النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس قال قاضي القضاة بهاء الدين : سيَّر نور الدين إلى بغداد كتابًا يُعْلم الخليفة بما أطْلَق ، ويسأله أن يَتقدَّمَ إلى الوعّاظ ، بأن يستعجلوا مِن التجار ومن جميع المسلمين له في حلّ ما كان قد وَصَل إليه - يعني من أموالهم - قال : فتقدَّم بذلك ، وجعل الوعّاظ على المنابر ينادون بذلك . حدثني رضّ الدين أبو سالم عبد المنعم بن المنذر : أن نور الدين حين خرج لأخذ ( شيزر ) ، خرج أبو غانم بن المنذر في صحبته ، فأمَره نور الدين بكتابة منشور بإطلاق المظالم بحلب ودمشق وحمص وحّان وسنجار والرحبة وعزاز وتل باشر وعداد العرب ، فكتب عنه توقيعًا أوَّله : (هذا ما يقرّب إلى الله سبحانه وتعالى )، إلى أن قال : ( علم أنّ الدنيا فانية، فاستخدمها للآخرة الباقية ، فصفح لكافّة المسلمين وجميع المسافرين بالضرائب والمكُوس ، وأسقطها من دواوينه وحَّمها على كلٍّ متطاول إليها ومتهافت عليها ؛ تجَنُبًا لإِتمها واكتسابًا لثوابها، فكان مبلغُ ما سامح به وأطلقه، وأنفذَ الأمْر فيه - اتّباعًا لكتاب الله عز وجل وسنّة نبيّه محمد عَّهِ - في كل سنة من العين مائةُ ألف وستَّةٌ وخمسون ألف دينار ، جهات ذلك ؛ حلب : خمسون ألف دينار ، عزاز : عشرة آلاف دينار ، تل باشر : واحد وعشرون ألف دينار ، المعرة : ثلاثة آلاف دينار ، دمشق : عشرون ألف دينار ، حمص : ستة وعشرون ألف دينار ، حران : خمسة آلاف دينار ، سنجار : ألف دينار ، الرحبة : عشرة آلاف دينار ، عداد العرب : عشرة آلاف دينار . وما وقَفَه وتصدَّق به وأجْراه في سُبُل الخيرات ومن وجوه البِّ والصَّدقات ، تقدير ثمنه مئتا ألف دينار ، وتقدير الحاصل من ارتفاعه في كل سنة : ثلاثون ألف دينار ، من ذلك ما وقَفَه على المدارس الحنفية والشافعية والمالكية والحنبلية وأئمتها ومدرِّسيها وفقهائها ، وما وقفه على آدر الصوفّة والُرُّبُط والجسور والبيمار ستانات والجوامع والمساجد والأسوار ، وما https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ١٨٢ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس وقَفَه على السبيل في طريق الحجاز ، وما وقفه على فكاك الأُسْرى ، وتعليم الأيتام ومُقْرِ الغرباء وفقراء المسلمين ، وما وقفه على الأشراف العلويِّين والعباسيّين ، وما ملكه لجماعة من الأولياء والغزاة والمجاهدين ، هذا جميعه سوى ما أنعم به على أهل الثغور - حرسها الله تعالى - من أملاكهم فإنّه يُضاهي هذا المبلغ وزيادة عليه ، جعل ذلك ذريعة عند الله وتقُّبًا إليه ، مضافًا إلى ما أنفقه في الغزاة والجهاد من خزانته وأمواله ، فالواجب على كل إمامٍ عَدْلٍ وسلطانٍ قادرٍ ، أن يمدَّه ويوده ويشدَّ عضُدَه ويقوِّي عزمه ، وينفّذ حكمه ، وعلى كل مسلم أن يُوَاصله بالدعاء آناء الليل وأطراف النهار . وكتب خادمُ دولته وغَذِّ نعمته ، عبد الرحمن بن عبد المنعم بن رضوان ابن عبد الواحد بن محمد بن المنذر الحلبي ، إلى كل من يَصل إليه من أئمة الدين وفقهاء المسلمين وأصحاب الزوايا المتعبِّدين ، وكافة التجار والمسافرين ، لُيُشْعِروا بذلك مَن حَضَرهم من التجار والمتردِّدين إليهم من السُّفَّار ؛ ليعرفوا قَدْر ما أنعم الله به عليه وعليهم ، ولينذروا قومَهم إذا رجعوا إليهم ، ويمدُّوه بأدعيتهم ، ويُبَرِّئوا ذمَّته ممّا سبق من أخْذ مؤنتهم ، فإنّه لم يصْرِف ذلك إلّا في وجه بِّ وتجهيزٍ جیشٍ ومعونة مجاهدٍ وردع كافٍ ومعاند ، فهم شركاؤه في الثواب ) . قال لي رضيّ الدين أبو سالم بن المنذر : فلما وقَف نور الدين - رحمه الله - على قوله : ويُبِّئوا ذمَّته مما سبق ، استحسن ذلك كثيرًا ووعده بإقطاعٍ حَسَنٍ ، واتَّفَق موته - يعني موت الطالب لذلك - بعد ذلك . قال : وفي تاسع عشر صفر سنة أربع وخمسين وخمسمائة ، أحْضر نور الدين أعيان دمشق ؛ من القضاة ومشايخ العلم والرؤساء ، وسألهم عن المضاف إلى أوقاف الجامع بدمشق من المصالح ؛ ليفصلوها منها ، وقال لهم : ليس العمل إلَّا على ما تتَّفقون عليه وتشهدون به ، وعلى هذا كان الصحابة https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد ttps://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس ١٨٣ رضوان الله عليهم يجتمعون ويتشاورون في مصالح المسلمين ، وليس يجوز لأحدٍ منكم أن يعلم من ذلك شيئًا إلّا ويذكره ، ولا يُنْكِر شيئًا مما يقوله غيره إلّا وينكِره ، والساكت منكم مصدِّقٌ للناطق ومصوِّبٌ لقوله. فشكروه على ما قال ودعوا له . وفَصَلوا له المصالح من الوقْف ، فقال نور الدين : إنَّ أهم المصالح سدُّ ثغور المسلمين ، وبناءُ السُّور المحيط بدمشق والفضيل والخندق ؛ لصيانة المسلمين وحريمهم وأموالهم . ثم سألهم عن فواضل الأوقاف ، هل يجوز صَرْفها في عمارة الأُسوار وعَمَل الخندق للمصلحة المتوجهة للمسلمين ؟ فمنهم من أفتى بجواز ذلك عند الحاجة وفراغ بيت المال ، أو ضعفه عن القيام بما يحتاج إليه المسلمون ومهمَّاتهم الدينية . وقال الأكثرون : ليس طريقه إلّا أن يقترضَه مَنْ إليه الأُمْر في بيت مال المسلمين ، فيصرفه في المصالح ويكون القضاء واجبًا من بيت المال . وعلى الجملة كان نور الدين - رحمه الله - فردًا في زمانه من بین سائر الملوك، ومن أحسن ما بلغني عنه أنّه سمع في الحديث: أن النبي عَّ ◌َّه خرج متقلِّدًا سيفًا (١)، وكان هو وجُنْده عادتهمِ ربْطُ السيوف بأوساطهم ، فتعجب من ذلك ، فلمَّا كان من الغدر كب وقد تقلّد سيفَهُ وجميع جنده كذلك . وما أَحْسَنَ ما قال فيه محمد بن نصر القيسراني من قصيدة : فَهْو طولَ الحياةِ فِي هَيْجَاءِ ذو الجهاديْنِ من عدوٌّ ونَفْسٍ أيُّها المالكُ الذي ألزم النّاسَ سُلُوكَ المحَجَّةِ البيضاءِ سرتَ في الناسِ سِيرةَ الخلفاءِ قد فضحتَ الملوكَ بالعدْلِ لمَّا لقسمتَ التُّقَى على الأتقياءِ قاسمًا ما ملکتَ في النّاسٍ حتى أَنتَ حِينًا تُقاس بالأسَدِ الوَرْ دِ وحِينًا تُعَدُّ في الأولياءِ وله فيه من أخرى : (١) رواه البخاري ، ومسلم ، والترمذي ، وأحمد . بعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ttps://arabessam.blogspot.com/ ١٨٤ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس هل غيْرُ مَفْرِقِ هامَةِ الفَجْرِ يا سائلي عن نهجِ سِیرتِهِ أن يُحييَ العُمَرَیْنِ بالذِّكْرِ عقدتْ عليه تَمَائِمَ الأجْرِ عدْلٌ حقيقٌ من تأمَّلَهُ وشهامةٌ في اللهِ خالصةٌ أنْ لا يِيتَ مجاورَ البِحْرِ وثناؤه أبدًا على ظهْرٍ وندی یدٍ ما ضرَّ واردَها هذا المخيَّم في ذُرَا حلبٍ وله من أُخرى : كلَّفْتَ هِمَّتَك السُّمُوَّ فحلَّقَتْ فكأنَّما هي دعوةٌ في ظالمٍ وله من أُخرى : أخو غزواتٍ كالعُقُودِ تناسقتْ لسانٌ بذكْرِ الله يكسو نهارَهُ وبذْلٌ وعدْلٌ أغرقا وتألَّقا مَرامٌ سمائِّ وحزْمٌ مُسَدَّدٌ وله فيه من قصيدة أخرى : محمودٌ المُرْبِي على أسلافِهِ ملكٌ إذا تُلِيتْ مآثرُ قومِهِ مِلأَّ الفِرَنْجَ جَوِرُ سَيْفِك فيهمُ عفَّى جهادُك كلّ رسْمٍ مَخُوفَةٍ ومحا المظالمَ منك نظرةَ راحمٍ غضبانُ للإِسلامِ مالَ عمودُهُ لم يَبْق ماكِسُ مسلمٍ سَلْقًا ولا هَمَدُوا كما همدتْ ثمودُ وقادَهُمْ العارُ في الدنيا شَقُوا بلباسِ كم سِيرةٍ أحييتها عُمَرِيَّةٍ تحلُّ بأجيادِ الجِيادِ وتقعُدُ بهاءً وجفنٌ في الدُّجَى ليس يرقُدُ فلا الوردُ مثمودٌ ولا الباب موصَدُ ورأي شهابٌي وعزْمٌ مؤيَّدُ أن زادَ في حَسَبِ الحَسِيبِ نِجارُ كسدَ اللّطيمُ وهُجِّنُ النُّوّارُ فَلَهِمْ على سيفِ المحيطِ جُوارُ وعَفَتْ بصفْوةٍ عدْلِك الأُكْدَارُ للهِ فِي خَطَراتِهِ أسرارُ فلنُورِهِ مَّمَّا عَراهُ نَوارُ ساعٍ لمظلمةٍ ولا عَشَّارُ لخَسَارِهِم ممَّا أتوْهُ قدارُ ولباسُهُمْ يومَ الحسابِ النَّارُ رُفِعتْ لها في الخَافَقَيْنِ مَنَارُ بعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس ١٨٥ بأقلّها تُستعبَدُ الأحرارُ ونَوَافِل صيَّرْتَهُنَّ لوازمًا واللَُّلُ من طُولِ القيامِ نهارُ أمَّا نهارُك فهو ليلُ مجاهدٍ كيف اتَّجهتَ وللفُتُوحِ أَمَارُ فلذلك النَّصْرِ العزيزِ أدلَّةٌ ولله دُّ العماد حين يقول في رثاء نور الدين : الدِّينُ فِي ظُلَمٍ لغيبةِ نُورِهِ فَلْيندُبِ الإِسلامُ حامَ أَهْلِهِ ما أعظمَ المقدارَ في أخطارِهِ ما أكثَرَ المُتَأْسِّفِينَ لفقْدٍ مَن ما أغْوَصَ الإِنسانَ في نِسیانِهِ مَنْ للمساجدِ والمدارسِ بانیًا مَنْ ينصُرُ الإِسلامَ فِي غَزَواتِهِ مَنْ لِلِفِرَنْجِ ومَن لِأُسْرِ ملوكِها مَن للخُطُوبِ مُذلِلًا لچِماحِها مَن كاشِفٌ للمُعْضِلاتِ برایِهِ مَنْ للكريمِ ومَنْ لنَعْشِ عِثارِهِ مَن للبلادِ ومَن لنصْرِ جيوشِها من للفتوحِ مُحاولًا أبكارها مَن للعُلا وعهودِها مَن للنَّدَى ما كنتُ أَحْسَبُ نُورَ دِينِ محمدٍ أعزِزْ علَّ بَلَيْثِ غابٍ للهُدى أعززْ عليَّ بأن أراه مُغَيّبًا لهفي على تلك الأناملِ إنَّها ولقد أتى مَنْ كنت تُجري رسْمَهُ والذَّهر في غُمَمِ لفقْدِ أميرِهِ والشامُ حافظَ مُلْكِهِ وتُغُورِهِ إذا كان هذا الخَطْبُ فِي مَقْدُورِهِ قَرَّتْ نواظِرُهم بفقّدٍ نظيرِهِ أَوَ مَا كفاه الموتُ في تذكيرِهِ لله طوْعًا عن خُلُوصِ ضميرٍهٍ فلقد أُصيب برُكْنِهِ وظهيرِهِ مَن للهُدَى يبغي فكاكَ أسيرِهِ مِن للزمانِ مسهّلًا لوُعُورِهِ مَن مُشرِقٌ في الدَّاجِياتِ بنُورِهِ مَنْ لليتيمِ ومَنْ لجبْرِ كَسِيرِهِ من للجهاد ومَن لحفظِ أمورِهِ برَواحِهِ في غزْوِهِ وبُكُورِهِ ووُفُودِهِ مَن للحِجَا وَوُفُورِهِ يخبو وليلُ الشرك في دَيْجُورِهِ يخلو الشَّرَى مِن زَوْرِهِ وزئیرِهِ عن مَحْفِلٍ متشرِّفٍ بحُضُورِهِ مُذْ غُيِّتْ غاضَ النَّدَى ببحورِهِ فَضَعِ العلامةَ منك في منشورِهِ https://web lessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٨٦ صلاح الأمة في عُلُوٌّ الهمة - المجلد السادس ولقد أتى من كنتَ تكشفُ كَرِّبَه ولقد أتى مَن كنت تُؤُمِنُ سِرْبَهُ ولقد أتى مَن كنتَ تُؤْثِرُ قُربَه والجيشُ قد رَكِبَ الغداةَ لعْرْضِهِ أنتَ الذي أحييتَ شرعَ محمدٍ كم قد أقمتَ من الشريعةِ مَعْلَمًا كم قد أمرتَ بحفرٍ خندقٍ مَعْقِل كم قيصرٍ للرومِ رُمتَ بقَسْرِه أُوتیتَ فتْحَ حصونِهِ وملکتَ عُقْ أزهدتَ في دارِ الفناءِ وأَهْلِها أوَ مَا وعدتَ القُدسَ أَنَّك مُنجِزٌ فمتى تُجيرُ القدسَ من دَنَسِ العِدا يا حامِلِين سريرَهُ مَهْلًا فمِنْ يا عابرين بنَعْشِهِ أُنشِقْتُمُ نزلتْ ملائكةُ السماءِ لدفْنِهِ ومِن الجفاءِ له مقامي بَعْدَهُ حَيَّاك معتلّ الصَّبا بنسيمِهِ ولَبِستَ رضوان المهيمنِ ساحِبًا وسكنتَ عِلِيِين في فِرْدَوسِهِ وفي عصرنا يا نور الدين : قطيعٌ نحنُ والجَزَّارُ راعينا ومنفِيُّون نمشي في أراضينا فارفعْ ظُلَامَتَهُ بنَصْرٍ عَشيرِهِ وقّعْ لَه بالأمْنِ من محذورِهِ فأدِمْ له التَّقريبَ في تقديرِهِ فاركبْ لِتُبْصِرَهُ أو انَ عُبُورِهِ وقضيتَ بعد وفاتِهِ بنُشُورِهِ هو منذ غِبتَ مُعَرَّضٌ لدُثُورِهِ حتى سكنتَ اللَّحْدَ من محفورِهِ إرواءَ بِيضِ الهندِ من تامورِهِ ـرَ بلادِهِ وسبيْتَ أهَلَ قصورِهِ ورغبتَ في الخُلِدِ المُقيمِ وحُورِهِ ميعادَهُ في فتْحِهِ وظهورِهِ وتقدِّسُ الرحمنَ في تطهيرِهِ عَجَبٍ نُهوضُكُمُ بحمْلٍ ثَبِيرِهِ(١) من صالحِ الأعمالِ نَشْر عبيرِهِ مُستجمِعِين على شَفِيرِ حفيرِهِ هَلَّا وفيتُ وسرتُ عندَ مسيرِهِ وسقاك مُنْهَلُ الحَيَا بِدُرُورِهِ أذيالَ سُندُسِ خَزِّه و حریرِهِ حلفَ المسرّةِ ظافرًا بأجورِهِ(٢) (١) ثبير: جبل بمكة. وهي أربعة أثبرة ثبير غيناء، وثبير الأعرج، وثبير الأحذب، وثبير حراء. (٢) عيون الروضتين في أخبار الدولتين . تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ttps://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس ١٨٧ ونحملُ نَعْشَنَا قَسْرًا بأيدينا ونُعرِبُ عن تعازينا لنا فينا فوالِينا أدامَ اللهُ والِينا رآنا أُمَّةً وَسْطًا فما أَبْقَى لنا دنيا ولا أبقی لنا دینا ولاةَ الأمْرِ ما خُنتم ولا هنتُمْ ولا أَبْدَيْتُم اللِّينَا ففي تهدید کم چینا وفي تندید کم حینا سحقْتُم أنف أمريكا ولو نُقلتْ سفارَتُها معاذَ الله لو نُقلتْ لضيَّعْنا فلسطينا ولاةَ الأمر هذا النَّصْرُ یکفیکم ویکفینا تھانینا بالأمسِ كان لهم وطنْ واليوم صار لهم كَفَنْ مَنْ باع شِيرًا من بلادي بِعتُهُ وبلا ثَمَنْ يا سقطةَ الأبطال إن شاخَ البَدَنْ يا ضيعةً الفرسانِ إن وَهنَ الَّسَنْ كُلّ المخازي والجرائِمِ باسمهم باسمِ الوطنْ كلُّ الذي حاكُوهُ خلفَ ظُهُورِنا اليوم يخرُجُ لِلعَلَنْ واللِّ يا أهلي عيونُ الوطنْ والمَجْدُلُ المذبوحُ قربانُ وطنْ لا أُنت مِن صُلبي ولا من رَحِم أُمِّكَ مَنْ إِذَنْ ؟! بعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ttps://arabessam.blogspot.com/ ١٨٨ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس هل أنت في صدري دَرَنْ هل أنت في عيني قَدَّى مَنْ باعَ شِيرًا من بلادي بِعتُه وبلا ثمَنْ ولدي هنا في قَلْبِهِ القرآنُ تمنعُهُ المساجدْ ولدي يثور على التَّراجُعِ والتَّردِّي والمفاسدْ أحجاره تهوي على الأعداء ترْجُم كلَّ قاعد لم يَجْرِ خلفَ سَرَابِ أمريكا حدودُ بلادِهِ زرعتْ سَوَاعِدْ ولدي يُنادي هذه بيسانُ خالد ولدي ومسجدُهُ القيادةُ والقواعدْ يا عابدَ الحرميْنِ والأقصى به مليونُ عابِدْ يا نازِلِين إلى الحَضِيضِ وشعبنا للنَّجْمِ صاعِدْ كُفُّوا فما أنتم بنّي ولا أنا لكمُ بوالِدْ والقدسُ تحميها النساءُ وعندكم خمسون قائدْ والاحتفالاتُ هناك ودمْعتي للغدْرِ شاهِدْ والأرضُ تنتظرُ البِذارَ فكنتُمُ قَحْطَ الَّمَنْ بالأمسِ كان لهم وطنْ واليوم صار لهم كَفَنْ من باعَ شِيرًا من بلادي بِعتُه وبلا ثمنْ . https://weblessam.blogspot.com/ بعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com صلاحِ الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس ١٨٩ صلاح الدين الأيوبي سلطان يحمل جَبَلًا في فكره : ثم جالتْ ليوتُهُ الرَّقِصاتُ يا صلاحُ إذا العوالي تغنَّتْ قد حباكَ التَّارِيخُ مِنْهُ هِباتٌ يا صلاحَ الإِسلام حَبِيتَ ذُخرًا رُسمتْ فِي أديمِهِ البسَماتُ يومُ حطّينَ سوفَ يَقی مُهابًا هِيَ أحقادُهم بها كائناتُ أقبلوا والصّليبُ يكْسو صدورًا ظن أنَّ الحصا أتَتْهُمْ مشاةٌ فتحركَّتْ بالبُنُودِ عزيزًا دِيسَ تحتَ الأقدامِ فَهْوَ رُفاتُ والصليبُ الذي لهم حَمَلُوه ((والفرار الفرار فيه النجاةُ )) وتولّوْا الويل يُشعل فيهم تكلمنا عن صلاح الدين وجهاده في ((علو همَّة القادة))، وسنفرد له فصلًا كاملًا في كتابنا ((عَبَقُ النِّسْرِين في ذِكّر المجددين)) ... ونورد هنا ورقات : بعض أعمال صلاح الدين : ١ - إرجاع مصر إلى السُّنَة : عزَل صلاح الدين قضاة مصر ؛ لأنهم كانوا شيعة ، وولّى رئيسًا للقضاة : عبد الملك بن درباس الشافعي ، كما قطع الأذان بـ ( حي على خير العمل ) ، وأقام الخطبة للخليفة العباسي بعد أن انقطعت الخطبة للعباسيين بمصر ( ٢٠٨ ) سنة ، وقد بشَّر نور الدين محمود الخليفة العباسي بذلك ، وفرح الناس ، ونظم العماد الأصفهاني في هذه المناسبة : يفتح ذو بدعةٍ بمصرَ فَمَا توفِّي العاضدُ الدَّعيّ فما يُوسُفُها في الأمورِ مُحْتَكِمَا وعصرُ فرعونها انقضَى وغدا بها وعِقْدُ السّدادِ مُنتظمَا وصار شمْل الصّلاح ملتئمًا ٢ - توحيد بلاد الشام ومصر : بعد وفاة نور الدين رحمه الله ، واضطراب بلاد الشام ، جاء صلاح الدين فاستلم دمشق ، ثم حمص وحماه ، وحاصر مدينة ( حلب ) ولكن المتنفذين فيها - الأوصياء على ابن نور الدين ( إسماعيل ) لصغر سنه - طلبوا المساعدة من الشعب ، ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ١٩٠ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس ويبدو أنَّ قسْمًا كبيرًا من هذا الشعب كان يَحنُّ إلى التشُّع الذي أبطله نور الدين ، فاشترطوا للمساعدة العمل بأقوالهم وأفعالهم ، فاستجاب زعماء المدينة لهذا الشرط ، ولم يكتفوا بهذا فعندما رأوا قوة صلاح الدين واستمراره في الحصار طلبوا المساعدة من الحشاشين الإسماعيلية الذين اتخذوا من مدينة ( بانياس ) مقرّا لهم . فحاول هؤلاء - على طريقتهم - اغتيال صلاح الدين ولكن الله نجَّاه منهم ، وترك حصار حلب فترة ثم رجع لها مرة أخرى ، وحاول الحشاشون اغتياله للمرة الثانية ففشلوا وقتل من جاء منهم لهذه العملية والذين يسمونهم ( الفداوية ) ولم يكتف أهل حلب بذلك بل استعانوا بصاحب طرابلس الصليبي ، فلم يهتم به صلاح الدين وأرسل كتيبة تناوشه عند حمص . ومع ذلك فقد تراجع صلاح الدين عن حلب مؤثرًا عدم الدخول في حرب طاحنة مع أهلها ، خاصة وأنهم طلبوا الصلح ، وشفعوا في ذلك بابنة نور الدين محمود ، ولكن نية السلطان لا تزال في توحيد بلاد الشام ومصر حتى تقوى على الوقوف في وجه العدو ، وأثناء هذا أراد قَطْعَ دابر الفساد وضَّرْب ( الحشاشين ) فهاجمهم في عُقّر دارهم ، وقتل منهم وسبى،ولكن خاله شهاب الدين الحارمي صاحب حماة شفع بهم فقبل السلطان شفاعته ، ولم يتمكن صلاح الدين من ضم حلب إلا بعد وفاة ابن نور الدين واختلاف أقاربه بعده فسلموها للسلطان ، وبذلك يكون قد اطمأن إلى القاعدة الأساسية الراسخة للصدام مع الصليبيين ، كما قال القاضي ابن شداد : (( لما تحقّق صلاح الدين وفاة نور الدين وكوْن ولده طفلًا لا ينهض بأعباء الملك ولا يستقلّ بدفع عدو الله عن البلاد ، تجهّز للخروج إلى الشام إذ هو أصْل بلاد الإسلام)) . ومع ذلك فلم يترك صلاح الدين الجهاد في هذه الفترة ، بل اصطدم مع الصليبيين في عدة معارك ، مثل ( مرج عيون ) وغيرها ، ولكنه لم يكن مطمئنًّا إلى الصدام الكامل مع الفرنجة . قال ابنُ شدَّاد: وكان - رحمة الله عليه - حَسَنَ العقيدة ، كثيرَ الذكر لله تعالى ، قد أخذ عقيدته عن الدليل بواسطة البحث مع مشايخ أهل العلم وأكابر https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس ١٩١ الفقهاء ، وتفهّم من ذلك ما يحتاج إلى تفهُّمه ، بحيث كان إذا جرى الكلام بين يديْه يقول فيه قولًا حسنًا ، وإن لم يكن بعبارة الفقهاء ، فتحصَّل من ذلك سلامة عقيدته عن كَدَر التَّشبيه ، غير مارقٍ سَهْمُ النَّظَر فيها إلى التعطيل والتمويه ، جاريةٌ على نمط الاستقامة ، موافقة لقانون النظر الصحيح ، مرضيّة عند أكابر العلماء . وكان - رحمه الله - قد جمع له الشيخ الإِمام قطب الدين النيسابوري - رحمه الله - عقيدة تجمع جميع ما يحتاج إليه في هذا الباب ، وكان من شدّة حرصه عليها يُعلِّمها الصغار من أولاده حتى ترسُخ في أذهانهم في الصِّغَر ، ورأيته وهو يأخذها عليهم ، وهم يقرءونها من حفظهم بين يديه ، رحمه الله . وأما الصلاة : فإنه - رحمه الله تعالى - كان شديدَ المواظبة عليها بالجماعة ، حتى إنه ذَكَر يومًّا أن له سنين ما صلَّى إلا جماعة ، وكان إنْ مرِض يستدعي الإِمام وحده ويُكلِّف نفسه القيام ويُصِّي جماعة ، وكان يواظب على السُّنْن الرواتب . وكان له ركعات يصليها إن استيقظ بوقت في الليل ، وإلا أتى بها قبل صلاة الصبح، وما كان يترك الصلاة ما دام عقله عليه، ولقد رأيتُه - قدَّس الله روحه - يصلّي في مرضه الذي مات فيه قائمًا ، وما تَّرَك الصلاة إلا في الأيام الثلاثة التي تغيَّب فيها ذهنُه ، وكان إذا أدركتْه الصلاة وهو سائرٌ ، نزل وصلّى . وأمَّا الزكاة : فإنه مات - رحمه الله تعالى - ولم يحفظ ما وجبت عليه به الزكاة . وأما صدقة النفْل فإنها استنفدت جميعَ ما ملكه من الأموال ، فإنه ملك ما ملك ومات ، ولم يخلف في خزانته من الذهب والفضة إلا سبعةً وأربعين درهمًا ناصرية ، وجرمًا واحدًا ذهبًا صوريا، ولم يُخلف ملكًا ولا دارًا ولا عقارًا ولا بستانًا ، ولا قريةٌ ، ولا مزرعةً ولا شيئًا من أنواع الأملاك ، رحمة الله عليه . ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ١٩٢ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس وكان - رحمه الله تعالى - يحبّ سماعَ القرآن العظيم ، حتى إنه كان يستَخْبِر إمامه ، ويشترط أن يكون عالمًا بعلوم القرآن العظيم ، متقنًا لحفظه . وكان يستقرئ مَنْ يحضره في الليل - وهو في برجه - الجزأين والثلاثة والأربعة ، وهو يسمع . وكان يستقرئ - في مجلسه العام - مَنْ جرتْ عادتُه بذلك : الآية والعشرين ، والزائد على ذلك . ولقد اجتاز على صغير بين يدي أبيه وهو يقرأ القرآن، فاستحسن قراءتَه ، فقرَّبه ، وجعل له حظًّا من خاصٍّ طعامه ، ووقف عليه وعلى أبيه جزءًا من مزرعةٍ . وكان - رحمه الله تعالى - رقيق القلب ، خاشع الدمعة ، إذا سمع القرآن يخشع قلبهُ وتدمع عينُه في معظم أوقاته . وكان - رحمه الله - شديد الرغبة في سماع الحديث ، ومتى سمع عن شيخ ذي روايةٍ عاليةٍ وسماعٍ كثيرٍ ؛ فإن كان ممن يحضر عنده استحضره وسمع عليه ، فأسمع من يحضره في ذلك المكان من أولاده ومماليكه المختصين به ، وكان يأمر الناس بالجلوس عند سماع الحديث إجلالاً له ، وإن كان ذلك الشيخُ ممن لا يطرق أبوابَ السلاطين ، ويتجافى عن الحضور في مجالسهم سعى إليه، وسمع عليه . تردّد إلى الحافظ الأصفهاني بالإسكندرية - حرسها الله تعالى - وروى عنه أحاديث كثيرة . وكان - رحمه الله تعالى - يحبّ أن يقرأ الحديث بنفسه ، وكان يستحضِرُني في خَلْوته ، ويُحضر شيئًا من كتب الحديث ، ويقرؤها هو ، فإذا مَّ بحديث فيه عِبرةٌ رقُّ قلبُه ، ودمعتْ عينُه . وكان - رحمة الله عليه - كثير التعظيم لشعائر الدين ، قائلًا ببعْث الأجسام ونشورها ومجازاة المحسن بالجنة والمسيء بالنار ، مُصدِّقًا بجميع ما وردت به الشرائع ، منشرحًا بذلك صدرُه ، مبغضًا للفلاسفة والمعطَّة والدهرية ومَن ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس ١٩٣ يُعاند الشريعة، ولقد أمر ولدَه صاحبَ حلب الملكَ الظاهر - أعزّ الله أنصاره - بقَتْل شابٍّ نشأ، يقال له : السُّهْرَ وَرْدِي ؛ قيل عنه أنه كان معانِدًا للشرائع مبطلًا ، وكان قد قبض عليه ولدُه المذكور ؛ لِمَا بلغه من خبره ، وعَرَّف السلطانَ به ، فأمره بقتله ، وصلبه أيامًا ، فقتله . وكان - قَدَّس الله روحه - حَسَنَ الظن بالله، كثيرَ الاعتماد عليه ، عظيم الإِنابة إليه، ولقد شاهدتُ من آثار ذلك ما أحكيه : وذلك أن الفرنج - خذلهم الله - كانوا نازلين ببيت ( نوبة ) ، وهو موضعٌ قريب من القدس الشريف - حرسها الله تعالى - بينهما بعض مرحلة ، وكان السلطان بالقدس ، وقد أقام يَزَكًا على العدو محيطًا به ، وقد سيَّر إليهم الجواسيس والمخبرين ، فتواصلت الأخبار بقوة عزمهم على الصعود إلى القدس ومحاصرته ، وتركيب القتال عليه واشتدَّ خوفُ المسلمين بسبب ذلك ، فاستحضر الأمراء ، وعَّفهم ما قد دَهَم المسلمين من الشدة ، وشاورهم في الإِقامة بالقدس ، فأتوا بمُجاملةٍ باطنُها غيرُ ظاهرها ، وأصَّ الجميع على أنه لا مصلحة في إقامته بنفسه ، فإنها مُخاطَرَةٌ بالإِسلام ، وذكروا أنهم يقيمون هم ، ويخرج هو - رحمه الله - بطائفةٍ من العسكر يكون حول العدوّ كما كان الحال بعَكًا ، ويكون هو ومَن معه بصَدَد منْع مِيرتهم والتَّضييق عليهم ، ويكونون هم بصَدَد حفْظ البلد والدفْع عنه ، وانفصل مجلس المشورة على ذلك وهو مصرٌّ على أن يقيم هو بنفسه، عِلْمًا منه أنه إن لم يُقِم ، ما يُقيم أحدٌ، فلمَّا انصرف الأمراء إلى بيوتهم ، جاء مِنْ عندهم مَنْ أخبر أنهم لا يُقيمون إلا أن يُقيم أخوه الملك العادل أو أحدُ أولاده ، حتى يكون هو الحاكم عليهم والذي يأتمرون بأمره ، فعلم أن هذه إشارةٌ منهم إلى عَدَم الإِقامة، وضاق صدرُه، وتقسَّم فِكْرُه، واشتدَّتْ فِكْرته . ولقد جلستُ في خِدمته في تلك الليلة - وكانت ليلة الجمعة - من أوّل الليل إلى أنْ قارَبَ الصُّبحَ ، وكان الزمانُ شتاءً، وليس معنا ثالث إلا الله تعالى، ونحن نقسِّم أقسامًا، ونرتّب على كل قسْم بمقتضاه ، حتى أخذني الإِشفاقُ عليه والخوفُ على مزاجه ، https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ١٩٤ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس فإنه كان يَغْلِب عليه اليُيْس، فشفعتُ إليه حتى يأخذ مضجعه لعلَّه ينام ساعةً ، فقال - رحمه الله -: لعلّك جاءك النوم . ثم نهض . فما وصلتُ إلى بيتي ، وأخذتُ لبعض شأني ، إلا وأذَّن المؤذِّنُ ، وطلعَ الصُّبْح ، وكنتُ أصلِّي معه الصُّبْح في معظم الأوقات ، فدخلتُ عليه وهو يُمِرُّ الماء على أطرافه ، فقال : ما أخذني النوم أصلًا . فقلتُ : قد علمتُ . فقال : من أين ؟ فقلتُ : لأني ما نمتُ ، وما بقي وقْتٌ للنوم . ثم شُغلْنا بالصلاة ، وجلسْنا على ما كُنّا عليه ، فقلتُ له : قد وقع لي واقعٌ ، وأظُّه مفيدًا إن شاء الله تعالى . فقال : وما هو ؟ فقلتُ له : الإِخلاد إلى الله تعالى ، والإِنابة إليه ، والاعتماد في كَشْف هذه الغمَّة عليه. فقال : وكيف نصنع ؟. فقلتُ : اليوم الجمعة ، يغتسل المولى عند الرواح ، ويصلّي على العادة بالأقصى، موضع مَسْرِى النبي ◌َّهِ، ويقدِّم المولى التَّصدُّق بشيءٍ خُفية على يد مَنْ يثق به ، ويصلِّي المولى ركعتين بين الأذان والإقامة ، ويدعو الله في سجوده فقد ورد فيه حديث صحيح، وتقول في باطنك: (( إلهي ، قد انقطعت أسبابي الأرضيَّة في نُصرة دينك ، ولم يبقَ إلّا الإِخلادُ إليك ، والاعتصامُ بحبِّك، والاعتماد على فضلك ، أنت حسبي ونعم الوكيل )) ، فإن الله تعالى أكرمُ من أن يخيِّب قصْدَك . ففعل ذلك كلَّه ، وصلَّيتُ إلى جانبه على العادة ، وصلّى الركعتين بين الأذان والإقامة، ورأيتُه ساجدًا، ودموعه تتقاطر على شَيْبته ، ثم على سجَّادته ، ولا أسمع ما يقول ، فلم ينقضِ ذلك اليوم حتى وصلتْ رقعةٌ من عز الدين جُرْديك - وكان على اليّزَك - يُخبر فيها أن الفرنج مُخْتَبِطون ، وقد ركب اليومَ عسكرُهم بأسْرِه إلى الصحراء ، ووقفوا إلى قائم الظهيرة ، ثم عادوا إلى خيامهم . وفي بكرة السبت جاءت رقعةٌ ثانية ، تخبر عنهم بمثل ذلك . ووصل في أثناء النهار جاسوس أخبر أنهم اختلفوا ، فذهبتْ الفرنسيسية إلى أنَّه لا بد لهم من محاصرة القدس، وذهب ((الانكتار)) وأتباعُه إلى أنه لا يُخاطر بدين النصرانيّة ويرميهم في هذا الجبل مع عَدَم المياه ؛ فإن السلطان كان قد أفسدَ جميعَ ما حول القدس من المياه ، وأنهم خرجوا https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /ttps://arabessam.blogspot.com ١٩٥ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس للمشورة ، ومن عادتهم أنهم يتشاورون للحرب على ظهور الخيل ، وأنهم قد نصُّوا على عشرة أنفُس منهم وحكَّموهم ، فأيّ شيءٍ أشاروا به لا يُخالفونهم . ولمّا كانت بُكرة الإثنين ، جاء المبشِّر يخبر أنهم رحلوا عائدين إلى جهة الرّملة . فهذا ما شاهدته من آثار اسْتنايَتِهِ وإخلاده إلى الله تعالى . ولقد كان - رحمه الله - عادلًا، رؤوفًا رحيمًا، ناصرًا للضعيف على القوي . وكان يجلس للعدل في كل يوم إثنين وخميس في مجلسٍ عام ، يحضره الفقهاء والقُضاة والعلماء ، ويفتح الباب للمتحاكمين حتى يصلَ كُلُّ أحدٍ ؛ من كبير وصغير ، وعجوز هَرِمة ، وشيخ كبير ، وكان يفعل ذلك سَفَرًا وخَضَرًا . . على أنه كان في جميع أزمانه قابلًا لجميع ما يُعرض عليه مِنَ القصص كاشفًا لما ينتهي إليه من المظالم ، وكان يجمع القصص في كلّ يوم ، ويفتح باب العدل ، ولم يردَّ قاصدًا للحوادث والحكومات ، وكان يجلس مع الكاتب ساعةً ، إمّا في الليل أو في النهار ، ويوقِّع على كلِّ قصَّة بما يُطلق الله على قلبه ، ولم يردَّ قاصدًا أبدًا ولا مُنتحِلًا ولا طالِبَ حاجةٍ ، وهو مع ذلك دائم الذكر والمواظبة على التلاوة ، رحمة الله عليه . ولقد كان رؤوفًا بالرَّعيَّة ، ناصرًا للدِّين، مُواظِبًا على تلاوة القرآن العزيز ، عالمًا بما فيه ، عاملًا به ، لا يعدوه أبدًا، رحمة الله عليه ، وما استغاث إليه أحدٌ إلا وقف وسمع قضيَّته ، وكشفَ ظُلامَتَه، وأخذَ بقصَّته ؛ ولقد رأيتُه وقد استغاث إليه إنسانٌ من أهل دمشق يُقال له : ابنُ زهير ، على تقيّ الدين - ابن أخيه - فأنفذَ إليه ليُحضره إلى مجلس الحُكم ، فما خلَّصه إلا أن أشهدَ عليه شاهديْن معروفين مقبولي القول، أنه وكَّل القاضي أبا القاسم أمين الدِّين - بعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ttps://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس ١٩٦ قاضي حماه - في المخاصمة والمنازعة ، فحضر الشاهدان ، وأقاما الشهادة عندي في مجلسه - رضي الله عنه - بعد دعوى الوكيل الوكالة الصحيحة ، وإنكار الخَصْم ، فلمَّا ثبتت الوكالةُ ، أمرتُ أبا القاسم بمساواة الخصم ، فساواه ؛ وكان من خواصِّ السلطان - رحمه الله - ثم جرت المحاكمة بينهما ، واتَّجهت اليمينُ على تقّ الدين ، وانقضى المجلس على ذلك، وقَطَعَنا عن إحضاره دخولُ الليل ، وكان تقي الدين من أعزّ الناس عليه ، وأعظمهم عنده ، ولكنّه لم يُحابِه في الحق . وأعظم مِن هذه الحكاية ، ممَّا يدلّ على عدله - رحمه الله - قضيّة جرتْ له مع إنسانٍ تاجر يُدعى: ((عمر الخلاطي)) ، وذلك أني كنتُ يومًا في مجلس الحُكم بالقدس الشريف ، إذْ دخل علَّ شيخٌ حَسَنٌ تاجرٌ معروف ، يسمَّى: ((عمر الخلاطي))، معه كتابٌ حُكمي يسأل فَتْحه ، فسألتُه: مَنْ خَصْمُك ؟. فقال : خصمي السلطان ، وهذا بساطُ الشَّرِّع ، وقد سمعنا أنك لا تُحابي. قلتُ: وفي أيّ قضيّةٍ هو خَصمُك؟ فقال: إن ((سُنْقُر الخلاطي)) كان مملوكي ، لم يزل على ملكي إلى أن مات، وكان في يده أموالٌ عظيمةٌ كلُّها لي ، ومات عنها ، واستولى عليها السلطان ، وأنا مُطالبُه بها . فقلتُ له : يا شيخ ، وما أقعَدَك إلى هذه الغاية ؟ فقال : الحقوق لا تبطُل بالتأخّر ، وهذا الكتابِ الحُكمي ينطق بأنه لم يزل في ملكي إلى أن مات . فأخذتُ الكتاب منه، وتصفّحتُ مضمونه، فوجدتُه يتضمَّن حِلْيَةَ ((سُنْقُر الخلاطي))، وأنه قد اشتراه من فلان التاجر بأرجيش ، اليوم الفلاني ، من شهر كذا ، من سنة كذا ؛ وأنه لم يزل في ملكه إلى أن شدَّ عن يده في سنة كذا ، وما عَرف شهودُ هذا الكتاب خروجَهُ عن ملكه بوجهٍ ما ، وتمَّ الشرطُ إلى آخره . فتعجَّبتُ مِن هذه القضيَّةِ ، وقلتُ للرجل : لا يَسَعني سماُ الدعوى مع وجود الخَصْم ، وأنا أُعرِّفه وأُعرِّفُك ما عنده في ذلك. فرضي الرجلُ بذلك، واندفَعَ ، فلمَّا اتَّفق المُثُول بين يديه في بقيَّة ذلك اليوم عرَّفَتُه القضيَّة ، فاستبعد ذلك استبعادًا عظيمًا ، https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس ١٩٧ وقال : كنتَ نظرتَ في الكتاب ؟ فقلتُ : نظرتُ فيه ، ورأيتُه متَّصل الورود والقبول إلى دمشق، وقد گُتب علیه: کتاب حُکمي من دمشق، وشهدَ به على يد قاضي دمشق شهودٌ معروفون. فقال: مبارك، نُحضر الرجل ونحاكمه، ونعمل في القضيَّة ما يقتضيه الشَّرِّع . ثم اتَّفق بعد ذلك جلوسه معي خَلْوةً ، فقلتُ له : هذا الخصم يتردّد ، ولا بد أن نسمع دعواه . فقال : أقم عني وكيلًا يسمع الدعوى ، ثم يُقيم الشهودُ شهادتهم ، وأخّر فتح الكتاب إلى حينٍ حضور الرجل ها هنا . ففعلتُ ذلك ، ثم أُحضِر الرجل ، واسْتَدْناهُ حتى جلس بين يديه ، وكنتُ إلى جانبه ، ثم نزل من طراحَتِه حتى ساواه ، وقال : إن كان لك دعوى فاذكرها . فحرر الرجل الدعوى على معنى ما شرح أوّلًا، فأجابه السلطان: إن ((سُنْقُر)) هذا كان مملوكي ، ولم يزل على ملكي حتى أعتقتُه ، وتوفِّي وخلَّف ما خلَّف لورثته . فقال الرجل : لي بيِّنةٌ تشهد بما ادَّعيتُه . ثم سأل فتْح كتابه ، ففتحتُه ، فوجدته كما شرحه ، فلمّا سمع السلطان التاريخ ، قال : عندي من يشهد أن ((سُنْقُر)) هذا في هذا التاريخ كان في ملكي وفي يدي بمصر ، وأني اشتريتُه مع ثمانية أنفُس في تاريخ متقدِّمٍ على هذا التاريخ بسنةٍ ، وأنه لم يزل في يدي وملكي إلى أن أعتقتُه. ثم استحضر جماعةً من أعيان الأمراء والمجاهدين ، فشهدوا بذلك ، وذَكَر القصَّةَ كما ذكرها ، والتاريخ كما ادَّعاه ، فَأَبْلَسَ الرجلُ ، فقلتُ له : يا مولاي ، هذا الرجل ما فعل ذلك إلا طلبًا لمراحم السلطان ، وقد حضر بين يدي المولى ، ولا يَحْسُن أن يَرجع خائبًا للقصد . فقال : هذا بابٌ آخر . وتقدَّم له بخلعة ونفقة بالغة ، قد شذ عني مقدارها . فانظر إلى ما في طَي هذه القضية من المعاني الغريبة العجيبة ، والتواضع ، والانقياد إلى الحقّ ، وإرغام النفس ، والكرم في موضع المؤاخذة ، مع القدرة التّامَّة ، رحمه الله رحمة واسعة . وكرمُه - قدَّس الله روحه - كان أظهر من أن يُسطَر ، وأشهر من أنْ يُذْكر ، ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://web lessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس ١٩٨ لكن نُنَبِّه عليه جملةً ، وذلك أنه ملكَ ما ملكَ ومات ، ولم يُوجَد في خزانته من الفضة إَلا سبعة وأربعون درهَما ناصريَّة ، ومن الذهب إلا جرْمٌ واحدٌصوريّ ، ما علمتُ وزنه . وكان - رحمه الله - ◌َهَب الأقاليم؛ وفتح ((آمد))، وطلبها منه ابنُ قَرّة أرسلان ، فأعطاه إياه . ورأيته قد اجتمع عنده جمعٌ من الوفود بالقدس الشريف ، وكان قد عزم على التَّوجُّه إلى دمشق ، ولم يكن في الخزانة ما يُعطي الوفود ، فلم أزل أخاطبه في معفاهم حتى باع قريةً من بيت المال ، وفَضَضْنا ثمنها عليهم ، ولم يفضُل منه درهم واحد . وكان - رحمه الله - يعطي في وقْت الضِّيق كما يعطي في حال السَّعة ، وكان نُوّاب خزائنه يُخفون عنه شيئًا من المال ؛ حذرًا أن يُفاجئهم مُهِمٌّ، لِعِلْمهم بأنه متى علمَ به أخرجَهُ . وسمعته يقول في معرض حديثٍ جرى : يمكن أن يكون في الناس مَنْ ينظر إلى المال كما ينظر إلى التراب. فكأنه أراد بذلك نَفْسَه، رحمه الله تعالى. وكان يعطي فوق ما يؤمّل الطالبُ ، فما سمعتُه قطُّ يقول : أعطينا لفلان ، وكان يعطي الكثير، ويبسُط وجهه للمعْطَى بسْطَه لمن لم يُعْطِه شيئًا . وكان - رحمه الله - يعطي ، ويُكرم أكثر مما يعطي ، وكان قد عرفه الناس ، فكانوا يستزيدونه في كل وقت ، وما سمعتُه قط يقول : قد زدتُ مرارًا ، فكم أزيد ؟ . وأكثر الرسائل كانت تكون في ذلك على لساني ويدي ، وكنت أخجل من كثرة ما يطلبون ، ولا أخجل منه من كثرة ما أطلبه لهم ، لعلمي بعَدَم مؤاخذته في ذلك ، وما خدمه قطُّ أحدٌ إلّا وأغناه عن سؤال غيره . ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ١٩٩ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد السادس وأمّا تعداد عطاياه وتعداد صنوفها، فلا تطمع فيها حقيقة أصلًا ، وقد سمعتُ من صاحب ديوانه يقول لي : قد تجارينا عطاياه ، فحصرْنا عدد ما وهب من الخيل بمرج عكّا لا غير ، فكان عشرة آلاف فرس . ومن شاهد عطاياه يستقلُّ هذا القدر . اللهم إنك ألهمْته الكرم ، وأنت أكرم منه ، فتكرَّمْ عليه برحمتك ورضوانك يا أرحم الراحمين . هذا صلاح .... وأمّا غير صلاح ؛ ففي عصر ملوك الطوائف وعلى مساحة ثلاثين فرسخًا ، يتنازع الملك أربعة كلّ منهم يسمِّي نفسه أمير المؤمنين . بل وربما تصل شهوة الحكم أن ينادي ملك : بايعوني على الملك . فيقول له الناس نخشى عليك القتل . فيقول : بايعوني اليوم ، واقتلوني غدًّا . بل وفي بداية عصر السلاجقة وفي الشام ، يحاول ملك إحدى المدن الشاميّة أنْ يُبطل بدع الشيعة في الأذان بـ ( حّ على خير العمل ) ... فيثور الغوغاء والدهماء حتى يشدُّوا الحُصْر من تحت أرْجُل المصلِّين، ويقولون: هذه خُصْر علي بن أبي طالب ، فإذا أراد أبو بكر المسجد فليأتِ له بحُصْر . وفي عصرنا ... أشباه الرجال ولا رجال . واللَّقِطونَ لقيطةَ اللُّقَطاءِ المُعْلنون مِنَ القصور قصورَهمْ والتّاركونَ هزيمةً لم يعترف أحدٌ بها من كثرةِ الآبَاءِ عبدُ الرحمَنُ الدَّاخِلِ ( صَقْر قريش ) : تمضي السنون ، آحادها وعشراتها ومئاتها ، وحتى أَلْفها ، ولا زال صقر قريش ملء سمْع الدنيا وبصرها ؛ فهو واحد من أعظم الرجال في السياسة والحرب ، وهو مؤسِّس الدولة الأموية في الأندلس ، التي بقيت زمنًا طويلًا رمزًا للحضارة العربية الإِسلامية . ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس ٢٠٠ وقضية عبد الرحمن الداخل هي قضية العصر وكل عصر ، قضية الاعتماد على القدرة الذاتية التي وفّرها الإِسلام للمسلمين ، ومن هنا فإن سيرة صقر قريش تكتسب أهميتها ، وتكتسب قيمتها .. لا في مجال الحرب فقط ، وإنما في مجال السياسة الاستراتيجية ، وفي مجال بناء الدولة . فقد خرج يمضي والخوف يطارده من الرايات السوداء التي داهمت قريته ، وخطرُ القتل يلاحقه .. حتى يرمي بنفسه إلى الفرات سباحةً ، وهو يرى رأس أخيه ابن الثلاث عشرة سنة وقد قطعوها ، وبعد قطعه للفرات سباحةً . ومضى وهو يحسب أنه طائر وهو ساعٍ على قدميه ، فيلجأ إلى غيضة أشبة فتوارى فيها حتى انقطع الطلب ، ثم خرج يؤمُّ المغرب ، ولم يكد يتجاوز العشرين من عمره ، ليس لديه من المال إلا القليل ، وليس لديه من الأنصار إلا النّذْر اليسير ، ولكن كانت له همّة عالية وتصميم كبير وإرادة صلبة ، سهّلت له العسير وقّبت إليه ما كان صعبَ المنال ، فبقي رجلَ الدنيا وواحدها في علم السياسة وفىِّ الحرب ، وأقام دولةً ستبقى حديثَ الزمان . قال ابن حَيَّن: ((كان الإِمام عبد الرحمن الداخل كثيرَ الحزْم نافذَ العَزْم، لم ترفع له راية على عدوٌّ قطُّ إلا هزمه ، ولا بلدٍ إلا فتحه . شجاعًا مقدامًا ، شديد الحذر ، قليل الطمأنينة ، لا يخلد إلى راحة ، ولا يسكن إلى دَعَة ، ولا يكُلُ الأمر إلى غيره ، يعود المرضى ويشهد الجنائز ، ويصلّي بالناس في الجُمعَ والأعياد ، ويخطب بنفسه . جنّد الأجناد ، وعقد الرايات ، وبلغت جنوده مائة ألف فارس )). مساميًا لُجّةً ومحلّا فجابَ قْرًا وشقَّ بحرًا ومِنْبَرًا للخطاب فصْلًا دبّر مُلْكًا وشاد عَّا ومصّر المصر حينَ أجلى وجنّد الجند حین أودی رحم الله صقر قريش ؛ فقد كان لا يخلد إلى راحة، ولا يسكن إلى دَعَة ، https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد