النص المفهرس

صفحات 41-60

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤١
علو الهمة في طلب العلم
أو نحوها، دفعًا لما لعلّه يُتوهّمُ، وقد كان رام المالكيُّ الحُكمَ بكفره وإراقةِ
دمه بهذه المقالة، حتى ترامى المترجَمُ له على القاضي الزيني بن مزهر،
فعذره وحکم بإسلامه.
وقد امتحن اللهُ أهلَ تلك الديار بقُضاةٍ من المالكية يتجرَّؤون على
سفك الدماء بما لا يَحِلّ به أدنى تعزير، فأراقوا دماءَ جماعةٍ من أهل العلم
جهالةً وضلالةً وجُرأةً على الله، ومخالفةً لشريعة رسول الله وَلِهِ، وتلاعبًا
بدينه، بمجردِ نصوصٍ فقهية واستنباطاتٍ فروعية ليس عليها أثارةٌ من
علم، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ولم يزل المترجَمُ له رَمّتْهُ يُكابدُ الشدائد، ويناهدُ العظائم قبل رحلته
من مصر، وبعد رحلته إلى دمشق حتى توفّاه الله بعد أن تفتَّت كبده - كما
قيل - في ليلة السبت ثامن عشر رجب سنة (٨٨٥)، ودُفن خارج دمشق
من جهة قبر عاتكة.
وقد كان برهانُ الدين كثيرَ النظم، جيِّد النثر في تراجمه ومراسلاته
ومصنفاته، وهو ممن رئی نفسه في حياته فقال:
ومَن ذا الذي يبقى على الحدثانِ
و
نعم إنني عما قريبٍ لمَيِّتٌ
كأنك بي أُنعى عليك وعندها
ترى خبرًا صُمَّتْ له الأَذْنانِ
فينطقُ في مدحي بأيِّ معانٍ
فلا حسدٌ يبقى لدیك ولا قِلِی
عَلَت عن مدانٍ في أعزٌّ مكانٍ
وتنظرُ أوصافي فتعلمُ أنها
فمدمعهم لي دائمُ الهمَلانِ
ويُمسي رجالٌ قد تهدَّم رُكنُهم
ويطمعُ فيه ذو شقَی وهوانِ
فكم من عزیز بي يَذِلَّ جماحُه
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤٢
صلاح الأمة في علو الهمة
:
فبا رُبَّ مَن يفجأ بهول يؤودُه
ولو كنت موجودًا لديه دعاني
له القلب أمسى دائمَ الخفقانِ
ويا رُبَّ شخصٍ قد دهته مصيبةٌ
ولو كنتُ جلَّتها يدي ولساني
فيطلبُ من يجلو صداها فلا يرى
لنُصرةٍ مظلوم ضعیفِ جَنانِ
وكم ظالمٍ نالته مني غضاضةٌ
أُعيدت بضربٍ من يدِي وطِعانِ
وكم خِطةٍ سامت ذويها مَعرَّةً
بتشتيت شملي فالوفاءُ رثاني
فإن يرثِنِي مَن كنتُ أجمعُ شملَه
ومن محاسنه -التي جعلها السخاوي من جملة عيوبه -: ما نقله عنه أنه
قال في وصفِ نفسه: ((إنه لا يخرجُ عن الكتاب والسُّنة، بل هو متطبِّعٌ
بطباع الصحابة)) انتهى.
وهذه منقبةٌ شريفة، ومرتبةٌ مَنيفة))(١).
٦- الإمام جمال الدين القاسمي (٢) زعيم الإصلاح في الشام، وصاحب
تفسير ((محاسن التأويل)) (١٢٨٣هـ- ١٣٣٢هـ) (١٨٦٦-١٩١٤م):
) قال عنه الشيخ محمد رشيد رضا: «هو علامة الشام، ونادرة الأيام،
والمجدِّد لعلوم الإسلام، محبي السُّنَّة بالعلم والعمل والتعليم، والتهذيب
والتأليف، وأحدُ حلقات الاتصال بيْن هَدْي السلف، والارتقاء المدني
الذي يقتضيه الزمن)»(٣).
(١) ترجمة البقاعي من ((البدر الطالع)) للشوكاني (٥٠ : ٥٢ . ط: دار ابن كثير).
(٢) معظم الترجمة مأخوذة من كتاب ((جمال الدين القاسمي)) للدكتور نزار أباظة -
دار القلم، ومقدمة التفسير.
(٣) ((مجلة المنار)) المجلد السابع عشر (ص٥٥٨).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤٣
علو الهمة في طلب العلم
■ وقال: ((إن الرجل كان من خيار مُصلحي المسلمين في هذا العصر)) (١).
■ وقال عنه أمير البيان شكيب أرسلان: ((وإني لأوصي جميعَ الناشئة
الإسلامية التي تُريد أن تفهم الشرع فهمًا ترتاح إليه ضمائرها، وتنعقد عليه
خناصرها، أن لا تقدم شيئًا على قراءة تصانيف الشيخ القاسمي))(٢).
■ هو شيخ الشام أبو الفرج محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم
ابن صالح ... ابن الشيخ عبد القادر الجيلاني البغدادي الحسني، وجدته
لأبيه من نسل الحسين بن علي الإنشها فهو من أروحه النبوة .. نشأ في بيت
علم ودين وفضل، وُلِد في يوم الإثنين، (الثامن من شهر جمادى الأولى
سنة ١٢٨٣ - ١٧ سبتمبر سنة ١٨٦٦م) في زقاق المكتبي بمَحَلَّة القنوات
بدمشق. ولما بلغ سنَّ التمييز أرسله والده إلى كُتَّاب الشيخ عبد الرحمن بن
علي بن شهاب المصري نزيل دمشق، فعلِّمه الترتيل والتلاوة، وبعدما أوفى
على ختم الكتاب العزيز، صحبه إلى الخطّاط الشيخ محمود بن محمد بن
مصطفى الخطّاط التركي ليجوِّد الخطَّ عليه، فبقى عنده ثلاث سنين.
وانتقل به والده إلى الشيخ رشيد قزيها المعروف بابن سنان، فقرأ عليه
مقدمات في علوم شتى قراءة جد واجتهاد من توحيد وصرف ونحو
ومنطق وبیان وعروض وسوى ذلك.
وقصد بعد ذلك إلى الشيخ أحمد الحلواني الكبير شيخ قرَّاء الشام،
فجوَّد عليه القرآن المجيد، قرأ عليه ختمة، ثم قرأ كذلك عليه أكثر من
نصف ختمة أخرى على رواية حفص عن عاصم، وحضر دروسه في
:
(١) ((مجلة المنار)) (١٧ /٦٣١).
(٢) في مقدمتة كتاب ((قواعد التحديث)) للقاسمي.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤٤
صلاح الأمة في علو الهمة
((الميدانية)) وشرح ((الجزرية)) مرتين، وللشيخ خالد الأزهري مرة، وقرأ
عليه معظم شرحه على منظومته في التجويد المُسَمّاة ((اللطائف البهية))، وقد
لازم قراءته علیه صباح كل ثلاثاء و جمعة مدةً تزید عن ثماني سنين.
وقرأ على الشيخ سليم العطَّار أحد أجلَّة العلماء الدمشقيين ((شرح
شذور الذهب)) لابن هشام، و((شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك))،
و(شرح قطر الندى)) للفاكهي، و((مختصر السعد))، و((جمع الجوامع))
و((تفسير القاضي البيضاوي))، وكتاب ((الشنشوري))، وحضره في حصة
وافرة من ((صحيح الإمام البخاري)) رواية، وسمع من مجالس من
((صحيح البخاري)) درايةً سنين عديدة، وسمع من بعض. «موطأ الإمام
مالك))، وكتاب ((الشفا)) للقاضي عياض، ومعظم كتاب ((مصابيح السنة))،
وكتاب ((الجامع الصغير)) وغيرها من الكتاب الأمَّهات. ولما بلغ القاسمي
و
الثامنة عشرة، كتب له شيخه العطار إجازةً عامةً بجميع مروياته سنة
١٣٠١ هـ
ويتذوَّق القاسمي حلاوة العلم، ويجري في دمائه حبه، فيملأ نهاره
كله بالقراءة والدرس والتلقي عن الشيوخ، يطرف على حلقاتهم ..
ويبحث عن أكابرهم مستعينًا بتشجيع أبيه الذي لا ينقطع عن الدعاء له
بقوله: ((الله يرضى عليك كما رضى على الصديق))، وكان والده يهديه
الکتب وینشِّطه بأبيات شعر یوجهها إلیه أو نثًا برسائله.
■ وقاده بحثُه سريعًا إلى حلقة الشيخ بكري العطار، فقرأ عليه ((شرح
الشافية)) و((شرح لامية الأفعال))، وسمع منه حصَّةً وافرة من ((صحيح
البخاري))، ومعظم ((صحيح مسلم))، و((سنن أبي داود))، و((سنن ابن
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
.

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤٥
علو الهمة في طلب العلم
ماجه))، و((الشمائل)) للترمذي، وغيرها من الكتب، وقد حَظِيَ من شيخه
بكري العطار بإجازةٍ مكتوبة سنة ١٣٠٢هـ، وأخذ علوم التصوف من
الشيخ محمد بن محمد الخاني شيخ المتصوفة النقشبندية، سمع منه أبوابًا
كثيرةً من ((صحيح البخاري))، ومن شرحه للقسطلاني، ومن ((الموطأ))،
وشرحه للزّرقاني، ومن (سنن أبي داود» مع حاشيته للسندي، ومن ((سنن
الترمذي)). ثم ترك حلقته مع ثنائه عليه وقوله عنه بأنه ((من أفضل
أشياخي الذين انتفعت بمجالسهم، وتأدبتُ بآدابهم واغتبطت بصحبتهم)).
ءُ
■ وقد حفل سجل القاسمي بإجازات كبار الشيوخ الدمشقيين
كإجازة مفتي الشام وعلامته محمود حمزة له إجازةً عامة، وأجازه أيضًا
مفتي الشام طاهر بن عمر الآمدي، وأجازه نعمان خير الدين الألوسي من
بغداد، والشيخ محمد بن خليل القاوقجي من طرابلس، وأجاز له من
فاس الشيخ أبو المواهب جعفر الكتاني.
■ ولقد أصيب القاسمي وهو في الخامسة عشرة من عمره بمرض
ألزمه الفراش ثلاثة أشهر، فصار يتسلَّى بمطالعة الكتب، وجمع وهو على
تلك الحالة من فوائده وملاحظاته، مصنّفًا كبيرًا غريبًا مملوءً باللطائف
والنوادر والأبيات الرائقة سِمَّاه ((السَّفينة)). ومن هنا فقد كانت نفس
الرجل ومنذ سن مبكِّرة منفتحةً على آفاق رحبة، مما أكسبه شخصيةً
متميِّزة في عصر اتَّسم الكثيرون فيه بالجمود، فلذلك كاد في ذاك العصر أن
يكون متفرِّدًا في تكوينه واستعدادته الفكرية.
■ وكان الشيخ عبد الرزَّاق البيطار هو الحبيب إلى قلب القاسمي،
وكان يرى القاسميّ بمنزلة ولده، وكان يخاطبه في رسائله بـ((ولدي
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤٦
صلاح الأمة في علو الهمة
المعظم))، فلقد كان الشيخ عبد الرزاق يكبر القاسمي بنحو ثلاثين عامًا أو
أكثر، وكان البيطار يكتب إليه، ويقول له في بُعده عنه أثناء سفر القاسمي:
وبعيدًا بشخصه عن عياني
يا مُقيمًا مدى الزمان بقلبي
فهي أدنى إليَّ من كل داني
أنت روحي إنْ كنتُ لست أراها
■ وقد كان يكيل له المدائح في رسائله كيلا لا مزيد عليه؛ وخصوصًا
في المقدمات، كما كان القاسمي يخاطبه بـ((سيدي ومولاي))، ويُبادله
أشواقه بمثلها.
وللشيخ البيطار أثرٌ عظيم في توجُّه القاسمي إلى المنهج السلفي وتركه
للصوفية.
■ يقول الشيخ محمد رشيد رضا يُلخّص الصداقةَ والصلة بين البيطار
والقاسمي، وأنس كل منهما بصاحبه، ولا يُذكر أحدهما إلّا ويُذكر معه
الآخر .. يقول: ((وكان يحضر مجالسَ الأستاذ الكبير الشيخ عبد الرزاق
البيطار مجدِّد السلفيَّة بالشام، وقد استفاد من علمه وعقيدته الأثرية وهديه
وأخلاقه المرضيَّة ما لم يستفده من غيره)(١).
■ ومع أخذ القاسميِّ الحظّ الوافر من المعرفة الشائعة في عصره لم
يخلص للتلقّي وحده، وإنما جمع إليه كذلك الإقراء المبكّر، وهذا أمرٌ
عجب؛ فقد طُلِب للتدريس وهو في نحو الرابعة عشرة، فقام به بالإضافة
إلى تولِّيه وظيفةَ الإعادة في درس والدهِ، فبدأ بإقراء مقدمات العلوم،
فكان له درسٌ بعد صلاة المغرب في جامع السنانية، وعقد حلقة في شرح
ابن القاسم على متن ((الغاية والتقريب)) في فقه الشافعية أقرأه مرارًا، ولم
(١) ((مجلة المنار)) (ج٥٥٨/٧).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
١٠

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤٧
علو الهمة في طلب العلم
يزل على تلك الحال حتى العشرين، فأسندت إليه وظيفة الإمامة في جامع
العناية بحي باب السريجة، فاستمرَّ بها حتى عام (١٣١٧ هـ - ١٨٩٩م)
حتى تُوفّى أبوه، فأمَّ الناس مكانه بمحراب جامع السنانية.
وتزوج سنة ١٣٠٧هـ. وبحلول عام ١٣٠٩ هـ لما كان له ست
وعشرون سنة عُرِف في دمشق عالمًا يقرُّ له العلماء ويختاره أعضاء مجلس
إدارة الولاية مع نفر من العلماء؛ ليتولّوا وظائف تدريس وإرشاد ووعظ
في الأقضية السورية خلال شهر رمضان، وكان القاسمي يرى في هذا
التكليف طريقًا مهمًّا للدعوة ولنشر العلم الذي أخذ على نفسه حمله
وتبليغه للناس كافةً، دون نظرٍ إلى ما يحصل له من نفع بسببه وهما ألفًا
قرش، مكافأةً مجزئة تعادل عشرين ليرة ذهبية.
■ ولما تُوفّى والده سنة ١٣١٧ هـ، أخذ مكانه في الدرس بعد إلحاح
شديد عليه ابتداءً من ليلة الأحد في ٣ ذي القعدة ١٣١٧ هـ، واختار كتاب
((رياض الصالحين))، وظل يملأ ربوع الشام علمًا وتعليمًا ودعوةً إلى
السلفية، حتى وافته المنيّة في مساء السبت في الثالث والعشرين من جمادى
الأولى سنة ١٣٣٢ هـ - الثامن عشر من أبريل ١٩١٤ م ..
مَن مثلُه في القوم يذكرُ عِلمَه
والعلمُ لا نلقاه غيرَ عمائمٍ!
كَهْلٌ وقد خضع الشيوخُ لفضله
في مَشرَب يصفو وخُلقٍ هاشمي
والطوسُ يَرثيه بحزنٍ دائِمٍ
مَن بعده للطوس في تحريره
والدرسُ يَيكيه بدمعِ ساجمٍ
مَن بعده للدرس في تقريره
والعقلُ رائدُه فيا للواهمِ
دعواه: قال اللهُ قال رسولُه
وبجمعه يحلو لكلِّ مُنادم
مِن كل تأليفٍ يفوقُ بوصفه
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤٨
صلاح الأمة في علو الهمة
حتى علا في كل قُطْرِ شأنه
ودرى المفكر صاحبًا من نائِمِ
دعوته للسلفية :
■ لم يكن قبل القاسمي وعبد الرزَّاق البيطار أيُّ أثر للدعوة السلفية
التي انقطعت بعد ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية، فجاء بالسلفية لبلاد
الشام، فدُهِش لها الأهالي -فضلاً عن الحكومة-، التي أخذت تتعقبهما
خوفًا من أن يستقطبا الناسَ إلى السلفية كما صنع الشيخ محمد بن عبد
الوهاب في الجزيرة العربية-، ولكن كما يقول القائل:
إن الليلَ زائلْ
يا دامي العينين والكَفَّيْن
ولا زُرُدُ السلاسلْ
لا غرفةُ التعذيب باقيةٌ
ستملأ الوادي سنابلْ
وحبوبُ سُنبلةٍ تجفُّ
وكان تحوُّلُ الشيخ إلى السلفية في عام ١٣١٠، متأثرًا بالشيخ عبد
الرزّاق البيطار في أوائل العقد الثالث من عمره .. حتى وافى عام ١٣١٣ هـ
وحوكم القاسمي -مع ثُلَّةٍ من رفاقه- بتهمة السلفية، وغدا القاسمي
صاحب دعوى لها أبعادها، وأولُ ما جَهر به القاسميُّ من أفكاره في الشام
هو الأخذُ بالاجتهاد، وحاول فتحَ الباب الذي أُغلِق منذ زمان طويل
ووُضِعت عليه الأثقال .. قال رَحِمَّتْهُ:
مذهبيٌ يُدعَى الجمالي
زعم الناسُ بأني
ـتى الورى أعزو مقالي
وإليه حينما أُفــ
سلفيُّ الانتحالِ
لا وعَمْرِ الحقُّ إني
الله ربي المتعالي
مذهبي ما في كتاب
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤٩
علو الهمة في طلب العلم
ـبار لا قِيلٍ وقالٍ
ثم ما صحَّ من الأخـ
ضى بآراءِ الرجال
أقتفي الحقَّ ولا أر
وعَمَّى في كلِّ حال
وأَرَى التقليدَ جهلًا
■ وقال:
أقول كما قال الأئمةُ قبلنا
أألبَسُ ثوبَ القِيل والقال باليًا
صحیحُ حديث المصطفى هو مذهبي
ولا أتحلَّى بالرداءِ المُذَهَّبِ
] وقال ريحملتهُ:
أَوْلَى الذين تقدَّموا الإنْكَارَا
زعموا بأن من اقتفى الآثارًا
متعصِّب يتأوَّلُ الأخبارا
كلَّا فأجْرُ الاجتهاد لهم سوى
■ قال معالي العلّامة الكبير ((محمد بك كرد علي)): «تَلِدُ الولَّاداتُ كلَّ
ءُ
يوم أولادًا، وتَطوي الأرض أناسًا لا يُحصى عددَهم غيرُ خالقهم، ولكن
مُن يؤثرون الأثر فيذكرون في حياتهم وبعد مماتهم أقلّ من القليل، وأقل
ءِ
منهم في أهل هذا الشرق التعِس، وفي أهل الإسلام خاصة، وذلك لأن
العالم الإسلامي بعد أن هبّت أعاصيرُ الاختلافات في القرون الوسطى،
وحاربت حكوماتُ تلك الأيام رجالاتِ المعقولات، وأحرارَ الأفكار،
ضعف مستوى العقل لأنها لم يطلق لها العنان، وتقاصرت الهمم لأنها لم
تجد منشطًا، فقلّ جدًّا النابغون النابهون، وما ننسى لا ننسى ما وقع الشيخ
الإسلام بل عالم السنة وإمام الأئمة ومحمود شباب الحنيفية السمحاء:
((تقي الدين ابن تيمية)) فقد عُذِّب في القرن الثامن سنين كثيرةً في سجون
القاهرة والإسكندرية ودمشق، وناله من أذى أدعياء العلم في عصره،
حسدًا منهم لمكانته ما يُبكِّي تذكُّرُهُ الْمُقَلَ، ويهوِّنُ بعده كلّ اعتداء على
:
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٠
صلاح الأمة في علو الهمة
العلماء ينالهم من أهل الحشو والجمود. ومن قرأ تاريخ رجالنا في القرون
الثلاثة التالية -أي في القرون الثامن والتاسع والعاشر - أو القرون الثلاثة
التي سبقتها -أي الخامس والسادس والسابع- يعرفُ أن كثيرين قضوا
شهداءَ أفكارهم، وعُذِّبوا وأوذوا في سبيلها لأنهم رأوا غير ما رآه العلماء
الرسميون ومَن مالأهم من أرباب الزعامات في أيامهم.
ومنذ اضطر مثل حجة الإسلام (أبي حامد الغزالي) في القرن الخامس
أن يهجر العراق تخلصًا من حاسديه الذين لا يعدمون عندما تصبح
إرادتهم حجةً للاستعانة بالسلطة الزمنية للنيل ممن أربى عليهم، وإيقاف
تيار أفكاره، إلى عصر ابن تيمية الذي ناله ما ناله في مصر والشام حتى
قَضَى في سجن دمشق شهيدَ الإصلاح، إلى أن جاء القرن العاشر والذي
يليه من القرون، وقد أصبحت العلومُ رسميةً والمدارسُ صورية،
والأوقافُ المحبوسة على العلماء مأكولةً مهضومة؛ منذ جرى كل هذا
والأمةُ لا تكاد تفرحُ لها بعالم حقيقي يكسرُ قيودَ التقليد، ويقول بالأخذ
من كل علم، فنَدُر النبوغ؛ لأنه ندُر أن يلقى العالمُ ما يُنشِّطُ عزيمته،
وكان قُصارى من تسمو به الهمةُ إلى أخذ نفسه بمذاهب التعلم والتعليم
أن يقتبسَ من كتب الفروع ما لا يخرج به عن مألوف معاصريه، ومن
حكَّم عقله في بعض المسائل كان اتهامُه بأمانته من أيسر الأشياء، وطردُه
من حظيرة الحظوة لدى العامة -ومن سموا أنفسهم بالخاصة - من الأمور
المتعارفة، أما التضليل والتكفير والتبديع والتفسيق، فهذا لا يخلو منه عالم
يريد أن يخرج بالناس من الظلمات إلى النور، ولكنَّ إرادة المولى سبحانه
قضت بأن لا تُحرمُ هذه الأمة من أعلام يَصْدَعون بالحق فيجدِّدون لها أمر
دينها، ويستطيبون الأذى في إثارة العقول والرجوع بالشرع إلى الحد الذي
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥١
علو الهمة في طلب العلم
رسمه الشارعُ وأصحابه والتابعون والأئمة الهادون المهديون، ومن هؤلاء
المجددين: نابغةُ دمشق، فقيدُنا العزيز السيد ((جمال الدين القاسمي)) الذي
يعرفه قراء هذه المجلة بما نشره في سِنِيْها الماضية من آثار علمه وأدبه، فقد
قضى حياةً طيبةً ولم يَعُقْه عن الاشتغال ما لقيه من تثبيطٍ المثبطين في أول
أمره، وتنغيص الحاسدين في أواسط عمره - ممن لا يخلو منهم مصر ولا
عصر -، خصوصًا في بلاد يُستمد منها كل شيءٍ من ولاة أمرها.
نشأ السيد ((القاسمي)) في بيت فضل وفضيلة، وكان والده وجده من
المعروفين بالأدب ومكارم الأخلاق. وهذا من النوادر في عصر لا يكبر
رجاله في العيون إلَّا على مقدار عدِّهم في صفوف أهل الرسم، وفي دور
قلَّ أن ينجُبَ فيه ولدٌ لنجيب صُمَّ أو تصامم منذ أوائل سن التحصيل عن
كل ما يقف عثرةً في سبيل الطالب، فكان منذ وعى على نفسه يعملُ على
تهذيبها، ولا يكادُ يمضي عليه يومٌ لم يستفد منه فائدةً ولم يقيد شاردة،
فظهرت عليه مخايلُ النبوغ ولَّا يبلغ العشرين، فما بالك به وقد نيَّف على
الأربعين وقارب أن يتم العقد الخمسين؟!
جمَّاعُ الأسباب التي نجح بها فقيدنا: طهارة نفسه من المطامع
الأشعبية، وشغفُه بالعلم للذته ونفعه في إنارة القلوب، واعتقادُ أنه منج في
الدنيا والآخرة، فهو لم يجعل الدين سلمًا إلى الدنيا، وجسرًا مؤلفًا يجتاز
عليه لحيازة مظهر خلاب، والتصدرِ في المجالس بمفاخر الهندام، وبرَّاق
الثياب، بل فَّغْ قلبَه ووقته للعمل النافع، فبورك له بساعاتٍ عمره
القصير، ويا للأسف !.
ولو عدَّدنا ما كتبه من مصنفات، وقِسْناه بالنسبة لهذا العصر الذي
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٢
صلاح الأمة في علو الهمة
أضحت فيه بضاعةُ العلم مزجاةً بائرة، لما قلّ عن اللحاق بالمكثرين من
التأليف في المتأخرين أمثال ((السيوطي))، و((ابن السبكي))، وأضرابهما مع
ملاحظة ما بين العصور والبيئات من الفوارق.
تذرَّع الفقيدُ بعامة ذرائع النفع لهذه الأمة، فكان إمامًا في تأليفه
الوفيرة، إمامًا في دروسه الكثيرة، إمامًا في محرابه ومنبره ومصلاه، رأسًا في
مضاء العزيمة، ورأسًا في العفة، وهذه الصفة هي السُّ الأعظم الذي دار
عليه محورُ نبوغه؛ لأنه لو صانَع طمعًا في حطام الدنيا لما خرج من صفوف
أهل محيطه، ولكان عالماً وسطًا يشتغل بالتفاهات ويعيش في تقيةٍ ويموت
کذلك.
كان -أجزل الله ثوابه- إذا لقيه الماحك في أحد المجامع عرضًا، أو
غشيه في درسه وبيته ناقدًا أو ناقمًا علَّمه من حيث لا يشعر، وهداه إلى
المحبة بلين القول، فإذا أيقن أنه من المكابرين المموهين أعرض عنه وقال:
((سلامًا))، ولذلك لم يلق ما لقيه أشداءُ العلماء والفلاسفة في العصور
الماضية من الإرهاق والإعنات أمثال ((ابن حزم الأندلسي))؛ لأنه كان
يتلطف في المناظرة وإقناع المخالف، فإذا رأى المناقش بمعزل عن الفهم
سكت عنه، نعم كان مثال التلطف في بثِّ الفکر فلم یصَّ به -كما قيل-
معارضَه صكَّ الجندل ويُنشقه متلقِّنَه انتشاق الخردل.
قام الأستاذ في دَورٍ زهد الناس فيه في العلوم الدينية إلَّا قليلًا، فأعاد
إليها في هذه الديار بنور عقله شيئًا من بهائها السابق، ولقد كان يجتمع به
الموافقُ والمخالف فما كانا يصدرانِ عنه إلَّا معجَبين بعقله مقرِّين بفضله
معترفين بقصورٍ كثيرٍ -حتى من المشاهير - عن إدراك شأوه، يخلف
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٣
علو الهمة في طلب العلم
الألباب ويستميل العقول، فكأنه خُلق من معدنِ اللطف ورقةِ الشمائل، لم
تجد الغلظةُ سبيلًا إلى قلبه، ولا الفظاظةُ أثرًا في كلامه وقلمه، ولا عجب
إذا كثر في آخِر أمره أنصاره وعشقته النفوسُ فأكبرت الخطبَ فيه.
■جاء في الأثر: ((لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلَّا من كان فقيهًا
فيما يأمر به، فقيهًا فيما ينهى عنه، رفيقًا فيما يأمر به، رفيقًا فيما ينهى عنه،
حلیًا فیما یأمر به، حليمًا فیما ینهى عنه)).
■ دخل ((عبد اللطيف البغدادي)) فيلسوف الإسلام على ((القاضي
الفاضل)) فقال: ((رأيت شيخًا ضئيلاً، كله رأسٌ وقلب، وهو يكتب ويُملي
على اثنين، ووجهه وشفتاه تلعب ألوانَ الحركات لقوة حرصه في إخراج
الكلام، و کأنه یکتب بجملة أعضائه)).
وهذا التعريف يصدق من أكثر وجوهه على الشيخ القاسمي فإنه كان
نحيل الجسم، كبير الروح، ولو تهيأ لجمال الدين مثلُ صلاح الدين لسرت
أفكاره أكثر مما سرت، وراقت أسفارُه أكثر مما وُفق إليه، ولكن إذا عظم
المطلوب قلّ المساعد، وقديمًا زكا غرْسُ العلم في الشرق في ظل الملوك
والأمراء، واليوم يزكو في الغرب في حمى الجامعات والمجامع والجمعيات،
والعلمُ مذ كان محتاج إلى العلماء.
برز الفقيد الراحل -وأي تبريز- في علوم الشرع وما إليها، ولم يفته
النظر في علوم المدنية، فألمَّ بأكثرها إلمامًا كافيًا لتكون له عونًا على فهم
أسرار الشريعة، أما وقد جمع الفضيلتين، فلا تجد لكلامه مسحةً من
الجمود المعهود لكثيرين ممن يقتصرون على العلم والعِلمين، ويعُدُّون ما
عداهما لغوًا.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٤
صلاح الأمة في علو الهمة
فهو عالمٌ ديني كامل، ولكنه كان يقرأ العلوم المدنية ويطالع صحفها
ومجلاتها وكتبَها الحديثة، كما يطالعها المنقطعون إلى هذه العلوم وزيادة،
ولا ينكر شيئًا يقال له علم أو فن، ولذلك لم يَمُجَّه العصريون ولا غيرهم.
■ ربما قال مَن لم يعرف أن هذا كلامُ صدیقِ فُجع بصديق تسلسلت
الصداقة بين بيتيهما منذ نحو ثمانين عامًا وعين الحب رمداء، أما أنا فلا
أصِيل معترضًا إلَّا على الرجوع إلى كتب الشيخ، وقراءة بعض ما طبع
منها، وتحكيم العقل والإنصاف، وأنا الضامن بأن لا يلبث أن يساهمني
قولي، ویوقن بأن المرحوم جوّد تآلیفه التي تنمُّ عن عقله وعلمه أكثر مما
جودها كثير من متأخري المؤلفين من بعد عصر السيوطي ممن شُهد لهم
بالإجادة، ولو سمحت له الحالُ أكثر مما سمحت، ومُتِّع بحرية القول
والعمل أكثر مما مُتِّع، لجاء منه أضعاف ما جاء، ولكنَّ ضيق العيش وضيق
المضطرب لا يُرجى منها أكثرُ مما تمَّ على يد فقيدنا العظيم من الأعمال
والآثار وقد أُغلقت دونه أبواب الدواعي والبواعث تَمّهُ، وبارك لنا
فیمن خلّف من مریدیه ومعاصریه، ومن ساروا بسيرته حتى لا نقع تحت
مضمون الحديث: ((إن الله لا يقبضُ العلمَ انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن
يقبض العلمَ بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبقِ عالما اتخذ الناس رؤساءَ جَهَّالًا
فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا)).
■ ولقد كتبنا في تأبين الشيخ غداةً وفاته في جريدة ((الإصلاح)) ما
نصه: ((لا تحضُر ني عبارة تُشعِرُ بمبلغ الحزن الذي نال دمشق بفقد مَن كان
عالمها الكبير وأستاذَها العالم النحرير، فقد كان أحدَ أفراد هذا العصر
المعدودين في التحقيق بأسرار الشريعة)).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٥
علو الهمة في طلب العلم
■ وهو - ولا مِراء- عالم الكتاب والسنة بلا مدافع، خُلق ليعمل على
بث الدين المبين خاليًا من حشو المتأخرين الجامدين وتضليل المخرفين
والمعطلين، لم يكد فقيدُنا العزيز يطرُقُ هذه الموضوعات ويُهيبُ بالناس إلى
الأخذ بمذاهب السلف، ويتلطف في إبلاغها العقولَ المظلمة في دروسه
وتآليفه، حتى أخذ بعضُ أهل الجمود يغتابونه ويُذِّرُون عوامَّهم بدون
برهانٍ من الأخذ عنه، ولكنَّ ظُلمةَ تقليدهم ما لبثت أن انقشعت بنور
اجتهاده، وتراجع أمرُ خصومه بعد قليل، وقد بَهَر الناسَ فضلُه وعلمه،
وأنشؤوا بعد أن كادوا يزيفون أقواله في مجامعهم الخاصة والعامة، يتَّبعون
أقواله المدعومة بالسنة الصحيحة ومذاهب الأئمة، وأكبرُ دليل على ذلك
ما شهدناه يوم مشهدِه الأخير من إجماع من كانوا خصومه أمسٍ على
إعظام الخَطْب فيه، والإقرار له بفضائل كانوا في حياته يغمطونه إياها،
ولكنَّ المعاصرة حرمان.
■ رأيت رجالًا كثيرين من أهل الإسلام وغيرهم وفي مصر والشام
خاصةً، فلم أر همةً تفوقُ همةَ صديقي الراحل، ولا نفَسًا طويلًا على
العمل ودؤوبًا عليه أكثرَ منه، ولا غرامًا بالإفادة والاستفادة، ولا حبًّا
بالعلم للعلم، فقد قضى عن تسع وأربعين عامًا، وخلّف ما خلَّف من
عشرات من مصنفاته الدينية العصرية النافعة؛ منها تفسيره الذي لم يُطبع،
ومنها مقالاته الممتعة وأبحاثه المستوفاة، وأثّر في عقول كثير من الطلبة
الذين تخرجوا به، وأخذوا أحكام الحلال والحرام عنه، دع دروسَ وعظه
للعامة وحلقات خاصته، ومع كل هذا كان حتى الرمق الأخير أشبه
بطالبٍ يريد أن يجوزَ الامتحان لنيل شهادة العالمية، وكلما كان يُوغل في
طلب المزيد من العلم والتحقيق، تراه آسفًا على عدم إشباع أبحاثه حقّها
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٦
صلاح الأمة في علو الهمة
أحيانًا من النظر البليغ.
■ رُزق الصدِيقُ العلامة صفاتٍ إذا جُمع بعضها لغيره عُد قريعَ دهره
ووحيدَ عصره، فقد كان طَلْقَ اللسان، وطلْقَ الُحيًّا، وافر العقل، سريع
الخاطر، سريعَ الكتابة، جميل العهد، جميل الود، وكان جمال الدين والدنيا،
ما اجتمع به أحدٌ إلّا ومنی لو طال بحديثه استمتاعُه ليزيد في الأخذ عنه،
والتشبع بفضائله والاغتراف من بحر علمه.
■ وبينما كنت ترى الأستاذ على قَدَم السلف الصالح، عالمًا كبيرًا بين
الفقهاء والأصوليين والمحدِّثين والمفسرين، إذا هو من الأفراد المختصين
بالأدب وما يتعلق به، وبينا تراه يؤلف ويطبع، إذا بك تراه يواظب على
تدريس طلبته ووعظ المستمعين في درسه وخطبه، ومع كل هذه الأعمال
التي قد يكون فيها انقباضٌ في صدر العامل، تراه يَهِشْ ويَبِشْ كل ساعة،
ويَفسح من وقته شطرًا لَيَغْشَ مجلسَه أو فياؤه وأخلاؤه وطلابُ الفوائد
منه، فهو علامةٌ بين العلماء، منوَّر ممدن بين المنورين بنور المدنية الصحيحة.
ذهب مثال الرجل الصالح، عفيفُ الطُّعمة، لم يَسِفَّ إلى ما يَسِفُّ
إليه بعض من يتذوقون قليلًا من المعارف، وما أنكر إلَّا المنكر، ولا أمر إلَّا
بالمعروف، ومِن ضيق ذاتٍ يده كان يتصدقُ في السر، ولا يخلو ساعةً من
عبادةٍ وذكر، وما فَقْدُه جلٌ على دمشق، بل على الشام، بل على أهل
الإسلام، وشهرتُه التي نالها في العالم الإسلامي في هذه السن من الكهولة
هي مما استحقه أو أقلّ مما يستحقه؛ لأنه حقيقةً العالم العامل الذي يحبب
الدین حتی لمن لم یتدین حیاته.
فاللهم عوِّض المسلمين عن هذه الدرة اليتيمة التي أُصيبوا بها،
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
علو الهمة في طلب العلم
٥٧
وارحمه عدادَ حسناته، وارزُقْنا الصبر عليه، وجميع أسرته ومريديه وأحبابه
الذين فُجعوا به)).
مؤلفات القاسمي:
■ كان جمال الدين يدعو أهل العلم وأصحاب الفكر النِّر إلى التأليف،
ويحثهم عليه؛ لأنه يرى أنَّ ((الكتاب خير من ألف داعية وخطيب؛ إذ
يقرؤه الموافقُ والمخالف. فإن المعارض لا بد إذا بَلَغه أنه قد طلع شيءٌ
ضده أن يطالعه ويردَّ عليه، فإذا أنصف رجع إلى الحق)).
وقد أخذ نفسَه بالتأليف منذ كان صغير السن، وأعانه على الكتابة قلمٌ
سيَّال يشبه فكره، ودأَب على التصنيف والتنظيم، وسرعة في الذاكرة
والمراجعة. ولئن كانت أوقاتُه مملوءةٌ بالعمل مطالعةً وتدريسًا وتوجيهًا
وقيامًا بشؤون الأسرة الكبيرة، فإنه قد خصص وقتَ الضحى للتأليف،
وهو الوقت الذي ينشغل فيه غالبُ الناس، يعتزلهم في سُدَّة جامع السنانية
أو ربما في البيت أو في حجرة له كانت بمدرسة عبد الله باشا العظم قرب
سوق الخياطين.
وربما كان ذلك لأن الشيخ لا يتمكنُ في ذلك الوقت من التدريس،
فاستفاد من تلك الفترة الحيوية.
على أنه كان يستثمر كل دقيقة تمرُّ به، حتى إنه ليكتب في كل مكان
يمكن أن يكتب فيه، في القطار كما مر بنا، وفي البيت، وفي العربة، وفي
النزهات. ربما توقف مرات في الطريق ليسجِّل خاطرةً سنحت له في دفتر
صغير أعدَّه لهذا الغرض، يحملُه في جيبه أينما ذهب. بل إنه ليكتبُ وهو
مريض، لا تمنعُه عن التأليف إلَّا حالةٌ قاهرة. ورأينا أنه ألَّف خلال رحلته
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٨
صلاح الأمة في علو الهمة
الأولى إلى مصر كتاب ((شذرة من السيرة المحمدية)) وطبعه هناك. وأنهى
كتابه عن البواسير وعلاجها وهو في نزهة بين أصحابه في ربوة دمشق،
وكتب جزءً من كتابه ((قواعد التحديث)) في بيت المقدس.
كان هذا الاهتمامُ بالتأليف في زمنٍ قَلَّ فيه الكَتَبة والمؤلفون، واكتفى
العلماء بها بين أيديهم مِن كتبٍ لم يعُد كثيرٌ منها يصلح لزمنهم وما جدًّ فيه
من جديد الأفكار والأساليب. ولم يكونوا ليفكروا بالبحث عن أفضل
منها .. وظل الشيوخُ -بما فيهم المشهورون- يقررون كتبًا معينةً وحواشي
محددة، لا يخرجون عنها، ولا يَجيدون عن عباراتها وألفاظها.
ويُعدُّ القاسميُّ من المكثرين في التأليف رغم كثرة شواغله، وكونه
ربَّ أسرةٍ كبيرة تحتاج إلى رعاية وخدمة، وقد أحصى ولده ظافر من كتبه
٨٧ كتابًا، ذكر أن عشرة منها ضاعت، أخذ عناوينها من مجلة المنار، وقال:
((هي موجودة، ولا شك أنها دخلت في جملة مكتبته التي انتقلت من
مکانها ثلاث مرات)).
■ إلّا أن عاصم البيطار قال: ((إن والده الشيخ محمد بهجة أوصلها إلى
١١٠ مصنفات دون أن يعيِّن أسماءها، ولا أن يُثبت الزيادات التي يراها.
والحق الذي يبدو بعد التتبع أن ابنه قد فاته بعض الكتب التي نشرت
أسماؤها في المنار وغيرها من الصحف، كما لم يعدَّ من مؤلفاته تلك
الرسائل التي أوردها أبوه في مفكراته، ولذلك فقد كان البيطار على حق
في قوله، كما سنرى من القائمة التي أحصينا فيها ما كتبه الشيخ.
على أن كتب القاسمي التي جاوزت المئة -وبعضها من أجزاء
كمحاسن التأويل وكثير منها رسائل في قضايا معينة- كنوز تحفل بنوادر
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٩
علو الهمة في طلب العلم
الفوائد وجميل الفرائد، فيها ثمرةُ مطالعاتٍ خصبة غنيةٍ، واطلاع شامل
على المكتبة الإسلامية مطبوعها ومخطوطها على السواء.
ولعل أقدم مؤلفاته مجموعٌ لطيف سماه ((السفينة)) جمع فيه عام ١٢٩٩ هـ
- وكان له من العمر ١٦ سنة - مختارات من مطالعاته في کتب شتی.
وقد أجمع مَن يعرف القاسمي أن أجلّ كتبه تفسيره المسمى ((محاسن
التأويل)) (١٧ مجلدًا)، ومن أنفع مؤلفاته ((قواعد التحديث))، وهو من
المراجع المهمة في بابه ((وموعظة المؤمنين تلخيص إحياء علوم الدين)).
ومن كتبه الجميلة ((تعطير المشام في مآثر دمشق الشام)) ولا يزال مخطوطًا
و((شمس الجمال على منتخب كنز العمال))، و(الفضل المبين على عقد
الجوهر الثمين)).
■ وغالب هذه المؤلفات تمثل دعوة القاسمي في الحث على التمسك
بالكتاب العزيز والسنة الصحيحة وهجر التقليد ومحاربة البدع والضلالات.
* وهذه قائمة بمؤلفاته:
- آداب العالم والمتعلم والمفتي والمستفتي.
- الآراء الفلسفية في الموت وفي علاج الخوف منه، وفي رفع الأوهام
عنه، وفي رحمة وجوده، وفي أن الحياة الحقيقية بعد الموت.
- الأجوبة المرضية عما أورده كمال الدين بن الهمام على المستدلين
بثبوت سنة المغرب القبلية.
- أجوبة المسائل.
- الاحتياط للخروج من الخلاف.
- الارتفاق بمسائل الطلاق.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٦٠
صلاح الأمة في علو الهمة
- إرشاد الخلق بعمل البرق.
- إزالة الأوهام بما يستشكل من ترك سيدنا عمر لكتابة الكتاب
الذي هم به عليه الصلاة والسلام.
- الاستئناس لتصحيح أنكحة الناس.
- الإسراء والمعراج.
- إصلاح المساجد من البدع والعوائد.
- أعداء الإصلاح (مقالة).
- إعلام الجاحد على قتل الجماعة المتمالئة بالواحد.
- إغاثة اللهفان لابن قيم الجوزية.
- إفادة من صحا في تفسير سورة الضحى.
- إقامة الحجة على المصلي جماعة قبل الراتب وأقوال سائر أئمة
المذاهب.
- الأقوال المروية فيمن حلف بالطلاق في قضية.
- الأنوار القدسية على متن الشمسية.
- أوامر مهمة في إصلاح القضاء الشرعي وفي تنفيذ بعض العقود
على مذهب الشافعية وغيرهم.
- الأوراد المأثورة.
- إيضاح الفطرة في أهل الفترة.
- بحث في جمع القراءات المتعارفة.
- بديع المكنون في مسائل أهل الفنون.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/