النص المفهرس
صفحات 121-140
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس ١٢١ ولعلَّ هذا الفتح باسمِك ، فالْقَهُم وقتَ الزوال - وكان يومَ جمعةٍ - قال : فإنه يكون الخطباءُ على المنابر ، وإنهم يَدْعُون للمجاهدين . فَصلَّوْا ، وبكى السلطانُ ، ودعا وأَمَّنُوا، وسجد ، وَعَقَّر وجهَه ، وقال : يا أُمراء ، من شاء فلينصرفْ ، فما هاهنا سلطان . وعقَد ذَنَبَ حِصانه بيده ، ولَبِس البياضَ وتَحتَّط ، وحَمَل بجيشه حملةً صادقةً ، فوقعُوا في وسط العدو يقتلون كيف شاءوا ، وثبت العسكرُ، ونزلَ النَّصْر، وَوَلَّتِ الرومُ، واستحّ بهم القَتْل، وَأُسِرَ طَاغِيَتُهم أرمانوس، أسره مملوكٌ لكوهرائين، وهمَّ بقتله، فقال إفْرِنْجِي : لا ، لا ؛ فهذا المَلِك . وقرأتُ بخطِّ القِفطيّ أنَّ ألب أرسلان بالَغَ في التَّضُرُّعِ والتَّذلُّل ، وأخْلَصَ لله . وكيفيةُ أَسْرِ الطاغية ، أنَّ مملوكًا وَجَد فرسًا بلجامٍ مجوهر وسرجٍ مذهَّب مع رجُلٍ ، بين يديه مِغْفِرٌ من الذهب ، ودِرعٌ مُذهّب ، فَهَمَّ الغلام ، فأتى به إلى بين يدي السلطان ، فقنَّعه بالمِقرعة ، وقال : ويلك ، ألم أبعث أطلبُ منك الهُدْنة ؟ قال : دَعْنِي من التَّوبيخ . قال : ما كان عَزْمُكَ لو ظفرتَ بي ؟ قال : كلّ قبيح . قال : فما تُؤْمِّلُ وتظُنُّ بي ؟ قال : القتلُ أو تُشهِّرُني في بلادك ، والثالثة بعيدةٌ : العفوُ وقَبُولُ الفِداء . قال : ما عَزمتُ على غيرها . فاشترى نَفْسَه بألفٍ ألفٍ دينارٍ وخمسمائة ألفٍ دينارٍ ، وإطلاقِ كلِّ أَسيرٍ في بلاده . فخلَعَ عليه ، وبعثَ معه عدَّةً ، وأعطاه نفقة تُوصلُه. وأمَّا الروم فبادروا ، وملَّكُوا آخر ، فلمَّا قرب أرمانوس ، شعرَ بزوال مُلكه ، فَلَبِس الصُّوف، وترهَّب ، ثم جمع ما وصلتْ يدُه إليه نحو ثلاثمائة ألف دينار ، وبعث بها ، واعتذر ، وقيل : إنه غلب على ثغور الأرمن . وكانت الملحمة في سنة ثلاث وستين(١). (١) سير أعلام النبلاء ١٨ / ٤١٤ - ٤١٦، والمنتظم ٨ / ٢٦٠ - ٢٦٥. بعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ttps://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس ١٢٢ وَصْف ابن كثيرٍ لمعركة ((ملاذ كرد)): قال الحافظ ابن كثير في ((البداية والنهاية)) (١٢ / ١٠٧ - ١٠٨) في أحداث سنة ٦٤٣هـ: ((وفيها أقْبَلَ ملكُ الروم أرمانوس في جحافل أمثال الجبال من الّوم والكرخ والفرنج، وعددٍ عظيم وعُدَد ، ومعه خمسة وثلاثون ألفًا من البطارقة ، مع كلٍّ بطريق مائتا ألفٍ فارسٍ ، ومعه من الفِرِنْج خمسة وثلاثون ألفًا ، ومن الغُزاة الذين يسكنون القسطنطينية خمسة عشر ألفًا ، ومعه مائة ألف نقَّابٍ وحفَّار ، وألف روزجاري ، ومعه أربعمائة عجلة تحمل النِّعال والمسامير ، وألفا عجلةٍ تحمل السلاح والسّروج والعرادات والمجانيق ، منها منجنيق عدّة ألف ومائتا رَجُلٍ ، ومن عَزْمه - قَبَّحه الله - أن يُبيد الإِسلام وأهله ، وقد أَقْطَعَ بطارقتَهُ البلاد حتى بغداد ، واستوصى نائبها بالخليفة خيرًا ، فقال له : ارفُق بذلك الشيخ ، فإنه صاحبنا ، ثم إذا استوثقتْ ممالك العراق وخراسان لهم ، مالوا على الشام وأهله ميلةً واحدةً ، فاستعادوه من أيدي المسلمين ، والقدر يقول: ﴿ لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون ﴾ [ الحجر: ٧٢ ]. فالتقاه السلطان ألب أرسلان في جيشه وهم قريبٌ من عشرين ألفًا ، بمكان يُقال له : الزهوة ، في يوم الأربعاء لخمسٍ بقينَ من ذي القعدة ، وخاف السلطان من كثرة جند ملك الروم ، فأشار عليه الفقيه أبو نصر محمد بن عبد الملك البخاري بأن يكون وقت الوقعة يوم الجمعة بعد الزوال ، حين يكون الخُطَبَاء يَدْعُون للمجاهدين ، فلمَّا كان ذلك الوقت ، وتواقف الفريقان وتواجه الفتيان ، نزل السلطان عن فرسِه وسجد لله عزّ وجلّ ، ومَرَّغ وجهَهُ في التراب ، ودعا الله واستنصره ، فأنزلَ نصَرَهُ على المسلمين ، ومنحهم أكتافهم ، فقتلوا منهم خَلْقًا كثيرًا، وأُسِرَ ملكُهم أرمانوس ، أسرَهُ غلامٌ رومِّي ، فلمَّا أُوقِف بين يدي الملك ألب أرسلان ، ضربَهُ بيده ثلاثة مقارع وقال : لو كنتُ أنا الأسيرَ بين يديك ، ما كنت تفعل ؟ قال : كلّ https://weblessam.blogspot.com/ بعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوٌّ الهمة - المجلد السادس ١٢٣ قبيحٍ . قال : فما ظَنُّك بي ؟ قال: إمَّا أن تقتُل وتشهِّرني في بلادك ، وإمَّا أن تعفو وتأخذ الفداء وتُعيدني . قال : ما عزمتُ على غير العفو والفداء . فافتدى نَفْسَه منه بألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار ، فقام بين يدي الملك ، وسقاه شربةً من ماء ، وقبّل الأرض بين يديه ، وقبّل الأرض إلى جهة الخليفة إجلالا وإكرامًا، وأطلق له الملك عشرة آلاف دينار ليتجهّز بها ، وأطلق معه جماعةً من البطارقة وشيَّعه فرسخًا ، وأرسل معه جيشًا يحفظونه إلى بلاده ، ومعهم رايةٌ مكتوب عليها : لا إله إلا الله محمد رسول الله ، فلمَّا انتهى إلى بلاده وجَدَ الروم قد ملَّكُوا عليهم غَيْرَهُ ، فأرسل إلى السلطان يعتذر إليه ، وبعثَ من الذهب والجواهر ما يقارب ثلاثمائة ألف دينار ، وتزهَّد ولبس الصُّوف، ثم استغاث بملك الأرمن ، فأخذه وكَحَلَهُ(١)، وأرسله إلى السلطان يتقرّب إليه بذلك)). قال ابن النَّخَّاس: (( خرج ملكُ الروم من القسطنطينية في ستمائة ألف ، خارجًا عن المطَّوِّعة، فكانوا لا يُدركهم الطَّرْف ولا يحصُرهم العَدَد ، بل كتائب مُتواصلة وعساكر مُتزاحمة ، وكراديس يتلو بعضُها بعضًا كالجبال الشوامخ ، وقد أعُّوا من السلاح والكُراع والآلات لفتح الحصون ، ما يعجز الوَصْفُ عنها ، واقتسموا الدنيا ؛ فجعلوا لكلِّ مائة ألفٍ قطرًا ، العجم والعراق لملكٍ، وديار مُضَر وديار ربيعة لملكٍ ، ومصر والمغرب الملكٍ ، والحجاز واليمن لملكٍ ، والهند والصين لملكٍ ، والروم لملكٍ ، فاضطربت ممالكُ الإِسلام ، واشتدَّ وجلُهم وَكَثُرَ جزعهم وهرب بعضُهم من بين أيديهم ، وأخلَوْا لهم البلاد . وكان الملك ألب أرسلان التركي - سلطان العراق والعجم يومئذٍ - قد جَمَعَ وجوه مملكته وقال : قد علمتم (١) كحلة : سمل عينيه . https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٢٤ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس ما نزل بالمسلمين ، فما رأيكم ؟ قالوا : رَأْيُنَا لرأيك تَبَعٌ ، وهذه الجموع لا قِبَل لأحدٍ بها. قال: وأين المفُرُّ، لم يَبْقَ إلَّا الموت ، فموتوا كرامًا أحْسَن . قالوا : أمَّا إذا سمحْتَ بنَفْسك ، فنفوسنا لك الفداء . فعزمُوا على مُلاقاتهم ، وقال : نلقاهم في أول بلادي . فخرجَ في عشرين ألفًا من الأمجاد الشجعان المُنتخَّبِين ، فلمَّا سار مرحلةً ، عَرَضَ عسكرَهُ ، فَوَجَدَهم خمسة عشر ألفًا ، ورجعتْ خمسةٌ ، فلمَّا سار مرحلةً ثانيةً ، عرض عسكره ، فإذا هم اثنا عشر ألفًا ، فلمَّا واجَهَهم عند الصباح ، رأى ما أَذْهَلَ العقول وحيَّ الألباب ، وكان المسلمون كالشامة البيضاء في الثور الأسود ، فقال : إني هممتُ ألَّا أُقاتلهم إلَّا بعد الزَّوالِ . قالوا: ولم ؟ قال: لأن هذه الساعة ، لا يبقى على وجه الأرض منبر ، إلَّا دَعَوْا لنا بالنصر . وكان ذلك يوم الجمعة ، فقالوا : افْعَلْ. فلمَّا زالت الشمس صلَّى وقال: ليودّع كلّ واحدٍ صاحبَهُ ، ولُيُوصِ . ففعلوا ذلك ، فقال : إني عازم على أن أحمل فاحملوا معي ، وافعَلُوا كما أفْعَلُ . فاصطفَّ المشركون عشرين صفًّا ، كلّ صفّ لا يُرى طرفاه ، ثم قال : بسم الله وعلى بركة الله ، احملوا معي ، ولا يضرب أحدٌ منكم بسيفٍ ولا يرمي بسهمٍ ، إلى أن أُفْعَل. وَحَمَلَ وحملوا معه حملةً واحدةً ، خرقوا صفوف المشركين صفًّا بعد صفٍّ ، لا يقف لهم شيء .. حتى انتهوا إلى سُرادِق المَلِك ، فوقف ، وأحاطوا به ، وهو لا يظنُّ أن أحدًا يصل إليه ، فما شعر حتى قبضوا عليه ، وقتلوا كلّ من كان حوله ، وقطعوا رأسًا فرفعوها على رمحٍ ، وصاحوا: قُتِلَ الملك ، فولَّوْا منهزمين لا يَلْوُون على شيءٍ ، وحكَّمُوا السيوف فيهم أيامًا ، فلم يَنْجُ منهم إلَّا قتيلٌ أو أسيرٌ ، وجلس ألب أرسلان على كرسي الملك في مُضربة في سُرادِقه على فراشه ، وأُكَلَ من طعامه ، ولبس من ثيابه ، وأُحْضِرَ الملك بين يديه ، وفي عنقه حبل ، فقال : ما كنتَ صانعًا لو ظفرتَ بي ؟ قال : أوَ تشكُّ أنت في قتلك حينئذٍ ؟ قال ألب أرسلان : ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس ١٢٥ وأنت أقل في عيني من أن أقتُلك . اذهبوا فبيعوه ، فطافوا به على جميع العسكر ، والحبل في عنقه ، يُنادى عليه بالدراهم والفلوس ، فما يشتريه أحد ، حتى انتهوا في آخر العسكر إلى رَجُلٍ فقال : إن بعتمونيه بهذا الكلب ، أشتريه . فأخذوه وأخذوا الكلب ، وأتوا بهما إلى ألب أرسلان ، وأخبروه بما صنعوا به ، وبما دُفِعَ فيه ، فقال : الكلب خيرٌ منه ؛ لأنه ينفع وهذا لا ينفع ، خذوا الكلب وادفعوا له هذا الكلب - يعني الملك - . ثم إنه بعد ذلك أمَرَ بإطلاقه ، وأن يُجعل الكلبُ قرِينَهُ مربوطًا في عنقه ، ووكّل به من يُوصله إلى بلاده ، فلمَّا وَصَلَ عزلوه عن الملك وكحلوه ))(١). الله دَرُّكَ يا ألب أرسلان، ودُّ جيشك جيشِ الأكفان(٢). والله إن العقل ليقف عاجزًا عن تصوُّر هيئة هذا الجيش ، الذي فاحت منه رائحة الحنوط استعدادًا للموت والشهادة .. وعلى مثل هؤلاء وقائدهم يتنزّل النصر . رحم الله من غزا بلاد الروم مَرَّتين ، وافتتحَ القلاع ، وأَرْعَبَ الملوك . قال ابن كثير في البداية والنهاية (١٢ / ١١٤) في ترجمة السلطان ألب أرسلان الملقّب بـ((سلطان العالم)) صاحب الممالك المتّسعة: ((كان عادلًا يسير في الناس سيرةً حسنةٍ ، كريمًا رحيمًا ، شَفُوقًا على الرّعيَّة، رفيقًا على الفقراء ، بارًّا بأهله وأصحابه ومماليكه ، كثير الدُّعاء بدوام النّعم به عليه ، كثير الصَّدَقات ، يتفقَّد الفقراء في كلِّ رمضان بخمسة عشر ألف (١) مشارع الأشواق إلى مصارع العُشّاق لابن النحاس ١ / ٥٥١ - ٥٥٣ طبع دار البشائر . (٢) مواقف بطولية من صنع الإِسلام، لزياد أبو غنيمة، تحت عنوان ((جيش يقابل العدو بالأكفان)) صـ ١٦٨ - ١٧٣. دار التوزيع والنشر الإسلامية . بعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٢٦ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد السادس دينار ، ولا يُعرف في زمانه جناية ولا مُصادَرَة ، بل كان يَقْنَع من الرّعيَّة بالخَراج في قسطين رفقًا بهم. كتب إليه بعضُ السُّعاة في ((نِظام الملك)) وزيرِهِ ، وَذَكَرَ ماله في ممالكه ، فاستدعاه فقال له : خُذْ ، إن كان هذا صحيحًا ، فهذِّبْ أخلاقكَ وأصلِحْ أحوالَك، وإن كذبوا فاغفر له زلَّتَهُ . وكان شديد الحرص على حِفْظ مال الَّعايا)). قبل تملُّكه انتشرَ الفكر الشيعي ، والدَّاعين إليه من الغُلاة ، حتى إن أمير حلب محمود بن صالح بن مرداس عندما أراد تحويل الخطبة لبني العباس والسلاجقة ، ويترك العبيديين ، رفض العامَّةُ في حلب هذا التَّحوُّل ، وحملوا أثاث المسجد وقالوا : هذه حصر علي بن أبي طالب ، فليأتِ أبو بكر بحصرٍ يُصلّي عليها الناس (١) !! ٠ فلمَّا جاء ألب أرسلان كان (( من حسناته أنه عندما سار إلى حلب ، طَلَبَ حضور صاحبها محمود بن مرداس بين يديه ، فحاول محمود المراوغة ، وقال للسفير بينهما ، وهو الشريف طراد الزينبي : قل للسلطان : إن محمودًا لبس الخلعة العباسية وخطب لهم . فقال السلطان أرسلان : أي شيءٍ تُساوي خطبتُهم وهم يؤذّنون بـ( حيّ على خير العمل ) لا بد من حضوره )) (٢). وفي سنة ٤٦٢ وَرَدَ رسول صاحب مكَّة محمد بن أبي هاشم إلى السلطان ، يُخبره بإقامة الخطبة للخليفة القائم وللسلطان ، وإسقاط خطبة صاحب مصر (( العبيدي))، وتْك الأذان بـ( حي على خير العمل ) ، فأعطاه السلطان ثلاثين ألف دينار ، وقال له : إذا فعل أمير المدينة كذلك ، (١) أيعيد التاريخ نفسه لمحمد العبدة صـ ٤٦ . (٢) الكامل لابن الأثير ١٠ / ٦١ . ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ttps://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد صلاحِ الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس ١٢٧ أعطيناه عشرين ألف دينار . فرحم الله ألب أرسلان . ملوك السلاجقة يُجدِّدون هيْبة الخلافة ، ويُلاحِقون الباطِيَّة في معاقلهم : يقول العلامة أبو شامة عن آثار السلاجقة: ((فلمَّا ملكَ السلجوقيةُ ، جدَّدُوا من هيبة الخلافة ما كان قد دَرَسَ ، لا سيَّما في وزارة نِظام الملك ، فإنه أعاد الناموس والهيبة إلى أحسن حالاتها ))(١). ولقد كان للسلاجقة الدَّور العظيم في سحق الباطنية : ففي سنة ٤٩٤هـ أمر السلطان السلجوقي (بركيارق ) بقتْل الباطنية ، فقام أهل أصبهان بقتل مَنْ عندهم ، يقودهم في ذلك الفقيهُ الشافعُّ مسعود ابن محمد الخجندي ، حيث جَمَعَ الجمَّ الغفير بالأسلحة ، وأمَرَ بحفْر أخاديد وأوقد فيها النيران ، وجعل العامَّة يأتون بالباطنيَّة أفواجًا ومنفردين ، فيُلْقَوْن في الأخاديد . وكان الباطنُّون قد ملكوا كثيرًا من القلاع بإقليم خوزستان وفارس ، وعظُم شرُّهم ، وقطعوا الطريق ، فعزم أحدُ قواد السلاجقة ( جاولي ) على الفتك بهم ، فأظهر أنه يُريد مُفارقَةً بلده ، فخرجوا معه ليأخذوا ما معه من أموال وأسلحة ، وفي الطريق كان قد دَبَّر لهم مكيدةً ، فَوَضَعَ السيفَ فيهم فلم يَنْجُ منهم أحدٌ(٢). في سنة ٥٠٠هـ قَتَلَ السلطانُ محمد بن ملكشاه السلجوقي مقتلةً عظيمةٌ منهم ، وأجلاهم عن قلعة أصبهان بعد حصارها ، وبعد مُخَادَعَةٍ ومُخاتَلَةٍ منهم ، وقتل صاحبَها ابن غطاش(٣). وكانت دعوة الباطنيّة قد انتشرت في (١) الروضتين في أخبار الدولتين صـ ٣١ . (٢) الكامل ١٠ / ٣٢٠. (٣) الكامل ١٠ / ٤٣٠. بعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ttps://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس ١٢٨ الشام منذ بداية القرن الخامس ، بعد مجيء داعيتهم ( بهرام ) ((فاستجاب له كثيرٌ من العوامُّ وسُفهاء الجُهَّال، وسكت عنه العلماءُ وَحَمَلَةُ الشريعة ، خوفًا من بطش الإِسماعيلية )) (١). ففي سنة ٥٢٣ حاول الإسماعيليَّة تسليم دمشق للصليبيين ، مُقابل أن يُسلِّمهم الصليبيون مدينة صور ، واكتشف هذه المؤامرةَ أميرُ دمشق ( بوري بن طغتكين ) فَقَتَلَ متولّي الإِسماعيلية المزدقاني ، ونادى في البلد بقتْل الباطنية ، فَقُتِلَ منهم ستةُ آلاف ، وكان ذلك في شهر رمضان(٢). وفي حوادث سنة ٥١١ قال ابن الأثير: ((عَلِمَ السلطانُ محمد ( السلجوقي ) أن مصالح العباد والبلاد منوطةٌ بمحْو آثارهم وإخرابِ ديارهم وملك حصونهم وقلاعهم ، وكان في أيامه المقدّم عليهم والقيِّم بأمرهم الحسن بن الصّباح الرازي ، صاحب قلعة ( ألموت ) ، وكانت أيامه قد طالتْ ، فقد ملك القلعة ما يُقارِب ستًّا وعشرين سنة ، وكان المجاورون له في أقبح صورةٍ ، مِنْ كثرة غزاته لهم وقتْله رجالهم ، فسيَّر السلطانُ له العساكر بقيادة أنوشتكين ، فملك عدَّةَ قِلاعٍ منهم ، ثم سار إلى ( ألموت ) وحاصرهم أشهرًا، وهم يُراوٍغون لأخذ الأمان وترك القلعة ، ولكن هذا القائد استمرّ في حصارهم ، ثم جاء الخبر بوفاة السلطان محمد ، فتفرَّقتِ العساكر عنه ولم تُفتح القلعة))(٣). وفي عهد السلطان سنجر (٥٢١ ) أوقع بالباطنية في ( ألموت ) وقتل منهم خلقًا كثيرًا. إن محو آثار هؤلاء المجرمين من بشائر العودة ، فقد استراح المسلمون من شرِّهم ، بل استراحِ العالم كلُّه ، وبقاؤهم يُعتبر شوكةً في حلوق المسلمين ، فهم أبدًا مع كلِّ عدوٌّ (١) خطط الشام محمد كرد علي ٢ / ٣ . (٢) الكامل ١٠ / ٦٥٦ . (٣) الكامل ١٠ / ٦٥٧ . بعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ١٢٩ صلاحِ الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس خارجيّ ، وأمَّا في الداخل فهم يُزعزِعون الأمن والطُّمأنينة ، فيعيش الناس في خوفٍ ورعب ، فهم أشدُّ خطرًا من المنافقين على وحدة الصَّفّ الإِسلامي ، وقد قام السلاجقة وأمراؤهم بخيرِ عملٍ عندما لاحقوهم في معاقلهم ، وقصدوا لهم كل مرصد ، فجزاهم الله خيرًا . المُقتفي لأمر الله : أمير المؤمنين أبو عبد الله ، محمد بن المستظهر بالله . قال الذهبي في ((السير)) (٢٠ / ٤٠٠ - ٤٠١): ((كان المقتفي عاقلًا لبيبًا ، عاملًا مهيبًا، صارمًا، جوادًا، محبًّا للحديث والعلم، مُكرِمًا لأهله ، وكان حميدَ السيرة ، يرجع إلى تديُّنٍ وحُسنٍ سياسةٍ ، جدّد معالم الخلافة ، وباشر المهمّات بنفسه ، وغزا في جيوشه . قال أبو طالب بن عبد السميع : كانت أيامه نَضِرة بالعدل ، زَهِرَةً بالخير ، وكان على قدمٍ من العبادة قبل الخلافة ومعها ، ولم يُر مع لِينِهِ بعد المعتصم في شهامته مع الزُّهْد والوَرَعِ، ولم تزل جيوشه منصورة)). رأى المقتفي في منامه - قَبْلَ أن يستخلف بستة أيامٍ - رسول الله عَِّ يقول له: سيصل هذا الأمر إليك، فاقْتَفِ بي. فلذا لُقِّبَ: المقتفي لأمر الله(١). الملك عماد الدين الأثابك زنكي وَالِد ((نور الدين محمود زنكي)): ابن الحاجب قسيم الدولة آق سنقر صاحب حلب . كان والده آق سنقر، كما قال عنه ابن كثير: (( من أحسن الملوك سيرة وأجودِهم (١) السير ٢٠ / ٤٠١ . ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس ١٣٠ سريرة )) (١). فوَّض السلطان محمود بن ملكشاه شحنكيَّة(٢) بغداد إلى الأتابك سنة ٥٢١ هـ . استولى الأتابك على البلاد وعظُم أمره، « وافتتح الرُّها ، وتملَّك حلب والموصل وحماة وحمص وبعلبك وبانياس ، واستنقذ من الفرنج كفرطاب والمعرة ، ودوّخهم ، وشغلهم بأنفسهم ودانتْ له البلاد. وكان بطلًا شجاعًا مقدامًا كأبيه ، عظيم الهيبة ، وكان يُضرب بشجاعته المَثَل ، لا يقرّ ولا ينام ، فيه غَيْرة حتى على نساء جنده . عمَّر البلاد ، ودخل حلب ورتّب أمورها ، وافتتح مدائن عدَّة ، ودَوَّخ الفرنج ، وكان أعداؤه محيطين به من الجهات ، وهو ينتصف منهم ويستولي على بلادهم))(٣). (( في أول أمره استطاع زنكي - رحمه الله - بفترةٍ قصيرة توحيدَ أكثر أقاليم الجزيرة ، ولمَّا رأى الفرنجة والرومُ ما فَعَلَه عماد الدين ببلاد الشام ، قَّروا حَصْرَ حلب ، ولم يَرَ زنکي مُنَازَلَتھُم بکثرتھم ، بل نزل قريبًا منهم لمناوشتهم ، وأرسلَ القاضي كمال الدين الشهرزوري إلى السلطان مسعود في بغداد ، يُخبره بالواقع ويطلب النجدةَ ، فقال القاضي محذِّرًا: ((إذا جاءت عساكر السلطان، اتّخذُوا هذا حُجَّةً وملكوا البلاد )). فقال زنكي: ((إن هذا العدوّ قد طمع فَّي، وإن أخَذَ حلب لم يَبْقَ بالشام إسلامٌ، وعلى كل حالٍ فالمسلمون أُوْلَى بها من الكفار )) (٤). (١) البداية والنهاية ١٢ / ١٥٧. (٢) يُقصد بها رئاسة الشَّحْنَة، والشحنة: هم من يسمَّوْن الآن الشرطة . (٣) السير ٢٠ / ١٨٩ - ١٩١ . (٤) الروضتين في أخبار الدولتين ١ / ٣٥ . بعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس ١٣١ وصار الفرنجة بإزاء رَجُلٍ قويٌّ يستطيع حشد الجيوش والأموال ، وعندما استقرّ له الحال، ورأى أنه قد مَهَّد الأُمور ، عند ذلك قَرّر مُجَابَهَة الفرنجة، وبدأ بحصن ((الأثارب)) الذي يقع بين حلب وأنطاكية ، وذلك لشدَّة ضرره على المسلمين ، وحاصر الحصنَ وخرج له الصليبيون بخيلهم ورجلهم ، وكان النصر للمسلمين ، وهي أول وقعةٍ معهم ، وخاف أهل قلعة حارم فصالحوه ، ومن هنا استدار الزمان ، وقوي المسلمون بتلك الأعمال ، وضعفت قُوَى الكافرين ، وعلموا أن البلاد جاءها ما لم يكن بالحسبان (( وصار قُصاراهم حِفْظ ما في أيديهم بعد أن كانوا قد طمعوا في ملْك الجميع )) . وفي سنة ٥٣٢ جاء الروم بجيش عظيم ومعهم الفرنجة ، واستولوا على البلاد المحيطة بحلب ، ثم حصروا مدينة شيزر ، وجاء زنكي ونزل على حماة ، وكان كلَّ يومٍ يُرسل السَّرايا يتخطَّف من الروم ، ثم يعود آخر النهار، وأرسل إلى العدو يقول لهم: (( إنكم قد تحصَّتم بهذه الجبال ، فاخرُجُوا عنها إلى الصحراء حتى نلتقي )) . وهو يفعل ذلك ترهيبًا لهم ، فأشير على الملك بلقائه ، فألقى الله تعالى في قلبه الرعب من ذلك ، وقال لهم: «أتظُنّون أن معه من العساكر ما تروْن، وله البلاد الكثيرة ، وإنما هو يُريكم قِلَّةَ مَنْ معه لتطمعوا، وتُصْحِرُوا له ، فحينئذٍ تَرَوْنَ من كثرةٍ عسكره ما يُعجزكم )). ورحل ملك الروم مُؤْثِرًا السلامة، وَتَرَكَ المجانيق وآلات الحصار بحالها ، فسار زنكي ، فظفر بطائفةٍ منهم في ساقة (١) العسكر ، فغنم منهم وقتل، وأسرَ وأخَذَ جميع ما خلَّفوه . ونزل إلى حصن عرقة وهو من أعمال طرابلس ، فحصره ، وفَتَحَّهُ عنْوَةً ، ونهبَ ما فيه ، (١) ساقة العسكر : مؤخّرة العسكر . ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس ١٣٢ وأسَرَ مَنْ به من الفرنج وأخْرَبَهُ ، وعاد سالمًا غانمًا . وفي سنة ٥٣٤ هـ سار زنكي إلى بلاد الفرنج وأغار عليها ، واجتمع ملوكُ الفرنج وساروا إليه فَلَقِيهم بالقُرب من ((حصن بارين))(١) ، فصبر الفريقان صبرًا لم يُسمع بمثله إلّا ما يُحكى عن ليلة الهرير ((القادسية))، ونصر الله المسلمين ، وهرب ملوكُ الفرنج وفرسانُهم ، فدخلوا حصن بارين ، وفيهم ملك القدس ، وأسلموا عدَّتهم وعتادهم ، وكثُر فيهم الجراح . وسار زنكي إلى حصن بارين ، فَحَصَرَه حصارًا شديدًا ، وتسلّم حصن بارين بالأمان ، واستراح المسلمون ما بين حلب وحماة من شرِّهم ، فقد كان حصن بارين من أضرّ بلاد الفرنج على المسلمين ، فإن أهله كانوا أخربوا ما بين حماة وحلب من البلاد ونهبوها ، وانقطعت السبل ، فأزال الله تعالى بزنكي هذا الضررِ العظيم . وكان في نية زنكي توحيد بلاد الجزيرة تحت قيادته حتى يتمكّن من مجابهة الأعداء ، فسار إلى بلاد الهكارية ، وكانت بيد الأكراد فأخذها، ثم بلاد ((آق))، وكلّ هذا كان تمهيدًا للقيام بأعظم أعماله وهو فتح (( الُّها)). فَتْح ((الرُّها)) سنة ٥٣٩هـ : قرَّر زنكي مُحاصَرَة هذه المدينة ، وكانت تحت حُكم الصليبيين ويتملكها ((جوسلين))، وكان على المسلمين من الفرنج الذين بها شرٌّ عظيمٌ، فحاصرها زنكي ثمانيةً وعشرين يومًا ، وألحَّ في حصارها، حتى فَتَحَهَا عَنْوَةً في جمادى الآخرة، فاستباحها ، ونكَّس صُلبانها ، وأباد قُسُوسَها ورُهبانها ، وقتل شجعانَها وفرسانَها ، وملأ الناس أيديهم من النَّهْب والسَّلْب ، وعادتِ المدينةُ إلى حُكم الإِسلام ، وهي من أشرف المدن عند النصارى ، واستولى (١) غربي حماة. https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٣٣ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس زنكي على ما كان بيد الفرنج من المدن والحصون والقرايا، كـ((سروج)) وغيرها ، وأخلى الديار الجزيريّة من مَضَّة الفرنج وشرِّهم ، وأصبح أهل تلك البلاد بعد الخوف آمنين ، وكان فتحًا عظيمًا ، طار في الآفاق ذِكْرُه ، وطاب بها نَشْرُه ، وشهده خَلْقٌ كثيرٌ من الصالحين والأولياء ، وقال بعضهم : رأيت زنكي في المنام ، بعد موته ، بأحسنٍ حالٍ ، فقلت له : ما فعل الله بك ؟ فقال : غَفَرَ لي . فقلتُ : بماذا ؟ فقال : بفتح الرُّها . فرحم الله زنكي ، فقد كان كما وَصَفَهُ ابنُ كثير: (( من خيار الملوك وأحْسَنِهِم سيرةً، كان شجاعًا مقدامًا حازمًا)). ((وهو الذي بدأ بجهاد الصليبيين ، وعادتِ الثقةُ إلى نفوس المسلمين ، ولكن التجديد الجهاديّ كان على يد ابنه نور الدين محمود بن زنكي))(١). لَيْثُ الإِسلام ، صاحب الشام ، الملك العادل ، أبو القاسم نور الدين محمود بن زنكي : قال الذهبي عنه في ((السير)) ٢٠ / ٥٣٢ - ٥٣٩: وكان نورُ الدين حاملَ رايَتَي العدلِ والجهادِ ، قَّ أن ترى العُيُونُ مثلَهُ ، حاصَرَ دمشقَ ، ثم تملكها ، وبقي بها عشرين سنةً . افتتح أولًا حصونًا كثيرة ، وفامية ، والراوندان ، وقلعة إلبيرة ، وعزاز ، وتل باشر ، ومرعش ، وعين تاب ، وهزم البرنسَ صاحبَ أنطاكية ، وقَتَلَهُ في ثلاثة آلاف من الفِرنج ، وأظهر السُّنَّة بحلب ، وَقَمَعَ الَرَّافضةَ. وبنى المدارسَ بحلب وحمصَ ودمشقَ وَبَعْلَبَكَّ والجوامعَ والمساجدَ، وسُلِّمت إليه دمشقُ للغَلاء والخوفِ، فحصَّنها، ووسَّع أسواقَها ، وأنشأ المَارستان ودارَ الحديثِ والمدارسَ ومساجدَ عدَّةً ، وأبطل المكُوسَ من دار بطيخ وسوقِ الغنم والكيالة وضمان النهر والخمر ، ثم أخذ (١) أيعيد التاريخ نفسه - لمحمد العبدة . ص ٧٩ - ٨٠ . تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٣٤ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس من العدوِّ بانياس والمُنَيطِرة ، وكسر الفرنجَ مراتٍ ، ودَوَّخَهم ، وأذلَّهم . وكان بطلًا شُجاعًا، وافَرَ الهَيبة، حسنَ الرمي، مليحَ الشَّكلِ ، ذا تعبُّدٍ وخوفٍ وورعٍ ، وكان يتعرّضُ للشهادةِ ، سمعه كاتبُه أبو اليُسر يسألُ اللهَ أن يحشُرَهُ مِن بطونِ السِّباعِ وحواصِلِ الطير . وبنى دارَ العدل، وأنصفَ الَّعِيَّة، ووقفَ على الضُّعفاءِ والأيتامِ والمُجاورِينَ ، وأمر بتكميلِ سُورٍ المدينةِ النبويَّة ، واستخراجِ العينِ بأُحُد ، دَفَهَا السَّيْلُ ، وفتحَ دَرْبَ الحجاز ، وَعَمَّر الخوانِقَ والرُّبُط والجسورَ والخاناتِ بدمشق وغيرِها . وكذا فعلَ إذ ملكَ حَرَّانَ وَسِنْجَارَ والرُّها والرَّقَّة وَمَنْبِج وَشَيْزَر وحمص وحماة وَصَرْخد وبعلبَكَّ وَتَدْمُرَ . ووقفَ كُبًا كثيرةً مثمّنةً، وكسر الفِرَنج والأرمنَ على حارِم، وكانوا ثلاثين ألفًّا، فقلّ مَنْ نجا ، وعلى بانياس . وكانت الفرنجُ قد استضَّتْ على دمشقَ ، وجعلوا عليها قطيعةً ، وأتاهُ أمير الجيوش ((شاور)) مُستجيرًا به، فأكرمهُ، وبعثَ معه جيشًا ليُردَّ إلى منصبِهِ ، فانتصر ، لكنَّه تخابثَ وتلاءمَ ، ثم استنجَد بالفِرنجِ ، ثم جهّز نورُ الدين - رحمه اللهُ - جيشًا لَجِبًّا مع نائبه أسدِ الدين شِيركُوه ، فافتتح مصرَ ، وَقَهَرَ دولَتها الَّافِضِيَّةَ ، وهربت منه الفِرِنجُ ، وَقُتِلَ شاور ، وَصَفَتِ الديارُ المصريةُ لِشيركُوه نائبِ نور الدين ، ثم لصلاحِ الدين ، فأباد العُبيديِين ، واستأصلَهم ، وأقام الدعوةَ العبّاسية . وكان نورُ الدين مليحَ الخطِّ ، كثيرَ المُطالعة ، يُصلِّي في جماعةٍ ، ويصومُ ، ويتلُو ويُسَبِّح، ويتحرَّى في القُوت، ويتجنَّبُ الكِبر، ويتشبَّهُ بالعُلماءِ والأخيارِ . ذَكَرَ هذا وَنَحْوَهُ الحافظُ ابنُ عساكر ، ثم قال : روى الحديثَ، وأسمعهُ بالإِجازةِ ، وكان مَنْ رَآهُ شاهَدَ من جَلَالِ السَّلْطَنَةِ وَهَيبةٍ المُلْكِ ما يَبْهَرُهُ، فإذا فاوضَهُ ، رأى من لطافَتِهِ وتواضُعِه ما يُحِّره . حكى من صَحِبَه حَضَرًا وَسَفَرًا، أنه ما سمع منه كلمةَ فُحشٍ في رضاهُ ولا في تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://web1essam.blogspot.com/ https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس ١٣٥ ضَجَره ، وكان يُواخي الصالحينَ ، وَيَزُورهم، وإذا احتلَم مماليكُه أَعْتَقَهُم ، وزوَّجهم بجواريه ، ومتى تشكَّوْا من وُلاته عزلَهُم ، وغالب ما تملَّكه من البُلدان تسلَّمه بالأمان ، وكان كلَّما أخذ مدينةً ، أسقطَ عن رعيَّتِهِ قِسطًا . وقال أبو الفرج ابنُ الجوزي : جاهَدَ ، وانتزَع من الكُفَّار نَيِّفًا وخمسين مدينةً وَحِصْنًا ، وبنى بالموصلِ جامعًا غَرِمَ عليه سبعين ألف دينارٍ ، وَتَرَكَ المُكُوسَ قَبْلَ موتِهِ، وبعث جُنودًا فتحوا مصرَ ، وكان يميلُ إلى التَّواضُعِ وحُبِّ العُلماءِ والصُّلَحَاء ، وكاتبني مِرارًا، وعزمَ على فتحِ بيت المَقْدِس ، فتُوفِّي في شوال سنةً تسعٍ وستين وخمسمائة . وقال المُوفّقُ عبدُ اللطيف : كان نورُ الدين لم ينشَفْ له لِبْدٌ من الجهادِ ، وكان يأكُل من عَمَل يدِهِ ، يَنْسَخُ تارةً ، ويعملُ أغلافًا تارة ، وَيَلْبَسُ الصُّوفَ ، ويُلَازِمُ السّجّادةَ والمُصحف ، وكان حنفيًّا يُراعي مذهبَ الشافعّ ومالك ، وكان ابنُهُ الصالحُ إسماعيلُ أحْسَنَ أهلِ زمانِهِ . وقال ابنُ خلِّكان(١): ضُرِبَتِ السِّكَّةُ والخُطبةُ لنور الدين بمصر ، وكان زاهدًا عابِدًا، مُتَمسِّكًا بالشَّرْعِ، مُجاهدًا، كثيرَ البِرّ والأوقافِ ، له من المناقب ما يستغرِقُ الوصفَ ، تُوفي في حادي عشر شوال بقلعة دمشق بالخوانيق ، وأشاروا عليه بالفَصْدِ ، فامتنعَ ، وكان مَهِيبًا فما رُوجِعَ ، وكان أسمر طويلاً، حَسَنَ الصُّورةِ ، ليس بوجههِ شَعْرٌ سوى حَنَكِه ، وَعَهِد بالمُلك إلى اينِهِ وهو ابنُ إحدى عشرة سنة . وقال ابنُ الأثير(٢) : كان أسمرَ ، له لحيةٌ في حنكِه ، وكان واسعَ الجبهة ، حسنَ الصُّورة ، حُلْوَ العَينين، طالعتُ السِّير ، فلم أرَ فيها بَعْدَ (١) وفيات الأعيان ٥ / ١٨٥، ١٨٧، ١٨٨. (٢) الكامل ١١ / ٤٠٣ . ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٣٦ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد السادس الخُلفاء الراشدين وعُمر بنِ عبد العزيز أحْسَنَ من سيرتِهِ ، ولا أكثر تحرِّيًا منه للعَدْلِ ، وكان لا يأكُلُ ولا يَلَبَسُ ولا يتصرّفُ إلا من مُلكِ له قد اشتراهُ من سهمِهِ من الغَنيمة ؛ لقد طلبتْ زوجتهُ منهُ ، فأعطاها ثلاثةَ دكاكين ، فاستقلَّتْها ، فقال : ليسَ لي إلا هذا ، وجميعُ ما بيدي أنا فيه خازِنٌ للمسلمين . وكان يتهجَّدُ كثيرًا ، وكان عارِفًا بمذهبِ أبي حنيفة ، لم يترك في بلادِهِ - على سَعَتِهَا - مَكْسًا ، وسمعت أنَّ حاصل أوقافِهِ في البِرِّ في كلَ شهرٍ یں تسعةُ آلاف دينارٍ صورية . قال له القطبُ النيسابوريُّ : باللهِ لا تُخاطِر بنفسِكَ ، فإن أُصبتَ في معركةٍ ، لا يبقى للمُسلمين أحدٌ إلا أخَذَهُ السيفُ . فقال: وَمَن محمودٌ حتى يُقالَ هذا؟! حَفِظَ اللهُ البلادَ قَبلي ، لا إله إلا هو . قلت : كان دَيًَّا تقيًّا ، لا يرى بذلَ الأموالِ إلا في نفعٍ ، وما للشُّعراءِ عنده نَفاقٌ . وفيه يقولُ أسامةُ : لَهُ فَكُلٌّ على الخَيراتِ مُنْكَمِشُ سُلطانُنا زاهدٌ والناسُ قد زَهِدُوا من المعاصي وفيها الجوعُ والعَطَشُ أيامُه مِثْلُ شهرِ الصَّومِ طاهِرَةٌ قال مجدُ الدين ابنُ الأثير في نَقْلِ سِبط الجَوْزِيِّ عنه : لَمْ يَلْبَس نورُ الدين حريِرًا ولا ذَهبًا، وَمَنَعَ من بيعِ الخمرِ في بلاده - قلتُ : قد لبسَ خِلعةَ الخليفةِ والطَّوقَ الذَّهب - قال : وكان كثيرَ الصَّومِ ، وله أورادٌ في الليل والنهارِ ، وَيُكثِرُ اللَّعِبَ بالكُرة، فأنكَر عليه فقيّرٌ، فكتبَ إليه : واللهِ ما أقصِدُ اللعبَ ، وإنما نحنُ في ثَغْرٍ ، فربما وقعَ الصوتُ ، فتكونُ الخيل قد أُدْمَنَتْ على الانعطافِ والكرِّ والفرِّ . وأُهديت له عِمامةٌ من مصرَ مُذهَّبةٌ ، فأعطاها لابنٍ حَمُّويه شيخِ الصوفية ، فبيعتْ بألف دينار . https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس ١٣٧ قال(١): وجاءَّهُ رجلٌ طَلَبَهُ إلى الشَّرْعِ، فجاء معه إلى مجلسٍ كمالِ الدينِ الشَّهرزوري ، وتقدَّمه الحاجبُ يقولُ للقاضي : قد قال لكَ : اسْلُكْ معه ما تَسْلُكُ مع آحادِ الناسِ . فلمَّا حضَر سَوَّى بينَه وبين خَصْمِهِ ، وتحاكما ، فلم يثبت للرجُلِ عليه حقٍّ ، وكان مِلْكًا ، ثم قال السلطانُ : فاشهدوا أني قد وهبتُه لَهُ . وكان يَقْعُدُ في دار العدلِ في الجُمُعة أربعةً أيام، ويأمُرُ بإزالةٍ الحاجبِ والبوّابين ، وإذا حضرتِ الحربُ ، شدَّ قوسيْنٍ وتَرْ كَاشَيْنُ(٢)، وكان لا يَكِلُ الجُندَ إلى الأُمراء، بل يُباشِرُ عَدَدهم وخُيولَهم ، وأَسَرَ إفرنجيًّا، فاقْتَكَّ نفسَهُ منه بثلاثمائة ألف دينار ، فعند وصولِه إلى مأمنِه ماتَ ، فبنى بالمالِ المارستانَ والمدرسةَ . قال العمادُ في (( البرقِ الشامي)): أكْثَرَ نورُ الدين عامَ موتِه من البِرّ والأوقافِ وعِمارة المساجد ، وأسقطَ ما فيه حرام ، فما أبقى سوى الجِزية والخَراجِ والعُشْرِ، وكَتَب بذلكَ إلى جميعِ البلاد ، فكتبتُ له أكثر من ألفٍ منشور . قال : وكان له بِرَسْمِ نفقةٍ خاصَّة في الشهر من الجزية ، ما يبلُغُ ألفي قرطاسٍ ، يَصْرِفُها في كسوتِه ومأكولِه وأُجرة طبَّاخِه وخيَّطِه، كلّ ستين قرطاسًا بدينارٍ . قال سبطُ الجوزي(٣) : كان له عجائزُ، فكان يَخِيطُ الكوافي ، ويعملُ (١) في ((مرآة الزمان)) ٨ / ١٩٣ و١٩٤ و١٩٥. (٢) التركاش: كلمة فارسية ، معناها : الجعبة . معجم الألفاظ الفارسية المعربة صـ ٣٦. (٣) في ((مرآة الزمان)) ٨ / ١٩٧. ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس ١٣٨ السكاكر(١)، فَيِبِعْنَها له سرًّا ، ويُفطِرُ على ثمنها . قال ابنُ واصل : كان من أقوى الناس قلبًا وبَدَنًا ، لم يُرَ على ظهر فرسٍ أحدٌ أشدَّ منه ، كأنما خُلق عليه لا يتحرّكُ ، وكان من أحسن الناسِ لعبًّا بالكُرة ، يجري الفرسُ ويخطِفُها من الهواء ، ويرميها بيده إلى آخرِ المَيْدان ، ويُمسِك الجُوكان(٢) بكُمِّه، تهاوُنًا بأمره، وكان يقولُ: طالما تعرّضْتُ للشَّهادة ، فلم أُدْرِكُها . قلتُ : قد أدركَها على فراشِه ، وعلى ألسنةِ الناسِ : نورُ الدين الشهيدُ . والذي أسقطَ من المُكُوسِ في بلادِه ذكرتُه في (( تاريخنا الكبير )» مُفَصَّلًا ، ومبلغه في العام خمسمائة ألف دينار ، وستة وثمانون ألف دينار ، وأربعة وسبعُون دينارًا من نَقْد الشام، منها على الرّحبة ستة عشر ألف دينار، وعلى دمشق خمسون ألف وسبعمائة ونَّيِّف ، وعلى المَوْصِلِ ثمانيةٌ وثلاثون ألف دينار وعلى جَعْبَر سبعةُ آلاف دينار ونَيِّف، وفي الكتاب : فأيقَنُوا أنَّ ذلك إنعامٌ مُستمرّ على الدُّهور ، باقٍ إلى يوم النُّشُور ، فـ ﴿ گُلُوا من رِزْقِ رّكُم واشگُروا له بَلْدَةٌ طَيَِّةٌ وَرَبُّ غَفُورٍ﴾ [سبأ: ١٥]. ﴿ فَمَنْ بِدَّلَهُ بعدَ ما سَمِعَهُ فإِنَّمَا إِثْمُهُ [ البقرة: ١٨١ ]. وكتب في رجب سنة سبعٍ وستين على الذين يُيَدِّلُونَهُ ﴾ وخمسمائة . (١) في كتب اللغة: السِّكْر: ما يسدّ به النهر ونحوه والمُسَنَّة، وكل ما يُسَدّ من شقٍّ أو بثق . والجمع : سُكُور . وقد يكون المراد المزلاج الذي يُوضع خلف الباب لإغلاقه ، ولا زال أهل الشام إلى يومنا هذا يستعملون كلمة السُّكر للمزلاج . وفي مرآة الزمان : ويعمل الكساكير للأبواب . (٢) الجوكان : كلمة فارسية ، وهي عصا لعبة الكولف ، وكل عصا معكوفة ، وتعريبها : الصولج والصولجانة . انظر : معجم الألفاظ الفارسية المعربة ص١٠٩. https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد ttps://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس ١٣٩ قال سبطُ الجوزي(١): حكى لي نجمُ الدين بنُ سلام عن والدهِ أَنْ الفِرِنجَ لمَّا نَزَلَتْ على دِمياط ، ما زال نورُ الدين عشرين يومًا يصومُ ، ولا يُفِطُرُ إلا على الماءِ ، فضعُفَ وكاد يَتْلَفُ ، وكان مَهِيبًا، ما يجسُرُ أحدٌ يخاطِبهُ في ذلك ، فقال إمامُه يحيى: إنه رأى النبَّ عَ ◌ّهِ في النومِ يقولُ: يا يحيى، بشِّر نورَ الدِّين برحيلِ الفِرَنجِ عن دمياط . فقلتُ : يا رسولَ الله ، ربما لا يُصَدِّقُني. فقال: قُل له : بعلامةِ يومِ حارِم. وانتبه يحيى، فلمَّا صلّى نورُ الدين الصُّبْحَ ، وشرع يدعُو ، هابه يحيى، فقال له : يا يحيى، تُحدِّثُني أو أُحدِّثك؟ فارتعدَ يحيى، وخرس، فقال: أنا أُحدِّثك، رأيتَ النبَّ عَ ◌ّه هذه الليلةَ ، وقال لك كذا وكذا . قال : نعم . فبالله يا مولانا ، ما معنى قوله : بعلامةِ يومِ حارِم ؟ فقال : لمّا التقينا العَدُوَّ ، خِفْتُ على الإِسلام ، فانفردتُ ، ونزلتُ ، ومَرَّغتُ وجهي على التُّراب ، وقُلت : يا سيدي ، مَنْ محمودٌّ في البين ، الدِّينُ دينُك، والجُنْدُ جندُك، وهذا اليوم افْعَلْ ما يَلِيق بكَرَمِك . قال : فنصرنا اللهُ عليهم . نور الدين محمود زنكي هو وصلاح الدين يُمثّلان التجديد الجهادي في عصرهما : من أراد معرفة فضل السلطان نور الدين وأثره وجهاده ، وأنه يمثّل هو وصلاح الدين التجديد الجهادي في عصرهما ، فليُطالع معنا ما قاله أبو شامة عن سبب اهتمامه بتاريخ هاتين الدولتين ( النُّورِيَّة والصَّلاحيَّة )، يقول أبو شامة عن نور الدين: (( أطربني ما رأيتُ من آثاره وسمعت من أخباره مع تأخّر زمانه ، ثم وقفتُ بعد ذلك على سيرة سيِّد الملوك بَعْدَه الملك الناصر صلاح الدين ، فوجدتُهما في المتأخِّرِين كالعُمَرَيْن رضي الله عنهما (١) مرآة الزمان ١٩٩/٨، ٢٠٠. ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد السادس ١٤٠ في المتقدِّمِين ، فلله دَرُّهُما مِنْ مَلِكَيْن تعاقبا على حُسن السِّيرة وجميل السَّريرة ، والفضل للمتقدِّم - نور الدين - فإنه أصْل ذلك الخير كلّه ، مهّد الأمور بعدله وجهاده وهيبته في جميع بلاده، ولكن صلاح الدين أكْثُر جهادًا وأَعَمّ بلادًا، صَبَرَ وصابر، وذَخر اللهُ له من الفتوح أنْفَسَهُ، وهو الذي فتح الأرضَ المقدَّسة (١) . لم يكن الجهاد عند نور الدين حلَّا مؤقّتًا أو مصلحةً تقتضيها الظروف ، بل كان الأصل هو الاستعداد للجهاد وغزو الكفار ، فقد عاتب نورُ الدين السلطانَ قلج أرسلان السلجوقي الذي كان يحكم ملطية وسيواس وأقصرا من بلاد الأناضول المُجاورة للروم ؛ عاتبه لأنه يحاول التَّسُّط على بلاد الإسلام ، ولا يُقاتل الروم، وقال له: (( أنت مجاورٌ للروم ، ولا تغزوهم ! وبلادُك قطعةٌ كبيرة من بلاد الإِسلام ، ولا بُدَّ من الغَزَاةِ معي ))(٢) . وفي إحدى عزماته لقتال الصليبيين ، أرسل إلى أخيه قطب الدين صاحب الموصل، وإلى صاحب حصن (( كيفا )) وصاحب ماردين ، فاستجابوا له ، أمَّا صاحب حصن كيفا فقد قال له أصحابه : على أي شيء عزمتَ ؟ قال : على القعود ، فإن نور الدين يُلقي نفسه والناس في المهالك . فوافقوه على رأيه ، فلمَّا كان الغد أمر بالتَّجُّز للغزاة ، فقال له أولئك : ما عدا ممَّا بدا ؟ فارقناك أمس على حالةٍ ، فنرى اليوم ضدَّها . قال : إن نور الدين قد سَلَكَ معي طريقًا، إن لم أُنجده ، خرج أهلُ بلادي عن طاعتي ؛ فإنه قد كاتبَ زُمَّادها وعُبَّدها ، يذكر لهم ما لقي المسلمون من الفرنج ، ويستمدُّ منهم الدعاء ، ويطلب إليهم أن يحثُّوا المسلمين على الغزاة ، (١) الروضتين في أخبار الدولتين ٤/١. (٢) الكامل ٣٩٢/١١. https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد