النص المفهرس

صفحات 341-360

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
الفصل الثالث
علوُ همَّة الوزراء
((إنما السلطان بأصحابه كالبحر بأمواجه))
بعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
https://weblessam.blogspot.com/
ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس
٣٤٣
علوّ همَّة الوزراء
اعلم يا أخي أنه لا ينفع الملِك إلّا بوزرائه وأعوانه، ولا ينفع الوزراء والأعوان
إلّا بالمودّة والنصيحة ، ولا تنفع المودة والنصيحة إلّا مع الرأي والعفاف.
قال رسول الله عَ ليه: ((إذا أراد الله بالأمير خيرًا، جعل له وزير صدق؛
إن نسيَ ذكّره ، وإن ذكر أعانه . وإذا أراد الله به غير ذلك ، جعل له وزير
سوء؛ إن نسي لم يذكِّرْه، وإن ذكر لم يُعنه)) (١) .
وقال رسول الله عَ له: ((من ولي منكم عملًا، فإذا أراد الله به خيرًا،
جعل له وزيرًا صالحًا؛ إن نسي ذكّره، وإن ذكر أعانه))(٢).
وقال رسول الله عَ ليه: ((إن الله تعالى لم يبعث نبيًّا ولا خليفة، إلّا وله
بطانتان ؛ بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر ، وبطانة لا تألوه خبالا ، ومَنْ
يُوق بطانة السوء، فقد وُقِي)(٣) .
وقال الأحنف بن قيس : من فسدت بطانته ، كان كمن غُصَّ بالماء .
ومَنْ غُصّ بالماء ، فلا مَساغ له . ومَنْ خانه ثِقاته ، فقد أُتي من مأمنه .
مَنْ غُصّ داوى بشرب الماء غُصَّتَه فكيف يفعلُ من قد غُصَّ بالماءِ
وقال عمرو بن العاص : لا سلطان إلا بالرجال .
وقالوا : إنما السلطان بأصحابه كالبحر بأمواجه .
وقالوا : ليس شيءٌ أضرّ على السلطان ، من صاحب يُحسن القول ولا
(١) صحيح : رواه أبو داود، والبيهقي في شعب الإيمان عن عائشة، وصحَّحه الألباني
في صحيح الجامع رقم (٢٩٩).
(٢) صحيح: رواه النسائي عن عائشة، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع رقم (٦٤٧٢).
(٣) صحيح: رواه البخاري في التاريخ، والترمذي عن أبي هريرة، ورواه أحمد، والبخاري
تعليقًا، والطحاوي، والحاكم والبيهقي، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع رقم (١٨٠١).
https://weblessam.blogspot.com/
ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس
٣٤٤
يُحسن الفعل ، ولا خير في القول إلّا مع الفعل .
وقالوا : إن السلطان إذا كان صالحًا ووزراؤه وزراء سَوْء ، امتنع خيره
من الناس ، ولم يُنتفع منه بمنفعة . وشبَّهوا ذلك بالماء الصافي يكون فيه التمساح ،
فلا يستطيع أحدٌ أن يدخله وإن كان محتاجًا إليه .
وإليك أمثلة من الوزراء عُلاة الهمم :
نبُّ الله هارون عليه السلام :
قصَّ الله علينا من أمر موسى عليه السلام ودعائه مولاه : ﴿ واجعل لي وزيرًا
من أهلي هارون أخي اشْدُذْ به أزري وأشركْه في أمري کي نسبِّحكَ كثيرًا ونذكُرك
كثيرًا إِنَّك كُنْتَ بنا بصيرًا ﴾ [ طه: ٢٩ - ٣٥] . وقال تعالى : ﴿ قال رب إني
قتلت منهم نفسًا فأخافُ أنْ يقتلون وأخي هارونُ هو أفصح مني لسانًا فأرسله
معي ردءًا يصدّقُني إني أخافُ أنْ يكذِّبون قال سنشدُّ عَضُدَك بأخيك ونجعل
لكما سلطانًا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومَن اتبعكما الغالبون
[ القصص: ٣٣ - ٣٥ ] .
قال ابن كثير في ((البداية والنهاية)) (٢٣٣/١): ((أي اجعله معي معينًا
ورِدْءًا ووزيرًا ، يساعدني ويُعيني على أداء رسالتك إليهم ، فإنه أفصح مني لسانًا
وأبلغ بيانًا )) .
ولقد كان هارون عليه السلام يُعلم عنه فصاحة اللسان ، وثبات الجنان ،
وهدوء الأعصاب ، فطلب موسى عليه السلام إلى ربّه أن يُعِينه بأخيه ؛ يشدُّ أزره ،
ويقوِّيه ، ويتروَّى معه في الأمر الجليل الذي هو مُقْدِمٌ عليه .
ولمّا ذهب موسى لمناجاة ربّه ، وخلَّف أخاه في قومه ، ورآهم هارون
وقد مالوا إلى عبادة العجل ، نهاهم هارون عليه السلام عن هذا الصنيع الفظيع
أشدّ النهي، وزجرهم عنه أتمَّ الزجر ، قال الله تعالى: ﴿ولقد قال لهم هارون
من قبل يا قوم إنما قُتْتُم به وإن ربَّكم الرحمنُ فاتبعوني وأطيعوا أمري قالوا
ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوٌّ الهمة - المجلد السادس
٣٤٥
لن نبرحَ عليه عاكفين حتى يرجعَ إلينا موسى﴾ [ طه: ٩٠ - ٩١].
وموقف آخر هارون النبي الوزير عليه السلام: قال تعالى: ﴿قال يا هارون
ما منعك إذْ رأيتهم ضلُّوا ألَّا تَتَّبعنِ أفعصيتَ أمري قال يا بنؤم لا تأخذ بلحيتي
ولا برأسي إني خشيتُ أن تقولَ فَرَّقَتَ بين بني إسرائيل ولم ترقُب قولي ﴾
[ طه : ٩٢ - ٩٤ ] .
وقد قال موسى هارون- عليهما السلام -: ﴿اخلُفني في قومي وأصلحْ
ولا تَتَّبع سبيلَ المفسدين﴾ [الأعراف: ١٤٢ ].
قال ابن عباس عن توقير هارون لموسى - عليهما السلام -: كان هائبًا
له ، مطيعًا . وفي السياق: حاول هارون عليه السلام أن يُهدِّئ من غضب أخيه ،
باستجاشة عاطفة الرّحم في نفسه ، وكان هارون عليه السلام أهدا أعصابًا في هذا
وأملك لانفعاله من نبي الله موسى عليهما السلام ، وعرض له وِجْهَة نظره
في صورة الطاعة لأمره حسب تقديره ، واعتذر له عن سبب تأخره عنه ، حيث
لم يلحقْه فيخبره بما كان من هذا الخطْب الجسيم ، وعلَّله بأنه خشي إن تبعه
فأخبره بهذا ، أن يقول له : لم تركتَهم وحدهم ، وفَّقتَ بينهم ، وما راعيتَ ما أمرتُك
به حيث استخلفتُك فيهم . أو إنه خشي إن هو عالج الأمر بالعنف ، أن يتفرَّق
بنو إسرائيل شيعًا ؛ بعضهم مع العجل ، وبعضهم مع نصيحة هارون ، وقد أمره
أن يُحافظ على بني إسرائيل ولا يُحْدِث فيهم أمرًا. فهي كذلك طاعة الأمر
من ناحية أخرى .
أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ؛ وزيرا رسول الله عَ ليه:
كانا نِعْمَ الوزيرَيْن ، وكانا من الدين سمعه وبصره .
عن سويد بن غفلة أنه قال : مررتُ بقوم ينتقصون أبا بكر وعمر رضي الله
عنهما ، فأخبرت عليًّا كرّم الله وجهه ، وقلتُ : لولا أنهم يرون أنك تُضْمِر
ما أعلنوا ، ما اجترءوا على ذلك ، منهم عبد الله بن سبأ . فقال علي رضي الله عنه :
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٣٤٦
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس
نعوذ بالله ، رحمنا الله . ثم نهض ، وأخذ بيدي ، وأدخلني المسجد ، فصعد
المنبر ، ثم قبض على لحيته - وهي بيضاء - فجعلت دموعه تتحادر عليها ،
وجعل ينظر للقاع حتى اجتمع الناس ، ثم خطب فقال: (( ما بال أقوام يذكرون
أخوي رسول الله ووزيريه ، وصاحبيه وسيِّدي قريش ، وأبوئي المسلمين ، وأنا
بريءٌ مما يذكرون، وعليه معاقِب؛ صحبا رسول الله عَ له بالحبّ والوفاء،
والجدّ في أمر الله ، يأمران وينهيان ، ويغضبان ويُعاقبان ، ولا يرى رسول الله
كرأيهما رأيا ، ولا يحبُّ كحبِّهما أحدًا، لِمَا يرى من عزمهما في أمر الله ،
فقُبض وهو عنهما راضٍ ، والمسلمون راضون ، فما تجاوزا في أمرهما وسيرتهما
رأيه عَ لّ وأمره في حياته وبعد موته، فقُبضا على ذلك، رحمهما الله .
فوالذي فلق الحبَّة وبرأ النسمة، لا يحبُّهما إلّا مؤمنٌ فاضل، ولا يبغضهما إلّا
شقّي مارق؛ وحبّهما قُرْبة، وبغضهما مروق)). وفي رواية: ((لعن الله من أضمر
لهما إلّا الحسَن الجميل))(١) .
والله دُّ عمر وعلوّ همَّته في النُّصْح لنبّه عَ لِ ، فكان نعم الوزير والبطانة
النبِي الله؛ فينزل القرآن موافقًا لقول عمر .
روى البخاري عن عمر قال: «وافقتُ ربي في ثلاث ؛ فقلت : يا رسول الله ،
لو اتَّخذنا من مقام إبراهيم مصلَّى. فنزلت: ﴿واتَّخِذُوا من مقام إبراهيم
مصلَّى﴾. وآية الحجاب ؛ قلت : يا رسول الله ، لو أمرت نساءَك أن يحتجبن ،
فإنه يكلِّمُهُن البُر والفاجر. فنزلت آية الحجاب، واجتمع نساء النبي عَ}
في الغيرة عليه ، فقلت لهن: عسى ربُّه إن طلَّقَكُن أن يُبدله أزواجًا خيرا منكن.
فنزلت هذه الآية )) (٢) .
(١) طَوْق الحمامة في مباحث الإمامة ليحيى بن حمزة الزيدي ، نقلًا عن مختصر التحفة
للشيخ محمود الألوسي صـ١٦ .
(٢) أخرجه البخاري والترمذي مختصرًا، وابن ماجة مختصرًا، وأخرجه أحمد في المسند
وفي فضائل الصحابة ، وابن أبي عاصم في السنة ، وعزاه المزي للنسائي .
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
صلاحِ الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد السادس
٣٤٧
وروى مسلم عن عمر قال: ((وافقتُ ربي في ثلاث ؛ في مقام إبراهيم ،
وفي الحجاب ، وفي أسارى بدر )) .
قال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) (٥٠٥/١): ((وليس في تخصيصه
العدد بالثلاث، ما ينفي الزيادة عليها؛ لأنه حصلت له الموافقة في أشياء غير
هذه؛ من مشهورها قصَّة أسارى بدر ، وقصة الصلاة على المنافقين ، وهما
في الصحيح . وصحّح الترمذي من حديث ابن عمر أنه قال : ما نزل بالناس
أمرٌ قطّ فقالوا فيه ، وقال فيه عمر ؛ إلّا نزل القرآن فيه على نحو ما قال عمر .
وهذا دالٌّ على كثرة موافقته )).
عمر بن عبد العزيز ؛ وزير صدق لسليمان بن عبد الملك :
كان سليمان بن عبد الملك لا يصبر على فراق وزيره عمر بن عبد العزيز
له ، ويقول : ما هو إلّا أن يغيب عني هذا الرجل ، فما أجدُ أحدًا يفقه عني .
والله دُّ عمر، ما كان أعلى همَّته في النُّصْح لسليمان .
عن طلحة بن عبد الملك الأيلي ، قال : دخل عمر بن عبد العزيز على سليمان
ابن عبد الملك وعنده أيوب ابنه ، وهو يومئذٍ ولي عهده ، وقد عقد له من بعده ،
فجاء إنسان يطلُب ميراثًا من بعض نساء الخلفاء ، فقال سليمان : ما إخال النساء
يرثن في العقار شيئًا . فقال عمر بن عبد العزيز : سبحان الله ، وأين كتاب الله .
فقال : يا غلام ، اذهب فأتني بسجِل عبد الملك بن مروان الذي كتب في ذلك -
وكان كتب أنه ليس للبنات شيء- فقال له عمر: لكأنَّك أرسلتَ إلى المصحف ؟!
وفي رواية : إلى المصحف أرسلته ؟! قال أيوب : والله ليوشكن الرجل يتكلّم بمثل
هذا عند أمير المؤمنين، ثم لا يشعر حتى يفارقه رأسُه. فقال له عمر: إذا أفضى
الأمر إليك وإلى مثلك ، فما يدخل على أولئك أشدُّ ممّا خشيتُ أن يُصيبَهم من
هذا . فقال سليمان لأيوب : مه . وسبّه ، وقال : لأبي حفص تقول هذا ؟
فقال عمر : والله لئن جهل علينا يا أمير المؤمنين ، ما حلمنا عنه .
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٣٤٨
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس
ومرةً ثانية يردُّ الوزيرُ عمرُ بن عبد العزيز ، سليمانَ الخليفةَ إلى الشرع :
فعن خالد بن عبد الرحمن ، قال : كنا في عسكر سليمان بن عبد الملك ،
فسمع غناء في الليل ، فأرسل إليهم بُكرة ، فجيءَ بهم ، فقال : إنّ الفرس لَيصهل
فتستودِق له البغلة ، وإن الفحل ليخطر فتضبع له الناقة ، وإن التيس لَينب فتستجْوِم
له العنزة ، وإن الرجل لَيُغنِّي فتشتاقُ إليه المرأة . ثم قال : اخصوهم . قال
عمر بن عبد العزيز : هذا مُثْلَةٌ ، ولا تحلُّ . فخلَّى سبيلهم .
ومرّة أخرى يُنَبِّهه : لمَّا أشرف سليمان ومعه عمر على عقبة عسفان ،
نظر سليمان إلى عسكره ، فأعجبه ما رأى ، فقال : كيف ترى ما ها هنا يا عمر ؟
قال : أرى دنيا يأكُل بعضُها بعضًا ، أنت المسئول عنها ، والمأخوذ بما فيها .
فطار غرابٌ من حُجرة سليمان ينعب ، في منقاره كسرة ، فقال سليمان :
ما ترى هذا الغراب يقول ؟ قال : أظنّه يقول : من أين دخلت هذه الكسرة ؟
وكيف خرجت ؟ قال : إنك لتجيء بالعجب يا عمر .
وعن عبد العزيز بن أبي رواد : خرج سليمان بن عبد الملك يومًا إلى
بعض الوادي ، فأصابهم رغْدٌ وبْقٌ وصواعق ، ففزع سليمان ، ونادى : يا عمر ،
يا عمر ، وكانوا - يعني بني أمية - إذا أصابتهم شدَّة ، فزعوا إلى عمر بن عبد العزيز ،
فإذا عمر ينادي: ها أنا ذا. قال: ألا ترى ؟ قال: يا أمير المؤمنين، إنَّما هذا صوتُ
نعمة ، فكيف لو سمعتَ صوت عذاب ؟ فقال : خذ هذه المائة ألف درهم ،
وتصدَّق بها . فقال عمر : أوَ خيرٌ من ذلك يا أمير المؤمنين ؟ قال : وما هو ؟
قال: قوم صحبوك في مظالم لهم ، لم يصلوا إليك . قال : فجلس سليمان ،
فردَّ المظالم .
رجاء بن حَيْوة ، الإِمام القُدوة ، والوزير العادل ؛ له في عُنُق المسلمين مِنَّةٌ
وفضّلٌ بسبب مشورته في تولية عمر بن عبد العزيز :
((كان عبد الله بن عون إذا ذَكَر مَن يُعجبه ؛ ذَكَر رجاءً بن حيوة .
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٣٤٩
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس
وقال ابن عون : ثلاث لم أر مثلهم ، كأنهم التقوا فتواصوا ؛ ابن سيرين
بالعراق ، وقاسم بن محمد بالحجاز ، ورجاء بن حيوة بالشام .
وقال أبو السائب : ما رأيتُ أحدًا أحسنَ اعتدالًا في صلاةٍ من رجاء
ابن حيوة .
وقال ابن عون : ما أدركتُ من الناس أحدًا أعظم رجاء لأهل الإِسلام ؛
من القاسم بن محمد ، ومحمد بن سيرين ، ورجاء بن حيوة .
وقال سعيد بن عبد العزيز : إنَّ إنسانًا رأى في منامه أن إنسانًا من الأبدال
مات ، فكُتب رجاء بن حيوة مكانه .
فللَّه درُّ أبي المقدام رجاء من وزير صِدْقٍ .
قال رحمه الله لعدي بن عدي ومعن بن المنذر يومًا ، وهو يعِظهما :
انظرا إلى الأمر الذي تُحبَّان أن تلقيا الله عليه؛ فخذا فيه الساعة، وانظرا إلى
الأمر الذي تكرهان أن تلقيا الله عليه ؛ فدعاه الساعة .
انظر رحمك الله إلى نظره لصالح العامة :
عن العلاء بن روبة قال : كانت لي حاجة إلى رجاء بن حيوة ، فسألتُ
عنه ، فقالوا : هو عند سليمان بن عبد الملك . قال : فلقيته ، فقال: وَّى
أميرُ المؤمنين اليومَ ابن موهب القضاء ، ولو خُيِّرتُ بين أن أُلِيَ ، وبين أن
أُحمَل إلى حفرتي، لاخترتُ أن أُحمل إلى حفرتي . قلتُ : إن الناس يقولون :
إنك أنت الذي أشرت به ؟ قال : صدقوا إني نظرتُ للعامة، ولم أنظر له))(١) .
هذا الوزير الجليل أبو المقدام رجاء بن حيوة ، له في قلوب الصادقين الربَّانَيِين
كلّ الحبّ والودّ ؛ فلقد اختارته المقادير ليكون السبب الأول والأوثق في إفضاء
الخلافة لابن عبد العزيز ، وزفّ بهذا أعظَم البُشريات لدين الله ولدنيا الناس ،
(١) حلية الأولياء ١٧٠/٥ - ١٧٢.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٣٥٠
صلاحِ الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس
وأسدى لعيون المسلمين: فَرْحةَ عُمْرٍ، وبهجة حياةٍ تبرق بها، بقدوم معجزة
الحاكم الورع العادل الطهور !! فسلامُ اللهِ عليك يا رجاء .
لقد كانت كلمتا: ((العدل، والرحمة))، تسبيحة عذبة على لسانه ،
يلهج بها دومًا ، ويصبُّها في أسماع الخليفة سليمان صبًّا .
أثر رجاء في استخلاف عمر ، ونصحه لدينه وللمسلمين في ذلك :
عن رجاء بن حيوة أنه قال : لما ثقل سليمان ، رآني عمر في الدار أخرج
وأدخل ، فقال : يا رجاء ، أذكِّرُك الله والإِسلام أن تذكرني لأمير المؤمنين ،
أو تشير بي عليه إن استشارك ، فوالله ما أقوى على هذا الأمر . فانتهرتُه ، وقلتُ :
إنك لحريصٌ على الخلافة ، أتطمعُ أن أُشير عليه بك ؟ فاستحيا ، ودخلتُ فقال
سليمان : مَن ترى لهذا الأمر ؟ فقلت : اتق الله ، فإنك قادم عليه ، وسائلُك عن
هذا الأمر ، وما صنعتَ فيه ؟ قال : فمنْ ترى ؟ قلت : عمر بن عبد العزيز(١).
الله دُّك من إمام قدوة داهية ، ولكن في الخير ...
قال محمد بن علي بن شافع: ((إني لأرجو أن يُدخل الله سليمان بن عبد الملك
الجنة ، باستعماله عمر بن عبد العزيز )) . فكيف بمَن أشار عليه بذلك ؟!
عن رجاء بن حيوة قال : لمّا كان يوم الجمعة ، لبس سليمان بن عبد الملك
ثيابًا خضرًا من خَرٍّ، ونظر في المرآة فقال: أنا والله الملك الشابّ. فخرج إلى
الصلاة يصلّي بالناس الجمعة ، فلم يرجع حتى وعك ، فلمّا ثَقُل ، كتب كتاب
عهده إلى ابنه أيوب ، وهو غلام لم يبلُغ ، فقلت : ما تصنع يا أمير المؤمنين ؟
إنه مما يُحفظ به الخليفة في قبره ، أن يستخلف الرجل الصالح . فقال : كتاب
(١) عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي صـ ٦٣ .
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس
٣٥١
أستخير الله فيه ، وأنظر ، ولم أعزم عليه . فمكث يومًا أو يومين ، ثم خرقه ،
ثم دعاني فقال : ما ترى في داود بن سليمان ؟ فقلت : هو غائب بقسطنطينية ،
وأنت لا تدري أحِّي هو أم ميِّت . قال : يا رجاء فمن ترى ؟ فقلت :
رأيك يا أمير المؤمنين ، وأنا أريد أن أنظر من تذكر . فقال : كيف ترى في
عمر بن عبد العزيز ؟ فقلت : أعلمه ، والله، فاضلا خيارًا مسلمًا. قال: هو والله
على ذلك ، ولئن ولَّيته ولم أُوَلِّ أحدًا من ولد عبد الملك لتكونن فتنة ، ولا
يتركونه أبدًا يلي عليهم إلّا أن أجعل أحدهم بعده - ويزيد بن عبد الملك يومئذٍ
غائب على الموسم - قال : فاجعل يزيد بن عبد الملك بعده ، فإن كان مما
يسكنهم ويرضون به . قلتُ: رأيك. فكتب بيده: (( بسم الله الرحمن الرحيم ،
هذا كتاب من عبد الله سليمان أمير المؤمنين لعمر بن عبد العزيز ، إني ولَّيتُه
الخلافة بعدي ، ومن بعده يزيد بن عبد الملك ، فاسمعوا له وأطيعوا ، واتقوا الله ،
ولا تختلفوا فيُطمع فيكم)). وختم الكتاب ، وأرسل إلى كعب بن جابر صاحب
شرطته : أن مُر أهل بيتي أن يجتمعوا بجمعهم . ثم قال سليمان لرجاء - بعد
اجتماعهم -: اذهب بكتابي هذا إليهم ، فأخبرهم أنه كتابي ، ومُرهم فليبايعوا
من ولَّيتُ . ففعل رجاء ، فقالوا : سمعنا وأطعنا لمن فيه . وقالوا : ندخل ونسلِّم
على أمير المؤمنين ؟ قال : نعم . فدخلوا ، فقال لهم سليمان : هذا الكتاب -
وهو يشير لهم ، وهم ينظرون إليه في يد رجاء - هذا عهدي ، فاسمعوا له
وأطيعوا ، وبايعوا لمن سمَّيتُ في هذا الكتاب . قال : فبايعوه رجلا رجلاً ،
ثم خرج بالكتاب مختومًا في يد رجاء .
قال رجاء : فلما تفَّقوا ، جاءني عمر بن عبد العزيز ، فقال : يا أبا المقدام ،
إنّ سليمان كانت له بي حُرْمة ومودّة ، وكان بي برّا وملطفًا، فأنا أخشى أن
يكون قد أسند إلّ من هذا الأمر شيئًا، فأنشدك الله ، وحرمتي إلّا أعلمتني
إن كان ذلك، حتى أستعفيه الآن، قبل أن يأتي حال لا أقدر فيها على ذلك. فقال
ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٣٥٢
صلاحِ الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس
رجاء : لا والله، ما أنا مخبرك حرفًا واحدًا . فذهب غضبان ، قال رجاء :
ولقيني هشام بن عبد الملك ، فقال : يا رجاء ، إنّ لي حرمة ومودَّة قديمة ،
وعندي شكر ، فأعلمني أهذا الأمر إلّ ؛ فإن كان إلّ علمتُ ، وإن كان
إلى غيري تكلَّمتُ ، فليس مثلي قصَّر به ، ولا نحىّ عنه هذا الأمر ، فلك الله
أن لا أذكر اسمك أبدًا، فأعْلِمْني، فأَبْتُ، وقلت: والله لا أخبرك حرفًا واحدًا. فانصرف
هشام وهو مؤيس ، وهو يضرب بإحدى يديه على الأخرى ، ويقول : فإلى مَن
إذا نُحِّيت عني ؟ أتخرج من بني عبد الملك ؟
قال رجاء : ودخلت على سليمان وهو يموت ، فجعلتُ إذا أخذته سكرة
من سكرات الموت حرّفته إلى القبلة ، فجعل يقول - وهو يُفارق -: لم يأن لذلك
بعد يا رجاء . حتى فعلتُ ذلك مرتين ، فلما كانت الثالثة قال : من الآن يا رجاء ،
إن كنت تريد شيئًا ، أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله .
فحرَّفته ، ومات ، فلمَّا غمّضته ، سجَّيته بقطيفة خضراء ، وأغلقتُ الباب ، وأرسلتْ
إِلَّ زوجته : كيف أصبح ؟ فقلت : نام ، وقد تغطّى . فنظر الرسول إليه مغطى ،
فرجع فأخبرها ، فقبلت .
قال رجاء : وأجلست على الباب من أثق به ، وأوصيته أن لا يريم حتى
آتيه ، ولا يُدخل على الخليفة أحدًا . فخرجتُ فأرسلت إلى كعب بن جابر ،
فجمع أهل بيت أمير المؤمنين ، فاجتمعوا في مسجد دابق ، فقلت : بايعوا .
قالوا : قد بايعنا مرة ، ونبايع مرة أخرى ؟ قلت : هذا أمير المؤمنين ، بايعوا
على ما أمر به ، ومن سمَّى في هذا الكتاب المختوم . فبايعوا رجلًا رجلًا،
فرأيت أني قد أحكمتُ الأمر ، فقلت : قوموا إلى صاحبكم قد مات . وقرأت
عليهم الكتاب ، فلما انتهیتُ إلى ذكْر عمر بن عبد العزيز ، نادى هشام : لا نبايعه
أبدا . قال : قلت : والله أضرب عنقك، قم فبايع. فقام يجُّ رجليه، وأخذتُ
بضبعي عمر فأجلسته على المنبر ، وهو يسترجع لما وقع فيه ، وهشام يسترجع
لما أخطأه ، فلما انتهى هشام إلى عمر ، قال: إنَّا لله وإنّا إليه راجعون ، حين صار
https://weblessam.blogspot.com/
ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس
٣٥٣
هذا الأمر إليك على ولد عبد الملك. قال عمر : نعم ، وإنَّا لله وإنّا إليه
راجعون حين صار إلّ لكراهتي له .
الله دُّ هذا الوزير الربّاني الذي يقول فيه مسلمة بن عبد الملك أمير
السرايا: ((برجاء بن حيوة وبأمثاله نُنصَر))(١).
وانظر إلى علوّ همَّته في الاتِّباع ، ونهيه عن الابتداع :
عن الوليد بن أبي السائب : أن رجاء بن حيوة كتب إلى هشام بن
عبد الملك : بلغني يا أمير المؤمنين أنه دخلك شيءٌ من قَتْل غيلان وصالح ،
وأقسم لك بالله يا أمير المؤمنين إن قتلهما أفضل من قتل ألفين من الروم أو
الترك !! (٢) . وفي آخر أمره تَرَك رجاء الوزارة .
فعن رجاء بن أبي سلمة قال : قدم يزيد بن عبد الملك بيت المقدس ،
فسأل رجاء أن يصحبه ، فأبى واستعفاه ، فقال له عقبة بن وساج : إن الله
ينفع بمكانك . فقال : إن أولئك الذين تريد قد ذهبوا . فقال له عقبة : إن
هؤلاء القوم قلَّما باعدهم رجلٌ بعد مقاربة إلا ركبوه . قال : إني أرجو أن
یکفیهم الذي أدعوهم له .
ذو الوزارتين صاعد بن مخلد :
الوزير الكبير أبو العلاء الكاتب ، له صدقات وبِّ وقيام ليل ، وزر
للمعتمد سنة ست وستين .
كان يتردّد إليه أبو العيناء ، فيقولون : هو الساعة يصلّي . فقال : كل
جديدٍ له لذَّة(٣).
(١) تاريخ ابن عساكر ١١٧/٦ ب .
(٢) حلية الأولياء ١٧١/٥ - ١٧٢.
(٣) السير ٣٢٦/١٣ - ٣٢٧.
ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس
٣٥٤
الوزير العادل، الإِمام المُحدِّث الصّادق، مجاب الدعوة أبو الحسن علي بن
عیسی بن داود بن الجرّاح البغدادي :
وزر غير مّة للمقتدر وللقاهر ، وكان عديم النظير في فِّه .
حدَّث عنه ولده عيسى ، وأبو القاسم الطبراني ، وأبو الطاهر الذهلي ،
وغيرهم .
قال الذهبي في السير (٢٩٩/١٥ - ٣٠٠): كان على الحقيقة غنيًّا
شَاكِرًا ، ينطوي على دينٍ متين وعِلْم وَفَضْل وكان صَبُورًا على المِحَنِ . ولله
به عناية ، وهو القائل - يُعزِّي وَلَدَي القاضي عمرَ بنِ أبي عمر القاضي في
أبيهما -: مُصيبةٌ قد وَجَبَ أَجْرُها خَيْرٌ مِنْ نِعْمَةٍ لا يُؤْدَّى شُكْرُها .
وكان رحمه الله كثير الصَّدَقَاتِ والصَّلَوَاتِ ، مَجْلِسهُ موفورٌ بالعلماءِ.
صَنّفَ كِتَابًا في الدُّعاءِ، وكتابَ ((مَعاني القرآن)) أعانَه عليه ابنُ مجاهد المقرئ ،
وآخر ، وله ديوانُ رسائِلِه .
وكان من بُلَغَاءِ زَمانِهِ. وزر في سنةٍ إحدى وثلاثمائة أربعةَ أعوام، وعُزل ،
ثُمَّ وزر سنةً خمس عشرة .
قال الصُّولي : لا أَعْلَمُ أَنه وَزَرَ لبني العَبَّاسِ مثلُه فِي عِقَّتَه وَزُهْدِه، وحِفْظِه
للقرآنِ، وَعِلْمِهِ بمعانيه، وكان يصومُ نهارَه، ويقومُ ليلَه، وما رأيتُ أعرَفَ بالشّعْر
منه، وكان يجلِس للمظالِم، ويُنصِفُ النَّاس، لم يَرَوا أعفَّ بطنًا ولِسانًا وفَرْجًا منه.
ولمَّا عُزل ثانيًا، لَم يَقنع ابنُ الفُرَات حتَّى أُخرَجَه عن بغدادَ ، فجاوَرَ بِكَّةً .
وله في نَكْبَتِهِ :
لِمَا نابني أو شامتًا غير سائلٍ
ومنْ يك عني سائلًا لشماتةٍ
صبورًا على أهوالٍ تلك الزلازل
فقد أبرزت مني الخطوبُ ابنَ خُرَّةٍ
ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس
٣٥٥
إذا سُرَّ لم يبطر وليس لنكبةٍ إذا نزلتْ بالخاشعِ المتضائلِ
وقد أشار على المقتدر فأفلح ، فوقف ما مُغَلُّه في العام تسعون ألف دينار
على الحرمين والثغور ، وأفرد لهذه الوقوف ديوانًا سمَّاه : ديوان البر .
قال المُحدِّث أبو سهل القطان : كنت معه لما نُفِي بمكة ، فدخلنا في
حرِّ شديد وقد كدنا نتلف ، فطاف يومًا ، وجاء فرمى بنفسه ، وقال : أشتهي
على الله شربة ماء مثلوج . قال : فنشأت بعد ساعة سحابة ورعدت ، وجاء
بَرَد كثير ، جمع منه الغلمان جرارًا، وكان الوزير صائمًا ، فلمَّا كان الإِفطار ،
جثته بأقداح من أصناف الأسوقة ، فأقبل يسقي المجاورين ، ثم شرب وحمد الله ،
وقال : ليتني تمنّيتُ المغفرة .
وكان الوزير متواضعًا ، قال : ما لبستُ ثوبًا بأزْيَد من سبعة دنانير .
قال رحمه الله : كسبت سبعمائة ألف دينار ، أخرجت منها في وجوه
البِّ ستمائة ألف وثمانين ألفا .
الوزير الإِمام الحافظ ابن حِنْزَابة :
أبو الفضل جعفر ابن الوزير أبي الفتح الفضل بن جعفر بن محمد بن موسى
البغدادي ، وزر أبو الفضل بمصر الكافور .
قال السِّلَفي : كان ابن حِنْزابة من الحفّاظ الثِّقات المتبجِّحين بصُحبة أصحاب
الحديث ، مع جلالة ورياسة ، يروي ويُملي بمصر في حال وزارته ، ولا يختار
على العلم وصحبةِ أهلِهِ شيئًا ، وعندي من أماليه ، ومن كلامه على الحديث ،
وتصرّفه الدال على حدَّة فَهْمه ووُفور عِلْمِه .
وقد روى عنه حمزةُ بن محمد الكناني الحافظ مع تقدُّمه .
حدّث عنه الدار قطني ، والحافظ أبو محمد عبد الغني المصري ، وطائفة .
قال الخطيب : وكان يذكر أنه سمع مجلسًا من أبي القاسم البغوي ، ويقول :
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس
٣٥٦
مَن جاءني به أغنيتُه . وكان يُملي الحديث بمصر ، وبسببه خرج الدّار قطنّ
إليها ؛ فإن ابنَ حِنزابة كان يُريد أن يصنّف مُسندًا ، فخرج الدار قطنيّ إلى مصر ،
وأقام عنده مدَّة ، وحصل له منه مال كثير(١) .
قيل : كان ابنُ حِنزابة متعبِّدًا ، ثم يفطر ، ثم ينام ، ثم ينهض في الليل ،
ويدخل بيت مُصلاه فيصفُّ قدميه إلى الفجر .
قال المُسبِّحي : لما غُسِّل ابنُ حِنزابة ، جُعل فيه ثلاثُ شعراتٍ من شَعر
النّبِي عَّةِ ، كان أخذها بمالٍ عظيم .
وحِنْزَابة : جارية ، هي والدةُ الفضل الوزير ، وفي اللغة : الحِنْزَابة :
هي القَصِيرة السَّمِينة .
قال ابنُ طاهر: رأيتُ عند الحبَّال كثيرًا من الأجزاء التي خرّجت لابن حِيْزَابة ،
وفي بعضها الجزء الموفي ألفًا من مسند كذا ، والجزء الموفي خمسمائة من مسند
كذا ، وكذا سائر المسندات . ولم يزل يُنفق في البِرِّ والمعروف الأموال، وأنفقَ
كثيرًا على أهل الحَرَميْن إلى أن اشترى دارًا أقرب شيء إلى الحجرة النبويَّة ، وأوصى
أن يُدفن فيها ، وأرضى الأشراف بالذَّهب . فلما حُمِلَ تابوتُهُ من مصر ، تلقّوه
ودُفن في تلك الدار .
قال الحسنُ بن أحمد السبيعي : قدم علينا الوزيرُ جعفرُ بنُ الفضل إلى
حلب ، فتلقَّه الناسُ ، فكنتُ فيهم ، فعُرِّف أني مُحدِّث ، فقال لي : تعرفُ
إسنادًا فيه أربعةٌ من الصحابة ؟ قلت : نعم ، حديثُ السائب بن يزيد ، عن
حُويطب ، عن عبد الله بن السَّعدي ، عن عُمر رضي الله عنهم في ......
(١) تاريخ بغداد ٢٣٤/١١ .
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٣٥٧
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس
العُمالة (١) . فعَرف لي ذلك، وصار لي عنده منزلة .
عميد الجيوش أبو علي الحسين بن أبي جعفر ؛ يُقيم السُّن :
الأمير الوزير ، وزر لبهاء الدولة ، واستنابه بهاء الدولة على العراق ،
فقدمها في سنة ٣٩٦ والفتن ثائرة بها ، فضبط العراق بأتمِّ سياسة ، وأباد
الحراميّة ، وقتل عدَّة ، وأبطل ماتم عاشوراء ، وأمر مملوكًا له بالمسير في محالّ
بغداد ، وعلى يديه صينية مملوءة دنانير ، ففعل ، فما تعرَّض له أحد لا في الليل
ولا في النهار .
وكان مع فرط هيبته ، ذا عدٍ وإنصاف . وَلِي العراق تسع سنين سوى
أشهر .
مات في عهده نصراني تاجر من مصر ، وخلّف أموالًا ، فأمر بحفظها
حتى جاء الورثة من مصر وتسلّموها .
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ١٣٣/١٣ في الأحكام : باب رزق الحاكم والعاملين
عليها . عن الزهري ، أخبرني السائب بن يزيد - ابن أخت نمر - أن حويطب بن
عبد العزى أخبره ، أن عبد الله السعدي ، أخبره أنه قدم على عمر في خلافته .
فقال له عمر: ألم أُحدّث أنك تلي من أعمال الناس أعمالًا، فإذا أُعطيتَ العُمالة
كرهتها ؟ فقلت : بلى . فقال عمر : ما تريد إلى ذلك ؟ فقلت : إن لي أفراسًا
وأعبدًا ، وأنا بخير ، وأريد أن تكون عُمالتي صدقة على المسلمين . قال عمر :
لا تفعل ، فإني كنت أردتُ الذي أردتَ، وكان رسول الله عَّهِ يُعطيني العطاء،
فأقول : أعطه أفقر إليه مني . حتى أعطاني مرّةً مالًا ، فقلت : أعطه أفقر إليه
مني. فقال النبي عَّ لمِ: ((خذه فتموَّلْه، وتصدَّقْ به ، فما جاءك من هذا المال
وأنت غير مشرف ولا سائل، فخذ ، وإلّا فلا تتبعه نفسك)).
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس
٣٥٨
أمير الجيوش الوزير السُّتَي وسط العُبيديِّين :
الملك الأفضل أبو القاسم شاهنشاه بن الملك أمير الجيوش بدر الجمالي ،
عظُم شأنه، وأهلك ((نزارًا)) - ولد المستنصر ، صاحب دعوة الباطنية - وأتابكه
((أفتكين)) متولِّي الثغر، وكان بطلًا شجاعًا وافر الهيبة ، عظيم الرتبة .
وكانت الأمراء تكرهه لكونه سُنِّيًّا ، فكان يؤذيهم ، وكان فيه عدْلٌ ،
فظهر بعده الظلم والبدعة .
قال أبو علي بن القلانسي : كان الأفضل حسنَ الاعتقاد ، سُنًَّّا حميد السيرة ،
كريم الأخلاق ، لم يأت الزمان بمثله(١) .
وفخر الملك ، الوزير أبو غالب محمد بن علي الصيرفي ؛ من محاسن الدهر في
الإحسان على العلماء :
قال عنه الذهبي في ((السير)) (٢٨٣/١٧): ((وزر وناب للسلطان بهاء
الدولة بفارس ، وافتتح قلاعًا ، ثم ولي العراق بعد عميد الجيوش .
وكان شهمًا كافيًا ، طلق المحيّا، وفيه عدل في الجملة، عمرت العراق
في أيامه ، وكان من محاسن الدهر . أنشأ بيمارستانًا عظيمًا ببغداد ، وكانت جوائزه
متواترة على العلماء والصلحاء )).
رُفعت إليه سعايةٌ برجل ، فوقّع فيها: (( السعاية قبيحة ، ولو كانت صحيحة ،
ومعاذ الله أن نقبل من مهتوك في مستور ، ولولا أنك في خفارة شيْبك، لعاملناك
بما يشبه مقالك ، ويردع أمثالك، فاكتم هذا العيب، واتَّق من يعلم الغيب))(٢).
فأخذها فقهاء المكاتب ، وعلَّموها الصغار .
وكان يُضرب به المثل بكثرة جوائزه وعطاياه .
(١) السير ٥٠٧/١٩ - ٥١٠ .
(٢) وفيات الأعيان ١٢٦/٥.
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس
٣٥٩
الوزير العادل ، ظهير الدين أبو شجاع محمد بن الحسين الروذراوي ؛ يكنس
المسجد النبوي ، ويفرش الحصر ، ويُشعل المصابيح :
قال عنه الذهبي: ((كتب المقتدي إلى نظام الملك بخطّه، يُعرِّفه منزلة
أبي شجاع لديه ، ويصف دينه وفضله ، واستوزر المقتدي أبا شجاع في سنة
ست وسبعين وأربعمائة ( ٤٧٦ هـ )، وأقبلت سعادته، وتمكَّن من المقتدي تمكُّنًا
عجيبًا، وعزَّت الخلافة، وأمِن الناس، وعُمرت العراق، وكثرت المكاسب))(١).
وقال السبكي في ((طبقات الشافعية)) (١٣٧/٤ - ١٣٨): ((كان لا يخرج
من بيته حتى يقرأ شيئًا من القرآن ويصلِّي ، وكان يصلِّي الظهر ، ويجلس للمظالم
إلى وقت العصر ، وحجّابه تنادي : أين أصحاب الحوائج . فينصف المظلوم ،
ويؤدّي عن المحبوس ؛ فلم يطمع في أيامه طامع ، ولم يُحدِّث نفسه بالظلم ظالم )) :
وله في عدله حكايات في إنصاف الضعيف من الأمير :
قال العماد في ((الخريدة)): ((وكان عصره أحسنَ العصور ، وزمانه أنضر
الأزمان ، ولم يكن في الوزراء مَن يحفظ أمر الدين وقانون الشريعة مثله ، صعبًا
شديدًا في أمور الشرع ، سهلًا في أمور الدنيا ، لا تأخذه في الله لومة لائم)).
(( وكان من سعادته أن قاضي القضاة الشامي ، ذاك الرجل العالم الصالح ،
هو القاضي في أيامه ، فانتظم أمر بغداد كما ينبغي .
واستدعى يومًا بعض كبار الأمراء بالنواحي ، فجاءه في خمسمائة فارس
من الأمراء والسّارية ، فلما مَثُل بين يديه ، قال له : إن بعض أعوانك أخذ عمامة
رجل . فقال : يا مولانا ، إنك تتعمَّد الغضّ مني ، والنقص من محلِّي ، وهذا
مما يُسأل عنه من استنبته في الشرطة من أصحابي ، والمستخدمون على أبوابي .
(١) السير ٢٨/١٩ .
ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٣٦٠
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس
فقال له الوزير : وإذا سألك الله تعالى في الموقف الذي يسألك فيه عن اللفظة
واللحظة ومثقال الذّرة، يكون هذا جوابك ؟ !! فخرج ذلك الملك، واستبحث
عن العمامة حتى عادت .
وأخباره في ذلك ، ونظائره مشهورة كثيرة .
ثم لاح له توفيق إلهي ، فحاسب نفسه على زكاة ماله ، وعلم أنه أخلّ
بأدائها فيما تقدَّم ، واحتاط بأن أخرجها عن والده سنين كثيرة .
وأمّا ما كان يفعله من صنائع البر ، والتنوع في صِلة المعروف فعجيب
كثير :
استدعى بعض أخِصَّائه في يوم بارد ، وعرض عليه رُقعة من بعض الصالحين ،
يذكر فيها أن في الدار الفلانية امرأةً معها أربعة أطفال أيتام ، وهم عراة ، جياع .
فقال له : امض الآن وابتع لهم جميع ما يصلح لهم . ثم خلع أثوابه ، وقال : والله
لا لبستُها ، ولا أكلتُ حتى تعود وتخبرني أنك كسوتهم وأشبعتهم . وبقي
يُرعد بالبرد إلى حيث قضى الأمر، وعاد إليه، وأخبره))(١).
أمر رحمه الله ليلة بعمل قطائف ، فلمّا أُحضرت ، تذكّر نفوس مساكين
تشتهيها ، فأمر بحمْلها إلى فقراء وأضِرّاء .
وقال بعض من كان يتولّى صدقاته : إنه حسب ما انصرف على يده
من صلاته ، فاشتمل على مائة ألف دينار وعشرين ألف دينار . قال : وكنت واحدًا
من عشرة يتولَّون صدقاته .
وخلعت عليه بنت السلطان ((ملكشاه)) حين تزوَّجت بالمقتدي ، فاستعفى
من لبس الحرير ، فنفّذت له عمامة ودبيقية بمائتين وسبعين دينارًا ، فلبسها .
(١) طبقات الشافعية ١٣٩/٤ .
ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/