يتفرغ بعد ذلك لضيوفه وجلسائه، فيقوم على خدمتهم بنفسه، رغم توفر
الخدم عنده، ثم يُفرِّغ بعض وقته لطلابه من محبِّي العلم، الحريصين عليه.
■ يقول أحد المعاصرين: ((لقد كنا نراجعه في بعض المشكلات العلمية
-والشيخ في سنٍّ متقدمة-، فيقول لي: قم إلى هذه الخزينة، وخذ الكتاب
الفلاني، فالمسألة فيه. ثم نأتي بالكتاب، ويُرج لنا المسألة، ثم يعلّق عليها
بما يعرفه نتيجة دراسته الدائمة وحفظه الدؤوب)».
فضلاً عن ذلك فقد كان يخص نفسه ببعض الوقت للنظر في بعض
المسائل العلمية التي تحتاج إلى تأمل وبحث في مظانها التي توجد فيها.
ولم يكن هذا العالم يبخلُ على نفسه بمثل هذا الوقت الذي يسمح له
بالخلوة بنفسه يتأمل عجائب الكون، ويرصدُ الأحداث، ويتابع الزمن،
ويرقبُ تطور الحياة في أناةِ العالم وحصافةِ المفكر وهدوءِ الشيخ، كما اعتاد
رَمّلهُ أن يجلس بجانب نافذته العتيدة في قصره التاريخي في حارة اليمن
بجُدَّةٍ، ممسكًا بسِفْرِ من أسفاره الضخمة يتصفَّحُه، وكأنما يتصفَّحُ وجوه
الأجيال الغابرة، ويُحصي نفائسها، ويتفقد مدخراتها العلمية والأدبية.
مكتَبة نَصيفْ:
تعتبر هذه المكتبة بحقُّ من أجلِّ المآثر لعالم جُدَّة ووجيهها الشيخ محمد
ابن حسين نصيف تَمّتهُ، وهي مفخرةٌ من مفاخر جامعة الملك عبد
العزيز في العصر الحديث، إذ هي من كبرى المكتبات ذات القيمة التراثية
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤٠٠

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٩٦
صلاح الأمة في علو الهمة
العالية، لكونها تضمُّ بين جنباتها عددًا من الكتب والمخطوطات النادرة في
شتى الفنون والعلوم، كما أنها حافلةً بالقديم والحديث من التأليف، مع
احتفاظها بمجموعة قيِّمة من الوثائق التاريخية، والرسائل العلمية، إضافةً
إلى المجاميع الصحفية والمجلات الأدبية وغيرها.
لقد كان زَمُّ شغوفًا بجمع الكتب، حريصًا على اقتنائها لينتفعَ
وينفع بها. وكان أولُ عهده بالكتب عام ١٣١٩ هـ، ولذلك قصةٌ غاية في
الطرافة، خلاصتها: أن جدَّه عمر أفندي نصيف - وكان من أوجه وجهاء
أهل جدة وأعيانها في زمانه، أرسل حفيده محمدًا إلى السوق ليشتري
جارية تخدُمُه - أي تخدم محمد نصيف-، ولما وصل إلى سوق العبيد، ومعه
حاجبُ القصر، ومع الحاجب ستة دنانير من الذهب، نظر محمدٌ نظرةً
عابرة على الإماء اللاتي وُجدْن في هذا السوق، فإذا نفسه تشمئز من سوء
معاملة الدلالات لهن وامتهانهن لكرامةٍ هؤلاء الإماء، ثم قال في نفسه:
إنني لا أريد أن أشتري جارية، ربما قد تكونُ في يوم من الأيام أُمَّا
لأولادي وهي تباعُ والحالة هذه، كما يباع الحُمُر والنَّعم، ثم عاد راجعًا من
السوق وأمر الحاجبَ بالذهاب إلى القصر بعد أن أخذ منه الدنانير الست،
وفي أثناء عودته مرَّ بمكتبةٍ لأحد العلماء يعرضها ورثته للبيع، فأقدم
عليها، واشتراها بكاملها ثم عاد إلى جَدِّه، وأخبره بما حدث، ففرح بذلك
جده عمر غاية الفرح واستبشر خيرًا؛ لأنه تفرَّس فيه رغبةً جامحةً في طلب
العلم وتحصيله، ومن ثم أوكل أَمْر تعلُّمه إلى بعض المعلمين البارزين،
ومن هؤلاء الشيخ محمد باصبرين، ثم أخذ يتابع أحوال حفيده العلمية،
بحرصٍ واهتمامٍ لا نظير لهما.
وتحتوي هذه المكتبةُ العامرةُ الزاخرة على ما يزيد على ستة آلاف مجلد،
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٩٧
علو الهمة في طلب العلم
وهي في جزئياتها مرتبة حسب العلوم والفنون.
لقد زخرت هذه المكتبةُ القيمة بكَمِّ هائل من كتب العقيدة، والفِرَق،
وكتب التفسير وأصوله، وعلوم القرآن، وكتب الحديث بجميع أنواعها
وفنونها، وكتب الفقه وأصوله، وكتب العربية والثقافة الإسلامية، وكتب
التاريخ والمعارف العامة وغيرها.
وخلاصة القول: إنه يغلب على ظنِّ مَن يراجع مكتبته أن يعتقد أنه ما
من كتاب صُنِّف في علم من العلوم أو فنٍّ من الفنون ((في عصر الشيخ)) إلَّا
وهو موجودٌ بهذه المكتبة، إما مطبوعًا أو مخطوطًا.
ومما تجدر الإشارةُ إليه، أن مكتبة الشيخ محمد نصيف قد حوت عددًا
لا بأس به من المخطوطات النفيسة، ومن أهم وأشهر وأقدم هذه
المخطوطات، كتاب ((تيسير الوصول)) في الحديث لابن الديبع الشافعي.
قالوا عن مكتبة نصيف:
■ يقول أمين الريحاني في ((ملوك العرب»: «هذا الشيخ محمد نصيف
أديبُ جُدَّة الأكبر، وأميرُ الكتب فيها، فإن عنده مكتبةً حافلة بأنواع
الكتب، يجيءُ الأدباء إلى داره، وكأنها دار الكتب العمومية. فيُعيرهم ما
يشاؤون منها، ويشتري ما يَعرِضون من مخطوط أو مطبوع.
■ وقال الدكتور محسن جمال الدين في ((مجلة العرب)) الجزء الثالث:
((كان الشيخ محمد نصيف زَمَّتْهُ رجلًا غنيًّا وصاحبَ جاه، وقد قام بعدة
سفرات ورحلات، فلم تكن نفائسُ الكتب والمخطوطات تضنُّ بنفسها
عليه أو يضنُّ بماله عليها. مات رَّتْهُ، وقد خلّف وراءه ثروةً حسنة من
نفائس الكتب المطبوعة والمخطوطة.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
=
٩٨
صلاح الأمة في علو الهمة
■ وقال الشيخ علي الطنطاوي في مَعرِض حديثه عن الشيخ محمد
نصيف: ((وعنده مكتبةٌ من أنفس ما عَرفتُ من المكتبات، ولقد عرفت
مكتبات أساتذتنا، محمد كرد علي في دمشق، وإسعاف النشاشيبي في
القدس، وأحمد تيمور باشا في مصر، ومكتبة ندوة العلماء في ((لكنو)) في
الهند، ومكتبة الحاج حمدي الأعظمي في بغداد، ومكتبات لا أحصيها،
فوجدت مكتبة الشيخ نصيف من أكبرها، وكانت مكتبته مثل مائدته،
مُفتَّحة الأبواب لكل قادم)).
■ وقال الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين: ((رأيت في بيته -بيت
نصيف- مكتبةً حافلةً بالكتب، وأستطيع أن أقول: إن كل مكان دخلت
عليه يمثل مكتبة؛ لأن الكتب في كل مكان، والدواليب ملأى بها، فهي
مكتبةٌ عظيمةٌ وكبيرة)).
■ ويصفُ الشيخ علي الهندي مكتبةً نصيف فيقول: ((وعنده مكتبةٌ
حافلةٌ بالمخطوطات التي قد لا توجد في الدنيا لغرابتها وندرتها، ومن
أشهر ما وقفتُ عليه في هذه المكتبة العامرة: تاريخ الأشراف ((أشراف
مكة)) و((تاريخ آل سعود))، و((سيرة محمد بن إسحاق))، والتي لم تكن
توجد عند غيره، و((الأطراف)) للمِزِّي، و((الإصابة)) لابن حجر،
و((الاستيعاب)) لابن عبد البر، و((أُسد الغابة)) لابن الأثير، و((الأنساب))
للسمعاني، و(الإكمال)) لابن ماكولا، و((الإشراف على مذاهب الأشراف»،
و(تاريخ ابن كثير))، وكلها مخطوطة)).
جهوده في مجال العلم:
أ- عِنايتهُ الفائقة بالمخطوطات:
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٩٩
علو الهمة في طلب العلم
تمتع الشيخ محمد بن حسين نصيف ريحمّلهُ بثقافةٍ عالية، جعلته في منزلة
رفيعة بين أقرانه من العلماء، وقد أجمع أهلُ العلم والفضل في عصره على
قوةٍ فكره وسعةِ علمه وغزارةٍ مادته، وأنه بعيدُ المدى، عميقُ الفكرة، وقد
اعتنى نَمّتْهُ بالمصنفات والمطبوعات عنايةً كبيرة، كما وجَّه عنايتَه الخاصة
إلى المخطوطات، فقد سعى إلى اقتنائها وهو في صدر الشباب، باذلا في
ذلك کل غال ورخیص.
■ ويذكرُ أحد المعاصرين أن الشيخ أخبره أنه اشترى من هولندا
كتاب ((المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي)) بمبلغ أربعةِ الآف ريال.
وهذا إن دلَّ، فإنما يدل على حبه وغرامه بالمخطوطات. فما من مخطوطٍ
يسمع به إلّا ویسارع إلى اقتنائه مهما كلفه ذلك.
■ وذكر الأستاذ محمد علي مغربي في ((أعلام الحجاز)) أن الشيخ رَمّثهُ
عَلِمَ بوجود نسخة من أحد الكتب الأندلسية القديمة في مكتبتي، فلم
يتردد نَمّهُ في الكتابة إليَّ بطلبها، ولم أتردد في تقديمها له.
ومما يجدُرُ الإشارةُ إليه أن جَدَّ المترجَم له -وهو الجد الثاني («عبد الله
نصيف))- كانت له مكتبةٌ حافلة بالمخطوطات، ضاع أكثرها، وما بقي
منها -وهو ما يربو على ألف مجلد مخطوط - تَلِف بسبب الأرَضة.
ويذكرُ الشيخ نصيف أن أقدم مخطوط حوته مكتبتُه العامرة هو (سير
أعلام النبلاء)) للإمام الحافظ الذهبي المتوفى سنة (٧٤٨هـ)، ويقع في تسع
مجلدات كبار، وذكر الدكتور محسن جمال الدين -الأستاذ بكلية الآداب
جامعة بغداد - أن أقدم مخطوطات الشيخ هو كتاب ((تيسير الوصول)) في
الحديث لابن الديبع الشافعي وعمره (٣١٠) سنوات.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١٠٠
صلاح الأمة في علو الهمة
■ وعن أشهر ما احتوته مكتبة الشيخ من مخطوطات يتحدث الشيخ
علي بن محمد الهندي -المستشار بوزارة المعارف سابقًا، والمدرس بالمسجد
الحرام-، فيقول: ((كانت مكتبةُ الشيخ نصيف مكتبةً عامرةً بالمخطوطات،
ومن أشهرها -فيما اطلعنا عليه- (تاريخ الأشراف)) و((تاريخ آل سعود))
و(سيرة محمد بن إسحاق)) و((الأطراف)) للحافظ المِّي و((الاستيعاب))
لابن عبد البر و((الإكمال)) لابن ماكولا و((تاريخ ابن كثير))، إضافةً إلى
کتب کثیرة مخطوطةٍ لا تُحصى كثرة.
■ وجديرٌ بالذكر أن الشيخ رَمّهُ قد سعى سعيًا حثيثًا في نشر كثير
من المخطوطات وإخراجها إلى حيز الوجود، ونذكر من ذلك على سبيل
المثال - لا الحصر - ((الدين الخالص))، و((تيسير الوصول)) في الحديث،
و((شرح السُّنة)) للإمام البغوي، و((تحفة الأشراف)) للمِزَّي، و((منهاج
السنة)) لابن تيمية، وغيرها كثير.
ب- احتفاؤه واعتِناؤه بالعُلماء:
كان الشيخ محمد نصيف رآهُ حسن الأخلاق، کریمًا، بشوشًا، بل
كان مضربَ مثل في الأخلاق التي جبله الله عليها.
كما كانت معرفتُه بالعلماء مضربَ الأمثال، فكان رَّهُ حدبًا علیھم،
متبسطًا معهم، رحيمًا، رقيقًا بهم، حُلوَ الكلام، هادئ الطبع، لقد أحرز
الشيخُ كريم الخصال في معاملة أهل العلم وروَّاد الفكر، وسبق في
مساعدتهم سَبْقَ الجواد، وحاز قَصَبات السبق، وكان صحيحَ العزم في
معالي الأمور، هدفه خدمة العلم وأهله وطلابه.
■ قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حمّلهُ: ((عرفت عن الشيخ -
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com