النص المفهرس
صفحات 61-80
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٦١ علو الهمة في طلب العلم - بذل الهمم في موعظة أهل وادي العجم. - بيت القصيد في ترجمة الإمام الوالد السعيد. - تاريخ الجهمية والمعتزلة. - تاريخ رحلتي إلى المدينة المنورة. - تعطير المشام في مآثر دمشق الشام. - تعليقات على أوائل سنن أبي داود. - تعليقات على حصول المأمور لصديق حسن خان. - تفسير آية ﴿ إِنَّا عَرَضْنَاُ لْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ .. ) الآية. - تنبيه الطالب إلى معرفة الفرض والواجب. - تنبيه الغمر في رد شبهة طهارة الخمر. - تنوير اللب في معرفة القلب. - ثمرة التسارع إلى الحب في الله تعالى وترك التقاطع. - جدول في مخارج الحروف وصفاتها. - الجواب السني عن سؤال السيد أحمد الحسني. - جواب الشيخ السناني في مسألة العقل والنقل (مقالة). - جواب المسألة الحورانية. - جوامع الآداب في أخلاق الأنجاب. - الجوهر الصاف في نقابة الأشراف. - حاشية على الروضة الندية شرح الدرر البهية، لصديق حسن خان. تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٦٢ صلاح الأمة في علو الهمة - حسن السبك في الرحلة إلى قضاء النبك. - حياة البخاري. - درء الموهوم من دعوى جواز المرور بين يدي المأموم. - دلائل التوحيد. - رحلتنا إلى الأقطار المصرية. - الرحلة إلى حمص وحماة. - رد على مسيحيٍّ (١) يزعم أن نعيم الجنة رُوحاني لا جسماني. - رسالة في أوامر من شيخ مشايخ الإسلام. - رسالة في علم الأصول. - رسالة من المسح على الرجلين. - رفع المناقضات بين ما يزيد في العمر وبين المقدرات. - زبدة الأخبار في ولدان الكفار. - زوال الغشاء عن وقت العشاء. - السطوات في الرد على من منع العشاء قبل الصلوات. - السفينة. - سؤال مستشرق وجواب حكيم. - السوائح. - الشاي والقهوة والدخان. - الشذرة البهية في حل ألغاز نحوية وأدبية. (١) لا يجوز أن يطلق على النصارى لفظ ((مسيحي))، فانتبه. تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٦٣ علو الهمة في طلب العلم - شذرة من السيرة المحمدية. - شرح أربع رسائل في الأصول. - شرح العقائد. - شرح لباب المحصول في علم الأصول لابن رُشيِّق. - شرح لقطة العجلان. - شرح مجموعة ثلاث رسائل في أصول التفسير والفقه. - شرف الأسباط. - شمس الجمال على منتخب كنز العمال. - الطالع السعيد في مهمات الأسانيد. - الطالع المسعود على تفسير أبي السعود. - الطائر الميمون في حل لغز الكنز المدفون. - طراز الخلعة في حل قول الرملي: وأقسام الاسم تسعة. - العقود النظيمة في ذكرى مولد النبي عليه وأخلاقه العظيمة ومحاسن شريعته القويمة. - غنيمة الهمة في كشف الغمة. - فتاوى مهمة الشريعة الإسلامية. - الفتوى في الإسلام. - فصل الكلام في حقيقة عود الروح للميت حين السلام. - الفضل المبين على عقد الجوهر الثمين. - في رحلتي إلى البيت المقدس. - قاموس الصناعات الشامية. - قواعد أصولية. - قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث. تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٦٤ صلاح الأمة في علو الهمة - قواعد تفسيرية. - كتاب الأولياء. - كتاب دون عنوان ولا تاريخ. - كناشة. - الكنى والألقاب (مقالة). - الكواكب السيارة في مدائح الفوارة. - الكوكب المنير في مولد البشير النذير. - لزوم المراتب في الأدب مع الإمام الراتب. - اللف والنشر في طبقات المدرسين تحت قبة النسر. - ما قاله الأطباء المشاهير في علاج البواسير. - مجموع متون أصولية. - مجموعة خطب. - مجموعة لطيفة في نصوص إجازات منيفة. - محاسن التأويل ((تفسير القاسمي)). - محاورة في الفوتوغراف. - مذاهب الأعراب وفلاسفة الإسلام في الجن. - مسائل الإظهار. - المسح على الجوربین. - المسند الأحمد على مسند الإمام أحمد. - مفكرات القاسمي. - منتخب التوسلات. - المنتزه الأرفع في الفصول الأربع. - موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين. تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٦٥ علو الهمة في طلب العلم - ميزان الجرح والتعديل. - النغمة الرحمانية شرح متن الميدانية. - نقد النصائح الكافية. - هداية الألباب لتفسير آية ﴿ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ [المائدة: ٥]. - الوعظ المطلوب من قوت القلوب. - وفاء الحبيب وعده بإيضاح جهة الوحدة. - ينابيع العرفان في مسائل الأرواح بعد مفارقة الأبدان. ■ قال عاصم البيطار: ((إن النظر المتأنِّي فيما ترك علامة الشام القاسمي من آثار وأقوال في مختلف وجوه العلم، يدلّ على أن ثقافته كانت شيئًا فريدًا بين معاصريه، فقد كانت ثقافةً موسوعية، لم تقف عند حدود علوم الشريعة واللغة والاجتماع، بل عُنيت بما استَحدثه العصر من مكتشفات ومخترعات، وما وصل إليه العلمُ من آراءٍ ونظريات، واستخدام ذلك كلِّه في خدمة الدين وإقامةِ المجتمع الإسلامي على أفضل الأسس والقواعد التي لا تفقدُ صِبغتَها الإسلامية، ولا تتنكرُ لتقدم سليم أو معطياتٍ علمية نافعة؛ لأن الإسلام دينُ فطرةٍ مؤمنة وعقلٍ متفتح، ونظامٌ عام ينتظم الحياةَ كلَّها ودولةً فاضلة، فلا غرابةً إذا حدَّثَنا عن العمل بالبرق والكهرباء والهاتف، التي بدأت مفهوماتها تصل إلى أسماع بعض الناس في الشرق آنذاك، ولا عجب إذا وضع رسائلَ في القهوة والشاي وبعض المعارف الطبيّة، إلى جانب آثاره الجليلة في التاريخ والتفسير والحديث والاجتماع والأخلاق)). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٦٦ صلاح الأمة في علو الهمة ((محاسن التأويل)) أعظم محاسن القاسمي ومؤلفاته: لو لم يكن للقاسمي إلّا تفسيره العظيم المُسَمَّى بـ ((محاسن التأويل)) لكفاه شرفًا، فهذا التفسير من أعظم كتب تفاسير المتقدمين والمتأخرين. ■ قال رَمّتْهُ في مقدمة هذا التفسير: ((أما بعد، فإن أكرم ما تمتد إليه أعناق الهمم، وأعظم ما تتنافس فيه الأمم، العلمُ الذي هو حياة القلب، وصحة اللب؛ وأجلّ أصنافه وأرفعها، وأكمل معالمه وأنفعها، هي العلوم الشرعية، والمعارف الدينية. إذ بها انتظام صلاح العباد، واغتنام الفلاح في المعاد. وعلمُ التفسير، من بينها، أعلاها شانًا، وأقواها برهانًا، وأوثقها بنيانًا، وأوضحها تبيانًا. فإنه مأخذها وأساسها، وإليه يستندُ اقتناصها واقتباسها، بل هو - كما وُصف به - رئيسُها ورأسُها. كيف لا وموضوعه، هو الكتاب المجيد، كليةُ الشريعة، وعمدةُ الملة، ويُنبوعُ الحكمة، وآية الرسالة، ونورُ الأبصار والبصائر. وإنه لا طريق إلى الله سواه، ولا نجاة بغيره، ولا تمسُّك بشيء يخالفه. فلا جرم، لزم من رام الاطلاع على كليات الشريعة الغراء، وطمع في إدراك مقاصدها واللحاق بأهلها النجباء، أن يتخذه سميره وأنيسه، ويجعله على المدى -نظرًا وعملًا - جليسه. فيوشك أن يفوز بالبُغية، ويظفر بالطَّلْبة، ويجد نفسه من السابقين، وفي الرعيل الأول المهتدين، ويشرق في قلبه نورُ الإيقان، وتطلُعُ في بصيرته شمسُ العرفان، ويتبوأ في الدنيا والآخرة مكانًا عليًا، وتدرج النبوة بين جنبيه وإن لم یکن نبيًّا. وإني كنتُ حرَّكتُ الهمَّة إلى تحصيل ما فيه من الفنون، والاكتحال بإثمد مطالبه لتنوير العيون، فأكببت على النظر فيه، وشغفت بتدبُّر لآلئ عقوده ودراريه، وتصفّحت ما قُدِّر لي من تفاسير السابقين، وتعرَّفت، https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٦٧ علو الهمة في طلب العلم حين درست ما تخلَّلها من الغث والسمين، ورأيتُ كُلّا بقدر وسعه حام حول مقاصده، وبمقدار طاقته جال في ميدان دلائله وشواهده، وبعد أن صَرَفت في الكشف عن حقائقه شطرًا من عمري، ووقفتُ على الفحص عن دقائقه قدرًا من دهري، أردت أن أنخرط في سلك مفسِّريه الأكابر، قبل أن تُبلَى السرائر وتفنى العناصر، وأكون بخدمته موسومًا، وفي حملته منظومًا، فشحذت كليل العزم، وأيقظت نائم الهم، واستخرت الله تعالى في تحرير قواعده، وتفسير مقاصده، في كتاب اسمه بعون الله الجليل ((محاسن التأويل)). وقد اشتغل القاسمي في تأليفه منذ عام ١٣١٧ هـ، وأمّ في رمضان ١٣٢٧ هـ، ثم أعاد فيه النظر، وخصَّص لمراجعته موعدًا ليلتيْن في الأسبوع حتى أنجزه عام ١٣٢٩ هـ. فلله درُّ القاسمي من إمام تبقى سيرتُه عطرةً مدى الأيام والأزمان. ٧ - إمام الهند الشيخ محمد أنور شاه الكشميري (١) (١٢٩٢هـ - ١٣٥٢هـ): هو حافظُ العصر، ومُسْنِدُ الوقت، المحدِّثُ المفسّرُ، الفقيهُ الحنفي، الأصولي المكين، المتكلِّم النظَّار، المؤرِّخ الأديب، اللُّغَوي الشاعر، البحَّاثة النّقَّادة، المحقّق الموهوبُ، الإمامُ الشيخ، محمد أنور شاه الكَشْمِیري، ابنُ الشيخ مُعَظَّم شاه، ابنِ عبد الكبير شاه الكشميري. جاء سَلَفُه من بغداد، ونزلوا مُلْتَان، ثم رحلوا منها إلى لاهُور، ومنها إلى كَشْمِير، فأصبحَتْ لهم (١) الترجمة مأخوذة من كتاب ((تراجم ستة من كبار فقهاء العالم الإسلامي)) لعبدالفتاح أبو غدة، وقد أخذ هو الترجمة من «نفحة العنبر في حياة إمام العصر الشيخ أنور)) للشيخ محمد يوسف البّنُوري، وما كتبه الشيخ محمد بدر في مقدمته لكتاب «فيض الباري)) للشيخ أنور الكشميري. تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٦٨ صلاح الأمة في علو الهمة مُستقرًّا ومُقَامًا. وُلِدَ في ٢٧ من شوال سنة ١٢٩٢، في قرية وُدْوَان - بوزنْ لُبْنان- التابعةِ لمدينةٍ كشمير: جَنَّةِ الدنيا وزهرةِ الربيع الدائم. ونشأ في بيتٍ علم وصلاح، في رعايةٍ دقيقةٍ، وتربيةٍ عجيبةٍ، وكان على درجةٍ عاليةٍ جدًّا من الفطنة والذكاء النادر، وكان والده عالمًا فاضِلًا في جملةٍ من العلوم الشرعية والعلوم الرياضية وبعض العلوم الآلية فتعلّم منه ومن شيوخ بلاده، حتى فاق أقرانَه نُبوغًا في زمن يسير، وكان وهو صغيرٌ في الطلب يقرأ ((مختَصَرَ القدوري)) في الفقه، ويَسألُ المدرّسَ أسئلةً تحتاجُ في الإجابة عنها إلى مراجعة ((الهداية)) وشروحِها. ورأى بعضُ أعلام عصره تعليقاتِه على كتبه الدراسية، فتفرَّس فيه أنه سيكونُ غزَّالِيَّ عصرِه ورازِيَّ دهرِه. فحصَّل علومَ العربية والفقه والأصولَ والتفسيرَ والحديثَ وغيرَها تحصيلَ فهم وإتقانٍ، ولَّا يَبلُغْ الثانيةَ عشرة من العمر، وكان علمُ الفقه والفتوى في رحاب كشمير مما يُتسابَقُ في حَلْبةِ رِهانِه، فكان الشيخُ الناشئ الموهوبُ يفتي الناسَ وهو في الثانية عشرة من العمر، ويأتي فتاواه في سَدادِها عديلةً لفتاوى كبار الشيوخ هناك !!! المعهود في الصغير ابن اثنتي عشرة سنة أنه لا يكاد يُحسِن أحكام الطهارة والوضوء، أمَّا أن يكون فقيهًا ومُفْتيًا في هذا السن، فهذا شيء عُجاب، يكون لأفراد قليلين في العالَم، والله يختصُّ برحمته من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. ■ ورحل من بلدته كشمير ليلقَى العلماء، ويُشامَّ الناس، فرحل إلى أكبر جامعة إسلامية في الهند ((دار العلوم الإسلامية)) في بلدة دیوبند، وهي تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٦٩ علو الهمة في طلب العلم على مئة ميل من الجانب الغربي الشمالي لدهلي عاصمة الهند، وتلقّى العلوم على أكابر العلماء في هذه الجامعة. وكان أَكْبَرُ هؤلاء الأجلَّة: الشيخَ محمود حَسَن الملقَّب بشيخ العالم، والمعروف بشيخ الهند شيخَ الجامعة الديوبندية، وهو مُرْتَوٍ من علوم القرآن والسنَّةِ والفقهِ والأصولِ وغيرِها من العلوم، مع مواهبَ فِطرية عالية، فوجدَ الشيخُ الكشميريُّ عنده ضالَّتَهُ التي يَشُدُها، والعلومَ التي يتطلَّبُها، والإمامةَ الفذّةَ التي تُشْبِعُ ثَهَمَهُ وتُلاقِي نُبوغَه، وَتُغَذِّي ◌ُموحَهُ وذكاءَه، فملأ من مَعارفِهِ ومَداركِهِ قَلْبَه ولُبَّه، ونَِل منها وعَبَّ، ولازَمَ الشيخَ مُلازمةً أكسبته الفضائلَ الفريدةَ، والعلومَ الدقيقةَ فيما أَخَذَ عنه. وأَخَذَ أيضًا عن العلامة المحدِّث الشيخ محمد إسحاق الكشميري، ثم المَدَني، فاستكْمَل على هذين الشيخين الكبيرينِ -وغيرهما من شيوخ تلك الجامعة - ما بقي من العلوم التي تُدْرَسُ هناك. وكان لهذين الشيخين الجليلين استئثارٌ بُرُوحِه ومَشاعره، لِمَا آتّاهما الله من المعارف والنبوغ، فقرأ عليهما جملةً حسنة من كبار كتب السنَّة، فقرأ على الأول -شيخ الهند - ((صحيح البخاري))، و((سنن أبي داود)) و((جامع الترمذي))، كما قرأ عليه أيضًا الجزأين الأخيرين من كتاب ((الهداية)) وهو من أعظم كتب الفقه الحنفي التي تعتني بالدليل والتعليل والمحاكمة بين المذاهب الفقهية. وقرأ على الثاني -الشيخ إسحاق الكشميري - ((صحيح مسلم)) و((سنن النسائي))، و (آسنن ابن ماجَهْ)). ■ وفَرَغَ من قراءة هذه الكتب وإتقانها على هؤلاء الجهابذة في سنة تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٧٠ - صلاح الأمة في علو الهمة ١٣١٣، وقد جاوزت سِنَّهُ العشرين سَنَةً، وغدا بعدَ تخرُّجه على يد أولئك العلماء في دِيوْبَنْد: عالماً فاضلاً مرموقًا، نابغًا في علوم الرواية والدراية، وهو ما يزال في مُقْتَبَل شبابه، فاستَشرَفَتْ إليه العُيون، وتعلَّقَتْ به القلوب، وتوجَّهَتْ إليه الأنظارُ. علوّهمته في نشر العلم وإنشاءِ معاهِدِه: ■ وبعد أن اكتَمَلَتْ مَعارفُه، ذهب إلى مدينة دِهْلى، فدرَّسَ فیها في ((مدرسة عبد الرَّبِّ)) عدَّةً شهور، وتفرَّسَ فيه بعضُ الصلحاء من أصدقائه تخايل النجابةِ الباهرة، فأصَرَّ عليه أن يَنهضَ بتأسيس مدرسة عربية في دِهْلِي، فاستجاب لذلك وأسَّسَ فيها: ((المدرسة العربية الأَمِينَيَّة)) ءُ نسبةً إلى صديقه محمد أمين، أسّسها بمساعدةِ أهلِ الخيرِ والثروة، وكلّ مَدارِس الهند الإسلامية وجامعاتُها الدينية تقومُ على إمدادِ أهل الإيمان واليسار من المسلمين، جزاهم الله الخير، وما تزال ((المدرسة العربية الأمینیة» قائمةً إلی الیوم والحمدُ لله. ■وشاع صِيتُ هذه المدرسة في أقطار الهند، وقُصِدَتْ من كل جانب، وشَرَعَ الشيخ نفسُه يُدَرِّسُ فيها العلومَ وأعاظمَ الكتبِ من الحديثِ والتفسيرِ والبيانِ والمعقولِ وغيرِها، وبَقي على الإفادةِ والتدريس عِدَّةً سنين، وتَخَرَجَ على يديه الأفواجُ الكثيرةُ من الطلبةِ الذين غَدَوْا كبار العلماء في تلك الدیار بعده. ثم أغراه الحنينُ إلى مَأْلَفِه وبَلَدِه كشمير، وكان قد اطمأنَّ إلى بُسُوقِ المدرسةِ الأمينيَّةِ واستكمالِ وجودِها، فتوجَّه إلى كشمير، وأسَّس فيها مدرسةً دينيةً علمية سمَّها ((الفيضَ العام)) فدرَّس فيها وأفتَى ونَصَح الأمَّة تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٧١ علو الهمة في طلب العلم قَلَمًّا ولسانًا، وأزال كثيرًا مما راج هنا من البدع والرسوم المُحدَثة، فانقشَعَتْ بوجودِهِ سحائبُ الجهل المتراكمة، وتلألأت آثارُ السنَّةِ النبوية الشريفة. ■ ورحل إلى مكة والمدينة سنة ١٣٢٣هـ، واغتنم فرصة قربه من مكتبات المدينة المنورة الخَطّية، وخاصة مكتبة شيخ الإسلام ((عارف حكمت))، والمكتبة المحمودية، فانكبّ على مطالعة نفائسهما من التفسير والحديث وغيرهما. وبعد عودته إلى كشمير أراد المجاورة في المدينة المنورة، فأمره شيخه ((محمود الحسن)) أن يقيم في ديوبند لينتفع الناس بعلمه، وأمره بتدريس ((صحيح مسلم)) و((سنن النسائي))، و((سنن ابن ماجه))، فنهض بها على خير وجه، وكانت فاتحة تدريسِهِ في أكبر جامعةٍ دينية في الهند: ((دار العلوم الإسلامية))، واستمرَّ على ذلك إلى سنة ١٣٣٢. ■ ثم أراد شيخُه السَّفَر إلى الحج والزيارةِ في عام ١٣٣٣، فاستَخْلَفَهُ نائبًا عنه في التدريس وصَدَارةِ المدرِّسين، فَأَخَذَ يُدرِّس ((صحيح البخاري))، و((سنن أبي داود))، و((جامع الترمذي)) وغيرَها من أمهاتٍ كتب الحديث، وكان من أمرِ الشيخ محمود الحَسَن أنْ أَسَرَتْهُ الحكومةُ البريطانية الغاشمة، لزعامتِهِ العِلميةِ والدينية في الهند، واحتجزَتْهُ في جزيرة مَالطَة! فَبَقِيَ الشيخُ الكشميريُّ قائمًا مَقَامه، في تدريس کتبٍ الحديث: «صحيح البخاري))، و «جامع الترمذي))، وغيرهما. وقَضَى في ((ديوبند)) ثُلُثَ عمره، وجَرَتْ من قلبِهِ وفَمِهِ ينابيعُ الحِكمة ومَنابعُ العلم والمعرفة، حتى استفادَ منها رجالٌ من الأفاضلِ وأماثلٍ العصر، وتَصَلّع من لا يُحصَى عَدَدًا من الأصاغرِ والأكابر، وتخرَّج في تلك تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٧٢ صلاح الأمة في علو الهمة الحِقبة أكثرُ من ألفَيْ عالٍ ممن قرأوا عليه أمهاتٍ كتب الحديث، وكان الشيخُ تَطًّا للرحال، وكان دَرْسُهُ جامعًا للبدائع، تَنحَلُّ فيه مُشْكِلَاتُ سائِرِ العلوم. نهوضه في وجه القاديانية : وفي عهد إقامتِهِ في ((دِيوبَنْد)) سَلَّ صَارِمَه العَصْبَ، لقطعِ عُروقِ الثُّلَّةِ الباغيةِ القاديانية، بلاغًا وإرشادًا ودَرْسًا وتأليفًا، واستَحَتّ من العلماء والطلبةِ وعامَّةِ الأمةِ الإسلامية: الهِمَمَ المتوانيةَ والجهودَ المتقاعِدة، إلى مُقاومةِ هذه الفئة الضالّة المُضِلَّة، وإلى قَمْع هذه الفتنةِ العمياء، حتى أيقَظَ الرُّقود، ونَبَّه الغافلين، من أصحاب الجرائد والمجلاتِ علی مکابِد هذه الفِرْقَةِ الكائدةِ للإسلام ودسائِسها، فأثمر اللهُ تعالى نَهضتَهُ المباركة، وأقْبَرَ تلك الفتنةَ بسعيِهِ وعلمِهِ وقلمِهِ ولسانِهِ وتأليفه، فكان له في هذا المضمار مَآئِرُ جليلة لا تُنْسى على تقادُمِ الأزمان. وألّفَ في نقضِ نِحْلَةِ ((القاديانيَّة)) وهَدْمِها تآليفَ فريدة، منها: ((إِكفار الملحدين في ضروريات الدين))، و((عقيدةُ الإسلام بحياةِ عيسى ،النَّ))، و((تحيةُ الإسلام بحياةٍ عيسى ◌ِالشَّه))، و((خاتم النبيين))، بالفارسية، و((التصريحُ بما تواتَرَ في نزول المسيح))، وهو أفضَلَ كتابٍ اعتَنَى بجَمْع الأحاديثِ والآثار في دَحْضٍ هذه النِّحْلَةِ لتلك الفِرقةِ الضالةِ، وهَتْكِ معتَقَدِها. ■ وفي سنة ١٣٤٦ استقال من منصبه في درسه في ((دیوبند»، ورحل إلى ((دابيل)) على بعد ١٥٠ مِيْل من مدينة بُمْباي، ونشأ بوجودِهِ الميمونِ هناك معهدٌ عِلميٌّ كبيرةٌ يُسمَّى: ((الجامعة الإسلامية))، وإدارةُ تأليفٍ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٧٣ علو الهمة في طلب العلم ونَشْرِ تسمَّى ((المجلس العلمي)). ونَشرَ المجلسُ المذكور في حياة الشيخ وبعدَهُ كتبًا نفيسة في شتى المواضيع والعلوم، قاربَتْ الأربعين كتابًا، تلقَّفها العلماءُ من كل جانب، منها (نَصْبُ الراية في تخريج أحاديث الهداية)) للحافظ الزيلعي، و((إكفار الملحدين في ضروریات الدین)» للکشميري نفسِه، وهو من خير الكتب الفقهيةِ في موضوعِه، و((فيضُ الباري بشرح صحيح البخاري)) له أيضًا، و((زادُ الفقير)) في الفقه للكمال بن الهُمام، و((مصنّفُ عبد الرزاق))، وغيرُها من الكتب النافعة. تاريخ وفاته : وبقي الشيخُ في ((الجامعة الإسلامية)) في ((دابِيل)) خمسَ سنوات، يَشتغِلُ بالدرس والتأليف والوعظِ والتذكير، فاستنارت هاتيك البقاعُ بنور عُلومِه: عِلمًا وعَمَلًا وسُنةً وحديثًا وفقهًا وأُصولًا، فقَوَّم بوجوده الأوَدَ، وأصلح الله به أُمَّةً هناك، غيرَ أنه اجْتَوَى المُقَامَ في ((دابِيل))، وما طاب له هواؤها، فابْتُلي ببعض الأمراض، فعاد إلى ((ديوبند)) رجاءً أن يكون لتغيير المُنَاخِ أثرٌ في تحسُّن صحته، ولكنَّ العِلَّة قد اشتَدَّت عليه، وتمكَّن منه المرض، فتوفاه الله في ليلةِ الإثنين ثالثٍ صَفَر سنةَ ١٣٥٢ رحمه الله تعالى. وقد خَلَّف مآثِّرَ قائمةً مذكورة، وآثارًا في العلم ونَشْرِه صالحةً مبرورة، بما أقامه من المعاهد الإسلامية الكبرى، وبالأجيال العالمةِ التي تخرَّ جَتْ به من كبار الفقهاء والمحدِّثين في بلادِ الهند والباكستان، فكانت حياتُهُ مصْدرَ خيرٍ وتزكيةٍ وعلم وإصلاح للمسلمين في تلك الديار. وقد أَورَث تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٧٤ صلاح الأمة في علو الهمة تلامذتَهُ تلك الهِمَّةَ القَعساء، فانتشروا في الهند وباكستان، يَنشُرون العلم ويؤسِّسون المعاهدَ الإسلاميةَ علی مِنواله، فما تَرى عالمًا بارزًا منهم إلّا وهو مؤسِّسُ مدرسةٍ كبيرةٍ، أو مُديرُ جامعةٍ مشهورة، تَتخرَّجُ بهم أفواجُ العلماء، وتَرْتَوِي من مَعِينهم القلوبُ الظِّماء. استبحاره المُدهش في علوم الرِّوَاية والدِّرَاية، وحافظته المُحَيِّرة للألباب وسرعة مطالعته: ■ يقول الشيخ أبو المحاسن محمد يوسف البَنُوري رحمه الله تعالى، في ((نفحة العنبر من حياة إمام العصر الشيخ أنور))(١) تحت هذا العنوان ما نصُّه باختصارٍ يسيرٍ: «كان الشيخُ -الكشميري - رَمّتْهُ آيةً من آيات الله العظام، ونادرةً من نوادر العصر، إمامًا في الحقائق والمعارف، لا يُساهَم ولا يُزاحَم، وقُدرةً لأماثل العصرِ الحاضر في حلَّ الدقائق ومشكلات العلوم، وغوامض الأبحاث العلمية والعرفانية، بحيث لا يُناضَل ولا يُنَازَع. كان إمامًا حجةً في علوم القرآن وعلوم الحديث، مُتْقِنًا في كشف مغزاها ومرماها، وكان مرجعًا للأمة الإسلامية في إيضاح معناها ومبناها، كان حافظًا مُوعِيًا لمذاهب علماء الأمة المحمدية مع التغلغل في تخريجها وتنقيحها، واعيًا لأقوالهم المختلفة الشتيتة، قادِرًا على اختيار بعضِها من بعض ترجيحًا، أحاط بالعلوم العقلية والفنون الحِكَمِية الحديثة والقديمة، بالرأي الثاقِب والحُكِم النافذ، كان نقيب العلوم العربية الأدبية غائصًا في بحارِها وغِمارِها. (١) (ص٢٤ - ٣٦). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٧٥ علو الهمة في طلب العلم جَمَع الله له من شَمْل الفضائل والفواضل ما تَكِلَّ الألسنةُ عن تفصيلها، وتتلَعْثَمُ عن بيانها، ويَتَكَفْكَفُ سَنَا المِزْبَر عن تَسْطِيرِ جميعها. فآثره الله بالقريحة الوَقَّادة، ما خلتْ القرون عن أمثالها، وأردفه بقوة الحافظة ما بلغ غايةً ليس دونها غاية، حتى عَلِمِنا عِلمَ يقين صِحَّةَ ما أُثِر لنا من قوة الحافظة للمُحدِّثين وسائر السلف الصالح في العهد الغابر في كتب الطبقات والرجال والتاريخ، بل كأنَّا رأي العين، فلم تبق لنا رِيبَة ولا خطرة من الوَهْم، فقد أبدى الصريحُ لنا عن الرَّغْوَة. ■ بلغني عن الشيخ الفقيه المحدث مولانا حسين أحمد المهاجر المدني أنه قال: ((سمعتُ حضرةَ الشيخ - الكشميري - رَحَمَّهُ أنه قال: إذا طالعتُ كتابًا مُرتجلًا، ولم أُرِد ادخار مباحثهِ، يبقى في حفظي إلى نحو خمس عشرة سنة. ثم مع هذه الحافِظة وُفَّق لغزارة المطالعة وسُرعتها بحيث تتحيَّرُ منه العقول، حتى تُطْوَى من بين يديه ذخائرُ من المكنونات العلمية كلّ يوم، حتى سمعتُ من بعض خواصِّ معارفه: أنه أول ما كان يُطالِعُ (مسند أحمد)» المطبوع بمصر، كان يُطالِعُ كلَّ يوم نحو مئتي صفحة منه، مع غورٍ وإمعانٍ في أسانيده وحلِّ مُشْكِلاتِه. ■ وسمعتُ من حضرة الشيخ قولَهُ رَحْمَّهُ: ((إني طالعتُ أولًا ((مسند أحمد)) فلَخَّصتُ منه أدلة الحنفية والأحاديثَ المفيدة لهم في عدة أيام، ولكن مع هذه السُّرْعة كان ينقلُ أحاديثَه أينما احتاج له في المشكلات والمعضلات مع ضبط تامٌّ لأحوالِ رُواتِها وطبقاتِها. ثم طالع ((مسند أحمد)) مرةً ثانيةً في أواخر عمره لالتقاط أحاديث نزول سيدنا عيسى على نبيِّنا تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ۔۔۔ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٧٦ صلاح الأمة في علو الهمة وعليه السلام. ثم مكنَه الله من حُسن الإلقاء على الطلبة، والإملاء على الأشهاد، بجَزَالة التعبير ونفاسة التحبير. ■ وهاك أمثلةً يسيرةً من سرعة مطالعته، ودقة نظره، واستبحارِه في سائر العلوم النقلية والعقلية: ١- طالَع في سنة ١٣٢١ من الهجرة كتابَ ((فتح القدير)) للشيخ المحقق العارف كمال الدين ابن الهُمام ◌َمّهُ مع ((التكملة)) في بضع وعشرين يومًا، وكَتَب تلخيصَه إلى كتاب الحج، وأجاب عن إيراداته التي أوردها على صاحب ((الهداية))، وناقش فيها في جزء لطيف. كلّ ذلك في تلك البرهة القصيرة، ثم استغنى عن المراجعة لنقل مباحثه في جميع المسائل مدةَ عمره، وكان ◌َمّهُ حكى لنا هذه الواقعة في سنة ١٣٤٧ الهجرية تحديثًا بنعمة ربه، وحثًا لأشواق الطلبة ولَوَاعِجِهم إلى مطالعةِ الكُتب ومقاساة الشدائد فيها. ■ وكان أكبر مؤلّف - في العالم في العصر الحاضرة الذي تربو مصنفاته على مئين، حتى فاق في كثرة التصانيف على السيوطي - حكيم الأمة محمد أشرف على التهانوي يسأله عن أمور من غوامض المسائل ومشكلات الفتاوى. ■ وكان الشيخ الفقيه المحدث خليل أحمد السهار نفوري صاحب ((بذل المجهود شرح سنن أبي داود)) يسأله عما يُشكل عليه في تأليفه. ■ وكان شيخ الهند محمود الحسن الديوبندي ربما يقول له: «هل لأحد في ذلك قول؟ وهل عثرت لأحد على حلَّ هذه المشكلة؟ اعترافًا بسعة تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٧٧ علو الهمة في طلب العلم علمه وغزارة مطالعته وتبحره واطلاعه الواسع)). ■ وهذا الشيخ مولانا محمد ظهير حسن النَّيْمَوِي نَمّتْهُ، المحدث الشهير، صاحب ((آثار السنن))، كان يستفيدُ من الشيخ رَحمّهُ بالتراسل والتكاتب في غوامض الحديث، وكان يستعين به في تأليف كتابه (آثار السنن)»، وكان يَعرِضُ عليه ما يُؤلِّفه قِطْعةً قِطْعَةً، هكذا سمعتُ عن حضرة الشيخ نَّهُ. وقال في كتابه ((نيل الفرقدين)): ((وقد كان الشيخُ ((النيموي)) المرحومُ حين تأليفه ذلك الكتاب يُرسِل إليّ قطعةً قطعةً حتى إني كنتُ مرافقًا فيه، وزِدتُ عليه أشياءَ كثيرةً بعده)) اهـ. وكان الشيخ إذ ذاك شابًّا، والمحدث النيموي كان شيخًا بازلًا. فناهيك بأمثال هؤلاء أعلام العصر شُهودًا عُدولًا قولًا وعملًا، وكثيرًا ما رأينا في جملة من أسفاره في بلاد الفنجاب أنه كان يجتمع لزيارته طوائف من المشايخ، والعلماءُ المدرسون المكبُّون على مطالعة الفنون ليلاً ونهارًا، ويَسألونَه حَلّ ما أشكل عليهم في أي كتاب من أي علم كان. فرجلٌ يَسأَل في الفقه، ورجلٌ في الحديث، وعالٌِ في معضلات النحو، وآخر في دقائق العلوم الإلهية والطبيعية، وغيرُه في العلوم الآلية، وواحدٌ في التاريخ بل في مبهماتِه ومشكلاتِه، وآخرُ في سِير المصنفين وعاداتِهِم، هكذا واحدٌ بعد واحد، فتارةً يُخاطِب هذا وتارةً يُجَاوِب هذا، وتَارةً ذلك ومرة ذاك، فيَشتفي ويَشفي، حتى ترى أنه بحرٌ يموج، أو مُزنة تَهْمِي، أو وادٍ يسيل، إذا شرع في الحديث خِلْتَ أنه لا يُحسنُ غيرَه، وإذا شرع في استطراد غوامض الفقه ظننت أنه لا يعلم غيرَه، وإذا شرع في البلاغة ودقائقها حسبتَ أن الشيخ عبد القاهر زَمّتْهُ عَادَ منشورًا. تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ٧٨ صلاح الأمة في علو الهمة لا ريب أن الشيخ رَحَمَّهُ كان حبر الأمة، فكان عالماً بمنابت القصيص(١)، جمع الله له شمل الفضائل والفواضل، ولقد صدق القائل: أن يجمع العالم في واحد ليس على الله بمُستنكَرِ هذا، وكانت قد انعَقَدتْ حَفلةُ تأبينِ عظيمةٌ بالجامعة الإسلامية بعد وفاة الشيخ رَمّتْهُ، تعزيةً ورِثاءً، وقد ألقى شيخُنا مُحقّقُ العصر مولانا العثماني فيها خُطبةً باللغة الأردية، مُؤَثّرةً بلیغةً ناجعةً، فبَگی وابگی حتى ذَرَفَتْ العيونُ، ووَجِلَتْ القلوبُ، وقد قيل: عينٌ عَرَفَتْ فَذْرَفَتْ. أريدُ أن أُهدي للناظرين طَرَفَها وأَزُفَّ إليهم عَرائسَ أبكارِ الكلماتِ التي التَقَطتُها من تلك المقالة الناجعة، فإنها كلمةٌ كَشَفَتْ عن وجوهِ مُدَّراتِ مَآئِرِ الشيخ لِئَامَ الشكِّ والارتياب، بحيث يَرتاحُ لها أولو البصائر والألباب، فدونك كلمةً جامعةً مُلخَّصةً مترجمةً إلى العربية ترفُل في أذيالها، وتَبدُو للمشتاقين بحُسنِها وجمالها. قال: أيها السادةُ! قد أُرخيَتْ اليومَ على العلم والفضل سُدولُ الظَّلام، إذ قد نَزَلتْ داهيةٌ عظيمةٌ أصبَحَتْ أربابُ الفضل والعِلم قاطبةً بها يَتَامى، ما أريدُ أن الطَّلَبَةَ وأصحابَ التحصيل أصبَحُوا يَتَامى، بل العلماءُ والشيوخُ وأساتذةُ الطَّلبة أَضحَوا يَتَامَى، فَقَدوا من يَقومُ بحَلِّ مشكلاتهم. بليةٌ قد غَشِيَتْ العالمَ الإسلامي بأسرِهِ، لم يبَقَ لنا اليومَ من يَحُلُّ لنا مُشكلاتِ القرآن، وغوامضَ الحديث، فإلى من يُرجَع في المعضلات، وممن (١) القَصِيص جمعُ قَصيصة، وهي شُجَيْرة تنبت عند الكَمْأة، فيُستدلُ على الكَمْأَة بها، وهذا مثل يُضرَب للرجل العالم بما يُحتاج إليه، كما في ((مجمع الأمثال)) للمَيْداني (١/ ٥٣). تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٧٩ علو الهمة في طلب العلم نَستَطِبُّ سَقامَنا، قد تَزَلْزَل اليومَ أساسُ العلم، وانهَدَّ عمود الملَّةِ الإسلامية، فهذه ثَلْمَةٌ لا يُرجَى سَدادُها. رُبَّ مَسَائِلَ مُعضِلةٍ قد أَعْوزني دواؤها فاستَقريْتُ لها أسفارَ القدماءِ، وتَصفَّحتُ بها زُبُرَ كبارِ المحققين، فلم أَفُز بما يَشفي غليلَ صدري، فراجعتُ حضرةَ الشيخ الأنور -أنارَ اللهُ مرقَدَه - فشَفَی صدري بكلماتٍ مُخْتَصَرةٍ جامعةٍ مُنقَّحَةٍ، تَطمَئِنُّ به النفوسُ، وتَقَرُّ به الأعينُ، وتَسكُنُ إليه القلوبُ، أو أَرشَدَني إلى زُبُرٍ وأسفارٍ يكونُ هناك الَحيصُ عنها، فيكون الأمرُ كما يقول. وهكذا كلما كان يُسأل عن دقائق المسائل مما بَلَغ الغايةَ دقتُها، ومما تَعَسَّر على الأذكياءِ المتبحرين انفصامُها، يُجِيبُ عنها ارتجالاً من غير رَوِيَّةٍ وإمعان نظر، كأن قد حَلَّ جميعَ هذه المشكلات من زمانٍ مديدٍ، وفَرَغ عنها مُطمئِنَّ القلب، فقد رَزَقه اللهُ علمًا وسيعًا أحاط بسائر مُشكلاتِ العلوم من جمیع جهاتها. اشتهر في الناس أنه كان في قوة حافظتِه، ومُواظبتِه المطالعةَ ليلًا ونهارًا، وتَبخُّرِه في العلوم، فقيدَ المثل وحيدًا، ولكن الذي هو أكبرُ مزاياه عندي أنه كان خبيرًا مُطَّلعًا على أرواحِ العلوم وحقائِقها، وهذه هي غايةً مَعارِج العلم ونهایةُ مَدارِ جه. لو سألني أحدٌ: هل رأيتَ الحافظ ابنَ حجر العسقلاني؟ وهل لاقيتَ الحافظ تقي الدين ابنَ دقيق العيد؟ أو سلطانَ العلماء عزّ الدين بن عبدالسلام رحمهم الله؟ فلو أجبتَه بقولي: نعم، لكنتُ صادقًا تشبيهًا واستعارةً، ولا غَرْوَ، فإنه كان مُتصِفًا بتلك المزايا التي امتازوا اليومَ بها في تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٨٠ صلاح الأمة في علو الهمة الأمة، ولو سَمَحتِ الأيامُ بوجوده في تلك القرون المبارَكة لعُدَّ في طبقتهم، ولكان مِثْلَهم اليوم في الأمة الحاضرة، فأُحِسُّ أن اليومَ قد تُوفي الحافظ ابنُ حجر، والحافظ ابنُ دقيق العيد، وسلطانُ العلماء، وحُرمنا من استفادة علومِهم وبَرَكاتهم اليوم. ■ ثم فوق ذلك ما جَمَع اللهُ فيه من الوَرَعِ، والزُّهْد، والتواضُعِ وحُسْنٍ الخُلُق، شمائلَ كريمةٍ قَلَّمَا تَجتَمع في عالٍ، وإن اتصف بها أحدٌ واجتَمَعَتْ فيه هذه المَلَكات والشمائلُ الحَسَنة، فمن أين لنا وَجهٌ كوجه الشيخ الأنور؟ حيث تَنْبَعِثُ أشِعَّتُهُ، ويَتَهَلَّلَ جَبِينُهُ، وَتَقَرُّ العيونُ بمرآه، وتَنْشَرِحُ الصدورُ بزَوْرَة مُحَيَّاه، وكثيرًا ما رأينا في الأسفار أن الناظرين في الحَفَلات والمواعِظ والمُناظَرَات كما كانوا يتحيَّرُون من تَلاطُم علومِهِ وسَعة مَعلُوماتِهِ، كذلك يَنْدَهِشُون من حُسنه البارِعِ، وَجَمَاله الْمُعجِب، بل الكَفَرَةُ والْمُشْرِكونَ كانوا يَتَأْثَّرون من نَظرةٍ إلى مُحَيَّاه، ولقد صدق القائل: أن يجمع العالم في واحدٍ لیس على الله بمستنگر في آخر العُمُر الانهماكُ والاستغراقُ في بيان الحقائق والمعارِف، حتى قد يَصدَعُ بحقائقَ عاليةٍ ومعارفَ مَضنُونٍةٍ تُحيُِّ البصائر وألبابَ الفحول. ■ ثم فوق جميع ذلك مصابرتُه على الشدائدِ، ومُكابَدَتُه في المصائب، وقد جَرَّبنا ذلك في فتنة اختلافات ((دار العلوم الديوبندية))، فتَحَیَّرنا لضبط نفسِه وشدَّة صَبْرِه واستقامتِه واستقلالِهِ، فاعتَقَدْنا كمالاتِه بعد المُسابَرةِ والتَّجارِب أزيدَ مما كنا نَعتَقِدُها من قبل. وقد صدق القائل: وبصَيْرِه وبحَمْده وبشُكْرِهِ الصدرُ من يَلقَى الخطوبَ بصَدْرهِ انتَهَتْ كلمةُ الشيخ العلامة الخَبْر العثماني دامت بَرَكاتُه مُلخَّصةً، وقد تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com