النص المفهرس
صفحات 321-340
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس ٣٢١ قال : ذكرنا شيئًا مما كان فيه ، فبكى حتى رأينا خلَل الدمِ في الدمع . فقال الأوزاعي : قد بلغنا البكاء عن البكَّائين ؛ عن داود عليه السلام فَمَنْ دونه ، ما بلغنا أن أحدًا صار إلى هذا غير عمر بن عبد العزيز ، رحمه الله . وعن ميمون بن مهران ، قال : قال عمر بن عبد العزيز: حَدِّثْني يا ميمون ، قال : فحدَّثْتُه حديثًا بكى منه بكاءً شديدًا ، فقال : يا أمير المؤمنين ، لو علمتُ أنك تبكي هذا البكاء ، لَحدَّثْتُك بحديثٍ أَلْيَن من هذا . فقال: يا ميمون ، إِنَّا نأكل هذه الشجرة ( العدس ) ، وهي - ما عَلَمْتَ - مُرِقَّة للقلب ، مُغزرة للدمعة ، مُذِلَّة للجسد . عن أبيٍ سريع الشامي ، قال عمر بن عبد العزيز لرجل من جلسائه : أبا فلان ، لقد أرِقتُ الليلة مفكِّرًا . قال : فيمَ يا أمير المؤمنين ؟ قال : في القبر وساكنه ، إنك لو رأيتَ الميت بعد ثلاثة - أو قال: ثالثة - في قبره ، لَاستوحشتَ من قُرْبِه بعدَ طُول الأَنْس منك بناحيته ، ولَرأيت بيتًا يجول فيه الهوامُّ ، ويجري فيه الصديد ، وتخترقه الديدان ، مع تغيُر الريح ، وبِلَى الأكفان بعد حسن الهيئة ، وطيب الريح ، ونقاء الثوب . قال : ثم شهق شهقة خرَّ مغشيًّا عليه ، فقالت فاطمة : ويحك يا مزاحم ! أخرج هذا الرجل عنا ، فلقد نغَّص علينا أمير المؤمنين الحياة منذ ولي ، فليته لم يل قال : فخرج الرجل ، وجاءت فاطمة ، فجعلت تصبُّ على وجهه الماء وتبكي ، حتى أفاق من غشيته ، فرآها تبكي ، فقال : يا فاطمة ، ما يُبكيكِ ؟ قالت : يا أمير المؤمنين، رأيتُ مصرَعك بين أيدينا ، فذكرتُ مصرعك بين يدي الله للموت ، وتخلِّيك من الدنيا وفراقك لها ، فذاك الذي أبكاني . قال : حسبك يا فاطمة ! فلقد أبلغتِ . ثم مال ليسقط ، فضمَّته إلى صدرها - أو قال : إلى نفسها - فقالت : بأبي أنت وأمي يا أمير المؤمنين ، ما نستطيع أن نكلِّمك بكلِّ ما نجد لك في قلوبنا . فلم يزل على حاله تلك حتى حضرت الصلاة ، فصبَّتْ على وجهه ماء ثم نادته : الصلاة يا أمير المؤمنين . فأفاق فزِعًا . https://web lessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٣٢٢ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد السادس قال المغيرة بن حكيم : قالت لي فاطمة بنت عبد الملك ، امرأة عمر ابن عبد العزيز : يا مغيرة، إنَّه قد يكون في الناس من هو أكثر صلاة وصيامًا من عمر ، وما رأيتُ أحدًا قطُّ ، كان أشدَّ فَرَقًّا من ربه من عمر ، كان إذا صلى العشاء قعد في مسجده ، ثم رفع يديه ، فلم يزل يبكي حتى تغلبه عيناه ، ثم ينتبه ، فلا يزال يبكي حتى تغلبه عيناه . وعن عطاء ، قال : دخلتُ على فاطمة بنت عبد الملك ، بعد وفاة عمر ابن عبد العزيز ، فقلت لها : يا بنتَ عبد الملك ، أخبريني عن أمير المؤمنين . قالت : أفعل ، ولو كان حيًّا ما فعلت ؛ إنَّ عمر رحمه الله ، كان قد فَّغ نفسه وبدنه للناس ، كان يقعد لهم يومَه ، فإن أمسى عليه بقيَّة من حوائج الناس يومه ، وصله بليلته ، إلى أن أمسى مساء ، وقد فرغ من حوائج يومه ، فدعا بسراجه الذي كان يسرج له من ماله ، ثم قام فصلّى ركعتين ، ثم أُقْعَى (١) واضعًا رأسه على يده، تسايل دموعُه على خدِّه ، يَشْهَقُ الشَّهْقَة، وأقول : قد خرجتْ نفسه ، أو انصدعتْ كَبِده . فلم يزل ليلَته حتى برق له الصبح ، ثم أصبح صائمًا . قالت : فدنوتُ منه فقلتُ : يا أمير المؤمنين ، لسيء ما كان فيك الليلة ، ما كان منك ؟ قال : أجل ، فدعيني وشأني ، وعليك بشأنِك ، قالت : قلتُ له : لأني لأرجو أن أتعظ . قال : إذن أخبرك، إني نظرتُ إلَّي، فوجدتُني قد وليتُ أمر هذه الأمة : صغيرها وكبيرها ، وأسودها وأحمرها ، ثم ذكرت الغريب الضائع ، والفقير المحتاج ، والأسير المفقود ، وأشباههم ، في أقاصي البلاد ، وأطراف الأرض ، فعلمتُ أنَّ الله سائلي عنهم ، وأن محمدًا عَِّ حجيجي فيهم ، فخفتُ أن لا يثبت لي عند الله عذر، ولا يقوم لي مع رسول الله عَ لّه حُجَّة، فخفتُ على نفسي خوفًا دمَعتْ له عيني ، ووجل له قلبي ، وأنا كلما ازددتُ لها ذكرًا ، ازددتُ منه وجَلًا ، وقد أخبرتُك ، فاتعظي الآن أو دعي . (١) استند إلى ما وراءه . https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد صلاحِ الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس ٣٢٣ وبكتْ فاطمة بنت عبد الملك حتى عشي بصرُها ، فدخل عليها أخواها : مسلمة وهشام ابنا عبد الملك ، فقالا : ما هذا الأمر الذي قدمتِ عليه ؟ أُجزعُكِ على بعْلك ؟ فأُحقٌّ من جزع على مثله ، أم على شيء فاتَكِ من الدنيا ؟ فها نحن بين يديك ، وأموالنا ، وأهلونا . فقالت : ما من كلِّ جزعتُ ، ولا على واحدة منها أسفتُ ، ولكني - والله - رأيتُ منه ليلةً منظرًا ، فعلمتُ أن الذي أخرجه إلى ذلك الذي رأيت منه، هولٌ عظيم قد أسكنَ قلبَه معرفته. قالا : وما رأيتِ منه؟ قالت: رأيتُه ذات ليلة قائمًا يصلّي، فأتى على هذه الآية: ﴿يَوْمَ يكونُ الناسُ كالْفَراش المبْثُوثِ وتكُونُ الجَبَالُ كالْعِهْنِ المُنْفوش ﴾ [ القارعة: ٤ - ٥]، فصاح : واسَوْءَ صباحاه !! ثم وثب فسقط، فجعل يخور حتى ظننتُ أن نفْسَه ستخرج، ثم إنه هدأ، فظننتُ أنه قد قضى. ثم أفاق إفاقة، فنادى: يا سوء صباحاه !! ثم وثب ، فجعل يجول في الدار ، ويقول : ويلي من يوم يكون الناس فيه كالفراش المبثوث ، وتكون الجبال كالعِهن المنفوش . قالت : فلم يزل كذلك حتى طلع الفجر ، ثم سقط كأنه ميِّت ، حتى أتاه الأذان للصلاة ، فوالله ما ذكرتُ ليلته تلك ، إلَّا غلبتني عيناي ، فلم أملك ردَّ عَبْرتي . قال يزيد بن حوشب : ما رأيتُ أخوف من الحسن وعمر بن عبد العزيز ، كأن النار لم تُخلَق إلّا لهما . قال عمر بن عبد العزيز : بؤسًا لمن كان بطنه أكبرَ همِّه . وقال رحمه الله : الفِعَال أولى بالمرء مِنَ القول . وعن مسعود بن بشر : أن رجلًا قال لعمر بن عبد العزيز - لما ولي الخلافة -: تفرّغْ لنا . فقال : وعدلتُ عن طُرُق السلامةْ قد جاءَ شغلٌ شاغِلٌ غَ لنا إلى يومِ القيامةْ ذهبَ الفراغُ فلا فَرَا https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٣٢٤ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس وكان عمر رضي الله عنه يتمثّل بهذه الأبيات : بِهِ عنْ حديثِ القومِ ما هو شاغِله يُرى مستكينًا وهو للَّهْو ماقِتٌ وما عالمٌ شيئًا كمنْ هو جاهِلُهْ وأزعَجَهُ عِلمٌ عن الجهل(١) كلِّهِ فليسَ لهُ منهمْ خِدِينٌ(٢) يهازله عبوسٌ عن الجُهَّالِ حينَ يراهُمُ فأشغلَهُ عن عاجل العيشِ آجلُهْ تذكَّرَ ما يبقى منَ العيشِ آجلاً رحمك الله يا سليمان بن عبد الملك ، حين هتفتَ بعبارتك المأثورة الباهرة : ((واللهِ لِأَعقدنَّ لهم عقدًا، لا يكون للشيطان فيه نصيب)) !! وعهدتَ بالأمر من بعدك إلى القدِّيس ... المعجزة عمر بن عبد العزيز . إن الكتابة عن عمر بن عبد العزيز هي حقٌّ للإِسلام الذي كان ابن عبد العزيز ابنَه البارَّ ومِلْكيته الثمينة، وثمرته ومعجزته . أَا إن نبأ عمرَ لَعجيب !! وإن تصوُّره - مجرَّد تصوّره - لَأُمّرٌ مُمعِن في الصعوبة يا رجال . وإنَّ أوْثق الروايات نقلتْ إلينا عنه آيات نيِّرات في صدق تاريخّ عظيم ، جاءتنا أنباء هذا الإِنسان الباهر ، والحاكم القِدِّيس ...!! هذا الحشد الهائل من الحقائق التي تحكي لنا جلال قداسته .. وروعة بساطته .. وسموَّ عدله ونُبْل رُوحه .. وإعجاز مسلكه ...!! وإذا كانت الحكمة العربية تقول: مَن أخصب تخيّ .. فإني أجدها الآن : من أخصب تحيّر (٣) . في الذُّرا الشاهقة كان مكان عمر بن عبد العزيز بين الملوك والخلفاء ... (١) في رواية أخرى: وأزعجه خوف عن اللهو كلِّه. (٢) صاحب . (٣) خلفاء الرسول لخالد محمد خالد صـ ٤٦٥ - ٤٦٦ . ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ٣٢٥ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد السادس وهو وإن لم يَنتمِ لعصر الوحي - ((خلافة النبوة ثلاثون عامًا)) - إذ تفصله عنه عشرات الأعوام ؛ فإنه بقداسة روحه وجلال نُسُكه ، ينتمي إليه أروع وأجمع وأوثق ما يكون الانتماء ... كلِمَاتٌ للحياة : يقول الأستاذ خالد محمد خالد في كتابه عن عمر بن عبد العزيز .. (( معجزة الإِسلام )) : إنه لا ينتمي لعصر الوحي فحسب .. بل إنه الرجل الذي حاول نقل عصر الوحي بمُثُله وفضائله إلى دنيا مائجة هائجة ، ثم نجح في محاولته نجاحًا يبهر الألباب ... !! فهل نَدهش ونَذهل ؛ لأنه بمفرده حاول تحقيق هذا المستحيل ؟! أم ندهش ونذهل ؛ لأنه بمفرده قد حقَّق المستحيل فعلًا .. وجعل من المُلك العَضوض الذي شاده الأُمويُّون عبْرَ ستين عامًا ، خلافة أوَّابة عادلة بارَّة ، تمثّل كل فضائل وشمائل عصر النبوة والوحي ؟! ومتى .. ؟! ليس في عشرين عامًا .. ولا في عشرة أعوام .. بل في عامين ، وخمسة أشهر ، وبضعة أيام ..!! على أنه ليس في هذا التوفيق العظيم والقدرة الخارقة ، ما يجذب - وحده - انبهارنا .. فهناك تلك الميزة الفريدة التي جعلت من ((ابن عبد العزيز)) ومن سيرته ، أكثر الحقائق الإِنسانية إثارة للعجَب والبهْر والإِجلال ، والتي جعلت منه أسطورة أصدق من الحقيقة ... وحقيقة أعجب من الأساطير ..!! فهو لم يشغل الناس والتاريخ بكثرة عبادته ، ووفرة عدله ورحمته ، وسموِ حُكْمه وخلافته ، فحسب ، بل إنه - قبل ذلك كلّه - شغل الناس والتاريخ ، وبهرهما بذلك الانقلاب الروحي المذهل ، وبالظروف التي أحدثته وواكبته . فقد يكشف منصب الحكم والخلافة في شاغله عن عبقرية في التنظيم ، والإِدارة ، https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٣٢٦ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس والسياسة . أما أن يكون هذا المنصب بكل إغرائه وفتونه وزهوه وسلطانه ، سببًا مباشرً ا لتفجير عبقرية الروح والقداسة، فذلك ما يصعُب تصوُّره، فضلًا عن تفسيره !! وهذا هو الذي حدث بالنسبة لـ ((عمر بن عبد العزيز)) ؛ فعلى الرغم من أنه كان قبل استخلافه ، وطَوالَ سِني عمره طاهرًا صالحًا فاضلًا ، فإن ذلك كله لا يبدو شيئًا مذكورًا أمام حياته ومسلكه ، ... بعد القفزة المجيدة والمباغتة ، التي حدث خلالها أعظم وأندر انقلاب روحي شهدناه في كلّ بني الإِنسان !! ويزيد الأمرَ عجبًا ، أنَّ هذا الانقلاب الباهر، تمَّ بتكامُله المطلق في بضع دقائقَ من الزمان .. وأن هذا الانقلاب الروحي المعجز ، لم يجئ ثمرةً طارئ يُغري بالزهد ، ويدفع للعزلة والإِخبات .. بل هو على النقيض من ذلك ، ثمرة مفاجأة تُفجِّر في النفس - مهما يكن ورَعها وتُقاها - كلُّ رغبات الحياة المتأنّقة ، ومباهجها المتألَّقة !! أجَلْ .. ففي الدقائق - وإن شئتم ففي اللحظات - التي هُتف فيها باسمه خليفة وحاكمًا لأعظم إمبراطوريات عصره وعالمه ، تمَّ هذا الانقلاب الذي يتحدَّى كلَّ وصف وكلَّ تصوير !! والرجل الذي كان قبل دقائق استخلافه يُضمِّخ ثيابه بأغلى العطور ، ويسكن أعلى القصور ، ويلبس أبهى الحُلَل ، ويأكل أطيب الطعام ، ويركب الصافناتِ الجِيَاد ، ويبلغ دخلُه السنوي أربعين ألف دينار ، هذا الرجل ذاتُه ، يصير بعد دقائق - لا أيام ولا ساعات - إنسانًا آخر ، عِطُه عَرَقُه .. وجياده قدماه .. وملبسه من أخشن الثياب .. ومطعمه من أجشب الطعام .. ودخلُه لا شيء ؛ فقد حمل كلَّ ثروته إلى بيت المال .. وقصوره الفارهة لا قصور .. فقد تحوَّل عنها إلى دار متواضعة من الطين .. وعرشه - يالَجلال عرشه - حصير قديم يجلس عليه فوق التراب !! ويزيد الأمر تعقيدًا، كما يزيده روعةً وجلالًا، أنَّ بطل هذا الانقلاب https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ..-- تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٣٢٧ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس الروحيّ المثير ، لم يكن من أوساط الناس ، بل هو ربيب المُلْك والقصور ، والأمجاد ، والنعيم .. كذلك لم يكن ساعة هذه الوثبة الروحية الهائلة شيخًا هرِمًا ، في سنِّ الستين أو السبعين . بل كان في رائعة شبابه ورجولته ، في سنِّ الخامسة والثلاثين !! تحت أيّ تأثير ، لا يُقاوم سحره ولا يُردُّ قدره ، وقع هذا الانقلاب داخل هذه الظروف ؟؟ لا شيء أمامنا سوى ((مسئولية الحكم))، نقلته في لحظات إلى قدّيس لا نظير له بين جميع القدِّيسين؛ ذلك أنه لم يَصِرِ ((قديسَ صومعةٍ))، بل قديسَ صوْلجان وسلطان .. ودولة من أعظم دول الأرض والزمان . وذلك - لَعمر الحقِّ - ما يكاد يذهب بالألباب !! لقد صار منذ استُخلِف يَتَلَوَّى تحت وقّع مسئولياته ، ويصرخ من أعماقه : (( من ينقذني يوم القيامة من حقِّ الفقير الجائع .. والمريض الضائع .. والمظلوم المقهور .. واليتيم .. والأرملة .. والأسير .. )) ؟! إيه يا بن عبد العزيز !! تقدَّم ، ولا تخفٌ .. تقدَّمْ .. لترى الدنيا كيف أنجبَ الإِسلامُ .. وكيف ربَّى ((محمد)) وعَلَّم !! تقدَّمْ يا حفيدَ الخلافة والملك ، ورضيع المباهج والنعيم !! تقدَّمْ (( يا أمير المؤمنين))، وأرِنا اليوم مُرقَّعاتِك وأسمالَك !! أُرِنا القميص الذي كنتَ تغسله ، ثم تنتظره في ركن دارك حتى يجفّ ، لأنك لا تملك سواه !! أُرِنا وجهَك الشاحب ، وجسدك الناحل من فرط ما تبذُل من جهد ، ومن أثَرِ الخبز المتبَّل بالملح ، والمبلَّل بالزيت !! أرنا ((الحصير)) الذي اتخذتَ منه عرشًا يا خليفة المسلمين ، ويا أمير المؤمنين !! ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٣٢٨ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس أرِنا دارك التي شَدَّتْ إليها الرحالَ من بلاد بعيدة ، سيدةٌ جاءت تطلب المزيد من عطائها فلم تلبث حين رأتها أنْ قالت في مرارة : أتراني جئتُ أعمر بيتي من هذا البيت الخَرِب ؟! ألا حيَّ الله ((فاطمة )) زوجتَك؛ فكم كانت صادقة حين أجابتها : ((إنما خَرَّب هذا البيت، عمارةُ بيوتِ أمثالِكِ)) !! تقدَّمْ .. يا أمير المؤمنين !! فما نعرف يقينًا أشبه بالأسطورة .. ولا أسطورة .. أصدقَ من اليقين منك أنت ، ومن نيئِكَ العظيم !! ))(١). قبل مجيء هذا القدِّيس العظيم .. كان هناك تزييف للقيم والحقائق ، وسعار دموي، وكما يقول الحجّاج: ((لآ خذنَّ الولَيّ بذنب مولاه ، والمقيم بذنب الظاعِن ، والمطيعَ بذنب العاصي ، حتى يلقى الرجل أخاه فيقول له : انجُ سعدُ ، فقد هلك سعيد )). ويكفي لتصوير الفساد الذي سبق مجيءَ عمر ، أنَّ جريرًا يجرِّع الناس قوله في مدحِ الحَجَّاج ، فيقول : ماضي البصيرة واضحُ المِنهاج إنّ ابنَ يوسف فاعلموا وتيقَّنُوا ويقول الفرزدق : ولا طالبًا يومًا طريدةَ نابِلٍ ولمْ أَرَ كالحجَّاجِ عَوْنًا على التّقى على قِصَر الأعناقِ فوقَ الكواهلِ بسیفٍ بهِ للهِیضربُ مَن عصی وبينا قُوَّاد الوليد يملئون الأرض دمًا ، كانت تردِّد في المحافل : إِنَّ الوليدَ أميرُ المؤمنينَ لهُ مُلْكٌ عليهِ أعان اللهُ فارتفَعَا وماذا يربط الناس بالقيم ، حين يرون خليفتهم عبد الملك بن مروان يصطفي لنفسه الأخطلَ ، وهو يذكر هجاءه المقذع السافل، للأنصار الذين بوَّأهم القرآن (١) خلفاء الرسول لخالد محمد خالد صـ٤٦٦ - ٤٦٩. ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس ٣٢٩ مكانًا عليًّا ؟! لقد راح الغرباء يتطلّعون إلى السماء في انتظار النجم الذي يجدِّد الله به دينه ، والذي يردُّ للخلافة كرامتها وقدرها ، ويضع عن الناس إصْرَهم . كانت الترِكة قاتلة ، والميراث رهيبًا .. لقد ظنَّ الناس أن الطهارة والنقاء وُئِدَ إلى الأبد .. وكان الأمر يحتاج إلى معجزة ، ويمينُ الله ملأى بالمعجزات ... ومنها عمر بن عبد العزيز . والله دُّه حين يفتتح عهده بعزل أسامة التنوخي ، وكان على خَراج مصر ، (( وكان غاشمًا ظلومًا، مسرفًا في العقوبات بغير ما أنزل الله ؛ يقطع الأيدي ، ويملأ أجواف الدوابِّ بأشلاء ضحاياه ، ثم يطرحها للتماسيح))، كما قال ابن عبد الحكم . ولله درُّه حين يعزل يزيد بن أبي مسلم عن أفريقيا لتجبره وظلمه !! إن الصِّدِّيقَّة هي الحاصل النهائي لفضائل الروح ، مجتمعة ومتألِّقة في ذِروة تجلِّيها وظهورها ، هكذا تكون الصدِّيقية .. وهكذا يكون صدِّيق بني أمية !! ء لقد أفاءت المسئوليةُ على عمرَ التوفيقَ الذي سما بفضائل روحه - من ورَع وزهد ، وطهر ونُسُك - إلى أعلى مستوياتها ، ومِن ثَمَّ فقد كانت المسئولية سببًا مباشرًا لظفَره بالصديقية والقداسة ، وهذا جوهر إعجازه الفريد ؛ فإن المُلْك الذي يُغري بكلِّ شيءٍ ، إلّا بالقداسة والصدِّيقية ، هو الذي كان - وكانت مسئولياتُهُ الجسام - مرقاة روحه الطاهرة العظيمة ، توقّلَتْه في لمح البصر إلى فردوس القداسة ومكانة القِدِّيس الصدّيق !! ((وهناك عبارة يكتبها مؤرخو سيرته تستوقفنا طويلًا ، وتبهرنا كثيرًا .. أما هذه العبارة فها هي ذي: (( .. ثم بُويع عمر بن عبد العزيز ، فقعد للناس على الأرض )) . إن طهر عمر وصدِّيقَّته وضعت الوسيلة في مستوى الغاية ، تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٣٣٠ صلاح الأمة في عَلَوَّ الهمة - المجلد السادس فلا يَعْنيها بلوغ الغاية إلّ بالقدر الذي يَعْنيها طُهْر الوسيلة .. وجوهر الحكم : الخضوع المطلَق لحقوق الناس ، ومكان الحاكم بين أيدي الناس ، وليسوا هم الذين بين يديْه ... والشكل الذي رآه عمر مُلَائِمًا للتعبير عن هذه الحقيقة ، هو جلوسه للناس على الأرض . وكان الجلوس على الأرض من ناحية الشكل ، أقصى مظاهر الخضوع ، ومضمونه أقصى مظاهر الالتزام .. ومن أجل هذا قعد الخليفة على الأرض ، لا يفصله عن ترابها سوى حصيرٍ متواضع .. قعد على الأرض ، ليهدمَ كلَّ ما للسلطة من بذَّخٍ واستعلاء، وليُنزلها عن عرشها الصَّلِف وكبريائها الزائفة، إلى أرض البساطة والتواضع والمرحمة !! هذا صِدْق رجلٍ أراه الله مناسكَه ، فهو يرى بنورٍ من ربه . وهل يُتصوَّر مِن طهر خاشعٍ ناسٍ أن يقول: ((إني أرى أن أجعل هذا المال في أكباد جائعة ؛ فإنها أولى به من الكعبة )) ... إنه صِدْق يُحدّق في الجوهر ، ويضع على همِّه سمْعَه ، ويتَّع مواقع الحقِّ ، كما يتتبع الطيرُ مواقعَ النَّدى . صِدْق أُتيح له أن يُحدِثَ تغييرًا من أعدل وأنبل ما شهدت دنيا الناس من تغيير !! وطهر أتى الحياة ومعه الزهد والورع ، والتُّقى والعدل والرحمة ، بعد ما حسب الناس أن الدنيا فرغت منه إلى الأبد . وقداسة لم تكدْ تجلس للناس على الأرض حتى أنبتتِ الأرضُ عدلًا ورحمةً ، وأمطرت السماء عدلًا ورحمةً .. ورعى الذئبُ مع الشاة ، في تآخٍ وسلام !! لقد أنجز الصدِّيق عمر كلّ هذا التغيير بمنهج بالغ الإعجاز : العدل والحق .. والشورى .. وخدمة الحاكم ليلًا ونهارًا لرعيته ، وحفظه لأموال المسلمين .. عاد يومًا إلى داره ليلًا فلمح بناته الصغار ، فسلَّم عليهن كعادته ، وبدلًا https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٣٣١ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس من أن يسارعْنَ نحوه بالتحية .. رحن يغطِين أفواههنَّ بأكُفِّهنَّ ويتبادرنَ الباب، فسأل : ما شأنهن؟ فأُجيب بأنه لم يكن لديهنَّ ما يتعشَّين به سوى عَدَس وبَصَل ، فكرهنَ أن يشمَّ من أفواههنَّ ريحَ البصل، فتحاشينه لهذا، فبكى رحمه الله، وقال يخاطبهنَّ: ((يا بناتي، ما يَنْفعُكنَّ أن تعشَّيْنَ الألوان والأطايب، ثم يُذهَب بأبيكُنَّ إلى النار )» ؟ عن قوباء بن دبيق ، قال : مَّتِ ابنة لعمر بن عبد العزيز ، يُقال لها : أمينة ، فدعاها عمر : ياأمين يا أمين . فلم تجبه ، فأمر إنسانًا فجاء بها ، فقال : ما منعك أنْ تجيبيني ؟ قالت : إني عارية . فقال : يا مزاحم ، انظر إلى تلك الفِراش التي فتقناها ، فاقطعْ لها منها قميصًا . فذهب إنسان إلى أُمِّ البنين ( عمتها ) ، فقال : ابنة أخيك عارية ، وأنت عندك ما عندك . فأرسلت إليها بتخْتٍ من ثياب ، وقالت : لا تطلبي من عمر شيئًا . وعن سليمان بن حبّان ، أن عمر بن عبد العزيز قال لبنيه : أتحبُّون أنْ أُولَي كلَّ رجل منكم جندًا ، فينطلق تصلصل به جلاجل البريد ؟ فقال ابنه (ابن الحارثية ): لِمَ تعرِض علينا شيئًا لستَ صانعَه بنا ؟ فقال عمر : إني لأعلم أن بساطي هذا يصير إلى بِلَى ، وإني لَأكره أَنْ تدنّسوه بخِفَافِكم، فكيف أُقلّد كم ديني تدنِّسوه في كلّ جنٍ ؟! مسئولية القدوة لا تنحصر فيه وهو الخليفة والحاكم ، بل تنال أهله جميعًا حتى بُنَيَّاتِه الصغار ... خليفة ... حتى ولي الخلافة كانت غلَّته أربعين ألف دينار ، فحين مات كانت غلّته مائتي دينار ، ولو بقي ، ردَّها !! . خليفة .. ما ترك بني مروان وبني أُمية يتبذَّخون باسمه، ويتخذون من قرابته ملجأ ومَغْنمًا وأحكم وضع الشكائم على غرورهم وأهوائهم ، ثم دفع بهم جميعًا على طريق العدل والحق ، مصفيًّا ترفهم المنهوم . تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٣٣٢ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس خليفة ... كان وُلاته - أمثال أبي بكر بن حزم ، وعبد الرحمن القشيري ، وعدي بن أرطاة - يسهرون على مسئولياتهم في ولاء صادق ، تقودهم على طريق سبرة خليفتهم التي كان أريجُها ينتشر انتشار الضياء ، وعبيرُها يفوح ويهبُّ هبوبَ الرياح والبُشْرَيات !! لقد راحوا وهم من أهل القرآن يخجلون من أنفسهم، حين يتذكَّرون خليفتهم في حياته الشظفة ورقاعِه البالية ... يكتب إليهم فيقول: ((كونوا في العدل والإِصلاح والإِحسان، بقدر ما كانوا من قبلكم في الظلم والفجور والعدوان)). ويُرسل إلى أحد وُلاته: ((قد كثر شاكُوك ، وقلَّ شاكروك .. فإمَّ اعتدلتَ، وإما اعتزلتَ)). قد كان هذا الخليفة الناسك الإِمام ، يضع ذاته كلها فوق الميزان ... فكل حركاته وكلماته وقراراته ومشاعره لتتحرك بقَدَر معلوم . يكتب إلى أحد عمَّاله وولاته: (( أمَّا بعد ؛ فإنَّ من ابتلي من أمر السلطان بشيء ، فقد ابتُلي ببليَّة عظيمة !! فنسأل الله عافيته وعونه . وإني أدعوك أن تقف نفسَك في سرِّك وعلانيتك، عند الذي ترجو به النجاة من ربك .. تذكَّرْ ما سلف منك من خطأً فأصلحه ، قبل أن يتولَّى صلاحَه غيرُك ، ولا يمنعكَ من ذلك قولُ الناس ، وكُن لمن ولَّاك الله أمرهم ناصحًا في دينهم وأعراضهم .. واستْ كلَّ عوراتِهم ، واملِكْ زمامَ نفسك تجاههم ، إذا هويتَ وإذا غضبتَ )) !! لله دُّه !! لقد راحت أضواءُ صدِّيقَّتِه وقَداسته وقدْوته وعلو همَّته ، تتعالى وتتعاظم ، حتى كانت مناراتٍ هادية وسَّعتِ الدولة كلَّها والأمة جميعها ، بأنوارها الغامرة وهُداها الوثيق . وانظر إلى العجَبِ العُجاب ، وصبغة الله ومعجزة الإِسلام .. انظر إلى العظمة https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد السادس ٣٣٣ وإلى الهمَّة في ذُراها السامقة ، حين يحثُّ الناس على الأمر بالمعروف ونقْد الولاة ... واستمطِرِ الدمع من عينيك في إجلال ، حين تنظر إلى منشوره الذي يُقرأ على الناس في المواسم والمحافل والمجامع : ((أما بعد؛ فأيّما رجل قدِم علينا في مظلمةٍ نردُّها، أو أمر يُحيي الله به حقًّا أو يُميت باطلًا ، أو يجيء بخير ، فله منَّا ما بين مائة دينار إلى ثلاثمائة دينار .. بقدر ما يتكاءده في ذلك ، من طول السفر وبُعد الشُّقَّة )). وانظرْ إلى العجَبِ العُجَاب : بلغ به التعب يومًا أَشُدَّه ، فسأله بعض خاصَّته أنْ يُريح نفسه ، فقال : ومَن يُجزى عني عمل اليوم ؟ فيقولون له : تنجزه في الغد . فيجيب : لقد فدحني عمل يوم واحد حتى سألتموني أن أُريح نفسي ، فكيف إذا اجتمع علَّ عمل يومين ؟! إن لكل يوم مزدحمَه وأحماله .. حسبي عمل يوم في يومه، فكيف بعمل يومين في يوم ؟! قالوا له : كان سليمان بن عبد الملك يركب ويتروّح ، وهو في ذلك مُجزى . فقال عمر : ولا يوم واحد من الدنيا يُجزيه . هو بالنسبة للملايين التي تنتظمها دولته الواسعة ، نداءُ النجدة .. لا تهتف به حاجة فردٍ ولا مظلمة مظلوم في أدنى الأرض وأقصاها ، إلا أُلِفْتَهُ وكأنه في انتظارها وحدها !! ويتسع قلبه الكبير وعَزْمه القدير لكل شيء ، وصغار الأمور عنده مثل كبارها ، فانظر : كتبتْ إليه سوداء مسكينة تُسمَّى: ((فرتونة السوداء)) من الجيزة بمصر ، أن لها حائطًا متهدِّمًا لدارها ، يتسوَّره اللصوص ويسرقون دجاجها ، وليس معها مالٌ تُنفقه في هذا السبيل. فيكتب عمر إلى واليه على مصر (( أيوب بن شرحبيل)): ((من عبد الله عمر أمير المؤمنين ، إلى أُيُوب بن شرحبيل ؛ سلام الله عليكم . أما بعد ؛ فإن فرتونة السوداء كتبت إلّ تشكو إلَّ قِصَر حائطها ، وأنَّ دجاجها ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاحِ الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس ٣٣٤ يُسرَق منها ، وتسأل تحصينه لها ، فإذا جاءك كتابي هذا ، فاركبْ بنفسك وحصّنه لها )). وكتب إلى فرتونة : ((من عبد الله عمر بن عبد العزيز أمير المؤمنين إلى فرتونة السوداء: سلام الله عليكِ ؛ أما بعد ؛ فقد بلغني كتابُكِ ، وما ذكرتِ فيه من قصر حائطك ، حيث يُقتحم عليك ويسرَق دجاجك .. وقد كتبتُ إلى أيوب بن شرحبيل ، آمره أن يبني لك الحائط حتى يحصِّنْه مما تخافين ، إن شاء الله )) . يقول ابن عبد الحكم راوي هذه القصة الباهرة: ((فلما جاء الكتاب إلى أيوب ابن شرحبيل ، ركب بنفسه حتى أتى الجيزة ، وظلّ يسأل عن فرتونة حتى وجدها ، فإذا هي سوداء مسكينة ، فأعلى لها حائطها )). رحمةٌ وإحسان وعدل وأُبُوَّة ، لا يفلت منها شاردة ولا واردة !! ويكتب عمر لواليه على مصر أيضًا: ((أما بعد ؛ فقد بلغني أن الحَمّالين في مصر يحملون على ظهور الإِبل فوق ما تُطيق .. فإذا جاءك كتابي هذا ، فامنع أن يُحمَل على البعير أكثر من ستمائة رطل )). وفي الشورى .. كان نسيجَ وَحْدِه : وفي عصره كانت الشورى خالصة صادقة، والرأي العام ناصحًا وصادقًا وشجاعًا .. ويتبين هذا ويُسفرُ كالشمس في أسلوبه في الحُكم ، واختيار وُلاته وبطانته ، واستعداده لقبول النقد وسماع كلمة الحق ، ونظرته إلى الأمة التي يحكمها ، ومدى ولائه لحقوقها وحريَّتها .. بهذا المعيار والمِسْبار يقف عمر بن عبد العزيز كأنه نسيجُ وحدِه !! لقد أحاط نفسَه بالأبرار الذين لا يخافون في الله لومة لائم ، والذين لا يُزيِّفون اقتناعهم ، ولا يَلبسون الحقَّ بالباطل وإنْ قُطعتْ منهم الرقاب . تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس ٣٣٥ فأيُّ علوِّ فوق هذا النهج الراشد السديد ، الذي مكن للشورى تمكينًا تكاد تتقطَّع دون بلوغه أنفاس كلّ الحكّام . (( وموقفُهُ مِنْ مالِ الأُمَّةِ عجيبٌ ثمَّ عجيبٌ !! )) : وقد مرَّ بنا كيف أَنَّ مال الأمة له في فؤاده الذكي التقي حُرْمةٌ ، أيّ حُرْمة !! وإجلال أيّ إجلال !! فرضي الله عن ذلك الخليفة المُقْسِط العظيم . كتب إلى واليه على اليمن ((عروة بن محمد)): ((أما بعد: فقد كتبتَ إلَّي تذكُر أنك قدِمتَ اليمن ، فوجدتَ على أهلها ضريبة من الخَراج ، ثابتة في أعناقها كالجزية ، يُؤدُّونها على كلِّ حال ؛ إن أخصبوا أو أجدبوا .. إن حَيُوا أو ماتوا . فسبحان الله ربِّ العالمين !! ثم سبحان الله ربِّ العالمين !! إذا أتاك كتابي هذا ، فدْ ما تنكره من الباطل إلى ما تعرفه من الحقِّ .. واعلمْ أنك إن لم ترفع إلَي من جميع اليمن إلّا حفنة من كَتم(١)، فقد علم الله أني سأكون بها مسرورًا ، ما دام في ذلك بقاء على الحق والعدل )). وهكذا أتيح لعمر أن يحوِّل شهقات البائسين إلى بسَمَات متهللة ، وفرحٍ غامر . وراح يكتب إلى وُلاته : ((لا بدّ لكلِّ مسلم مِن مسكنٍ يأوي إليه ، وخادم يكفيه مهنته ، وفرس يجاهد عليه عدوَّه ، وأثاث في بيته ، فوفّروا ذلك كلَّه .. ومن كان غارمًا فاقضوا عنه دَيْنه)). وراح المبارك الميمون يُنشئ في طول البلاد وعرضها دُور الضيافة ، يأوي إليها المسافرون وأبناء السبيل . (١) الكتم : نبات يخضب به الشَّعْر، ويُصنع منه مداد للكتابة. ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد السادس ٣٣٦ يأمر لكل مريض بخادم على حساب الدولة .. يفتدي أسرى المسلمين جميعًا . لقد أُخبر أنَّ مقاتِلًا شديد البأس، قد وقع أسيرًا في أرض الروم، فحُمِلَ إلى إمبراطور الروم ، فحاول إكراهه على الخروج من الإِسلام ، ورفَض الأسير ، فأمر الإِمبراطور أن تُسمَل عيناه ... فيكتب عمر رضي الله عنه إلى ملك الروم : ((أما بعد؛ فقد بلغني ما صنعتَ بأسيرك فلان .. وإني أُقسِم بالله، لئن لم ترسِله إلَّ من فورك، لأبعثنَّ إليك من الجند ما يكون أولهم عندك وآخرهم عندي)) !! ويعود الأسير إلى وطنه وأهله !! يكفل اليتامى الذين لا عائل لهم ، ويفرِض لكلِّ مولود . رتبتكَ الخلائقُ الصالحاتُ يا ابنَ عبد العزيز يا عمرَ الخيْرِ ودعتْ في بقائك المُرمِلاتُ أنتَ مَن ألبسَ الخلافة يومًا وكرامٌ جاءتْ إليكَ حُفاةٌ قد أتتْكَ الخلافةُ البكرُ تسعى عنك واسترحمتْ لكَ السكراتُ ثم فارقتها وربُّك راضٍ واستُلِهِمَتْ من كفِّك الصدقاتُ رَفْرَفَتْ رايةُ العدالةِ سعْدًا فأنا راثيا وغيري بُكاةُ عفو عُلياكَ أنْ تُسجِّمَ دمعي أنتَ ابنُ الفاروق جدَّدتَ عهدًا أخفتتْ نسْجَ ثوْبِهِ السنواتُ(١) وعندَ الموتِ مَوْقِفٌ لهُ جَلالٌ : لما كانت الصرعة التي هلك فيها عمر ، دخل عليه مَسْلمة بن عبد الملك ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إنك أقفرتَ أفواهَ ولدك من هذا المال ، فتركتهم عيلةً لا شيء لهم ، فلو أوصيْتَ بهم إلَي وإلى نُظَرائي من أهل بيتك . وفي رواية (١) ((سيرة الأبطال)) شعر لعائض القرني صـ ٢٢ - ٢٣ - دار جرش للنشر والتوزيع. ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس ٣٣٧ أُخرى : يا أمير المؤمنين ، ألا توصي ؟ قال : وهل من مال فأوصي فيه ؟ فقال مسلمة : مائة ألف أبعث بها إليك ، فهي لك ، فأوْصٍ فيها . قال : فهلًّا غيْر ذلك يا مسلمة ؟ قال : وما ذاك يا أمير المؤمنين ؟ قال : تردُّها من حيث أخذتَها . قال: فبكى مَسْلمة وقال : رحمك الله ؛ لقد لَيَّنَتَ منا قلوبًا قاسية ، وزرعتَ في قلوب الناس لنا مودة ، وأبقيتَ لنا في الصالحين ذكرًا . قال عمر : أسندوني . ثم قال : أمَّا قولك أني أقفرتُ أفواه ولدي من هذا المال ، فوالله إني ما منعتُهم حقًّا هو لهم ، ولم أُعطهم ما ليس لهم . وأما قولك : لو أوصيتَ بهم إلَّ وإلى نظرائي من أهل بيتك . فإنَّ وصيِّي ، ووليّ فيهم: الله الذي نزّل الكتاب ، وهو يتولى الصالحين .. بَنَّ أحدُ رجلَيْن : إما رجل يتقي الله ، فسيجعل الله له مخرجًا ، وإما رجل مُكِبٌّ على المعاصي ، فإني لم أكن أُقوِّيه على معصية الله . ثم بعثَ إليهم ، وهم بضعة عشر ذكرًا . قال : فنظر إليهم فذرفتْ عيناه فبكى ، ثم قال : بنفسي الفتَّة التي تركتُهم عيلةً لا شيء لهم ؛ فإني - بحمد الله - قد تركتُهم بخير . أي بَنَّي، إنكم لن تلقوا أحدًا من العرب ولا من المعاهدين ، إلّا أن لكم عليهم حقًّا . أي بَنِّي ، إن أباكم ميَّل بين أمرين: بيْن أن تستغنوا ويدخل أبوكم النار ، أو تفتقروا ويدخل أبوكم الجنة ، فكان أن تفتقروا ويدخل الجنة أحبَّ إليه من أن تستغنوا ويدخل النار. قوموا عصمَكم الله . عن عبيدة بن حسان، قال: لما احتضر عمر بن عبد العزيز قال: اخرجوا عني، فلا يبقى عندي أحد. قال: وكان عنده مسلمة بن عبد الملك. قال : فخرجوا ، فقعد على الباب هو وفاطمة . قال : فسمعوه يقول : مرحبًا بهذه الوجوه ، ليست بوجوه إنس ولا جانٌّ. ثم قال: ﴿ تلك الدارُ الآخرةُ نجعلها للذين لا يُريدون عُلوًّا في الأرض ولا فسادًا والعاقبةُ للمتقين ﴾ [ القصص : ٨٣]. قال : ثم هدأ الصوت ، فقال مسلمة لفاطمة : قد قُبض صاحبُك . فدخلوا فوجدوه قد قُبض وغمض وسوى . https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٣٣٨ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس مات الخليفة الذي قال : إن لله شرائع وسننًا ، إن أعِش أعلِّمكموها وأحملكم عليها .. وإن أمت ، فما أنا على صحبتكم بحريص . وبكاه الجِياعُ الذين شبعوا، والعُراة الذين اكتسُوا، والخائفون الذين أمِنُوا، والمستضعفون الذِين سادوا ... واليتامى الذين وجدوا فيه أباهم ... والأيَامَى اللائي وجدْنَ فيه عائلَهنَّ .. والضائعون الذين وجدوا فيه ملاذهم .. والتائهون الذين وجدوا فيه دليلَهم . والعجَبُ كلّ العجَب أن تَيْكِيَهُ أعداؤُه : وقبل موْته يُرسِل إمبراطورُ الروم كبيرَ أساقفته - وكان بالطبِّ خبيرًا - ليطبِّب الخليفة العادل ، والصدّيق الجليل .. وحين مات عمر بكاه («ليو الثالث)) بكاءً مُّرًّا ، أذهل الحاشية والأساقفة ، وسألوه فأجابهم بكلمات هي أصدق وأجمع ما قيل في رثاء أمير المؤمنين: (( مات والله ملك عادل ، ليس لعدله مثيل !! مات الرجل الصالح ... لَأُحسبُ أنه لو كان أحد يُحيي الموتى بعد عيسى بن مريم ، لَأحياهم عمر بن عبد العزيز . ثم قال : إني لستُ أعجب من الراهب أن أُغلَقَ بابَه ورفضَ الدنيا ، وترهَّب وتعبَّد ، ولكن أعجب ممَّن كانت الدنيا تحت قدميْه، فرفضها وترهَّب)). وعن الأوزاعي قال : شهدتُ جنازة عمر بن عبد العزيز ، ثم خرجتُ أريد مدينة قنسرين ، فمررتُ على راهب فقال : يا هذا أحسبُك شهدتَ وفاة هذا الرجل . قال : فقلتُ له : نعم . فأرخى عينيْه فبكى سجامًا ، فقلتُ له : ما يُبكيك ولستَ من أهل دينه ؟ فقال : إني لستُ أبكي عليه ، ولكن أبكي على نور كان في الأرض فطُفِئ . لقد عايش الخليفة الراشد والمجدِّد الجليل فترة خلافته ، تسعة وعشرين شهرًا، وكأنها تسعة وعشرون قرئًا !! في كلِّ دقيقة ، كانت عافيته تُعطي جهدَ عام ... https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ttps://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس ٣٣٩ إن التغيير الهائل الذي أراده للدولة والأمة ، كان يتطلب - لو سارت ريحُه رُخاءً - جيلًا أو جيلين، فأبى إلّا إتمامَه في الأيام الباقية له على الأرض ، وبين الناس .. وأُّ تغيير كان ؟ إنه تغيير لا يتطلب خليفة واحدًا ، بل عشرات من الخلفاء .. إنه يريد أن ينقل إلى دنيا الترف والفساد ، عصر الوحي والنبوة .. ثم هو لا يريد أن ينقله إلى نظام الدولة والمجتمع فحسب ... بل إلى أفئدة الناس وضمائرهم وسلوكهم . كانت أُميتَتْ وأخرى منكَ تُنْتَظَّرُ كم من شريعةِ حقِّ قَدْ نعشتَ لهمْ على العُدولِ التي تغتالُها الحُفَرُ يا لهفَ نفسي ولهفَ الواجدين معي لِعَدْلِهِ لمْ يُصِبْكَ المُؤْتُ يا عمرُ لو أعظمَ الموتُ خلْقًا أنْ يُواقِعَهُ ويرحم الله ابن عائشة ، حين قال في عمر : أقول لمَّا نعى الناعُون لي عُمَرًّا لا يبعدنَّ قوامُ الحقِّ والدينِ ولا النخيلُ ولا ركْضُ البَرَاذین لمْ تُلِهِهِ عُمَرَهُ عينٌ يُفجِّرها بديرِ سمعانَ قسطاسُ الموازينِ(١) قدْ غادرَ القومَ في القبرِ الذي لحدوا (١) الترجمة كاملة من كتاب ((عمر بن عبد العزيز)) لابن الجوزي، وكتاب ((خلفاء الرسول )» لخالد محمد خالد . https://weblessam.blogspot.com/ بعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد