النص المفهرس

صفحات 201-220

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
٢٠١
علو الهمة في صناعة الحياة
العدد، ويصرف الناظر من ريع هذا الوقف للقَومَة والفراشين الرجال
والنساء بهذا البيمارستان، ما يرى صرفه إلى كلٍّ بحسب عمله، على أن كلًّا
منهم يقوم بخدمة المرضى والمختلين الرجال والنساء بهذا البيمارستان
وبغسل ثيابهم وتنظيف أماكنهم، وإصلاح شؤونهم والقيام بمصالحهم
على ما يراه من العدة والتقدير، بحيث لا يزيد في العدة ولا في المقادير على
الحاجة إليه في ذلك بحسب الزمان والمكان، ويصرف الناظر ما تدعو
الحاجة إليه في تكفين من يموت بهذا المارستان من المرضى والمختلين
الرجال والنساء، فیصرف ما يحتاج إليه برسم غسله وثمن كفنه و حنوطه،
وأجرة غاسله وحافر قبره ومواراته في قبره على السنة النبوية والحالة
المرضية، ومن كان مريضًا في بيته وهو فقير كان للناظر أن يصرف إليه ما
يحتاج إليه من حاصل هذا المارستان، من الأشربة والأدوية والمعاجين
وغيرها، مع عدم التضييق في الصرف على من هو مقيم به، فإن مات بين
أهله صرف إليه الناظر في موته بتجهيزه وتغسيله وتكفينه وحمله إلى مدفنه
ومواراته في قبره ما يليق بين أهله، ومن حصل له الشفاء والعافية ممن هو
مقيم بهذا البيمارستان المبارك صرف الناظر إليه من ريع هذا الوقف
المذكور كسوة مثله على العادة، بحسب الحال من غير زيادة تقتضي
لتضييق على المرضى والقيام بمصالحهم، كل ذلك على ما يراه الناظر
ويؤدي إليه اجتهاده بحسب ما تدعو إليه الحاجة، وعلى الناظر في هذا
الوقف أن يراعي تقوی الله سبحانه وتعالی سرًّا وجھرًا، ولا یقدم صاحب
جاه على ضعيف، ولا قويًّا على من هو أضعف منه، ولا متأهلاً على
غريب، بل يقدم في الصرف إليه زيادة الأجور والثواب والتقرب إلى رب
الأرباب.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
٢٠٢
صلاح الأمة في علو الهمة
الرابع: مستشفى مراكش: وهو الذي أنشأه أمير المؤمنين المنصور أبو
يوسف من ملوك الموحدين بالمغرب، تخيَّر ساحة فسيحة في مراكش
بأعدل موضع فيها، وأمر البنائين بإتقانه على أحسن الوجوه، وأمر أن
يغرس فيه من جميع الأشجار والمشمومات والمأكولات، وأجرى فيه مياهًا
كثيرة تدور على جميع البيوت زيادة على أربع برك في وسط إحداها رخام
أبيض، ثم أمر له من الفرش النفيسة من أنواع الصوف والكتان والحرير
والأديم وغيره ما لا يوصف، وأقام فيه الصيادلة لعمل الأشربة والأدهان
والأكحال، وأعد فيه للمريض ثياب ليل ونهار للنوم من جهاز الصيف
والشتاء، فإذا نقه المریض، فإن كان فقيرًا أمر له عند خروجه بمال يعيش به
ريثما يشتغل، وإن كان غنيًّا دفع إليه ماله، ولم يقصره على الفقراء دون
الأغنياء، بل كل من مرض بمراكش من غريب حمل إليه وعولج حتى
يشفى أو يموت، وكان في كل جمعة يزوره ويعود المرضى ويسأل عن
أحوالهم وعن معاملة الأطباء والممرضين لهم.
■ وبعد، فهذه نماذج أربعة من مئات المستشفيات التي كانت منتشرة
في شرق العالم الإسلامي وغربه، يوم كانت أوربة تتيه في ظلام الجهل ولا
تعرف شيئًا من هذه المستشفيات ودقتها ونظافتها وسمو العاطفة
الإنسانية فيها، وإليك ما قاله المستشرق الألماني ((ماكس مايرهوف)) عن
حالة المستشفيات في أوربا في العصر الذي كانت فيه المستشفيات في
حضارتنا كما وصفناها .. قال الدكتور ((ماكس)): ((إن المستشفيات العربية
ونظم الصحة في البلاد الإسلامية الغابرة لتلقي علينا الآن درسًا قاسيًا مرَّا
لا نقدره حق قدره إلّا بعد القيام بمقارنة بسيطة مع مستشفيات أوربا في
ذلك الزمن نفسه».
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
٢٠٣
علو الهمة في صناعة الحياة
أكثر من ثلاثة قرون على أوربا، اعتبارًا من زمننا هذا قبل أن تعرف
للمستشفيات العامة معنى، ولا نبالغ إذا قلنا بأنه حتى القرن الثامن عشر
(١٧١٠م) والمرضى يعالجون في بيوتهم أو في دور خاصة كانت
المستشفيات الأوربية قبلها عبارة عن دور عطف وإحسان، ومأوى لمن لا
مأوى لديه، مرضى كانوا أم عاجزين، وأصدق مثال لذلك هو مستشفى
((أوتيل ديو)) بباريس، أكبر مستشفيات أوربا في ذلك العصر، وصفه كل
من (ماکس توردو)) و((تینون)» بما يلي:
((يحتوي المستشفى على ١٢٠٠ سرير، منها ٤٨٦ خصصت لنفر
واحد، أما الباقي ولم تكن سعة الواحد منها تتجاوز خمسة أقدام -فتجد
فيها عادة ما يتراوح بين ثلاثة مرضى وستة، وكانت الردهات الكبرى
عفنة كثيرة الرطوبة، لا منافذ تهوية فيها، مظلمة دومًا، ترى فيها في كل
حين حوالي ثمانمئة مريض يفترشون الأرض وهم مكدسون بعضهم فوق
بعض، على القاع أو على كوم من القش، في حالة يرثى لها .. إنك لتجد في
السرير ذي الحجم المتوسط أربعة أو خمسة أو ستة مرضى متلاصقين، قدم
أحدهم على رأس الثاني، تجد أطفالًا بجانب شيوخ، ونساء بجانب
رجال، ((قد لا تصدق لكنها الحقيقة)) تجد امرأة في المخاض مع طفل في
حالة تشنج مصاب بالتيفوس يحترق في بحران الحمى، وكلاهما إلى جنب
مريض بداء جلدي يحك جلده المهترئ بأظفاره الدامية فيجري قيح البثور
على الأغطية. وطعام المرضى من أخس ما يتصوره العقل، يوزع عليهم
بكميات قليلة للغاية، وفي فترات متباعدة لا نظام فيها، واعتادت
الراهبات أن يحابين المرضى الطائعين المنافقين على حساب الآخرين،
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
٢٠٤
صلاح الأمة في علو الهمة
فيسقينهم الخمور، ويصلنهم بالحلوى والمآكل الدسمة مما يتفضل به
المحسنون في الوقت الذي هم فيه أحوج إلى الحمية، فيموت الكثير منهم
بالتخمة ويفطس غيرهم جوعًا، وكانت أبواب المستشفى مفتوحة في كل
وقت وحين لكل رائح وغاد، وبهذا تنتشر العدوى بانتقالها، وبالفضلات
وبالهواء النتن الملوث، وإن لم يتفضل المحسنون على المرضى ماتوا جوعًا،
كما يموتون أحيانًا بالتخمة أو من فرط السكر، والفرش حافلة بالحشرات
الدنيئة، وهواء الحجرات لا يطاق لفساده، حتى أن الخدم والممرضين لم
يكونوا يجرؤون على الدخول إلَّا بعد وضع إسفنجة مبللة بالخل على
أنوفهم، وتترك جثث الموتى ٢٤ ساعة على الأقل قبل رفعها من السرير
المشاع، وكثيرًا ما تتفسخ الجثة وتتعفن وهي ملقاة بجانب مريض يكاد
یطیر صوابه)).
هذه مقارنة بسيطة بين حالة المستشفيات عندنا في عهود حضارتنا،
وحالتها عند الغربيين في تلك العصور، وهي تدل على مبلغ الانحطاط
العلمي الذي كان عليه القوم من الجهل الفاضح بأصول المستشفيات، بل
بقواعد الصحة العامة البديهية.
إن حضارتنا كانت أسبق من الغربيين إلى تنظيم المستشفيات بتسعة
قرون على الأقل .. وأن مستشفياتنا قامت على عاطفة إنسانية نبيلة لا مثيل
لها في التاريخ ولا يعرفها الغربيون حتى اليوم .. وأننا بلغنا في تحقيق
التكافل الاجتماعي حدًّا لم تبلغه الحضارة الغربية حتى اليوم حين نجعل
الطب والعلاج والغذاء للمريض بالمجان، بل حين كُنَّا نُعطي الفقير الناقه
من المال ما يُنفق على نفسه حتى يصبح قادرًا على العمل .. إن هذه نزعة
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
علو الهمة في صناعة الحياة
٢٠٥
إنسانية بلغنا فيها الذروة يوم كنا نحمل لواء الحضارة، فأين نحن منها
اليوم، وأين منها هؤلاء الغربيون؟(١).
المكتبات:
■ الحديث عن المكتبات في حضارتنا حديثٌ شیِّقٌ، فقد كانت مدارس
للتعليم، ومؤسسات يُنفق عليها الأمراء والأثرياء والعلماء، لينتشر العلم
بين الناس، وخصوصًا في ذلك الزمن الذي لم تكن فيه الطباعة موجودة،
وكانت الكتب تنسخ على أيدي نسَّاخ متخصصين لهذا العمل، فکان يبلغ
بذلك ثمن الكتاب حَدًّا قد يتعذّر على طالب العلم أو العالم الفقير شراؤه،
فكيف إذا أراد أن تكون له مجموعة من الكتب في الفن أو العلم الذي
يتخصص فيه؟ ومن هنا كان قيام المكتبات في مجتمعنا الماضي منبعثًا عن
عاطفة إنسانية وعن نزعة علمية في وقت واحد.
■ لعل الأدب العربي هو أغنى الآداب العالمية القديمة بالتغني
بالكتاب والولع به والرغبة فيه والتحدث عنه، حتى لكأنه حبيب نأى
مزاره وشطّت داره، فالقلوب إليه منصرفة وبه مولعة، قال أحمد بن
إسماعيل: ((الكتاب هو المسامر الذي لا يبتدئك في حال شغلك، ولا
يدعوك في وقت نشاطك، ولا يحوجك إلى التجمل له، والكتاب هو
الجليس الذي لا يطريك، والصديق الذي لا يغريك، والرفيق الذي لا
يُمِلَّك، والناصح الذي لا يستزلّك)). ولقد كانوا يفضلون مطالعة الكتب
على غشيان الناس في مجالسهم، ويرون الأنس بها أقرب إلى القلب من
الأنس بالخليفة أو ذي سلطان ..
(١) ((من روائع حضارتنا)) (ص١٠٧ - ١١٨) مُلَخَّصًا.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
٢٠٦
صلاح الأمة في علو الهمة
أمينون مأمونون غيبًا ومشهدًا
هُمُ جلساءُ ما تمل حديثهم
معينًا على نفي الهموم مؤيدًا
إذا ما خلونا كان خير حديثهم
وعقلًا وتأديبًا ورأيًا وسؤددًا
يفيدوننا من علمهم علم ما مضى
ولا نتقي منهم لسانًا ولا يدا
فلا ريبة تخشى ولا سوء عشرة
وإن قلت أحياء فلست مُفَنَّدًا
فإن قلت أموات فلست بكاذب
■ وفَضَّلَ الصاحب بن عباد أن يبقى بجانب مكتبته على أن يتولى
أعظم المناصب في بلاط نوح بن منصور الساماني، ذلك أنه مولع بمكتبته،
فلا هو يستطيع الذهاب بدونها، ولا هو يستطيع حملها معه، فآثر أن يبقى
بجانبها.
بهذه الروح العلمية شغف علماؤنا وأغنياؤنا وأمراؤنا بالكتب
وجمعها، حتى أنهم كانوا يرون نكبتهم في أموالهم وبيوتهم أيسر عليهم من
نکبتھم في کتبھم.
■ هجم الجنود مرة على دار ابن العميد بعد أن انتصروا على غلمانه
وحراسه، ففر ابن العميد إلى دار الإمارة، فوجد أن خزائنه جميعها قد
نهبت، حتى أنه لم يجد ما يجلس عليه، ولا وجد كوزًا يشرب فيه الماء
واشتغل قلبه بدفاتره وكتبه، ولم يكن شيء أعز عليه منها، وكانت كثيرة
تشمل جميع العلوم، وكل نوع من أنواع الحكم والأدب، تحمل على مئة
بعير فأكثر، فلما رأى ابن العميد خازن مكتبته سأله عنها فأجابه: هي
بحالها لم تمسها يد، فسرّي عن ابن العميد، وقال لخازنه: أشهد أنك ميمون
النقيبة، أما سائر الخزائن فيوجد عنها عوض، وهذه الخزانة -أي مكتبته-
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
علو الهمة في صناعة الحياة
٢٠٧
هي التي لا عوض لها.
■ وبهذه الروح العلمية كانوا يتنافسون في شراء المؤلفات العلمية من
مؤلفيها غب الانتهاء من تأليفها. سمع الحكم أمير الأندلس بكتاب
الأغاني المشهور الآن في عالم الأدب، فأرسل إلى مؤلفه أبي الفرج
الأصفهاني ألف دينار من الذهب ثمن نسخة منه، فأرسل إليه أبو الفرج
بنسخة من كتابه، فقرِئ كتابه في الأندلس قبل أن يقرأ في العراق موطن
المؤلف.
وقد نشأ عن هذه الروح العلمية انتشار المكتبات في شتى أنحاء العالم
الإسلامي، فقلّما كانت مدرسة ليس بجانبها مكتبة، وقلّ أن تجد قرية
صغيرة ليس فيها مكتبة، أما العواصم والمدن فقد كانت تغصُّ بدور
الكتب بشكل لا مثيل له في تاريخ العصور الوسطى.
■ كانت المكتبات نوعين رئيسين: عامة وخاصة.
أما العامة فقد كان ينشئها الخلفاء والأمراء والعلماء والأغنياء، كانت
تشيَّد لها أبنية خاصة، وأحيانًا كانت تلحق بالمساجد والمدارس الكبرى.
أما الأبنية الخاصة، فقد كانت تشتمل على حجرات متعددة تربط بينها
أروقة فسيحة، وكانت الكتب توضع على رفوف مثبتة بالجدران تخصص
كل غرفة لفرع من فروع العلم، فلكتب الفقه غرفة، ولكتب الطب غرفة،
ولكتب الأدب غرفة، وهكذا. وكان فيها أروقة خاصة للمطالعين،
وغرف خاصة للنساخ الذين ينسخون الكتب، وفي بعضها غرف
للموسيقى، يلجأ إليها المطالعون للترفيه وتجديد النشاط. وهذا مما تفردت
به حضارتنا -وفيها غرف لحلقات الدراسة والنقاش العلمي بين رواد
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
٢٠٨
صلاح الأمة في علو الهمة
تلك المكتبات، وكانت جميعها تؤثث تأثيثًا فخمًا ومريحًا، وكان في بعضها
غرف لطعام روادها، ومنامة للغرباء منهم. كالذي قيل في مكتبة علي بن
يحيى بن المنجم، فقد كان له قصر عظيم في قرية قريبة من بغداد (هي كركر
من نواحي القفص))، وفيه مكتبة عظيمة كان يسميها خزانة الحكمة،
يقصدها الناس من كل بلد فيقيمون فيها ويتعلمون منها صنوف العلم،
والكتب مبذولة في ذلك لهم، والأرزاق مغدقة عليهم، وكل ذلك من مال
علي بن يحيى نفسه، بل هنالك ما هو أطرف من ذلك مما لا نعلم له مثيلاً
اليوم في أرقى عواصم الحضارة الغربية، فقد كان في الموصل دار أنشأها
أبو القاسم جعفر بن محمد بن حمدان الموصلي، وسماها دار العلم، وجعل
فيها خزانة كتب من جميع العلوم وقفًا على كل طالب علم لا يمنع أحد
من دخولها، وإذا جاءها غريب يطلب الأدب وكان معسرًا أعطاه ورَقًّا
ووَرِقًا -أي: كتبًا ونقودًا-، وكانت تفتح في كل يوم .. فهل سمعتم حتى
الآن بمكتبة في لندن أو واشنطن أو عاصمة من عواصم العالم الكبرى
اليوم تمنح الأدب والأموال لطلبة العلم؟ ..
وكان للمكتبات العامة موظفون يرأسهم خازن المكتبة، وهو دائمًا من
أشهر علماء عصره، ومناولون يناولون الكتب للمطالعين، ومترجمون
ينقلون الكتب من غير العربية إلى العربية، ونساخ يكتبون الكتب
بخطوطهم الجميلة، ومجلدون يجلدون الكتب لتحفظ من التمزق
والضياع، هذا عدا عن الخدم وغيرهم ممن تقتضيهم حاجة المكتبات.
وكان لكل مكتبة صغيرة أو كبيرة فهارس يُرجع إليها لسهولة
استعمال الكتب، وهي مبوبة بحسب أبواب العلم، وبجانب هذا كانت
توضع قائمة على كل دولاب تحتوي على أسماء الكتب الموجودة في
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
٢٠٩
علو الهمة في صناعة الحياة
الدولاب، وكان من المعروف في نظام المكتبات أن الاستعارة الخارجية
مسموحة في أغلبها لقاء ضمان عن الكتاب من عامة الناس، أما العلماء
وذوو الفضل فلم یؤخذ منهم ضمان.
أما الموارد المالية التي كانت تقوم بنفقات المكتبات، فمنها ما كان من
الأوقاف التي تنشأ من أجلها خاصة، وهذه حال أكثر المكتبات العامة
ومنها ما كان من عطايا الأمراء والأغنياء والعلماء الذين يؤسسون تلك
المكتبات، فقد قالوا: إنه كان عطاء محمد بن عبد الملك الزيات للنقلة
والنساخ في مكتبته الفي دينار كل شهر. وكان المأمون يُعطي حنين بن
إسحاق من الذهب زنة ما ينقله من الكتب إلى العربية مثلًا بمثل.
والآن لنذكر بعض الأمثلة عن المكتبات العامة والخاصة التي كان لها ذكر في
التاريخ من أشهر المكتبات:
مكتبة الخلفاء الفاطميين في القاهرة: كانت مكتبة عجيبة بما حوت
من نفائس المصاحف والكتب، بلغ مجموع كتبها كما يروي كثير من
المؤرخين مليوني كتاب، وإن كان المقريزي يميل إلى أنها مليون وستمئة
ألف كتاب.
■ ومنها مكتبة دار الحكمة بالقاهرة: أنشأها الحاكم بأمر الله،
وافتُتحت في ١٠ من جمادي الآخرة ٣٩٥هـ. بعد أن فُرشت وزُخرِفت،
وعُلِّقت على جميع أبوابها وممراتها الستور، وأُقِيم بها القوَّامون والمناولون
والفرّاشون، وقد جُمع فيها من الكتب ما لم يجتمع لأحد قط من الملوك،
حتى كانت تضم أربعين خزانة، احتوت إحدى خزائنها على ١٨٠٠٠
كتاب من العلوم القديمة، وكان الدخول إليها مباحًا لجميع الناس،
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
٢١٠
صلاح الأمة في علو الهمة
فمنهم من يحضر لقراءة الكتب، ومنهم من يحضر للنّسَخ، ومنهم من
يحضر للتعلم، وكان فيها كل ما يحتاج إليه الناس من الحبر والأقلام
والورق والمحابر.
■ ومنها بيت الحكمة في بغداد: أنشأها هارون الرشيد، وبلغت ذروة
مجدها في عصر المأمون. كانت أشبه بجامعة فيها كتب يجتمع فيها رجال
يتفاوضون ويطالعون وينسخون، وكان فيها نُسَّاخ ومترجمون يترجمون ما
كان يحصل عليه الرشيد والمأمون في فتوحاتهم بأنقرة وعمورية وقبرص،
ويحدثنا ابن النديم أن المأمون كانت بينه وبين ملك الروم مراسلات، وقد
انتصر عليه المأمون في بعض المعارك، فجعل من شروط الصلح أن يسمح
ملك الروم بترجمة ما في خزائنه من كتب بواسطة العلماء الذين يرسلهم
المأمون، ففعل، وهذا أعظم ما يُروَى في التاريخ عن حاكم منتصر لا يرى
ثمنًا للنَّصْر أغلى من كُتُبِ العِلم ينقُلها إلى أبناء أمَّته وبلاده.
مكتبة الحكم بقرطبة بالأندلس أكبر مكتبات العالم:
بدأت النهضة العلمية في حياة الخليفة عبد الرحمن الناصر، وقد بلغ
من عناية الناصر بالعلم والمعرفة أن بذل جُهْدًا خارقًا في جَمْع الكُتُب، كما
وضع أساس المكتبة الأموية الكبرى (١) التي ازدهرت في عهد ابنه
((المستنصر)) ورفعت من شأن الأندلس كمنارة علميّة كبرى يقصدها
القاصي والداني.
■ ويُذكَر أنه اشتُهر عنه اهتمامه بالكتب وولعه الشديد باقتنائها، حتى
بلغ ذلك أحد ملوك عصره، وهو الإمبراطور -أرمانوس - الذي أرسل له
(١) ((المكتبات في الإسلام)) لماهر حمادة (ص ١٢٢).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
٢١١
علو الهمة في صناعة الحياة
هدية علميَّة يتودده ويأمل أن يجوز رضاه، فأرسل إليه كتابَيْن من تصانيف
الأوائل، أحدهما في الطبِّ وهو كتاب ((ديستوريدس))، والآخر في
التاريخ: وهو كتاب ((رهوشيش)) وكان باللاتينية))(١).
ثم تولَّى من بعده ابنه ((الحكم المستنصر) وكان عالماً ثبتًا، وكان
عصره عصر العلم والعلماء والرُّقيِّ والازدهار بالأندلس.
■ وفي أيامه كثر العلماء وأدلوا بما عندهم، وأَلَّفت التواليف، وصُنِّفت
التصانيف))(٢).
■ واهتمّ ◌َمَنَّهُ بالكُتُب اهتمامًا بالغًا، وسار على نهج والده في ذلك، في
الحرص على جمع كُلِّ المؤلفات في مكان واحد، فكانت ((مكتبة قرطبة))
التي تحوَّلت إلى ما يشبه الجامعة في عصرنا؛ لأنها كانت بحق ((دار
العلوم)»، حيث كانت تستقبل أفواجًا من الكُتُب، التي كان المستنصر قد
أوصى بها أعوانه المنتشرين في كل مكان من العالم الإسلامي يومئذٍ،
وهكذا رسم المستنصر خطة لإنشاء مكتبة عامرة تكون عونًا لطلاب العلم
ومرجعًا أساسيًّا لكل من أراد الاستزادة، وأمد الحكم المكتبة بذخائر
نفيسة من التآليف العلمية، حتى أصبحت في صورة فريدة لم يجمع مثلها
أيُّ خليفة في الإسلام، وبلغ من ضخامة محتويات تلك المكتبة أن اشتهر
أمرها في الأوساط العلمية في العالم الإسلامي حتى أصبحت مثلًا بارزًا
على الازدهار العلمي والنشاط الفكري، وغدت من أعظم خزائن الكتب
(١) ((العلم وبناء الأمم)) (ص٣٧٨).
(٢) ((ريحان الألباب)) للأشبيلي.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٢١٢
صلاح الأمة في علو الهمة
في الإسلام(١).
) قال ابن الأبار في حديثه عن ((الحكم)) إنه ((كان حسن السيرة فاضلًا
عادلًا مشغوفًا بالعلوم، حريصًا على اقتناء دواوينها، يبعث فيها إلى
الأقطار والبلدان، ويبذل في أعلافها ودفاترها أحسن الأثمان، ونفق ذلك
لدَيْه، فحُمِلت من كل جهة إليه، والمُلْك سُوق، ما نفق فيها جُلِب إليها،
حتى غَصَّتْ بها بيوته، وضاقت عنها خزائنه))(٢).
ولم يُسْمَع في الإسلام بخليفة بلغ مبلغ ((الحكم)» في اقتناء الكتب
0
والدواوين وإيثارها والاهتمام بها.
■ وكان له ورّاقون بأقطار البلاد ينتخبون له غرائب التواليف قال أبو
محمد بن حزم في كتاب ((جمرة الأنساب)) عن (الحكم)): ((اتصلت ولايته
خمسة عشر عامًا في هدوء وعُلُوِّ، وكان رفيقًا بالرَّعِيَّة، مُحِبًّا للعلم، ملأ
الأندلس بجميع كتب العلم. وأخبرني تليد الفتى -وكان على خزانة
العلوم بقصر بني مروان بالأندلس- أن عدد الفهارس التي كانت فيها
تسمیة الکتب أربع وأربعون فهرسة، في کل فهرسة خمسون ورقة، لیس
فيها إلَّا ذكر أسماء الدواوين فقط))(٣).
فإذا كان هذا الحال مع الدواوين -تتجاوز الألفي ديوان- فما بالنا
بمصنفات العلم وكتب العلم والمعرفة، وكان بها فهرسة موضوعية
للكتب.
(١) ((صبح الأعشى)) للقلقشندي (١ / ٤٦٦).
(٢) ((الحلة السيراء)) لابن الأبار (١ / ٢٠١).
(٣) ((جمهرة أنساب العرب)) لابن حزم (١/ ٤٤).
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
٢١٣
علو الهمة في صناعة الحياة
وذكر ((المقّري)) عند حديثه عن مكتبة المستنصر: ((أنه جمع من
الكُتِب ما لا يُحدَّ ولا يوصف كثرة ونفاسة، حتى قيل: إنها كانت أربعمئة
ألف مجلّد، وأنهم لما نقلوها أقاموا ستة أشهر في نقلها))(١).
بل إن المستشرقة الألمانية ((زيغريد هونكه)) أشارت إلى أن تلك المكتبة
ضمَّت تصف مليون كتاب))(٢).
■ وما حقَّقه الأندلسيون في ميدان العلم جعلتهم يصفون قصر الحكم
بأنه ((مصنع لا يُرَى فيه إلَّا النَّساخون والمجلِّدون والمزخرفون يُحُلَّون
الكتب بالمنمنمات والرسوم الجميلة)»(٣).
ولأهمية النسخ في النشاط العلمي اهتم الخلفاء باستقدام أمهر
الكُتَّاب، بل تذكر صاحبة كتاب ((فن التجليد عند المسلمين)) أن ذلك
الاهتمام تعدى إلى المُجِّدين (٤).
· يُضاف إلى ذلك جهود الخليفة المستنصر في رفع شأن التعليم في
بلاده وتيسيره لرعيّته، فيذكر ابن عذارى أنه: ((أمر بإنشاء سبع وعشرين
مكتبة يُلْحَق ثلاث منها بالمسجد الجامع بقرطبة، والباقي فرّقه على أنحاء
قرطبة، وعيّن فيها العلماء والفقهاء للقيام بتدريس النشء في تلك
المكتبات، وأجرى عليهم المرتَّبات، وأغدق عليهم الصِّلات، وبالغ في
تعليم أطفال المسلمين)) (٥).
(١) ((نفح الطيب)) للمقري (٣٩٥/١).
(٢) ((شمس العرب تسطع على الغرب)) (ص٣٥٣).
(٣) ((تاريخ الفكر الأندلسي)) لإنجل جونثالث ترجمة حسين مؤنس (ص١٥).
(٤) ((فن التجليد عند المسلمين)) لاعتماد القصيري (ص ٣٠).
(٥) ((البيان المغرب)) لابن عذارى (٢٤٠/٢).
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
٢١٤
صلاح الأمة في علو الهمة
■ ومنها مكتبة بني عمار في طرابلس: كانت آية من الآيات في العظمة
والضخامة، کان فيها مئة و ثمانون ناسخًا ينسخون فيها الكتب، ويتبادلون
العمل ليلًا ونهارًا بحيث لا ينقطع النسخ، وكان بنو عمار يحرصون على أن
يزودوها بكل نادر وكل جديد من الكتب، ووظفوا إخصائيين وتجارًا
ليجوبوا البلاد ويحرزوا لهم الكتب المفيدة من البلدان النائية والأقطار
الأجنبية، استفاد منهم المعري وذكرها في بعض كتبه، واختلف في مقدار
ما کان فيها وأعدل الأقوال أنها كانت تحوي ملیون کتاب.
ومنها مكتبة جمال الدين القفطي -المتوفى عام ٦٤٦هـ -: جمع من
الکتب ما لا یوصف، وقُصد بها من الآفاق طمعًا في سخائه وكرمه، وكان
لا يجب من الدنيا سوى الكتب، فأوقف عليها نفْسَه، ورفض أن يتزوج
حتى لا يشغله الأهل والأولاد عنها، وأوصى بمكتبته للناصر، وكانت
تساوي خمسین ألف دینار.
وبعد، فلئن كانت النشوة تملأ نفوسنا حين نتحدث عن انتشار
المكتبات في العالم الإسلامي في عصور حضارته الزاهرة، فإن الأسی ليملأ
قلوبنا حین نتذکر مصائر هذه المكتبات، وما تعرضت له من بوار وحرائق
لا يمكن أن تقدر خسارة العلم فيها أبدًا.
لقد أصيبت مكتباتنا بما قضى على ملايين الكتب منها بحيث فقدها
العالم إلى الأبد، وهي من أثمن ما خلفه الفكر الإنساني في التاريخ.
فنکبة التتار حین افتتحوا بغداد، أصابت هذه المكتبات قبل أن تصيب
أي شيء غيرها، وكلنا يعلم أن التتار الهمج قذفوا بما وجدوا في دور
الكتب العامة في نهر دجلة حتى فاض النهر بالكتب الملقاة فیه، فکان یعبر
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
٢١٥
علو الهمة في صناعة الحياة
الفارس عليها من ضفة إلى ضفة، وظل ماء النهر أسود داكنًا أشهرًا طويلة
من تغيره بمداد الكتب التي أغرقت فيه.
ونكبة الغزو الصليبي أفقدتنا أعزّ المكتبات التي كانت في طرابلس
والمعرة والقدس وغزة وعسقلان وغيرها من المدن التي خربها
الصليبيون، وحسبنا أن نعلم أن بعض المؤرخين قدر ما أتلفه الصليبيون
في طرابلس وحدها بثلاثة ملایین مجلد.
ونكبة استيلاء الأسبان على الأندلس أفقدتنا تلك المكتبات العظيمة
التي يتحدث عنها التاريخ بذهول، فقد احترقت كلها بفعل المتديِّنين
المتعصبين، حتى أنه قد أحرق في يوم واحد في ميدان غرناطة ما قدره
بعض المؤرخين بمليون کتاب.
ودعوا نكباتنا العامة إلى نكباتنا في الفتن الداخلية، فقد كانت نهاية
مكتبة الخلفاء الفاطميين أن اعتدى عليها الغوغاء من المماليك الأتراك،
فأشعلوا فيها النار، واقتسم العبيد جلود كتبها فاتخذوها نعالًا يلبسونها،
وأُلقي منها عدد كبير في النيل، وحُمِل بعضها إلى سائر الأقطار، وبقي منها
ما سفت عليه الرياح، فصار تلالا يعرف بتلال الكتب.
هذا حديث مكتباتنا في عصور حضارتنا، وهذه نهاية ما انتهت إليه،
ولئن كان الاعتراف للأعداء بالجميل صعبًا على النفس، فإن من الواجب
أن نعترف أن دور الكتب في أوربا حفظت لنا كثيرًا من البقية الباقية من
هذا التراث، وأن فيها من ذخائر المؤلفات العربية ما لا يوجد مثله في العالم
الإسلامي كله الآن (١).
(١) ((من روائع حضارتنا)).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٢١٦
صلاح الأمة في علو الهمة
العمران في حضارتنا :
المساجد والمدن .. مسجد قرطبة يدل على علوهمة المسلمين:
صَفَحاتُ الجمال تُهدي نَفَحات الاجتهاد:
■ قال الأستاذ محمد أحمد الراشد في كتابه ((صناعة الحياة)): ((والمهندس
المعماري من أهم صناع الحياة، فإن بعض عجيبة النحل يكمن في
سداسيّاتها، ونصف جمال الحياة بين جناحي فراشة.
إِنَّ حسَّ الجمال رزقٌ من الله وزعه على المخلوقات من بعض ما عنده
من جمال وحب للجمال، كما وزع بعض الرحمة التي عنده.
فجمال الزهور الجميلة من مقدمات تلقيحها، وجمال الديك
والطاووس إنما كان لأن عملية البيض والحضن صعبة تأباها الأنثى لولا
جاذبية الجمال.
وقد سخّر الله تعالى بإذنه بعض الناس أن يكونوا صُنَّاعًا للجمال،
والمعماري منهم، فهو يبني النفوس والأذواق وجيِّد الطباع بمبادئ التناظر
والتعادل والتناسق والتدرج والتناسب.
المدينة الجميلة جزء من الحياة، ولذلك حين يقول المعماريون المؤمنون
بعد أن يساهموا في بنائها أن: أيها الناس آمنوا: سيؤمن منهم عدد، وألف
ضعف ذلك العدد تكون نفسه قد تعادلت وأنكرت الشذوذ واقتربت من
الإيمان، بإيحاءات الجمال التي صاغها المهندسون.
يؤذنون من على عروشهم المعمارية في آن واحد مع المؤذنين من على
منابر المساجد.
إن جانبًا من محنة الناس يكمن في فساد الأذواق وانحراف الطباع،
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
٢١٧
علو الهمة في صناعة الحياة
٠
ولا يقبل الكفر إلّا صاحب نفس معكوسة منكوسة، وسَوِيُّ النفس
أقرب إلى الإيمان، وبحقٍ رصد عباس محمود العقاد انتساب أصحاب
الانحرافات إلى الشيوعية حتى وصفها بأنها مذهب ذوي العاهات.
إن المعماري قرين الواعظ في تسوية النفوس.
هي فلسفة في الحياة ... لكن اسمها جدار ورواق.
وفلسفة من المعاني ... لكن يلقبونها بابًا وباحة.
وحشد من المعاني ... مترجم بأقواس وأعمدة وأخشاب نافرة.
وحاجة الدعوة إلى رهط من المعماريين يشاركون في تعليم الدعاة
والمؤمنين موازين الجمال هي من جنس حاجتها إلى علماء يُعلِّمونهم
موازين المزني وشوافع الشافعي ومِلاك مصالح مالك، ولو فوّض الأمر
إليَّ لدفعت ربع أذكياء شباب الدعوة إلى دراسة فنون العمارة، ولأدخلت
ذلك في الخطة وجعلته حتمًا واجبًا، فإن تعادل العقلانية والعاطفية في
الأداء الدعوي يلزمه الاقتران بالمعايير الجمالية، ليتم بهذه الثلاث استواء
الصناعة الحيوية، ومن الخطأ أن نفهم أن الدور المعماري يلزمه التعقيد
والبذخ والتعاظم والإسراف والتطاول والتبذير والتكلف ليؤدي
وظيفته، وإنما يؤديه من خلال البساطة والتواضع ومجانسة البيئة والجري
مع الفطرة واستعمال المواد الخام غير المصنعة، وبدأ الجيل الجديد من
المعماريين يعود إلى هذه المعاني الأصيلة، ولعل أثر جماعة المعماريين المؤمنين
في التربية الدعوية هو الجزء الناقص فيها المكمل لآثار الحَسَن البصري
والجنید.
إن مدينتنا الفاضلة كما تبنيها أبيات الشعراء وتضع قوانينها طوائف
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٢١٨
صلاح الأمة في علو الهمة
الفقهاء، فإنها تتلألأ بلمسات فنون العمارة، لتكون وحدة واحدة متجانسة
بمادتها ومعانيها.
وقد كانت إنجازات السلف أيام الازدهار الحضاري كذلك.
فاس المغربية وحدة واحدة كلها، وكلها مُصانة الآن محفوظة من الهدم
والتغيير بإشراف الأمم المتحدة، وهي كتلة معمارية كلها، ومَعْلَم من مَعالم
الإنسانية حين تنضج ويسمو ذوقها.
وقصر الحمراء ومقترباته وأركان غرناطة كتلة مندمجة.
ومدارس بغداد وخاناتها وبقايا سورها ومساجدها وأزقتها
ومستنصريتها علاقات جمالية مؤداة على نسق، بعضها من بعض.
وصنعاء لوحة فنية واحدة، وكذا دمشق والقاهرة، والقيروان
وتلمسان، وبخاری وسمرقند، وأصفهان واستانبول.
ولهذا فإن سواء أنفس أجيال المسلمين بالأمس هو من تأثير هذه
المعطيات الحضارية الفنية كما هو تأثير الإيمان (١).
قرطبة ومسجدها في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي):
امتدادًا لحضارة إسلامية إنسانيّة، طالت السماء وناطحتها؛ عِلْمًا وقِيًا
ومجدًا، بزغ نجم مدينة قرطبة كشاهد حيٍّ على ما وصلت إليه حضارة
المسلمين وعزّ الإسلام في ذلك الوقت من التاريخ وهو منتصف القرن
الرابع الهجري يوم أن كانت أوروبا تغطّ في جهل عميق.
■ قرطبة التي قال فيها عبد الرحمن الناصر:
(١) ((صناعة الحياة)) لمحمد أحمد الراشد (ص ٣٤ - ٣٦) - دار المنطلق - دبي - الإمارات.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
٢١٩
علو الهمة في صناعة الحياة
مِن بَعْدِهم فَبِألسُن البنيانِ
هِمَمُ الملوك إذا أرادوا ذِكْرَهَا
مَلِكٌ محاهُ حوادث الأزمانِ
أَوَ ما ترى المَرَمَيْن قد بقيا وكم
أضحى يدلُّ على عظيم الشان
إِنَّ البناء إذا تعاظم شأنه
ا غَدَتْ تُنافس القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية في
قَارتها، وبغداد في المشرق، والقيروان والقاهرة في إفريقيا، وحتى أطلق
عليها الأوربيون ((جوهرة العالم)).
ومن معالم قرطبة الحضارية:
١- قنطرة قرطبة: من المعالم المهمة في قرطبة، ((قنطرة قرطبة)) والتي
تقع على نهر الوادي الكبير، وقد عُرفت باسم (الجسر)) وأيضًا ((قنطرة
الدهر))، وكان طولها سبعة وثلاثين مترًا تقريبًا، وأما عرضها فثمانون ذراعًا
(الذراع يساوي ٦٤ سم)، وارتفاعها ستون ذراعًا !!
■ وقد وصفها ابن الوردي فقال: ((وبمدينة قرطبة القنطرة العجيبة
التي فاقت قناطر الدنيا حُسْنًا وإتقانًا، وعدد قسيها سبع عشرة قوسًا، كل
قوْس منها خمسون شبرًا وبين كل قوسيْن خمسون شبرًا)) (١).
■ ووصفها الإدريسي فقال: ((ولقرطبة القنطرة التي عَلَت القناطر
فخرًا في بنائها وإتقانها .. ))(٢).
٢- مسجد قرطبة:
بدأ بناؤه عبد الرحمن الداخل سنة ١٧٠ هـ/ ٧٨٦م ومن بعده ابنه
(١) ((خريدة العجائب وفريدة الغرائب)) لابن الوردي (ص ١٢).
(٢) ((نزهة المشتاق)) للإدريسي (٥٧٩/٢).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
٢٢٠
صلاح الأمة في علو الهمة
هشام الأول وكان كل خليفة جديد يضيف لهذا الجامع مع ما يزيد في
سعته وتزيينه .. ليكون أجمل المساجد في مدينة قرطبة، ومن أكبر المساجد
في وقت وجوده !!.
■ وفي وصف لهذا الجامع يقول صاحب ((الرَّوْض المعطار)): ((وبها
بـ((قرطبة)) الجامع المشهور أمره الرائع ذكره من أجلٌّ مساجد الدنيا كِبرَ
مساحة، وإحكامَ صنعة، وجمال هيئة، وإتقان بنية، تهمم به الخلفاء
المروانيون فزادوا فيه زيادة بعد زيادة، وتتميمًا إثر تتميم، حتى بلغ الغاية في
الإتقان، فصار يحار فيه الطرف، ويعجز عن حسنه الوصف، وليس في
مساجد المسلمين مثله تنميقًا وطولًا وعرضًا !! )).
طوله مئة باع وثمانون باعًا، ونصفه مسقف ونصفه صحن بلا سقف،
وسواريه ألف سارية، وفيه مئة وثلاث عشرة ثريا للوقيد، أكبر واحدة
منها تحمل ألف مصباح، وأقلّها تحمل اثني عشر مصباحًا، وجميع خشبه
من عيدان الصنوبر الطرطوشي وفي سقفه من ضروب الصنائع والنقوش
ما لا يشبه بعضه بعضًا، قد أُحِكم ترتيبها وأُبدِع تلوينها بأنواع الحمرة
والبياض والزرقة والخضرة والتكحيل، فهي تروق العيون وتستميل
النفوس بإتقان ترسيمها ومختلفات ألوانها.
■ ولهذا الجامع قبلة يعجز الواصفون عن وصفها، وفيها اتقان يبهر
العقول تنميقها، وفيها من الفسيفساء المذهب والبلور مما بعث به صاحب
القسطنطينية إلى عبد الرحمن الناصر. وفيه المنبر الذي ليس معمور الأرض
مثله صنعة، خشبه أبنوس وبقس وعود المجمر، يقال إنه صُنع في سبع
سنین.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/