النص المفهرس
صفحات 401-420
https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد علو الهمة في صناعة الحياة ٤٠١ نظامها الفكري موضع الله في الحقيقة، ولا تعرف له فائدة، ولا تشعر بحاجة إلیه))(١). ربما يقلل من قيمة هذه الشهادات على مركز الدين في الحياة الأوربية ومدى تأثيره كون صاحبها قد انتقل من النصرانية إلى الإسلام ومن أوروبا إلى الشرق الإسلامي، فهناك شهادة أصرح منها، وأدل على اضمحلال الدين الرسمي في أكثر مراكزه، واستنكاف أهله من الانتساب إليه لأحد كبار المعلمين في (لندن)) وكتاب الإنكليزية البارزين. ) قال الأستاذ ((جود Joad)) رئيس الفلسفة وعلم النفس في جامعة لندن في كتابه: (Cuide to Modern Wickedness)): ((سألت عشرين طالبًا وتلميذة كلهم في أوائل العقد الثاني من أعمارهم: كم منهم مسيحي بأي معنى من معاني الكلمة، فلم يجب بـ ((نعم)) إلّا ثلاثة فقط، وقال سبعة منهم: إنهم لم يفكروا في هذه المسألة أبدًا. أما العشرة الباقية فقط صرحوا أنهم معادون للمسيحية، أنا أرى أن هذه النسبة بين من يؤمن بالمسيحية ويدين بها وبين من لا يؤمن في هذه البلاد ليست شاذة ولا غريبة، نعم إذا وجه هذا السؤال إلى مثل هذه الجماعة قبل خمسين سنة أو عشرين، كانت الأجوبة مختلفة، بناء على ذلك الذين يتفقون في الرأي مع ((Canon Parry)) ويزعمون أن نهضة مسيحية كبيرة يمكن أن تنقذ العالم سيكونون قليلًا جدًا، فإني لا أرى لرأيه هذا مؤيدًا ومبررًا إلّا أن يكون ذلك رغبته وهواه، فإن الأهواء كثيرًا ما تخلق الأفكار، ولكنها لا تولد الشهادات والوثائق، وإن الأحوال والآثار في هذه البلاد لتدل على أن الكنيسة .Islam At the Cross Roads.p. 2 . (1) تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ٤٠٢ صلاح الأمة في علو الهمة النصرانية ستموت في القرن الآتي، وإليك ما يؤيد هذا الرأي نقلًا من صحيفة يومية: اخترع رجل في السابعة والسبعين من عمره طريقة تحول بها نسخ الكتاب المقدس العتيقة إلى حشو البنادق والحرير الصناعي واللدائن وأوراق النقد الثمينة، وإن آلته ق نصبت في (Cardiff Factor)) وفي ثمانية مصانع أخرى وتصنع بنسخ التوراة القديمة أسلحة حربية، وقد استثمر المخترع بالآلة ثروة عظيمة بعدما عاش في ضنك من العيش. ويختم الأستاذ مقالته هذه بجملة من التوراة -ولا أجمل منها- لمخاطبة القسوس ورجال الدين أمثال ((كينين بيري)) وغيره: ((فليسمع من له أذنان)»(١). ويقول هذا المؤلف في كتابه الثاني (( Philosophy For our Times): ((لم يزل سائدًا على عقلية إنكلترا منذ قرون شره المال والتملك، وكانت رغبة نيل الثروة أقوى عامل في حياة البلاد وأكبر باعث على العمل؛ لأن الثورة وسيلة للتملك، وضخامته ووفرته مقياس لكفاءة الإنسان، ولم يزل الناس يتلقون من طرق السياسة والأدب والتمثيل والسينما والإذاعة اللاسلكية، وفي بعض الأحيان من منابر الكنائس في كل عام وشهر -التحريضات على جمع المال واقتنائه، والإقناع بأن الأمة المتمدنة هي التي ارتقب فيها عاطفة الشره والتملك. ■ ويقول في مكان آخر من الكتاب: ((إن نظرية الحياة التي تسودُ هذا العصر وتحكمُ عليه هي النظر في كل مسألة وشأن من ناحية المعدة .Cuide to Modern Wickedness P. ١)١١٤.١١٥) تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٤٠٣ علو الهمة في صناعة الحياة والجيب)). ■ وقد أجاد الصحفي الأمريكي المشهور (John Gunther)) تمثيل هذه النفسيَّة في كتابه ((داخل أوروبا)) بقوله: ((إن الإنجليز إنما يعبدون بنك إنجلترا ستة أيام في الأسبوع، ويتوجَّهون في اليوم السابع إلى الكنيسة))(١). وعامَّة المسلمين على إثر الغرب حذو القُدَّة بالقُذَّة: ((من الغريب الواقع أن المسلمين قد أصبحوا في الزمن الأخير في كثير من نواحي الأرض حتى في مراكز الإسلام وعواصمه حلفاء للجاهلية الأوربية وجنودًا متطوعين لها، بل صار بعض الشعوب والدول الإسلامية يرى في الشعوب الأوروبية التي تزعمت حركة الجاهلية منذ قرون ونفخت فيها روحًا جديدة، وركزت أعلامها على الشرق والغرب: ناصرًا للمسلمين، حاميًا لذمار الإسلام المستضعف، حاملًا لراية العدل في العالم، قوامًا بالقسط. ورضى عامة المسلمين بأن يكونوا ساقة عسكر الجاهلية بدل أن يكونوا قادة الجيش الإسلامي، وسرت فيهم الأخلاق الجاهلية ومبادئ الفلسفة الأوروبية سريان الماء في عروق الشجر والكهرباء في الأسلاك، فترى المادية الغربية في البلاد الإسلامية في كثير من مظاهرها وآثارها، وترى تهافتًا على الشهوات ونهمًا للحياة، نهم من لا يؤمن بالآخرةِ، ولا يوقن بحياة بعد هذه الحياة، ولا يدخر من طيباتها شيئًا، وترى تنافسًا في أسباب الجاه والفخار وتكالبًا عليها فعل من يغلو في تقويم هذه الحياة وأسبابها، وترى إيثارًا للمصالح والمنافع الشخصية على المبادئ (١) ((ماذا خَسِر العالم بانحطاط المسلمين)) (ص٢٠٣). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٤٠٤ صلاح الأمة في علو الهمة والأخلاق، شأن من لا يؤمن بنبي ولا بكتاب، ولا يرجو معادًا، ولا يخشى حسابًا. وترى حبًا للحياة وكراهة للموت، دأب من يعد الحياة الدنيا رأس بضاعته، ومنتهى أمله وبملغ علمه، وترى افتتانًا بالزخارف والمظاهر الجوفاء كالأمم المادية التي ليس عندها أخلاق ولا حقيقة حية، وترى خضوعًا للإنسان، واستكانة للملوك والأمراء ورجال الحكومة والمناصب وتقديسهم شأن الأمم الوثنية وعبدة الأصنام (١). المسلمون على علاتهم موئل الإنسانية وأمة المستقبل: ((ولكن برغم كل ما أصيب به المسلمون من علة وضعف، فإنهم هم الأمة الوحيدة على وجه الأرض التي تعد خصيم الأمم الغربية وغريمتها ومنافستها في قيادة الأمم، ومزاحمتها في وضع العالم، والتي يعزم عليها دينها أن تراقب سير العالم وتحاسب الأمم على أخلاقها وأعمالها ونزعاتها، وأن تقودها إلى الفضيلة والتقوى، وإلى السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة، وتحول بينها وبين جهنم ما استطاعت من القوة، والتي يحرم عليها دينها ويأبى وضعها وفطرتها أن تتحول أمة جاهلية. هذه هي الأمة التي يمكن أن تعود في حين من الأحيان خطرًا على النظام الجاهلي الذي بسطته أوروبا في الشرق والغرب وأن تحبط مساعيها. ■ وقد وصف هذا الخطر شاعر الإسلام الحكيم ((محمد إقبال)) في قصيدته البديعة ((برلمان إبليس)) على لسان إبليس، ذكر فيها أن الشياطين وزملاء إبليس وأعوانه اجتمعوا في مجلس شورى، وتباحثوا في سير العالم وأخطار الغد وفتنه، وما يتوجسون من خيفة على نظامهم الإبليسي (١) ((ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين)) (ص٢٨٤). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ٤٠٥ علو الهمة في صناعة الحياة ومهمتهم الشيطانية فتذاكروا في فتن وأخطار قد أحدقت بهم وهددت نظامهم، وجللوا خطبها وتناذروا شرها(١) .. فتگلَّم رئيس المجلس إبليس فقال: إن كنت خائفًا فإني أخاف أمة لا تزال شرارة الحياة والطموح كامنة في رمادها، ولا يزال فيها رجال تتجافى جنوبهم عن المضاجع، وتسيل دموعهم على خدودهم سحرًا، لا يخفى على الخبير المتفرس أن الإسلام هو فتنة الغد وداهية المستقبل، ليست الاشتراكية. أنا لا أجهل أن هذه الأمة قد اتخذت القرآن مهجورًا، وأنها فتنت بالمال وشغفت بجمعه وادخاره كغيرها من الأمم، أنا خبير أن ليل الشرق داج مكفهر، وأن علماء الإسلام وشيوخه ليست عندهم تلك اليد البيضاء التي تشرق لها الظلمات ويضيء لها العالم، ولكني أخاف أن قوارع هذا العصر وهزءه ستقض مضجعها وتوقظ هذه الأمة وتوجهها إلى شريعة (محمد رَليلة)) إني أحذركم وأنذركم من دين محمد بَّ حامي الذمار، حارس الذمم والأعراض، دين الكفاح والجهاد، يلغي كل نوع من أنواع الرق، يمحو كل أثر من آثار استعباد الإنسان، لا يفرق بين مالك ومملوك، ولا يؤثر سلطانًا على صعلوك، يزكي المال من كل دنس ورجس ويجعله نقيًا صافيًا، ويجعل أصحاب الثروة والملاك مستخلفين في أموالهم أمناء لله وكلاء على المال، وأي ثورة أعظم وأي انقلاب أشد خطرًا مما أحدثه هذا الدين في عالم الفكر والعمل يوم صرخ أن الأرض لله لا للملوك والسلاطين. فابذلوا جهدكم أن يظل هذا الدين متواريًا عن أعين الناس، وليهنكم (١) المصدر السابق (ص٢٨٤، ٢٨٥). تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٤٠٦ صلاح الأمة في علو الهمة أن المسلم بنفسه هو ضعيف الثقة بربه قليل الإيمان بدينه، فخير لنا أن يبقى مشتغلا بمسائل علم الكلام والإلهيات وتأويل كتاب الله والآيات، اضربوا على آذان المسلم؛ فإنه يستطيع أن يكسر طلاسم العالم ويبطل سحرنا بأذانه وتكبيره، واجتهدوا أن يطول ليله ويبطئ سحره، اشغلوه يا إخواني عن الجد والعمل حتى يخسر الرهان في العالم. خير لنا أن يبقى المسلم عبدًا لغيره، ويهجر هذا العالم ويعتزله ويتنازل عنه لغيره زهدًا فيه، واستخفافًا لخطره، ويا ويلتنا ويا شقوتنا لو انتبهت هذه الأمة يعزم عليها دينها أن تراقب العالم وتعسه))(١). المنارة الأولى: ((الإسلام هو الحل الوحيد لكل العالم)): ■ قال الشيخ أبو الحسن الندوي في كتابه القيِّم: ((ماذا خَسِر العالم بانحطاط المسلمين)): ((والحل الوحيد هو تحول القيادة العالمية وانتقال دفة الحياة من اليد الأثيمة الخرقاء التي أساءت استعمالها إلى يد أخرى بريئة حاذقة. إن تحول القيادة من بريطانيا إلى أمريكا ومنهما جميعًا إلى روسيا لا يغني غناء ولا يغير من الموقف شيئًا، فإن هذا التحول ليس إلّا نقل المجداف من اليمين إلى الشمال إذا تعبت الأولى أو بالعكس، فما دام المجداف واحدًا فلا فرق بين يمينه وشماله، وليست بريطانيا وأمريكا وروسيا إلَّا أيدي رجل واحد تتداول دفة الحياة، وتتناوب تجديف السفينة على خط واحد إلى جهة واحدة. إن التحول المؤثر الواضح هو تحول من أوروبا -بالمعنى الواسع الذي (١) المصدر السابق (ص٢٨٦ - ٢٨٧). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٤٠٧ علو الهمة في صناعة الحياة يشمل بريطانيا وأمريكا وروسيا ومن كان على شاكلتها من الأمم الآسيوية والشرقية- التي تقودها المادية والجاهلية، إلى العالم الإسلامي الذي يقوده سيدنا محمد وآله برسالته الخالدة ودينه الحكيم. هذا هو التحول الذي يغير وجه التاريخ، ويحول مجرى الأمور وينقذ العالم من الساعة الرهيبة التي ترقبه. إن حقًّا على العالم الإسلامي أن يمني نفسه بهذا المنصب الخطير، ويطمح إليه، وإن حقًا على كل بلد إسلامي وشعب إسلامي أن يشد حيازمه لذلك، وإن حقّا على كل مسلم أن يجاهد في سبيله ويبذل ما في وسعه، فهذه هي المهمة الشريفة التي نيطت بالأمة الإسلامية يوم برزت إلى عالم الوجود، ويوم ظهرت نواتها في جزيرة العرب))(١). لا نهضة ولا حضارة إلا تحت راية الإسلام: لا ينهض العالم الإسلامي إلّا برسالة الإسلام، وتحت راية الإسلام فقط والإيمان بها والاستماتة في سبيلها، وهي رسالة قوية واضحة مشرقة، لم يعرف العالم رسالة أعدل منها ولا أفضل ولا أيمن للبشرية منها. وهي نفس الرسالة التي حملها المسلمون في فتوحهم الأولى، والتي لخصها أحد رسلهم في مجلس يزدجرد ملك إيران بقوله: ((الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام))، رسالة لا تحتاج إلى تغيير كلمة وزيادة حرف، فهي منطقية تمام الانطباق على القرن العشرين انطباقها على القرن السادس المسيحي، کأن الزمان قد استدار کھیئته يوم (١) ((ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين)) (ص ٢٨٣). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ٤٠٨ صلاح الأمة في علو الهمة خرج المسلمون من جزيرتهم لإنقاذ العالم من براثن الوثنية والجاهلية. فلا يزال الناس اليوم عاكفين على أصنام لهم -من أوثان منحوتة ومنجورة ومقبورة ومنصوبة- ولا تزال عبادة الله وحده مغلوبة غريبة، ولا تزال الفتنة قائمة على قدم وساق ولا يزال إله الهوى يعبد، ولا يزال الأحبار والرهبان والملوك والسلاطين وأصحاب القوة والثروة والزعماء والأحزاب السياسية أربابًا من دون الله تقرب لها القرابين وينصب لها الجبین. وكذلك العالم اليوم رغم اتساعه وتوافر وسائل السفر والانتقال من مكان إلى مكان، واتصال الشعوب والأمم بعضها ببعض أضيق بأهله منه بالأمس، قد ضيقته المادية التي لا تنظر إلّا إلى قدمها ولا تؤمن إلَّا بفائدة صاحبها، ولا نعرف غير العكوف على الشهوات وعبادة اللذات، وقد خنقته الأثرة التي لا تسمح لاثنين بالعيش في إقليم واسع، والوطنية الضيقة التي تنظر إلى كل أجنبي شزرًا وتجحد له كل فضل وتحرمه كل حق. ثم ضيق خناق هذه الحياة المادية المسيطرون السياسيون الذين يحتكرون وسائل الحياة والرزق والقوت، يضيقون هذه الحياة لمن شاءوا ويوسعونها لمن شاءوا، ويبسطون الرزق -زعموا- لمن شاءوا ويقدرونه لمن شاءوا، فأصبحت المدن الواسعة أضيق من جحر ضب، وأصبح الناس في بلادهم في شبه حجر كحجر السفيه واليتيم، وضاقت على الناس الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم، وأصبح الناس في أغلال وأصفاد من المدينة والمملكة مهددين في كل وقت بمجاعات تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد علو الهمة في صناعة الحياة ٤٠٩ مصطنعة وحقيقية، وحروب خارجية وداخلية، واضرابات واضطرابات أسبوعية ويومية. نعم ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ولا تزال في هذا العصر المتنور الراقي المثقف أديان تعبث بعقول الناس وتسخرهم كالحمير والبقر، وتزين لأتباعها قتل مئات من البشر لأجل بقرة ذبحت في عيد الأضحى، أو شجرة مقدسة عضدت في قرية من القرى. وهنالك أديان بغير اسم الأديان لا تقل في نفوذها وسلطانها، ولا تقل في جورها وعدوانها وعبثها بعقول أتباعها وفي عجائبها عن الأديان القديمة: وهي النظم السياسية والنظريات الاقتصادية التي يؤمن بها الناس كدين ورسالة، كالجنسية والوطنية، والديمقراطية والاشتراكية، والدكتاتورية والشيوعية، وهي أقل مسامحة لمن لا يدين بها وأشد قسوة على منافسيها، وأضيق عطفًا من الأديان الجاهلية، والاضطهاد السياسي اليوم أفظع من الاضطهاد الديني في القرون المظلمة، فإذا تغلب حزب من الأحزاب الوطنية أو ساد مبدأ من المبادئ السياسية، أو انتصر فريق على فريق في الانتخاب، سد في وجه منافسه الأبواب وعذبه أشد العذاب، وما حرب أسبانيا الأهلية التي دامت مدة طويلة، وسفكت فيها دماء غزيرة، وما حرب الصين التي قامت بين الجمهوريين والشيوعيين من أهل الصين، وحرب ((كوريا)) التي قامت بين الجنوبيين والشمالیین، وحرب فيتنام التي تقوم بين جنوبها وشمالها، وبين أمريكا المتطفلة، وأهل البلاد إلَّا نتيجة اختلاف في العقيدة السياسية والنظريات الاقتصادية. فرسالة العالم الإسلامي هي الدعوة إلى الله ورسوله والإيمان باليوم تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ٤١٠ صلاح الأمة في علو الهمة الآخر، وجائزته الخروج من الظلمات إلى النور، ومن عبادة الناس إلى عبادة الله وحده، والخروج من ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، وقد ظهر فضل هذه الرسالة وسهل فهمها في هذا العصر أكثر من كل عصر، فقد افتضحت الجاهلية وبدت سوأتها للناس واشتد تذمر الناس منها، فهذا طور انتقال العالم من قيادة الجاهلية إلى قيادة الإسلام، لو نهض العالم الإسلامي، واحتضن هذه الرسالة بكل إخلاص وحماسة وعزيمة، ودان بها كالرسالة الوحيدة التي تستطيع أن تنقذ العالم من الانهيار والانحلال. الاستعداد الروحي: ولكن العالم الإسلامي لا يؤدي رسالته بالمظاهر المدنية التي جادت بها أوروبا على العالم، ويحذق لغاتها وتقليد أساليب الحياة التي ليست من نهضة الأمم في شيء، إنما يؤدي رسالته بالروح والقوة المعنوية التي تزداد أوروبا كل يوم إفلاسًا فيها، وينتصر بالإيمان والاستهانة بالحياة والعزوف عن الشهوات، والشوق إلى الشهادة، والحنين إلى الجنة، والزهد في حطام الدنيا وتحمل الأذى في ذات الله صابرًا محتسبًا، قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَهِنُواْ فِي أَبْتِغَاءِ الْقَوْرِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُوْنَ كَمَا تَأْلَمُونٌَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ [النساء: ١٠٤] فقوة المؤمن سر انتصاره في إيمانه ورجائه لثواب الله، فإذا كان العالم الإسلامي لا يرى إلا ما تراه أوروبا من العرض القريب، ولا يطمح إلّا فيما تطمح فيه أوروبا من حطام الدنيا، ولا يؤمن إلَّا بما تؤمن به أوروبا من المحسوسات والماديات، كانت أوروبا بقوتها المادية أحق بالانتصار والسيادة من العالم الإسلامي الذي تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://web1essam.blogspot.com/ https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ٤١١ علو الهمة في صناعة الحياة يتخلف عنها في القوة المادية تخلفًا شائنًا ولا يفوقها في المدنية. لقد أتى على العالم الإسلامي حين من الدهر وهو مستخف بهذه القوة المعنوية لا يحتفل بها، ولا يحتفظ بالبقية منها، ولا يغذيها، حتى نضب معينها في قلبه، فلما خاض العالم الإسلامي المعارك التي تحتاج إلى الإيمان، والصبر والثبات، وتحمل الشدائد والنكبات؛ وزلزل بعض الزلزال، ولجأ إلى القوة المعنوية الكامنة في نفوس المسلمين، كانت كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، هنالك عرف أنه قد جنى على نفسه جناية عظيمة بإهمال هذه القوة الروحية وتضييعها، وبحث في جعبته فلم يجد شيئًا يسد مكانها ويغني غناءها. وخاض العالم الإسلامي في معارك حاسمة، وهو يرى أن المسلمين تقوم قيامتهم، وسوف يهرعون للدفاع عن الإسلام وحماية بلادهم المقدسة، ويغضبون الله ورسوله وحرماته، وإن الأقطار الإسلامية تشتعل نارًا وتتوقد حمية وحماسة فإذا الحادث لم يؤثر في العالم الإسلامي التأثير المنتظر، وإذا النظر ضئيل والسخط خافت، وإذا العالم الإسلامي كعادته -في غدواته وروحاته- منهمك في لذاته وشهواته، كأن لم يحدث كبير شيء، فعرف أن الحملة الدينية قد ضعفت في العالم الإسلامي، وأن شعلة الجهاد قد انطفأت أو كادت، وهناك عرف الناس ضعف العالم الإسلامي وخذلانه وهوانه على أنفسهم. فالمهم الأهم لقادة العالم الإسلامي، وجمعياته وهيئاته الدينية وللدول الإسلامية غرس الإيمان في قلوب المسلمين، وإشعال العاطفة الدينية، ونشر الدعوة إلى الله ورسوله، والإيمان بالآخرة على منهاج الدعوة تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ٤١٢ صلاح الأمة في علو الهمة الإسلامية الأولى، لا تدخر في ذلك وسعًا، وتستخدم لذلك جميع الوسائل القديمة والحديثة، وطرق النشر والتعليم، كتجوال الدعاة في القرى والمدن، وتنظيم الخطب والدروس، ونشر الكتب والمقالات، ومدارسة كتب السيرة، وأخبار الصحافة وكتب المغازي والفتوح الإسلامية، وأخبار أبطال الإسلام وشهدائه؛ ومذاكرة أبواب الجهاد، وفضائل الشهداء، وتستخدم لذلك (الإذاعة)) والصحافة وكتب الأدب، وجميع القوى والوسائل العصرية. والقرآن وسيرة محمد اليا قوتان عظيمتان تستطيعان أن تشعلا في العالم الإسلامي نار الحماسة والإيمان، وتحدثا في كل وقت ثورة عظيمة على العصر الجاهلي، وتجعلا من أمة مستسلمة، منخذلة ناعسة، أمة فتية ملتهبة حماسة وغيرة وحنقًا على الجاهلية وسخطًا على النظم الجائرة. إن علة العالم الإسلامي اليوم هي الرضا بالحياة الدنيا والاطمئنان بها، والارتياح إلى الأوضاع الفاسدة والهدوء الزائد في الحياة، فلا يقلقه فساد، ولا يزعجه انحراف، ولا يهيجه منكر، ولا يهمه غير مسائل الطعام واللباس، ولكن بتأثير القرآن والسيرة النبوية -إن وجدا إلى القلب سبيلا - يحدث صراع بين الإيمان والنفاق، واليقين والشك، وبين المنافع العاجلة والدار الآخرة، وبين راحة الجسم ونعيم القلب، وبين حياة البطالة وموت الشهادة، صراع أحدثه كل نبي في وقته، ولا يصلح العالم إلَّا به، حينئذٍ يقوم في كل ناحية من نواحي العالم الإسلامي، بل في كل أسرة إسلامية في كل بلد إسلامي ﴿فِتْيَةُ ءَامَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَهُمْ هُدَّى وَرَبَظْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَاْ مِن ١٣ [الكهف]. ١٤ دُونِهِ= إِلَهَا لَّقَدْ قُلْنَآ إِذَا شَطَطًا تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٤١٣ علو الهمة في صناعة الحياة هنالك تتجدد ذكرى بلال، وعمار، وخباب، وخبيب، وصهيب، ومصعب بن عمير، وعثمان بن مظعون، وأنس بن النضر، هنالك تفوح روائح الجنة وتهب نفحات القرن الأول، ويولد للإسلام عالم جديد لا يشبه العالم القديم في شيء .. ))(١). وهذه قطعة من قصيدة خاطب بها إقبال الأمة الإسلامية لِتعرف مكانتها في العالم ودورها بين أدوار الشعوب والأمم: ((إنَّ نَفَس ذلك الأميّ (٢) الريَّان، نقل صحراء العرب القاحلة إلى رَوْح وريحان، إن الحرية نشأت في أحضانه، وإن حاضر الشعوب ليس إلَّا وليد أمسه، إن الجسد البشري كان بلا قلب وروح، فأعطاه القلب والروح، وكشف اللثام عن جمال وجهه، إنه حطّم كل صنم قديم، وأفاض الحياة على كل غضن ذاوٍ من أغصان العلوم والمدنيَّة، وأنجب أبطالا وقادة مؤمنين، أقاموا المعارك الفاصلة بين الحق والباطل، فتارة يدوِّي الأذان في ساحة الحروب، وتارة تتحلّى الآذان بقراءة ((الصافات)) بين صليل السيوف وصهيل الخيول، إن سيف البطل المغوار صلاح الدين، ونظرة الزاهد الأوَّاب ((كأبي ذر))(٣) مفتاحان لكنوز الدنيا والآخرة)) (٤). (١) ((ماذا خَسِر العالم بانحطاط المسلمين)) (ص٢٨٨ - ٢٩٢). (٢) يعني بذلك النبي الأمي محمدًا وَلو. (٣) بدلًا من كأبي يزيد البسطامي التي في أصل القصيدة. (٤) ((الإسلام والحضارة الإسلامية وواقع العالم الإسلامي)) للندوي (ص٧٩ - ٨٠)- طبع دار القلم - الكويت. تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ٤١٤ صلاح الأمة في علو الهمة المنارة الثانية : الاستعداد الصناعي الحرب والأخذ بأسباب القوة لازم وركن من أركان حضارة المستقبل تحت راية الإسلام: لا تنتهي مهمة العالم الإسلامي عند الاستعداد الروحي فقط، ولا بد أن يُضمَّ إلى ذلك الاستعداد الصناعي الحربي. ■ يقول الأستاذ أبو الحسن الندوي في كتابه الماتع ((ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين)): ((ولكن مهمة العالم الإسلامي لا تنتهي هنا، فإذا أراد أن يضطلع برسالة الإسلام ويملك قيادة العالم فعليه بالمقدرة الفائقة، والاستعداد التام في العلوم والصناعة والتجارة وفن الحرب، وأن يستغنى عن الغرب في كل مرفق من مرافق الحياة؛ وفي كل حاجة من الحاجات، يقوت ويكسو نفسه، ويصنع سلاحه، وينظم شؤون حياته، ويستخرج كنوز أرضه وينتفع بها؛ ويدير حكوماته برجاله وماله، ويمخر البحار المحيطة به بسفنه وأساطيله، ويحارب العدو ببوارجه ودباباته وأسلحة بلاده، وتزيد صادراته على وارداته، ولا يحتاج إلى الاستدانة من الغرب، ولا يضطر إلى أن يلجأ إلى راية من راياته وينضم إلى معسكر من معسكراته. أما ما دام العالم الإسلامي خاضعًا للغرب في العلم والسياسة والصناعة والتجارة، يمتص الغرب دمه، ويحفر أرضه فيستخرج منها ماء الحياة وتغزو بضائعه أسواق العالم الإسلامي وبيوته وجیوبه کل یوم فتستخرج منها كل شيء، وما دام العالم الإسلامي يستدين من الغرب الأموال، ويستعير منه الرجال، ليدبروا حكومته، ويشغلوا الوظائف الخطيرة ويدربوا جيوشه ويستورد منه البضائع، ويجلب منه المنتجات، تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٤١٥ علو الهمة في صناعة الحياة وينظر إليه كأستاذ ومرب، وسيد ورب، لا يبرم أمرًا إلَّا بإذنه ولا يصدر إلَّا عن رأيه، فلا يستطيع أبدًا أن يواجه الغرب فضلاً عن أن يناهضه ويغالبه. هذه هي الناحية العلمية والصناعية التي أخل بها العالم الإسلامي في الماضي فعوقب بالعبودية الطويلة والحياة الذليلة، وابتلى العالم الإسلامي بالسيادة الأوربية الجائرة التي ساقت العالم إلا النار والدمار والتناحر والانتحار، فإن فرط العالم الإسلامي مرة ثانية في الاستعداد العلمي والصناعي والاستقلال في شؤون حياته كتب الشقاء للعالم وطالت محنة الإنسانية وبلاؤها))(١). المنارة الثالثة: الاستقلال العلمي تحت راية الإسلام: ما بلغت الحضارة العلمية أَوْجَهَا وعظمتها إلَّا في زمن تمسّك المسلمين بدينهم وشدة إتباعهم لهدى رسولهم وَّة، ويوم انحرفوا عن دينهم صاروا في ذيْل الركب هذه حقيقة أضوأ من الشعب في رابعة النهار .. لا يمارى فيها إلَّا خبيث النفس، ولا ينتطح فيها عنزان. ! يقول الأستاذ الندوي تحت عنوان «تبوؤ الزعامة في العلم والتحقيق)) من كتابه ((ماذا خسر العالم)): ((وقد تنازل العالم الإسلامي بما فيه العالم العربي - منذ زمن طويل عن مكانته في القيادة العلمية والتوجيه، والاستقلال الفكري، وأصبح عيالًا على الغرب متطفلًا على مائدته حتى في اللغة العربية وآداب اللغة وعلومها، وحتى في علوم الدين كالتفسير والحديث والفقه، وأصبح المستشرقون هم المرشدين الموجهين في البحث (١) ((ماذا خسر العالم)) (ص ٢٩٢ - ٢٩٣). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ د https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ٤١٦ صلاح الأمة في علو الهمة والتحقيق، والدراسة والتأليف، وهم المنتهي والمرجع والحجة في الأحكام والآراء الإسلامية والنظريات العلمية والتاريخية، وهم الأسوة في النقض والإبرام، وعدد كبير منهم قساوس وإرساليون ويهود ومسيحيون متعصبون، يضمرون للإسلام وصاحب رسالته وثيقة العداء والبغضاء وللحضارة الإسلامية السخرية والاستهزاء، ويخونون في النصوص والنقول. ويحرفون الكلام عن مواضعه، ومنهم عدد لم يتقن اللغة العربية ولم يبرع فيها، وهم يخطئون في فهم النصوص وترجمتها أخطاء فاحشة، وقد تغلغلت أفكارهم ودعاياتهم في الأوساط العلمية الحديثة في العالم الإسلامي وتجلت بصورة واضحة في الدعوة إلى فصل الدين عن السياسة وأن الدين قضية شخصية لا شأن له بالمجتمع، وأن الدين عقيدة وعبادة وخلق لا شأن له بالسياسة والحكم، وفي الدعوة إلى تغيير مفهوم الدين وأحكام الشريعة الإسلامية على أساس الحضارة الغربية وفلسفتها، إلى غير ذلك من الأفكار التي يدعو إليها تلاميذ المستشرقين والخاضعون لهم في الشرق الإسلامي. وقد عجز كتاب الشرق المسلمون والمفكرون الشرقيون عن مواجهة الحضارة الغربية وجهًا لوجه ونقد أسسها وقيمها نقدًا حرًا جريئًا. فيه الابتكار، وفيه الاستقلال، وقد بلغ بعضهم من ضعف التفكير، والإغراق في التقليد منزلة رأى فيها أن الحضارة الغربية هي آخر ما وصل إليه العقل البشرى وأنه لا منزلة وراءها، ومنهم من دعا إلى تطبيق الحضارة الغربية برمتها، وعلى علاتها في الشرق، ودعا بعض الأقطار الإسلامية العربية إلى اعتبار نفسها جزءً لا يتجزأ من القارة الأوروبية تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد علو الهمة في صناعة الحياة ٤١٧ وإذابتها فيها واختيار الثقافة اليونانية التي هي أصل الثقافات الأوروبية(١) وندر في هذه الطبقة وجود ((عملاق)) يكفر بالحضارة الغربية وفلسفة حياتها وقيمها ويشرح الحضارة الغربية وأسسها التي قامت عليها في ثقة واعتداد وعلم وبصيرة، ونستثنى من هذه الكلية بعض الأفراد الأفذاذ. ولا بد - إذا أراد العالم الإسلامي أن يقوم على قدميه ويفر بعقله - أن يقاوم هذا الخضوع ويكون فيه علماء عماليق وكتاب جهابذة يتناولون الحضارة الغربية بالنقد والتشريح، وكتابات المستشرقين وآراءهم بالجرح والعديل، ويتبحرون في العلوم الإسلامية ويتعمقون فيها حتى يفيد منهم كبار المستشرقين في أوروبا وأمريكا ويصححون بهم آراءهم وأخطاءهم، ويتوجه رواد العلم والتحقيق والدراسات العالية إلى عواصم العالم العربي وحواضر العالم الإسلامي، كما اعتادوا أن يتوجهوا إلى عواصم أوروبا وأمريكا. فهذه المدن الإسلامية أولى بأن تكون مركزًا للثقافة الإسلامية والعلوم الدينية وآداب اللغة العربية من العواصم الأوروبية وجامعات أوروبا، ومن سقوط الهمة والقناعة بالدون أن تتخلى هذه العواصم العريقة في العلم والدين عن زعامتها العلمية ومكانتها الرئيسية. التنظيم العلمي الجديد: ولا بد للعالم الإسلامي من تنظيم العلم الجديد بما يوافق روحه ورسالته. وقد ساد العالم الإسلامي على العالم القديم بزعامته العلمية فتسرب بذلك في عقلية العالم وثقافته، وتغلغل في أحشاء الأدب والفلسفة، وظل العالم المتمدن قرونًا يفكر بعقله ويكتب بقلمه ويؤلف (١) اقرأ كتاب «مستقبل الثقافة في مصر)) للدكتور طه حسين. تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ٤١٨ صلاح الأمة في علو الهمة بلغته، فكان المؤلفون في إيران وتركستان وأفغانستان والهند لا يؤلفون كتابًا له شأن إلّا باللغة العربية، وكان بعضهم يؤلف الأصل بالعربية ويلخصه بالفارسية كما فعل الغزالي في (كيمياء السعادة)). وإن كانت هذه الحركة العلمية التي ظهرت في صدر الدولة العباسية متأثرة باليونان والعجم، وغير مؤسسة على الفكر الإسلامي النقي والروح الإسلامي؛ وإن كانت فيها مواضع من الناحية العلمية والدينية، ولكنها سادت على العالم بقوتها ونشاطها، واضمحلت أمامها النظم العلمية القديمة. وجاءت نهضة أوروبا فنسخت هذا النظام القديم باختباراتها ونقدها العلمي، ووضعت منهاجًا جديدًا للعلم والدراسة كان نسخة صادقة لروحها وعقليتها ونفسيتها المادية، فلا يخرج منه الطالب إلّا وهو متشبع بهذه الروح، وخضع العالم مرة ثانية لهذا النظام التعليمي، وخضع له العالم الإسلامي بطبيعة الحال -إذا كان مصابًا بالانحطاط العلمي والشلل الفكري من زمان، وكان لا يجد المدد والغوث إلَّا في أوروبا- فقبل هذا النظام التعليمي على علاته، فهو النظام السائد اليوم في إنحاء العالم الإسلامي. وكانت نتيجة هذا النظام الطبيعية، صراعًا بين النفسية الإسلامية-إن كانت لا تزال في الشباب لم تقتلها البيئة- وبين النفسية الجديدة، وبين وجهة الأخلاق الإسلامية ووجهة الأخلاق الأوروبية، وبين الميزان القديم والجديد للأشياء وقيمتها، وكانت نتيجة هذا النظام حدوث الشك والنفاق في الطبقة المثقفة، وقلة الصبر والنهم للحياة، وترجيح العاجل تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ٤١٩ علو الهمة في صناعة الحياة على الآجل، إلى غير ذلك مما هو من طبائع المدنية الأوربية. فإذا أراد العالم الإسلامي أن يستأنف حياته، ويتحرر من رق غيره، وإذا كان يطمح إلى القيادة، فلا بد إذن من الاستقلال التعليمي، بل لا بد من الزعامة العلمية، وما هي بالأمر الهين، إنها تحتاج إلى تفكير عميق، وحركة التدوين والتأليف الواسعة، وخبرة إلى درجة التحقيق والنقد بعلوم العصر مع التشبع بروح الإسلام والإيمان الراسخ بأصوله وتعاليمه، إنها لمهمة تنوء بالعصبة أولى القوة، إنما هي من شأن الحكومات الإسلامية، فتنظم لذلك جمعيات، وتختار لها أساتذة بارعين في كل فن فيضعون منهاجًا تعليميًّا يجمع بين محكمات الكتاب والسنة وحقائق الدين التي لا تتبدل وبين العلوم العصرية النافعة والتجربة والاختبار، ويدونون العلوم العصرية للشباب الإسلامي على أساس الإسلام وبروح الإسلام، وفيها كل ما يحتاج إليه النشء الجديد، مما ينظمون به حياتهم ويحافظون به على كيانهم، ويستغنون به عن الغرب ويستعدون للحرب، ويستخرجون به كنوز أرضهم وينتفعون بخيرات بلادهم، وينظمون مالية البلاد الإسلامية، ويديرون حكوماتهم على تعاليم الإسلام، بحيث يظهر فضل النظام الإسلامي في إدارة البلاد، وتنظيم الشؤون المالية على النظم الأوروبية، وتنحل مشاكل اقتصادية عجزت أوروبا عن حلها. وبالاستعداد الروحي والاستعداد الصناعي والحربي والاستقلال التعليمي ينهض العالم الإسلامي، ويؤدي رسالته وينقذ العام من الانهيار الذي يهدده. فليست القيادة بالهزل، إنما هي جد الجد، فتحتاج إلى جد واجتهاد، وكفاح و جهاد، واستعداد أي استعداد: تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ٤٢٠ صلاح الأمة في علو الهمة كل امرئ يجري إلى يوم الهياج بما استعدا ((دور القيادة الجديدة)): لقد وقف العالم -نتيجة لقيادة الغرب- على فوهة بركان، مستعدٌ للانفجار، أو على شفا جرف هار، ولا صلاح للعالم، ولا بقاء للإنسانية، ما دام الغرب في وضعه الحاضر، هو المهيمن على الحياة كلها وهو مصدر التوجيه والإرادة في جميع القارات، فضلًا عن البلاد والحكومات، کالدمل الممد في جسم الإنسانية السليم، وهو مرد كل قلق، وکل فوضى، و کل ثورة وانقلاب في أقصى الشرق، وفي أبعد أطراف العالم الإسلامي، لا تثمر مع سيطرته جهود إصلاحية، ولا تبقى رغم إرادته ومصالحه حكومات صالحة، ولا نظام راشد، ولا أمل في السعادة إلّا في تحول القيادة والقوة من الغرب المادي الأناني الذي لم يعد قادرًا على إسعاد البشرية، ولا رغبة له فيها، إلى من يحمل للعالم وللإنسانية روحًا جديدًا، وتصميمًا جديدًا، ويعتبر نفسه مسئولًا عن ذلك أمام الله، مكلفًا به من قبله، وهو المسلم الذي ينتظره العالم من جديد، ويهيب به شاعر الإسلام الدكتور محمد إقبال، فيقول: ((أنت للسر الأزلي حارس وأمين، ولسيد هذا الكون يسار ويمين (١) لقد كانت نشأتك من التراب، ولكن بك قوام العالم وبقاء الأمم، اشرب كأسًا فائضة من اليقين، وانهض من حضيض الظن والتخمين، انتبه من السبات العميق، الذي طال أمده، واشتدت وطأته. (١) ((زبور عجم) لإقبال (ص١١٦ - ١١٨) باختصار، ((روائع إقبال)) للندوي (ص ١٠٠ - ١٠١). تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/