النص المفهرس

صفحات 21-40

https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السابع
٢١
وانحازتْ دُورُ مدينِتِكَ إليك
وصرتَ كبيرًا
ودخلتَ على القومِ دُخُولَ الصُّبحِ
يُميطُ الظُّلمَةَ والبُهْتَانْ
وكبارُ القوم تَدَاعوْا
قد دخلوا بالكفرِ عليك .. وهم قد خَرَجُوا بالإِيمانْ
یا مصعب يا بن عُمَیْ
يا مَن غَيَّرْتَ موازينَ المجدِ وكنتَ الحاملَ للميزانْ
يا واصل أرضِ الإِنسان بنورِ الحقِّ المنَّانْ
فكنستَ الأرضَ مِن الرِّجسِ الكالِح فيها
وحملتَ من الحكمة ما لا يَقدِرُ بشرٌ أن يَحمِلَ مِثْلَه
وحملتَ لواءَ النُّورِ بَبَدْرٍ
وقطعتَ شرايينَ أُخوَّتِكَ الأُولى
وشددتَ إِسارَ أخيك
وكانت ◌ُروتُك الوثقى
بالله أشدَّ وأَبقَى
وأَجَلْتَ النورَ بيثربَ ووَصْتَ الأنْفُسَ والأرحامْ
وكُنتَ الضوءَ القادِمَ .. بعد سنينِ الإِظلامْ
یا مصعبُ يا بن عُمَيْر
یا قَدَمَ الخیر
يا فاتِحَ أرضِ الله بسِّ التوحيدِ الناصع
قد كانت يثربُ ظُلُماتٍ في بحرٍ لُجِّ .. يَغشاهُ الموج
ومِنْ فوقِ الموجِ سحابٌ
فَثْرْتَ على الناسِ الآيَ
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٢٢
صلاحِ الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السابع
وأحييتَ صروحَ الأركانْ
یا مصعبُ یا بن عُميْر
أخجَلَني فيك الحرفُ .. تقاصَرَ دونك
لا تَسَعُكَ هذي الأوزانْ
أُسترِقُ السَّمْعَ .. أُنَاشِدُك عبيرَ الرّضوانْ
قد صاحتْ في أُحُدٍ ((حَمْنَةُ)) (١) واستلَّتْ فيك الأحزان
وتخضَّل حُزنُ أميرتِك
فواساها المختارُ بفَيْضٍ من طلِّ كرامتِهِ الدَّافِقْ
يا نِعِمَ الَّوج
و (( إِنَّ الَّوْجَ لَبِمَكَانْ))
یا مصعبُ يا بن عُمِيْر
شدُّوك بثوبِكَ في أُحُدٍ
فتقاصر عنك .. وتَقْصُرُ عنك ثيابُ الأرضِ
فأنت الناسِجُ للإِنسان ثيابَ الحكمةِ يا لُقْمانْ
يا صفوةً خيرِ الخَلْقِ
مِن بین يديْهِ خرجتَ صباحًا
ونزلتَ على الأرضِ صلاةً
وملأتَ الأَرضَ فَلاحًا
ورسولُ الله أحَبَّك حُبًّا ما كان لغيرك
فاختارك بين يديْهِ شهيدًا
(١) ((حمنة بنت جحش)) زوجُ مصعب، حين حملوا إليها نبأ استشهاد خالها حمزة
وأخيها عبد الله بن جحش ، حمدتْ واسترجعتْ ، وحين حمل إليها استشهاد زوجها
مصعب، بكت وصاحت ، فقال رسول الله عَ له: ((دَعُوها؛ فإنَّ الزَّوْجَ من
زوْجِهِ لَبِمَكَانٍ » .
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاحِ الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السابع
٢٣
يا قمرًا في عينيْهِ تألق في عِلِّيِين
تعلَّق في صدرِ المختارِ وِشاحا
یا مصعب يا بن عُمير
یا قَدَمَ الخیر
هل تَقبلُ أن أخدمَ - في الله - جوادَكْ
هل تقبلُ أن ألمسَ سيفَك كي أذكْرَ في الله جهادَكْ
هل تقبلُ أن أُصبِحَ يومًا
في موكبِ مَنْ بایَعَك .. وجاهَدَ بين يديْكْ
هل تقبلُ أن أمسحَ وجهي بغُبارٍ في قدميْكْ
هل تقبل
فاقْبَلْنِي
يا مَن أحببتُك
وتقبَّل منك الله(١)
زيد بن ثابت : جامِع القرآن ، رضي الله عنه :
عن قتادة عن أنس رضي الله عنه قال: جمعَ القرآن على عهد النبي عَّ
أربعةٌ كلُّهم من الأنصار : أُبِّي، ومعاذ بن جبل ، وأبو زيد ، وزيد بن ثابت .
قلت لأنسٍ : مَنْ أَبو زيد؟ قال: أَحَدُ عُمُومتي(٢) .
((حين تُنثر زهور التكريم على ذكرى المبارَ كين، الذين يرجع إليهم فَضْلُ جمْع
القرآن وترتيبِهِ وحفظِهِ ، فإن حظّ زيد بن ثابت من تلك الزهور لَحَظٍّ عظيمٌ ؛
(١) قصيدة ((مصعب بن عمير))، من ديوان ((رسالة إلى سيف الله المسلول))، لمحمود
خليل ، من صـ ٥٣ - ٥٩ ، دار الصحوة .
(٢) رواه البخاري ومسلم والترمذي وأحمد وأبو يعلى والطيالسي ، والنسائي في
الفضائل .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السابع
٢٤
فلقد ادَّخَرتْ له المقاديرُ شرفَ مهمَّةٍ من أنبل المهامِّ في تاريخ الإِسلام كلِّه ،
مهمَّة جَمْع القرآن الكريم وهو شابٌّ .
عن زيد بن ثابت قال : أَرْسَلَ إلَي أبو بكرٍ الصدِّيقُ مَقْتَلَ أهل اليمامة ،
فإذا عمر بن الخطاب عنده ، قال أبو بكرٍ رضي الله عنه : إن عمر أتاني فقال :
إن القتْل قد استحَّ يوم اليمامة بقُراء القرآن ، وإني أخشى إن استحرَّ القتلُ
بالقُرَّاء بالمَوَاطِنِ فيذهب كثيرٌ من القرآن ، وإني أرى أن تأمُرُ بجمْع القرآن .
قلتُ لعمر : كيف نفعلُ شيئًا لم يَفعلْه رسول الله مَّلِ ؟ قال عمر: هذا والله
خيرٌ . فلم يَزَل عمر يُراجعني ، حتى شرحَ الله صدري لذلك ، ورأيتُ في
ذلك ، الذي رأى عمرُ . قال زيد : قال أبو بكر : إنَّك رجلٌ شابٌّ عاقُلٌ
لا نَتَهِمُك، وقد كنتَ تكتُبُ الوحي لرسول الله عَّهِ، فَتَتَبَّعِ القرآنَ فاجْمَعْهُ.
فوالله لو كلَّفوني نَقْلَ جبلٍ من الجبال، ما كان أَثْقَلَ عليَّ ممَّا أمَرَنِي به من
جمع القرآن. قلتُ: كيف تفعلون شيئًا لم يَفعلُه رسولُ اللهِ عَ لَّهِ ؟ قال:
هُو والله خيرٌ . فلم يَزَل أبو بكر يُراجعني ، حتى شرح الله صدري للذي شرح
له صدرَ أبي بكرٍ وعمر رضي الله عنهما، فتَبَّعْتُ القرآن أجْمَعُهُ من العُسُب
واللِّخاف وصدور الرجال ، حتى وجدتُ آخر سورة التوبة مع أبي خُزِيْمة
الأنصاري ، لم أجِدْها مع أحدٍ غيره: ﴿ لقد جاءكم رسولٌ من أَنْفُسِكُمْ عزيزٌ
عليه ما عَنتُّم ﴾ حتى خاتمة براءة ، فكانت الصُّحُف عند أبي بكرٍ حتى توفَّاه
الله ، ثم عند عمر حياتَهُ ، ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنه(١) .
ومثل ما حَدَث مع أبي بكرٍ ، حدَثَ مع عثمان : عن ابن شهاب ، أن
أنس بن مالك حدَّثه ، أن حذيفة بن اليمان قَدِم على عثمان وكان يُغازي أهل
الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأَفْتَعَ حُذيفةَ اختلافهم في
القراءة ، فقال حذيفةُ لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأُمَّة قبل أن يختلفوا
(١) رواه البخاري والترمذي وأحمد وأبو يعلى والطيالسي.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد السابع
٢٥
في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى ، فأرسل عثمانُ إلى حفصة ، أن أرْسِلِي
إلينا بالصُّحُف نَنْسَخُها في المصاحف ثم نردُّها إليك . فأرسلتْ بها حفصة
إلى عثمان ، فأمَرَ زيد بن ثابت ، وعبد الله بن الزبير ، وسعيد بن العاص ،
وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام ؛ فنسخوها في المصاحف ، وقال عثمان
للرّهْط القُرشِيِين الثلاثة : إذا اختلفتم أنتم وزيدُ بن ثابت في شيءٍ من القرآن ،
فاكتبوه بلسان قريش ، فإنَّما نزلَ بلسانهم . ففَعَلُوا، حتى إذا نَسَخُوا الصُّحُف
في المصاحف، ردَّ عثمانُ الصحفَ إلى حفصة، فأرسلَ إلى كلِّ أَفُقِ بِمِصْحَفٍ
ممَّا نسخُوا ، وأَمَرَ بما سواه من القرآن في كلّ صحيفةٍ أو مصحفٍ ؛ أن
يُحْرَق(١) .
الله دَرُّك من إمامٍ .. قال ابن عباس : لقد عَلَمَ المحفوظون من أصحاب
محمدٍ عَّله ، أن زيد بن ثابت من الراسخين في العلم.
وانظر إلى علوّ همَّته: عن زيد بن ثابت قال: أمرني رسولُ الله عَ ليه
أن أتعلَّم له كتاب يهود، فقال: ((إني والله ما آمَنُ يهودَ على كتاب)) قال :
فما مَّ بي نصف شهر حتى تعلَّمْتُهُ له . قال: فلمَّا تعلَّمْتُهُ كان إذا كتبَ إلى
يهود ؛ كتبتُ إليهم، وإذا كتبوا إليه ، قرأتُ له كتابهم )) (٢).
عن عمَّار بن أبي عمّار قال : لمَّا مات زيد بن ثابت ، قَعَدْنا إلى ابن
عباس في ظلِّ القصر فقال: هكذا ذَهابُ العلم ، لقد دُفِن اليومَ عِلْمٌ كثيرٌ .
زُهْرَةُ بنُ الحَويَّةِ التميمي ، فاتِحُ ما بين القادسيَّة والمدائن رضي الله عنه :
الصحابي الجليل الذي تولّى قيادة الجيوش في عهد عمر ، وبذلَ جهده
(١) رواه البخاري .
(٢) حسن لغيره : رواه الترمذي ، وأبو داود، وابن سعد في الطبقات ، ورواه البخاري
معلّقًا، وله شاهد عند ابن سعد والحاكم فيه: ((هل تستطيع أن تَعَلَّم كتاب العبرانية
أو السريانية فقلت: نعم. قال: فتعلَّمتُها في سبع عشرة ليلة)).
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السابع
٢٦
في مُحاربة المرتدِّين من أهل البحرين حتى عادوا إلى الإِسلام .
ويذكر التاريخ لزُهرةَ نجاحَهُ في حماية قوات المسلمين ، عند حر كتها
من منطقةِ حَشْدِها في ((شراف)) حتى وصولها للقادسية . وعسكرتْ قواتُه
حتى وصلتْ قوات سعد رضي الله عنه ، فتقدَّم زهرةُ على رأس المقدّمة حتى
نزل القادسية .
وكان في ((العُذَيْب)) جندٌّ فارسي يستطلع حركات أرْتَال المسلمين،
فخرجَ راكِضًا نحو القادسية ليُخبِر الفُرس عن قوة المسلمين ، فلمَّا عَلِمَ زُهرةُ
بأمره، اتَّبَعَهُ وَقَتَلَه ، بعد أن عجزَ أصحابُ زهرة عن إلقاء القبض عليه(١).
ووجدَ زهرةٌ في ((العُذَيْب)) رماحًا ونُشَّابًا وأسْقاطًا من جلودٍ وغيرها ،
فانتفَعَ بها المسلمون ، كما انتفعوا بالأموال الكثيرة التي حصلتْ عليها سريَّةٌ بعثها
زُهرةً للغارة على الحِيرة ، وبذلك انتعش المسلمون بهذه الغنائم .
زهرةُ قائد الميسرة في القادسية :
لما نشبَ القتال بين الفرس والمسلمين ، اندمجت قوات المقدمة التي كان
يقودها زُهرة بالقطاعات المقاتلة الأخرى، لذلك سلَّم سعد قيادة الميسرة لُزُهرة،
فكان زهرة قائدًا للميسرة في معركة القادسية الحاسمة(٢) ، وكان لبلاء زهرة
وثَبَاتِهِ أثر كبير في انتصار المسلمين على الفرس في تلك المعركة ، لذلك كان
من بين خمسة وعشرين بطلًا فضَّلهم سعد في العطاء ؛ لبلائهم في القادسية بلاءً
مشرِّفًا .
زهرة قاتِل الجالينوس أحد ملوك الفرس :
ولمَّا انکشف أهل فارس ، أمر سعد زهرة بمطاردتهم ، فخرج على رأس
المقدمة في آثارهم، فأدرك الجالينوس يحمي انسحاب قوات فارس عند (الخَّارة))
(١) تاريخ الطبري ٣ / ١٢ .
(٢) تاريخ الطبري ٣ / ٤٣.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السابع
٢٧
فدَهَمَه زهرةُ ومن معه ، فحملَ على جالينوس وهو لا يعرفه، فطَاعَنَهُ ، فاختلفا
ضربتيْن ثم قَتَله زهرةُ ، وانهزم عن جالينوس أصحابُه ، وأخذ زهرةُ سَلَبَهُ ،
وكان عليه يَارَاقانِ - أساوِر تُلبس في العَضُد - وقُلْبان قُرْطان ، وإن حصان
زهرة يومئذٍ ما عِنانه إلَّا حبل مضفور، وما حزامه إلّا شعر منسوج. وقتل
زهرة في هذه المطاردة مَنْ وَجَد من الفُلُول بين الخَّرارة إلى السيلحين ، ثم
أُمْعَنَ حتى بلغ ((النجف))، بينما كان الهرمزان يجدُّ في فراره. (( وحين عاد
زهرة من المطاردة التي خرج فيها ، كان قد تدرَّع بما كان على جالينوس ،
فعرفه الأسرى الذين كانوا عند سعد وقالوا : هذا سَلَبُ جالينوس . فقال له
سعد ، هل أعانك عليه أحد ؟ قال : نعم . قال : مَنْ ؟ قال : الله . وكان
زهرة يومئذٍ شابًّا له ذُوَّابَةٌ، وقد سُوِّد في الجاهلية وحَسُن بلاؤه في الإِسلام ،
وغضبَ سعدٌ أن تسَّع زهرة فلبس ما كان على جالينوس ، واستكثره عليه ،
فَتَزَعَهُ عنه ، وقال : ألا انتظرت إذني ؟))(١). وكتب سعد إلى عمر بما كان
من شأن زهرة ، وكتب زهرة في هذا الشأن إلى عمر ، فكتب عمر بن الخطاب
إلى سعد في شأن زهرة: (( أنا أعلمُ بُهرةَ منك، وإن زهرة لم يكن ليُغَيِّب
من سَلَبٍ سَلَبَهُ شيئًا ، فإن كان الذي سعى به إليك كاذبًا ، فلقاه الله مثل زهرة
في عَضُدِيْهِ يَارَاقانِ ، تَعْمِدُ إلى مِثْل زهرة وقد صَلِي بمثل ما صلي به ، وقد بقي
عليك من حَرْبِك ما بقي ، تكسرُ قرئَهُ وتُفسد قلبه ؟! أمْضٍ له سَلَبَهُ وفَضِّلْه
على أصحابه عند العطاء بخمسمائة، وإني قد نَفَلْتُ كَلَّ مَنْ قَتَل رجلًا، سَلَبَهُ))(٢).
وردَّ سعد إلى زهرة ما كان نَزَعَهُ منه ، فباعه بسبعين ألف درهم .
الفاتح :
ولمَّا فرغَ سعد من أمر القادسية ، أقام بها بعد الفتح شهرين ، وكاتب
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٥٦٧، ٣ / ٥٦٨.
(٢) تاريخ الطبري ٣ / ٥٨٤ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٢٨
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السابع
عمر فيما يفعل ، فكتب إليه عمر يأمره بالمسير إلى المدائن ، فجعل سعد
على المقدِّمة زُهرة ، وأمره بالتقدُّم ، فسار زهرةُ حتى نزل الكوفة ، وانتظرِ
هناك حتى نزل عليه عبدُ الله بن المُعتَم وشُرحبيل بن السِّمْط ، فارتحل زهرةً
حين نزلا عليه نحو المدائن ، فلمَّا انتهى إلى (( بُرْس )) لَقِيَه جمع من الفرس ،
فهزمهم وقتل هو قائدَهم ((بصبهري)) بطعنة من رمحه(١) .
ومكث زهرةُ ريثما عَقَّدَ له ((بسطام)) - دِهْقَان ((بُرْس)) - الجُسُورَ ،
وأتاه بأخبار الفرس الذين حشدوا قواتهم في ((بابل)) ، فكتب زهرة إلى سعد
بالخبر، فارتحلَ سعد بالناس إلى ((برس))، ثم قدم زهرة إلى بابل، وتقدَّم جيش
المسلمين من ورائه ، ولمَّا أنجزَ المسلمون حشْد قواتهم ببابل ، قاتلوا القوات
الفارسيَّة هناك ، فلم يتمكّن المدافعون عن بابل من حمايتها أمام العاصفة المُدمِّرة
من زهرة وقواته ، ونزلوا على ((الفيرزان)) وقواته ببابل («فهزموهم في أسرع
من لَفْت الرداء))(٢)، وقدَّم سعد زُهرةَ إلى ((بَهْسير))، فتلقاه دهقان ((ساباط))،
وصالحَهُ على الجزية . وفي طريقه إلى المدائن ، قضى زهرةٌ على كتيبةٍ للفرس ،
ثم انتظر تجمُّع قوات المسلمين حول ((بهرسير))؛ الواقعة على ضفّة دجلة اليمنى،
مقابل (( المدائن)) التي تقع على ضفّة النهر اليسرى ، فحاصَرَها سعدٌ وضَرَبها
بالمنجنيقات ، ودبَّ إليها جنوده بالدَّبَّابات ، وكان على زهرة دِرْعٌ مفصومة ،
فقيل له: (( لو أمرتَ بهذا الفصم فُيُسْرد ؟ فقال: ولم ؟ فقالوا : نخاف عليك
منه. فقال: إني لكريمٌ على الله إن تَرَك سهمُ فارس الجند كلَّه، ثم أتاني من هذا
الفصم حتى يثبت فَي. فكان أوَّل رجل من المسلمين أُصيب يومئذٍ بِنُشَّايَةٍ، فثبتتْ
فيه من ذلك الفصم، فقال بعضهم: انزعوها عنه. فقال: دعوني، فإن نفسي
معي ما دامت فَي، لعلّي أن أُصيب منهم بطعنة أو ضربة. فمضى إلى العدو(٢)).
(١) تاريخ الطبري ٣/ ١١٣ - ١١٤، والكامل لابن الأثير ٢ / ١٩٦.
(٢) تاريخ الطبري ٢ / ١١٤، وابن الأثير ١٩٦/٢.
(٣) تاريخ الطبري ١١٧/٣ - ١١٨، وابن الأثير ٢ / ١٩٥.
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوُّ الهمة - المجلد السابع
٢٩
وخرج قائد الجيش الفارسي شهريار وفي يده رُمْحُه مُعتَقِلًا سيفه ،
فقال وملؤه الكِبْر: ((ألا فارس منكم شديد عظيم يخرج إلَّ حتى أُنكّل
به؟ )). فناداه زهرة: «لقد أردت أن أُبارزك، فأمَّا إذ سمعتُ قولك ، فإني
لا أُخرج إليك إلَّ عبدًا، فإن أقمتَ له قَتَلَك إن شاء الله بَيَغْيك ، وإن فررتَ
منه فإنما فررت من عبد)) . فخرج أبو نبتة بن جعشم الأعرجُّ إليه فقتله .
لله درّ زهرة من بطلٍ، مضى نحو المجوس في معركة بهرسير - المدينة
الدنيا وأُولى المدائن السبع التي تتكون منها المدائن - والنُّشَّاب في جسمه ،
فضرب بسيفه سيِّدًا من أكبر ساداتهم من أهل (( إصطخر )) فقتله وانكشف
أصحابُه، وسقطت بهرسير بعد طول حصارٍ، ودخل المسلمون فاتحين وشهد
زهرةُ فتح المدائن ، وكان على رأس قوةٍ لمُطاردة الفرس بعد فتح المدائن ،
فأدرك جماعةً من الفرس على جسر ((النهروان))، فازدحموا عليه ، فوقع
منهم بغلٌ في الماء ، فعجلوا وكُبُّوا عليه ، فقال بعض المسلمين : ((إن لهذا
البغل لَشأنًا )). فجالَدَهم المسلمون عليه حتى أخذوه ، وفيه حِلْية كسرى
وثيابه وخرزاته ووشاحُه ودرْعه التي فيها الجوهر(١) .
رضي الله عن زهرة ((فقد كان من ألمع قادة الفتح الإِسلامي عندما يتولَّى
قيادة المقدِّمات وقوات المطاردة ، فقد نجح في قيادته هذين الواجبيْن نجاحًا باهرًا
يدعو إلى الإعجاب الشديد . إن هذين الواجبين يحتاجان إلى قائدٍ شجاع ،
وكان زهرة يتحلَّى بشجاعة بطوليَّةٍ نادرةٍ ، تجعله في مَصَافٌّ أبطال الحروب
في التاريخ .
كان مندفعًا يتحمّل المشاقّ ولا يكلّ من التعب ، وأعانه على ذلك شبابُهُ
وحيويَتُه وصبرُهُ ، إن زهرة قائد عبقرتّ بحقٍّ ، أثبت جدارةً فائقة في قيادة
الرجال خلال فترةٍ قصيرة من أعماله العسكرية ، ولست أشكُّ في أن هذه الفترة
(١) الكامل لابن الأثير ٢ / ١٩٩، وتاريخ الطبري ١٢٦/٣.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السابع
٣٠
لو طالتْ ، لَنَافسَ زهرةُ في شهرته المثنَّى بن حارثة الشيباني وخالد بن الوليد
المخزومَّ))(١) .
ولمَّا عاث شبيبٌ الخارجُّ في الأرض فسادًا، أشار زهرةُ على الحجّاج
فقال له: ((إنك إنما تبعثُ إليهم الناس منقطعين، فاسْتَنْفِرِ الناس إليهم كافّة ،
فَلْيَنْفِرِ إليهم الناسُ كافَّةً، وابعثْ عليهم شجاعًا مُجرِّبًّا للحرب ، ممَّن يرى الفرار
هضمًا وعارًا، والصبر مجدًا وكرمًا)). فقال الحجاج: ((جزاك الله عن الإِسلام
وأهله في أوَّل الإِسلام خيرًا، وجزاك الله عن الإِسلام في آخر الإِسلام خيرًا ».
وقال زهرة لعتاب بن ورقاء قائد أهل الكوفة: (( إني أرجو أن يكون الله قد
أهدى إلينا الشهادة عند فناء أعمارنا )). وكان له ما أراد، ووقف قائدُ الخوارج
شبيبٌ على جثمانه وقال له: (( لَرُبَّ يومٍ من أيامِ المسلمين ، قد حَسُن فيه بلاؤك
وعظُم فيه غَناؤك ، ولَرُبَّ خيل للمشركين قد هزمْتَها ، وسريَّةٍ لهم قد أغرتَها ،
وقريةٍ من قُراهم قد افتتحْتَها))(٢). والفضل ما شهدتْ به الأعداءُ.
محمد بن القاسم الثقفي : فاتح السَّد والهند وعمره سبعة عشر عامًا :
أهدى ملكُ جزيرة الياقوت - سيلان - إلى الحجاج نسوةً مسلمات
وُلِذْنَ في بلاده ومات آباؤهن وكانوا تجارًا، فعَرَض للسفينة التي كُنَّ فيها قومٌ
من قراصنة ((الديْيُل))، وأخذوا السفينة بما فيها، فنادت امرأةٌ منهنَّ - وكانت
من بني يربوع -: (( يا حجاج)). وبَلَغَ الحجاج ذلك، فقال: ((يا لَبَّيْكِ)).
فأرسل إلى ((داهر)) ملك السند يسأله تخلية النسوة؛ فقال: ((إنما أَخَذَهُنَّ
لصوصٌ لا أقدر عليهم )) . فأغزى الحجاجُ محمد بن القاسم الثقفي ثغر السند ،
فتجهز محمد بكلِّ ما احتاج إليه ، ثم سار من ((مكران)) ووِجْهَتُهم ((الدييل))
(١) قادة فتح العراق والجزيرة صـ ٣١٦ - ٣١٨ للواء الركن محمود شيت خطَّاب .
(٢) تاريخ الطبري ٨٤/٥ - ٩١، والكامل لابن الأثير ١٦٢/٤ - ١٦٤، والإصابة
٥٣٤/١ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السابع
٣١
في اثني عشر ألفًا من جند الشام والعراق وثلاثة آلاف بعيرٍ تحمل متاعهم .
أتى محمد ((فنزبور)) ففتحها، ثم أتى ((أرمائيل)) ففتحها، وقدِم ((الديبل)) في
يوم جمعةٍ، فوافتْه سفنُه هناك، فخَنْدَقَ حين نزل ((الديبل)) وأَنْزَلَ الناس منازلهم
ونَصَب منجنيقًا يقال له : العروس ، الذي كان يعمل لتشغيله خمسمائة من
الرجال ذوي الكفاءة ، فدك بقذائفه معبد الهنادكة الأكبر ((البد))، وحاصر
محمد ((الدييل)) وقاتل حُماتها بشدّة ، فخرجوا إليه ، ولكنَّه هزمهم حتى ردَّهم
إلى البلد ، ثم أمر بالسلالم فنُصبتْ وصَعِد عليها الرجال ، وكان أوَّلهم صعودًا
رجل من بني مراد من الكوفة، وفُتحتِ المدينة عَنْوَةً، وهربَ ملكُها ((داهر))
وأنزل فيها محمدٌ أربعة آلاف من المسلمين وبنى عليها جامعها ، فكان أول
جامع في هذه المنطقة ، وسار محمد إلى (( النيرون)) فصالحَهُ أهلُها وبعثوا
إليه بالميرة ، وسار محمد وجَعَل لا يمُّ بمدينةٍ إلَّا فَتَحَها ، وصالحه أهل
((سربيدس)) فَفَرضَ عليهم الخراج، وسار عنهم إلى ((سهبان)) ففتحها ،
وصالحه أهل («سدوستان)) وفَرَض عليها الخراج. وعَبَر محمدٌ نهر ((مهران))
ممَّا يلي بلاد المَلِك ((راسل)) - ملك ((قصة)) من الهند - على جسْر عَقَدَهُ ،
و «داهر)» مُستخِفٌّ به لاهٍ عنه ، ولِقِيَهُ محمد والمسلمون وهو علی فیل وحوله
الِفِيَلَة، فاشتدَّ القتال بشكلٍ لم يُسمع بمثله ، وترجَّل داهر وقاتلَ حتى قُتل
عند المساء ، فانهزم أصحابُهُ ، وقتلهم المسلمون كيف شاءوا ، وكان قاتل
داهر - هو القاسم بن ثعلبة بن عبد الله الطائي - يترتَّم ويقول :
ومحمد بن القاسم بن محمدٍ
الخيْلُ تشهدُ يومَ داهر والقنا
حتى علوتُ عظيمَهِم بِمُهَنَّدِ
أَنِّي فرجتُ الجَمْعَ غَيْرِ مُعَرِّدٍ (١)
مُتَعِفِّرَ الخَدَّيْنِ غَيْرَ مُوَسَّدٍ
فتركتُهُ تحت العجَاجِ مُجنْدَلًا
فلما قُتُل داهر ، غلب محمدٌ على بلاد السند ، ففتح ((رأور)) عَنْوةً، وكان
(١) معرد : عَرَّد الرجُلُ عن الطريق ، إذا انحرفَ عنه .
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٣٢
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السابع
بها امرأة داهر ((راني باي)) فحرقتْ نفسها وجواريها وجميع ما لها ، وتقدَّم
المسلمون بعد ذلك صوب الشمال مشرقين حتى بلغوا ((برهمنآباد)) وكان بها
المنهزمون من أصحاب داهر ، ففتَحَها محمد وقتل بها بشرًا كثيرًا وخَّبها .
وسار محمد إلی « ساوندري » فصالَحَهُ أهلُها وأسلموا بعد ذلك ، ثم
صالَحَ أهل ((بسمد))، وسار عنها إلى ((الرور)) - وهي من مدائن السند
تقع على جبل - فحاصرها شهورًا، ثم فتحها صُلحًا ووضع عليهم الخراج
وبنى بها مسجدًا ، ثم سار إلى ((السّكّة)) ففتحها ، ثم عبر نهر ((بیاس)» - رافد
نهر السند - إلى مدينة ((المُلتان)) أعظم مدن السند الأعلى وأقوى حصونه ،
بها صنم يُعظِّمه الهنود ، وتحجُّ إليه من أقصى بُلْدانها ، ويحلقون رؤوسهم
ولحاهم عنده فامتنعت عليه شهورًا ، وقاتله أهلُها فانهزموا ، فحَصَّرهم ، فأتاه
رجل مستأمنٌ دلَّ على مدخل الماء الذي يشرب منه السكان ، فقَطَعَه عليهم ،
فنزلوا على حُكمه ، فقتل محمد المقاتلة وسبى الذَّرِّيَّة، وسبى سَدَنَة ((البد))
وهم ستة آلاف ، وأصاب مالًا كثيرًا جمعه في بيت طوله عشرة أذرع وعرضه
ثمانية أذرع، فسُمِّيتِ الملتان ((فرج(١) بيت الذهب)) وعظُمتْ فتوح محمد،
وكثرتْ غنائمُهُ من الأموال، حتى قال الحجاج: ((شفيْنا غيظنا، وأدركْنا
ثأرنا، وازددْنا ستين ألف ألف درهم ورأس داهر)) (٢) .
لقد أَنْجَزَ محمدٌ هذا الفتح كلَّه في الفترة ما بين تسع وثمانين الهجرية ،
وأربع وتسعين الهجرية .
وفتح محمدٌ ((الرور)) و((النعرور)) ووجَّه جيشًا إلى ((البيلمان)) ففتحوها
صُلحًا ، وصالحه أهل ((سرشت))، ثم أتى محمد ((الكيرج))، فخرج إليه ((دوهر))
(١) الفرج: الثغر .
(٢) فتوح البلدان للبلاذري صـ ٤٢٧، والكامل لابن الأثير ٢٠٦/٤ ، ومقدمة ابن
خلدون ٦٠/٣ - ٦١ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السابع
٣٣
مَلِكُ تلك المنطقة ، فقاتله محمدٌ ، وانهزم دوهر وهرب . وقيل : بل قُتل
فنزل أهل المدينة على حُكم محمد ، فقتَل وسَبَى .
وبينما كان محمد ينتقل من نصر إلى نصر ، ويستَعدُّ لفتح مملكة
((قنوح)) أعظم إمارات الهند ، وكانت تمتدُّ من السند إلى البنغال، وجهَّز جيشًا
عدَّتُه عشرة آلاف فارس ؛ لضمٍ مملكة الهند الشمالية وعاصمتها ((قنوح))،
عُزل محمد بن القاسم وحُمِل مقيَّدًا إلى العراق ، فقال محمد متمثّلًا :
أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا ليومِ كَرِیهةٍ وسَدادِ ثَغْرٍ
فبكى أهل السند والهند - الذين دخلوا في الإِسلام - محمدًا، فلمَّا
وَصَل إلى العراق حَسَه صالحُ بن عبد الرحمن ، بواسط ، فقال محمد :
فَلَئِنْ ثَوَيْتُ بِوَاسِطٍ وبأرضِها رَهْن الحديدِ مُكَبَّلاً مَغْلُولًا
فَلَرُبّ ◌ِتْيَة فارس قد رُعْتُها ولَرُبّ قرنٍ قد تركتُ قَتِيَلَا
وكان محمد يهتف في أعماق سجنه :
وإِنِّي على ما فاتني لَصَبُورُ
أثنْسی بنو مروان سمعي وطاعتي
إلى الهند منهم زاحِفٌ ومُغِيرُ
فتحتُ لهم ما بین ((سابور)) بالقَنا
إلى الصين ألقى مَّةً وأُغِيرُ
فتحتُ لهم ما بین ((جُرجان)) بالقنا
وعُذِّب محمد ومات من العذاب في سجنه .
رَحَل الضخم الفَذُّ ، القائد الذي سارت بذکرہ الُ كبان ولم يكن له نظير
في عصره .. الشاب الذي فتح السند والهند وعمره سبع عشرة سنة .
قال یزید بن الأعجم :
ولِدَاتُهُ عن ذاك في أشْغالٍ
ساسَ الجيوشَ لسبع عشرة حِجَّةٌ
هِمَمُ الملوك وسَوْرَةُ الأبطالِ(١)
فغدتْ بِهِمْ أهواؤهم وسَمَتْ به
(١) انظر محمد بن القاسم الثقفي فاتح السند ، للواء الركن محمود شيت خطاب -
دار قتيبة .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٣٤
صلاحِ الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السابع
وقال حمزة الحنفي :
لمحمدِ بن القاسم بنِ محمدٍ
إن المروءة والسَّماحةَ والنَّدَى
ساسَ الجيوشَ لسبع عشْرةَ حِجَّةٌ يا قُربَ ذلك سُؤُدُدًا من مولدِ
رحم الله محمدًا على بلائه الرائع في فتح السند والهند ، فآثاره لن
تموت أبدًا، وأعماله المجيدة باقية أبد الدهر ، وسيبقى اسمه رمزًا للجهاد
الصادق والتضحية الفذة والصبر الجميل وعلو همة الشباب .
عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز ، ذو التسعة عشر عامًا ، العابد الربَّاني :
ولد سنة ٨٢ هـ، ومات سنة ١٠١ هـ ، وهو في التاسعة عشرة من
عمره ؛ مات شأبًا في زهرة شبابه ، زهرة نَضرة لم تعرف آثام الحياة، ماءً صافيًا
يتدفَّق حكمةً وزُهْدًا .
وينشأُ ناشىء الفتيانِ منَّا على ما كان عَوَّده أبوه
نِعْمَ الفتى المكتهل، الذي كان قائدًا مع أبيه لأُمَّةِ انحرفت عن السبيل ،
كان عونًا لأبيه ولما يتجاوز السادسة عشرة . كان رحمه الله ابن أُمّ ولد ، وقد
أُعْجب به والده أيَّما إعجاب .
قال ابن رجب الحنبلي: ((لقد كان رحمه الله مع حَدَاثَةِ سِنِّه ؛ مجتهدًا
في العبادة ، ومع قُدْرته على الدنيا وتمكُّنه منها ؛ راغبًا مُؤثرًا للزهادة . فعسى
الله أن يجعل في سماع أخباره لأحد من أبناء جنْسِهِ أُسْوة ؛ لعلّ أحدًا كريمًا من
أبناء الدنيا تأخذه بذلك حميّة على نفسه ونخوة . وأيضًا ففي ذكْر مثل أخبار
هذا السيد الجليل مع سِنِّه ؛ توبيخ لمن جاوز سنّه وهو بطال ، ولمن كان بعيدًا
عن أسباب الدنيا وهو إليها ميَّال))(١).
روى الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء عن بعض مشيخة أهل الشام قال :
(١) سيرة عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز لابن رجب الحنبلي صـ ٢٨، ٢٩ - دار
ابن حزم .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
٣٥
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السابع
كنا نرى أن عمر بن عبد العزيز إنما أدخله في العبادة ما رأى من ابنه عبد
الملك .
وروى الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام بسنده في كتاب ((فضائل القرآن))،
عن عاصم بن أبي بكر بن عبد العزيز بن مروان - وهو ابن أخي عمر بن عبد
العزيز - قال : وفَدْت إلى سليمان بن عبد الملك ، ومعنا عمر بن عبد العزيز ،
فنزلتُ على ابنه عبد الملك ، وهو عَزَبٌ ، فكنتُ معه في بيت ، فصلَّينا
العشاء ، وأوى كلّ رجل منا إلى فراشه ، ثم قام عبد الملك إلى المصباح
فأطفأه ، ثم قام يصلِّي ، حتى ذهب بي النوم ، فاستيقظت فإذا هو في هذه
الآية: ﴿ أفرأيت إنْ متَّعْناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يُوعَدون ما أغنى
عنهم ما كانوا يُمتَّعُون ﴾ [ الشعراء: ٢٠٥ - ٢٠٦ ]. فيبكي ، ثم يرجع إليها ، فإذا
فرغ منها فعل مثل ذلك ، حتى قلتُ : سيقتله البكاء. فلما رأيتُ ذلك قلت:
لا إله إلا الله والحمد لله، كالمستيقظ من النوم، لأقطع ذلك عليه، فلمّا سمعني
سكت فلم أسمع له حسًّا ، رحمه الله .
وفي كتاب الدورقي ((مناقب عمر بن عبد العزيز)) : أن عمر بن عبد
العزيز جمع الناس واستشارهم في ردِّ مظالم الحجاج ، فكان كلَّما استشار رجلًا
قال له : يا أمير المؤمنين ، ذاك أمر كان في غير سلطانك ولا ولايتك . فكان
كلَّما قال له رجل ذلك أقامه ، حتى خلص بابنه عبد الملك ، فقال له ابنه عبد
الملك: يا أبة ما من رجل استطاع أن يردّ مظالم الحجاج إن لم يردّها أن يُشركه
فيها . فقال عمر : لولا أنك ابني لقلْتُ : إنك أفْقَهُ الناس .
وفي رواية : قال عبد الملك : أرى أن تردَّها ، فإن لم تفعل كنتَ شريكًا
لمن أخذها .
وعن ميمون بن مهران قال : دخلتُ على عبد الملك ، فحضر طعامه
فأُتيِ بِقَلْيَة مدنية وهي عظام اللحم، ثم أُتي بثريدةٍ قد مُلئت خبزًا وشحمًا،
ثم أتي بزيدٍ وتمرٍ . فقلتُ : لو كلَّمت أمير المؤمنين يخصُّك منه بخاصَّةٍ. فقال :
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٣٦
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السابع
إني لأرجو أن يكون أوفى حظًّا عند الله من ذلك . فقلت في نفسي : أنت
لأبيك .
ودخل عليه مرة أخرى ، فإذا بين يديه مائدة عليها ثلاثة أرغفة وقصعة
فيها خل وزيت .
حِلْمُه وكَظْمه للغيظ :
عن إسماعيل بن أبي الحكم قال : غضب عمر بن عبد العزيز يومًا فاشتدَّ
غضبُه - وكان فيه حِدَّة - وعبد الملك بن عمر بن عبد العزيز حاضر ، فلمَّا
سكن غضبه ، قال : يا أمير المؤمنين ، أنت في قدر نعمة الله عليك فهو موضعك
الذي وضعك الله به ، وما ولَّك من أمر عباده ، يبلغُ بك الغضب ما أرى ؟!
قال : كيف قلت : فأعاد عليه كلامه ؛ فقال له عمر : أما تغضب يا عبد
الملك ؟ قال : ما تُغني سِعَة جوفي إن لم أردَّ فيه الغضب ، حتى لا يظهر منه
شيءٌ أكرهه . قال : وكان له بُطين(١) رحمه الله تعالى.
وعند الدورقي أنه قال لأبيه : لا والذي أكرمك بما أكرمك به ، إن مَلأني
غضبٌ قط . والمعنى : ما ملأني الغضب قطّ .
وعند ابن أبي الدنيا : أن عمر بن عبد العزيز أمر غلامه بأمرٍ ، فغضب
عمر، فقال له عبد الملك: يا أبتاه، وما هذا الغضب والاختلاط ؟! فقال عمر:
إنك لتتحلَّم يا عبد الملك ؟ فقال له عبد الملك: لا والله ما هو التحلُّم ولكنه
الحلم .
قال ابن رجب : ومراد عبد الملك رحمه الله : أنَّ الحِلْم عنده صفة لازمة
له ، وهو مجبول عليها ، ولا يحتاج أن يتعاطاه ويتكلَّفه تكلُّفًا من غير أن يكون
عنده حقيقةً .
قال عمر بن عبد العزيز : لولا أن أكون زين لي من أمر عبد الملك ما
(١) بطن صغير .
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
٣٧
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السابع
يُْيَّن في عين الوالد من ولده ؛ لرأيتُ أنه أهلٌ للخلافة .
وعن إبراهيم بن أبي عبلة قال : جلس عمر بن عبد العزيز يومًا للناس ،
فلمَّا انتصف النهار ضَجِرَ وعلَّ ومَلَّ فقال للناس: شأنكم، حتى أنصرف إليكم.
فدخل يستريح ساعةً، فجاء ابنه عبد الملك فسأل عنه، قالوا: دخل. فاستأذن
عليه ، فأذِن له ، فلمَّا دخل ، قال : يا أمير المؤمنين ، ما أدخلك ؟ قال :
أردتُ أن أستريحَ ساعة. قال: أوَ أُمِنْتَ الموت أن يأتيَك، ورعيتك ينتظرونك
وأنت محتجِبٌ عنهم ؟ فقام عمر من ساعته وخرج إلى الناس .
وروى أبو بكر الآجري : أنه لما دُفن سليمان بن عبد الملك ، خطب
الناس ونزل ، ثم ذهب يتبوأُ مقيلًا ، فأتاه ابنه عبد الملك ، فقال : يا أمير
المؤمنين ، مَنْ لك أن تعيش إلى الظهر ؟! قال : ادْن مني أي بني . فدنا منه
والتزمه وقَبَّل بين عينيه ، وقال: الحمد لله الذي أخرج من صُلْبِي مَنْ يُعينُني
على ديني . فخرج فلم يُقِلْ ، وأمر مناديه أن ينادي : ألّا مَن كان له مظلمة
فليرفعْها .
وعن يحيى بن إسماعيل قال : مات ابن لعمر بن عبد العزيز ، فجاء
عمر فقعد عند رأسه ، وكشف الثوب عن وجهه ، فجعل ينظر إليه ويستدمع ،
فجاء عبد الملك ابنه فقال : أَشَغَلَكَ يا أمير المؤمنين ، ما أقبل من الموت
إليك ؟! بل هو في شغل عما حلَّ لديك ، فكان قد لحقت به وساويتَهُ تحت
التراب بوجهك . فبكى عمر ثم قال : رحمك الله يا بني ، فوالله إنك لعظيم
البركة - ما علمتُك - على أبيك ، نافع الموعظةِ لمن وعظت . وأيم الله ،
إن كان الذي رأيتَ من جزعي على أخيك ، ولكن لما علمت أن ملك الموت
دخل داري فراعني دخوله ، فكان الذي رأيت . ثم أمر بجهازه .
وجمع عمر بن عبد العزيز قرّاء الشام وفيهم ابن أبي زكريا الخزاعي ،
فقال : إني قد جمعتُكم لأمرٍ : قد أهمتني هذه المظالم التي في أيدي أهل
بيتي ، ما ترون فيها ؟ قالوا : ما نرى وزْرها إلا على من غصبها . قال : فقال
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٣٨
صلاحِ الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السابع
عبد الملك : ما أرى مَن قَدِر على أن يردَّها فلم يردَّها والذي اغتصبها ؛ إلّا
سواء . فقال : صدقت يا بُني. ثم قال: الحمد لله الذي جعل لي وزيرًا من
أهلي عبد الملك ابني .
وقال عمر بن عبد العزيز يومًا لمولاه مزاحم : إن هؤلاء القوم - يعني
بني عمه من الخلفاء الذين كانوا قبله - قد أعطونا عطايا وما كان لنا أن نقبلها ،
وإن ذلك قد صار إلَّي وليس علَّي فيما دون الله محاسب . فقال له مزاحم :
يا أمير المؤمنين ، هل تدري كم عيالك ؛ هم كذا وكذا ؟! فذرفت عيناه ،
فجعل يستدمع ويقول : أُكِلُهُم إلى الله عز وجل . ثم انطلق مزاحم من ساعته ،
في وجهه ذلك ، حتى استأذن على عبد الملك بن عمر ، فأذن له ، وقد
اضطجع للقايلة ، فقال له عبد الملك : ما جاء بك يا مزاحم هذه الساعة ؟
هل حَدَثَ مِنْ حَدَثٍ ؟ قال : أشد الحدث عليك وعلى بني أبيك . قال :
وما ذاك ؟ قال : دعاني أمير المؤمنين ؛ فذكر له ما قال عمر ، فقال عبد
الملك: فما قُلتَ له؟ فقال: قلتُ: يا أمير المؤمنين، هل تدري كم عيالك،
هم كذا وكذا ؟! قال : فما قال لك ؟ قال : جعل يستدمع ويقول : أُكِلُهُم
الله عز وجل . فقال عبد الملك : بئس وزير الدين أنت يا مزاحم . ثم وثب
وانطلق عبد الملك إلى باب عمر ، فاستأذن عليه ، فقال الآذن : إن أمير
المؤمنين قد وضع رأسه للقايلة . فقال: استأذن لي لا أُمَّ لك . قال : فسمع
عمر الكلام ، فقال : مَنْ هذا ؟ قال : عبد الملك . قال : ائذن له . فدخل
عليه وقد اضطجع للقايلة ، فقال : ما حاجتك يا بني هذه الساعة ؟ قال :
حديث حدّثنيه مزاحم . قال : فأين وقع رأيك من ذلك ؟ قال : وقع رأيي
على إنفاذه . قال : فرفع عمر يديه وقال : الحمد لله الذي جعل من ذريتيٍ
من يعينني على ديني . نعم يا بني أُصلِّي الظهر ، ثم أصعد المنبر فأردها علانيةً
على رؤوس الناس . فقال عبد الملك : ومن لك بالظهر يا أمير المؤمنين ،
ومن لك إن بقيتَ إلى الظهر أن تسلم لك نيَُّك إلى الظهر ؟ فقال عمر : قد
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
٣٩
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السابع
تفرّق الناس ورجعوا للقائلة . فقال عبد الملك : تأمر مناديك ينادي : الصلاة
جامعة ، فيجتمع الناس . قال : فنادى المنادي : الصلاة جامعة ، فخرجتُ
فأتيتُ للمسجد وجاء عمر وصعِد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال :
أما بعد ، فإن هؤلاء القوم قد أعطونا عطايا ، والله ما كان لهم أن يُعطوناها ،
وما كان لنا أن نقبلها منهم ، وإن ذلك قد صار إلَّي، ليس علَّي فيه دون الله
تعالى محاسب، ألا وإنِّي قد رددْتُها، وبدأتُ بنفسي وأهل بيتي، اقرأ يا مزاحم.
قال : وجيء بسَفَط . أو قال : جيء بكتب الإِقطاعات ، فقرأ مزاحم
كتابًا منها ، فلمَّا فرغ من قراءتها ، ناوله عمر وهو قاعد على المنبر ، فقصَّه
بالجلم(١). فاستأنف مزاحم كتابًا آخر فجعل يقرأ، فلمّا فرغ منه رفعه إلى
عمر فقصَّه، ثم استأنف كتابًا آخر، فما زال كذلك حتى نودي لصلاة الظهر.
والمراد من هذه الحكاية : أنَّ عبد الملك حثَّه على فِعْل ذلك وعلى المبادرة
إليه ، حين عزم عليه؛ خشية أن تنفسخَ عزيمته عن ذلك إن أخَّرَه إلى صلاة الظهر
أو يموت قبل فِعْله .
وروى أبو نعيم بإسناده أن عبد الملك دخل على أبيه ، فقال : يا أمير
المؤمنين ، ماذا تقول لربك إذا أتيتَه وقد تركتَ حقًّا لم تُحْيِهِ وباطلًا لم تُمِنْه ؟!
وفي رواية : ماذا أنت قائل لربك غدًا إذا سألك فقال : رأيت بدعةً
فلم تُمتها وسنَّة فلم تُحْيها ؟
وروى عبد الله بن الإِمام أحمد في كتاب ((الزهد)) عن أبي شوذب قال :
جاءت امرأة عبد الملك بن عمر إليه وقد ترجَّت(٢)، ولبست إزارًا ورداءً
ونعليْن، فلما رآها قال : اعتدِّي، اعتدِّي.
قال ابن رجب : وقوله : اعتدِّي . كناية عن الطلاق ؛ وإنما طلقها لما
رآها قد تشبَّهت بالرجال في اللباس .
(١) الجلم : المقراض ، الذي يُجُّ به الشعر والصوف .
(٢) أي لبست لبس الرجال .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٤٠
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السابع
أما هوان نفسه عليه في ذات الله ورضاه بما يناله من الأذى في الله عز وجل :
فقد قال ميمون بن مهران : قال عبد الملك بن عمر لأبيه يومًا : يا أَبُّهْ ،
ما منعك أن تمضي لما تريد من العدل ؟ فوالله ما كنتُ أُبالي لو غَلَتْ بي وبك
القدور في ذلك .
وقال الربيع بن سبرة : قال عمر بن عبد العزيز يومًا : والله لَوَدِدْتُ لو
عدلت يومًا واحدًا ، وأنَّ الله توفَّى نفسي . فقال ابنه عبد الملك: وأنا والله
لَوَدِدْتُ لو عدلتُ فُواقَ ناقةٍ ، وأن الله توفَّى نفسي. فقال عمر : الله الذي
لا إله إلا هو ؟ فقال عبد الملك: الله الذي لا إله إلا هو ، ولو جاشت بي وبك
القدور. فقال عمر : جزاك الله خيرًا .
وقال سليمان بن حبيب المحاربي - قاضي الخلفاء -: قال عبد الملك بن
عمر : والله ما من أحدٍ أَعُّ علَّي من عمر ، ولئن سمعتُ بموته ، أَحَبُّ إلَّي من
أن أكون كما رأيته .
قال ابن رجب: ((العارفون بالله المحُّون لله، يرضون بما تقتضيه مقاديره،
وإن كانت شاقّة على النفوس مؤلمة لها ، ويتلذَّذون بذلك ، ولا سيما إن كان
أذاهم في تنفيذ أوامر الله والدعاء إلى طاعة الله ؛ وكان هذا مقام عمر بن عبد
العزيز وابنه عبد الملك رضي الله عنه)) (١) .
وقال عمر بن عبد العزيز لعبد الملك : ما كنتُ أحبّ أن أراه فيك إلا
قد رأيته ، إلا شيئًا واحدًا. قال : ما هو ؟ قال : موتك . قال : أراكه الله .
فأصابه الطاعون في خلافة أبيه ، فمات قبل أبيه ، ووقف عمر على قبره وقال :
رحمك الله يا بني، فلقد كنتَ بِرّا بأبيك، وما زلت منذ وهبك الله لي مسرورًا،
ولا والله ما كنت أشد سرورًا ولا أرجى لحظِّي من الله فيك ، منذ وضعتُك
في الموضع الذي صيَّرك الله إليه ، فرحمك الله وغفر ذنبك ، وجزاك بأحسن
(١) سيرة عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز صـ ٦٤.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/