النص المفهرس
صفحات 261-280
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com صلاحِ الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس ٢٦١ (( وكأنما نُودي في الناس : ألّا يبقى أحد حتى يعمر ، وذلك أن الناس على دين ملوكهم)). وقال الزركلي: ((وأحدث من العمران ، ما ملأُّ ذكْرُه صفحتين من كتاب المقريزي)) . وكان كريمًا غاية في الكرم ، وكان عفَّ اللسان ، لم يضبط عليه أحد أنه أطلق لسانه بكلام فاحش في شدَّة غضبه ولا انبساطه ، وكانت عنده غيرة على الدين ، ورعاية لأحكامه . دولة المماليك : لقد كانت دولة المماليك، التي امتدَّت من سنة ٦٥٨ حتى ٩٢٣ هـ ، المدافع الأول عن الإِسلام ، وقد استطاعت هذه الدولة أن تطهر بلاد المسلمين من بقايا الصليبيين ، وأن تُنهي أمر التتار إلى غير رجعة ، وأن تدافع عن مذهب أهل السنة والجماعة، وكانت أيامها أيام نضْجٍ علمي، عمَّت فيه المدارس والجامعات ربوعَ مصر والشام . ملوك الإسلام في الهند .. أبطال الملاحم : قال الشيخ أبو الحسن الندوي: (( لم تزل ولا تزال خليّة الإِسلام في الهند تَعْسل، والشجرة التي غرستها اليدُ الكريمة المخلصة، وسقاها الصالحون من عباد الله بدموعهم والمجاهدون في سبيل الله بدمائهم في كلِّ عصر ، تُثْمر وتؤتي أُكُلَها كل حين بإذن ربِّها))(١) . وإليك طرفًا من عَسَل ملوكهم ، مذابًا في علو همَّتهم . (١) المسلمون في الهند، لأبي الحسن الندوي صـ ٦١. نشر المجمع الإسلامي العالمي بالهند . تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس ٢٦٢ شهاب الدين الغوري ؛ يُعلي الأذان في دلهي : الغوريون من منطقة ((الغور)) في أفغانستان؛ فتحوا السِّند ، وقضَوْا على القرامطة ، وحازوا جميع ممتلكات الغزنويين ، تحت زعامة ((شهاب الدين الغوري ))؛ وملك شمال الهند ، وبلغت جيوشه ((دهي))، وأعْلى فيها منارةً الإِسلام، ودَوَّى فيها الأذان، وقامت دولة الإِسلام في الهند مركزها ((دلهي))، وكان مع السلطان شهاب الدين الغوري قائده ((قطب الدين أيبك)» يفتح المدن بسيفه، والشيخ (( معين الدين الجيشي )) يفتح القلوب بدعوته . سيفًا يَفُّ وعزمةً لم تُجْهَدِ وأتى شهاب الدين في هبواته حتى يمدَّ لدينه صِدْق الیدِ ومضى على ساحاتها لا ينثني عِقْدًا يموج بلؤلؤ وبعَسْجدِ وضممتَ أقطارًا إليك فأصبحت إشراقة التوحيد طلعة مُهْتدِ وازيَّنتْ دلهي وآية حسْنها بجهادِها المتواصلِ المتجدِّدِ وجمعتَ أطرافَ الممالك أُمَّة بهلول لودي : حكم سبعًا وثلاثين سنة ؛ اتَّسع خلالها سلطان دلهي ، وضمّ جميع الإِمارات التي كانت تابعةً له حين كان يحكم ((لاهور))، واتَّسع ملكه باتجاه الجنوب . وكان ملكًا صالحًا، عادلًا شجاعًا، صادق القول ورِعًا ، يبذل الجهد باتباع السُّنة ، ويجالس العلماء ويكرمهم . مظفَّر الحليم الكجراتي ؛ مَثَلٌ عظيم للملوك : من أهمِّ ملوك الدولة الإسلامية في (( الكجرات)) ( ٨١٠ هـ - ٩٦٥ هـ ) : (( وكان مثلًا عظيمًا للملوك، جمع من الفضْل الشيءَ الكثير ؛ كان من حُفَّاظ القرآن، ومن المحدِّثين الفقهاء، تقيّ متسامحًا، حتى سُمِّي بـ((الحليم))، وكان مُلِمَّا بعلوم زمانه، ماهرًا في الفنون الحربية، ماهرًا بالخطَّ وبجميع أنواعه، كتب https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد ttps://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ٢٦٣ صلاح الأمة في عُلُوُ الهمة - المجلد السادس مصحفين بيده أهداهما للحرمين الشريفين . ولقد أغار في زمانه أحد ملوك الهندوس على مملكة ((مالوه )) الإِسلامية ، التي كان يحكمها ((محمود شاه الخلجي الثاني))، فاستنجد محمود الخلجي بمظفّر الحليم الكجراتي ، فأنجده وطرد الهندوس ، فعرض عليه محمود الخلجي أن يكون هو السلطان على ((مالوه))، فقال له مظفّر: ((إن أول خطواتي إلى بلادك ، كانت في سبيل الله تعالى لنصرتك ، والحمد لله قد تمَّ لنا النصر ، فبارك الله لك في ملكك)) . ووعده بالمساعدة دائمًا ، وأبقى عنده بعض جيوشه . أنشأ رحمه الله في مكة رباطًا ومدرسةً وسبيلًا للماء ، وجعل لها وقفًا ينفق على المدرسين ، والطلبة ، ومن يقيم بالرباط )). قال الشيخ أبو الحسن الندوي عن السلطان مظفر حليم ، في كتابه ((المسلمون في الهند)): ((ومنهم السلطان الفاضل العادل ، المحدث الفقيه : مظفر حليم الكجراتي ، الذي روى عنه التاريخ من نوادر الإِخلاص والإِيمان ، والاحتساب والتقوى ، والعمل بالعزيمة ، والعدل والإِيثار ، والحميَّة في الدين ، والتبخّر في العلم، ما يندر وجوده في سير كبار الزهّاد والربَّانيين وكبار المخلصير. فضلًا عن الملوك والسلاطين )) . يقول مؤرِّخ ((كجرات)): ((لمَّا ساءت إدارة السلطان محمود الشاه الثاني - سلطان ((مالوه)) - عزله الوزير ((مندل رائي))، وعكف مندل على مَحْو الشعائر الإِسلامية ، ونشْر الطقوس ؛ فثارت حفيظة وحميّة السلطان مظفر - وكان واليًا على كجرات - فزحف إلى (( مالوه)) بجيش عرمرم ، ووصل إلى باب ((مالوه)) بعد أن قطع مسافة طويلة، وانتصر السلطان ، وفتح القلعة . ولما استعرض رُفْقتُه ما تركه ملوك ((مالوه)) من النعيم والخزائن والثروات الطائلة ، قالوا للسلطان : إن أكثر من ألفي فارس استُشهدوا في القتال ، فليس من المناسب أن نتخلّى عن هذه البلاد بعد هذه الخسائر الجسيمة ، ونولّي إمارتها للملك https://weblessam.blogspot.com/ بعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ttps://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوٌّ الهمة - المجلد السادس ٢٦٤ الذي كان سببًا في إتلافها . فلمَّا سمع السلطان مظفر هذا الكلام توقَّف قليلًا ، ثم خرج من القلعة ، وأمر السلطان محمود بأن لا يسمع لأحدٍ من رفقته بالدخول في القلعة، وقال: ((إنه خشي من كلام الأمراء، أن يدور بخلده طمع في القلعة ويُحبط عمله، إنه لم يحسن إلى السلطان محمود ، بل إن محمودًا نفسه هو الذي أحسن إليه ، بأنه كان سبًا في نَيْل هذا الشرف العظيم)) (١). قال السلطان حليم - في مرض وفاته ، تحديثًا بنعمة الله -: (( ما من حديث رَويتُه عن أستاذي المسند العالي ((مجد الدين)) بروايته عن مشايخه، إلّا وأحفظه، وأُسنده ، وأعرف لراويه نِسْبَته ، وثقته ، وأوائل حاله إلى وفاته . وما من آيةٍ ، إلّا وقد منَّ الله علَّ بحفظها ، وفَهْم تأويلها ، وأسباب نزولها ، وعِلْم قراءتها . وأمّا الفقه ، فإني أستحضر منه ما أرجو به مفهوم: (( من يُرد الله به خيرًا ، يُفْقِّهَهُ في الدين )). ولي مدَّة أشهر أصرف وقتي باستعمال ما عليه الصوفية ، وأشتغل بما سَنّه المشايخ لتزكية الأنفاس عملًا بما قيل: ((مَن تشبَّه بقوم فهو منهم)). وها أنا أطمع في شمول بركاتهم متعلّلًا بعسى ولعل ، وكنتُ شرعت بقراءة معالم التنزيل، وقد قاربت إتمامه، إلّا أني أرجو أن أختمه في الجنة إن شاء الله تعالى)). وفاضت روحُه ، وهو يدعو بدعاء سيدنا يوسف - على نبينا وعليه الصلاة والسلام -: ﴿ ربِّ قد آتيتني من المُلك وعلَّمتني من تأويلِ الأحاديث فاطِرَ السمواتِ والأرضِ أنتَ ولبي في الدنيا والآخرة توقّي مُسْلمًا وألحقني بالصَّالحين (٢) [ يوسف : ١٠١ ] ٠ (١) القصة مبسوطة في تاريخ كجرات للاصفي المعروف بـ ((ظفر الواله))، وكذلك في نزهة الخواطر جـ٤. (٢) المسلمون في الهند لأبي الحسن الندوي صـ ٥١ - ٥٣. بعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٢٦٥ صلاح الأمة في عُلُوٌّ الهمة - المجلد السادس دولةُ المغول المسلمة في الهند ٩٣٢ هـ - ١٢٧٤ هـ : ((العهد الذهبي للمسلمين في الهند )): يمثِّل عهد المغول الفترة الذهبيّة لحُكْم المسلمين في الهند ، حيث امتدَّت العلوم والثقافة ، ومختلف مظاهر الحياة الإِسلامية ، مع امتداد رقعة الدولة المسلمة ، واشتداد سلطانها وهيبتها ونفوذها . بدأ حكم المغول في الهند حين زحف إليها . ظهير الدين ((محمد بابر) مؤسِّس الدولة المغولية المسلمة في الهند : وهو الحفيد الرابع لتيمورلنك ؛ زحف من مدينة كابل في أفغانستان ، واحتلّ دلهي التي كان يحكمها السلطان ((إبراهيم اللودهي))، وانتصر بجيش تعداده ١٢ ألف مقاتل من المغول ، على جيش إبراهيم اللودهي الذي كان تعداده مائة ألف ، ودخل دلهي فاتحًا ، في ١٥ رجب سنة ٩٣٢ هـ ، ونودي به ملكًا على الهند . الملك العظيم الراشد: أورانك زيب عالمكير ؛ ((لا نظير له في علو الهمَّة وقوة الإرادة في ملوك العالم )): حكم وهو في الأربعين من عمره ، ففتح البلاد ، ونشر الأمن والعدل . وامتدَّت دولة الإِسلام من سفوح ((همالايا)) في الشمال ، حتى شواطئ البحر في أقصى الجنوب . ومع هذه الفتوحات العظيمة ، كان ينظرُ في كلّ شئون المُلك وقضايا الرعية بِمثْل عين العُقاب، فأزال كلَّ آثار زندقة الملك ((جلال الدين أكبر))، وعدَّل الضرائب، ومدَّ الطرق العظيمة ، وبنى المساجد في أنحاء الهند وجعل لها أئمةً ومدرسين ، وأَسَّس دورًا للعَجَزَة ، ومارستانات للمعتوهين ، ومستشفيات للمرضى ، ودَوَّن الأحكام الشرعية والفتاوى في كتابٍ واحد يُسمَّى تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٢٦٦ صلاحِ الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد السادس اليوم: ((الفتاوى العالمكيرية)) واشتُهرت بـ ((الفتاوى الهندية))، وألغى امتيازات المُلْك، وألّف كتابًا في الحديث فقد كان عالمًا، وعكف على دراسة القرآن الكريم ، وكان يكتبه بخطّه ويبيع المصاحف ليعيش بثمنها ، بعد أن زهدت نفسُه أموال المسلمين ، وكان يحافظ على صلاة الجماعة ولا يتركها ، والجمعة في المسجد الكبير ، وكان يصوم رمضان في كلِّ أحواله ويُقيم لياليه بالتراويح ، ويعتكف في العشر الأواخر ، ويداوم على الوضوء وعلى الأذكار ، ويمدُّ أهل الحرمين بالصلات ، وكان شديدًا في حَزْمه وعَزْمه ، بارعًا في فنون الحرب . وفي الإِدارة والتنظيم . حكم الهند خمسين سنة ، وكان أعظم ملوك الدنيا في عصره . ومع أنَّ مفاتيح كنوز الهند كلَّها كانت بيده ، ولكنه عاش عيشة الزهد ؛ وكان يمرُّ عليه رمضان كلّه فلا يأكُل إلّا أرغفة من خُبْز الشعير ؛ من كَسْب يمينه ، لا من أموال الدولة . فرحمةُ الله على الملك ((أورانِك زيب عالمكير)) ، تلميذ الشيخ أحمد السرهندي مجدِّد الألف الثاني بالهند ... رحمة الله على هذا الملك ، الذي توفّى سنة ١١١٨ هـ. تاركا وراءه سيرة نهج فيها نَهْج الخلفاء الراشدين. يقول الشيخ أبو الحسن الندوي في كتابه ((المسلمون في الهند )) (صـ ٥٠ - ٥١): (( الذي يقرأ سيرة السلطان أورانك زيب عالمكير، وما جمع من فضائل علمية وعملية ، ويقرأ تاريخه الحافل بجلائل الأعمال ، ويقرأ جهاده المتواصل الذي لم يُقطع ولم يتوقّف يومًا واحدًا في خمسين سنة حَكَم فيها ، وفتوحاته العظيمة ، وإصلاحاته الكبيرة ، وتقشُّفه في الحياة ، وتحمُّلُه للشدائد ، واستقامته ، وصلابته ، ومغامراته في سنٍّ عالية ، تسعين سنة ، ولم يزل مرابطًا مناضلًا إلى آخر ساعاته ، ويقرأ نظام أوقاته ، ومحافظته على الفرائض والسُّنن ، مع إشرافه الدقيق على أوسع مملكة في عصره ، واشتغاله بالعبادات والعلم والمطالعة - تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ttps://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد السادس ٢٦٧ آمن بأنَّ هذا الرجل لا نظير له في علوِّ الهمِّة وقوة الإِرادة في ملوك العالم ، وأنه خُلِق من حديد ، وأنه من نوادر رجال العالم في جميع العصور ، وفي جميع الأجيال )). بك أُمَّةٌ فاخشعْ لربِّك واسجد لله دُّك يا ((أُرَنَكْ زِيبُ)) اهتدتْ وأقمتَ من حصنٍ بها أو مسجدٍ کم شدتَ من دارٍ لعلمِ نافعِ وعلتْ مآذنُهَا يشُّ نداؤها ورویت من عطشی فکم من تائهٍ ((الله أكبر)) كلَّ أُفْقِ أَرْبَدٍ آويتَ بين ظلالِها أو مُجْهَدٍ للدين تحرُسُها كبودُ السُّهَّدِ ورفعت بنيانًا أعزَّ وقلعةٌ في المجد نادرةٌ وزهْوَةُ سؤددٍ خمسون عامًا كل عام درَّةٌ يا سنادسَ الخلفاءِ رُشْدُك آيةٌ للناس مُلْهِمَةٌ ولهفةُ مقتدي الحاكم العبقري : شيرشاه السوري ؛ فريد في العصور والأمصار : قال الشيخ أبو الحسن الندوي في كتابه (( المسلمون في الهند )) صـ ٥٠ : (الذي يقرأ سيرة الحاكم العبقري ((شيرشاه السوري)) (٩٥٢ هـ)، ويعرف مآثره في إدارة البلاد ورفاهيتها ، ومشاريعه العمرانيّة، الضخمة البديعة ، وقوانينه العادلة ، وتشريعاته الدقيقة وإنتاجه السريع الضخم ، ويعرف أنَّ كلّ ذلك قد تمَّ في خمس سنوات فقط - وهي المدّة التي حَكم فيها شيرشاه - وبعضه يعجزُ عنه الحكومات الكبيرة المنظمة ، في آجال طويلة . ولم يستطع كثير من الملوك والحكام الإنجليز - على كثرة الوسائل، وتقدُّم المدنيّة، وحدوث الآلات - أن يأتوا ببعض ما أتى به هذا الملك العصامي في عصرٍ مختلفٍ في الصناعة والمدنيّة - يُبْهر بعظمة هذا الرجل ، ويؤمن بعبقريَّته ، ويصدِّق أن هذا الرجل فريدٌ في العصور والأمصار ، ويستحقُّ أن يُوضع في صفِّ أعاظم الرجال في العالم )). ويقول عنه في صـ٢٥ - ٢٦: ((أنشأ شيرشاه السوري الشارع الطويل بعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس ٢٦٨ ((سنار كاؤن)) إلى ماء ((نيلاب))، مساحته اثنتان وثلاثون وثمانمائة وأربعة آلاف (٤٨٣٢ كم )، وأسَّس في كُلِّ ثلاثة كيلو مترات رباطًا، ورتَّب هناك مائدتين ؛ مائدة للمسلمين ، ومائدة للهنادك . وأسَّس مسجدًا على كلّ ثلاثة كيلو مترات ، ووظّف مؤذِّنًا ومقرئًا وإمامًا في كلِّ مسجد ، وعيَّن في كلّ رباطٍ فرسين للبريد؛ فكان يُرفع إليه أخبار ((نيلاب)) إلى أقصى بلاد ((بنغال)) كلّ يوم ، وغرس الأشجار المثمرة بجانبي الشارع ؛ ليستظلّ بها المسافر ويأكُل منها)). السلطان فتح علي خان ((سلطان تيبو))؛ يسْتشهد في قتاله ضدَّ الإِنجليز قائلًا: ((يومٌّ من حياة الأسد، خيرٌ من مائة سنةٍ من حياة ابن آوَى)): قبل أنْ يتغلغل الإِنجليز في الهند ، كانت العَزَّةُ كُلّ العَزَّةِ للمسلمين في الهند ؛ حتى إنّ مبعوث ملك إنجلترا ((جيمس الأول)) ظَّ أكثر من سنتين في الهند يحاول مقابلة الإِمبراطور ((جهانكير))، فلم يظفر بما أراد، فالتمس أن يأخذَ رسالةً منه يحملها إلى ملك إنجلترا ، فردَّ عليه الوزير الأول في البلاط الملكي: ((إن مما لا يُناسب مكانة ملِكٍ مغولي مسلم ، أن يكتبَ رسالة إلى سيِّد جزيرةٍ صغيرة يسكنها صيَّادون مسلمون)) (١). هكذا يُردُّ على الصَّلف الإِنجليزي ... وبعد ذلك غفل المسلمون في الهند ، واحتلّ الإنجليز الهند ، وانتبه المسلمون لهذا الخطر، وكان أوَّل من تنبّه له الملك الهمام ((فتح علي خان)) المشهور بـ ((سلطان تيبو))؛ فبدأ يحاربُ الإِنجليز حربًا لا هوادة فيها سنة ١٢١٣ هـ/١٧٩٩م، فحارب الإِنجليز بكلِّ ما يملك من رجال وعتاد وقوة ، وحرَّض أمراء مختلف مناطق الهند ، وحاول الاتصال بالسلطان سليم العثماني وملوك المسلمين ، وراسلهم . (١) الدعوة الإسلامية وتطورها في الهند . للدكتور محيي الدين الألواني صـ٣٦. ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاحِ الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس ٢٦٩ وكاد ينهار كُلُّ ما بناه الإِنجليز في الهند ، لولا أنهم نجحوا بمكْرهم بضمٌ أمراءِ الهند - في جنوب البلاد - إليهم ، فتغيَّر ميزانُ المعركة ، وسقط الملك المسلم المجاهد البطل صريعًا في المعركة يوم ٤ مايو سنة ١٧٩٩ م وآثر الموت في ساحة القتال على الأسْر في يد الإِنجليز ، وقال كلمته المشهورة: (( يومّ من حياة الأسد، خيرٌ من مائة سنة من حياة ابن آوَى)). ولما بلغ القائد البريطاني نبأ مصرع السلطان تيبو ، حضر ووقف على جثمانه ، وقال : اليوم الهند لنا. ولقد كتب غاندي مقالةً في صحيفة ((الهند الفتاة)) عن عظمة هذا السلطان وصدقه ، وقال في جملة ما قال : لا نعرف أعظم منه في شهداء الوطن والأمة . ((ولم تعرف الهند في تاريخها الطويل، قائدًا أعلى همَّةً، وأبعدَ نظرًا، وأشدَّ عداءً للإنجليز من ((تيبو سلطان))، ولم يكن في الهند شخصية أبغض القلوب الإِنجليز منه . حتى إنهم كانوا يسمُّون كلابَهم باسمه شفاءً لحقدهم الأسود ، وإهانةً لرمزٍ من رموز الجهاد الإسلامي))(١) . وأعزَّ وَثْبَتَهُ وأطهرَ مقصدٍ سلطان تيبو ما أجلَّ وفاءَه لله تدفع كلَّ عَزْمٍ منجِدِ نهضت جموعُ المسلمين لجولةٍ كلٌّ يقول لنفسه إن راعها خَطَرِّ سبيلُ اللهِ أبلجُ فاشْهدي تيبو وقال لنفسه هيّا رِدِي وأبى الإِسارَ وشدَّ فِي حَمَلَاتِه عُمرِ الثعالبِ أو حياةِ الأَسْوَدِ(٢) يومٌّ مِنَ الأسدِ الهزبرِ أعُزُّ مِنْ نفسًا تعزُّ وهمَّةً لم تَقْعُدِ(٣) لله درُّك إذ حملتَ مع الّدی - -- المسلمون في الهند لأبي الحسن الندوي صـ ١٦٢، ١٦٣ . (١) (٢) الأسْوَد : الحيّة العظيمة . ملحمة الإسلام في الهند صـ١١٧ . (٣) بعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://web lessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٢٧٠ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد السادس جهاد السلطان ((سراج الدين بهادرشاه)) للإِنجليز، ونفيه إلى رانجون : لما قاوم الشعب الهندي المسلم الإنجليز؛ كان الملك المغولي ((سراج الدين بهادر شاه)) قائد الجهاد ورمزه، وأدار الإِنجليز مذابح فاقت مذابح جنكيز خان وهولاكو ، وقتلوا أبناء الملك بهادر ، وشنقوا ثلاثة وعشرين من أبناء الأسرة المالكة ، ونَفَوا الملك بهادر مع مَن بقي من أهله وحاشيته إلى رانجون ... وأداروا المجازر ؛ منها مجزرةٌ استمرت سبعة أيام ، شُنِقِ خلالها سبعة وعشرون ألف مسلم ... أَسَدٌ على ميدانه لم يُصْفِدِ رانجون أصبحتِ العرين فأبشري وأتنوكِ بالبطل الأعزِّ الأمجدِ حملوا إليكِ الليثَ من غاباتِه شتانَ بين مجاهدٍ أو معتدٍ يا عزَّ مأسورٍ وذَلَّةَ آسر حلَّت هناك وطلعةٌ من فرقدٍ أبهادرٌ أَنَّى حللتَ فعزّةٌ وذُرا الجبانِ وِهادُ سِجْنٍ موصَدٍ منفى الأبِّ عُلَّا ومَغْنَى زَاهِرٌ صدِّيق حسن خان: العالم الأثري ملك ((بهوبال)): تزوَّج الشيخ صدِّيق حسن خان بالملكة ((شاهجهان بيجم)) ملكة ((بهوبال))، وأصبح ملكًا لبهوبال، ولم يشغله المُلْكُ عن تحصيل العلم ونشره ؛ فلقد أُلَّف ولدُه محمد علي حسن كتابًا عن حياة أبيه باللغة الأردية سماه (( مآثر صدِّيقي)) في ستة أجزاء، ذكر فيها عن مصنفاته التي بلغ عددها مائتي كتاب وأربعة، تشكِّل الكُتب العربية منها ٥٤، والفارسية ٤٢، والأردية ١٠٧ . ومِن ضِمْنها كتاب: (( رحلة الصديق إلى البيت العتيق )) يذكر فيه الشيخ رحلته بالسفينة الشراعية من ((بومباي)) إلى ((جدَّة)) للحجّ ، استغرق سفره ثمانية أشهر ، من يوم أن غادر بلده إلى أن عاد إليها . وقد لقي في هذه الرحلة من المشاقِّ الكثير بما يصفه بقوله : ضاقت علينا https://weblessam.blogspot.com/ بعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٢٧١ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس الأرض بما رحُبت من طول الركوب ، ومخالفة الهواء ، وقلة المطعوم والمشروب ، حتى قنعت في اليوم والليلة بجرعة من الماء ، ولقيمات من الأرز الذي لم يخالطه شيء من السمن والإِدام . وبلغت الأنفس التراقي في تلك الأيام ، وكانت الأيدي إلى السماء مرفوعة ، والأعين والآذان . ويحكي في رحلته ما يُّبِّن علوَّ همَّته ، فيقول : كتبتُ بيدي في المركب كتاب (( الصارم المُنكي على نخر ابن السُّبكي)) للحافظ ابن قدامة المقدسي ، في مجلّد وسط ، ولم أُضيِّع زمن ركوبي البحر عبثًا . ويقول عن نزوله ((الحديدة)) باليمن - أثناء الرحلة -: وأقمتُ هنا اثني عشر يومًا ، أراجع كتب الحديث ، وأكتُبُها بيدي ما أستطيع ، ولم أذهب إلى المساجد إلّا الصَّلوات الخمس لكثرة اشتغالي بطلب العِلْم . وفي أيام الإِقامة بهذه البلدة أهديتُ نُسَخًّا من كتابي ((الحطة في ذِكْر الصحاح السّنّة)) لعلمائها وأهل العلم المقيمين بـ ((المرادعة)) و((بيت الفقيه)) وغيرهما، وكلُّهم استحسنوها ، ودعوا لمؤلفها. وقال لي الشيخ علي بن عبد الله - شارح البخاري- حين لاقاني : وجود مثلكم في هذا الزمان : من نعم الله تعالى ، لو كانوا يعقلون . واستعرتُ رسائل السيد محمد الأمير - حين الرحيل من حديدة - لأجْل النظر والنقل ؛ فمنها ما نظرتُ فيها واستفدت ، ومنها ما نقلتُ واستنسختُ . وقال أيضًا عن رحلته : ولم نترك الاشتغال بالعلم في هذه الفرصة القليلة - أعني أواخر ذي القعدة - بل حصَّلنا فيها بعض الكتب والفوائد . ويقول أيضًا: (( ومن غاية الشغف بعلوم السُّنَّة ، لم أترك كتابة العلم بعرفة ومنى في أيام إقامتها ، لكن في غير أوقات المناسك ....... وقد شاهدتُ في سفري هذا عجائب ، ورأيت فيه عدَّة مصائب ، واخترت الناس ، ومَّزتُ السفهاء من الأكياس ، ووقفتُ على رسوم القوم وبِدَعِهم ومحدثاتهم ، وانهماكهم في تحسين تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٢٧٢ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس الملابس والمطاعم والمناكح والمساكن ، وقصْر هممهم على ذلك ، وعدم رفْع رؤوسهم إلى السُّنن وما مات منها ، وضعف الإِسلام؛ وهذا شَينٌ لأهل الدين ، لا سيَّما لأهل مكة والمدينة ، الذين هم في خير بقاع الأرض ، وهم قدوة المسلمين ، خصوصًا الأئمة منهم ؛ وقد رأيتُ منهم الإِسراف المنهيّ عنه ؛ في طول الذيول والثياب وغيرها ، حتى رأيتُ العمائم كالأبراج ، والكمائم كالأخراج ، وبِدَعًا لا تُحصى ، ومحدثات لا تُستقصى . فرحم الله امرأً اجتنب عن ذلك ، وصان نفسه عما هنالك ، ونهى القوم عن هذه المناهي والمنكرات ، و جمعهم على التمسُك بالسنة والكتاب ، وذکر مقامه ومقامهم بین یدي ربِّ الأرباب ، وخاف الله في كل ما يأتي به ويذر ؛ في الحضر والسفر ، والحياة والممات ، وكل الأحوال ))(١) . الله دُّه من ملك .. وما أطيب مؤلفاته؛ ((فتْح البيان)) و ((الدين الخالص)) و ((العبرة بما جاء في الغزو والشهادة والهجرة))، و ((الجنة في الأسوة الحسنة بالسُّنَّة))، و((يقظة أولي الاعتبار بما ورد في ذكْر أصحاب النار))، و((الإذاعةُ لِمَا كان وما يكون بين يدي الساعة))، و((الروضة النديّة شرح الدُّرر البهيّة للشوكاني)) و((فَتْح العَلّام شرح بلوغ المرام لابن حجر))، و ((حصول المأمول من عِلْم الأصول))، و((الغنة ببشارة أهل الجنة))، و ((قطْف الثَّمر في بيان عقيدة أهل الأثر))، و((تخريج الوصايا من خبايا الزوايا))، و ((قصْدُ السبيل إلى ذَمِّ الكلام والتأويل)) (٢)، وغيرها وغيرها .... (١) انتهى ملخصًا من كتاب ((رحلة الصديق إلى البيت العتيق)) الصدِّيق حسن خان من صـ ١٦٦ - ١٧٦، طبع دار ابن القيم . (٢) مقدمة ((تخريج الوصايا من خبايا الزوايا)) لصديق حسن خان، تحقيق عبد الله الليثي صـ١٢ - ١٥، طبع مؤسسة الكتب الثقافية . تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ttps://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد صلاحِ الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس ٢٧٣ فالكونُ بین مُرجِّعٍ ومردِدِ یا ھند یا سحر الجمال تحدَّ ثي أفلاذُ أكبادٍ وصفوةُ مَحْتدِ نُثرت عليك من الجواهر أُمَّة ولديك أغلى الدُّرِّ عندك جوهر التَّوْ حيد شوق المؤمنِ المتعبِّدِ تلك المرابع بالدمِ المتجدِّدِ من عطّر الساحات فيك ومن روی ورفيفَ أطيارٍ وطلعةَ فَرْقِدٍ أسمعتَ وشوشةً الزهورِ وهمسها كُلِّ يقولُ أَجُلُّ ما حملتْ لنا الدُّنْيا رِسالةً مؤمنٍ مُتْهَجِّدٍ مدَدًا وجاءوا بالهوى المتفرِّدِ المؤمنون على الزمانِ تواصلوا موصولةٌ وعزيمةٌ لم تقْعُدِ نَسَبٌ أبّ على الزمان ولُحمةٌ منها الدنا وزهت بحُسْنٍ مُحْلَدِ غرسوا بها أحلى الورودِ وفّحت ومِن تركيا خلفاء وملوك ، غيَّروا وجه التاريخ : بأحرفٍ من نور .. وبعلوِّ همّةٍ لا تُبارى ، سجَّل الخلفاء والملوك العثمانيون مآثرهم ... وقد مَّ بنا علُّ همَّة السلطان محمد الفاتح ... الذي لو لم يكن له إلّا فَتْح القسطنطينية ؛ لكفاه علو همّة له وللعثمانيين . وهذه صفحة مختصرة أخرى لسلطانين عظيمين : السلطان المجاهد مراد بن أورخان ؛ يعدم ابنه ((ساوجي)) لما تحالف مع الكافرين: لله درّه، حين تسقط في عهده مدينة ((صوفيا)) عاصمة بلغاريا ، ويُروِّع بطلُنا البيزنطيين الأرثوذكس وحلفاءهم الأوربيين الكاثوليك ، وعلى رأسهم بابا روما . وحينما انتهز الأمير ((إيمانوئيل)) - ابن الإمبراطور البيزنطي ((يوانيس الخامس)) - فرصة ابتعاد الجيش الإِسلامي عن مدينة ((سيروز)) فهاجمها واستولى عليها ، فسيَّر السلطان ((مراد)) جيشًا بقيادة ((خير الدين باشا))، تمكّن من استعادة المدينة ، وفَّ إيمانوئيل والتجأ إلى أبيه الإمبراطور ، الذي بلغ من شدّة خوفه من غضب بعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /ttps://arabessam.blogspot.com ٢٧٤ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس السلطان أن طرد ابنه ، ورفض استقباله ، فلم يجد إيمانوئيل حلا أفضل من تسليم نفسه للسلطان مراد . وحينما تآمر الأمير ((ساوجي)) - الابن الأصغر للسلطان مراد - واشترك مع الأمير (( أندرونيقوس )) - الابن الثاني للإمبراطور يوانيس الخامس - في قتال المسلمين ؛ سار السلطان مراد على رأس جيشه لملاقاتهم قريبًا من القسطنطينية ، وفَّ الجيش المتآمر ، واستسلم ساوجي في مدينة ((ديموقة))، وحاكمه العلماء والقضاة، فحكموا عليه بالموت جزاءً خروجه على طاعة ولّ الأمر ، وموالاته للكافرين ، ومشاركته الفعلية لهم في حرب المسلمين . ونفذ السلطان مراد حكم الإِسلام في ولده ، برغم محاولات بعض قادته أن يعفو عنه ويكتفي بنفيه . هزيمة الصليبيين في ((مارتيزا )) ودفْعهم جزية سنوية : ذهب إمبراطور القسطنطينية إلى البابا يستنجد به ، وركع أمامه ، وقَّل يديه ورجليه ، ورجاه الدَّعْم ، رغم الخلاف المذهبي بينهما ، ولبى البابا النداء ، وكتب إلى ملوك أوربا عامة ؛ لخوض حرب صليبية حفاظًا على النصرانية . وتجمَّع ملك الصرب (( أوروك الخامس)) وجيشه وجيوش أمراء البوسنة والأفلاق ((جنوبي رومانيا)) وأعداد من فرسان المجر المرتزقة، وسار الجميع نحو ((أدرنة)) حاضرة العثمانيين، واصطدم الجيش العثماني بهم على نهر ((مارتيزا ))، فهزمهم هزيمةً منكرة ، وولوا الأدبار، واضطرت إمارة ((راجوزة )) إلى دفع جزية سنوية: ٥٠٠ دوكًا ذهبًا، واضطَّ ملك الصرب الجديد ((لازار))، وأمير البلغار ((سيسمان)) لدفع جزية سنوية للسلطان . في ٧٩١ هـ - ١٣٨٩ م؛ يفتح الله على السلطان مراد جميع الأراضي البلغارية : في عام ٧٩١ هـ واجه السلطان مراد خطرًا داهمًا ، حين نقَض ملك الصرب https://weblessam.blogspot.com/ بعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٢٧٥ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس لازار وملك البلغار شيمان ، المعاهدة التي كانا قد عقداها مع السلطان مراد ، لكن السلطان سارع بمباغتة الملك شيمان في عقر داره ، ففتح الله عليه جميع الأراضي البلغارية ، ووقع الملك شيمان أسيرًا . ويؤدّب لازار ملك الصرب وأمراءَ البوسنة والهرسك، في معركة ((قوصوة)): حين علم ملك الصرب لازار بما وقع لحليفه ، سارع إلى الاستنجاد بجيرانه أمراءِ البوسنة والهرسك ، وأولاح ، وبعض أمراء الأرناؤوط ، فتجمَّعت لديه قوات كبيرة، سار بها لملاقاة المسلمين في ((قوصوة)). وجمع السلطان المجاهد مراد قادة جيشه ؛ لدراسة الموقف ، وأشار ابنه الأمير ((بايزيد)) - ومعه جماعة - بضرورة الانسحاب ، وتجنّب الدخول مع لازار وحلفائه في معركة ، ولكن السلطان مراد أصرّ على ملاقاة لازار ، وطَفِقَ يتلو بعض آيات القرآن الكريم ، التي تحضُّ على قتال الكفار ، وتبشِّر المؤمنين بنصر الله ؛ فاطمأنتْ قلوبُ المتردِّدين . وكانت الليلة التي سبقت وقوع معركة ((قوصوة)) الحاسمة، ليلة بلغت فيها القلوب الحناجر ، وأقبل السلطان مراد نحو ربِّه عز وجل يُلحُّ عليه في الدعاء ، ويستنزله النصر للإِسلام والمسلمين ، وأن يرزقه الشهادة في سبيله . يا دعاة القومية العربية المهلهلة ، هؤلاء هم العثمانيون : ينقُل المؤرِّخ التركي ((عبد القادر داده أوغلو)) في كتابه ((التاريخ العثماني المُصوَّر))، نصَّ دعاء السلطان مراد، في تلك الليلة على النحو التالي: ((إلهي ومولاي ، تقبَّل دعائي وتضُرُّعي، وأنزل علينا برحمتك غيثًا يُطفئ من حولنا غبارَ العواصف ، واغمرنا بضياءٍ يبدِّد من حولنا ظلمات الليل البهيم ، حتى نتمكّن من إبصار مواقع عدوِّنا ، فنقاتله في الغد في سبيل دينك العزيز . تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://web1essam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٢٧٦ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس إلهي ومولاي ، إن المُلْك والقوّة لك ، تمنحُهما لمن تشاء من عبادك ، وأنا عبدُك العاجز الفقير إلى رحمتك، تعلم سرِّي وجهري ، وأقسمُ بعَّتك وجلالك أنني لا أبتغي من جهادي حُطام الدنيا الفانية ، ولكنني أبتغي رضاك ، ولا شيء غير رضاك . يا رب اجعلني فداءً للمسلمين جميعًا ، ولا تجعلني سببًا في هلاك أحدٍ من المسلمين في سبيل غير سبيلك القويم ، ونجِّهم يا رب من الوقوع في أسْر الكافرين ، وانصرهم على عدوِّهم . إلهي ومولاي ، إن كان في استشهادي نجاة لجند المسلمين ، فلا تحرمني الشهادة في سبيلك لأنعم بجوارك ، ونعم الجوارُ جوارُك . إلهي ومولاي ، لقد شرّفتني بأن هديتني إلى طريق الجهاد في سبيلك ، فزدني تشريفًا بالموت في سبيلك )) . ويروي المؤرخ التركي ((خوجا سعد الدين)) في كتابه ((تاريخ التواريخ))، أن السلطان المؤمن ، أمضى الليل كلَّه وهو يدعو بمثل هذا الدعاء ، حتى إذا بزغ الفجر ، وأَذَّن المؤذِّن لصلاة الفجر ، هرع جند الإِسلام يؤدُونها ، ويردِّدون وراء قائدهم الدعاء في هديرٍ شقَّ سكون الليل ، ووصلت أصداؤه إلى جموع الكافرين ، تُزلزل أقدامهم ، وتُوقِعُ الخوف في أفئدتهم . وصدق السلطان المؤمن ربّه ، فصدقه ربُّه وعده ؛ فنصر جنده ، وهزم . الأحزاب وحده - وقُتِل لازار - واختاره الله شهيدًا في سبيلِه عز وجل ، بضربة خنجرٍ من جندِّ صربِي ، أصابت من السلطان مقتلًا وهو يتفقّد جرحى المسلمين بعد المعركة . بوركتِ يا روح مراد بن أورخان في رحاب الله ورضوانه، مع النبيين والصديقين والشهداء ، وحسن أولئك رفيقاً(١). (١) مواقف بطولية من صنع الإِسلام، لزياد أبو غنيمة صـ ٨٤ - ٩٠ . تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس ٢٧٧ بايزيد الصاعقة (( يلدرم)): لن ینسی التاريخ « بایزید » الأول ، الذي کان دائم الجهاد ، ینتقل من أوربا إلى الأناضول ، ثم يعود مسرعًا إلى أوربا يحقق فيها نصرًا جديدًا ، أو تنظيمًا حديثًا ، حتى لُقِّب باسم ((يلدرم)) أي: الصاعقة . نظرًا لتلك الحركة السريعة ، والانقضاض المفاجئ . يدفع له ((اصطفان بن لازار)) ملك الصرب جزية سنوية ، ويفتح مدينة ((الأشهر )) آخر مدينة للروم في غرب الأناضول، ويضم إمارة (( آیدین )) بدون قتال إلى العثمانيين ، ويُضيِّق الحصار والخناق على القسطنطينية ، ويُجبر حاكم (( الأفلاق )) على توقيع معاهدة يعترف فيها بسيادة العثمانیین على بلاده ، ويدفع جزية سنويًّا . ويسير السلطان بايزيد إلى بلاد البلغار ، ويجعلها ولاية عثمانية . ويلتقي بالجيوش الصليبية التي دعاها البابا لحرب صليبية؛ جيش ((دوق)) بورغونيا وأمراء النمسا ، و ((بافاريا)) جنوبي ألمانيا، وفرسان القديس يوحنا . وينتصر العثمانيون في ٢٣ ذي القعدة سنة ٧٩٨ ، وأسير دوق بورغونيا وعدد من الأمراء ، وفدى الدوق نفسه بمبلغ ضخمٍ من المال . وبعد هذا الانتصار ، عقَد السلطان بايزيد صلحًا مع الإمبراطور البيزنطي ؛ فكَّ بموجبه الحصار على القسطنطينية ، مقابل دفع ما يُعادل عشرة آلاف دينار ذهبي ، والسماح للمسلمين ببناء مسجد في القسطنطينية (١). السلطان مراد الثاني - والد السلطان محمد الفاتح - يحكم وعمره ثماني عشرة سنة : ولد رحمه الله عام ٨٠٦ ، وتولَّى أمر السلطنة بعد وفاة أبيه عام ٨٢٤ هـ ، وكان عمره لا يزيد عن ثماني عشرة سنة، وكان همُّه قبل كلّ شيءٍ مصروفًا (١) التاريخ الإسلامي ٧١/٨ - ٧٣. ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٢٧٨ صلاحِ الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس إلى إعادة الإمارات في الأناضول إلى حظيرة الدولة العثمانية بعد أن شتَّتها تيمورلنك ؛ فأعاد إمارات آيدين ، ومنشا ، وصاروخان ، والكرميان . ثم تفَّغ بعد ذلك لملوك أوربا ، فبدأ بقتال ملك المجر ، وعقد معه معاهدةً تنازل فيها للسلطان عن أملاكه ، التي تقع على الضفّة اليمنى لنهر الدانوب ، وعقد أمير الصرب ((جورج برنكوفتش)) معاهدة مع السلطان ، تقضي بدفع جزية سنوية قدرها خمسون ألف دوك ذهبي. واستعاد مدينة ((سلانيك)) عام ٨٣٣ من البندقية بعد حصار خمسة عشر يومًا، واعترف أمير الأفلاق بسيادة العثمانيين على بلاده عام ٨٣٦، وخضعت له (( ألباد )) بعد حروب بسيطة . وتنادى ملوك النصارى لشنِّ حملة صليبية جديدة ، فجمعوا جموعهم من مجريين وبولنديين وفرنسيين وألمان وبنادقة وجنْوِّين ، وهاجموا بلاد البلغار . فقاد السلطان جيشه ، واتَّجه إلى أوربا ، وسار نحو الأعداء ، فوجدهم يحاصرون مدينة (( فارنا)) البلغارية الواقعة على ساحل البحر الأسود ، فنازلهم، وقُتِل ملك المجر في ساحة المعركة فاختلّ ترابط الجند ، وهاجم السلطان معسكر الأعداء واحتلّه، وقتل الكاردينال ((سيزاريني)) مندوب البابا، وتمَّ النصر للمسلمين في ٢٨ رجب عام ٨٤٨ هـ . وأراد جيش المجر مرة ثانية أن يثأر لهزيمته في معركة فارنا ، فالتقى مع السلطان وجيشه في وادي، ((كوسوفو))، وانتصر السلطان على جيش المجر نصرا مؤزَّرًا عام ٨٥٢ (١) هـ. فللَّه درُّه من ولد، ولله درُّ ولده محمد الفاتح فاتح القسطنطينية . وهل ينبتُ الخطَي إلَّا وشيجُه ويُزرعُ إلَّا في منابِهِ النخلُ (١) التاريخ الإسلامي ٨٠/٨ - ٨٦. ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد السادس ٢٧٩ السلطان الغازي سليمان القانوني ؛ فاتح بلغراد ورودس وفاتح بلاد المجرد : لله درُّه وهو يكتب لفرنسيس ((فرانسوا الأول)) ملك فرنسا، لمَّا استنجد به لمحاربة ((شارلكان)) ملك أسبانيا، قال له: ((إن آبائي الكرام وأجدادي العظام ، نَوَّر الله مراقدهم ، لم يكونوا خالين من الحرب لأجل فتح البلاد ، وردِّ العدو . ونحن أيضًا سالكون على طريقهم ، وفي كلٍّ وقت نفتح البلاد الصعبة والقلاع الحصينة ، وخيولنا ليلا ونهارًا مسروجة، وسيوفنا مسلولة))(١). فتح بلغراد في ٢٥ رمضان سنة ٩٢٧ هـ - ٢٩ أغسطس سنة ١٥٢١م : أرسل السلطان ((سليمان)) سفيرًا إلى ملك المجر ((لويز الثاني))، يطلب منه دفع الجزية أو الحرب ، فما كان من ملك المجر إلّا أن أمر بإعدام السفير ، فأمر السلطان سليمان بتجهيز الجيوش ، وجمع كل ما تتطلبه من الذخائر والمؤن ، وسار هو بنفسه في مقدِّمة الجيش، وحاصر بلغراد، وضيَّق عليها الخناق، ودافع المجريون عن مدينتهم دفاعًا مجيدًا ، غير أن جند المسلمين تمكَّنوا من اقتحامها يوم ٢٥ رمضان سنة ٩٢٧ هـ ، وأخلى الجند المجريو، قلعتها ، ودخلها السلطان ، وصلَّى الجمعة في إحدى كنائسها التي حُوِّلت فورًا إلى مسجد ، وصارت هذه المدينة أكبر مساعد للجيش العثماني على فتح ما وراء الدانوب من الأقاليم والبلدان . وفي ٢٥ ذي القعدة سنة ٩٣٢ هـ، وفي وادي ((موهاج)) أو ((موهاكس))، التقى السلطان سليمان وجيشه البالغ مائة ألف جندي وثلثمائة مدفع وثمانمائة سفينة، بجيش المجر وملكه ((لويس)) وانطلقت المدافع العثمانية تصبُّ نيرانها ، وتُوقِع الرعب في قلوب جند المجر ، وأباد الفرسان العثمانيون معظم القوات المجرية ، (١) القانوني القائد لبسام العسيلي صـ١٨٨ - طبع دار النفائس. تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٢٨٠ صلاحِ الأمة في عُلُوٌّ الهمة - المجلد السادس وقَتل ملكهم لويس، وأرسل أهالي عاصمة المجر ((بودا)) (١) مفاتيح المدينة إلى السلطان، فاستلمها، ودخلها يوم ٣ ذي الحجة وحوَّل كنيسة ((ماتياس))(٢) إلى مسجد . ويضرب حصارًا بربع مليون جندي حول فبينًا عاصمة النمسا، ودفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون : وصل السلطان سليمان بجيشه إلى أبواب ((فيينا)) عاصمة النمسا ؛ لتأديب أهلها وملكهم (( فرديناند ))، وضربوا حصارًا حولها ، وسلّطوا عليها مدافعهم في ١٧ صفر سنة ٩٣٧ هـ ، حتى ثلموا أسوارها ، وهدموا أجزاءً منها . وعاد إليها مرة ثانية سنة ٩٣٩ هـ ، وأرسلوا يطلبون الصلح ، ورفض السلطان سليمان الصلح ، غير أنه وافق على هدنة مؤقّتة حتى تُسلَّم إليه مفاتيح مدينة ((كران))، ووافق ملك النمسا ، ووافق أيضًا ملك النمسا على التسليم بما فتحه العثمانيون من بلاد المجر ، وكذلك على عدم شرعيّة ما تتَّفق عليه النمسا مع ((زابولي)) ملك المجر - الذي عيَّنْه السلطان سليمان - إلا بعد تصديق جلالة السلطان العثماني عليه والحصول على موافقته . وكانت هذه المعاهدة في ٢٨ ذي القعدة سنة ٩٣٩ هـ. وفي الأول من جمادى الأولى سنة ٩٥٤ هـ ، ١٩ یونیو سنة ١٥٤٧ م وقّع فرديناند ملك النمسا هدنة مدتها خمس سنوات مع السلطان سليمان ، وذلك بشرط أن يدفع فرديناند للدولة العثمانية جزية سنوية مقدارها ثلاثون ألف دوكٍ - استمرت النمسا تدفع هذه الجزية إلى الدولة العلية إلى سنة ١٦٩٩ م - وأن تبقى بلاد المجر تحت رعاية الدولة العلية . (١) تقع بودا على الشاطئ الأيمن من نهر الدانوب، وعلى الشاطئ الأيسر مدينة بست ، وانضمَّتِ المدينتان سنة ١٨٧٣ م ، فأصبحتا مدينةً واحدة ، هي عاصمة المجر اليوم ((بودابست)) . (٢) تُسمَّى كنيسة التتويج ؛ لأن الملوك كان يُتَوَّجون فيها. تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://web lessam.blogspot.com/