النص المفهرس
صفحات 221-240
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس ٢٢١ مليكهم ؟ قال: فحمَلْي الغيرة أن قلتُ له: لو تنفّس صاحب هذا القبر وأنت عليه ما سُمِع منك ما يُكره سماعه ، ولا استقرّ بك قرار . فهمَّ بي ، فحالتْ امرأته بيني وبينه، وقالت له: صدقَك فيما قال، أفيفجُر مثلك بهذا؟))(١) (٢). أميرُ المرابطين يوسف بن تاشفين بطل موقعة الزَّلَّاقة : يوسف المغرب الذي لم يُوفَّ حقَّه .. الرجل الذي خُلق للزعامة والفتح . استخلفه ابنُ عمِّه أبو بكر زكريا بن عمر على مراكش ، وأمره أن يتمَّ تخطيطها وبناءها سنة ٤٥٤ هـ ، وعندما عاد أبو بكر سنة ٤٦٥ هـ تلقَّاه يوسف بالهدايا الثمينة، فعرف أبو بكر أن الأمور استقرّت ليوسف ، فتنازل ليوسف عن الملك، وقال له : (( أنت أخي وابن عمي، ولم أرَ مَن يقوم بأمْر المغرب غيرك ، ولا أحقَّ به منك ، وأنا لا غناءً لي عن الصحراء ، وما جئت إلّا لأسلم الأمر إليك، وأهدنك في بلادك، وأعود إلى الصحراء مقرّ إخواننا، ومحلّ سلطاننا))(٣). وهذه الحادثة الرائعة قلما يُسجِّل لنا التاريخ مثلها، حين يتنازل فيها ملِك عن الحُكْم للأكفأ والأفضل والأصلح والأمهر . وَطَّد يوسف سلطانه في المغرب الأقصى، ووحَّد المغرب كلّه - تحت سلطة مركزية، وتجلَّت مواهبهُ، وعزيمته القويَّة، وعلوّ همَّته، منذ استلامه زمام السلطة ؛ لقد كانت شهامته وشغفه بالفتح لنشر الإسلام ، حيث قاد الحروب بنفسه بفطنةٍ وحُسْن طالع يُسبغان عليه المثالية، وكان صوَّامًا قوّامًا زاهدًا مُتقشِّقًا لم يكن يأكُل (١) الحلة السيراء ٢٧٣/١ . (٢) الحاجب المنصور لبسام العسيلى - دار النفائس . (٣) النظام السياسي والحربي في عهد المرابطين، للأستاذ إبراهيم حركات صـ٥٣. تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://web1essam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس ٢٢٢ سوى خبز الشعير ، ولحم الإِبل ، وشرابه لبن النوق . كوَّن رحمه الله جيشًا ضمَّ زُهاء مائة ألف مجاهد من قبائل صنهاجة ، وزناتة ، ومصامدة . وبلغتْ دولته من حدود غانا عبورًا بموريتانيا حتى البحر المتوسط ، ومن الأطلسي غربا إلى ولاية قرطاجنّة ( تونس ) شرقًا . ولما توحَّدت كلمة ملوك النصارى على سَحْق دولة الإسلام بعد سقوط ◌ُليطلة، وتحالف ألفونسو السادس ملك ((قشتالة)) - الذي كان يحكم جليقية ، وجزءًا من البرتغال، و((أشتوريس))، و((ليون))، و((بسكونيه)) أيضًا - وسانشو الأول ملك أراجون ونافارا ، والكونت برنجار ريموند حاكم برشلونة وأورجل ؛ لإخراج المسلمين من الأندلس ، وساروا بجيشٍ ضخم من جليقية وليون، واحتلّوا مدينة ((قوريتر)) من بني الأفطس ، ووصلوا إلى ضواحي أشبيلية، فأحرقوا قُراها وحقولها ، وحاصروا قلعة سرقسطة التي يضع سقوطها منطقة الأبير ((إبرة)) في يد النصارى ، ويجعل الشواطئ الأسبانية مما يلي البحر المتوسط عُرضةً لغاراتهم ، وأثخن النصارى في ولاية سرقسطة كلّها بالنار والسيف ، وخشي المسلمون سقوط سرقسطة يومًا بعد يوم ، فأرسل أمراء الطوائف رسالةً إلى يوسف بن تاشفين مُوقّعةً من ثلاثة عشر أميرًا مستقلًا ، يناشدونه الإِسراع إليهم قبل وقوع الطامّة الكبرى . وأرسل المعتمد بن عبَّاد إلى يوسف بن تاشفين : ((إن كنت مُؤثّرًا للجهاد فهذا أوانه ، فقد خرج الأذفونش إلى البلاد ، فأسرع في العبور إليه ))(١) . وأمَّت مدينة مراكش وفودٌ كبيرة من الفقهاء ، ووفود شعبية تسأل يوسف إنقاذ ما يمكن إنقاذه من أرض المسلمين بالأندلس . وبينما كان ابن تاشفين يهيئ العبور إلى الأندلس ، دفع الأمراء المسلمون (١) وفيات الأعيان ١١٦/٧. https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس ٢٢٣ الجزية إلى ألفونسو وهادنوه ، وأرسلوا إلى ابن عبَّاد يهوديًّا خبيرًا بالنقد ؛ لاستلام الجزية ، ومعه قرمط البرهانس ، فلما حُمل إليهما المالُ أبى اليهودي أنْ يتقبَّله دون فَحْص ، واقترح البرهانس أن يقدِّم ابن عباد بدل المال المطلوب سفنًا حربية، وازداد غضب ابن عباد وصاح: ((لا أستطيعُ أنْ أتحمَّل بعد طغيان النصارى الأوغاد )) . وقبلها قال المعتمد لابنه - عندما قرّر تسليمَ حصن الجزيرة للمرابطين -: (( أي بني، والله لا يُسمع عني أبدًا أنني أعدتُ الأندلس دار كُفْر ، ولا تركتها للنصارى ؛ فتقوم علَّ اللعنة في منابر الإِسلام مثل ما قامت على غيري )) . ولما خوفه بعض حاشيته من ابن تاشفين وقالوا : الملك عقيم ، والسيفان لا يجتمعان في غمد واحد. أجابهم: ((تالله إنني لأوثر أنْ أرعى الجمال لسلطان مراكش ، على أنْ أغدو تابعًا لملك النصارى ، وأنْ أؤدي له الجزية ؛ إنَّ رغي الجمال خير من رغي الخنازير)). أو كما قال: ((لَأَنْ يرعى أولادُنا جِمال الملقَّمين، أحبُّ إليهم من أنْ يرعَوْا خنازير الفرنج)) (١) . وكتب وزير ابن عباد - أبو بكر - كتابًا إلى ابن تاشفين: ((لقد غصَّت المساجد المتروكة بالقساوسة من أعداء الدين ، ونُشِرت الصلبان فوق المنائر التي كان يُتلى فيها الأذان من قبل ، وأُخِذت النواقيس تُقرع من فوقها للقداس ، بعد أن كان يُدعى للصلاة)). وختم الوزير كتابه بقوله: ((إن يوسف بن تاشفين قد غدا معْقد الآمال ، وإنه يُعتقد أنَّ الله قد اصطفاه لإِنقاذ الإِسلام)). وعبر يوسف بجيشه من سبتة ، وصعِد ابن تاشفين إلى مقدِّمة سفينته ، ودعا: ((اللهم إن كنت تعلم أنَّ في جوازي هذا خيرًا وصلاحًا للمسلمين ، فسهِّلْ عَّي جواز هذا البحر ، وإن كان غير ذلك فصعِّبه حتى لا أجوزه )). فسهّل الله المركب ، وقَّب المطلب، وسجد ابن تاشفين لله شكرًا لمَّا نزل بأرض الأندلس . (١) وفيات الأعيان ٤٨٣/٢ . ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد السادس ٢٢٤ ولبث أمير المرابطين بإشبيلية ثمانية أيام فقط يُرِّب أثناءها قوَّاته، (( وكان في هذه الأيام صائمًا بالنهار ، قائمًا بالليل في تهجُّدٍ وتلاوةٍ لآيات كتاب الله الكريم ، وأكثر من الصّدقات وأعمال البرِّ ؛ فتملَّك قلوب الناس أكثر ، وكسب قلوب جنده بالنصفة وإيثار الحق وإنشاء العدل )) (١) . تحالف عُبَّاد الصليب وملوكهم لحرب المسلمين ؛ ألفونسو السادس ملك قشتالة ، وسانشو ملك أراجون ، والكونت برنجار ، وقوات عظيمة من جليقية وليون وبسكونية وأشتوريس وقشتالة ، وسربان من الفرسان من ولايات فرنسا الجنوبية ، وعمِل الباباوات دورًا عظيمًا في الحثّ على ذلك ، وكتب ألفونسو إلى ملوك النصرانية في أوربا بأنهم إن لم يتداركوه فسيعبر المسلمون جبال البرانس إلى أوربا ، فجاءته الإِمدادات من كل صوب . وبلغت عدَّة جيش ألفونسو مائة ألف من المشاة ، وثمانين ألفًا من الفرسان ، وكان عدد الجيش المسلم ثمانية وأربعين ألفًا ؛ نصفهم من المرابطين ، ونصفهم من الأندلسيين . وأرسل ابن تاشفين إلى ألفونسو كتابًا يخيِّره بين ثلاث ؛ إمّا أن يعتنق الإِسلام ، أو يؤدِّي الجزية، أو القتال. وكان مما قاله: ((بلَغَنا يا أذفونش - ألفونسو - أنك دعوت للاجتماع بك ، وتمنَّيت أن يكون لك فُلْك تعبر البحر عليها إلينا ، فقد أجزناه إليك ، وجمع الله في هذه العَرَصَة بيننا وبينك ، وسترى عاقبةَ دعائك؛ وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ﴾ [غافر: ٥٠ ]). وكانت رسالة ابن تاشفين ردًّا على رسالةٍ من ألفونسو جاء فيها: ((إن كنتَ لا تستطيع الجواز ، فابعث إلَّ عندك من المراكب أجز إليك ، وأناظرك في أحبِّ البقاع عندك ، فإن غلبتني فتلك غنيمة جُلِبت إليك ، ونعمة مثلت بين (١) الزلاقة لشوقي عماد خليل صـ ٤٠، ٤١ - دار الفكر. ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com صلاحِ الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس ٢٢٥ يديك ، وإن غلبتُك كانت لي اليد واستكملتُ الإِمارة))(١). ولما فهم ألفونسو كتاب ابن تاشفين ، ألقاه أرضًا مغضبًا ، وقال للرسول : اذهب فقل لمولاك : إننا سنلتقي في ساحة الحرب . وردًّ بلهجة ملؤها الغضب والغيظ والوعيد ، فأمر ابن تاشفين كاتبه - ابن القصيرة - أن يجيبه ، فكتب وأجاد ، فلمّا قرأه على ابن تاشفين ، قال : هذا كتاب طويل ، أحضر كتاب الأذفونش، واكتُب في ظهره: (( الذي سيكون ستراه)) وأرسله إليه. فلمَّا وقف عليه ألفونسو ، ارتاع له ، وعلم أنه بُلَي برجلٍ لا طاقة له به . والتقى الجيشان في الزّاقة - أو ((سكر إلياس)) كما تسمِّيها النصارى - في يوم الجمعة ١٢ رجب سنة ٤٧٩ هـ. وكانت الخطّة تعتمد أن يحتفظ ابن تاشفين بقوّة احتياطيّة ، تحتوي على أشجع الجنود تنقضُّ في الوقت المناسب على الأعداء ، بعد أن يكون الإِعياء قد بلغ من العدو مبلغه . وثبت الجيش المرابطي بقيادة البطل داود ابن عائشة مع جيش الأندلس أمام قوّات النصارى ، وأرسل ابن تاشفين عدّة فرق ؛ لغوث المعتمد ، وبادر في الوقت نفسه بالزحف في حرسه الضخم من اللّمتونيين والمرابطين ، واستطاع بحركة بارعة أن يُباغِت جيش ألفونسو وأن يُحْدق به . ووكَّل يوسف بعض قوّات جيشه بالنفوذ إلى خيام النصارى في الخلف وإحراقها ، فتَعالت النار في محلّة القشتاليين ، وارتدَّ ألفونسو لينقذ محلته من الهلاك ، وليستردَّ معسكره الذي انتزعه يوسف ، وانقض يوسف بجموعه المظفرة على النصارى كالسيل ، وهو يهدر من فوق فرسه ويمّ في ساحات المسلمين : يا معشر المسلمين ، اصبروا لجهاد أعداء الله الكافرين ، ومن رُزق منكم الشهادة فله الجنة ، ومَن سَلِم فقد فاز بالأجر العظيم والغنيمة . وقاتل ابن تاشفين في مقدِّمة صفوفه قتالًا شديدًا ، وقد قُتلت تحته أفراس ثلاث . (١) نفْح الطِّيب ٥٢٧/٢، ووفيات الأعيان ٤٨٣/٢ . تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٢٢٦ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس وثبت المعتمد بن عباد ثباتًا رائعًا، وأصبح ألفونسو وجيشه بين ((مطرقة ابن عباد وسنداد بن تاشفين » وحقّت عليهم الهزيمة . وهرب ألفونسو عندما حلّ الظلام ، بعد إصابته بطعنة نافذة ، ولم ينجُ من جيش القشتاليين مع ملكهم سوى أربعمائة أو خمسمائة فارس، معظمهم جرحى مات فيما بعد قسمٌ كبير منهم . لله دُرُّك يا ابن تاشفين، تقضي في هذه المعركة على ما يقرب من ١٨٠ ألف صليبي بين قتيل وأسير !! وأمر ابن تاشفين برؤوس القتلى فصُفَّتْ في سهل الزّاقة على شكل هرم ، ثم أمر فأذن للصلاة من فوق أحدها ... وانجلت الزلّاقة عن يوم مشهود من أيام الإِسلام ، وفخر لا يُقدَّر بثمن . قال ابن خلكان في ((وفيات الأعيان)) ( ١١٧/٧) عن غنائم هذه المعركة : (( فلما حصلت عفّ عنها يوسف بن تاشفين، وآثر بها ملوك الطوائف ، وعرَّفهم أن مقصوده إنما كان الغزو والجهاد، لا الغنائم)). ثم عاد ابن تاشفين إلى المغرب . وجاز ابن تاشفين إلى الأندلس مرة ثانية ؛ لصدِّ غارات النصارى على مرسية ، ثم عبر مرة ثالثة إلى الأندلس ، بعد أن حاول بعض أمراء الأندلس التحالف سرّا مع ألفونسو السادس ؛ لطرد المرابطين ، فعاد ابن تاشفين إلى الأندلس بطلب من القضاة والفقهاء ، وبقي ابن تاشفين في الأندلس بعد الجواز الثالث ؛ بسبب فشل ملوك الطوائف الهزل في حماية الأندلس من الأخطار الخارجية . وضمَّ ابن تاشفين الأندلس إلى ملكه ، وأنقذها من انهيار محقَّق ، وضبطها بعزم وحزم بعد فوضى وضياع . ((إنما أسوارُنا سُيُوقُنا وعدلنا)): ونختم بأروع ما قال ابن تاشفين ؛ لما فتح مدينة ((فاس)) خَرَّب السور تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ٢٢٧ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس الفاصل بين عُدوتها، وقال: ((إنما أسوارنا سيوفنا وعدلنا)). رحم الله ابن تاشفين ، فقد كانت دولته دولة خير وجهاد وعافية ، وأكثر الدول جريًا على السُّنَّة . أبو الحسن علي بن يوسف ؛ ينتصر على القشتاليّين ، ويسقط حصن أقليش في يده : وصَّى ابن تاشفين بالملك من بعده لابنه علي ؛ لأنه أكثر ارتياحًا إلى المعالي واهتزازًا وأَكْرَمْ سجيّةً، وأَنْفَس اعتزازًا. وتولَّى علي الحُكْم بعد أبيه ، ولم يكن قد جاوز الثانية والعشرين من عمره ، فأبدى في حُكْمه كثيرًا من الحكمة والعدالة ، مما أُكْسبه محبَّةَ شعبه وتقديره . وعبر إلى أسبانيا عدَّة مرات ؛ منها عبور سنة ٥٠١ هـ ، وعهد بالقيادة العليا إلى أخيه الأكبر ((تميم)) الذي عُيِّن أيضًا واليًا لأشبيلية ، فسار بجيش ضخم إلى حدود النصارى، وحاصر قلعة ((أقليش)) المنيعة، فأرسل ألفونسو السادس ابنه الوحيد ((سانشو)) لفكِّ الحصار عنها. فلمَّا اقترب جيش القشتاليين ، هجم المرابطون المسلمون عليه ، فقتلوا من القشتاليين عشرين ألفًا ، وتسعةً من كونتات قشتالة ، وقائد الجيش سانشو بن ألفونسو السادس . وقد كان سقوط حصن أقليش ذروة مَجْد المرابطين، ويعتبر ((الزّاقة الثانية))(١) . عبد المؤمن بن علي : مؤسِّس دولة الموحّدين ، وغلَّاب الدول : قال عنه المهدي محمد بن تومرت : ((صاحبكم هذا غلاب الدول)). وقال عنه: (( ما بقي عبد المؤمن، فلن يهلك أحد)). وقال عنه: ((بلوناه (١) الزّاقة لشوقي أبي خليل صـ٧٧ - دار الفكر . تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس ٢٢٨ في جميع أحواله - من ليله ونهاره ومدخله ومخرجه - فوجدناه ثبتًا في دينه)) . قال عنه الحافظ الذهبي في ((السير)) (٣٧١/٢٠): ((كان عبد المؤمن رزينًا وقورًا ، سريًّا عالي الهمَّة، خليقًا للإِمارة)). في عهده غدت دولة الموحدين أعظم مدى مما كانت عليه دولة المرابطين ، لقد صارت حدودها الجنوبية بالصحراء الكبرى ، ومن الغرب المحيط الأطلسي ، ومن الشرق صحراء ليبية ؛ ثمَّ هذا كلُّه في عشرين سنة على يد عبد المؤمن . واسترجع ((المهدية)) بعد أن سار من البر والبحر بأسطول ضخم لاستعادة الثغور الإِسلامية في تونس من يد النصارى ، وحاول الإفرنج إغاثة إخوانهم ، فبعثوا الأساطيل إلى مياه تونس ، ووقعت بين الموحدين والنصارى معارك بحرية هائلة ، انتهت بفوز المسلمين . وفتح عبد المؤمن المهديّة في يوم عاشوراء سنة ٥٥٥ هـ بعد أن بقيتْ اثني عشر عامًا بيد النصارى ، بعد أن أمِن النصارى الذين بها على أنفسهم ؛ على أن يخرجوا له عن البلد ويلحقوا بصقليّة. وافتتح عبد المؤمن ((تَوْزر)) وبلاد ((الجريد))، وطرد عنها الفرنج، وطهَّر إفريقية من الكفر . ملِك لم يدع مشركًا في بلاده ؛ لا يهوديًّا ولا نصرانيًّا : قال الذهبي: ((قال ابن الجوزي في ((المرآة))(١): استولى عبد المؤمن على مرّاكش؛ فقتل المقاتلة، وكفّ عن الرعية، وأحضر اليهود والنصارى، وقال: إن المهدي أمرني أَنْ لا أُفِرّ الناس إلّا على ملَّة الإِسلام، وأنا مخيِّركم بين ثلاث؛ إمّا أن تُسْلِموا ، وإمّا أن تلحقوا بدار الحرب ، وإمَّا القتل . فأسلم طائفة ، ولحقت (١) حوادث سنة ٥٤٢ ص ١١٨ . تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس ٢٢٩ أخرى بدار الحرب . وخرَّب كنائسهم ، وعملها مساجد ، وألغى الجزية(١) ؛ فَعَل ذلك في جميع مدائنه ، وأنفق بيوت الأموال، وصلَّى فيها اقتداءً بعلّ ؛ وِيُرِيَ الناسَ أنه لا يكنز المال ، وأقام كثيرًا من معالم الإِسلام مع سياسة كاملة ، ونادى : مَن ترك الصلاة ثلاثًا فاقتلوه . وأزال المنكر ، وكان يؤمّ بالناس ، ويتلو في اليوم سبعًا ، ويلبس الصوف ، ويصوم الإِثنين والخميس ، ويقسم الفيء بالشرع. فأحبُّوه . قال عزيز في كتاب ((الجمع)) : كان عبد المؤمن يأخذ بالحق إذا وجب على ولده ، ولم يدع مشركًا في بلاده ؛ لا يهوديًّا ولا نصرانيًّا، فجميع رعيته مسلمون))(٢) . وقال عنه الحافظ الذهبي أيضًا: ((كان ملِكًا عادلًا رحيمًا، عظيم الهيبة ، عالي الهمَّة ، كثير المحاسن، متين الديانة ، قليل المَثَل، كان يقرأ كلّ يوم سُبْعًا، ويجتنب لبس الحرير ، ويصوم الإِثنين والخميس ، ويهتمُّ بالجهاد والنظر في الأمور ؛ كأنما خُلِق للمُلك )). علماء مجاهدون : ((بنى عبد المؤمن عددًا من المساجد والمدارس وقرنها بالخدمة العسكرية دومًا ، مع التمرين على فنون الحرب ؛ ذلك أن عبد المؤمن كان يخشى أن يؤدي الانقطاع إلى العلم والدرس إلى إضعاف الهمم ، وفتور الحماسة الحربية لدى الموحدين . كما أنشأ مدرسةً لتخريج رجال السياسة ، وموظفي الحكومة ، وقادة الجيش، وكان يجمعهم يوم الجمعة بعد الصلاة في قصره، ويمتحنهم فيما درسوا ، ويوجه إليهم الأسئلة بنفسه؛ تشجيعًا لهم على الاجتهاد ، ولكي يجعل منهم رجالًا ۔ (١) إذ لم يبق في بلده يهود ولا نصارى. (٢) سير أعلام النبلاء ٣٧٠/٢٠ - ٣٧١. تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٢٣٠ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس أكفاء قادرين على نَفْع البلاد في السلم والحرب . وفي أيام أخرى كان يمتحن تدريباتهم العسكرية ، فيختبرهم في الطعن بالحراب ، والرمي بالقوس والسهام ، والمبارزة وركوب الخيل ، وفي السباحة والمعارك البحرية في بحيرة أعدَّها ووضع فيها سُفنًا كبيرة وصغيرة ؛ ليتدرَّب الشباب على قتال البحر ، وقيادة السفن ، والوثوب على سفن العدوّ ، وكان يقدِّم للمهرة الممتازين الهدايا الثمينة))(١) . ((بمثل هذا تُمدح الخلفاء )): وفي سنة ثمانٍ وأربعين وخمسمائة (٥٤٨) لما اختلَّت أحوال الأندلس وطمع فيها الفرنجة ، جهّز عبد المؤمن لدخول الأندلس ، فأخذ الجزيرة الخضراء ، ثم رندة ثم أشبيلية ، وقرطبة وغرناطة ، ثم سار عبد المؤمن بجيوشه ، ونزل جبل طارق وسمَّاه جبل الفتح ، فأقام شهرًا، وبنى قصورًا ومدينة . ووفد إليه كبراء الأندلس ، وقام بعض الشعراء منشدًا : أين المفرُّ وخيلُ اللهِ فِي الطَلَبِ ما للعِدَى جُنَّةٌ أوقى مِنَ الهَربِ وقد رَمَتْهُ سهامُ اللهِ بِالشُّهبِ وأين يذهب مَن في رأس شاهقةٍ والبحرُ قد ملأ البّين بالعَرَبِ(٢) حَدِّثْ عن الروم في أقطار أندلس فأعجب بها عبد المؤمن، وقال: ((بمثل هذا يُمْدح الخلفاء )). وقرّر عبد المؤمن بالأندلس جيشًا كثيفًا من المصامدة والعرب وقبائل بني هلال . وكان رحمه الله يشحذُ هِمَمَ جنوده ويُعليها بالدعوة إلى البذل والعطاء للدين ، ويحثّهم على الجهاد فيقول : (١) تاريخ الأندلس في عهد المرابطين والموحدين ، ليوسف أشياخ ٥٠/٢ . (٢) للشاعر الأصمّ المرواني ابن الطليق . تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ttps://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس ٢٣١ وقودوا إلى الهيجاء جُرْدَ الصَّوَاهِلِ أقيموا إلى العلياءِ هُوجَ الَّواحِل وشُدُوا على الأعداء شدَّة صائِلٍ وقوموا لنصْر الدين قومةً ثائرٍ فما العز إلّا ظهْرُ أجْردَ سابحٍ وأبيضَ مأثورٍ كأنَّ فِرْده بني العَمِّ مِن عَليا هلالٍ بن عامٍ تعالَوْا فقد شُدَّتْ إلى الغْو نّةٌ هي الغزوة الغَرَّاء والموعدُ الذي بها نفتحُ الدنيا بها نبلغ المُنى فلا تتوانوا فالبدارُ غنيمةٌ يفوت الصَّبًا في شدِّهِ المتواصلِ على الماء منسوجٌ وليس بسائِلٍ وما جَمَعتْ مِن باسلٍ وابن باسلٍ عواقبها منصورةٌ بالأوائلِ تَنَجَّزَ مِن بَعْدِ المَدَى المُتطاولِ بها نُنْصِفُ التحقيقَ من كلِّ باطلٍ وللمُدلجِ الساري صفاءُ المناهلِ عُلوّ همَّة عبد المؤمن ، جعلتْه خليقًا بالمُلْك: قال عبد الواحد المراكشي : لما نزل عبد المؤمن سلا ، وضُربت له خيمة ، وجعلت جيوشه تعبر قبيلةً قبيلةً ، فخَرَّ ساجدًا ، ثم رفع وقد بَلَّ الدمعُ لحِيتَه ، فقال : أعرف ثلاثة وردوا هذه المدينة لا شيء لهم إلّا رغيفٌ واحد ، فراموا عبور هذا النهر ، فبذلوا الرغيف لصاحب القارب على أن يُعَدّي بهم ، فقال : لا آخذه إلا عن اثنين . فقال أحدهم - وكان شابًّا -: تأخذ ثيابي وأنا أسبح . ففعل ، فكان الشاب كلما أعيا ، دنا من القارب ، ووضع يده عليه ليستريح ، فيضربه بالمجداف ، فما عدَّى إلا بعد جُهدٍ . فما شكَّ السامعون أنه هو السَّابح ، والآخران ابن تومرت وعبد الواحد الشرقي (١) . عبد المؤمن يجهّز لعبور الأندلس للجهاد ثانيةً ، فيموت : جاءت الوفود الأندلسيّة تستنصر عبد المؤمن للجهاد ، فقرّر العبور (١) سير أعلام النبلاء ٣٧٢/٢٠، ٣٧٣. بعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /ttps://arabessam.blogspot.com ٢٣٢ صلاحِ الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس بنفسه عام ٥٥٦ هـ ، واجتمع له من الجند زُهاء ثلاثمائة ألف فارس ، ومائة ألف راجل ، وحَشَد أربعمائة سفينة كبيرة أُعِدَّت في ثغور المغرب ؛ لنقل الجيش . ولاح في الأفق عندئذٍ أن أسبانية النصرانيّة قد قُدِّر لها الهلاك ، وفي الوقت ، الذي كانت السُّفن تنقُل الجند إلى الأندلس عام ٥٥٧ ، أصابه مرضٌ مفاجئ فمات رحمه الله . فأنقذت أسبانية النصرانية للمرة الثانية ؛ الأولى : بانسحاب يوسف بن تاشفين بعد الزّاقة ، وعدم دخوله طليطلة ، والثانية : بموت عبد المؤمن . رحم الله عبد المؤمن ((فقد كان شجاعًا ذا عزيمة، وكان يسمو على جنوده في تحمُّل المشاقٌّ والشدائد ، وكانت شعوب المغرب المتقشِّفة تعجب بتقشُّقه في مأكله وملبسه )). ومن محاسنه أنه كتب إلى عماله في الأندلس بالعناية بالبلاد والإِحسان إلى الرعيّة ، وأن يكون العدل أساس أحكامهم، وأن تُرفع إليه أحكام الإعدام ، مُدونًا فيها الشروح وشهادات الشهود مع حجج المظلومين . وكذلك في سائر المعاملات أوصى بتقوى الله في السر والعلن ، والجري على سنة رسول الله لكل جَوادٍ كَبْوة : عفا الله عن عبد المؤمن بطول جهاده ، وإن كان له كبوات في عقيدته ؛ مثل قوله بالعصمة ، واتِّخاذه المذهب الأشعري وتأويلاته منهجًا له في العقيدة ، مخالفًا بذلك أصحاب الحديث وسلف الأمة . السلطان الكبير أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن ؛ يحفظ صحيح البخاري ، ويدوِّخ النصارى في معاركه : قال عنه الحافظ الذهبي: ((كان عارفًا باللغة والأخبار والفقه ، عالي بعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ttps://arabessam.blogspot.com/ صلاحِ الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس ٢٣٣ الهمَّة ، سخيًّا جوادًا، مهيبًا، شجاعًا، خليقًا للملك)). قال عبد الواحد بن علي التميمي : صحّ عندي أنه كان يحفظ أحد الصحيحين ، أظنّه البخاري. قال : وكان سديدَ الملوكِيَّة ، بعيد الهمّة ، جوادًا ، استغنى الناس في أيامه . هادن صاحب صقلية على أن يحمل كلّ سنة ضريبة على الفرنج . قال الحافظ أبو بكر بن الجد: كنا عنده، فسألنا: كم بقي النبي عَّ مسحورًا؟ فشكّينا ، فقال: بقي شهرًا كاملًا، صحّ ذلك(١) . وكان فقيهًا يتكلّم في المذاهب ، ويقول : قول فلان صواب ، ودليله من الكتاب والسنة كذا وكذا (٢) . مِلِك يُملي أحاديثَ الجهاد على جنده ويُخفي لَوْحه ، وجنده يكتبونها في ألواحهم : وإن شئت أن تعجب لعلوّ همَّة أبي يعقوب يوسف ، فاعجب : ((قال عبد الواحد: لما تجهّز لغزو الروم، أمر العلماء أن يجمعوا أحاديث في الجهاد تُملى على الجند ، وكان هو يُعْلي بنفسه ، وكبار الموحّدين يكتبون في ألواحهم ، واتَّخذ ذلك سُنَّة إلى آخر أيام الموحدين . كان كلّ واحد من الموحدين والسادة يجيءُ بلوحٍ ويكتب فيه الإِملاء ، فجاء هلال بن محمد بن أحمد بن سعد يومًا - وهو من أمراء شرقي الأندلس - ولا لوح معه ، فأخرج القوم ألواحهم ، فقال له وزير أمير المؤمنين : أين لوحك يا أبا القمر ؟ (١) في المسند ٦٣/٦ من حديث عائشة: ((لبث النبي عَ له ستة أشهر، يرى أنه يأتي ولا يأتي ..... )) الحديث وإسناده صحيح على شرط الشيخين ، سوى إبراهيم بن خالد الصنعاني . وهو ثقة ، وثّقه ابن معين وأحمد والدارقطني . (٢) المعجب في تلخيص أخبار المغرب لعبد الواحد بن علي التميمي المراكشي صـ٣٠٩، وسير أعلام النبلاء ٩٩/٢١، ١٠١ . بعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ttps://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوٌ الهمة - المجلد السادس ٢٣٤ فخجل وافتتح يعتذر ، فأخرج له أمير المؤمنين من تحت برنسه لوخًا وناوله إيّاه ، وقال : هذا لوحه . فلما كان من الغد جاء ومعه لوح غير الذي دفعه له أمير المؤمنين ، فلما نظر إليه قال : أين لوحك بالأمس يا أبا القمر ؟ فقال : خبََّتُه وأوصيتُ إذا متُّ أن يُجعل بين جلدي وكفني. وأتبع ذلك بكاءً حتى أبكى بعض من كان في المجلس ، فقال أمير المؤمنين : هذا المحبُّ الصادق ، وأمر له بخيل وأموال وخِلَعٍ، ولبنيه بمثل ذلك))(١). لقد كانت أيام يوسف بن عبد المؤمن كلُّها ، أيام جهادٍ وفروسية وشجاعة وجود ، ومثّلت دور العظمة في دولة الموحّدين ... اثنتان وعشرون سنة .. مرت كطيف خيال ... يقول عبد الواحد التميمي : ولم تزل أيام أبي يعقوب هذا أعيادًا وأعراسًا ومواسم ؛ كثرة خصبٍ ، وانتشار أمنٍ ، ودرور أرزاقٍ ، واتّساع معايش ، لم ير أهل المغرب أيامًا قطّ مثلها . تفرّغ أبو يعقوب إلى حرب النصارى ، بعد أن اسْتَتَبَّ له الأمر في بلاد الأندلس ، ومكث في الأندلس أربعة أعوام ، نظم خلالها عدَّة غزوات ضدَّ النصارى ، حقَّق فيها نجاحاتٍ رائعة . وسقط البطل مُضرَّجًا بدمائه أمام قلعة ((شنيرين)) بعد أن قاتل بسيفه ستة من الفرسان ، وأكمل جيشه بعده فتح القلعة ؛ فرحمه الله . السلطان المنصور أبو يوسف : يعقوب بن يوسف : قال عنه الذهبي: ((كان فارسًا، شجاعًا، خبيرًا بالأمور ، خليقًا للإِمارة، ينطوي على دين وخيرٍ وتألَّه )). (١) الأرك لشوقي أبي خليل ص ٤٤. بعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ttps://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس ٢٣٥ قال عبد الواحد: أمر الحفّاظ بجمع كتاب في الصلاة من ((الكتب الخمسة)) و((الموطأ)) و((مسند ابن أبي شيبة)) و((مسند البزار)) و((سنن الدار قطني)) و((سنن البيهقي))، ثم كان يُملي بنفسه على كبار دولته ، وحفظ لذلك خلق ، فكان لمن يحفظه عطاء وخلعة . قال لابن الجدّ - لما دخل عليه ، وبيَّن كتاب ابن يونس -: أنا أنظر في هذه الآراء التي أُحدثت في الدين ، أرأيت المسألة فيها أقوال ، ففي أيّها الحقّ ؟ وأيها يجب أن يأخذ به المقلِّد ؟ فافتح ابن الجد يُبِّن له ، فقطع كلامه ، وقال : ليس إلا هذا ( وأشار إلى المصحف ) أو هذا ( وأشار إلى سنن أبي داود ) أو هذا ( وأشار إلى السيف ) . قال يعقوب : يا معشر الموحدين ، أنتم قبائل ؛ فمن نابه أمر ، فَزِع إلى قبيلته ، وهؤلاء - يعني طلبة العلم - لا قبيل لهم إلّا أنا. فعُظِّموا عند الموحدين . تصدَّق في غزوة ((الأرك)) بأربعين ألف دينار ، وكان يجمع الأيتام في العام ، فيأمر للصبي بدينار وثوب ورغيف ورُمانة . وبنى مارستان ما أظن مثله ؛ غرس فيه من جميع الأشجار ، وزخّرَفه وأجرى فيه المياه ، ورتّب له كل يوم ثلاثين دينارًا للأدوية ، وكان يعود المرضى في الجمعة . وكان لا يقول بالعصمة في ابن تومرت . وسأل الفقيه أبا بكر بن هاني الجيَّاني: ما قرأت؟ قال: تواليف الإِمام(١). قال : فَرَوَرَني(٢) ، وقال: ما كذا يقول الطالب ، حكمك أن تقول: قرأتُ كتاب الله ، وقرأت من السُّنَّة . ثم بعد ذا قل ما شئت . (١) يعني ابن تُومرت. (٢) أي فنظر إلَّ نظرة المغضِب . بعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٢٣٦ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس قال تاج الدين ابن حمويه : كانت مجالس يعقوب مزيَّنَةً بحضور العلماء والفضلاء ، تُفتتح بالتلاوة ، ثم بالحديث ، ثم يدعو هو . وكان يُجيد حفظ القرآن ، ويحفظ الحديث ، وكان يجمع الزكاة ويفرِّقها بنفسه ، وعمل مكتبًا للأيتام؛ فيه نحو ألف صبي، وعشرة معلِّمين . حَكَى لي بعض عمّاله أنه فّق في عيد نيِّفًا وسبعين ألف شاة . وقيل : إن يعقوب أبطل الخمر في ممالكه ، وتوعَّد عليها فعُدمت ، ثم قال لأبي جعفر الطبيب: ركِّبْ لنا ترياقًا . فأعوزه خمر ، فأخبره بذلك ، فقال : تلطّف في تحصيله سرًّا ، فحرَص ، فعجز ، فقال الملك : ما كان لي بالتّرياق حاجة ، ولكن أردتُ اختبار بلادي ))(١). رحم الله المنصور يعقوب بن يوسف بما قدَّم ؛ فقد أسقط المكوس ، وزاد أجور الجند النظامي والفقهاء ، وأطلق المسجونين في كلِّ الولايات ، الذين اعْتُقلوا لذنوبٍ ثانوية بسيطة ، وسهَّل المواصلات ؛ فأنشأ في الطرق الرئيسية وطرق القوافل أبراجًا وأحواضًا لخزن الماء وآبارًا للاستسقاء، وفنادق لنزول المسافرين. وكان يؤثر الأطباء والمشرفين على المستشفيات التي آوت العَجَزة والعُمي . كان يعقوب من أعظم ملوك الموحّدين وأبرعهم وأرفعهم خلالًا ، وقد سما بدولة الموحّدين إلى ذروتها . ((وكان ملكًا جوادًا عادلًا متمسّكًا بالشرع المطهر ، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر من غير محاباة ، ويصلِّي بالناس الصلوات الخمس ، ويلبس الصوف ، ويقف للمرأة وللضعيف ويأخذ لهم الحق ، وأوصى أن يُدفَن على قارعة الطريق ليترجَّم عليه مَن يمُّ به ))(٢)، وكان يشدِّد في إلزام الرعية بإقامة الصلوات الخمس ، وقتل في بعض الأحيان على شرب الخمر ، وعاقب العمّال الذين تشكو الرعايا منهم . وكان يُعاقب أيضًا على ترك الصلاة ، ويأمر (١) سير أعلام النبلاء ٣١١/٢١ - ٣١٨، والمعجب للمراكشي ٣٤٣ - ٣٨٣. (٢) وفيات الأعيان لابن خلكان ١٠/٧. ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com صلاحِ الأمة في عُلَوِّ الهمة - المجلد السادس ٢٣٧ بالنداء في الأسواق بالمبادرة إليها ، فمَن غفل عنها أو اشتغل بمعيشته ، عزَّره تعزيرًا بليغًا . الأرك وقائدها يعقوب بن يوسف: (( لم يُسمع في بلاد الأندلس بكسْرةٍ مثلها))(١) ... (( تُضاهي الزلَّاقة أو تزيد)) (١): سادت روحٌ صليبيةٌ بغيضةٌ للنصارى، بعد أن عيّن الملك ألفونسو الثامن - ملك قشتالة - المطران ((مارتن دي بسيرجا)) مطرانًا لطليطلة ، وأخذ هذا المطران يعدُّ لحملة صليبيةٍ كبيرة ضدّ المسلمين ، ودمّر في حملته كلّ شيءٍ ، وانتسف الغََّات والكروم ، وقطع أشجار الزيتون، وسبى المسلمين العُزَّل ، وقتل الكثير منهم . وكتب ألفونسو الثامن إلى سلطان الموحدين خطابًا يدعوه للقتال .... وهذا نصُّ الخطاب كما ورد في ((وفيات الأعيان)): ((باسمك اللهم فاطر السموات والأرض ، وصلَّى الله على السيِّد المسيح روح الله وكلمته الرسول الفصيح . أمّا بعد : فإنه لا يخفى على ذي ذهن ثاقب ولا ذي عقل لازب ، أنك أميرُ الملّة الحنيفيَّة ، كما أني أمير الملّة النصرانيّة، وقد علمت الآن ما عليه رؤساء أهل الأندلس ؛ من التخاذل ، والتواكل ، وإهمال الرعيَّة ، وإخلادهم إلى الراحة . وأنا أسومهم بحُكْم القهر ، وجلاء الديار ، وأسبي الذراري ، وأُمثّل بالرجال . ولا يُذْر لك في التخلُّف عن نصرهم إذا أمكنتك يد القُدْرة ، وأنتم تزعمون أن الله فَرَض عيكم قتال عشرةٍ منّا بواحدٍ منكم ، فالآن خفّف الله عنكم وعلم أنَّ فيكم ضعفًا، ونحن الآن نقاتل عشرةً منكم بواحدٍ منّا ، لا تستطيعون دفاعًا ولا تملكون امتناعًا. وقد حُكي لي عنك أنك أخذتَ في الاحتفال، وأشرفت على (١) وفيات الأعيان . (٢) نفح الطِّيب . تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٢٣٨ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس ربوة القتال ، وتُماطل نفسك عامًا بعد عام ؛ تُقدِّم رجْلًا وتؤخِّر أخرى ، فلا أدري أكان الجبن أبطأ بك ، أم التكذيب بما وعد ربُّك ؟ ثم قيل لي : أنك لا تجد إلى جواز البحر سبيلًا. لعلَّة لا يسوغ لك التقخُّم معها ، وها أنا أقول لك ما فيه الراحة لك ، وأعتذر لك وعنك ، على أن تفي بالعهود والمواثيق والاستكثار من الرِّهان ، وترسل إلَّي جملةً من عبيدك بالمراكب والشوائي والطرائد والمسطَّحات، وأجوز بجملتي إليك، وأقاتلك في أعزّ الأماكن لديك؛ فإن كانت لك فغنيمة كبيرة جُلبتْ إليك، وهديَّة عظيمة مَثُلت بين يديك، وإن كانت لي كانت يدي العليا عليك، واستحقيت إمارة الملَّتين والحُكم على البَرّين . والله تعالى يوفِّق للسعادة ، ويسهِّل الإِرادة ، لا ربَّ غيره ولا خير إلّا خيره، إن شاء الله تعالى ))(١) . فلمّا وصَل كتابه إلى أبي يوسف المنصور ، مزَّقه وكتب على ظهْر قطعة منه : ﴿ارجعْ إليهم فلنأتينَّهم بجنودٍ لا قِبَل لهم بها ولنخرجنَّهُم منها أذلَّةً وهم صاغرون ﴾ [ النمل : ٣٧] ، الجواب ما ترى لا ما تسمع . ولا كُتْبَ إِلَّا المشرفيَّةُ عندهُ ولا رُسْلَ إلَّا الخميسُ العرمرمُ(٢) واشتد حنقُ أبي يوسف على ألفونسو الثامن وغطرسته ، وأخذته غيرةُ الإِسلام ، وأمر أن يُذاع الخطاب في جنود الموحدين ؛ ليُثیر غیرتهم ، وضحّ الناس ، وصاحوا بطَلَب الانتقام، وأجمعوا على المطالبة بالإِسراع في إعلان الجهاد ، ودَوَّت صيحةُ الجهاد في جميع أنحاء المغرب ؛ من مدينة ((سلا )) على المحيط الأطلسي ، حتى ((برقة )) شرقًا على حدود مصر. وسيّر أبو يوسف جميع قوّاته إلى الأندلس ، وتجهز ألفونسو الثامن للقاء الجيش الإِسلامي ، وأمدَّه ملِكا ليون ونبارة ، بل كانا على رأس الجيش الذي أرسلاه لنجدة ألفونسو ، وانضمَّ إليه فرسان قلعة (١) وفيات الأعيان ٦/٧ . (٢) سير أعلام النبلاء ٣١٨/٢١. تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس ٢٣٩ ((رباح))، وفرسان الداوية، واستطاع أن يحشد ما بين مائة ألف إلى ثلاثمائة ألف مقاتل . وجاء في ((بغية الملتمس)) لابن عميرة (٤٥ - ٤٦): ((كان جيش ألفونسو الثامن ينوف على خمسة وعشرين ألف فارس ، ومائتي ألف راجل ، وكان معه تجّارٌ من اليهود قد وصلوا لاشتراء أسرى المسلمين وأسلابهم ، وأعدّوا أموالًا، فهزمهم الله تعالى )). ولما اجتمع أمير الموحِّدين بمستشاريه ، اقترح عليه أبو عبد الله بن صناديد خُطَّةً أُعجب بها المنصور ، وأمر بتنفيذها ؛ فأَوْكَل إلى كبير وزرائه - أبي يحيى ابن أبي حفص - بقيادة الجيش كلِّه، وأوكل قيادة الأندلسيين إلى البطل عبد الله بن صناديد . وأن يتولَّى الأندلسيون والموحّدون أو الجند المغاربة النظاميون لقاءَ العدوّ، ومواجهة هجومه الأوّل، وأمّا بقيَّةُ الجيش؛ المؤلَّفة من قبائل البربر - ومعظمهم من غير النظاميِّين - وجمهرة كبيرة من المحاربين والمجاهدين ، فيجب أن تكون قوة احتياطيَّة للموحدين والأندلسيين ، تقوم بالعَوْن والإِمداد . ويرابط المنصور بقوته وحرسه وراء التلال على مسافة قريبة ، ثم ينقَضّ بجنوده المتوثبين على الأعداء المتعبين ليرجّح كفَّة الموقعة كلِّها . وفي ٩ شعبان ٥٩١ هـ كانت موقعة ((الأرك)) الفاصلة الحاسمة شمال قلعة (( رباح )) ، وفي صباح هذا اليوم ، أذا ع أبو يوسف المنصور بين سائر الجند - لكي يذكّي حماستهم للقتال - خبر رؤيا رآها في الليلة السابقة ، مفادها أنه رأى في نومه فارسًا بهيّ الطلعة ، على فرس أبيض يخرج من باب فُتح في السماء ، وبيده راية خضراء ، وقد انتشرت في الآفاق ، يقول له أنه من ملائكة السماء السابعة ، وأنه جاء ليبشِّره بالنصر بحول الله . واحتلّ الموحدون القلب، واحتلّ الجناح الأيسر الجند العرب ، ومعهم ((زناتة)) وبعض القبائل البربريّة الأخرى، واحتلّ الجناح الأيمن قُوى الأندلس تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٢٤٠ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس بقيادة عبد الله بن صناديد ، وتولّى أبو يوسف المنصور قيادة القوة الاحتياطيّة المكوّنة من صفوة الجند والحَرس الملكي . اغفروا لي فإن هذا موضع غفران : وحين كمُل الحشْد ، قال قائد الجيش أبو يحيى بن أبي حفص: (( إن المنصور أمير المؤمنين يقول لكم : اغفروا له - فإن هذا موضع غفران - وتغافروا فيما بينكم، وطِّوا نفوسكم وأخلصوا لله نيَّاتكم)) (١). فبكى الناس ، وأعظموا ما سمعوه من أميرهم العادل المخلص . وهبط النصارى من موقعهم المرتفع المشرف حين رأوا الجيش الإِسلامي هبطوا كالليل الدامس ، والبحر الزاخر ؛ أسرابًا تتلوها أسراب ، وأفواجًا تعقبُهَا أفواج ، ليس إلّا الصهيل والضجيج ، والحديد على وقع العجيج ، فدفعوا حتى انتهوا إلى الأعلام ، فتوقّفت كالجبال الراسيات . وقال المنصور لخاصّته : جدِّدوا نيّاتكم، وأحضروا قلوبكم . واشتدَّ وطيس المعركة، واستُشهد البطل أبو يحيى القائد العام وهو يقاتل بمنتهى البسالة ، واعتقد النصارى أنّ النصر قد لاح ، بعد أن تضعضع قلب الجيش الإِسلامي . وهجم ابن صناديد بقوّاته على قلب الجيش القشتالي ، ثم زحف بعد ذلك زعيم الموحدين ، ولم يغادر ألفونسو وفرسانه - العشرة آلاف - مكانهم في القلب ، بعد أن أقسموا جميعًا أن يموتوا ولا يتقهقروا . واستمرّت المعركة على اضطرامها المروِّع، وأرجاء المكان تُدوِّي بوقْع حوافر الخيل ، وفرع الطبول ، وأصوات الأبواق ، وصلصلة السلاح ، وصياح الجند ... وفَّت فلول جيش ألفونسو ، وتساقط معظم فرسان النصارى حول ملكهم مخلصين لعهدهم ، ولكن بقيَّة قليلة استطاعت أن تنجو ، وأن تقتاد الملك بعيدًا عن الميدان ، وأن تُنقذ بذلك حياته . (١) البيان المُغرب صـ١٩٤. https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد أ