النص المفهرس

صفحات 361-380

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /ttps://arabessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس
٣٦١
قال الذهبي في ((السير)) (٢٩/١٩ - ٣٠): ((وكان كاملًا في فنون،
وله يد بيضاء في البلاغة والبيان ، وكتابته طبقة عالية على طريقة ابن مُقلة .
وزر سبع سنين وسبعة أشهر ، ثم عُزِل بأمر السلطان ملكشاه للخليفة
الموجدة ، فأنشد أبو شجاع :
تولَّاها وليس له عدوٌّ وفارقها وليس له صديقُ
ثم خرج إلى الجمعة ، فضجَّت العامة يدعون له ، ويُصافحونه ، فأُلزم
لذلك بأن لا يخرج من داره ، فاتّخذ في دهليزه مسجدًا ، ثم حجّ لعامه ورجع ،
فُمُنع من دخول بغداد، وبُعث إلى ((رُوذْراور ))، فبقي بها سنتين ، ثم حجّ
بعد موت النظام والسلطان والخليفة ، ونزل المدينة وتزهَّد ، فمات خادم من
خُدَّام روضة المصطفى عَ لِّ ، فأعطى الخدام ذهبًا حتى جُعِل موضع الخادم ،
فكان يكنس ويفرش الحصر ويُوقد المصابيح(١)، ولبس الخام، وحفظ القرآن هناك)).
وكتب إلى ولده أبي منصور ، بأن يقف عنه مدرسة على أصحاب
الشافعي. فرحمة الله على الوزير الخادم لروضة المصطفى عَ له.
الوزير الكبير نظام المُلْك العالم العادل :
أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي، ((عاقل ، سائس ، خبير ،
سعيد ، متديِّن ، محتشم ، عامر المجلس بالقراء والفقهاء .
وزر للسلطان (( ألب أرسلان))، ثم لابنه ملكشاه ، فدَبَّر ممالكه على أتمِّ
ما ينبغي ، وخفّف المظالم ، ورفق بالرعايا ، وبنى الوقوف ، وهاجرت الكبار
إلى جنابه )) (٢) .
(١) طبقات الشافعية ٣٩/٤، والمنتظم ٩٣/٩ .
(٢) السير ٩٤/١٩ - ٩٥ .
بعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٣٦٢
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس
قال السبكي: ((وزيرٌ عالَى الملوكَ في سُمعتِها ، وغالَبَ الضَّرَاغَمَ ،
وكانت له النُّصرة مع شِدَّة مَنَعَتِها ، وضاهَى الخلفاءَ في عطائها ، وباهَى الفَراقِد ،
فكان فوق سمائها .
ملَكَ طائفةَ الفقهاء بإحسانه ، وسلَك في سبيل البِرِّ معهم سبيلًا لم يُعهد
قبل زمانِه ، هو أشهر من بَنَى لهم المدارسَ ، وشيَّد أركانَهم ، ولولاه خِيفَ
أن يكون كالطلال الدَّارِس .
كان جوادًا يخجلُ لديه كلُّ ذي جَبِينٍ وضَّاح ، ويتنافس على أريج ثنائِه
مِسْكُ الليل وكافورُ الصباح، طمَسَ ذِكْرَ مَن كنَّا نسمعُ في المكارم من الملوك
خبرَه ، وغَرَس في القلوب شجراتِ إحسانه المُثْمِرَة .
دولتُه كلها فضّلٌ ، وأيامه جميعها عدْل، ووقته وابٌ بالسَّماح مُغدِق ،
ومجلسه بجماعة العلماء صباحٌ مُشْرِق . كل يومٍ من أيامِه مقدارُه ألف سنة ،
وكل مَعْدَلة من أحكامِه أنامَت الأنامَ ؛ فأمِن كل واستطابَ وسَنَه .
لو هُدِّد الدهرُ بعْلِه لما تعدَّى بصروفه، ولو عُرِض نَداء في كلِّ نادٍ
من الخلفاء لَعُرِف مِن بينهم بمعروفه . إن جلس بين العلماء جلس وعليه سِيما
الوقار ، وله من التأْدُّب معهم ما شهِدتْ به في التَّواريخ الأخبار . يتضاءلُ بَيْن
العلماء ، ويتنازلُ ، وإن كان مَنْزِلُهُ أعلا من نجْم السَّماء . خُلُقٌ أرقٌّ من النسيم ،
ومُحيًّا تَعْرف فيه نَضْرَة النَّعيم.
فيكادُ يُلْقَى النُّجْحُ قبلَ لِقَائِهِ
تُنِْي طَلاقةُ بِشْرِهِ عن جُودِهِ
صَادِي الجَوانِحِ لا رتوَى مِن مائِهِ
وضياءُ وجْهٍ لو تأمَّله امرُؤ
وإِنْ قَعَدَ للمَظالم ، أقام بالكتاب والسُّنَّة ، وأخاف في الله ببَطْشِه كلَّ
ذي يدٍ عاديةٍ، تغدُو بعدها النفوسُ مُطمَئِنَّة، حتى أقرّت له بالعدْلِ عُظماءُ السَّلاطين،
واستقرّت في أيامِه بالأمن الناس ، لا يخْشَوْن نازلةَ المُتَعالِين.
ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس
٣٦٣
وإن أفاض جودَه أخجلَ الغَمام ، وأجْزَل كلَّ عطاءٍ جزْلٍ لم تَرَهُ النفسُ
إلا في آمالِ اليقظةِ ، أو أحْلامِ الْمَنام .
ليس التَّعجُّبُ مِن مواهبِ مالِهِ بَلْ مِن سلامَتِها إلى أوقاتِها
وإن ركب الهيْجاءَ لم يكن له حاجب إلا مواضي الصِّاح، ولا طليعة إلّا
شُهْبُ الأَسِنَّة على رؤوس الرّماح .
ولا رُسْلَ إِلا الْخَمِيسُ العَرمَرَمُ
ولا كُتْبَ إلا المشْرَفِيَّةُ عندَهُ
ولم يخْلُ مِن شُكْرٍ له مَن له فَم
ولم یخُلُ مِن نَصْرٍ له من له يَدِّ
ولم يَخْلُ دِينارٌ ولم يَخْلُ دِرْهُمُ
ولم يَخْلُ مِن أسمائه عُودُ مِنْبٍ
يرفع لواءَ الإِسلام، ويسمعُ نَّوْحَ الحَمام على أُمَمِ أنْزل بهم الحِمامَ ، ويَقُومُ
فَيُقْعِد كلَّ كَمِّ، ويُرْعِفُ أَنفَ كُلِّ مَشْرَفِي وسَمْهَرِي .
على عاتقِ المَلْكِ الأَعَزِّ نِجادُهُ وفي يدِ جَبَّارِ السَّمَواتِ قائِمُه
يُقاتِل لتكون كلمةُ اللهِ هِي العُلْيَا، ويناضِل ، فلا يدَعُ في حِّ الأعداءِ
حَيًّا، ويبارز حيثُ تتأخَر الجِياد السَّنَابِك، ويجاوِز، فلا تسمعُ إلا مَن يقول :
وما النَّاسُ إلا هالِكٌ وابنُ هالك .
فكأَنَّمَا يُبْصِرْنَ بالآذَانِ
في جَحْفَلٍ سَتَر العيونَ غُبارُهُ
فكأنَّ فيه مُسِفَّةَ الغِرْبَانِ
قد سودَت رُوسَ الجبالِ شعورُ همْ
كقلوبِهِنّ إذا الْتَقى الجَمْعَانِ
إن السُُّوفَ مع الذين قلوبُهم
مثلَ الجبَانِ بِكَفِّ كل جبَانِ
يُلْقَى الحُسَامُ على جراءةٍ حدِّهِ
أسِّةٌ مسئُونة وسُنَّةٌ مسْنونة ، وأيام بعدله مأمونة ، وزمنٌ بالنَّعماء مشحُون
وفوق الَّمن السَّالف إذا اعتُبرت السِّنون، وأجل وكيف وفي ذلك فرد أمين ومأمون،
وكل أحدٍ في زمن هذا أمينٌ ومأمون :
فلا عَقْرَبٌ إلا بِخَدِّ مَلِيحةٍ ولا جَوْرَ إلا في وِلَاية ساقٍ
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٣٦٤
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس
ومُلْكٌ هو نِظامُه، وسِلْكٌ هو واسِطتُه؛ إذا عُدَّت أيامُه ، وإِفْكٌ هو
مَاحيه ؛ إذا دَجَى ظلامُه .
بطلٌ شُجاع، ورجلٌ يخافُه على صَافِناتِها الأبطالُ ، وفوقَ سريرها
الملوكُ، وفي أجَماتِها السِّباع. مُقدَّم العساكر ومِقْدامُها ، وأسدُ الممالِك
وضِرْ غَامُها ، وأسدُّ الأبطالِ رأيًا وهُمامُها . لا تضَعُ الحربُ عندَه أَوْزارَها،
حتى يضَع العُصاة أوْزارَها ، وتَرجع إلى الله تعالى رَجْعَةَ نُفوسٍ لا تُبالي؛ وَلَّى
عنها شيطانُها أوزارَها .
ولم يزل السَّعْدُ يخدمه ، والأمور تجْرِي على وَفْق مُرادِه ، واتَّفق في
أيامه مِن محاسن الأفعال ، ونشْر العدل ، وضَبْط الأحوال ، ما سارت به الُكبان،
وتناقلَتْه الألسنة، وصار بأبُه محطَّ الرِّحال، ومُنْتَهَى الآمال .
وأخذ في بناء المساجد ، والمدارس ، والرِّباطات، وفِعْل أصنافٍ المعروف
بتنوُّع أقسامِهِ ، واختلاف أنواعِه ، واشتدت مع ذلك وطّأُتُه، وعظُمَت مكانتُه ،
وتزايدت هيْبِتُه . إلى أن انْقَضَتْ دولةُ ألب أرسلان ، فملك بعده السُّلطان الكبير ،
مَلِكْشَاه ، بتدبير نِظام المُلْك، وكِفَايَتِه ، فازْدادتْ حرمتُه ، وتصاعدت مَرتِبْتُهُ .
وقدِم بغداد مِرارًا مع السلطان ، وقُوبِل من الخليفة بِنِهَاية الإِجلال والتّعْظيم ،
وبنى ببغداد مدرسةً ورِباطًا .
وتوجَّه مع السلطان مَلِكْشَاه إلى الغَزاة ، ببلاد الُّوم ، وفتح عِدَّة بلاد
من ديار بَكْر وربيعة ، والجزيرة ، وحَلَب، ومَنْبج ، ثم عاد إلى خُراسان ،
وما وراء النَّهر .
وجَرَت أموره على السداد ، نافذة أموره في أقطار الأرض ، إليه يرجعُ
الناسُ بأمورِهم ، وهو الحاكم لا كلمةَ لغيره ، ومجالسُه معمورةٌ بالعلماء ،
مأهولةٌ بالأئمّة والزُّهَّاد ، لم يتَّفِق لغيره ما اتَّفق له من ازْدِحام العلماء عليه ،
وتَرْدادِهم إلى بابه ، وثنائِهم على عَدْلِه ، وتصْنِيفهم الكُتُبَ باسْمِه ، يحضر سِماطَه
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس
٣٦٥
مثُلُ أبي القاسم القُشَيْريّ ، وأبي إسحاق الشيرازِيّ ، وإمام الحرمين ، وغيرهم .
وذكر النَّقَلة أنه لم يكن في زمانه أكفأُ منه في صناعةِ الحساب ، وصناعة
الإِنشاء، ووَصفُوه بسَداد الألفاظ فيهما ، عربيّةٍ وفارسيَّةٍ .
وكان مِن أخلاقه أنه ما جلس قطُّ إلا على وضُوء ؛ ولا توضَّأْ إلَّ وتنقّل ،
ويقرأ القرآن ، ولا يتلوه مُستِدًا إعظامًا له ، ويستصْحِب المصحفَ معه أينما
توجَّه ، وإذا أَذَّن المُؤذّن أمسك عن كلِّ شُغلٍ هو فيه ، وأجابه ، ويصوم يومَ
الإِثنين والخميس .
ولا يمنع أحدًا مِن الدخول عليه - لا وقتَ الطّعام ، ولا غيره - إذا
جلس .
وهجَمت امرأةٌ عليه مرَّة وقتَ الطَّعام ، ومعها قضِيَّة ، فَزَبَرها بعضُ
الحُجَّاب ، فحانَت منه الْتِفاتةٌ إليه ، فلقيه بالكلام الصَّعْبِ ، وقال : إنما أُريدُك
وأمثالَك لإِيصال مثلِ هذه، وأما المُحتشِمون فهم يُوصِلون نفوسَهم .
وبنى مدرسةً ببغداد ، ومدرسة ببَلْخ ، ومدرسة بنَيْسابور ، ومدرسة
بهرَاة ، ومدرسة بأصْبَهان ، ومدرسة بالبصرة ، ومدرسة بمرو ، ومدرسة بآمُل
طَبَرِسْتَان ، ومدرسة بالمَوْصل .
ويُقال : إن له في كل مدينة بالعراق ، وخراسان مدرسة له ، وله بيمارستان
بنيسابور ورباط ببغداد )).
قال الذهبي: (( أنشأ المدرسة الكبرى ببغداد ، وأخرى بنيسابور ، وأخرى
بطوس ، ورغب في العلم ، وأدرَّ على الطلبة الصلات، وأملى الحديث)).
وقال السبكي: ((غلب على ظني أن نظام الملك أوّل من قدَّر المعاليم
للطلبة .
ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٣٦٦
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس
ونقلتُ من خطّ إمام الحرمين، في خطبة ((العُباب)) ما قاله يصِف ◌ِنِظامَ الملك:
سيِّدُ الوَرَى ، ومُؤْيِّد الدِّين والدنيا ، مَلاذ الأمَم، مُستخدِمٌ للسَّيف والقلم ،
ومَن ظَلّ ظِّلُّ المُلْك بُيُمْنِ مَساعِيه ممدودًا، ولواءُ النَّصر معقودًا، فكم باشَر
أَوْزارَ الحرب ، وأدار رَحَى الطَّعْنِ والضَّرَّب؛ فلا يدُه ارتدَّتْ ، ولا طلعتُه
البهيَّةِ ارْبَدَّتْ ، ولا عَزْمُه انْتَنى، ولا حَدُّه فَتَى. قد سَدَّتْ مسالكَ المهالِك
صوارِمُه ، وحصَّنَت الممالكَ صرائمه ، وحَلَّتْ شكائمَ العِدَى عزائمه ، وتحصَّنَت
المملكةُ بنَصْلِه ، وتحسَّنت الدنيا بأفْضالِهِ وفضْلِهِ، وعمَّ بِّه آفاقَ البلاد ،
ونفَى الْغَّ عنها بالرّشاد، وجَلَّى ظلامَ الظُّلم عدلُه ، وكسر فِقَار الفقْرِ بَذْلُه ،
وكانت خُطَّةُ الإِسلام شاغرة، وأَفْواهُ الخُطوب إليه فاغِرة . فجمع اللهُ برأيه
الثَّاقبِ شَملها ، ووَصَل بُيُمْنِ هِيْبَتِهِ حَبْلَها ، وأصبحت الرَّعايا في رِعايته وَادِعة ،
وأعُيُنُ الحوادِث عنها هاجِعَة . والدِّين يُزْهَى بتهلُّلِ أساريرِهِ ، وإشْراق جبينه .
والسَّفُ يفخُر في يمينه ، يرجُوه الآيِسُ البائس في أدْراج أنينه ، ويركع له
تاجُ كلَّ شامخ بِعِرِنِينِه ، ويهابُه الليتُ المُرْتَجِن في عرينه . انتهى .
وهذا من هذا الإِمام الجليل - وإن لمَ يخْلُ عن بعض المبالغة - شاهدُ
عَدْلٍ ، لِعُلُوِّ مِقدار نظامِ المُلْك عند هذا الحَبْر ، الذي يحتجُّ بكلماتِه المتقدِّمون ،
والمتأخّرُون ، وعنه انتشرتْ شريعةُ الله ؛ أصولًا وفروعا .
وحكى الأمير أبو نصر بن مَاكُولا ، قال : حضرتُ مجلس نِظام المُلك
وقد رَمَى بعضُ أرباب الحوائج رُقعةً إليه ، فوقعَتْ على دواته ، وكان مِدادُها
كثيرًا ، فنال المدادُ عمامَتَه ، وثيابه ، فاسودّت ، فلم يُقطِّب ، ولم يتغير ،
ومدَّ يدَه إلى الرُّقعة فأخذها ، ووقَّع عليها ، فتعجَّبتُ مِن حِلمه، فحكيْتُ لأستاذ
دارِه ، فقال : الذي جَرَى في بارحَتِنا أعجبُ ، كان في نَوْبِتِنا أربعون فَّاشًا ،
فَهَبَّت ريحٌ شديدةٌ ، أَلقَت التُّرابَ على بِساطِه الخاصّ ، فالتمستُ أحدَهم
لَيَكنِسه ، فلم أجدْه ، فاسودَّت الدنيا في عيني وقلتُ : أقلّ ما يجْرِي صُرْفي
https://weblessam.blogspot.com/
ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

ttps://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
٣٦٧
صلاحِ الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس
وعقوبتُهم . فأظهرتُ الغضبَ ، فقال نِظام المُلك : لعل أسبابًا لهم اتَّفقتْ منعَتْهُم
من الوقوف بين أيدينا ، وما يخلو الإِنسان مِن عُذْر مانعٍ ، وشُغلِ قاطعٍ يصدُّه
عن تَأْدِية الفرض ، وما هم إلا بَشَر مثلُنا ، يأُلَمون كما نَأَلَم ، ويحتاجون إلى
ما نحتاج إليه ، وقد فضَّلَنا اللهُ عليهم ، فلا نجعل شُكرَ نِعْمتِهِ مُؤَّاخَذَتَّهم على
ذنبٍ يسيرٍ . قال : فعجِبْتُ من حِلمه .
وحكى أخوه القاسم عبد الله بن علي بن إسحاق : أنه كان بمكة ،
وأراد الخروج إلى عَرَفات ، فأخبره رجل أن إنسانًا من الخُرَاسَانية مات ببعض
الَّوايا ، وأنه انتفَخ ، وفسَد ، ولَزِم القيامُ بحقِّه . قال: فمكثتُ لذلك ، فرآني
بعضُ مَن كان يأْتَمِنُهُ نِظامُ المُلْك على أمور الحاجِّ ، فقال لي : ما وُقوفُك هاهنا ،
والقوم ، قدِ رَحلوا؟ فحكَيْتُ له القِصَّة ، فقال: اذْهب، ولا تَهْتَمَّ لأَمْرٍ هذا
الميِّت ، فإن عندي خمسين ألف ذِراع من الكِرْباس ، لتَكْفين المَوْتى ، من
جهة الصَّاحب نِظام المُلْك .
قال : وكان أخي نِظام المُلك يُمْلِي الحديثَ بالرّ، فلمّا فَرغ ، قال :
إِّي لستُ أهلًا لما أتَوَلَّاه مِن الإِملاء، لكنِّي أُرِيد أن أَرْبِط نفسي على قِطارٍ
نَقَلَةٍ حديث رسولِ الله عَ الِ)) .
قال عنه الذهبي : ((كان فيه خيرٌ وتقوى ، ومَيْلٌ إلى الصالحين ، وخضوع
لموعظتهم ، يُعجبه مَن يُبَيِّن له عيوبَ نفسه ، فينكسر وبيكي)).
قال ابن خلكان: ((قد دخل نظام الملك على المقتدي بالله فأجلسه ،
وقال له : يا حسن ، رضي الله عنك كرضا أمير المؤمنين عنك . وكان نظام
الملك يستبشر بهذا ، ويفرح ، ويقول: أرجو أن الله تعالى يستجيب دعاءه)).
قال الذهبي : ((كان حليمًا رزينًا، جوادًا، صاحب فتُوَّةٍ واحتمال ،
ومعروف كثير إلى الغاية ، ويُبالغ في الخضوع للصالحين )).
https://weblessam.blogspot.com/
بعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
ttps://arabessam.blogspot.com/
٣٦٨
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس
قال السبكي: ((وحكى عبد الله السَّاوَجِي: أن نِظام المُلْك استأذَن
السُّلطان مَلِكْشَاه في الحجِّ ، فأذن له ، وهو إذ ذاك ببغداد ، فعَبَرَ دِجْلَة وعبروا
بالآلات ، والأقمشة ، وضُرِبَتِ الخِيامُ على شَطِّ دِجْلة . قال : فأردتُ يومًا
أن أدخلَ عليه ، فرأيتُ بباب الخيمةِ فقيرًا، يُلُوح عليه سِيمًا القوم ، فقال لي :
يا شيخ ، أمانةٌ تُوصِّلها إلى الصَّاحب . قلتُ : نعم . فأعطاني رُقعةً مَطويَّة ،
فدخلتُ بها ، ولم أنظُر فيها حِفظًا للأمانة ، ووضعتُها بين يدي الوزير ، فنظر
فيها ، وبكى بكاءً شديدًا ، حتى نَدِمتُ ، وقلتُ في نفسي : ليْتَنِي نظرتُ
فيها ؛ فإن كان ما فيها يسوؤُه ، لم أدفعْها إليه . ثم قال لي : يا شيخ ، أدخِل
علَّ صاحبَ هذه الرُّقعة . فخرجتُ فلم أجدْه ، وطلبتُه فلم أظفَر به ، فأخبرتُ
الوزيرَ بذلك، فدفع إِلَّى الرُّقعةَ، فإذا فيها: رأيتُ النبي عَِّ ، وقال لي :
((اذْهَبْ إلى الحَسَن، وقُل لَهُ: أَيْنَ تَذْهَبُ إلى مكَّةَ؟! حَجّكَ هاهُنَا، أُمَا
قُلْتُ لكَ: أَقِم بَيْنِ يدَيْ هذَا التُّركِي، وأَعِنْ أصحابَ الحوائجِ مِن أُمَّتي؟ )) فرجع
نِظامُ المُلْك . وكان يقول : لو رأيتُ ذلك الفقيرَ ، حتى أتبَّك به . قال :
فرأيتُه على شَطِّ دِجلة ، وهو يغسِل خُرَيْقات له ، فقلتُ له : إن الصَّاحِبَ يطلُبُك .
فقال : ما لي ولِلِصَّاحب، إنما كانتْ عندي أمانةٌ فأَذَّيْتُها .
قال ابن الصلاح : السَّاوَجِّ هذا، كان خيّرًا، كثيرَ المعروف، يُعْرَف
بشيخ الشُّيُوخ .
وحكى الفقيه أبو القاسم - أخو نِظام المُلْك - أنه كان عنده ليلةً ، على
أحد جانِبَيه ، والعمِيدُ خليفة على الجانب الآخر ، وبجنبه فقيّرٌ مقطوع اليُمْنى.
قال : فشرَّفني الصاحبُ بالمُوَاكَلَة ، وجعل يلحَظُ العميدَ خليفةً ، كيف يُلاحِظ
الفقير . قال : فتنَزَّه خَليفة مِن مُواكَلَة الفقير ؛ لمَّا رَآه يأكل بيساره . فقال
لخليفة : تحوَّل إلى هذا الجانب . وقال للفقير : إن خليفة رجل كبير في نفسه ،
مستنكِفٍ من مواكلتك ، فتقدّمْ إلّ. وأخذ يُواكِله )).
https://weblessam.blogspot.com/
بعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٣٦٩
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس
علوّ همَّته في حفظ الدولة :
انظر إلى علوّ همّة الوزير الكبير الذي لم تكن وزارته وزارة ، بل فوق
السلطنة ؛ فإن جلال الدولة ملكشاه بن ألب أرسلان اتَّسعتْ ممالِكُه ؛ فكان
تَحْتَ مُلْكِه بلاد ما وراء النهر ، وبلاد الهَيَاطِلة ، وباب الأبواب ، وخُراسان ،
والعراق، والشَّام، والرّوم، والجزيرة ؛ فمملكتُه من كاشْغَر ، وهي أقصى
مدائن التُّرك، إلى بيت المقدس طُولًا ، ومن قُرْب قُسطَنْطِينيّة ، إلى بحر الهند
عَرْضًا. ولم يكن مع ذلك لِمَلِكْشاه مع نِظام المُلْك غيرُ الاسم ، والأُبُّهة ،
والتُّّع في اللّات، وكان مشغولا بالصَّيِّد، واللّة، ونِظام المُلْك هو الآمِر
المُتَصرِّف ، لا يجري جليلٌ ولا حَقِيرٌ إلا بأمْرِهِ .
وحُكِي عنه ، أنه كان بهَمَذَان ، وقدِم عليه ابنُه مُؤيِّد المُلك ، مِن بَلْخٍ ،
فإنه كان اسْتَقْدَمه ليُنْفِذه إلى بغداد حين زوَّجه ، فدخل عليه ووقف بين يديه
ساعةً ، وقضى للنَّاس حوائجَهم ، فلمّا أَذَّن الْمُؤَذِّن لصلاة الظُّهر، وتفرّق النَّاسُ
نظر إلى ابنِه، واستذْنَاه فجعل يُقبِّل الأرضَ ويدنُو، فضمَّه إليه ، وقَبَّل بين عَيْنَيْه،
وقال له : يا بُنّي ، توجَّه إلى بيتك إلى بغداد، في ساعتك هذه. فودَّعه ، وقبَّل
يدَه وسار من ساعتِه . والتفت نظام المُلك إلى مَن عنده ، وقد تغْغَرَتْ عينُه
بالدُّموع ، وقال : إن عيشَ أحدِ البقَّالين أصلحُ من عيْشي ؛ يخرُج إلى دُكَّانِه
غُدْوةً ويُرُوحِ عَشِيَّةً، ومعه ما قُسِم له من الرِّزق، فيجتمعُ هو وأولاده على
طعامِهِ ، ويُسَرِّ بقُرْبهم منه، وحضورِهم معه، وهذا وَلِدِي، ما رأيتُه مُنْذُ وُلِد،
غيّرَ أوقاتٍ يسيرة ، وقد نشأ هذا المَنْشأ ، وما يظهر على ما عندي من الحُنُوّ
والشَّفْقة ؛ فتَهاري بين أخْطار، وتكلُّف ، ومشَاق ، وليْلي بين سَهٍ وفِكْر ،
تارةً لتذْبِير الممالك والبُلدان ، ومَن أَرَقِّب في كل صُقْعٍ ومكان ، وما يخرج
لكلِّ واحدٍ من العَطاء ، والإِحسان ، وكيف أُرْضِي هذا السُّلطان ، حتى يميل
إِلَّي ، ولا يتغيَّر علَّي، وبأتّ أمرٍ أدفعُ شَرَّ مَن يَقصِدُني؛ فمتى يكون لي زمان
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٣٧٠
صلاحِ الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس
أُلْتَّذُّ فيه بنعمتِي، وأستدرِك أفعالي بما ينفعني عند لقاء ربِّ. وبكى بكاءً شديدًا.
قال أبو الحسن محمد بن عبد الملك الهمذاني : قدم نِظامُ الملك إلى
بغداد مرّتين ، وكان يُباكر دار السلطان ، ويعود من الديوان إذا أضحى النهار ،
فيخلو بنفسه إلى وقت الظّهر ، ويُصلِّي ، فيجلس ، ويحضر الناس ، ويُقْرَأ
بين يدَيْه جُزءٌ منِ الحديثِ ، على شيخٍ كبيرٍ عالي السَّنَد ، ويُكرِمه ، ويُجلِسه
إلى جانبه ، ويتكلّم الفقهاءُ في المسائل ، ويقعُد نِظام المُلْك مُطَأْطِىءَ الَّأس،
وهو يسمع جميعَ ما يجْرِي في المجلس ، ويُسأل الحوائجَ في أثناء ذلك الوقت ،
ويُجيب عنها ، ويُنعم بالأموال الطَّائلة والهِبات الجزيلة ؛ كان يتصدَّق في بُكرة
كلٍّ يوم بمائة دينار .
دخل عليه أبو علي القومساني في مرضةٍ مرضها يعوده ، فأنشأ يقول :
فإن شُفينا فمنا الزيغُ والَّلُلُ
إذا مرضنا نوينا كلّ صالحةٍ
إذا أمنّا فما يزكو لنا عملُ
نرجو الإِله إذا خِفنا ونسخطُه
فبكي نظام الملك ، وقال : هو كما يقول .
كانت سوق العلم في أيام النِظام قائمة :
قال الذهبي: ((قال ابن عقيل: بهر العقول سيرةُ النظام جودًا وكرمًا
وعدْلًا ، وإحياءً لمعالم الدين ، كانت أيامه دولة أهل العلم ، ثم ختم له بالقتل ،
وهو مارّ إلى الحجّ في رمضان ، فمات ملكًا في الدنيا ، ملكًا في الآخرة ،
رحمه الله)).
وفي (( المنتظم )) ( ٦٧/٩ )، نصُّ كلام ابن عقيل ، وقد نقله ابن الجوزي
من خطِّه: ((وأما النظام ، فإن سيرتَه بهرت العقول جودًا وكرمًا وحشمةً ،
وإحياءً لمعالم الدين ؛ فبنى المدارس ووقف عليها الوقوف ، ونعش العلم وأهله ،
وعمَّر الحرمين ، وعمّر دُور الكتب ، وابتاع الكتب ، فكانت سوق العلم في
أيامه قائمة ، والعلماء مستطيلين على الصدور من أبناء الدنيا . وما ظنُّك برجل
تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ttps://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
٣٧١
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس
كان الدهر في خفارته ؛ لأنه كان قد أفاض من الإِنعام ما أرضى الناس ، وإنما
كانوا يذمُّون الدهر ؛ لضيق أرزاقٍ واختلال أحوالٍ ، فلمّا عمَّهم إحسانه ،
أمسكوا عن ذِّ زمانهم » .
رحم الله النظام ، ولكِلِّ جواد كبوة ، فقد كان أشعريّ العقيدة .
قال أبو الوفاء بن عَقِيل في ((الفنون)): أيامُه التي شاهدناها تُربي على
كلٌّ أيام سمعنا بها ، وصدَّقْنا بما رأيناه ما سمعناه ، وإن كنَّا قبل ذلك مُستَبعِدين
له ، ناسبين ما ذُكِرٍ في التَّواريخ إلى نوعٍ تحسين من الكذب ، فأبهرت العقولَ
سِيرُه جودًا وكرمًا وعدلًا ، وإِحْيَاءً لمعالم الدِّين ؛ بَنَى المدارس ، ووَقَف
الوقُوف ، ونَعش من العلم وأهلِه ، ما كان خاملًا مُهمَلًا في أيّام مَن قَبْلِه ،
وفتح طريقَ الحجِّ وعمَّره، وعمَّر الحرميْن، واستقام الحَجِيجُ، وابتاعَ الكُتُب
بأوْفر الأثمان، وأدرَّ الجِرايات للخُزّان .
وكانت سوقُ العلم في أيَّامه قائمة ، والنِّعم على أهلِه دارَّة ، وكانوا
مُستطيلين على صُدُور أرباب الدَّولة ، أرفَعَ الناسِ في مجلسِه ؛ لا يُحجَبون
عن بابه ، يَتَوسَّل بهم النَّاسُ في حوائجهم .
وفي طريق النظام إلى الحجّ ، في يوم الخميس عاشر شهر رمضان صلَّى
نِظامُ المُلْك المغربَ في هذه الليلة ، وجلس على السِّماط ، وعنده خَلْقٌ كثير
من الفقهاء ، والقُرَّاء ، والصُّوفَّة ، وأصحاب الحوائج ، فجعل يذكرُ شَرف
المكان الذي نزَلُوه من أرض نَهَاوَنْد ، وأخبار الوَقْعة التي كانت به بين الفُرْس
والمسلمين ، في زمان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، ومَن
استُشْهِد هناك من الأعيان ، ويقول : طُوبَى لِمَن لَحِق بهم. فلمَّا فَرَغ من
إِفْطاره ، خَرَج مِن مكانِه قاصدًا مضرِب حَرَمِه ، فبدَر إليه حدَثْ دَيْلَمِّ ،
كأنه مُستمِيح أو مُستغِيث، فعلق به، وضربه ، وحُمِل إلى مَضْرِب الحَرَمِ .
فيُقال: إنه أول مقتولٍ قتلَتْه الإِسمَاعِيلَّة، المُسَمَّوْن عندنا بالفِدَاوِيَّة . فاثْبَثُّ
الخبرُ في الجيش ، وصاحت الأصواتُ ، وجاء السُّلطان مَلِكْشاه - حين بلغه
الخبر - مُظهِرًا الحزن والنَّحيب والبُكاء ، وجلس عند نِظام المُلْك ساعةٌ ،
https://weblessam.blogspot.com/
بعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٣٧٢
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس
وهو يجُود بنَفْسه حتى مات ؛فعاش سعيدًا، ومات شهيدًا فقِيدًا حميدًا .
وكان قاتلُه قد تعثّر بأطْناب الخَيْمة ، فلحقه مماليكُ نِظام المُلْك وقتلوه .
وقال بعضُ خُدَّامه : كان آخرُ كلام نِظام المُلْك أن قال : لا تقتُلوا
قاتِلي ، فإني قد عفَوْتُ عنه . وتشهَّد ، ومات.
يتيمةً صاغها الرحمنُ من شرفٍ
كان الوزير نظام الدين لؤلؤةً
فردَّها غِيْرةً منه إلى الصَّدَفِ
عَّتْ فلم تعرف الأيامُ قيمتَها
ترجمة تُكْتَب بماء الذهب :
الوزير الكامل ، الإِمام الأثري ، العالم العادل : عون أبو المظفّر ، ابن هبيرة
الحنبلي يحيى بن محمد ؛ مَن رأى ربَّه منامًا :
وزر للمقتفي لأمر الله في سنة ٥٤٤ ، واستمرّ ، ووزر من بعده لابنه
المستنجد .
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في ترجمته في كتابه (( الذيل على طبقات
الحنابلة)) (٢٥١/١ - ٢٨٧): قرأ القرآن بالروايات على جماعة ، وسمع الحديث
الكثير من جماعة ، منهم : القاضي أبو الحسين بن الفراء ، وأبو الحسين بن الزاغوني ،
وعبد الوهاب الأنماطي ، وأبو غالب بن البنا ، وأبو عثمان بن ملة ، وابن الحصين ،
وغيرهم .
وقرأ الفقه على أبي بكر الدينوري ، فيما ذكره ابن القطيعي . وقيل :
إنه قرأ على أبي الحسين بن الفراء ، وقرأ الأدب على أبي منصور بن الجواليقي ،
وصحب أبا عبد الله محمد بن يحيى الزبيدي الواعظ الزاهد من حداثته ، وكمل
عليه فنونًا من العلوم الأدبية وغيرها ، وأخذ عنه التأله والعبادة ، وانتفع بصحبته ،
حتى إن الزبيدي كان يركب جملًا ويعتم بفوطة ، ويلويها تحت حنكه ، وعليه جُبَّة
ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد السادس
٣٧٣
صوف ، وهو مخضوب بالحنّاء ، فيطوف بأسواق بغداد ويعظ الناس ، وزمام
جمله بيد أبي المظفر ابن هبيرة ، وهو أيضًا معتم بفوطة من قطن ، قد لواها تحت
حنكه ، وعليه قميص قطن خام ، قصير الكم والذيل ، وكلّما وصل الزبيدي
موضعًا أشار أبو المظفر بمسبحته ، ونادى برفيع صوته : لا إله إلا الله ، وحده
لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، يحيي ويميت ، وهو حِّ لا يموت ،
بيده الخير وهو على كل شيءٍ قدير .
ذكر ذلك أبو بكر التيمي بن المرستانية ، في الكتاب الذي جمعه في
مناقب الوزير وفضائله .
وقال ابن الجوزي : كانت له معرفة حسنة بالنحو ، واللغة ، والعروض ،
وصنَّف في تلك العلوم ، وكان متشدِّدًا في اتباع السنة ، وسِيَر السلف .
قلت : صنّف الوزير أبو المظفر كتاب ((الإِفصاح عن معاني الصحاح))
في عدَّة مجلّدات ، وهو شرح صحيحي البخاري ومسلم ، ولما بلغ فيه إلى حديث :
((من يرد الله به خيرًا يُفقِّهه في الدين)). شرح الحديث ، وتكلّم على معنى
الفقه ، وآل به الكلام إلى أن ذكَر مسائل الفقه المُتَّفق عليها ، والمُختلف فيها
بين الأئمة الأربعة المشهورين . وقد أفرده الناس من الكتاب ، وجعلوه مجلَّدةً
مفردة، وسمّوه بكتاب ((الإِفصاح)) وهو قطعة منه ، وهذا الكتاب صنَّفه
في ولايته الوزارة ، واعتنى به وجمع عليه أئمة المذاهب ، وأوفدهم من البلدان
إليه لأجله ، بحيث إنه أنفق على ذلك مائة ألف دينار ، وثلاثة عشر ألف دينار ،
وحدَّث به ، واجتمع الخلْقُ العظيم لسماعه عليه ، وكتب به نسخة لخزانة
المستنجد ، وبعث ملوك الأطراف ووزراؤها وعلماؤها ، واستنسخوا لهم به
نسخًا ، ونقلوها إليهم ، حتى السلطان نور الدين الشهيد ، واشتغل به الفقهاء
في ذلك الزمان على اختلاف مذاهبهم ؛ يدرِّسون منه في المدارس والمساجد ،
ويعيده المعيدون ، ويحفظ منه الفقهاء .
ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٣٧٤
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس
وصنَّف في النحو كتابًا سمَّاه: ((المقتصد))، وعرضه على أئمة الأدب
في عصره ، وأشار إلى ابن الخشاب بالكلام عليه ، فشرحه في أربع مجلّدات ،
وبالغ في الثناء عليه .
واختصر كتاب ((إصلاح المنطق)) لابن السكيت ، وكان ابن الخشاب
يستحسنه ويعظِّمه .
وصنَّف كتاب ((العبادات الخمس)) على مذهب الإِمام أحمد، وحدّث
به بحضرة العلماء من أئمة المذاهب .
وله أرجوزة في المقصور والممدود وأرجوزة في علم الخطِّ .
وقد صنّف ابن الجوزي كتاب ((المقتبس من الفوائد العونية)) وذكر
فيه الفوائد التي سمعها من الوزير عون الدين ، وأشار فيه إلى مقاماته في العلوم .
وانتقى من زبد كلامه في الإفصاح على الحديث كتابا سماه: ((مخْض المحض)).
وكان ابن هبيرة رحمه الله في أول أمره فقيرًا، فاحتاج إلى أن دخل
في الخدم السلطانية ، فولي أعمالا ، ثم جعله المقتفي لأمر الله مشرفًا في المخزن ،
ثم نُقل إلى كتابة ديوان الزمام ، ثم ظهر للمقتفي كفاءته وشهامته ، وأمانته
ونصحه ، وقيامه في مهامّ الملك ؛ فاستدعاه المقتفي سنة أربع وأربعين وخمسمائة
إلى داره ، وقلّده الوزارة ، وخلع عليه، وخرج في أُبَّهة عظيمة ، ومشى أرباب
الدولة وأصحاب المناصب كلُّهم بين يديه ، وهو راكب إلى الإِيوان في الديوان ،
وحضر القُرّاء والشعراء ، وكان يومًا مشهودًا. وقرئ عهده، وكان تقليدًا
عظيمًا ، بولغ فيه بمدحه والثناء عليه إلى الغاية ، وخوطب فيه بالوزير العالم
العادل ، وعون الدين ، جلال الإِسلام ، صفي الإِمام ، شرف الأنام ، معزّ الدولة ،
مجير الملَّة ، عماد الأمّة ، مصطفى الخلافة ، تاج الملوك والسلاطين ، صدر
الشرق والغرب ، سيد الوزراء ، ظهير أمير المؤمنين .
ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ttps://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس
٣٧٥
وكان الوزير قبل وزارته يُلقَّب جلال الدين، وقال يومًا: لا تقولوا
في ألقابي سيد الوزراء ؛ فإن الله تعالى سمَّى هارون وزيرًا ، وجاء عن النبي
عٍَّ أن وزيريه من أهل السماء: جبريل وميكائيل، ومن أهل الأرض : أبو بكر
وعمر ، وجاء عنه أنه قال: (( إن الله اختارني ، واختار لي أصحابا ، فجعلهم
وزراءً وأنصارًا)). ولا يصلح أن يقال عني: أني سيِّد هؤلاء السادة.
قال صاحب سيرته : ركب الوزير إلى داره مجاورة الديوان ، وبين
يديه جميع مَن حضر مِن أرباب الدولة ، وأصحاب المناصب والأمراء والحُجَّب ،
والصدور والأعيان ، وقد أخذ قوس الخلافة باريها ، واستقرّت الوزارة في
كُفتها وكافيها . فقام فيها قيام من عدَّله الزمان بثقافه ، وزيَّنه الكمال بأوصافه ،
ودَبَّرها بجوده ونُهاه، وأورد الأمل فيها مناه، ومدَّ الدين رواقه، وأَمَّن بدره
به محاقه . فأقام سوق الخلافة على ساقها ، وابتدع في انتظام ممالكها واتِّساقها ،
وأوضح رسمها ، وأثبت في حين أوانه وسْمها ، وتتبّع ما أفسدته العين منها
بالإِصلاح ، واستدرك لها ما أخرجته لها يد الاجتياح ، وداوى كل حال بدوائه ،
وردّ غائر الماء إلى لجائه ، وأقام الصلاة جماعة ، وافترض العدل سمعًا لله
وطاعة ، ورعى لأهل الفضل والمعارف ، وأواهم من بّرِّه إلى ظلّ وارف،
حتى صارت دولته مشرعًا للكرم ، ومستراحًا لآمال الأمم ، يرتضع فيه للمكارم
أخلاف ، وتداريها الأماني سلاف ، ونفقت فيها أقدار الأعلام ، وتدفَّقت فيها
نذر الكلام ، ولاحت بها من العلماء شموس ، وارتاحت فيها للطلبة بالعلوم
نفوس ، ولم تخل أيامه ومجالسه من مناظرة ، ولا عمرت إلّ بمذاكرة ومحاضرة ،
إلّا أوقات عطّلها من ذلك النظام ، وأوقعها إمَّا على صلاة وصيام ، أو على
تصنيفٍ وجمْعٍ وتأليف ؛ بحيث صنَّف عدَّة كتب ، منها: كتاب ((الإِفصاح
عن شرح معاني الصحاح)) وهذا الكتاب بمفرده يشتمل على تسعة عشر كتابًا .
ولمّا ولي الوزير أبو المظفر رحمه الله الوزارة بالغ في تقريب خيار الناس
ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٣٧٦
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس
من الفقهاء والمحدِّثين والصالحين ، واجتهد في إكرامهم وإيصال النفع إليهم ،
وارتفع أهل السنة به غاية الارتفاع . ولقد قال مَّة في وزارته : والله لقد كنت أسأل
الله تعالى الدنيا ، لأخدُم بما يرزقنيه منها العلم وأهله . وكان سبب هذا : أنه ذكر
مرة في مجلسه مفردة للإِمام أحمد تفرّد بها عن الثلاثة ، فادَّعى أبو محمد
الأشتري المالكي : أنها رواية عن مالك ، ولم يوافقه على ذلك أحد ، وأحضر
الوزير كتب مفردات أحمد ، وهي منها ، والمالكي مقيم على دعواه ، فقال
له الوزير : بهيمة أنت ؟ أما تسمع هؤلاء الأئمة يشهدون بانفراد أحمد بها ،
والكتب المصنَّفة ، وأنت تنازع وتفرِّق المجلس ؟ فلما كان المجلس الثاني ،
واجتمع الخلق للسماع أخذ ابن شافع في القراءة ، فمنعه وقال : قد كان الفقيه
أبو محمد جريئًا في مسألة أمس على ما لا يليق به عن العدول عن الأدب
والانحراف عن نَهْج النظر ، حتى قلت تلك الكلمة ، وها أنا فليقل لي كما
قلتُ له فلستُ بخير منكم ، ولا أنا إلَّا كأحدكم . فضجَّ المجلس بالبكاء ،
وارتفعت الأصوات بالدعاء والثناء ، وأخذ الأشتري يعتذر ، ويقول : أنا
المذنب ، والأولى بالاعتذار من مولانا الوزير ويقول : القصاص ، القصاص .
فقال يوسف الدمشقّ مدرّس النظامية : يا مولانا ، إذا أبى القصاص ، فالغداء .
فقال الوزير : له حُكْمه . فقال الأشتري: نعمك علَّ كثيرة ، فأتّ حُكْم بقي
لي ؟ فقال : قد جعل الله لك الحكم علينا بما ألجأتنا به إلى الافتيات عليك .
فقال : علَّ بقيّة دَيْنٍ منذ كنت بالشام. فقال الوزير: يُعطى مائة دينار لإِبراء ذمَّتُه
وذمَّتي . فأحضر له مائة ، فقال له الوزير : عفا الله عنك وعني ، وغفر لك ولي .
وذكر ابن الجوزي أنه قال : يُعطى له مائة دينار لإِبراء ذمّته ، ومائة
دينار لإِبراء ذمّتي . وكان هذا الأشتري من علماء المالكية ، طلبه الوزير من
نور الدين محمود بن زنكي ، فأرسل به إليه ، فأكرمه غاية الإكرام .
وكان بعض الفقراء يقرأ القرآن في داره كثيرًا ، فأعجبه ، فقال لزوجته :
ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /ttps://arabessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس
٣٧٧
أريد أن أزوِّجه ابنتي . فغضبت الأم من ذلك ، وكان يُقرأ عنده الحديث كلّ
يومٍ بعد العصر .
ما وجبت عليه زكاة قطّ :
وكان يكثر مجالسة العلماء والفقراء ، وكانت أمواله مبذولة لهم ، ولتدبير
الدولة ؛ فكانت السنة تدور عليه وعليه ديون ، وقال : ما وجبتْ علَّ زكاة قط .
قلت : وفي ذلك يقول بعض الشعراء :
وكيف يزكِّي المال مَن هو باذلُه
يقولون يحيى لا ز كاة لماله
من المال إلا ذكْرُه وفضائلُه
إذا دار حولٌ لا يُری في بیوته
وقال ابن الجوزي : وكان يتحدَّث بنعم الله تعالى عليه ، ويذكر في منصبه
شدَّة فقره القديم ، فيقول : نزلتُ يومًا إلى دجلة ، وليس معي رغيف أعبر به الحمام .
حِلْمُه وصَفْحُه :
قال ابن الجوزي : لمَّا جلس في الديوان أوّلَ وزارته ، أحضر رجلًا من
غلمان الديوان ، فقال : دخلت يومًا إلى هذا الديوان ، فقعدتُ في مكان ،
فجاء هذا ، فقال : قم فليس هذا موضعك . فأقامني ؛ فأكرمه وأعطاه .
ودخل عليه يوما تركي ، فقال لحاجبه : أما قلتُ لك : أعط هذا عشرين
دينارًا، وكذا من الطعام ، وقل له : لا يحضر هاهنا ؟ فقال: قد أعطيناه. قال:
عد وأعطه ، وقل له : لا يحضر . ثم التفت إلى الجماعة ، وقال : لا شكَّ أنكم
ترتابون بسبب هذا ؟ فقالوا : نعم . فقال : هذا كان شحنة في القرى، فقُتِلَ
قتيلٌ قريبًا من قريتنا ، فأخذ مشايخ القرى وأخذني مع الجماعة ، وأمشاني مع
الفرس ، وبالغ في أذاي وأوثقني ، ثم أخذ من كل واحد شيئًا وأطلقه ، ثم
قال لي : أي شيء معك ؟ قلت : ما معي شيْءٌ . فانتهرني ، وقال : اذهب .
فأنا لا أريدُ اليوم أذاه ، وأبغض رؤيته .
بعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://web lessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
ttps://arabessam.blogspot.com/
٣٧٨
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس
وقد ساق مصنِّف سيرة الوزير هذه الحكاية بأتمّ من هذا السياق ، وذكر
أن الوزير قال : ما نقمتُ عليه إلا أني سألته في الطريق أن يمهلني حسبما
أصلِّي الفرض فما أجابني ، وضربني على رأسي وهو مكشوف عدة مقارع ،
فكنتُ أنقم عليه حين رأيته لأجل الصلاة ، لا لكونه قبض علَّ فإنه كان مأمورًا .
ءَ
وذكر : أنه استخدمه في أصلح معايش الأمراء ، واستحلَّه من صياحه عليه ،
وقوله : اخرجوه عني .
قال ابن الجوزي : وكان بعض الأعاجم قد شاركه في زراعة ، فآل الأمر
إلى أن ضرب الأعجمي الوزير وبالغ ، فلمَّا ولي الوزارة أتي به فأكرمه ووهب
له وولَّاه .
قال ابن الجوزي : كنا نجلس إلى الوزير ابن هبيرة ، فيملي علينا كتابه
((الإِفصاح)) فبينا نحن كذلك، إذ قدِم رجلٌ ومعه رجل ادَّعى عليه أنه قتل
أخاه ، فقال له عون الدين : أقتلته ؟ قال : نعم ، جَرَى بيني وبينه كلام فقتلتُه .
فقال الخصم : سلِّمه إلينا حتى نقتله ، فقد أَفَّ بالقتل . فقال عون الدين :
أطلقوه ، ولا تقتلوه . قالوا : كيف ذلك ، وقد قتل أخانا ؟ قال : فتبيعونيه ؟
فاشتراه منهم بستمائة دينار ، وسلّم الذهب إليهم وذهبوا ، قال للقاتل : اقعد
عندنا لا تبرح . قال: فجلس عندهم ، وأعطاه الوزير خمسين دينارًا . قال :
فقلنا للوزير : لقد أحسنتَ إلى هذا وعملتَ معه أمرًا عظيمًا ، وبالغت في الإِحسان
إليه . فقال الوزير : منكم أحد يعلم أن عيني اليمنى لا أبصر بها شيئًا ؟ فقلنا :
معاذ الله . فقال : بلى والله ، أتدرون ما سبب ذلك ؟ قلنا : لا . قال : هذا
الذي خلَّصته من القتل جاء إلَّي ، وأنا في الدورِ ومعي كتاب من الفقه أقرأ
فيه ، ومعه سلَّة فاكهة ، فقال : احمل هذه السّة . قلت له : ما هذا شغلي
فاطلب غيري . فشاكلني ، ولكمني فقلع عيني ، ومضى ولم أره بعد ذلك إلى
يومي هذا ، فذكرتُ ما صنع بي ، فأردتُ أن أُقابل إساءتَّه إلّ بالإِحسان مع
القدرة .
بعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ttps://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس
٣٧٩
قال ابن الجوزي : كان الوزير يجتهد في اتّباع الحقِّ ، ويحذّر من
الظلم ، ولا يلبس الحرير ، وكان مبالغًا في تحصيل التعظيم للدولة العباسية ،
قامعًا للمخالفين بأنواع الحِيَل ، حسم أمور السلاطين السلجوقية .
وذكر صاحب سيرته أنه سمعه يذكر : أنه لمّا استطال السلطان مسعود
وأصحابه وأفسدوا ، عزم هو والخليفة على قتاله . قال: ثم إني فكّرتُ في
ذلك ، ورأيتُ أنه ليس بصواب مجاهرته ؛ لقوة شوكته ، فدخلتُ على المقتفي ،
فقلت : إني رأيتُ أن لا وجه في هذا الأمر إلا الالتجاء إلى الله تعالى ، وصدق
الاعتماد عليه . فبادر إلى تصديقي في ذلك ، وقال : ليس إلا هذا . ثم كتبت
إليه: إن رسول الله عَّ له قد دعا على رعل وذكوان شهرًا، وينبغي أن ندعو
نحن شهرًا . فأجابني بالأمر بذلك . قال الوزير : ثم لازمتُ الدعاء في كل
ليلة وقت السَّحَر ؛ أجلس فأدعو الله سبحانه ، فمات مسعود لتمام الشهر ،
لم يزد يومًا ولم ينقص يومًا ، وأجاب الله الدعاء وأُزال يد مسعود وأتباعه عن
العراق ، وأورثنا أرضَهم وديارهم . وهذه القصة تُذكر في كرامات الخليفة
والوزير ، رحمهما الله تعالى .
ابن هبيرة يستحِثُّ نور الدين محمود زنكي على انتزاع مصر من الفاطميين :
وكاتب الوزيرُ ابنُ هبيرة السلطانَ نور الدين محمود بن زنكي ، يستحثه
على انتزاع مصر من يد العبيديين ، فسيّر إليها أسد الدين شيركوه مَّتين ، وفي
الثالثة خُطِب بها للمستنجد ، وجاء الخبر بذلك إلى بغداد سنة تسع وخمسين ،
وعمل أبو الفضائل بن تركان حاجب الوزير ابن هبيرة قصيدة يُهنئ بها الوزير
بفتْح مصر ، ويذكر أن ذلك كان بسبب سعيه وبركة رأيه ، وتكامل انتزاع
مصر من بني عبيد ، وإقامة الخطبة لبني العباس بها بعد سبع سنين في خلافة
المستضيء ، فعظُمت حُرْمة الدولة العباسية في وقته ، وانتشرت إقامة الدعوة
لها في البلاد .
https://weblessam.blogspot.com/
بعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٣٨٠
صلاح الأمة في عُلُوٌ الهمة - المجلد السادس
قال ابن الجوزي : وكان المقتفي معجبًا به ، يقول : ما وزر لبني العباس
مثله .
قال ابن الجوزي : حدَّثني الوزير قال : لما رجعتُ من الحلّة - وكان
قد خرج لدفع بعض البغاة - دخلت على المقتفي ، فقال لي : ادخل هذا
البيت فغيِّر ثيابك . فدخلت فإذا خادمٌ وفَرّاش ومعهم خلعة حرير ، فقلت :
أنا والله ما ألبس هذه . فخرج الخادم فأخبر المقتفي ، فسمعت صوت المقتفي
وهو يقول : قد والله قلت : إنه ما يلبس .
وذكر صاحب سيرته هذه الحكاية مبسوطة ، قال : فعاد الخادم وعلى
يده دست من ثياب الخليفة فأفاضه علَّي ، وقال : قد أخبرت أمير المؤمنين
بامتناعك ، فقال : والله لقد حسبت هذا ، وأنه لا يفعل . قال : فقلت حينئذٍ
لنفسي : يا يحيى ، كيف رأيتَ طاعة الله تعالى؟ لو كنتَ قد لبستها كيف كنت
تكون في نفس أمير المؤمنين ؟ وكيف كانت تكون منزلتك عنده ؟
قال صاحب سيرته : وكان لا يلبس ثوبًا يزيد فيه الإِبريسم على القطن ،
فإن شكَّ في ذلك سلّ من طاقاته ونظر : هل القطن أكثر أم الإِبريسم ؟ فإِن
استويا لم يلبسه .
قال : ولقد ذكر يومًا في بعض مجالسه ، فقال له بعض الفقهاء الحنابلة :
يا مولانا ، إذا استويا جاز لبسه في أحد الوجهين عن أصحابنا . فقال : إني
لا آخذ إلا بالأحوط .
قال : وذُكر يومًا بين يديه : أنه كان للصاحب ابن عباد دست من ديباج .
فقال الوزير : قَبُح والله بالصاحب أن يكون له دست من ديباج ؛ فإنه وإن كان
زينة ، فهو معصية وهجنة .
قال ابن الجوزي ، ونقله عنه ابن القطيعي : سمعتُ ابن هبيرة الوزير
يقول : جاءني مكتوبٌ مختوم من المستنجد في حياة أبيه المقتفي ، فقلت
ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/