النص المفهرس

صفحات 181-200

https://arabessam.blogspot.com/
١٨١
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
علو الهمة في صناعة الحياة
الغربيين في السلاح لا يسمحون لنا به إلّا بشروط تقضي على كرامتنا
واستقلالنا.
ويتبع ذلك أوقاف خاصة يُعطى ريعها لمن يريد الجهاد، وللجيش
المحارب حين تعجز الدولة عن الإنفاق على كل أفراده، وبذلك كان
سبيل الجهاد ميسرًا لكل مناضل يودّ أن يبيع حياته في سبيل الله ليشتري
بها جنةً عرضها السموات والأرض .. فانظر كيف عاد بنا الأمر إلى أن
نقيم أسبوعًا للتسلح تُجمع فيه التبرعات لتقوية الجيش وتسليحه، ولو
كان عندنا وعي اجتماعي وإيمان صادق لأقمنا من أموالنا كل يوم -لا
أسبوعًا واحدًا في العام - مصانع لتزويد جيشنا بالسلاح والعتاد، حتى
یکون من أقوى الجيوش وأكثرها استعدادًا لصد العدوان وحماية الديار.
ومن المؤسسات الاجتماعية ما كانت وقفًا لإصلاح الطرقات
والقناطر والجسور، ومنها ما كانت للمقابر يتبرع الرجل بالأرض
الواسعة لتكون مقبرة عامة.
ومنها: ما کان لشراء أکفان الموتى للفقراء وتجهیزهم ودفنهم.
أما المؤسسات الخيرية لإقامة التكافل الاجتماعي، فقد كانت عجبًا من
العجب، فهناك مؤسسات للّقطاء واليتامى ولختانهم ورعايتهم،
ومؤسسات للمقعدين والعميان والعجزة؛ يعيشون فيها موفوري الكرامة
لهم كل ما يحتاجون من سكن وغذاء ولباس وتعليم أيضًا.
وهناك مؤسسات لتحسين أحوال المساجين ورفع مستواهم وتغذيتهم
بالغذاء الواجب لصيانة صحتهم، ومؤسسات لإمداد العميان والمقعدين
بمن یقودهم ويخدمهم.
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
١٨٢
صلاح الأمة في علو الهمة
ومؤسسات لتزويج الشباب والفتيات العزَّاب ممن تضيق أيديهم أو
أيدي أوليائهم عن نفقات الزواج وتقديم المهور .. فما أروع هذه العاطفة
وما أحوجنا إليها اليوم !.
من مَبرّات صلاح الدين الأيوبي:
ومنها مؤسسات لإمداد الأمهات بالحليب والسكر، وهي أسبق في
الوجود من جمعية نقطة الحليب عندنا، مع تمخُّضها للخير الخالص لله
وَّ، وقد كان من مبرات صلاح الدين أنه جعل في أحد أبواب القلعة -
الباقية حتى الآن في دمشق - ميزابًا يسيل منه الحليب. وميزابًا آخر يسيل
منه الماء المذاب فيه السكر، تأتي إليه الأمهات يومين في كل أسبوع ليأخذن
لأطفالهن وأولادهن ما يحتاجون إليه من الحليب والسكر.
ومن أطرف المؤسسات الخيرية وقف الزبادي للأولاد الذين يكسرون
الزبادي وهم في طريقهم إلى البيت، فيأتون إلى هذه المؤسسة ليأخذوا علبة
زبادي جديدة بدلًا من المكسورة ثم يرجعوا إلى أهليهم وكأنهم لم يصنعوا
شيئًا.
وآخر ما نذكره من هذه المؤسسات، المؤسسات التي أقيمت لعلاج
الحيوانات المريضة، أو لإطعامها، أو لرعايتها حين عجزها، كما هو شأن
المرج الأخضر في دمشق الذي يقام عليه الملعب البلدي الآن، فقد كان
وقفًا للخيول والحيوانات العاجزة المُسِنَّة ترعى منه حتى تلاقي حتفها.
أما بعد، فهذه ثلاثون نوعًا من أنواع المؤسسات الخيرية التي قامت في
ظل حضارتنا، فهل تجد لها مثيلاً في أمة من الأمم السابقة؟ بل هل تجد
لكثير منها مثيلاً في ظل الحضارة الراهنة؟ .. اللهم إنه سبيل الخلود تفردنا
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
١٨٣
علو الهمة في صناعة الحياة
به وحدنا يوم كانت الدنيا كلها في غفلة وجهل وتأخر وتظالم .. اللهم إنه
سبيل الخلود كشفنا به عن الإنسانية المُعَذّبة أوصابها وآلامها .. فما هو
سبيلنا اليوم؟ أين هي تلك الأيدي التي تمسح عبرة اليتيم، وتأسو جراح
الكليم، وتجعل من مجتمعنا مجتمعًا متراصًا، ينعم فيه الناس جميعًا بالأمن
والخير والكرامة والسلام؟))(١).
المدارس والمعاهد العِلمِيّة في حضارتنا:
قامت المدارس على الأوقاف الكثيرة التي تبرع بها الأغنياء من قادة
وعلماء وتجار وملوك وأمراء، فقد بلغت من الكثرة حدًّا بالغًا، وحسبك
أن تعلم أن لم تخل مدينة ولا قرية، في طول العالم الإسلامي وعرضه، من
مدارس متعددة يعلّم فيها عشرات من المعلمين والمدرسين.
كان المسجد هو النواة الأولى للمدرسة في حضارتنا، فلم يكن مكان
عبادة فحسب بل كان مدرسة يتعلم فيها المسلمون القراءة والكتابة
والقرآن والعلوم الشرعية واللغة وفروع العلوم المختلفة، ثم أقيم بجانب
المسجد ((الكُتَّاب))، وخصص لتعليم القراءة والكتابة والقرآن وشيء من
علوم العربية والرياضة، وكان الكتَّاب يشبه المدرسة الإبتدائية في عصرنا
الحاضر، وكان من الكثرة بحيث عدّ ابن حوقل ثلاثمئة كتَّاب في مدينة
واحدة من مدن صقلية، وكان من الاتساع أحيانًا بحيث يضم الكتَّاب
الواحد مئات وآلافًا من الطلاب.
ومما يذكر في تاريخ أبي القاسم البلخي أنه كان له كُتّاب يتعلم به ثلاثة
آلاف تلميذ، وكان كتَّابه فسيحًا جدًّا بحيث يحتاج إلى أن يركب حمارًا
(١) ((من روائع حضارتنا)) للدكتور مصطفى السباعي (ص٩٤ - ٩٩) مُلَخَّصًا.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
١٨٤
صلاح الأمة في علو الهمة
لیتردّد بین طلابه ولیشرف على شؤونهم.
ثم قامت المدرسة بجانب الكتَّاب والمسجد، وكانت الدراسة فيها
تشبه الدراسة الثانوية والعالية في عصرنا الحاضر، كان التعليم فيها مجانيًّا
ولمختلف الطبقات، فلم يدفع الطلاب في دراستهم الثانوية والعالية رسمًا
ما من رسوم الدراسة التي يدفعها طلابنا اليوم، ولم يكن التعليم فيها
محصورًا بفئة من أبناء الشعب دون فئة، بل كانت فرصة التعليم متوفرة
لجميع أبناء الشعب، كان يجلس فيها ابن الفقير بجانب ابن الغني، وابن
التاجر بجانب ابن الصانع والمزارع، وكانت الدراسة فيها قسمين: قسمًا
داخليًّا للغرباء والذين لا تساعدهم أحوالهم المادية على أن يعيشوا على
نفقات آبائهم، وقسمًا خارجيًّا لمن يريد أن يرجع في المساء إلى البيت أهله
وذويه. أما القسم الداخلي فكان بالمجان أيضًا، يهيأ للطالب فيه الطعام
والنوم والمطالعة والعبادة .. وبذلك كانت كل مدرسة تحتوي على مسجد،
وقاعات للدراسة، وغرف النوم الطلاب، ومكتبة، ومطبخ وحمام وكانت
بعض المدارس تحتوي فوق كل ذلك على ملاعب للرياضة البدنية في
الهواء الطلق. ولا تزال لدينا حتى الآن نماذج من هذه المدارس التي
غمرت العالم الإسلامي كله، ففي دمشق لا تزال المدرسة النورية التي
أنشأها البطل العظيم نور الدين الشهيد، وهي الواقعة الآن في سوق
الخياطين، لا تزال قائمة تعطينا نموذجًا حيًّا لهندسة المدارس في عصور
الحضارة الإسلامية، لقد زارها الرحالة ابن جبير في أوائل القرن السابع
الهجري، فأُعجِب بها وكتب عنها: ((من أحسن مدارس الدنيا مظهرًا
مدرسة نور الدين عنه، وهي قصر من القصور الأنيقة، ينصب فيه الماء
في شاذوران وسط نهر عظيم، ثم يمتد الماء في ساقية مستطيلة إلى أن يقع في
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
علو الهمة في صناعة الحياة
١٨٥
صهريج كبير وسط الدار فتحار الأبصار في حسن ذلك المنظر)).
الجامع الأزهر كمدرسة :
وأظهر مثال حي لهذه المدارس الجامع الأزهر، فهو مسجد تقام في
أبهائه حلقات للدراسة، تحيط به من جهاته المتعددة غرف لسكن الطلاب
تسمی بالأروقة، یسکنها طلاب كل بلد بجانب واحد، فرواق للشامیین،
ورواق للمغاربة، ورواق للأتراك، ورواق للسوادنيين، وهكذا .. ولا
يزال طلاب الأزهر حتى اليوم يأخذون راتبًا شهريًّا مع دراستهم المجانية
من ربع الأوقاف التي أوقفت على طلاب العلم بالأزهر.
وجدير لنا ونحن نتحدث عن المدارس أن نتحدث عن المدرسين
وأحوالهم ورواتبهم، لقد كان رؤساء المدارس من خيرة العلماء وأكثرهم
شهرة، وإنا لنجد في تاريخ مشاهير العلماء المدارس التي درسوا فيها،
فالإمام النووي وابن الصلاح وأبو شامة وتقي الدين السبكي وعماد
الدين بن كثير وغيرهم ممن كانوا يدرسون في دار الحديث بدمشق،
والغزالي والشيرازي وإمام الحرمين والشاشي والخطيب التبريزي
والقزويني والفيروزآبادي وغيرهم ممن كانوا يدرسون في المدرسة النظامية
ببغداد، وهكذا .. ولم يكن المدرسون في صدر الإسلام يأخذون أجرًا على
تعليمهم حتى إذا امتد الزمن واتسعت الحضارة وبنيت المدارس وأوقفت
لها الأوقاف جُعل للمدرسين فيها رواتب شهرية، ومن الطريف أن أصبحَ
للمدرسين رواتب تختلف بين الكثرة والقِلَّة بحسب الأمصار والمدارس
والأوقاف، ولكنها على كلِّ حال كانت كافية ليعيش المدرِّس عيشة هانئة.
ولم يكن يجلس للتدريس إلّا من شهد له الشيوخ بكفاءة. وقد كان
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
١٨٦
صلاح الأمة في علو الهمة
الأمر في عصر الإسلام الأول أن يسمح الشيخ للتلميذ بالانفصال عن
حلقته وإنشاء حلقة خاصة، أو أن يعهد برئاسة الحلقة إلیه بعد وفاته، فإن
فعل غير ذلك كان محل نقد وتعرض للأسئلة الشديدة المحرجة .. في
تاريخ أبي يوسف قاضي القضاة في عصر هارون الرشيد، أنه مرض في
حياة شيخه أبي حنيفة، فعاده شيخه وقال له: قد كنت أؤملك بعدي
للمسلمين، ثم برئ أبو يوسف من مرضه وقد أُعجِب بنفسه حين سمع
شهادة شيخه له، فعقد مجلسًا خاصًّا منفردًا عن شيخه أبي حنيفة، فأرسل
إليه أبو حنيفة من يسأله خمس مسائل دقيقة يحتاج الجواب فيها إلى تفصيل
وإيضاح، فأخطأ أبو يوسف في الإجابة وأدرك خطأه في انفراده عن
شيخه، فعاد إلى حلقته، فقال له أبو حنيفة: تزيّبْتَ قبل أن تحصرم، من ظن
أنه يستغني عن التعلم فليبك عن نفسه !.. هكذا كان الأمر. فلما أُنشِئت
المدارس جُعل للمتخرجين فيها إجازات علمية يعطيها شيخ المدرسة،
وهي تشبه الإجازات العلمية في عصرنا، ولم يكن يُسمَح للأطباء بممارسة
الطب إلَّا بعد نوال هذه الشهادة من كبير أطباء المدرسة.
■ كانت المدارس على هذا، وخاصة المعاهد العليا، تملأ مدن العالم
الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه، ويذكر التاريخ بكثير من الإكبار
والإعجاب نفرًا من أمراء المسلمين كانت لهم اليد الطولى في إنشاء
المدارس في مختلف الأمصار، منهم صلاح الدين الأيوبي، فقد أنشأ
المدارس في جميع المدن التي كانت تحت سلطانه في مصر ودمشق والموصل
وبيت المقدس، ومنهم نور الدين الشهيد الذي أنشأ في سورية وحدها
أربعة عشر معهدًا، منها ستة في دمشق، وأربعة في حلب، واثنان في حماه،
واثنان في حمص، وواحد في بعلبك، ومنهم نظام الملك الوزير السلجوقي
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
١٨٧
علو الهمة في صناعة الحياة
العظيم الذي ملأ بلاد العراق وخراسان بالمدارس حتى قيل فيه: إن له في
كل مدينة بالعراق وخراسان مدرسة، وكان ينشئ المدارس حتى في
الأماكن النائية، فقد أنشأ في جزيرة ابن عمرو مدرسة كبيرة حسنة، وكلما
وجد في بلدة عالماً قد تميز وتبخّر في العلم بنى له مدرسة ووقف عليها
وقفًا وجعل فيها دار كتب. وقد كانت نظامية بغداد أولى المدارس النظامية
وأهمها، درس فيها مشاهير علماء المسلمين فيما بين القرن الخامس والتاسع
الهجري، وقد بلغ عدد طلابها ستة آلاف تلميذ، فيهم ابن أعظم العظماء
في المملكة وابن أفقر الصناع فيها، وكلهم يتعلمون بالمجان، وللطالب
الفقير فوق كل ذلك شيء معلوم يتقاضاه من الريع المخصص لذلك.
■ وبجانب هؤلاء العظماء كان الأمراء والأغنياء والتجار يتسابقون
في بناء المدارس والوقف عليها بما يضمن استمرارها وإقبال الطلاب
عليها، وكثيرون جدًّا هم الذين جعلوا بيوتهم مدارس، وجعلوا ما فيها
من كتب وما يتبعها من عقار وقفًا على طلاب العلم الدارسين فيها.
وبذلك كثرت المدارس وخاصة في المشرق كثرة هائلة مدهشة، حتى أن
ابن جبير الرحالة الأندلسي هاله ما رأى في المشرق من كثرة المدارس
والغلات الوافرة التي تغله أوقافها، فدعا المغاربة أن يرحلوا للمشرق
لتلقي العلم، وكان مما قاله: ((وتكثر الأوقاف على طلاب العلم في البلاد
المشرقية كلها وبخاصة دمشق، فمن شاء الفلاح من أبناء مغربنا فليرحل
إلى هذه البلاد، فيجد الأمور المعينة على طلب العلم كثيرة، وأولها فراغ
البال من أمر المعيشة)).
وشهادة ابن جبير لها قيمتها، فإنه رحالة تميز بالصدق والأمانة في
حديثه، وقد خص ابن جبير دمشق بكثرة المدارس والأوقاف، وكانت
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
١٨٨
صلاح الأمة في علو الهمة
كذلك حقًّا أمدًا طويلًا من تاريخنا، كانت مدارس دمشق العامرة التي
يؤمها الطلاب تزيد على أربعمئة مدرسة، حتى أن الطالب الغريب إذا
قدم دمشق يستطيع أن يقيم سنة فيها لا ينام في كل مدرسة إلَّا ليلة
واحدة.
■ وكانت المدارس متعددة الغايات، فمنها مدارس لتدريس القرآن
الكريم وتفسيره وحفظه وقراءاته، ومنها مدارس للحديث خاصة، ومنها
-وهي أكثرها- مدارس للفقه، لكل فقه مدارس خاصة به، ومنها
مدارس للطب، ومنها مدارس للأيتام، وها هو النعيمي في كتابه الدارس
في تاريخ المدارس - وهو من علماء القرن العاشر الهجري -يذكر لنا ثبتًا
بأسماء مدارس دمشق وأوقافها، ومنه نعلم أنه كان في دمشق وحدها
للقرآن الكريم سبع مدارس، وللحديث ست عشرة مدرسة، وللقرآن
والحديث معًا ثلاث مدارس، وللفقه الشافعي ثلاث وستون مدرسة،
وللفقه الحنفي اثنتان وخمسون مدرسة، وللفقه المالكي أربع مدارس،
وللفقه الحنبلي إحدى عشرة مدرسة، هذا عدا مدارس الطب والرباطات
والفنادق والزوايا والجوامع، وكلها كانت مدارس يتعلم فيها الناس ..
وإذا ذكرنا مع هذا ما كان عليه الغربيُّون في تلك العصور نفسها من جهالة
مطبقة ومن أميَّة متفشِّية حتى لم يكن للعلم مأوى إلَّا أديرة الرهبان، وهي
مقصورة على رجال الكهنوت فقط، أدركنا أية عظمة بلغتها أمتنا في أوج
مجدها، وكم كانت حضارتنا رائعة في تاريخ المؤسسات الاجتماعية
والمعاهد العلمية، وكم كان للإسلام من يدٍ في نشر العلم، ورفع مستوى
الثقافة العامة، وتيسير سبلها لسائر أبناء الشعب.
■ قال ابن كثير في («البداية والنهاية» في حوادث سنة إحدى وثلاثين
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
١٨٩
علو الهمة في صناعة الحياة
وستمئة: ((فيها كمل بناء المدرسة المستنصرية ببغداد، ولم يُبن مدرسة قبلها
مثلها، ووقفت على المذاهب الأربعة، من كل طائفة اثنان وستون فقيهًا،
وأربعة معيدين، ومدرس لكل مذهب، وشيخ حديث، وقارئان وعشرة
مستمعين، وشيخ طب، وعشرة من المسلمين يشتغلون بعلم الطب،
ومكتب للأيتام، وقدر للجميع من الخبز واللحم والحلوى والنفقة ما فيه
كفاية وافرة لكل واحد .. )) إلى أن قال: ((ووقفت خزائن كتب لم يسمع
بمثلها في كثرتها وحسن نسخها وجودة الكتب الموقوفة بها))(١).
المستشفيات:
في عهد الوليد بن عبد الملك أنشئ أول مستشفى في الإسلام، وهو
خاص بالمجذومين، وجعل فيه الأطباء، وأجرى لهم الأرزاق، وأمر
بحبسهم لئلا يخرجوا، وأجرى عليهم وعلى العميان الأرزاق، ثم تتابع
إنشاء المشافي، وقد كانت تعرف باسم البيمارستانات أي دور المرضى.
وكانت المستشفيات نوعين: نوعًا متنقلًا، ونوعًا ثابتًا، أما المتنقل،
فأول ما عرف في الإسلام في حياة النبي ◌َّ-، في غزوة الخندق، إذ ضرب
خيمة للجرحى فلما أصيب سعد بن معاذ في أكحله ((والأكحل عرق في
الذراع يفصد)) قال وَّ: ((اجعلوه في خيمة رُفيدة، حتى أعوده من قریب)»،
وهو أول مستشفى حربي متنقل في الإسلام، ثم توسع فيه الخلفاء والملوك
من بعد، حتى أصبح المستشفى المتنقل مجهزًا بجميع ما يحتاجه المرضى،
من علاج وأطعمة وأشربة وملابس وأطباء وصيادلة، وكان ينقل من قرية
إلى قرية في الأماكن التي لم يكن فيها مستشفيات ثابتة. کتب الوزير عيسى
(١) «من روائع حضارتنا)) (ص١٠٠ - ١٠٦) مُلَخَّصًا.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
١٩٠
صلاح الأمة في علو الهمة
ابن علي الجراح إلى سنان بن ثابت، وكان يتولى النظر على مستشفيات
بغداد وغيرها: «فكرت فيمن بالسواد -أي القرى- من أهله، وأنه لا يخلو
من أن يكون فيه مرضى لا يشرف متطبب عليهم لخلو السواد من الأطباء،
فتقدم بإيفاد متطببين -أي: أطباء - وخزانة من الأدوية والأشربة يطوفون
السواد، ويقيمون في كل صقع منه مدة ما تدعو الحاجة إلى مقامهم،
ويعالجون من فيه، ثم ينتقلون إلى غيره))، وقد بلغ بعض المستشفيات
المتنقلة في أيام السلطان محمود السلجوقي حدًّا من الضخامة بحيث كان
يحمل على أربعين جملًا.
وأما المستشفيات الثابتة، فقد كانت كثيرة تفيض بها المدن والعواصم،
ولم تخل بلدة صغيرة في العالم الإسلامي، يومئذٍ من مستشفى فأكثر، حتى
أن قرطبة وحدها كان فيها خمسون مستشفى.
وتنوعت المستشفيات، فهناك مستشفيات للجيش يقوم عليها أطباء
مخصوصون، عدا أطباء الخليفة والقواد والأمراء، وهناك مستشفيات
للمساجين، يطوف عليهم الأطباء في كل يوم فيعالجون مرضاهم بالأدوية
اللازمة، ومما كتب به الوزير علي بن عيسى بن الجراح إلى سنان بن ثابت
رئيس أطباء بغداد: ((فكرت في أمر من في الحبوس؛ وأنه لا يخلو مع كثرة
عددهم وجفاء أماكنهم أن تنالهم الأمراض، فينبغي أن تفرد لهم أطباء
يدخلون إليهم كل يوم، وتحمل إليهم الأدوية والأشربة، ويطوفون في
سائر الحبوس، ويعالجون فيها المرضى)).
وهناك محطات للإسعاف كانت تقام بالقرب من الجوامع والأماكن
العامة التي يزدحم فيها الجمهور، ويحدثنا المقريزي أن ابن طولون حين
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
١٩١
علو الهمة في صناعة الحياة
بنى جامعه الشهير في مصر عمل في مؤخره ميضأة وخزانة شراب -أي:
صيدلية أدوية- وفيها جميع الشرابات والأدوية، وعليها خدم، وفيها
طبيب جالس يوم الجمعة، لمعالجة من يصابون بالأمراض من المصلين.
وهناك المستشفيات العامة، التي كانت تفتح أبوابها لمعالجة الجمهور،
وكانت تقسم إلى قسمين منفصلين بعضهما عن بعض: قسم للذكور،
وقسم للإناث، وكل قسم فيه قاعات متعددة، كل واحدة منها لنوع من
الأمراض، فمنها للأمراض الداخلية، ومنها للعيون، ومنها للجراحة،
ومنها للكسور والتجبير، ومنها للأمراض العقلية وقسم الأمراض
الداخلية كان مقسمًا إلى غرف أيضًا، فغرف منها للحُمِّيات، وغرف
للإسهال، وغير ذلك، ولكل قسم أطباء عليهم رئيس، فرئيس للأمراض
الباطنية ورئيس للجراحين والمجبرين، ورئيس للكحالين -أي: أطباء
العيون-، ولكل الأقسام رئيس عام يُسمى (ساعور) وهو لقب لرئيس
الأطباء في المستشفى وكان الأطباء يشتغلون بالنوبة، ولكل طبيب وقت
معين يلازم فيه قاعاته التي يعالج فيها المرضى، وفي كل مستشفى عدد من
الفراشين من الرجال والنساء والممرضين والمساعدين، ولهم رواتب
معلومة وافرة، وفي كل مستشفى صيدلية كانت تسمى خزانة الشراب فيها
أنواع الأشربة والمعاجين النفيسة، والمربيات الفاخرة، وأصناف الأدوية،
والعطورات الفائقة التي لا توجد إلَّا فيها، وفيها من الآلات الجراحية
والأواني الزجاجية والزبادي وغير ذلك، ما لا يوجد إلّا في خزائن الملوك.
وكانت المستشفيات معاهد طبية أيضًا، ففي كل مستشفى إيوان كبير
-قاعة كبيرة- للمحاضرات، يجلس فيه كبير الأطباء ومعه الأطباء
والطلاب، وبجانبهم الآلات والكتب، فيقعد التلاميذ بين يدي معلمهم،
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
١٩٢
صلاح الأمة في علو الهمة
بعد أن يتفقدوا المرضى وينتهوا من علاجهم، ثم تجري المباحث الطبية
والمناقشات بين الأستاذ وتلاميذه، والقراءة في الكتب الطبية، وكثيرًا ما
كان الأستاذ يصطحب معه تلاميذه إلى داخل المستشفى ليقوم بإجراء
الدروس العملية لطلابه على المرضى بحضورهم، كما يقع اليوم في
المستشفيات الملحقة بكليات الطب، قال ابن أبي أصيبعة -وهو ممن درس
الطب في البيمارستان النوري بدمشق -: ((كنت بعدما يفرغ الحكيم مذهب
الدين والحكيم عمران من معالجة المرضى المقيمين بالبيمارستان وأنا
معهم، أجلس مع الشيخ رضي الدين الرحبي فأعاين كيفية استدلاله على
الأمراض وجملة ما يصفه للمرضى وما يكتب لهم، وأبحث معه في كثير
من الأمراض ومداواتها)).
وكان لا يسمح للطبيب بالانفراد بالمعالجة حتى يؤدي امتحانًا أمام
كبير أطباء الدولة، يتقدم إليه برسالة في الفن الذي يريد الحصول على
الإجازة في معاناته، وهي من تأليفه أو تأليف أحد كبار علماء الطب، له
عليها دراسات وشروح، فيمتحنه فيها ويسأله عن كل ما يتعلق بما فيها
من الفن، فإذا أحسن الإجابة أجازه كبير الأطباء مما يسمح له بمزاولة
مهنة الطب، وقد اتفق في عام ٣١٩هـ - ٩٣١م في أيام الخليفة المقتدر أن
بعض الأطباء أخطأ في علاج رجل فمات، فأمر الخليفة أن يمتحن جميع
أطباء بغداد من جدید، فامتحنهم سنان بن ثابت كبير أطباء بغداد، فبلغ
عددهم في بغداد وحدها ثمانمئة طبيب ونيفًا وستين طبيبًا، هذا عدا عمَّن
لم يمتحنوا من مشاهير الأطباء، وعدا أطباء الخليفة والوزراء والأمراء.
ولا يفوتنا أن نذكر أنه كان يلحق بكل مستشفى مكتبة عامرة بكتب
الطب وغيرها مما يحتاجه الأطباء وتلاميذهم، حتى قالوا: إنه كان في
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
١٩٣
علو الهمة في صناعة الحياة
مستشفى ابن طولون بالقاهرة خزانة كتب تحتوي على ما يزيد على مئة
ألف مجلد في سائر العلوم.
أما نظام الدخول إلى المستشفيات، فقد كان مجانًا للجميع، لا فرق بين
غني وفقير وبعيد وقريب، ونابه وخامل، يُفحص المرضى أولًا بالقاعة
الخارجية، فمن كان به مرض خفيف يكتب له العلاج، ويصرف من
صيدلية المستشفى، ومن كانت حالته المرضية تستوجب دخوله المستشفى
كان يقيد اسمه، ويدخل إلى الحمام، وتخلع عنه ثيابه فتوضع في مخزن
خاص، ثم يعطى ثيابًا خاصة للمستشفى، ويدخل إلى القاعة المخصصة
لأمثاله من المرضى، ويخصص له سرير مفروش بأثاث جيد، ثم يعطى
الدواء الذي يعيِّنه الطبيب، والغذاء الموافق لصحته، بالمقدار المفروض له،
وكان غذاء المرضى يحتوي على لحوم الأغنام والأبقار والطيور والدجاج،
وعلامة الشفاء أن يأكل المريض رغيفًا كاملًا ودجاجة كاملة في الوقعة
الواحدة، فإذا أصبح في دور النقاهة أدخل القاعة المخصصة للناقهين،
حتى إذا تم شفاؤه أعطي بدلة من الثياب جديدة، ومبلغًا من المال يكفيه
إلى أن يصبح قادرًا على العمل. وكانت غرف المستشفى نظيفة تجري فيها
المياه، وقاعاته مفروشة بأحسن الأثاث، ولكل مستشفى مفتشون على
النظافة، ومراقبون للقيود المالية، وكثيرًا ما كان الخليفة أو الأمير يتفقد
بنفسه المرضى ويشرف على حسن معاملتهم.
هذا هو النظام السائد في جميع المستشفيات التي كانت قائمة في
العالم الإسلامي، سواء في المغرب أم في المشرق .. في مستشفيات بغداد
ودمشق والقاهرة والقدس ومكة والمدينة والمغرب والأندلس ..
وسنقتصر في حديثنا على أربع مستشفيات في أربع مدن من عواصم
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
١٩٤
صلاح الأمة في علو الهمة
الإسلام في تلك العصور.
الأول: المستشفى العضدي ببغداد: بناه عضد الدولة بن بويه عام
٣٧١ هـ بعد أن اختار الرازي الطبيب المشهور مكانه بأن وضع أربع قطع
لحم في أربعة أنحاء بغداد ليلًا، فلما أصبح وجد أحسنها رائحة في المكان
الذي أقيم عليه المستشفى فيما بعد، فأقيم المستشفى وأنفق عليه مالًا
عظيمًا، وجمع له من الأطباء أربعة وعشرين طبيبًا، وألحق به كل ما يحتاج
إليه من مكتبة علمية وصيدلية ومطابخ ومخازن وفي عام ٤٤٩هـ جدد
الخليفة القائم بأمر الله هذا المستشفى، وجمع فيه من الأشربة والأدوية
والعقاقير التي يعز وجودها كثيرًا، وأقام الفرش واللحف للمرضى،
والعطورات الطبية والأسرة والثلج والمستخدمين والأطباء والفراشين،
وله بوابون وحراس، وفيه حمام، وبجانبه بستان قد حوى كل أنواع الثمار
والبقول، والسفن على مئة تنقل الضعفاء والفقراء، والأطباء يتناوبونهم
بكرة وعشية، ويبيتون عندهم بالنوبة.
الثاني: المستشفى النوري الكبير بدمشق: أنشأه السلطان الملك العادل :
نور الدين الشهيد سنة ٥٤٩هـ ١١٥٤م من مال أخذه فدية من أحد ملوك
الفرنج، وكان حين بنائه من أحسن ما بني من المستشفيات في البلاد كلها،
شرط فيه أنه على الفقراء والمساكين، وإذا اضطر الأغنياء إلى الأدوية التي
فيه يسمح لهم بها، وكان الشراب فيه والدواء مباحًا لكل مريض يقصده،
وقد دخله ابن جبير الرحالة عام ٥٨٠هـ، فوصف عناية الأطباء بالمرضى
وتفقدهم لشؤونهم، وإعداد ما يصلحهم من الأدوية والأغذية، وكان فيه
قسم خاص بالأمراض العقلية، يوثق فيه المجانين بالسلاسل مع العناية
بعلاجهم وغذائهم، ويذكر بعض المؤرخين أنه زار دمشق عام ٨٣١هـ
؛
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
١٩٥
علو الهمة في صناعة الحياة
رجل أعجمي من أهل الفضل والذوق واللطافة، فلما دخل المستشفى
النوري، ونظر إلى كثرة أطبائه، وحسن العناية بمرضاه، وما يحتويه من
المآكل والتحف واللطائف التي لا تحصى، أراد أن يختبر معرفة أطبائه،
فتمارض وأقام به ثلاثة أيام ورئيس الأطباء يتردد إليه ليختبر ضعفه، فلما
جسّ نبضه علم أنه غير مريض، وأنه إنما أراد اختبار أطبائه، فوصف له
الأطعمة الحسنة والدجاج المسمنة والحلوى والأشربة والفواكه المتنوعة،
ثم بعد ثلاثة أيام كتب له ورقة يقول فيها: إن الضيافة عندنا ثلاثة أيام ..
فعرف الأعجمي أنهم فطنوا لقصده، وأنهم استضافوه في المستشفى هذه
المدة كلها.
وقد استمر هذا المستشفى يقوم بعمله العظيم حتى سنة ١٣١٧ هـ،
حيث أنشئ مستشفى الغرباء، وهو المستشفى الذي تشرف عليه الآن كلية
الطب في الجامعة السورية، فأقفل المستشفى النوري ثم استعمل مدرسة
هلية.
الثالث - المستشفى المنصوري الكبير: المعروف بمارستان قلاوون،
كان دارًا لبعض الأمراء، فحولها الملك المنصور سيف الدين قلاوون إلى
مستشفى عام ٦٨٣هـ ١٢٨٤ م، وأوقف عليه ما يغل عليه ألف درهم في
كل سنة، وألحق به مسجدًا ومدرسة ومكتبًا للأيتام. قالوا: وكان سبب
بنائه أن الملك المنصور قلاوون، لما توجه وهو أمير إلى غزو الروم، في أيام
الظاهر بيبرس عام ١٢٧٥ م أصابه بدمشق مرض، فعالجه الأطباء بأدوية
أخذت له من المستشفى النوري الكبير، فبرأ، وركب حتى شاهد
المستشفى بنفسه، فأعجب به ونذر لله إن آتاه الله الملك أن يبني مثله، فلما
صار سلطانًا اختار هذه الدار فاشتراها وحولها إلى مستشفى، وكان آية من
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
١٩٦
صلاح الأمة في علو الهمة
آيات الدنيا في التنظيم والترتيب، جعل الدخول إليه والانتفاع منه مباحًا
لجميع الناس من ذكر وأنثى وحر وعبد وملك ورعية، وجعل لمن يخرج
منه من المرضى عند برئه كسوة، ومن مات جُهز وكُفَّن ودُفن، وعين فيه
الأطباء من مختلف فروع الطب، كما وظف له الفراشين والخدم لخدمة
المرضى وإصلاح أماكنهم وتنظيفها وغسل ثيابهم وخدمتهم في الحمام،
بحيث كان لكل مريض شخصان يقومان بخدمته، وجعل لكل مريض
سريرًا وفرشًا كاملًا، وأفرد لكل طائفة من المرضى أماكن تختص بهم،
ورتب فيه مكانًا يجلس فيه رئيس الأطباء لإلقاء دروس الطب على الطلبة،
ومن أروع ما فيه أن الاستفادة منه ليست مقصورة على من يقيم فيه من
المرضى، بل رتب لمن يطلب وهو في منزله ما يحتاج إليه من الأشربة
والأغذية والأدوية، وأدى هذا المستشفى عمله الإنساني الجليل حتى أخبر
بعض أطباء العيون الذين عملوا فيه أنه كان يعالج فيه كل يوم من المرضى
الداخلين إليه والناقهين والخارجين أربعة آلاف نفس، ولا يخرج منه كل
من يبرأ من مرض حتى يعطى كسوة للباسه ودراهم لنفقاته حتى لا
يضطر للالتجاء إلى العمل الشاق فور خروجه.
ومن أروع ما فيه أيضًا، النص في وقفيته على أن يقدم طعام كل
مريض بزبدية خاصة به من غير أن يستعملها مريض آخر، ووجوب
تغطيتها وإيصالها إلى المريض بهذا الشكل.
■ومن أروع ما فيه أن المُؤَرَّقين من المرضى كانوا يُعزَلون في قاعة
منفردة. يُشتِّفون فيها آذانهم بسماع القصص يُلقيها عليهم القُصَّاص،
وكان الناقهون منهم تُروى لهم الأشياء المضحِكة، أو تُنشَد لهم الأناشيد
بأصوات ندِيَّة تخفيفًا لآلام المرضى الذين يضجرهم السهر وطول الوقت.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
علو الهمة في صناعة الحياة
١٩٧
وهذا لعمر الله سُمُوٌّ إنساني عجيب، وفطنة طبيّة لم ينتبه إليها العالم
الحديث إلَّا في العصر الحاضر.
ويذكرني هذا بما كنت سمعته في مدينة طرابلس عن وقف غريب
مخصص ريعه لتوظيف اثنين يمران بالمستشفيات يوميًّا، فيتحدثان بجانب
المرضی حدیثا خافتًا ليسمعه المریض بما يوحي له بتحسن حالته واحمرار
و جهه وبریق عینیه.
ونرى من الفائدة أن نذكر نص الوقفية لهذا المستشفى العظيم، كما
ذكرها مؤلف تاريخ البيمارستانات في الإسلام.
((فإن أحق ما انتهزت فرص أجره العزائم، وأحرزت مواهب بره
الغنائم، وأجدر ما تنبه لاغتنام ثوابه كل نائم، وأولى ما توجه إليه كل
متوجه وقام إليه كل قائم، ما عادت بالخيرات عوائده، وزادت في المسرات
زوائده، واستمرت على الآباء فوائده، واستقرت على التقوى بتطاول
الآمال قواعده، وهي الأوقاف العميم برها، المقيم أجرها، الجسيم وفرها،
الكريم ذخرها، فهي الحسنات التي هي الجنان، والقربات التي فيها
رضوان الرحمن، والصدقات التي هي مهور الحور الحسان، والنفقات
التي هي بحور الأجور واللؤلؤ المرجان .. ولا يخفى ما فيها من إدخال
السرور على المريض الفقير، وإيصال الحبور إلى قلبه الكسير، وإنائه بإيوائه
ومداواته، الذي لا يعبر عن وفور أجرها بتعبير، فطوبى لمن عامل مولاه
العزيز الغفار، وراقبه مراقبة العالم بسره ونجواه في الإيراد والإصدار،
وأقرضه أحسن القروض، على حسب الإمكان والاقتدار، وانتهز الفرصة
بالاستباق، وأحرز باغتنام أجرها قصب السباق، فساعد الفقير المسلم
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
١٩٨
صلاح الأمة في علو الهمة
على إزالة ألمه، ومداواة سقمه، مساعدة تنجيه غدًا من عذاب ربه الخلاق،
ورجاء أن تكون له بها عند الله الرتبة العظمى، والقربة التي لا يخاف
بأجرها ظلمًا ولا هضمًا، والحسنة التي لا تبقي لذنبه همًّا. ولما علم بذلك
مولانا السيد الأجل، السلطان الملك المنصور العالم العادل .. فتقدم أمره
الشريف بوقف البيمارستان المنصوري .. -وهنا تَذْكر الوقفيةُ وصفَه
ومكانه وأوقافه- لمداواة مرضى المسلمين الرجال والنساء من الأغنياء
المثرين والفقراء المحتاجين، بالقاهرة ومصر وضواحيها، من المقيمين بها
والواردين إليها من البلاد والأعمال على اختلاف أجناسهم وأوصافهم،
وتباين أمراضهم وأوصابهم، من أمراض الأجسام، قلت أو كثرت،
اتفقت أو اختلفت، وأمراض الحواس خفيت أو ظهرت، واختلال
العقول التي حفظها أعظم المقاصد والأغراض، وأول ما يجب الإقبال
عليه دون الانحراف عنه والإعراض، وغير ذلك مما تدعو حاجة الإنسان
إلى صلاحه وإصلاحه، بالأدوية والعقاقير المتعارفة عند أهل صناعة
الطب، والانشغال فيه بعلم الطب والاشتغال به، يدخلونه جموعًا
ووحدانًا، وشيوخًا وشبابًا، وبلغاء وصبيانًا، وحرمًا وولدانًا، يقيم به
المرضى الفقراء من الرجال والنساء لمداواتهم إلى حين برئهم وشفائهم،
ويصرف ما هو معد فيه للمداواة، ويفرق للبعيد والقريب، والأهلي
والغريب، والقوي والضعيف، والدني والشريف، والعلي والحقير،
والغني والفقير، والمأمور والأمير، والأعمى والبصير، والمفضول
والفاضل، والمشهور والخامل، والرفيع والوضيع، والمترف والصعلوك،
والمليك والمملوك، من غير اشتراط لعوض من الأعواض، ولا تعريض
بإنكار على ذلك ولا اعتراض، بل لمحض فضل الله وطَوْله الجسيم،
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
١٩٩
علو الهمة في صناعة الحياة
وأجره الكريم، وبره العميم، وأمره بإجراء النفقات على من يقوم
بمصالح المرضى به من الأطباء والكحالين، والجرائحيين وطباخي
الشراب والمزاور والطعوم، وصانعي المعاجين والأكحال والأدوية
والمسهلات المفردة والمركبة، وعلى القومَة والفراشين والخزان والأمناء
والمباشرين وغيرهم ممن جرت عادة أمثالهم بذلك، وعلى ما يقوم بمداواة
المرضى من الأطعمة والأشربة، والأكحال والشيافات، والمعاجين
والمراهم والأدهان والشربات، والأدوية المركبة والمفردة، والفرش
والقدور والآلات المعدة للانتفاع بها في مثله، ويصرف الناظر من ريع هذا
الوقف ما تدعو حاجة المرضى إليه من مشموم في كل يوم، وزبادي فخار
برسم أغذيتهم، وأقداح زجاج وغرار برسم أشربتهم، وكيزان وأباريق
فخار، وقصاري فخار، وزيت للوقود عليهم، وبماء من بحر النيل المبارك
باسم شربهم وأغذيتهم، .. ولأجل تغطية أغذيتهم عند صرفها عليهم،
وفي ثمن مراوح خوص لأجل استعمالهم إياها في الحر، ويصرف الناظر
ثمن ذلك من ريع هذا الوقف، في غير إسراف ولا إجحاف، ولا زيادة
على ما يحتاج إليه، كل ذلك بحسب ما تدعو الحاجة لزيادة الأجر
والثواب، ويصرف الناظر في هذا الوقف لرجلين مسلمين موصوفين
بالديانة والأمانة، يكون أحدهما خازنًا لمخزن حاصل التفرقة، يتولى تفرقة
الأشربة والأكحال والأعشاب والمعاجين والأدهان والشيافات، المأذون
له في صرف ذلك من المباشرين، ويكون الآخر أمينًا يتسلم صبيحة كل
يوم وعشيته أقداح الشراب المختصة بالمرضى والمختلين من الرجال
والنساء المقيمين بهذا المارستان، ويفرق ذلك عليهم ويباشر شرب كل
منهم لما وصف له من ذلك، ويباشر المطبخ بهذا المارستان وما يطبخ به
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
٢٠٠
صلاح الأمة في علو الهمة
للمرضى من مزاور ودجاج وفراريج ولحم وغير ذلك، ويجعل لكل
مريض ما طبخ له في كل يوم في زبدية منفردة له من غير مشاركة مع
مريض آخر، ويغطيها ويوصلها إلى المريض إلى أن يتكامل إطعامهم
ويستوفي كل منهم غذاءه وما وصف به بكرة وعشية، ويصرف الناظر من
ريع هذا الوقف لمن ينصبه بهذا المارستان من الأطباء المسلمين الطبائعيين
والكحالين والجرائحيين بحسب ما يقتضيه الزمان وحاجة المرضى، وهو
مخيَّر في العدة وتقرير الجامكيات ما لم يكن في ذلك حيف ولا شطط،
يباشرون المرضى والمختلين الرجال والنساء بهذا المارستان، مجتمعين
ومتناوبين باتفاقهم على التناوب، أو بإذن الناظر في التناوب، ويسألون
عن أحوالهم وما يتجدد لكل منهم، من زيادة مرض أو نقص، ويكتبون
بما يصلح لكل مريض من شراب وغذاء وغيره في دستور ورق ليصرف
على حكمه، ويلتزمون المبيت في كل ليلة بالمارستان، مجتمعين أو متناوبين،
ويجلس الأطباء الكحالون لمداواة أعين الرمداء بهذا المارستان، ولمداوة من
يرد إليهم به من المسلمين بحيث لا يرد أحد من المسلمين الرمداء من
مداواة عينيه بكرة كل يوم، ويباشرون المداواة ويتلطفون فيها، ويرفقون
بالرمداء في ملاطفتهم، وإن كان بينهم من به قروح أو أمراض في عينه
تقتضي مراجعة الكحال للطبيب الطبائعي، راجعه وأحضره معه، وباشر
معه من غير انفراد عنه، ويراجعه في أحوال برئه وشفائه، ويصرف الناظر
في هذا الوقف لمن ينصبه شيخًا للاشتغال عليه بعلم الطب على اختلافه،
يجلس بالمسطبة الكبرى المعينة له في كتاب الوقف المشار إليه، للاشتغال
بعلم الطب على اختلاف أوضاعه، في الأوقات التي يعينها له الناظر ما
يرى صرفه إليه، وليكن جملة أطباء البيمارستان المبارك من غير زيادة عن
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/