النص المفهرس

صفحات 281-300

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السابع
٢٨١
أخي :
((إذا رأيتَ النفوس المبطلة الفارغة من الإرادة والطلب لهذا الشأن قد
تشبّث بها هذا العالمُ السفلي ، وقد تشبثت به ؛ فَكِلْها إليه ؛ فإنه اللائق بها
لفساد تركيبها، ولا تنفس عليها ذلك، فإنه سريع الانحلال عنها، ويبقى تشبّثُها
به مع انقطاعه عنها عذابًا عليها بحسب ذلك التعلّق ، فتبقى شهوتها وإرادتها فيها
وقد حيل بينها وبين ما تشتهي ، على وجهٍ يئست معه من حصول شهوتها ولذَّتها .
فلو تصوَّر العاقل ما في ذلك من الألم والحسرة ؛ لبادَر إلى قَطْع هذا التعلق، كما
يبادر إلى حَسْم مواد الفساد . ومع هذا فإنه ينال نصيبه من ذلك ، وقلبه وهمُّه
متعلّق بالمطلب الأعلى والله المستعان ))(١) .
أخي :
إن الطبع الردي لا يليق به الخير .. هذه الخنفساء إذا دُفنت في الورد لم
تتحرَّك، فإذا أُعيدَت إلى الرّوَث رتعت، وما يكفي الحية أن تشرب اللبن حتى
تمجَّ سمَّها فيه؛ وكُلّ إلى طبعه عائد .
يا أطفال الهوى ، أين أنتم والرجال ؟!
لمن أُصَفِّي وأَصِف ؟ أفي عزمك اتباعي فأقف ؟ الليل يضجُّ من طول
نَوْمك، والنهار يستغيث من قبيحِ فِعْلِك .
قد فَيَّد الطَّرْد قدميْك، وعَلَّ الإِبعاد يديْك، أفما لك عين تبكي عليْك؟!
إذا كان ممنوعًا سبيل المواردِ
وفي نظر الصادي إلى الماء حسرة
(١) الفوائد صـ ١٧٩ لابن القيم .
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
الفصل الثامن
كَيْفَ تَعْلُو الهِمَمُ ؟؟
ودعْهُ فإِنَّ الشَّوْقَ يكفيكَ حامِلَا
ولا تتخذْ بالسِّيرِ رُفقةَ قاعدٍ
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
.
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السابع
٢٨٥
كيفَ تعلُو الهِمَمُ ؟؟ !ـ
ولعُلِّ الهمَّة ورُقيِّها أسبابٌ .. نذكر منها :
الأول : الإِخلاص :
قال ابن القيم في ((الفوائد)) (صـ ٢٦١): لِقاحُ الهِمَّة العالية: النّيَّةُ
الصحيحة ، فإذا اجتمعا بلغ العبدُ غاية المراد .
ونسيان رؤية المخلوقين بدوام النظر إلى الخالق يَحُثُّ على الأخذ بمعالي
الأمور ، لأن الناقد بصيرٌ . والفقه كلُّ الفقه هو الفقه في مذاهب الإِخلاص
وتصفية العمل من شوائبه .
الثاني : الصدق :
قال ابن القيم في ((الفوائد)) (ص ٢٤٤-٢٤٥): ((ليس للعبد شيء أنفع
من صِدْقِهِ ربَّه في جميع أموره مع صدق العزيمة ، فيصدق في عزمه وفي فعله ؛
قال تعالى: ﴿فإذا عزَمَ الأمرُ فلو صدقوا الله لَكَانَ خيرًا لهم﴾ [ محمد : ٢٢]،
فسعادته في صدق العزيمة وصدق الفعْل ؛ فصدقُ العزيمة : جمعُها وجزْمُها وعدم
التردُّدِ فيها بل تكون عزيمة لا يَشوبها تردُّد ولا تلُّم، فإذا صدقت عزيمته بقي
عليه صدق الفعْل ؛ وهو استفراغ الوُسْعِ وبذْلُ الجهد فيه ، وألا يتخلَّف عنه
بشيء من ظاهره وباطنه ، فعزيمة الصدق تمنعه من ضعْف الإِرادة والهمة ، وصِدْق
الفعْل يمنعه من الكسل والفتور . ومَن صدَق الله في جميع أموره ، صَنَع الله
له فوق ما يصنع لغيره ، وهذا الصدق معنى يلتئم من صحَّة الإِخلاص وصدق
التوكُّل، فأصدق الناس مَن صحَّ إخلاصُه وتوكُّله)).
الثالث : البصيرة :
قال ابن القيم في ((الفوائد)) (٢٦٠-٢٦١): ((العزيمة لقاح البصيرة، فإذا
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٢٨٦
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السابع
اجتمعا نال صاحبهما خير الدنيا والآخرة ، وبلغت به همَّته من العلياء كل
مكان . فتخلّف الكمالات ؛ إما من عدم البصيرة ، وإما من عدم العزيمة .
والصبر لقاح البصيرة، فإذا اجتمعا فالخير في اجتماعهما. قال الحسن:
((إذا شئت أن ترى بصيرًا لا صبر له رأيته، وإذا شئت أن ترى صابرًا لا بصيرة
له رأيته ، فإذا رأيت صابرًا بصيرًا فذاك)).
والبصيرة نور في القلب يُبصر به الوعد والوعيد والجنة والنار ، وما
أعدَّ الله في هذه لأوليائه ، وفي هذه لأعدائه ، فينفتح في قلبه عينٌ يرى بها
ذلك ، ويقوم بقلبه شاهد من شواهد الآخرة يريه الآخرة ودوامها والدنيا
وسرعة انقضائها .
فالبصيرة نور يقذفه الله في القلب ، يرى به حقيقة ما أخبرتْ به الرسل ،
كأنه يشاهده رأي عينٍ ، فيتحقّق مع ذلك انتفاعُه بما دعت إليه الرسل ،
وتضُّره بمخالفتهم .
والبصيرة على ثلاث درجات ، من استكملها فقد استكمل البصيرة ؛
بصيرة في الأسماء ، وبصيرة في الأمر والنهي ، وبصيرة في الوعد والوعيد :
فالبصيرة في الأسماء والصفات : أن لا يتأثر إيمانك بشبهة تعارض ما
وصف الله به نفسه ، ووصَفه به رسوله ، بل تكون الشُّبه المعارضة لذلك عندك
بمنزلة الشُّبه والشكوك في وجود الله ، فكلاهما سواء في البلاء عند أهل البصائر .
وتفاوت الناس في هذه البصيرة بحسب تفاوتهم في معرفة النصوص النبوية وفهمها،
والعلم بفساد الشُّبُه المخالفة لحقائقها .
والمرتبة الثانية : البصيرة في الأمر والنهي : وهي تجريده عن المعارضة
بتأويل أو تقليد أو هوى ؛ فلا يقوم بقلبه شبهة تعارِض العلم بأمر الله ونهيه ،
ولا شهوة تمنع تنفيذه وامتثاله والأخذ به ، ولا تقليد يُريحه عن بذل الجهد في
تلقِّي الأحكام من مشكاة النصوص .
والمرتبة الثالثة : البصيرة في الوعد والوعيد : ومن البصيرة أنك تستدلُ
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السابع
٢٨٧
بتوفيقه لك ، وجَذْبك نفسَك ، وجَعْلِك متمسِّكًا بحبله - على تقريبه لك ،
تشاهد ذلك ليكون أقوى في المحبة والشكر ، وبذْل النصيحة في العبوديّة .
وهذا كله من تمام البصيرة . فمن لا بصيرة له فهو بمعزل عن هذا .
والبصيرة تفجِّر ينابيع المعارف من القلب . وبالبصيرة يُميِّز العبد بين
الحق والباطل ، والصادق والكاذب . وفراسة الصادقين العارفين بالله وأمره
وبصيرتهم متصلة بالله ، متعلقة بنور الوحي مع نور الإِيمان ، تميّز بين ما يحبه
الله وما يُبغضه من الأعيان والأقوال والأعمال ، وتميّز بين الخبيث والطيِّب ،
والمحِقِّ والمُبْطل ، والصادق والكاذب ، ويعرف بها مقادير استعداد السالكين
إلى الله، فحملت كل إنسان على قدر استعداده ، علمًا وإرادة وعملًا.
ففراسة الصادقين وبصيرتهم دائمًا حائمة حول كشْف طريق الرسول
وتعُّفها وتخليصها من بين سائر الطرق ، وبين كشف عيوب النفس ، وآفات
الأعمال العائقة عن سلوك طريق المرسلين. فهذا أشرف أنواع البصيرة والفراسة،
وأنفعها للعبد في معاشه ومعاده)) (١) .
الرابع : العلم :
فَمَن استوى عنده العلم والجهل ، أو كان قانعًا بحاله وما هو عليه ؛
فكيف تكون له همَّة أصلًا فالعلم يرتقي بالهمَّة ، ويرفع طالبه عن حضيض
التقليد ، ويُصفِّي النية .
قال ابن حجر رحمه الله يصف حال الإِمام جلال الدين البلقيني : ((ما
رأيت أحدًا ممَّن لقيته أحرصَ على تحصيل الفائدة منه ، بحيث إنه إذا طَرَق سمْعَه
شيء لم يكن يعرفه؛ لا يَقُّ ولا يهدأ ولا ينام حتى يقف عليه ويحفظه، وهو على
هذا مكِبٌّ على الاشتغال ، محبٌّ في العلم حقَّ المحبة))(٢).
(١) مدارج السالكين ١٢٣/١ - ١٣١.
(٢) الضوء اللامع لأهل القرن التاسع ١٠٩/٤، للحافظ السخاوي .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السابع
٢٨٨
((والعلم يُورث صاحبه الفقه بمراتب الأعمال ، فيتقي فضول المباحات
التي تشغله عن التعبّد ، كفضول الأكل والنوم والكلام ، ويراعي التوازن
والوسطية بين الحقوق والواجبات؛ امتثالاً لقوله عَّه: ((أعطِ كلَّ ذي حقٍّ
حقّه)) ، ويبصِّره بحيل إبليس وتلبيسه عليه ، كي يحول بينه وبين ما هو أعظم
ثوابًا . قال أبو سليمان : يجيئك - أي إبليس - وأنت في شيء من الخير ،
فيشير لك إلى شيء من الخير دونه ليربح عليك شعيرة ))(١).
قال ابن القيم: (( إن السالِك على حسب علْمِه بمراتب الأعمال ونفائس
الكَسْب ؛ تكون معرفته بالزيادة والنقصان في حاله وإيمانه )).
الخامس : اليقظة :
قال ابن القيم رحمه الله : هي انزعاج القلب لروعة الانتباه من رقْدة
الغافلين . ولله ما أنفع هذه الرَّوْعة !! وما أعظم قدرها وخطرها !! وما أشدَّ
إعانتها على السلوك !! فمن أحسَّ بها فقد أحسَّ - والله - بالفلاح ، وإلا فهو
في سكراتِ الغفلة، فإذا تنبَّ شمَّر لله بهمَّته إلى السفر إلى منازله الأولى ، وأوطانه
التي سُبي منها :
منازلُكَ الأولى وفيها المخيَّمُ
فحّ علی جناتِ عددٍ فإنها
نعود إلى أوطاننا ونُسَلِّمُ ؟!(٢)
ولكنَّنا سبي العدوِّ فهل ترى
قال شيخ الإسلام الهروي: ((هي القومة لله المذكورة في قوله: ﴿قل
إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى﴾)). وقال: (( القومة لله
هي اليقظة من سِنَة الغفلة والنهوض من ورطة الفترة ، وهي أول ما يستنير قلب
العبد بالحياة لرؤية نور التنبيه . وهي على ثلاثة أشياء :
لحظ القلب إلى النعمة : على اليأس من عدِّها، والوقوف على
(١) علوُّ الهمة، للشيخ محمد إسماعيل صـ ٣٤٤.
(٢) مدارج السالكين ١٢٣/١.
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السابع
٢٨٩
حدِّها ، والتفُّغ إلى معرفة المنَّة بها ، والعلم بالتقصير في حقِّها)).
((والثاني : مطالعة الجناية ، والوقوف على الخطر فيها ، والتشمير
لتدار كها ، والتخلُّص من رِقُّها ، وطلب النجاة بتمحيصها .
والثالث(١): الانتباه لمعرفة الزيادة والنقصان من الأيام، والتتصُّل من
تضييعها والنظر إلى الظنِّ بها لتدارك فائتها ، وتعمير باقيها)).
أخي :
لا يكون المؤمن العامر القلب إلَّا متحرِّكًا مُحرِّكًا، أمَّا المتباطئ الذي
يَعدُ بالالتحاق بعدما تظهرُ بوادر النجاح ، فإنما يعدُ وْد الضِّعاف .
م. وقدْ ثارتْ لحقّها الأقوامُ
صاحِ ما الحُرّ من يثورُ على الظلْ
اسمٍ فيصميهِ والأنام نِيامُ
إنما الحُرّ من يسيرُ إلى الظلْ
فلا تؤجل الانضواءَ تحت لواءِ الحقِّ ، وإلّا عضضتَ أسِنَّة الندم .
دعا رسول الله عَ ◌ٍّ ((ذا الجوشن الضبابي)) بعد ((بدر))، فقال له :
((هل لك إلى أن تكون من أوائل هذا الأمر؟)) قال: لا. قال: ((فما يمنعُك
منه ؟)) قال: رأيتُ قومك كذَّبوك وأخرجوك وقاتلوك، فأنظر: فإن ظهرت
عليهم آمنت بكَ واتَّبعْتُك ، وإن ظهروا عليك لم أتبعك .. فكان ذو الجوشن
يتوجَّع على تركه الإِسلام حين دعاه إليه رسول الله عَ لّهم(٢).
ويقنع بالگُّونِ مَن کان دونا
إذا ما علا المرءُ رام العلا
السادس : خروجه عن المألوفات والعادات :
وتوطين النفس على مفارقتها ، والغربة بين أهل الغفلة والإِعراض ، وما
على العبد أضُرُّ من ملْك العادات له . وما عارض الكفّار الرسل إلا بالعادات
المستقرّة الموروثة لهم عن الأسلاف الماضين ، فمن لم يوطّن نفسه على مفارقتها
(١) يعني من مراتب اليقظة.
(٢) المنطلق صـ ١٩١ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٢٩٠
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السابع
والخروج عنها والاستعداد للمطلوب منه ، فهو مقطوع ، وعن فلاحه وفوزه
ممنوع : ﴿ولو أرادوا الخروج لأعدُّوا له عدَّةً ولكن كره الله انبعاثهم فنَّطهم
وقيل اقعدوا مع القاعدین
. ()
السابع : التفكّر :
قال ابن القيم : ((إذا استحكمت يقظته أو جبت له الفكرة ، وهو تحديق
القلب إلى جهة المطلوب التماسًا له )).
قال الهروي: (( وهي ثلاثة أنواع : فكرة في عين التوحيد ، وفكرة في
الطائف الصنعة ، وفكرة في معاني الأعمال والأحوال )).
قال ابن القيم: (( الفكرة فكرتان : فكرة تتعلق بالعلم والمعرفة ، وفكرة
تتعلَّق بالطلب والإِرادة . فالتي تتعلّق بالعلم والمعرفة : فكرة التمييز بين الحقِّ
والباطل ، والثابت والمنفي . والتي تتعلق بالطلب والإِرادة : هي الفكرة التي
تميّز بين النافع والضار . ثم يترتب عليها فكرة أخرى في الطريق إلى حصول
ما ينفع فيسلكها ، والطريق إلى ما يضرّ فيتركها .
فهذه ستة أقسام لا سابع لها ، هي مجال أفكار العقلاء))(٢).
((عن سالم بن أبي الجعْد قال: سألت أمَّ الدرداء رضي الله عنهما: ما
كان أفضل عمَل أبي الدرداء ؟ فقالت : التفكُّر .
قال الحسن : التفكُّر مرآةٌ تُريك حسناتك وسيئاتك .
وقال أبو جعفر الأدمي: كان يُقال: الهمّ بالعمل يُورث الفكرة ، والفكرةُ
تُورث العِبْرة ، والعِبرة تورث الحزْم ، والحزم يُورث العزْم ، والعزم يُورث
اليقين ، واليقين يُورث الغِنى، والغنى يُورث الشكر ، والشكر يُورث المزيد ،
(١) مدارج السالكين ١ / ١٤٥ - ١٤٦ .
(٢) مدارج السالكين ١ / ١٤٦ .
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السابع
٢٩١
والمزيد يورث الجنة .
وقال عبد الرحمن بن زيد : ما رأس هذا الدين وصلاحه إلا التفكّر ؛
تتفكر فتنظر أنه أخذ منك قليلًا من العمل ، ورضي به لنفسه ، وهو الربُّ
تبارك وتعالى !! فأنت العبد .. ما كلَّفك من ثنتيْن ، ما كلّفك قدر حقِّه فلا
تطيقُه ، وما كلّفك ما لا تستطيع فقال : اعملْ على قدْر حقِّي .. فأعطاك
الثواب على قدر كرمه وتوسُّعه ، وقَبِلَ منك العمل على ضعْف ابن آدم !!
وقال أحمد بن أبي الحواري: سمعتُ أبا سليمان يقول: إنما يُعاينون (١) إذا
تفكّروا .
قال أحمد بن أبي الحواري : قلتُ لأبي صفوان - عبد الله بن سعيد بن
عبد الملك بن مروان -: أيما أحبُّ إليك : يجوع الرجل فيجلس يتفكر ، أو
يأكل فيقوم فيصلِّي؟ قال: يأكل ويقوم ويتفكّر في صلاته أحبُّ إلَّي، فحدّثتُ
به أبا سليمان فقال : صدق ؛ الفكرة في الصلاة أفضل من الفكرة في غير
صلاة ؛ لأن الفكرة في الصلاة عملان ، وعملان أفضل من عمل .
قال وهب بن منبه: المؤمن مفكِّر مُذَّكر مُزدَجِر، تفكَّر فَعَلَتْه السكينة،
فسَكن فتواضع ؛ قنع فلم يهتمَّ، رفض الشهوات فصار حرًّا ، ألقى الحسد
فصارت له المحبَّة ، زهِد في كل فانٍ فاستكمل العقل ، فقلبه متعلّق بهمِّه، وهمُّه
موكَّل بمعاده ، لا يفرح إذا فرح أهل الدنيا ، بل حزنه سَرْمد ، فهو دهره
محزون ، وفرحُه إذا نامتِ العيون ، يتلو كتاب الله تعالى يردِّده على قلبه ، فمرةً
يَفزع قلبُه ، ومَرَّة تهمل عيناه ، يقطع عنه الليل بالتلاوة ، ويقطع عنه النهار
بالخلوة مفكّرًا في ذنوبه ، مستصغرًا لأعماله . قال وهب : هذا يُنادى يومَ
القيامة في ذلك الجمْع العظيم على رؤوس الخلائق : قمْ أَيُّها الكريم ، فادخلٍ
الجنَّة .
(١) أي يصلون إلى مرتبة الإِحسان ، كأنهم يؤمنون بعد مشاهدتهم الله ومعاينته .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٢٩٢
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السابع
وقال الحسن : أوصيكم بتقوى الله وإدمان الفِكْر ، فإن الفكر أبو كُلٌّ
بِّ وأمُّه، مَفتح خِلالِ الخير كلّه، وبه يَحضر تسديدُ الله عز وجل كلّ موفَّق .
وقال لسفيان بن عيينة: التفكّر مفتاح الرحمة ، ألا ترى أنه يتفكّر
فيتوب ؟!
قال الفُضيْل : كلام المؤمن حِكَم ، وصَمْته تفكّر ، ونَظره عِبرة . إذا
كنتَ كذلك لم تزل في العبادة .. ثم قرأ: ﴿وما خلقتُ الجنَّ والإِنس إلا
ليعبدون ﴾ [ الذاريات : ٥٦ ] .
وقال خليفة العبدي - وكان متعبّدًا -: لو أن الله تبارك وتعالى لم يُعبد
إلَّا عن رؤيةٍ؛ ما عبده أحد ، ولكن المؤمنون تفكّروا في مجيء هذا الليل إذا
جاء ، فملأ كلّ شيء وغطّى كل شيء ، وفي مجيء سلطان النهار إذا جاء ، فمحا
سلطان الليل ، وفي السحاب المسخَّر بين السماء والأرض ، وفي النجوم ، وفي
الشتاء والصيف ؛ فوالله ما زال المؤمنون يتفكَّرون فيما حَلَق ربُّهم تبارك وتعالى
حتى أيقنت قلوبهم بربِّهم عز وجل ، وحتى كأنما عبدوا الله تبارك وتعالى عن
رؤية .
وقال كعبُ الأحبار : من أراد أن يبلغ شرف الآخرة فلْيُكْثِرِ التفكُّرَ ،
يكنْ عالمًا .
وقال وهب بن منّه : ما طالت فكرةُ امرئ قطُّ إلّا فهم ، وما فهم امرؤٌ
قطُّ إلا عَلِم، وما علم امرؤ قط إلا عمل))(١).
الثامن : الاجتهاد في حَصْر الذهْن ، وتركيز الفِكر في مَعالي الأمور :
قال الحسن البصري: ((نفسك إن لم تشغلها بالحقِّ شغلتْك بالباطل)).
((قال ((وليم مولتون مارستن)) المتخصص في علم النفس: ((والعقل
(١) انظر كتاب : العظمة، لأبي الشيخ الأصبهاني . تحقيق : رضا الله بن محمد
المباركفوري صـ ٢٢١ - ٣١٢، دار العاصمة . الرياض .
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السابع
٢٩٣
الإِنساني يصبح أداة مُدهِشة الكفاءة إذا رُكِّز تركيزًا قويًّا حادًّا)).
ونُقل عن ((وليم جيمس)» - وهو أبو علم النفس الحديث - أنه قال :
((إن الفرق بين العباقرة وغيرهم من الناس العاديِّين ليس مرجعه إلى صفة أو
موهبة فطرية للعقل، بل إلى الموضوعات والغايات التي يوجِّهون إليها هممهم،
وإلى درجة التركيز التي يسعُهم أن يبلغوها )).
ثم يقول ((وليم مولتون)): وهذه القدرة تُكتسب بالمرانة ، والمرانة
تتطلب الصبر ؛ فإن الانتقال من الشرود إلى حصْر الذهن حصْرًا بيِّنا محكَمًا -
هو ثمرة الجهد المُلِحّ ، فإن استطعتَ أن تُرُدَّ عقلك مرَّة بعد أخرى وخمسين
مرة ومائة مرة إلى الموضوع الذي اعتزمت معالجته؛ فإنَّ الخواطر التي تتنازعك
لا تلبث أن تخلِّي مكانها للموضوع الذي آثرته بالاختيار ، ثم تلقى نفسك
آخر الأمر قادرًا على حصْر ذهْنك بإرادتك فيما تختار)»(١) .
ويحفل التاريخ الإسلامي بأمثلة عَطِرة :
فالتابعي الجليل قتادة بن دعامة أفناه شغلُه بالعلْمِ عن نفسه ؛ فقد قال
مَّة لغلامه : يا غلام : ناولني نعلي . قال : نعلُك في رجلك .
والإِمام مسلم : كان سبب موته حصْر فَكْره في حديث ؛ قال الحافظ
أبو عمرو بن الصلاح عن الإمام مسلم: (( وكان لموته سبب غريب ، نشأ من
غمرة فكرية علميَّة ، فقرأتُ بنيسابور - حرسها الله ، وسائر ديار الإِسلام
وأهله - فيما انتخبته من ((تاريخها)) للحاكم النيسابوري على الشيخ الزكي أبي
الفتح منصور بن عبد المنعم .
قال أحمد بن سلمة - رفيق مسلم في الرحلة -: عُقِد لأبي الحسين
مسلم بن الحجّاج مجلس للمذاكرة ، فذُكر له حديث لم يعرفه ، فانصرف إلى
(١) علو الهمة، للشيخ محمد إسماعيل صـ ٣٤٧، ٣٤٨ نقلًا عن (( رُوح الصلاة في
الإِسلام)) للشيخ عفيف طبارة صـ ٣٢ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٢٩٤
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السابع
منزله ، وأوقد السراج ، وقال لمن في الدار : لا يدخلنَّ أحد منكم هذا البيت .
فقيل له : أُهديتْ لنا سَلة فيها تمر . فقال: قدِّموها إلَّي، فقدَّموها إليه ، فكان
يطلب الحديث ويأخذ تمرة تمرة يمضغها ، فأصبح وقد فنِي التمر ، ووجد
الحديث . قال الحاكم : زادني الثقة مِن أصحابنا أنه منها مرِض ومات)) (١).
ومن قبله شيخه البخاري :
يقظاتُه ومنامُه شِرَعٌ(٢) كلِّ بَكُلُّ فهوَ مشتبهُ
يتذكر الحديث في منامه ، فهل سمعتَ بشغَف للعلم مثل هذا ؟!
قال محمد بن يوسف البخاري : كنت مع محمد بن إسماعيل البخاري
بمنزله ذات ليلة ، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكر أشياء يُعلِّقها في ليلة
ثمان عشرة مرة (٣) .
وقال محمد بن أبي حاتم الورَّاق : كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر ،
يجمعنا بيت واحد ، إلّا في القيْظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلة واحدة خمس
عشرة مرة إلى عشرين مرة ، في كل ذلك يأخذ القدّاحة فيوري نارًا ويُسرج ،
ثم يُخرج أحاديث فُعلِّم عليها(٤) .
وما قصَّه الإِمام ابن سحنون مع سُرِّيته أمّ مدام - التي ذكرناها في علو
همته في طلب العلم - منا ببعيد ، فارجع إليها ففيها العجب العُجاب !!
والإِمام أبو بكر الباغندي من شغله بالحديث وحصر فكره فيه ؛ قال
عنه عمر بن شاهين: (( قام أبو بكر الباغندي ليصلّي ، فكِبَّر ، ثم قال : أخبرنا
محمد بن سليمان لُوَيْن ، فسبَّحنا به ، فقال : بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد
(١) سير أعلام النبلاء ٥٦٤/١٢، و((صيانة صحيح مسلم من الإِخلال والغلط وحمايته
من الإسقاط والسقط )) صـ ٦٤ .
(٢) الشرع : جمع الشّرّع، وهو المِثْل والشبيه .
تاريخ بغداد ٧/٢، والسير ٤٠٣/١٢ .
(٣)
طبقات السُّبكي ٢٢٠/٢، وتهذيب الكمال ١١٧٠ .
(٤)
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٢٩٥
صلاحِ الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السابع
لله رب العالمين))(١).
والإِمام المحدِّث أبو العباس الأصمّ؛ قال عنه الحاكم: ((حضرتُ أبا
العباس يومًا في مسجده فخرج ليؤذِّن لصلاة العصر ، فوقف موضع المئذنة ،
ثم قال بصوت عالٍ: أخبرنا الربيع بن سليمان، أخبرنا الشافعي .. ثم أذّن))(٢).
ومن قبلهم شيخ بيت النبوة زين العابدين علي بن الحسين رضي الله
عنهما: قال أبو نوح الأنصاري: ((وقع حريق في بيت فيه علي بن الحسين
وهو ساجد ، فجعلوا يقولون : يا ابن رسول الله ، النار . فما رفع رأسه حتى
طُفئت ، فقيل له في ذلك، فقال: ألهتني عنها النار الأخرى))(٣).
التاسع : القصْدُ وصدق الإِرادة :
قال ابن القيم: ((إذا انتبه العبد وأبصر، أخذ في ((القصد)) وصدق
الإِرادة ، وأجمع القصد والنية على سفَر الهجرة إلى الله ، وعِلِمَ وتيقَّن أنه لا بدّ
له منه ، فأخذ في أُهْبَة السفر ، وتعبئة الزاد ليوم المعاد ، والتجُّد عن عوائق
السفر ، وقطع العلائق التي تمنعه من الخروج)) .
قال الهروي: (( الدرجة الأولى : قصد يبعث على الارتياض ، ويخلِّص
من التردُّد ، ويدعو إلى مجانبة الأغراض )).
قال ابن القيم : ((فذكر له ثلاث فوائد : أنه يبعث على السلوك بلا توقُّف
ولا تردُّد ، ولا غير العبودية ، من رياء أو سمعة ، أو طلب محمدة ، أو جاهٍ
ومنزلة عند الخلق )).
قال الهروي: ((الدرجة الثانية : قصد لا يلقى سببًا إلا قطعه ، ولا حائلًا
إلا منعه، ولا تحامُلًا إلا سهَّله)).
(١) سير أعلام النبلاء ١٤ / ٣٩٣ .
المصدر السابق ١٥ / ٤٥٨ .
(٢)
السير ٤ / ٣٩١ - ٣٩٢ .
(٣)
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٢٩٦
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السابع
قال ابن القيم: (( يعني أنه لا يلقى سببًا يُعَوِّق عن المقصود إلا قطعه،
ولا حائلا دونه إلا منعه ، ولا تحاملًا إلا سهَّله)).
قال الهروي: (( الدرجة الثالثة : قصد الاستسلام لتهذيب العلم ،
وقصد إجابة داعي الحكْم )).
قال ابن القيم: (( يريد أنه ينقاد إلى العلم ليتهذّب به ويصلُح ، ويقصد
إجابة داعي الحكْم الديني الأمري كلَّما دعاه ؛ فإن للحكم في كلِّ مسألة
من مسائل العلم مناديًا ينادي للإِيمان بها عِلمًا وعملًا ، فيقصد إجابة داعيها .
ولكن مراده بداعي الحكم : الأسرار والحِكَم الداعية إلى شرع الحكم .
فإجابتها قدر زائد على مجرَّد الامتثال ؛ فإنها تدعو إلى المحبَّة والإِجلال
والمعرفة والحمد ، فالأمر يدعو إلى الامتثال ، وما تضمَّنه من الحِكم والغايات
تدعو إلى المعرفة والمحبَّة )).
العاشر : العزم على الكمالات :
قال ابن القيم في ((الفوائد)) (صـ ٢٦٠): ((العزم لقاح البصيرة،
فإذا اجتمعا نال صاحبهما خير الدنيا والآخرة ، وبلغت به همته من العلياء كلّ
مكان. فتخلُّف الكمالات إمَّا من عدم البصيرة ، وإمَّا من عدم العزيمة)).
قال ابن القيم في ((مدارج السالكين)) (١٢٣/١): ((العزم: هو العقْد
الجازم على المسير ومفارقة كلٌّ قاطِع ومُعوِّق ، ومرافقة كلّ معين وموصل .
وبحسب كمال انتباهه ويقظته يكون عزمه، وبحسب قوة عزمه يكون استعداده)).
والعزم نوعان : أحدهما: عزم على الدخول في الطريق ، والثاني : عزم
في حال السير معه . وهو أخصُّ من هذا .
فلا تتوقفْ متردِّدًا أو قلقا ، ولا تضيِّع نفسك بالشكوك التي لا تلد إلا
الشكوك .
ومشتَّت العَزَماتِ يُنفق عمرَهُ حيرانَ لا ظفرٌ ولا إخفاقُ
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السابع
٢٩٧
وقال آخر :
فإنَّ فساد الرأي أن تتردَّدا
إذا کنت ذا رأي فكْن ذا عزيمةٍ
وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿فإذا عزمَ الأمْر فلو صدقوا الله لكان
خیرًا لهم ﴾ .
أخي : ألفْتَ عجْزَ العادة ، فلوْ عَلَتْ بك همَّتك ربى المعالي ؛ لاحتْ
لك أنوار العزائم .
إذا طلع نجمُ الهمَّة في ظلام ليل البطالة ، وردفَهُ قمرُ العزيمة أشرقت الأرض
بنور ربها .
((رأى بعض الحكماء بِرْذَونًا(١) يُسقى عليه، فقال: لو هَمْلَج هذا
لُرُكِب. إقدام العزم بالسلوك اندفع من بين أيديها. سدُّ القواطع محَنٌ يتبيّن بها
الصادقُ من الكاذب ، فإذا خُضتَها انقلبتْ أعوانا تُوصلك إلى المقصود ))(٢).
قال ابن القيم: ((إذا عزم العبد على السفر إلى الله تعالى وإرادته ؛ عرضت
له الخوادع والقواطع ، فينخدع أولًا بالشهوات والرياسات ، والملاذّ والمناكح
والملابس ، فإن وقف معها انقطع ، وإن رفضها ولم يقف معها وصدق في
طلبه ، ابتُلي بوطء عَقِبه وتقبيل يده ، والتوسعة له في المجلس ، والإِشارة إليه
بالدعاء ورجاء بركته ... ونحو ذلك ، فإن وقف معه انقطع به عن الله وكان
حظّه منه ، وإن قطعه ولم يقف معه ؛ ابتُلي بالكرامات والكشوفات ، فإن وقف
معها انقطع بها عن الله وكانت حظَّهُ، وإن لم يقف معها ابتُلي بالتجريد والتخلِّي ،
ولذة الجمعية ، وعزة الوحدة ، والفراغ من الدنيا ، فإن وقف مع ذلك انقطع
به عن المقصود . وإن لم يقف معه وسار ناظرًا إلى مراد الله منه وما يحبه منه ؛
بحيث يكون عبده الموقوف على محابّه ومراضيه أين كانت وكيف كانت ، تعبَ
(١) ضُرْب من الدوابِّ دون الخيل وأقدر من الحُمُر .
(٢) الفوائد صـ ٦٠ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٢٩٨
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السابع
بها أو استراح ، تنعَّم بها أو تألَّم ، أخرجتْه إلى الناس أو عزلته عنهم ، لا يختار
لنفسه غير ما يختاره له وليُّه وسيِّده ، واقف مع مراده ينفذه بحسب الإِمكان ،
ونفْسُه عنده أهون عليه أن يقدِّم راحتها ولذّتها على مرضاة سيده وأمْره -
فهذا هو العبد الذي قد وصل ونفذ ، ولم يقطعه عن سيِّده شيء ألبتة . وبالله
التوفيق )»(١) .
الحادي عشر : الغيْرة :
والغيرة من تمام البصيرة ؛ ((لأنه على قدر المعرفة بالحق ومستحقّه ومحبته
وإجلاله تكون الغيرة عليه أن يُضيَّع ، والغضب على من أضاعه ؛ فإن ذلك
دليل على محبّة صاحب الحق وإجلاله وتعظيمه ، وذلك عين البصيرة ؛ فكما
أن الشك القادح في كمال الامتثال مُعْمٍ لعين البصيرة ، فكذلك عدم الغضب
والغيرة على حقوق الله إذا ضُيِّعتْ ومحارمه إذا انتُهكت؛ مُعْمٍ لعين البصيرة))(٢).
والغضب لمحارم الله إذا استُحلَّت - كما يغضب النَّمِر إذا حَرِب -(٢) من
صفات عُلاة الهمم .
« وغيرة العبد من نفسه على نفسه ، کغیرته من نفسه على قلبه ، ومن
تفرقته على جمعيَّته ، ومن إعراضه على إقباله ، ومن صفاته المذمومة على صفاته
الممدوحة . وهذه الغيرة خاصيَّة النفس الشريفة الزكيَّة العلوية ، وما للنفس
الدنيَّة المهينة فيها نصيب)) (٤) .
وعلى قدر هذه الغيرة يكون شرف النفس وعلو همتها .
ولم أُرَ في عُيوب الناسِ عيبًا كنقْصِ القادرين على التمامِ
(١) الفوائد صـ ٢٢٧ .
(٢) مدارج السالكين ١ / ١٢٧ .
(٣) حَرِب النمرُ وغيرُه : إذا اشتدَّ غضبه.
(٤) مدارج السالكين ٣ / ٤٣ - ٤٤ .
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاحِ الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السابع
٢٩٩
وحين ينتكس الإِنسان يهوي إلى الدرْك الذي لا يبلغ إليه مخلوق قطْ ،
حين تصبح البهائم أرفع منه وأقوم ، حين يرتكس مع هواه إلى درْك لا تملك
البهيمة أن ترتكس إليه ، يرتكس في المنحدر الهابط إلى أسفل سافلين ،
ويتمخض للسُّفول ، وإذا ماتت فيه الغيرة على نفسه وعلى المحارم ؛ يصبح
أسفل من البهائم .
إلَّا الأذلَّان عِيرُ الحي والوتدُ
ولا یقیم علی ضیْمِ يُرادُ بهِ
وذا يُشجُّ فما يدري بِهِ أُحدُ
هذا على الحبْل مربوطٌ برمّتِهِ
الثاني عشر : الدعاء :
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ له: ((إن أبخل
الناس مَن بخل بالسلام ، وأعجز الناس من عجز عن الدعاء))(١).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ لٍ: ((ليس شيء
أكرم على الله تعالى من الدعاء))(٢).
فإذا أردتَ بابًا أقرب إلى مولاك وأوسع ولا مزاحِمَ فيه ؛ فادخل من
باب الذلِّ والافتقار ؛ فإن الانكسار القلب تأثيرًا عجيبًا في المحبة وعلوِّ الهمة
لا يُعبَّر عنه ، هذه الذلة والكسْرة الخاصَّة تدخلك على الله ، وترميك على طريق
المحبَّة، فَيُفتح لك منها باب لا يُفتح لك من غير هذا الطريق ، وإن كانت طرق
سائر الأعمال والطاعات تفتح للعبد أبوابًا من المحبة . لكن الذي يُفتح منها
من طريق الذل والانكسار والافتقار ، وازدراء النفس ، ورؤيتها بعين الضعف
والعجز والعيب والنقص والذم ، بحيث تشاهدها ضيعة وعجزًا وتفريطًا وذنبًا
(١) صحيح : رواه أبو يعلى في مسنده ، ورواه ابن حبان ، وصححه الألباني في صحيح
الجامع رقم ١٥١٩ .
(٢) حسن : رواه أحمد، والبخاري في الأدب ، والترمذي والحاكم عن أبي هريرة ،
وحسنه الألباني في صحيح الجامع برقم ٥٣٩٢ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السابع
٣٠٠
وخطيئة - نوع آخر وفتح آخر ، وطريق إلى علو الهمة عجيب . ومَنْ ذاق
عرف .
والسالك بهذه الطريق غريب في الناس ، وهم في وادٍ وهو في وادٍ ،
وهي تسمَّى طريق الطير ، يسبقُ النائم فيها على فراشه السُّعاةَ ، فيصبح وقد
قطع الطريق وسبق الركْب .
من لي بمِثْل سَيْرِكِ المُدَلَّلِ
تمشي رُوَيْدًا وتجي في الأوَّلِ
والدعاء والذل والانكسار ، والخضوع والافتقار للربِّ جلّ جلاله؛
غايةٌ شمّر إليها السالكون ، وأمَّها القاصدون ، ولحظ إليها العاملون ، كيفَ
لا والعبد يشهد في كل ذرّة من ذَرَّاته الباطنة والظاهرة، ضرورة تامَّة ، وافتقارًا
تامًّا إلى ربِّه ووليِّه ، ومن بيده صلاحه وفلاحه ، وهداه وسعادته ، وهذه الحال
التي تحصل لقلبه لا تنال العبارة حقيقتها ، وإنما تُدرَك بالحصول .
فيحصل لقلبه كسْرة خاصَّة لا يشبهها شيءٌ ، بحيث يرى نفسه كالإِناء
المرضوض تحت الأرجل ، الذي لا شيء فيه ولا به ، ولا منه ولا فيه منفعة ،
ولا يُرغب في مثله ، وأنه لا يصلح للانتفاع إلا بجبْرٍ جديد من صانعه وقيِّمه .
فحينئذ يستكثر في هذا المشهد ما مَنَّ ربه إليه من الخير ، ويرى أنه لا يستحقُّ
قليلًا منه ولا كثيرًا ، فأتّ خير ناله من الله استكثره على نفسه ، وعلمَ أَن قَدْرِه
دونه ، وعلم أن رحمة ربِّه هي التي اقتضت ذكْرَه به وسياقته إليه ، واستقلّ
ما مِن نفسه من الطاعات لربِّه ، ورآها - ولوْ ساوَتْ طاعات الثقَلْيْن - من
أقلّ ما ينبغي لربِّه عليه ، واستكثر قليل معاصيه وذنوبه .
فما أقرب الجبر من هذا القلب المكسور ، وما أدنى النصر والرحمة
والرزق وعلو الهمة منه !! وما أنفع هذا الذلّ له وأجراه عليه !! وذرَّة من هذا
ونَفَس منه أحبُّ إلى الله من طاعاتٍ أمثالِ الجبال ، من المدلِين المعجبين
بأعمالهم وعلومهم وأحوالهم .
وأحب القلوب إلى الله سبحانه : قلب قد تمكّنت منه هذه الكسْرة ،
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد